← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

لسفيان: أوصني وأنا أسمع قال: إياك والأهواء، إياك والخصومات، إياك والسلطان. (١) - وجاء في تلبيس إبليس عنه قال: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها. (٢) - وجاء في ذم الكلام عنه قال: ينبغي للرجل ألا يحك رأسه إلا بأثر. (٣) - وجاء في السير عنه: من سمع ببدعة فلا يحكها لجلسائه، لا يلقها في قلوبهم. (٤) " التعليق: قال الإمام الذهبي عقبه: أكثر أئمة السلف على هذا التحذير، يرون أن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة. - وفيها: قال زكريا الساجي، عن أحمد بن محمد البغدادي: قال المزي شيخنا -أظنه أبا بكر الأثرم-: سمعت أبا نعيم يقول: دخل الثوري يوم الجمعة من الباب القبلي، فإذا الحسن بن صالح يصلي، فقال: نعوذ بالله من خشوع النفاق، وأخذ نعليه، فتحول إلى سارية أخرى. - وقال العلاء بن عمرو الحنفي، عن زافر بن سليمان: أردت الحج، فقال لي الحسن بن صالح: إن لقيت أبا عبد الله سفيان الثوري بمكة، فأقره مني

стр. 982

السلام، وقل: أنا على الأمر الأول. فلقيت سفيان في الطواف، فقلت: إن أخاك الحسن بن صالح يقرأ عليك السلام، ويقول: أنا على الأمر الأول. قال: فما بال الجمعة؟. قال الذهبي: كان يترك الجمعة، ولا يراها خلف أئمة الجور، بزعمه. (١) - جاء في التلبيس عن أبي همام السكوني قال: حدثني أبي قال سمعت سفيان يقول: لا يقبل قول إلا بعمل ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة. (٢) - قال سفيان: وجدت الأمر الاتباع. (٣) - عن مؤمل بن إسماعيل قال: سمعت سفيان يقول: المسلمون كلهم عندنا على حالة حسنة إلا رجلين: صاحب بدعة أو صاحب سلطان. (٤) - قال سفيان: ليس شيء أبلغ في فساد رجل وصلاحه من صاحب. (٥) - عن شعبة قال: كان سفيان الثوري يبغض أهل الأهواء وينهى عن مجالستهم أشد النهي وكان يقول: عليكم بالأثر وإياكم والكلام في ذات الله. (٦) - وجاء في الإبانة عن الفريابي قال: كان سفيان الثوري ينهاني عن

стр. 983

مجالسة فلان يعني رجلا من أهل البدع. (١) - وفيها عن عثمان بن زائدة قال: أوصاني سفيان قال: لا تخالط صاحب بدعة. (٢) - وكان يجلس إلى سفيان الثوري فتى كثير التفكر، طويل الإطراق، فأراد سفيان أن يحركه؛ ليسمع كلامه، فقال: يا فتى إن من كان قبلنا مروا على خيل عتاق، وبقينا على حمر دبرة. فقال: يا أبا عبد الله إن كنا على الطريق؛ فما أسرع لحوقنا بهم. (٣) قال ابن وضاح: وسمعتهم يذكرون أن سفيان الثوري دخل مسجد بيت المقدس فصلى فيه ولم يتبع تلك الآثار ولا الصلاة فيها. (٤) موقفه من الرافضة: - جاء في السير: قال أبو بكر بن عياش: كان سفيان ينكر على من يقول: العبادات ليست من الإيمان، وعلى من يقدم على أبي بكر وعمر أحدا من الصحابة. (٥) - وفيها عنه أنه قال: إن قوما يقولون: لا نقول لأبي بكر وعمر إلا خيرا، ولكن علي أولى بالخلافة منهما. فمن قال ذلك، فقد خطأ أبا بكر وعمر وعليا، والمهاجرين والأنصار، ولا أدري ترتفع مع هذا أعمالهم إلى

стр. 984

السماء؟. (١) - وفيها: قال عطاء بن مسلم: قال لي الثوري: إذا كنت بالشام، فاذكر مناقب علي، وإذا كنت بالكوفة، فاذكر مناقب أبي بكر وعمر. (٢) - وفيها عنه أنه قال: تركتني الروافض، وأنا أبغض أن أذكر فضائل علي. (٣) - وفيها عنه: امسح عليهما ما تعلقتا بالقدم، وإن تخرقا. قال: وكذلك كانت خفاف المهاجرين والأنصار مخرقة مشققة. (٤) - وفيها عن الفريابي سمعت سفيان ورجل يسأله عن من يشتم أبا بكر؟ فقال: كافر بالله العظيم. قال: نصلي عليه؟ قال: لا، ولا كرامة. قال: فزاحمه الناس حتى حالوا بيني وبينه، فقلت للذي قريبا منه: ما قال؟ قلنا: هو يقول: لا إله إلا الله، ما نصنع به؟ قال: لا تمسوه بأيديكم، ارفعوه بالخشب حتى تواروه في قبره. (٥) - وقال سفيان الثوري ﵀: لا يجتمع حب عثمان وعلي ﵄ إلا في قلوب نبلاء الرجال. (٦) - جاء في أصول الاعتقاد عن شعيب بن حرب قال: قلت يا أبا عبد الله

стр. 985

-يعني لسفيان الثوري- ما موافقة السنة؟ قال: تقدمة الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، يا شعيب بن حرب لا ينفعك ما كتبت حتى تقدم عثمانا وعليا على من بعدهما. (١) - وفيه عن إبراهيم بن المغيرة -وكان شيخا حجاجا- قال: سألت الثوري: يصلى خلف من يسب أبا بكر وعمر؟ قال: لا. (٢) - وجاء في السنة للخلال: عن عبد العزيز بن أبان القرشي قال: سمعت سفيان الثوري يقول: من قدم على أبي بكر وعمر أحدا فقد أزرى على اثني عشر ألفا من أصحاب رسول الله ﷺ ، توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض. (٣) - وفيها عن يوسف بن أسباط قال: قال رجل لسفيان الثوري: بلغنا أنك تبغض عثمان؟ ففزع فقال: لا والله ولا معاوية رحمهما الله. (٤) - وقال حفص بن غياث: قلت لسفيان: يا أبا عبد الله، إن الناس قد أكثروا في المهدي، فما تقول فيه؟ قال: إن مر على بابك، فلا تكن فيه في شيء حتى يجتمع الناس عليه. (٥) موقفه من الصوفية: - جاء في السير: عن سفيان قال: ليس الزهد بأكل الغليظ، ولُبس

стр. 986

الخشن، ولكنه قصر الأمل، وارتقاب الموت. (١) - وفيها: قال سفيان: الزهد زهدان: زهد فريضة، وزهد نافلة. فالفرض: أن تدع الفخر والكبر والعلو، والرياء والسمعة، والتزين للناس، وأما زهد النافلة: فأن تدع ما أعطاك الله من الحلال، فإذا تركت شيئا من ذلك، صار فريضة عليك ألا تتركه إلا لله. (٢) - وقال سفيان الثوري لرجل عليه صوف: لباسك هذا بدعة. (٣) موقفه من الجهمية: - جاء في الإبانة عن ابن المبارك، سمع سفيان يقول: من زعم أن ﴿قُلْ ﴿هُوَ اللَّهُ أحد﴾ (٤) مخلوق، فقد كفر بالله. (٥) - وفيها عن سفيان بن وكيع قال سمعت أبي يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: الإيمان قول وعمل، والقرآن كلام الله غير مخلوق. (٦) - جاء في مجموع الفتاوى: قال سفيان الثوري: من قال القرآن مخلوق فهو كافر. (٧) - جاء في أصول الاعتقاد عنه قال: من قال القرآن مخلوق فهو

