موقفه من الرافضة:
قال زهير بن معاوية: أبو بكر وعمر وعثمان لولا أن نبينا محمدا ﷺ لتمنيت أن يحشرني الله مع عمر. (١)
نوح بن أبي مريم (٢) (١٧٣ هـ)
نوح بن أبي مريم، أبو عِصْمَة المروزي، عالم أهل مرو. أخذ الفقه عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى، والحديث عن حجاج بن أرطأة، والتفسير عن الكلبي ومقاتل، والمغازي عن ابن إسحاق. روى عنه نعيم بن حماد، وسويد ابن نصر. ولي قضاء مرو في خلافة المنصور. قال الحافظ: كذبوه في الحديث. توفي سنة ثلاث وسبعين ومائة.
موقفه من الجهمية:
قال أحمد عنه: كان شديدا على الجهمية والرد عليهم. تعلم منه نعيم ابن حماد الرد على الجهمية. (٣)
عبد الرحمن بن أبي الزِّنَاد (٤) (١٧٤ هـ)
الإمام، الفقيه، أبو محمد عبد الرحمن بن أبي الزناد، المدني. سمع من أبيه،
стр. 1052
وسهيل بن أبي صالح، وهشام بن عروة. وحدث عنه ابن جريج، وهو من شيوخه، وسعيد بن منصور، وأحمد بن يونس. قال ابن سعد: كان فقيها مفتيا. قال الداني: أخذ القراءة عرضا عن أبي جعفر، وروى الحروف عن نافع. توفي سنة أربع وسبعين ومائة.
موقفه من المبتدعة:
عن عبد الرحمن بن أبي الزناد قال: أدركنا أهل الفضل والفقه من خيار أولية الناس يعيبون أهل الجدل والتنقيب والأخذ بالرأي أشد العيب، وينهوننا عن لقائهم ومجالستهم، وحذرونا مقاربتهم أشد التحذير، ويخبرونا أنهم على ضلال وتحريف لتأويل كتاب الله وسنن رسوله ﷺ ، وما توفي رسول الله حتى كره المسائل والتنقيب عن الأمور وزجر عن ذلك، وحذره المسلمين في غير موضع حتى كان من قول النبي ﷺ في كراهية ذلك أن قال: "ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" (١). فأي امرئ أكب على التنقيب لم يعقل من هذا. ولم يبلغ الناس يوم قيل لهم هذا القول من الكشف عن الأمور جزءا من مائة جزء مما بلغوا اليوم، فهل هلك أهل الأهواء وخالفوا الحق إلا بأخذهم بالجدل والتفكير في دينهم؟! فهم كل يوم على دين ضلالة وشبهة جديدة، لا يقيمون على دين -وإن أعجبهم- إلا نقلهم الجدل والتفكير إلى دين سواه، ولو لزموا السنن وأمر المسلمين وتركوا
стр. 1053
الجدل لقطعوا عنهم الشك وأخذوا بالأثر الذي حضهم عليه رسول الله ﷺ . (١)
ابن لهيعة (٢) (١٧٤ هـ)
عبد الله بن لَهِيعَة بن عُقْبَة بن فُرْعَان أبو عبد الرحمن القاضي الإمام العلامة، محدث ديار مصر مع الليث، ولد سنة خمس أو ست وتسعين وطلب العلم في صباه ولقي الكبار بمصر والحرمين. سمع من الأعرج صاحب أبي هريرة ومن موسى بن وردان وعطاء بن أبي رباح وغيرهم. وروى عنه حفيده أحمد بن عيسى وعمرو بن الحارث والأوزاعي وشعبة والثوري وماتوا قبله والليث بن سعد ومالك وغيرهم. وكان من بحور العلم على لين فيه. قال روح بن صلاح: لقي ابن لهيعة اثنين وسبعين تابعيا. حدث إسحاق بن عيسى أنه لقيه في سنة أربع وستين وأن كتبه احترقت سنة تسع وستين ومائة. قال عنه أحمد بن حنبل: ما كان محدث مصر إلا ابن لهيعة. وقال أحمد ابن صالح: كان ابن لهيعة صحيح الكتاب طلابا للعلم. قال سفيان الثوري: عند ابن لهيعة الأصول وعندنا الفروع. قال الذهبي: ولكن ابن لهيعة تهاون بالإتقان، وروى مناكير فانحط عن رتبة الاحتجاج به عندهم. ومات بمصر يوم الأحد للنصف من شهر ربيع الأول سنة أربع وسبعين ومائة في خلافة هارون.
стр. 1054
موقفه من الرافضة:
قال سعيد بن أبي مريم: سمعت ابن لهيعة يقول: عمرو بن جابر كان ضعيف العقل، كان يقول: علي في السحاب. كان يجلس معنا فيبصر سحابة فيقول: هذا علي قد مر في السحاب. (١)
موقفه من الجهمية:
عن يحيى بن خلف قال: لقيت ابن لهيعة فقلت: ما تقول فيمن يقول القرآن مخلوق؟ قال: كافر. (٢)
الليث بن سعد (٣) (١٧٥ هـ)
اللَّيث بن سعد بن عبد الرحمن الإمام الحافظ شيخ الإسلام وعالم الديار المصرية أبو الحارث الفهمي مولى خالد بن ثابت بن ظاعن. روى عن جعفر ابن ربيعة وبكير بن عبد الله بن الأشج وسعيد بن أبي سعيد المقبري وأبي الزناد وعبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة وطائفة. وعنه عبد الله بن المبارك والقعنبي وعبد الله بن وهب وقتيبة بن سعيد ويحيى بن عبد الله بن بكير وكاتبه أبو صالح وابنه شعيب وآخرون. قال ابن بكير: كان الليث فقيه البدن، عربي اللسان،
стр. 1055
يحسن القرآن والنحو، ويحفظ الحديث والشعر، حسن المذاكرة. وقال ابن وهب: لولا مالك والليث لضللنا. وقال الشافعي: الليث أتبع للأثر من مالك. عن الليث قال لي الرشيد: ما صلاح بلدكم؟ قلت: بإجراء النيل وبصلاح أميرها، ومن رأس العين يأتي الكدر، فإن صفت العين صفت السواقي. قال: صدقت. توفي سنة خمس وسبعين ومائة.
موقفه من المبتدعة:
- جاء في تلبيس إبليس عنه قال: لو رأيت صاحب بدعة يمشي على الماء ما قبلته. فقال الشافعي: إنه ما قصر لو رأيته يمشى على الهواء ما قبلته. (١)
- جاء في السير عن عبد الله بن أحمد بن شبويه: سمعت سعيد بن أبي مريم سمعت ليث بن سعد يقول: بلغت الثمانين وما نازعت صاحب هوى قط. (٢)
" التعليق:
قال الذهبي: كانت الأهواء والبدع خاملة في زمن الليث، ومالك، والأوزاعي، والسنن ظاهرة عزيزة. فأما في زمن أحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي عبيد، فظهرت البدعة، وامتحن أئمة الأثر، ورفع أهل الأهواء رؤوسهم بدخول الدولة معهم، فاحتاج العلماء إلى مجادلتهم بالكتاب والسنة، ثم كثر ذلك، واحتج عليهم العلماء أيضا بالمعقول، فطال الجدال، واشتد النزاع،
стр. 1056
وتولدت الشبه. نسأل الله العافية. (١)
موقفه من المشركين:
قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن حد من سب النبي ﷺ القتل، وممن قاله مالك والليث وأحمد وإسحاق، وهو مذهب الشافعي. (٢)
موقفه من الرافضة:
جاء في السير عن جعفر بن محمد الرسعني: حدثنا عثمان بن صالح، قال: كان أهل مصر ينتقصون عثمان، حتى نشأ فيهم الليث، فحدثهم بفضائله، فكفوا. وكان أهل حمص ينتقصون عليا حتى نشأ فيهم إسماعيل بن عياش، فحدثهم بفضائل علي، فكفوا عن ذلك. (٣)
موقفه من الجهمية:
جاء في الإبانة: عن يحيى بن خلف المقرئ بطرطوس قال: وذكر أنه أتى عليه اثنتان وثمانون سنة، وذكر أنه أتى المدينة سنة ست وستين ومئة، فلقي مالك بن أنس وأتاه رجل، فقال: يا أبا عبد الله ما تقول فيمن يقول: القرآن مخلوق؟ فقال: كافر زنديق، اقتلوه. ثم قدمت البصرة، فلقيت الليث بن سعد قال: فقلت له: ما تقول فيمن يقول: القرآن مخلوق؟ فقال: كافر. (٤)
стр. 1057
موقفه من القدرية:
جاء في الإبانة عن ابن وهب: سمعت الليث بن سعد يقول في المكذب في القدر: ما هو بأهل أن يعاد في مرضه، ولا يرغب في شهود جنازته ولا تجاب دعوته. (١)
أبو عوانة (٢) (١٧٥ هـ)
الوَضَّاح بن عبد الله الإمام الحافظ الثبت محدث البصرة أبو عَوَانَة الواسطي البزاز مولى يزيد بن عطاء اليَشْكُرِي. رأى الحسن وابن سيرين. روى عن الأعمش وسماك بن حرب ومحمد بن المنكدر والحكم بن عتيبة وطائفة. وعنه شعبة وابن مهدي ومسدد ووكيع وأبو داود الطيالسي وآخرون. قال حجاج الأعور: قال لي شعبة: الزم أبا عوانة. وقال عبد الرحمن ابن مهدي: أبو عوانة وهشام الدستوائي كسعيد بن أبي عروبة وهمام. وقال ابن حبان: كان من أهل الفضل والنسك ممن عني بالعلم صغيرا، وانتفع به كبيرا. توفي سنة خمس وسبعين ومائة، وقيل سنة ست.
موقفه من الجهمية:
جاء في السنة: قال عبد الله: حدثني نصر بن علي حدثنا الأصمعي
стр. 1058
حدثنا أبو عوانة قال ما رأيت عمرو بن عبيد ولا جالسته قط إلا مرة واحدة قال: فتكلم وطول. ثم قال حين فرغ: لو نزل من السماء ملك ما زادكم على هذا. (١)
عبد الله بن فروخ (٢) (١٧٥ هـ)
عبد الله بن فَرُّوخ أبو محمد الفارسي المغربي فقيه القيروان وزاهدها. روى عن سفيان الثوري وسليمان الأعمش وعبد الله بن عون وعبد الملك بن جريج وهشام بن عروة. روى عنه خلاد بن هلال وسعيد بن أبي مريم وعمرو بن الربيع وهشام بن عبيد الله. قال أبو بكر المالكي: كان رجلا صالحا فاضلا متواضعا، قليل الهيبة للملوك، لا يخاف في الله لومة لائم، مباينا لأهل البدع، حافظا للحديث والفقه، وكان الإمام مالك يعظمه ويكرمه، ويقول عنه: فقيه أهل المغرب. وقال عنه ابن أبي مريم: هو أرضى أهل الأرض عندي.
قال ابن يونس: مات بعد انصرافه من الحج سنة خمس وسبعين ومائة.
موقفه من المبتدعة:
- له كتاب في الرد على المبتدعة سماه: 'الرد على أهل الأهواء والبدع'. (٣)
стр. 1059
- جاء في الاعتصام: أن أبا العرب التميمي حكى عن ابن فروخ: أنه كتب إلى مالك بن أنس أن بلدنا كثير البدع، وأنه ألف لهم كلاما في الرد عليهم. فكتب إليه مالك يقول له: إن ظننت ذلك بنفسك، خفت أن تزل فتهلك، لا يرد عليهم إلا من كان ضابطا عارفا بما يقول لهم، لا يقدرون أن يعرجوا عليه، فهذا لا بأس به، وأما غير ذلك، فإني أخاف أن يكلمهم فيخطئ فيمضوا على خطئه، أو يظفروا منه بشيء فيطغوا ويزدادوا تماديا على ذلك. (١)
سعيد بن عبد الرحمن الجمحي (٢) (١٧٦ هـ)
سعيد بن عبد الرحمن بن عبد الله القرشي الجُمَحِيّ. روى عن سعد ابن إسحاق بن كعب بن عجرة، وسلمة بن دينار، وسهيل بن أبي صالح وروى عنه إبراهيم بن عبد الله بن حاتم، وأحمد بن إبراهيم الموصلي، وعبد الله ابن وهب. قال الزبير بن بكار: ولي القضاء للرشيد ببغداد، وقال الشاعر يرثيه:
ثلمة في الإسلام موت سعيد ... شملت كل مخلص التوحيد
ذاك أني رأيته لا يبالي ... في تقى الله لوم أهل الوعيد
مات سنة ست وسبعين ومائة.
стр. 1060
موقفه من الجهمية:
عن إبراهيم بن سعد وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي ووهب بن جرير وأبي النضر هاشم بن القاسم وسليمان بن حرب قالوا: القرآن ليس بمخلوق. (١)
محمد بن مسلم (٢) (١٧٧ هـ)
محمد بن مُسْلِم بن سوسن أبو عبد الله الطائفي المكي. روى عن عمرو ابن دينار وابن طاووس وإبراهيم بن ميسرة وجماعة. وعنه أسد السنة (٣) والقعنبي ويحيى بن يحيى وقتيبة وغيرهم. وقال مُعَرِّفُ بن واصل: رأيت سفيان الثوري بين يدي محمد بن مسلم يكتب. عن عبد الرزاق قال: ما كان أعجب من محمد بن مسلم الطائفي إلى سفيان الثوري. مات سنة سبع وسبعين ومائة.