стр. 987

زنديق. (١) - وفيه عن معدان قال: سألت سفيان الثوري عن قوله: وَهُوَ ﴿مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٢) قال: علمه. (٣) - وفيه عن الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس عن هذه الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية؟ فقالوا أمروها كما جاءت بلا كيف. (٤) - وجاء في ذم الكلام بالسند إلى عبد الله بن داود الخريبي: سألت سفيان الثوري عن الكلام فقال: دع الباطل، أين أنت عن الحق، اتبع السنة ودع الباطل. (٥) موقفه من الخوارج: - عن أبي أسامة قال رجل لسفيان: أتشهد على الحجاج وأبي مسلم أنهما في النار؟ قال: لا إذا أقرا بالتوحيد. (٦) - وعن طاوس قال: قال ابن عباس: ليس بالكفر الذي تذهبون إليه، قال سفيان: أي ليس كفرا ينقل عن الملة: ﴿وَمَنْ لَمْ يحكم بما أنزل اللَّهُ

стр. 988

فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١). (٢) موقفه من المرجئة: - عن عبد الرزاق سمعت معمرا وسفيان وابن جريج ومالكا وابن عيينة كلهم يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. (٣) - وجاء في السنة قال عبد الله حدثني أبي حدثنا عبد الله بن نمير سمعت سفيان وذكر المرجئة فقال: رأي محدث أدركنا الناس على غيره. (٤) - وجاء في الإبانة عنه قال: كان الفقهاء يقولون: لا يستقيم قول إلا بعمل ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة. (٥) - وجاء في السير بالسند إليه قال: خلاف ما بيننا وبين المرجئة ثلاث: يقولون: الإيمان قول ولا عمل ونقول: قول وعمل، ونقول: إنه يزيد وينقص، وهم يقولون: لا يزيد ولا ينقص، ونحن نقول: النفاق وهم يقولون: لا نفاق. (٦) - وعن محمد بن يوسف قال: دخلت على سفيان الثوري وفي حجره

стр. 989

المصحف وهو يقلب الورق فقال: ما أحد أبعد منه من المرجئة. (١) - عن عبد الصمد بن حسان قال: قال سفيان الثوري: أهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل مخافة أن يزكوا أنفسهم، لا يجوز عمل إلا بإيمان ولا إيمان إلا بعمل، فإن قال: من إمامك في هذا؟ فقل سفيان الثوري. (٢) - وفيه عن إبراهيم بن المغيرة وكان شيخا حجاجيا. قال: سألت سفيان الثوري أصلي خلف من يقول: الإيمان قول بلا عمل؟ قال: لا ولا كرامة. (٣) - وفي السير عن مؤمل بن إسماعيل قال: مات عبد العزيز فجيء بجنازته، فوضعت عند باب الصفا، وجاء سفيان الثوري، فقال الناس: جاء سفيان، جاء سفيان. فجاء حتى خرق الصفوف، وجاوز الجنازة، ولم يصل عليها، لأنه كان يرى الإرجاء. فقيل لسفيان، فقال: والله إني لأرى الصلاة على من هو دونه عندي، ولكن أردت أن أري الناس أنه مات على بدعة. (٤) - وجاء في السير: عن محمد بن عمار الرازي قال: سمعت أبا نعيم، سمعت الثوري يقول: الإيمان يزيد وينقص. قلت: ما تقول أنت يا أبا نعيم؟ فزورني وقال: أقول بقول سفيان. ولقد مات مسعر وكان من خيارهم، وسفيان وشريك شاهدان، فما حضرا جنازته. (٥)

стр. 990

- وعن أبي نعيم قال: مرت بنا جنازة مسعر بن كدام منذ خمسين سنة ليس فيها سفيان ولا شريك. (١) تنبيه: تقدم معنا موقف مسعر بن كدام من المرجئة وأنه يقول الإيمان قول وعمل، ولم يكن مرجئيا، وإنما ترك الاستثناء، فمن أجل ذلك وقف منه سفيان وشريك هذا الموقف فلم يحضرا جنازته. وحمل أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه الإيمان (٢) ترك مسعر للاستثناء على الدخول في الإيمان لا على الاستكمال. - وقال فضيل سمعت سفيان الثوري يقول: من صلى إلى هذه القبلة فهو عندنا مؤمن والناس عندنا مؤمنون بالإقرار والمواريث والمناكحة والحدود والذبائح والنسك، ولهم ذنوب وخطايا الله حسبهم، إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم لا ندري ما لهم عند الله. (٣) - وعن عبد الصمد بن حسان قال: قال سفيان الثوري: اتقوا هذه الأهواء المضلة، قيل له: بين لنا رحمك الله، قال سفيان: أما المرجئة فيقولون: الإيمان كلام بلا عمل، من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فهو مؤمن مستكمل إيمانه على إيمان جبريل والملائكة، وإن قتل كذا وكذا مؤمنا وإن ترك الغسل من الجنابة وإن ترك الصلاة، وهم يرون السيف على أهل القبلة. (٤)

стр. 991

موقفه من القدرية: - جاء في أصول الاعتقاد: عن حكام بن سلم قال: سألت سفيان الثوري -يعني عن هذا الحديث: "صنفان ليس لهما في الإسلام نصيب" (١) - قال: هم الذين يقولون الإيمان قول، وقوم يزعمون أن لا قدر. (٢) - وفيه: عن سفيان الثوري قال سمعت أعرابيا وهو مستلقىً بعرفة وهو يقول: اللهم من أولى بالزلل والتقصير مني وقد خلقتني ضعيفا؟ ومن أولى بالعفو عني منك؟ علمك فيّ سابق، وأمرك بيّ محيط، أطعتك بإذنك والمنة لك، وعصيتك بعلمك والحجة لك، فأسألك بوجوب رحمتك وانقطاع حجتي وبفقري إليك وغناك عني، أن تغفر لي وترحمني. اللهم لم أحسن حتى أعطيتني ولم أسئ حتى قضيت علي. اللهم إنا أطعناك وبنعمتك في أحب الأشياء إليك: شهادة أن لا إله إلا الله، ولم نعصك بنعمتك في أبغض الأشياء إليك: الشرك، فاغفر ما بينهما. اللهم إنك أنس المؤمنين لأوليائك وأقربهم بالكفاية من المتوكلين عليك، تشاهدهم في ضمائرهم وتطلع على سرائرهم، وسري لك اللهم مكشوف، وأنا لك ملهوف، إذا أوحشتني الغربة آنسني ذكرك، وإذا أغمت علي الهموم لجأت إليك استجارة بك، علما بأن أزمة الأمور بيدك وأن مصدرها عن قضائك. (٣) - وفيه: عن شعيب بن حرب قال: قلت لسفيان الثوري: تسبب لي

стр. 992

قدري أزوجه؟ قال: لا ولا كرامة. (١) - وفي الإبانة عن عثمان بن شبيب قال: حدثني أبي؛ قال: كنا عند سفيان الثوري؛ فجاءه رجل، فقال: ما تقول في رجل قال: الخير بقدر والشر ليس بقدر؟ فقال له سفيان: هذه مقالة المجوس. (٢) - وفيها عن عبد الرحمن بن مهدي قال: سمعت سفيان قال له رجل: يا أبا عبد الله: أجبر الله العباد على المعاصي؟ قال: ما أجبر. قد علمت أن ما عمل العباد لم يكن لهم بد من أن يعملوا. (٣) - وفيها: عن عبد الله بن نمير قال: كتب أبو داود الديلي إلى سفيان الثوري: أما بعد؛ فما تقول في رب قدر علي هداي وعصمتي وإرشادي فخذلني وأضلني، وحرمني الصواب وأوجب علي العقاب، وأنزلني دار العذاب؛ أعدل علي هذا الرب أم جار؟ قال: فكتب إليه سفيان: أما بعد؛ فإن كنت تزعم أن العصمة والتوفيق والإرشاد وجب لك على الله فمنعك ذلك؛ فقد ظلمك ومحال أن يظلم الله أحدا، وإن كنت تزعم أن ذلك من فضل الله؛ فإن فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم. (٤) - وفيها عن يحيى بن سعيد القطان: لما قدم سفيان الثوري البصرة: جعل ينظر إلى أمر الربيع -يعني ابن صبيح- وقدره عند الناس، سأل أي شيء مذهبه؟ قالوا: ما مذهبه إلا السنة، قال: من بطانته؟ قالوا: أهل القدر،

стр. 993

قال: هو قدري. " التعليق: قال ابن بطة: رحمة الله على سفيان الثوري، لقد نطق بالحكمة فصدق، وقال بعلم فوافق الكتاب والسنة وما توجبه الحكمة ويدركه العيان، ويعرفه أهل البصيرة والبيان، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ (١). (٢) الإفريقي (٣) (١٦١ هـ) عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي أبو أيوب، القدوة الإمام، قاضي إفريقية وعالمها ومحدثها على سوء في حفظه. أول مولود ولد في الإسلام بعد فتح أفريقية بإفريقية. روى عن أبيه وبكر بن سوادة وأبي عبد الرحمن الحبلي وعبد الرحمن بن رافع التنوخي صاحب لعبد الله بن عمرو وأبي عثمان المصري صاحب لأبي هريرة وعدة من التابعين. وروى عنه ابن وهب وجعفر ابن عون ويعلى بن عبيد وأبو عبد الرحمن المقرئ وخلق كثير. وفد على المنصور بالكوفة فوعظه وصدعه بالحق. كان الثوري يعظمه جدا. توفي سنة إحدى وستين بعد المائة للهجرة.

стр. 994

موقفه من المشركين: قيل: أسرته الروم، فقدم ليقتل بعد قتل طائفة، قال: فحركت شفتي وقلت: الله الله ربي، لا أشرك به شيئا ولا أتخذ من دونه وليا. فأبصر الطاغية فعلي فقال: قدموا شماس العرب. لعلك قلت: الله الله ربي لا أشرك به شيئا؟ قلت: نعم. قال: ومن أين علمته؟ قلت: نبينا أمرنا به. فقال لي: وعيسى أمرنا به في الإنجيل. فأطلقني ومن معي. (١) إبراهيم بن أدهم (٢) (١٦٢ هـ) إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر، القدوة الإمام، سيد الزهاد، أبو إسحاق العجلي نزيل الشام، ولد في حدود المائة. حدث عن أبيه ومحمد بن زياد الجمعي وأبي إسحاق السبيعي ومالك بن دينار وسليمان الأعمش ومقاتل بن حيان وغيرهم. وروى عنه رفيقه سفيان الثوري وشقيق البلخي وضمرة بن ربيعة وخلف بن تميم وعتبة بن السكن وغيرهم. حج أبوه بأمه فولدت له إبراهيم بمكة. كان إبراهيم من الأشراف وكان أبوه كثير المال والخدم، فترك ذلك وأقبل على إصلاح دينه فكان رجلا فاضلا، كان يرتجز: اتَّخِذِ اللهَ صاحبا ... ودعِ الناسَ جانبا

стр. 995

توفي سنة اثنتين وستين بعد المائة للهجرة. موقفه من المبتدعة: - وقيل لإبراهيم بن أدهم: إن الله يقول في كتابه: ﴿ادعوني أستجب لَكُمْ﴾ (١)، ونحن ندعوه منذ دهر فلا يستجيب لنا، فقال: ماتت قلوبكم في عشرة أشياء: أولها: عرفتم الله ولم تؤدوا حقه، والثاني: قرأتم كتاب الله ولم تعملوا به، والثالث: ادعيتم حب رسول الله ﷺ وتركتم سنته، والرابع: ادعيتم عداوة الشيطان ووافقتموه، والخامس: قلتم: نحب الجنة وما تعملون لها .. إلى آخر الحكاية. (٢) - عن سالم الخواص قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: أصحاب الحديث بهم يدفع البلوى عن الناس أو قال الآفات. (٣) - عن أبي محمد إسماعيل بن عبد الجبار العسقلاني قال: سمعت إبراهيم ابن أدهم يقول: من صافح صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام. (٤) - عن إبراهيم بن أدهم قال: يأتي على الناس زمان يكون أعز الأشياء ثلاثة، أخ يستأنس إليه، أو درهم من حلال، أو سنة يعمل بها. (٥)

стр. 996

أرطأة بن المنذر الألهاني (١) (١٦٣ هـ) أَرْطَأَة بن المُنْذِر بن الأسود بن ثابت الأَلْهَانِي السَّكُوني، أبو عَدي الشّامي الحِمْصي، أدرك ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، وأبا أمامة الباهلي وعبد الله بن بسر المازني. روى عن أبي عامر عبد الله بن عامر الألهاني ومجاهد وسعيد بن المسيب وعطاء وغيرهم. وروى عنه عبد الله بن المبارك، وشريح بن يزيد، وإسماعيل ابن عياش وغيرهم. قال ابن حبان: ثقة، حافظ، فقيه. وقال أبو اليمان: كنت أشبه أحمد ابن حنبل بأرطأة بن المنذر أبي عدي. قال محمد بن كثير: ما رأيت أحدا أعبد ولا أزهد ولا الخوف عليه أبين منه على أرطأة بن المنذر. قال يعقوب بن سفيان: مات سنة ثلاث وستين ومائة. موقفه من القدرية: جاء في الإبانة: عن بقية بن الوليد قال: سألت أرطأة بن المنذر قال: قلت: أرأيت من كذب بالقدر؟ قال: هذا لم يؤمن بالقرآن، قلت: أرأيت من فسره على الجذام والبرص والطويل والقصير وأشباه هذا؟ قال: هذا لم يؤمن بالقرآن، قلت: فشهادته؟ قال: إذا استيقن أنه كذلك؛ لم تجز شهادته لأنه عدو، ولا تجوز شهادة عدو. (٢)