موقفه من المرجئة:
عن محمد بن مسلم الطائفي: لا يصلح قول إلا بعمل. (٤)
стр. 1061
شريك بن عبد الله القاضي (١) (١٧٧ هـ)
شَرِيك بن عبد الله بن أبي شَرِيك العلامة الحافظ القاضي أبو عبد الله النخعي الكوفي أحد الأعلام. أدرك زمان عمر بن عبد العزيز. روى عن جامع ابن شداد وسماك بن حرب وسليمان الأعمش وسلمة بن كهيل وطائفة. روى عنه يحيى القطان وعبد الله بن المبارك وعبد الرحمن بن مهدي وابنه عبد الرحمن وآخرون. عن حمدان بن الأصبهاني قال: كنت عند شريك، فأتاه ابن المهدي، فاستند وسأل عن حديث، فلم يلتفت شريك، فأعاد فعاد، فقال: كأنك تستخف بأولاد الخلفاء؟ قال: لا، ولكن العلم أزين عند أهله من أن يضيعوه. قال: فجثا على ركبتيه فسأل، فقال شريك: هكذا يطلب العلم. وقال شريك: ترى أصحاب الحديث هؤلاء يطلبونه لله. إنما يتظرفون به. وقال: ترك الجواب في موضعه إذاية القلب. توفي سنة سبع وسبعين ومائة.
موقفه من المبتدعة:
- جاء في ذم الكلام عنه قال: أثر فيه بعض الضعف أحب إلي من رأيهم. (٢)
- عن يحيى بن يسار قال: سمعت شريكا يقول: لأن يكون في كل قبيلة
стр. 1062
حمار أحب إلي من أن يكون فيها رجل من أصحاب أبي فلان، رجل كان مبتدعا. (١)
- جاء في أصول الاعتقاد: تقدم حماد بن أبي حنيفة إلى شريك بن عبد الله وهو قاض في شهادة، فقال له شريك: لا أقبل شهادتك قال: لم ترد شهادتي؟ فقال: أما إني لا أطعن عليك في بطن ولا فرج ولكن متى تدع الخصومة في الدين أجزت شهادتك. (٢)
- جاء في ميزان الاعتدال: عن معاوية بن صالح، سألت أحمد عن شريك، فقال: كان عاقلا صدوقا محدثا، وكان شديدا على أهل الريب والبدع. (٣)
موقفه من المشركين:
جاء في السير عن نصر بن المجدر قال: كنت شاهدا حين أدخل شريك، ومعه أبو أمية، وكان أبو أمية رفع إلى المهدي أن شريكا حدثه عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان، أن النبي ﷺ قال: استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإذا زاغوا عن الحق فضعوا سيوفكم على عواتقكم، ثم أبيدوا خضراءهم.
قال المهدي: أنت حدثت بهذا؟ قال: لا. فقال أبو أمية: علي المشي إلى بيت الله، وكل مالي صدقة، إن لم يكن حدثني. فقال شريك: وعلي مثل
стр. 1063
الذي عليه إن كنت حدثته. فكأن المهدي رضي. فقال أبو أمية: يا أمير المؤمنين، عندك أدهى العرب، إنما يعني مثل الذي علي من الثياب. قل له يحلف كما حلفت. فقال: احلف. فقال شريك: قد حدثته. فقال المهدي: ويلي على شارب الخمر -يعني الأعمش، وذلك أنه كان يشرب المنصف- لو علمت موضع قبره لأحرقته. قال شريك: لم يكن يهوديا، كان رجلا صالحا، قال: بل زنديق. قال: للزنديق علامات: بتركه الجمعات، وجلوسه مع القيان، وشربه الخمر. فقال: والله لأقتلنك. قال: ابتلاك الله بمهجتي. قال: أخرجوه، فأخرج، وجعل الحرس يشققون ثيابه، وخرقوا قلنسوته، قال نصر: فقلت لهم: أبو عبد الله. فقال المهدي: دعهم. (١)
موقفه من الرافضة:
- جاء في السنة: قال عبد الله: حدثني أبي حدثنا حجاج سمعت شريكا وذكر المرجئة فقال: لهم أخبث قوم وحسبك بالرافضة خبثا ولكن المرجئة يكذبون على الله. (٢)
- جاء في السير: قال ابن عيينة: قيل لشريك: ما تقول فيمن يفضل عليا على أبي بكر؟ قال: إذا يفتضح، يقول: أخطأ المسلمون. (٣)
- وفيها: قال حفص بن غياث، من طريق علي بن خشرم، عنه: سمعت شريكا يقول: قبض النبي ﷺ ، واستخار المسلمون أبا بكر، فلو علموا
стр. 1064
أن فيهم أحدا أفضل منه كانوا قد غشونا، ثم استخلف أبو بكر عمر، فقام بما قام به من الحق والعدل، فلما حضرته الوفاة، جعل الأمر شورى بين ستة، فاجتمعوا على عثمان. فلو علموا أن فيهم أفضل منه كانوا قد غشونا. (١)
- وجاء في الميزان: قال محمد بن سعيد بن الأصبهاني: سمعت شريكا يقول: احمل العلم عن كل من لقيت إلا الرافضة، فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه دينا. (٢)
- وجاء في أصول الاعتقاد: قال شريك لقوم من الشيعة: إنا ما علمنا بعلي حين صعد المنبر فقال: إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، والله ما سألناه عن ذلك يا جاهل، أفترانا حين يقوم فنقول له كذبت. (٣)
- وفيه: عن إبراهيم بن أعين قال: سألت شريك بن عبد الله فقلت: يا أبا عبد الله أرأيت من قال: لا أفضل أحدا على أحد قال: هذا أحمق أليس قد فضل أبو بكر وعمر قال: قلت: فأدركت أحدا يفضل عليهما؟ قال: لا إلا مفتضح. (٤)
- وجاء في السنة للخلال: قال شريك ليس يقدم أحد على أبي بكر وعمر فيه خير. (٥)
- وفيها: قال شريك: من زعم أن أصحاب محمد ﷺ قدموا عثمان
стр. 1065
وليس هو أفضلهم في أنفسهم فقد خون أصحاب محمد ﷺ . (١)
- ذكر أبو القاسم البلخى، قال: سأل سائل شريك بن عبد الله بن أبى نمر فقال له: أيهما أفضل أبو بكر أو علي، فقال له: أبو بكر، فقال له السائل: أتقول هذا وأنت من الشيعة؟ فقال: نعم، إنما الشيعي من قال مثل هذا والله لقد رقى علي هذا الأعواد فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر. أفكنا نرد قوله؟ أكنا نكذبه؟ والله ما كان كذابا. (٢)
موقفه من الجهمية:
جاء في السير: عن عباد بن العوام، قال: قدم علينا شريك من نحو خمسين سنة، فقلنا له: إن عندنا قوما من المعتزلة، ينكرون هذه الأحاديث: "إن أهل الجنة يرون ربهم" (٣) و"إن الله ينزل إلى السماء الدنيا" (٤)، فحدث شريك بنحو من عشرة أحاديث في هذا، ثم قال: أما نحن، فأخذنا ديننا عن أبناء التابعين عن الصحابة، فهم عمن أخذوا؟. (٥)
موقفه من المرجئة:
- عن أحمد بن سنان القطان أبي جعفر الواسطي قال ثنا خالي موسى ابن عمران -وكان قد كتب عن شريك- قال: استأذن شريك على المهدي
стр. 1066
وعنده أبو يوسف القاضي وامتريا. فقال المهدي: الصلاة من الإيمان. وقال أبو يوسف: الصلاة ليس من الإيمان. واستأذن شريك، فقال المهدي: قد جاء من يفصل بيننا. قال: فلما دخل سلم، قال: فرد عليه فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في رجلين امتريا فقال أحدهما: الصلاة من الإيمان وقال الآخر الصلاة من العمل؟ قال: أصاب الذي قال: الصلاة من الإيمان وأخطأ الذي قال الصلاة من العمل. قال فقال أبو يوسف: من أين قلت ذي؟ فقال حدثني أبو إسحاق: عن البراء بن عازب في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (١) قال: صلاتكم نحو بيت المقدس. قال: فألقمه حجرا. (٢)
- عن أبي سلمة الخزاعي قال: قال مالك بن أنس وشريك وأبو بكر ابن عياش وعبد العزيز بن أبي سلمة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد: الإيمان المعرفة والإقرار والعمل. (٣)
- عن أبي نعيم قال: مرت بنا جنازة مسعر بن كدام منذ خمسين سنة ليس فيها سفيان ولا شريك. (٤)
- عن عبد الرحمن بن مهدي قال: بلغني أن شعبة قال لشريك: كيف لا تجيز شهادة المرجئة؟ قال: كيف أجيز شهادة قوم يزعمون أن الصلاة ليست من الإيمان. (٥)
стр. 1067
- وعن يحيى بن آدم قال: شهد أبو يوسف عند شريك بشهادة، فقال له: قم وأبى أن يجيز شهادته، فقيل ترد شهادته؟ فقال: أجيز شهادة رجل يقول: الصلاة ليست من الإيمان! (١)
عتبة الغلام (٢) (١٧٨ هـ)
عتبة بن أبان البصري الزاهد الخاشع، كان يشبه في حزنه بالحسن البصري، وكان من نساك أهل البصرة، وكان رأس ماله فلسا، يشتري به خوصا، يعمله ويبيعه بثلاثة فلوس، فيتصدق بفلس ويتعشى بفلس، وفلس رأس ماله. وذكرت له أمور في التقشف.
من أقواله: من عرف الله أحبه، ومن أحبه أطاعه. وقال أيضا: إنما أبكي على تقصيري. وقال أيضا: لا يعجبني رجل ألا يحترف.
موقفه من المبتدعة:
جاء في الإبانة: عن جعفر بن سليمان الضبعي قال: سمعت عتبة الغلام يقول: من لم يكن معنا فهو علينا. (٣)
стр. 1068
محمد بن النضر الحارثي (١) (ما بين ١٧١ هـ و١٨٠ هـ)
محمد بن النَّضْر الحارثيّ الكوفي أبو عبد الرحمن. روى عن الأوزاعي. وروى عنه ابن مهدي، وخالد بن يزيد، وعبد الله بن المبارك. من أقواله: أول العلم الاستماع والإنصات، ثم حفظه، ثم العمل به، ثم بثه. وقال عنه ابن المبارك: كان محمد بن النضر إذا ذكر الموت، اضطربت مفاصله. وعن أبي الأحوص، قال: آلى محمد بن النضر على نفسه أن لا ينام إلا ما غلبته عينه.
ذكر الذهبي أنه من طبقة شريك القاضي المتوفى سنة (١٧٧هـ) وأورده في تاريخه ضمن وفيات الطبقة الثامنة عشر المؤرخة بين (١٧١هـ و١٨٠هـ).
موقفه من المبتدعة:
- روى اللالكائي عنه قال: من أصغى سمعه إلى صاحب بدعة وهو يعلم أنه صاحب بدعة نزعت منه العصمة ووكل إلى نفسه. (٢)
- وروى ابن بطة بسنده إلى عبادة بن كليب، قال: قال محمد بن النضر الحارثي: إن أصحاب الأهواء قد أخذوا في تأسيس الضلالة وطمس الهدى فاحذروهم. (٣)
стр. 1069
مالك بن أنس (١) (١٧٩ هـ)
مالك بن أنس بن مالك شيخ الإسلام وحجة الأمة، إمام دار الهجرة أبو عبد الله الحِمْيَرِي ثم الأَصْبَحِيّ المدني. حدث عن خلق كثير منهم: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وحميد الطويل وداود بن الحصين وربيعة الرأي وزيد بن أسلم وغيرهم. حدث عنه عبد الرحمن بن مهدي وشعبة بن الحجاج والقعنبي وعبد الله بن يوسف وعبد الله بن المبارك ويحيى بن سعيد القطان ومعن بن عيسى وآخرون. قال الشافعي: إذا جاءك الأثر من مالك فشد به يدك، وقال: إذا ذكر العلماء فمالك النجم. وعن ابن عيينة قال: مالك عالم أهل الحجاز، وهو حجة زمانه. ومناقبه كثيرة جدا وثناء الأئمة عليه أكثر. قال أبو مصعب: سمعت مالكا يقول: سألني أبو جعفر عن أشياء ثم قال: أنت والله أعقل الناس، وأنت أعلم الناس، قلت: لا والله يا أمير المؤمنين. قال: بلى، ولكنك تكتم. والله لو بقيت لأكتبن قولك كما تكتب المصاحف، ولأبعثن به إلى الآفاق، فأحملهم عليه.
من أقواله ﵀: العلم ينقص ولا يزيد، ولم يزل العلم ينقص بعد الأنبياء والكتب، ومنها: اعلم أنه فساد عظيم أن يتكلم الإنسان بكل ما يسمع، ومنها: حق على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية،
стр. 1070
والعلم حسن لمن رزق خيره، وهو قسم من الله تعالى، فلا تمكن الناس من نفسك، فإن من سعادة المرء أن يوفق للخير، وإن من شقوة المرء أن لا يزال يخطئ، وذل وإهانة للعلم أن يتكلم الرجل بالعلم عند من لا يطيعه. توفي سنة تسع وسبعين ومائة.