стр. 997

عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة المَاجِشُون (١) (١٦٤ هـ) عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الإمام المفتي الكبير أبو عبد الله ويقال أبو الأصبغ التيمي مولاهم المدني الفقيه، والد المفتي عبد الملك بن المَاجِشُون صاحب مالك. روى عن عبد الله بن دينار وعبيد الله بن عمر ومحمد بن المنكدر والزهري وطائفة. روى عنه ابنه عبد الملك وحجاج بن المنهال وحجين بن المثنى وموسى بن إسماعيل ووكيع بن الجراح وخلق سواهم. قال عنه الذهبي: لم يكن بالمكثر من الحديث، لكنه فقيه النفس فصيح كبير الشأن توفي سنة أربع وستين ومائة. موقفه من المبتدعة: - روى ابن بطة في الإبانة بالسند إلى أبي صالح كاتب الليث قال: أملى علي عبد العزيز بن الماجشون قال: احذروا الجدل فإنه يقربكم إلى كل موبقة ولا يسلمكم إلى ثقة، ليس له أجل ينتهي إليه وهو يدخل في كل شيء فاتخذوا الكف عنه طريقا فإنه القصد والهدى، وأن الجدل والتعمق هو جور السبيل وصراط الخطأ، فلا تحسبن التعمق في الدين رسخا، فإن الراسخين في العلم هم الذين وقفوا حيث تناهى علمهم، واحذرهم أن يجادلوك بتأويل القرآن واختلاف الأحاديث عن رسول الله ﷺ وتجادلهم فتزل كما زلوا وتضل كما ضلوا، فقد كفتك السيرة -يعني سيرة السلف- مؤونتها وأقامت

стр. 998

لك منها ما لم تكن لتعدله برأيك ولا تتكلفن صفة الدين لمن يطعن في الدين ولا تمكنهم من نفسك إنما يريدون أن يفتنوك أو يأتون بشبهة فيضلوك، ولا تقعد معهم قال الله : ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (١) ولعمري إن صفة الدين لبينة وإن سبله لواضحة وإن مأخذه لقريب لمن أراد الله هداه، ولم تكن الخصومة والجدل هواه، ولولا أن تأخذ الأمر من غير مأخذه أو تتبع فيه غير سبيل ... (٢) عوراتهم لمكشوفة وان حجتهم لداحضة ... (٣) دانوا الله بغير دين واحد بأديان شتى يمسون على دين ويصبحون به كافرين. (٤) - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وما أحسن ما جاء عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة أنه قال: عليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة، فإن السنة إنما جعلت ليستن بها ويقتصر عليها، وإنما سنها من قد علم ما في خلافها من الزلل والخطإ والحمق والتعمق، فارض لنفسك بما رضوا به لأنفسهم، فإنهم عن علم وقفوا وببصر نافذ كفوا، ولهم كانوا على كشفها أقوى وبتفصيلها لو كان فيها أحرى، وإنهم لهم السابقون وقد بلغهم عن نبيهم ما يجري من الاختلاف بعد القرون الثلاثة، فلئن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم حدثٌ حدثَ بعدهم فما أحدثه إلا من

стр. 999

اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم، واختار ما نحته فكره على ما تلقوه عن نبيهم وتلقاه عنهم من تبعهم بإحسان، ولقد وصفوا منه ما يكفي، وتكلموا منه بما يشفى، فمن دونهم مقصر، ومن فوقهم مفرط، لقد قصر دونهم أناس فجفوا، وطمح آخرون فغلوا، وإنهم في ما بين ذلك لعلى هدى مستقيم. (١) " التعليق: لقد وضع هذا الإمام في هذه الكلمة الطيبة التي تستحق أن تكتب بماء الذهب، قواعد سلفية تسد الباب أمام كل مبتدع يتبجح ببدعته، فمن كان يعترف بهدي هؤلاء السلف فهذا هديهم، وهذا كلامهم، وهذه عقيدتهم التي عاشوا عليها وماتوا عليها فجزاهم الله خيرا. موقفه من الجهمية: - جاء في الفتاوى الكبرى: والمقصود قوله من وصف شيئا من ذات الله فجعل الموصوف من ذات الله وغالب كلام السلف على هذا، كقول عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون نظير مالك في كلامه المشهور في الصفات. وقد رواه بالإسناد أبو بكر الأثرم وأبو عمرو الطلمنكي وأبو عبد الله بن بطة في كتبهم وغيرهم قال: أما بعد فقد فهمت ما سئلت فيما تتابعت الجهمية ومن خلفها في صفة الرب العظيم الذي فاقت عظمته الوصف والتقدير، وكلت الألسن عن تفسير صفته وانحسرت العقول دون معرفة قدره، ردت عظمته العقول فلم تجد مساغا فرجعت خاسئة وإنما أمروا

стр. 1000

بالنظر والتفكر فيما خلق بالتقدير، وإنما يقال كيف لمن لم يكن مرة ثم كان، فأما الذي لا يحول ولا يزول ولم يزل وليس له مثل فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو، وكيف يعرف قدر من لم يبدأ ومن لا يموت ولا يبلى؟ وكيف يكون لصفة شيء منه حد أو منتهى يعرفه عارف أو يحد قدرته واصف، على أنه الحق المبين لا حق أحق منه ولا شيء أبين منه. الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها عن تحقيق صفة أصغر مخلوقاته، لا تكاد تراه صغيرا يحول ويزول ولا يرى له سمع ولا بصر لما يتقلب به ويحتال من عقله أعضل بك وأخفى عليك مما ظهر من سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين، وخالقهم وسيد السادة وربهم ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، اعرف رحمك الله تعالى وغناك عن تكلف صفة ما لم يصف الرب من نفسه بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها إذا لم تعرف قدر ما وصف، فما كلفك علم ما لم يصف، هل يستدل بذلك على شيء من طاعته أو ينزجر به عن معصيته. فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقا وتكلفا قد استهوته الشياطين في الأرض حيران، فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأن قال لا بد إن كان له كذا من أن يكون له كذا، فعمى عن البين بالخفي فجحد ما سمى الرب من نفسه لصمت الرب عما لم يسم منها، فلم يزل يملي له الشيطان حتى جحد قول الله : ﴿وُجُوهٌ

стр. 1001

يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١) فقال: لا يراه أحد يوم القيامة فجحد والله أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجهه ونضرته إياهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فهم بالنظر إليه ينضرون إلى أن قال: وإنما جحد رؤيته يوم القيامة إقامة للحجة الضالة المضلة لأنه قد عرف إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا: لا. قال مؤمنين، وكان له جاحدا. وقال المسلمون: يا رسول الله: هل نرى ربنا فقال رسول الله ﷺ : هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب، قالوا: لا. قال: فإنكم ترون ربكم يومئذ كذلك (٢). وقال رسول الله ﷺ : لا تمتلئ النار حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط وينزوي بعضها إلى بعض (٣)، وقال لثابت ابن قيس: لقد ضحك الله مما فعلت بضيفك البارحة (٤) وقال فيما بلغنا أن الله ليضحك من أزلكم وقنوطكم وسرعة إجابتكم فقال له رجل من العرب: إن

стр. 1002

ربنا ليضحك قال: نعم قال: لا نعدم من رب يضحك خيرا (١) في أشباه لهذا مما لم يخصه. وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ السميع البصير﴾ (٢) وقال: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ (٣) وقال: ﴿وَلِتُصْنَعَ على عيني﴾ (٤) وقال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تسجد لِمَا خَلَقْتُ بيدي﴾ (٥) وقال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٦) فوالله ما دلهم على عظم ما وصف من نفسه وما تحيط به قبضته الأصغر (٧) نظيرها منهم عندهم، أن ذلك الذي ألقى في روعهم وخلق على معرفة قلوبهم، فما وصف الله من نفسه فسماه على لسان رسوله

стр. 1003

سميناه كما سماه ولم نتكلف منه صفة ما سواه، لا هذا ولا هذا، لا نجحد ما وصف ولا نتكلف معرفة ما لم يصف. اعلم رحمك الله أن العصمة في الدين أن تنتهي حيث انتهى بك ولا تجاوز ما قد حد لك فإن من قوام الدين معرفة المعروف وإنكار المنكر فما بسطت عليه المعرفة وسكنت إليه الأفئدة وذكر أصله في الكتاب والسنة وتوارث علمه الأمة، فلا تخافن في ذكره وصفته من ربك ما وصف من نفسه عينا ولا تكلفن بما وصف من ذلك قدرا، وما أنكرته نفسك ولم تجد ذكره في كتاب ربك ولا في الحديث عن نبيك من ذكر ربك، فلا تتكلفن علمه بعقلك ولا تصفه بلسانك واصمت عنه كما صمت الرب عنه من نفسه، فإن تكلفك معرفة ما لم يصف به نفسه مثل إنكارك ما وصف منها، فكما أعظمت ما جحد الجاحدون مما وصف من نفسه فكذلك أعظم تكلف ما وصف الواصفون، مما لم يصف منها، فقد والله عز المسلمون الذين يعرفون المعروف وبمعرفتهم يعرف وينكرون المنكر وبإنكارهم ينكر، يسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه وما يبلغهم مثله عن نبيه، فما مرض من ذكر هذا وتسميته من الرب قلب مسلم، ولا تكلف صفة قدره ولا تسمية غيره من الرب مؤمن. وما ذكر عن رسول الله ﷺ أنه سماه من صفة ربه فهو بمنزلة ما سمى ووصف الرب تعالى من نفسه، والراسخون في العلم الواقفون حيث انتهى علمهم الواصفون لربهم بما وصف من نفسه، التاركون لما ترك من ذكرها لا ينكرون صفة ما سمى منها جحدا، ولا يتكلفون وصفه بما لم يسم تعمقا، لأن الحق ترك ما ترك وسمى ما سمى فمن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت

стр. 1004

مصيرا، وهب الله لنا ولكم حكما وألحقنا بالصالحين. (١) قال الذهبي: وقيل: إنه نظر مرة في شيء من سلب الصفات لبعضهم، فقال: هذا الكلام بلا بناء وصفة بلا معنى. (٢) - وفي الإبانة: عن بقية بن الوليد عن عبد العزيز الماجشون قال: جهم وشيعته الجاحدون. (٣) " التعليق: فانظر رحمك الله في قول هذا الإمام فإنه قاعدة عظيمة يهدم بها كل ما كتبه الأشاعرة والماتوريدية في عقائدهم، فإنها من هذا الباب، فما فيها إلا السلب الذي وصفه هذا الإمام بأنه هدم بلا بناء وصفة بلا معنى. أين الذين يقولون إن ابن تيمية هو الذي وضع هذه القواعد للأسماء والصفات، وقبله لم يكن أحد يعرف هذا؟ فبالله عليك اقرأ عقيدة هذا الإمام واقرأ ما كتبه ابن تيمية هل تجد أن ابن تيمية زاد شيئا على ما قرره هذا الإمام وغيره من الأئمة، إلا أنه ﵀ أحيى عقائدهم السلفية وقررها كما قرروها ولم يزد عليهم فجزاه الله خيرا. موقفه من المرجئة: عن أبي سلمة الخزاعي قال: قال مالك بن أنس وشريك وأبو بكر بن

стр. 1005

عياش وعبد العزيز بن أبي سلمة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد: الإيمان المعرفة والإقرار والعمل. (١) موقفه من القدرية: جاء في الإبانة: عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون قال: أما بعد فإنك سألتني أن أفرق لك في أمر القدر، ولعمري لقد فرق الله تعالى فيه: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَو ألقى السمع وهو شهيد﴾ (٢)؛ فأعلمنا أن له الملك والقدرة، وأن له العذر والحجة، ووص ف القدر تملكا والحجة إنذارا، ووصف الإنسان في ذلك محسنا ومسيئا ومقدورا عليه ومعذورا عليه؛ فرزقه الحسنة وحمده عليها، وقدر عليه الخطيئة ولامه فيها؛ فحسبت حين حمده ولامه أنه مملك، ونسيت انتحاله القدر لأنه مملك؛ فلم يخرجه بالمحمدة واللائمة من ملكه، ولا يعذره بالقدر في خطيئته، خلقه على الطلب بالحيلة؛ فهو يعرفها ويلوم نفسه حين ينكرها، وعرفه القدرة؛ فهو يؤمن بها ولا يجد معولا إلا عليها؛ فرغب إلى الله في التوفيق لعمله بملكه، موقن بأن ذلك في يده فيخطئه ما طلب، فيرجع في ذلك على لائمة نفسه مفزعه في التقصير ندامته على ما ترك من الأخذ بالحيلة، قد عرف أن بذلك يكون لله عليه به الحجة معوله في طلب الخير، ثقته بالله وإيمانه بالقدر حين يقول يطلب الخير: لا حول ولا قوة إلا بالله، يقول حين يقع في الشر: لا عذر لي في معصية الله، مستسلم حين يطلب، ضعيف في نفسه، قوي حين يقع في الشر،

стр. 1006

لائما لأمره، ليس القدر بأحق عنده بأنه ظالم حين يعصي ربه، إن رأى أن أحدهما أحق من صاحبه؛ سفه الحق وجهل دينه، لا يجد عن الإقرار بالقدر مناصا ولا عن الاعتراف بالخطيئة محيصا، فمن ضاق ذرعا بهذا ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ (١) فوالله؛ لا يجد بدا من أن يضرع إلى الله ضرع من يعلم أن الأمر ليس إليه، ويعتذر من الخطيئة اعتذار من كأنها لم تقدر عليه؛ فلا تملكوا أنفسكم جحد القدرة، ولا تعذروها بالقدر فرارا من حجته، ضعوا أمر الله كما وضعه، ألا تفرقوا بينه بعدما جمعه؛ فإنه قد خلط بعضه ببعض وجعل بعضه من بعض، فخلط الحيلة بالقدر ثم لام وعذر وقد كتب بعد ذلك، فلا تملكوا أنفسكم فتجحدوا نعمته في الهدى، ولا تغلوا في صفة القدر؛ فتعذروا أنفسكم بالخطأ، فإنكم إذا نحلتم أنفسكم باللائمة وأقررتم لربكم بالحكومة؛ سددتم عنكم باب الخصومة، فتركتم الغلو ويئس منكم العدو؛ فاتخذوا الكف طريقا فإنه القصد والهدى، وأن الجدل والتعمق هو جور السبيل وصراط الخطأ، ولا تحسبن التعمق في الدين رسوخا؛ فإن الراسخين في العلم هم الذين وقفوا حيث تناهى علمهم وقالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢). وإن أحببت أن تعلم أن الحيلة بالقدر كما وصفت لك؛ فانظر في أمر