موقفه من المبتدعة:
- روى الخطيب في شرف أصحاب الحديث: عن عبد الرحمن بن مهدي قال: سمعت مالك بن أنس ﵁ يقول: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سننا فالأخذ بها تصديق لكتاب الله ، واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله، من عمل بها مهتد ومن استنصر بها منصور ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى. (١)
- جاء في الاعتصام: وقال مالك: قبض رسول الله ﷺ وقد تم هذا الأمر واستكمل، فينبغي أن تتبع آثار رسول الله ﷺ وأصحابه، ولا يتبع الرأي، فإنه متى ما اتبع الرأي جاء رجل آخر أقوى في الرأي منك، فاتبعته، فكلما غلبه رجل اتبعه، أرى أن هذا بعد لم يتم. (٢)
" التعليق:
رضي الله عنك يا إمام أهل المدينة، ما أحسن ما قلت لو وجدت أذنا
стр. 1071
صاغية، إن كثيرا من أهل الأرض يدعون أنهم يتمذهبون بمذهبك في الفروع، ولكنهم في الحقيقة لم يتبعوك لا في الفروع ولا في الأصول، فعقيدتك وعقيدة أصحابك سلفية، ومذهبك اتباع الكتاب والسنة، والمدعون أنهم أتباعك لو بعثت إليهم ورأيت ما هم عليه لجالدتهم بالسيف؛ فإنهم على عقيدة سموها أشعرية، والأشعري تبرأ منها، وصوفية في سلوكهم ولم يروا الحجة في الموطأ والمدونة وغيرهما من الكتب التي تعتمد على الحجة والدليل، ولكن رأوها في خليل وشروحه، وهو مع طوله لم يذكر في كتابه ولا حديثا واحدا للحجة ومع ذلك اهتم من ينسبون أنفسهم لك بحفظه، ودراسته في المساجد والجوامع، وأوقفوا عليه الأوقاف، وأصبح حافظه يشار إليه بالبنان ويقدم في القضاء والفتوى والله المستعان.
- وجاء في الاعتصام: قال أبو مصعب قدم علينا ابن مهدي فصلى ووضع رداءه بين يدي الصف فلما سلم الإمام رمقه الناس بأبصارهم ورمقوا مالكا وكان قد صلى خلف الإمام، فلما سلم، قال: من هاهنا من الحرس؟ فجاءه نفسان فقال: خذا صاحب هذا الثوب فاحبساه، فحبس فقيل له: إنه ابن مهدي، فوجه إليه وقال له: ما خفت الله واتقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف وشغلت المصلين بالنظر إليه وأحدثت في مسجدنا شيئا ما كنا نعرفه؟ وقد قال النبي ﷺ : "من أحدث في مسجدنا حدثا فعليه لعنة الله
стр. 1072
والملائكة والناس أجمعين" (١)، فبكى ابن مهدي وآلى على نفسه أن لا يفعل ذلك أبدا في مسجد رسول الله ﷺ ولا في غيره.
- وفي رواية عن ابن مهدي قال: فقلت للحرسيين: تذهبان بي إلى أبي عبد الله؟ قالا: إن شئت. فذهبا إليه، فقال: يا عبد الرحمن، تصلي مستلبا؟ فقلت: يا أبا عبد الله، إنه كان يوما حارا -كما رأيت- فثقل ردائي علي. فقال: آلله ما أردت بذلك الطعن على من مضى والخلاف عليه؟ قلت: آلله. قال: خلياه. (٢)
- وجاء في الاعتصام: حكى ابن العربي عن الزبير بن بكار قال: سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل فقال يا أبا عبد الله: من أين أحرم؟ قال من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله ﷺ ، فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد، فقال: لا تفعل. قال: فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة. فقال: وأي فتنة هذه؟ إنما هي أميال أزيدها، قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله ﷺ ؟ إني سمعت الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣). اهـ (٤)
стр. 1073
- قال إسحاق بن الضباع: جاء رجل إلى مالك فسأله عن مسألة، فقال: قال رسول الله ﷺ كذا. قال: أرأيت إن كان كذا؟ قال مالك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. (١)
- وجاء في ذم الكلام عن ابن وهب قال: كنا عند مالك بن أنس فذكرت السنة فقال: السنة سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق. (٢)
- وجاء في ذم الكلام عنه قال: من أراد النجاة فعليه بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ . (٣)
- وعن ابن وضاح قال: ثوَّب المؤذن بالمدينة في زمان مالك فأرسل إليه مالك فجاءه، فقال له مالك: ما هذا الذي تفعل؟ فقال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر فيقوموا، فقال له مالك: لا تفعل لا تحدث في بلدنا شيئا لم يكن فيه. قد كان رسول الله ﷺ بهذا البلد عشر سنين وأبو بكر وعمر وعثمان فلم يفعلوا هذا، فلا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه، فكف المؤذن عن ذلك وأقام زمانا، ثم إنه تنحنح في المنارة عند طلوع الفجر، فأرسل إليه مالك فقال له: ما هذا الذي تفعل؟ قال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر، فقال له: ألم أنهك ألا تحدث عندنا ما لم يكن؟ فقال: إنما نهيتني عن التثويب!
стр. 1074
فقال له: لا تفعل، فكف زمانا، ثم جعل يضرب الأبواب فأرسل إليه مالك فقال: ما هذا الذي تفعل؟ فقال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر. فقال له مالك: لا تفعل، لا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه. (١)
- وفيه: قال ابن حبيب: أخبرني ابن الماجشون أنه سمع مالكا يقول: التثويب ضلال، قال مالك: ومن أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الدين، لأن الله تعالى يقول: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينكم﴾ (٢)، فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا. (٣)
" التعليق:
من قرأ مثل هذه النصوص ووعاها يجد نفسه يعيش في غربة غريبة. هذه الحقائق التي اعتنى بها هذا الإمام واعتبرها بدعة وأوقف المؤذن من أجلها، لو نطق أحدنا بها أو بما يشبهها لعد من كبار المتنطعين المتشددين، وانقلب الناس عليه كأنه مجرم كبير. أين نحن من الإمام مالك؟! أين من يسمون أنفسهم مالكية؟! ابتدعوا الطامات الكبرى واعتقدوها قربة، شيدوا القبور ونذروا إليها وذبحوا عندها. اخترعوا طرقا سموها صوفية، استحلوا ما حرم الله باسم القوانين الوضعية، عطلوا شرع الله وحسبوه تقدما ومدنية، وتعداد ما عليه الناس الآن لا تفي به هذه الإشارة ولكن دمعة أو دمعتان خير من آبار جافة والله المستعان.
стр. 1075
- عن مالك بن أنس قال: لم يكن شيء من هذه الأهواء على عهد النبي ﷺ ولا أبي بكر ولا عمر ولا عثمان. (١)
- وقال جعفر الفريابي: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثني الهيثم ابن جميل قال: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله إن عندنا قوما وضعوا كتبا يقول أحدهم ثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب بكذا وكذا وفلان عن إبراهيم بكذا، ويأخذ بقول إبراهيم، قال مالك: وصح عندهم قول عمر؟ قلت: إنما هي رواية كما صح عندهم قول إبراهيم، فقال مالك: هؤلاء يستتابون، والله أعلم. (٢)
" التعليق:
قلت: وأهل هذا الزمان، فلا عمر ولا إبراهيم النخعي ولا الأوزاعي ولا مالك ولا أحمد ولا أبا يوسف ولا المزني ولا ابن القاسم ولا أبا حنيفة، وإنما هم جماعة تخرجوا من مدارس تعلموا فيها مناهج لا صلة لها بكتاب الله ولا بسنة رسوله ﷺ . والله المستعان.
- جاء في الاعتصام: وخرج ابن وضاح وهو في العتبية من سماع ابن القاسم عن مالك ﵀ أنه سئل عن قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد﴾ (٣)
مرارا في الركعة الواحدة فكره ذلك وقال: هذا من محدثات الأمور التي
стр. 1076
أحدثوا. (١)
- وجاء في الاعتصام قال مالك: أول من جعل مصحفا الحجاج بن يوسف -يريد أنه أول من رتب القراءة في المصحف إثر صلاة الصبح في المسجد- قال ابن رشد: مثل ما يصنع عندنا إلى اليوم.
قال الشاطبي: فهذه محدثة -أعني وضعه في المسجد- لأن القراءة في المسجد مشروع في الجملة معمول به، إلا أن تخصيص المسجد بالقراءة على ذلك الوجه هو المحدث ومثله وضع المصاحف في زماننا للقراءة فيها يوم الجمعة وتحبيسها على ذلك القصد. (٢)
- وفيه: قال ابن القاسم في المبسوط: رأيت مالكا يعيب على أصحابه رفع أصواتهم في المسجد. (٣)
- وفيه أيضا: ويشبه هذا ما في سماع ابن القاسم عن مالك في القوم يجتمعون جميعا فيقرأون في السورة الواحدة مثل ما يفعل أهل الأسكندرية، فكره ذلك وأنكر أن يكون من عمل الناس. (٤)
- وفيه سئل ابن القاسم عن نحو ذلك فحكى الكراهية عن مالك ونهى عنها ورآها بدعة. وقال في رواية أخرى عن مالك: وسئل عن القراءة بالمسجد؟ فقال: لم يكن الأمر القديم وإنما هو شيء أحدث، ولم يأت آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، والقرآن حسن. قال ابن رشد: يريد
стр. 1077
التزام القراءة في المسجد بإثر صلاة من الصلوات على وجه ما مخصوص حتى يصير ذلك كله سنة، مثل ما بجامع قرطبة إثر صلاة الصبح. قال: فرأى ذلك بدعة. (١)
" التعليق:
قال جامعه: لو أدرك هؤلاء مساجدنا وما حدث فيها من الضوضاء واللغط والبدع على اختلاف أنواعها، فباعة القرآن والمراؤون به بأصواتهم المختلطة المزعجة المشينة المتلاعبة بكتاب الله. والأسواق التي هي محل اللغط تجدها أهدأ من هذه المساجد. ومبتدعة ما يسمى بدلائل الخيرات، وهو كتاب فتحه صاحبه بالكذب على رسول الله ﷺ ووضع فيه صلوات علقها بالشرك، كقوله: اللهم صل على محمد عدد ما نفعت التمائم. وصلوات سمجة كقوله: اللهم صل على صاحب الهراوة. والخلاصة فيه أنه كتاب ملأه صاحبه بما لم يرد عن رسول الله ﷺ . ويكفي المسلمين ما صح عنه ﷺ في البخاري وغيره من كتب السنة، التي اعتنت بهذا الباب وأغنتنا عن هذه الخزعبلات والتلفيقات التي ما أنزل الله بها من سلطان. (٢)
وأما ألغاط الصوفية على اختلاف طرقهم فلا تسأل عن ذلك، فكأنهم حمر مستنفرة. نرجو الله الهداية لجميع إخواننا المسلمين.
- وجاء في الاعتصام: حكى عياض عن مالك من رواية ابن نافع عنه
стр. 1078
قال: لو أن العبد ارتكب الكبائر كلها دون الإشراك بالله شيئا ثم نجا من هذه الأهواء لرجوت أن يكون في أعلى جنات الفردوس، لأن كل كبيرة بين العبد وربه هو منها على رجاء، وكل هوى ليس هو منه على رجاء إنما يهوي بصاحبه في نار جهنم. (١)
- وجاء في الإبانة عنه قال: القرآن هو الإمام فأما هذا المراء فما أدري ما هو. (٢)
- وفيها عنه: المراء في العلم يقسي القلب ويورث الضغن. (٣)
- وجاء في ذم الكلام: قال مالك لابن وهب: لا تحملن أحدا على ظهرك ولا تمكن الناس من نفسك، أد ما سمعت وحسبك ولا تقلد الناس قلادة سوء. (٤)
- وفيه عنه قال: ما قلت الآثار في قوم إلا ظهرت فيهم الأهواء، ولا قلت العلماء إلا ظهر في الناس الجفاء. (٥)
- وجاء في جامع بيان العلم وفضله: قال الهيثم بن جميل: قلت لمالك ابن أنس: يا أبا عبد الله الرجل يكون عالما بالسنة أيجادل عنها؟ قال: لا ولكن يخبر بالسنة فإن قبلت منه وإلا سكت. (٦)
стр. 1079
- عن مالك قال: لا يؤخذ العلم عن أربعة، سفيه يعلن السفه وإن كان أروى الناس، وصاحب بدعة يدعو إلى هواه، ومن يكذب في حديث الناس وإن كنت لا أتهمه في الحديث، وصالح عابد فاضل إذا كان لا يحفظ ما يحدث به. (١)
- وقال معن بن عيسى: سمعت مالكا يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه. (٢)
- وقال: وما تكلمت برأيي إلا في ثلاث مسائل. (٣)
- وقال: الداء العضال التنقل في الدين. (٤)
- عن الوليد بن مسلم قال: سمعت مالك بن أنس، وقال له رجل: يا أبا عبد الله، وما عليك أن أكلمك، قال: فإن كلمتك فرأيت الحق فيما كلمتك؟ قال: تتبعني؟ قال: نعم، قال: فإن خرجت من عندي على الذي فارقتني عليه، فأقمت سنة تقول به، ثم لقيك رجل من أصحابك فكلمته فقال لك: أخطأ مالك، أترجع إلى قوله؟ قال: نعم، قال: فإنك أقمت سنة بقوله تقول، ثم رجعت إلي فقلت لي: لقيت فلانا فيما كلمتك به فقال لي: كيت وكيت، فرأيت أن الحق في قوله فاتبعته، فقلت لك أنا: أخطأ فلان الأمر في كذا وكذا فعرفت أن قولي أحسن من قوله تتبعني؟ قال: نعم، قال:
стр. 1080
فهكذا المسلم مرة كذا ومرة كذا. (١)
- وقال: مهما تلاعبت به من شيء فلا تلاعبن بأمر دينك. (٢)
- عن إسحاق بن عيسى الطباع، قال: رأيت رجلا من أهل المغرب جاء مالكا، فقال: إن الأهواء كثرت قبلنا، فجعلت على نفسي، إن أنا رأيتك، أن آخذ بما تأمرني، فوصف له مالك شرائع الإسلام: الزكاة والصلاة والصوم والحج، ثم قال: خذ بهذا، ولا تخاصم أحدا في شيء. (٣)
- عن إسماعيل بن أبي أويس قال: سمعت خالي مالكا يقول: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، فقد أدركت سبعين، وأشار بيده إلى مسجد رسول الله ﷺ يقول: قال فلان، قال رسول الله ﷺ : فلم آخذ عنهم شيئا، ولو أن أحدهم ائتمن على بيت مال لكان به أمينا. (٤)
- عن عبد الرحمن بن مهدي: سئل مالك بن أنس عن السنة؟ قال: هي ما لا اسم له غير السنة، وتلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٥).