стр. 1007

القتال، وما ذكر الله منه في كتابه تسمع شيئا عجبا؛ من ذكر ملك ولا يغلب، ودولة تنقلب، ونصر محتوم، والعبد بين ذلك محمود وملوم، ينصر أولياءه وينتصر بهم، ويعذب أعداءه ويديلهم، يقول تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ (١)، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٢)، ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٣)؛ قال: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ (٤)، فافهم ظنهم أي الفريقين أولى بهم؛ المضيف إلى ربه المؤمن بقدره، أم الذي يزعم أنه قد ملكه؟ فإلى نفسه وكله، فإن ظنهم ذلك إنما هو قولهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾، ولكنا عصينا، ولو أطعنا؛ ما قتلنا ها هنا؛ فلعمري لئن كانوا صدقوا لقد صدقت، ولئن كانوا كذبوا لقد

стр. 1008

كذبت؛ فقال الملك تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لله﴾، وقال : ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾، ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ (١) فيديل الله أعداءه على أوليائه، فيستشهدهم بأيديهم ثم يكتب ذلك خطيئة عليهم، ثم يعذبهم بها ويسألهم عنها وهو أدالهم بها، وينصر أولياءه على أعدائه ثم يقول: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رميت إذ رميت وَلَكِنَّ اللَّهَ رمى﴾ (٢)، ثم يكتب ذلك حسنة لهم يحمدهم عليها ويثني عليهم بها، وهو تولى نصرهم فيها، يقول: الأمر كله لي، لا يغلب واحد من الفريقين إلا بي، وعدهم ببدر إحدى الطائفتين أنها لهم وعدا لا يخلف، ونقمة لا تصرف، ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم؛ فينقلبوا خائبين يقول لنبيه ﷺ : ﴿ليس لك مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٣)، تمم ذاك الوعد بمثل الحيلة وأعد لهم العدد والمكيدة، وإنما هو تسبب لقدرة خفية، وأنزل من السماء الملائكة لقتال ألف من قريش، ثم أوحى إليهم أني معكم يثبتهم بذلك؛ فثبتوا الذين آمنوا، حتى كأنه عند من ينكر القدر أمر يكابر وعدو يخاف منه أن يظفر،

стр. 1009

وإبليس مع الكفار قد زين لهم أعمالهم ﴿وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ (١)، فبينما الأمر هكذا كأنه أمر الناس الذين يخشون الغلبة ويجتهدون في المكيدة ولا يتركون في عدة؛ إذ قذف الرعب في قلوبهم فولوا مدبرين، وقال للملائكة: ﴿فاضربوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (٢)؛ فجاءهم أمر لا حيلة لهم فيه ولا صبر لوليهم عليه، وإنما وعدهم عليه إبليس، فلما رأى الملائكة نكص على عقبيه وقال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٣)، لا يجنبني وإياكم من بأسه جنة ولا يدفعه عني ولا عنكم عدة ولا قوة، لا ترون من يقاتلكم، لا تستطيعون دفع الرعب عن قلوبكم ولا أستطيع دفعه عن نفسي؛ فكيف أستطيع دفعه عنكم، وهم الذين كانوا حذروا وخيف منهم أن يظهروا، ورأوا منهم كثرة العدد حين قال: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٤)

стр. 1010

لمه؟ قال: ﴿ليقضي اللَّهُ أَمْرًا كان مَفْعُولًا﴾ (١)، فيخبرهم أنه قد فرغ وقضى، وأنه لا يريد أن يكون الأمر إلا هكذا، ويحسب القدري إنما ذلك من الله احتيال واحتفال وإعداد للقتال، وينسى أنه الغالب على أمره بغير مغالبة والقاهر لعدوه، إذا شاء بغير مكاثرة أهلك عادا بالريح العقيم، وأخمد ثمودا بالصيحة، وخسف بقارون وبداره الأرض، وأرسل على قوم لوط حجارة من السماء ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء قعصا لا مكر فيه ولا استدراج، ويستدرج ويمكر بمن لا يعجزه، ويأتي من حيث لا يحتسب من لا يمتنع منه مواجهة ومن ليست له على النجاة منه قدرة، وكلا الأمرين في قدره وقضائه سواء؛ فهو ينفذهما في خلقه على من يشاء، لم يهلك هؤلاء قعصا ولا قهرا؛ اغتناما لغرتهم، ولم يستدرج هؤلاء ويمكر بهم؛ شفقة أن يعجزوا مما أراد بهم لقدره وقضائه مخرجان، أحدهما ظاهر قاهر والآخر قوي خفي، لا يمتنع منه شيء ولا يوجد له مس، ولا يسمع له حس، ولا يرى له عين ولا أثر حتى يبرم أمره، فيظهر يباعد به القريب ويصرف به القلوب ويقرب به البعيد ويذل به كل جبار عنيد حتى يفعل ما يريد به، حفظ موسى ﵇ في التابوت واليم منفوسا ونزه يقربه من عدوه إليه للذي سبب أمره عليه وقد قدر وقضى أن نجاته فيه. قال لأمه: ﴿فإذا خفت عليه﴾ (٢) أن يأخذه فرعون ﴿فاقذفيه في اليم

стр. 1011

فليلقه اليم بِالسَّاحِلِ﴾ (١) يأخذه فرعون هنالك لا يريد أن يأخذه إلا كذلك، فاختلجه من كنه ومن ثدي أمه إلى هول البحر وأمواجه، وأدخل قلب أمه اليقين أنه راده إليها وجاعله من المرسلين؛ فأمنت عليه الغرق، فألقته في اليم ولم تفرق، وأمر اليم يلقيه بالساحل؛ فسمع وأطاع، وحفظه ما استطاع حتى أداه إلى فرعون بأمره، وقد قدر وقضى على قلب فرعون وبصره حفظه وحسن ولايته بما قضى من ذلك فألقى عليه محبة منه ليصنعه على عينه، قد أمن عليه سطوته ورضي له تربيته، لم يكن ذلك منه على التغرير والشفقة، ولكن على اليقين والثقة بالغلبة، يصطفي له الأطعمة والأشربة والخدم والحضان، يلتمس له المراضع شفقا أن يميته، وهو يقتل أبناء بني إسرائيل عن يمين وشمال، يخشى أن يفوته وهو في يديه وبين حجره ونحره، يتبناه ويترشفه، يراه ولا يراه وقد أغفل قلبه عنه وزينه في عينه وحببه إلى نفسه؛ لمه؟ قال: ﴿ليكون لهم عدوًا وحزنًا﴾ (٢)، فمنه يفرق على وده لو عليه يقدر وهو في يديه وهو لا يشعر حتى رده بقدرته إلى أمه، وجعله بها من المرسلين، وفرعون خلال ذلك يزعم أنه رب العالمين وهو يجري في كيد الله المتين حتى أتاه من ربه اليقين مذعنا مستوسقا في كل مقال وقتال يرفعه طبقا عن طبق حتى إذا أدركه الغرق؛ قال: ﴿آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلًّا الذي