قال بكر بن العلاء: يريد -إن شاء الله- حديث ابن مسعود أن النبي
стр. 1081
- ﷺ خط له خطا .. وذكر الحديث (١). (٢)
- وكان مالك كثيرا ما ينشد:
وخير أمور الدين ما كان سنة ... وشر الأمور المحدثات البدائع (٣)
- قال ابن وهب: سمعت مالك بن أنس يقول: إلزم ما قاله رسول الله ﷺ في حجة الوداع: "أمران تركتهما فيكم لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه". (٤)
- وقال ابن وهب: قال مالك: كان رسول الله ﷺ إمام المسلمين وسيد العالمين، يسأل عن الشيء فلا يجيب حتى يأتيه الوحي من السماء.
" التعليق:
قال ابن القيم: فإذا كان رسول رب العالمين لا يجيب إلا بالوحي، وإلا لم يجب، فمن الجرأة العظيمة إجابة من أجاب برأيه، أو قياس، أو تقليد من يحسن به الظن، أو عرف، أو عادة، أو سياسة، أو ذوق أو كشف، أو منام، أو استحسان، أو خرص، والله المستعان وعليه التكلان. (٥)
стр. 1082
- عن مطرف بن عبد الله قال: سمعت مالكا يقول: الدنو من الباطل هلكة، والقول بالباطل بعد عن الحق، ولا خير في شيء وإن كثر من الدنيا بفساد دين المرء ومروءته. (١)
- وقال مالك: بئس القوم أهل الأهواء، لا نسلم عليهم. (٢)
- قال ابن عبد البر: كره مالك [من بين سائر العلماء] (٣) أن يصلي أهل العلم والفضل على أهل البدع. (٤)
- قال أبو داود عقيب حديث "كل مولود يولد على الفطرة" (٥): قرئ على الحارث بن مسكين وأنا أسمع: أخبرك يوسف بن عمرو، أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت مالكا، قيل له: إن أهل الأهواء يحتجون علينا بهذا الحديث، قال مالك: احتج عليهم بآخره، قالوا: أرأيت من يموت وهو صغير، قال: الله أعلم بما كانوا عاملين. (٦)
- قال مالك: ما آية في كتاب الله أشد على أهل الأهواء من هذه الآيات ﴿تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ
стр. 1083
﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (١). قال مالك: فأي كلام أبين من هذا. قال ابن القاسم: قال لي مالك: إن هذه الآية لأهل القبلة. (٢)
- قال العتبي: قال الصمادحي: قال معن: وكتب إلى مالك رجل من العرب يسأل عن قوم يصلون ركعتين ويجحدون السنة، ويقولون: ما نجد إلا صلاة ركعتين. قال مالك: أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا. (٣)
- جاء في مجموع الفتاوى: وقد عرض عليه الرشيد أو غيره أن يحمل الناس على موطئه فامتنع من ذلك، وقال: إن أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تفرقوا في الأمصار، وإنما جمعت علم أهل بلدي، أو كما قال. (٤)
- عن مالك قال: قدم هارون يريد الحج، ومعه يعقوب أبو يوسف، فأتى مالك أمير المؤمنين، فقربه، وأكرمه، فلما جلس، أقبل إليه أبو يوسف، فسأله عن مسألة فلم يجبه، ثم عاد فسأله فلم يجبه، ثم عاد فسأله. فقال هارون: يا أبا عبد الله، هذا قاضينا يعقوب، يسألك، قال: فأقبل عليه مالك، فقال: يا هذا، إذا رأيتني جلست لأهل الباطل، فتعال أجبك معهم. (٥)
- عن عبد الرزاق قال: سأل سندل مالكا عن مسألة، فأجابه، فقال:
стр. 1084
أنت من الناس، أحيانا تخطئ، وأحيانا لا تصيب، قال: صدقت. هكذا الناس. فقيل لمالك: لم تدر ما قال لك؟ ففطن لها، وقال: عهدت العلماء، ولا يتكلمون بمثل هذا، وإنما أجيبه على جواب الناس. (١)
- عن ابن وهب: سمعت مالكا يقول: ليس هذا الجدل من الدين بشيء. (٢)
- عن ضمرة: سمعت مالكا يقول: لو أن لي سلطانا على من يفسر القرآن، لضربت رأسه.
قال الذهبي: يعني تفسيره برأيه. وكذلك جاء عن مالك من طريق أخرى. (٣)
- وعن مالك قال: الجدال في الدين ينشئ المراء، ويذهب بنور العلم من القلب ويقسي، ويورث الضغن. (٤)
- قال الذهبي: قال محمد بن جرير: كان مالك قد ضرب بالسياط، واختلف في سبب ذلك، فحدثني العباس بن الوليد، حدثنا ابن ذكوان، عن مروان الطاطري، أن أبا جعفر نهى مالكا عن الحديث: ليس على مستكره طلاق (٥) ثم دس إليه من يسأله، فحدثه به على رؤوس الناس، فضربه بالسياط. وحدثنا العباس، حدثنا إبراهيم بن حماد، أنه كان ينظر إلى مالك إذا أقيم من
стр. 1085
مجلسه، حمل يده بالأخرى.