стр. 1012

آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إسرائيل وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١)،فنسأل الله تمام النعمة في الهدى في الآخرة والدنيا، فإن ذلك ليس بأيدينا، نبرأ إليه من الحول والقوة، ونبوء على أنفسنا بالظلم والخطيئة، الحجة علينا بغير انتحالنا القدرة على أخذ مادعانا إليه إلا بمنه وفضله صراحا، لا نقول كيف رزقنا الحسنة وحمدنا عليها ولا كيف قدر الخطيئة ولامنا فيها، ولكن؛ نلوم أنفسنا كما لامها، ونقر له بالقدرة كما انتحلها، لا نقول لما قاله لم قاله، ولكن نقول كما قاله، وله ما قال وله ما فعل: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٢) ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣). (٤) - وفيها عنه أنه قال: أما بعد؛ فإني موصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة رسول الله ﷺ ، وترك ما أحدث المحدثون في دينهم مما قد كفوا مؤنته وجرت فيهم سنته، ثم اعلم أنه لم تكن بدعة قط إلا وقد مضى قبلها ما هو عبرة فيها ودليل عليها؛ فعليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة، وأن السنة إنما جعلت سنة ليستن بها ويقتصر عليها وإنما سنها من قد علم ما في خلافها من الزلل والخطأ والحمق والتعمق؛ فارض لنفسك بما رضوا به لأنفسهم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر ناقد كفوا ولهم عن كشفها كانوا أقوى وبفضل لو كان فيها أحرى وأنهم لهم السابقون، فلئن كان

стр. 1013

الهدى ما أنتم فيه؛ لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلت حدث حدث بعدهم ما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم، ولقد وصفوا منه ما يكفي، وتكلموا منه بما يشفي؛ فما دونهم مقصر ولا فوقهم محسر، لقد قصر أناس دونهم؛ فجفوا، وطمح آخرون عنهم؛ فغلوا، وأنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم، سألتني عن القدر، وما جحد منه من جحد؛ فعلى الخبير إن شاء الله سقطت، وذلك أرى الذي أردت فما أعلم أمرا مما أحدث الناس فيه محدثة أو ابتدعوا فيه بدعة أبين أثرا ولا أثبت أصلا ولا أكثر -والحمد لله- أهلا من القدر، لقد كان ذكره في الجاهلية الجهلاء، ما أنكروا من الأشياء يذكرونه في شعرهم وكلامهم ويعزون به أنفسهم فيما فاتهم ثم ما زاده الإسلام إلا شدة، لقد كلم به رسول الله ﷺ في غير موطن، ولا اثنين، ولا ثلاثة، ولا أكثر من ذلك، وسمعه المسلمون منه، وتكلموا به في حياته وبعد وفاته ﷺ ؛ يقينا، وتسليما، وتضعيفا لأنفسهم، وتعظيما لربهم أن يكون شيء لم يحط به علمه، ولم يحصه كتابه، ولم يمض به قدره، إن ذلك مع ذلك لفي محكم كتابه، لمنه اقتبسوه، ولبه علموه، فلئن قلتم: أين آية كذا؟ وأين آية كذا؟ ولم قال الله كذا؟ لقد قرؤوا منه ما قرأتم، وعلموا من تأويله ما جهلتم، ثم آمنوا بعد ذلك به كله، بالذي جحدتم، فقالوا: قدر وكتب، وكل شيء بكتاب وقدر، ومن كتبت عليه الشقوة، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا نملك لأنفسنا ضرا ولا نفعا؛ إلا ماشاء الله، ثم رغبوا مع قولهم هذا، ورهبوا، وأمروا، ونهوا، وحمدوا ربهم على الحسنة، ولاموا أنفسهم على الخطيئة، ولم يعذروا أنفسهم بالقدر، ولم

стр. 1014

يملكوها فعل الخير والشر، فعظموا الله بقدره، ولم يعذروا أنفسهم به، وحمدوا الله على منه، ولم ينحلوه أنفسهم دونه، وقال الله تعالى: ﴿وذلك جزاء الْمُحْسِنِينَ﴾ (١)، وقال: ﴿بِمَا كَانُوا يفسقون﴾ (٢)؛ فكما كان الخير منه، وقد نحلهم عمله؛ فكذلك كان الشر منه، وقد مضى به قدره. وإن الذين أمرتك باتباعهم في القدر لأهل التنزيل، الذين تلوه حق تلاوته، فعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وكانوا بذلك من العلم في الراسخين، ثم ورثوا علم ما علموا من القدر وغيره من بعدهم، فما أعلم أمرا شك فيه أحد من العالمين، -لا يكون أعظم الدين- أعلى ولا أفشى ولا أكثر ولا أظهر من الإقرار بالقدر؛ لقد آمن به الأعرابي الجافي، والقروي القاري، والنساء في ستورهن، والغلمان في حداثتهم، ومن بين ذلك من قوي المسلمين وضعيفهم، فما سمعه سامع قط فأنكره، ولا عرض لمتكلم قط إلا ذكره، لقد بسط الله عليه المعرفة، وجمع عليه الكلمة، وجعل على كلام من جحده النكرة؛ فما من جحده ولا أنكره فيمن آمن به وعرفه من الناس إلا كأكلة رأس. فالله الله، فلو كان القدر ضلالة؛ ما تكلم به رسول الله ﷺ ، ولو كانت بدعة؛ فعلم المسلمون متى كانت؛ فقد علم المسلمون متى أحدثت المحدثات والبدع والمضلات. وإن أصل القدر لثابت في كتاب الله تعالى،

стр. 1015

يعزي به المسلمين في مصائبهم بما سبق منها في الكتاب عليهم، يريد بذلك تسليتهم، ويثبت به على الغيب يقينهم، فسلموا لأمره، وآمنوا بقدره، وقد علموا أنهم مبتلون، وأنهم مملوكون غير مملكين ولا موكلين، قلوبهم بيد ربهم، لا يأخذون إلا ما أعطى، ولا يدفعون عن أنفسهم ما قضى، قد علموا أنهم إن وكلهم إلى أنفسهم؛ ضاعوا، وإن عصمهم من شرها؛ أطاعوا، هم بذلك من نعمته عارفون، كما قال نبيه وعبده الصديق: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (١)، ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)،فتبرأ إلى ربه من الحول والقوة، وباء مع ذلك على نفسه بالخطيئة، فكانت لهم فيه أسوة، وكانوا له شيعة، لم يجعل الله تعالى القدر والبلاء مختلفا في صدورهم، ومنع الشيطان أن يدخل الوسوسة عليهم، فلم يقولوا: كيف يستقيم هذا؟ قد علموا أن الله هو ابتلاهم، وأن قدره نافذ فيهم، ليس هذا عندهم بأشد من هذا، ولا يوهن هذا عندهم هذا، يحتالون لأنفسهم كحيلة من زعم أن الأمر بيده، ويؤمنون بالقدر إيمان من علم أنه مغلوب على أمره؛ فلم يبطيهم الإيمان بالقدر عن عبادته، ولم يلقوا بأيديهم إلى التهلكة من أجله، ولم يخرجهم الله بالبلاء من ملكه؛ فهم يطلبون ويهربون، وهم على ذلك بالقدر يوقنون، لا يأخذون إلا ما أعطاهم، ولا ينكرون أنه

стр. 1016

ابتلاهم، كذلك خلقهم، وبذلك أمرهم. يضعفون إليه في القوة ويقرون له بالقدرة والحجة، لا يحملهم تضعيفهم أنفسهم أن يجحدوا حجته عليهم، ولا يحملهم علمهم بعذره إليهم أن يجحدوا أن قدره نافذ فيهم، هذا عندهم سواء وهم به عن غيره أغنياء، وقد عصمهم الله تعالى من فتنة ذلك؛ فلم يفتحها عليهم وفتحها على قوم آخرين، لبسوا أنفسهم عليهم ما يلبسون فهم هنالك في غمرتهم يعمهون، لا يجدون حلاوة الحسنة فيما قدر عليهم من المصيبة حين زعموا أنهم في ذلك مملوكون أن يقدموها قبل أجلها ويزعمون أنهم قادرون عليها؛ فسبحان الله ثم سبحان الله؛ فهلم يا عباد الله إلى سبيل المسلمين التي كنتم معهم عليها، فانبحستم (١) بأنفسكم دونها، فتفرقت بكم السبيل عنها، فارجعوا إلى معالم الهدى من قريب قبل التحسر والتناوش من مكان بعيد؛ فقولوا كما قالوا، واعملوا كما عملوا، ولا تفرقوا بين ما جمعوا ولا تجمعوا بين ما فرقوا، فإنهم قد جعلوا لكم أئمة وقادة، وحملوا إليكم من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ما هم عليه أمناء، وعليكم فيما جحدتم منه شهداء، فلا تجحدوا ما أقروا به من القدر؛ فتبتدعوا، ولا تشدوه بغيره؛ فتكلفوا؛ فإني لا أعلم أحدا أصح قلبا في القدر ممن لم يدر أن أحدا قال فيه شيئا؛ فهو يتكلم به غضا جديدا لم تدنسه الوساوس ولم يوهنه الجدل ولا التباس، وبذلك فيما مضى صح في صدر الناس؛ فاحذروا هذا الجدل، فإنه يقربكم إلى كل موبقة ولا يسلمكم إلى ثقة ليس له أجل ينتهي إليه، وهو يدخل في كل شيء؛

стр. 1017

فالمعرفة به نعمة، والجهالة به غرة، وعلامات الهدى لنا دونه من ركبه أراده وترك الهدى وراءه بين أثره وقريب ما أخذه، لا يكلف أهله العويص والتشقيق. ثم اعلم أنه ليس للقرآن موئل مثل السنة؛ فلا يسقطن ذلك عنك فتحير في دينك وتتيه في طريقك ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). (٢) سلام بن أبي مطيع (٣) (١٦٤ هـ) سَلاَّم بن أبي مُطِيع واسمه سعد، الخزاعي الإمام الثقة القدوة أبو سعيد مولاهم البصري. روى عن قتادة وهشام بن عروة ومعمر بن راشد ومنصور ابن معتمر وأيوب السختياني وأبي عمران الجوني وطائفة. روى عنه عبد الله ابن المبارك وموسى بن إسماعيل وعبد الرحمن بن مهدي ومسدد وخلق كثير. قال الإمام أحمد: ثقة، صاحب سنة. من أقواله: كن لنعمة الله عليك في دينك أشكر منك لنعمة الله عليك

стр. 1018

في دنياك، ومنها: الزاهد على ثلاثة وجوه: واحد أن تخلص العمل لله والقول، ولا يراد بشيء منه الدنيا، والثاني ترك مالا يصلح والعمل بما يصلح، والثالث الحلال وهو أن يزهد فيه وهو تطوع وهو أدناه. توفي سنة أربع وستين ومائة. موقفه من المبتدعة: جاء في ذم الكلام عنه قال: ما أعلم يحل لرجل أن يزوج صاحب بدعة ولا صاحب شراب، فأما ص (٤) بدعة فيدخل ولده النار وأما صاحب الشراب فذكر منه أشياء يعددها. (١) موقفه من الرافضة: عبد الله بن أحمد قال: سمعت أبي يقول: سلام بن أبي مطيع من الثقات من أصحاب أيوب، وكان رجلا صالحا حدثنا عنه عبد الرحمن بن مهدي ثم قال أبي: كان أبو عوانة وضع كتابا فيه معايب أصحاب النبي ﷺ وفيه بلايا فجاء إليه سلام بن أبي مطيع، فقال: يا أبا عوانة أعطني ذلك الكتاب فأعطاه فأخذه سلام فأحرقه. (٢) موقفه من الجهمية: - جاء في السير: قال زهير البابي: سمعت سلام بن أبي مطيع يقول:

стр. 1019

الجهمية كفار، لا يصلى خلفهم. (١) - وقد أخرج ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية، بسند صحيح عن سلام بن أبي مطيع وهو شيخ شيوخ البخاري أنه ذكر المبتدعة فقال: ويلهم ماذا ينكرون من هذه الأحاديث، والله ما في الحديث شيء إلا وفي القرآن مثله، يقول الله تعالى: ﴿إن الله سميع بصير﴾ (٢) ﴿ويحذركم اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٣) ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٤) ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تسجد لمَا خَلَقْتُ بيدي﴾ (٥) ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ موسى تكليمًا﴾ (٦) ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٧) ونحو ذلك فلم يزل -أي سلام بن أبي مطيع- يذكر الآيات من العصر إلى غروب الشمس. (٨) موقفه من القدرية: جاء في سير أعلام النبلاء: قال أبو داود السجزي: هو القائل: لأن

стр. 1020

ألقى الله بصحيفة الحجاج، أحب إلي من أن ألقى الله بصحيفة عمرو بن عبيد. (١) معقل بن عبيد الله (٢) (١٦٦ هـ) مَعْقِل بن عبيد الله الجزري أبو عبد الله المحدث الإمام مولى بني عَبْس من كبار علماء الجزيرة. روى عن عطاء بن أبي رباح وعمرو بن شعيب وميمون ابن مهران وغيرهم. روى عنه أبو نعيم والفريابي والحسن بن محمد ابن أعين وأبو جعفر النفيلي وآخرون. قال أحمد بن حنبل: صالح الحديث. وقال النسائي: ليس به بأس. قال الذهبي: وما عرفت له شيئا منكرا فأذكره، وحديثه لا ينزل عن رتبة الحسن. توفي سنة ست وستين ومائة. موقفه من المرجئة: عن معقل بن عبيد الله العبسي قال: قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء فنفر منه أصحابنا نفارا شديدا فيهم ميمون بن مهران وعبد الكريم بن مالك فأما عبد الكريم بن مالك فإنه عاهد الله أن لا يأويه وإياه سقف بيت إلا المسجد، قال معقل: فحججت فدخلت على عطاء بن أبي رباح في نفر من أصحابي وإذا هو يقرأ سورة يوسف قال: فسمعته يقرأ هذا الحرف: ﴿حَتَّى
следующие страницы →