ابن سعد: حدثنا الواقدي قال: لما دعي مالك، وشوور، وسمع منه، وقبل قوله، حسد، وبغوه بكل شيء، فلما ولي جعفر بن سليمان المدينة، سعوا به إليه، وكثروا عليه عنده، وقالوا: لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت بن الأحنف في طلاق المكره: أنه لا يجوز عنده، قال: فغضب جعفر، فدعا بمالك، فاحتج عليه بما رفع إليه عنه، فأمر بتجريده، وضربه بالسياط، وجبذت يده حتى انخلعت من كتفه، وارتكب منه أمر عظيم، فوالله ما زال مالك بعد في رفعة وعلو. (١)
" التعليق:
قلت: انظر رحمك الله إلى ثمرة المحنة في الله كيف عاقبتها، وانظر ثبات الإمام مالك على فتواه المستندة إلى حديث رواه؛ لم يحد عنها ولم ير مخالفتها إرضاء للحكام في أهوائهم ومظالمهم شأن علماء الوقت الذين يستصدرون الفتاوى بحسب الطلب، بل بلا طلب، لتحليل الربا والخمور والسفور والأموال والدماء والفروج ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال الذهبي ﵀: هذا ثمرة المحنة المحمودة، أنها ترفع العبد عند المؤمنين، وبكل حال فهي بما كسبت أيدينا، ويعفو الله عن كثير، ومن يرد الله به خيرا يصب منه (٢) وقال النبي ﷺ : "كل قضاء المؤمن خير له" (٣) وقال الله
стр. 1086
تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ (١) وأنزل تعالى في وقعة أحد قوله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ (٢). وقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مصيبة فَبِمَا كَسَبَتْ أيديكم ويعفوا عن كثيرٍ﴾ (٣). فالمؤمن إذا امتحن صبر واتعظ، واستغفر ولم يتشاغل بذم من انتقم منه، فالله حكم مقسط، ثم يحمد الله على سلامة دينه، ويعلم أن عقوبة الدنيا أهون وخير له.
- وعن أبي داود قال: حكى لي بعض أصحاب ابن وهب عنه، أن مالكا لما ضرب، حلق وحمل على بعير، فقيل له: ناد على نفسك. فقال: ألا من عرفني، فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس، أقول: طلاق المكره ليس بشيء. فبلغ ذلك جعفر بن سليمان الأمير فقال: أدركوه، أنزلوه. (٤)
موقفه من المشركين:
- جاء في السير: مالك: لا يستتاب من سب النبي ﷺ ، من الكفار
стр. 1087
والمسلمين. (١)
- وفيها قال أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي: سمعت عبد الله بن عمر بن الرماح، قال: دخلت على مالك، فقلت: يا أبا عبد الله، ما في الصلاة من فريضة؟ وما فيها من سنة؟ أو قال نافلة، فقال مالك: كلام الزنادقة، أخرجوه. (٢)
- قال مالك ﵀ في كتاب الأقضية تحت حديث: "من غير دينه فاضربوا عنقه" (٣): 'ومعنى قول النبي ﷺ ، فيما نرى والله أعلم، من غير دينه فاضربوا عنقه. أنه من خرج من الإسلام إلى غيره، مثل الزنادقة وأشباههم. فإن أولئك، إذا ظهر عليهم، قتلوا ولم يستتابوا. لأنه لا تعرف توبتهم. وأنهم كانوا يسرون الكفر ويعلنون الإسلام. فلا أرى أن يستتاب هؤلاء، ولا يقبل منهم قولهم. وأما من خرج من الإسلام إلى غيره، وأظهر ذلك، فإنه يستتاب. فإن تاب، وإلا قتل. وذلك لو أن قوما كانوا على ذلك، رأيت أن يدعوا إلى الإسلام ويستتابوا. فإن تابوا قبل ذلك منهم. وإن لم يتوبوا قتلوا. ولم يعن بذلك، فيما نرى والله أعلم، من خرج من اليهودية إلى النصرانية، ولا من النصرانية إلى اليهودية، ولا من يغير دينه من أهل الأديان كلها. إلا الإسلام، فمن خرج من الإسلام إلى غيره، وأظهر ذلك، فذلك الذي عني به. والله أعلم'. (٤)
стр. 1088
موقفه من بدعة القبورية:
- جاء في المدخل لابن الحاج: وقال مالك في المبسوطة: وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر، وإنما ذلك للغرباء. فقيل له: إن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه إلا يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، فيسلمون ويدعون ساعة. فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره ذلك إلا لمن جاء من سفر أو أراده. قال ابن القاسم: ورأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوها أتوا القبر فسلموا. قال: وذلك دأبي. (١)
- وجاء في الاعتصام: قال ابن وضاح: وكان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي ﷺ ما عدا قباء وحده.
وقد كان مالك يكره كل بدعة وإن كانت في خير.
وجميع هذا ذريعة لئلا يتخذ سنة ما ليس بسنة، أو يعد مشروعا ما ليس معروفا.
وقد كان مالك يكره المجيء إلى بيت المقدس خيفة أن يتخذ ذلك سنة، وكان يكره مجيء قبور الشهداء، ويكره مجيء قباء خوفا من ذلك مع ما جاء في الآثار من الترغيب فيه. ولكن لما خاف العلماء عاقبة ذلك تركوه.
стр. 1089
وقال ابن كنانة وأشهب: سمعنا مالكا يقول: لما أتاه سعد بن أبي وقاص قال: وددت أن رجلي تكسرت وأني لم أفعل.
وسئل ابن كنانة عن الآثار التي تركوا بالمدينة فقال: أثبت ما في ذلك عندنا قباء إلا أن مالكا كان يكره مجيئها خوفا من أن يتخذ سنة. (١)
وجاء في غاية الأماني في الرد على النبهاني: أما مالك فقد قال القاضي عياض: وقال مالك في المبسوطة: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو ويسلم ولكن يسلم ويمضي، وهذا الذي نقله القاضي عياض ذكره القاضي إسماعيل بن إسحاق في المبسوطة قال: وقال مالك لا أرى أن يقف الرجل عند قبر النبي ﷺ يدعو ولكن يسلم على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر ثم يمضي وقال مالك ذلك لأن هذا المنقول عن ابن عمر أنه كان يقول السلام عليك يا رسول الله. السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتي أو يا أبتاه ثم ينصرف ولا يقف يدعو فرأى مالك ذلك من البدع. (٢)
موقفه من الرافضة:
- جاء في ترتيب المدارك: قال أشهب: كنا عند مالك إذ وقف عليه رجل من العلويين وكانوا يقبلون على مجلسه فناداه، يا أبا عبد الله، فأشرف له مالك ولم يكن إذا ناداه أحد يجيبه أكثر من أن يشرف برأسه. فقال له الطالبي: إني أريد أن أجعلك حجة في ما بيني وبين الله. إذا قدمت عليه وسألني قلت له: مالك قال لي. فقال له: قل؟ فقال: من خير الناس بعد
стр. 1090
رسول الله ﷺ ؟ قال أبو بكر قال العلوي: ثم من؟ قال: مالك ثم عمر. قال العلوي ثم من؟ قال الخليفة المقتول ظلما عثمان. قال العلوي: والله لا أجالسك أبدا. قال له مالك: فالخيار إليك. (١)
" التعليق:
انظر رحمك الله حالة القرون الأولى المفضلة، التي كانت فيها أعلام السنة منشورة، وهي أرضها وسماؤها، ومع ذلك تجد أمثال هؤلاء المشاغبين، الذين ينازعون مثل هذا الإمام، ويتوقحون عليه بهذه الوقاحات الخسيسة، والمهم عندنا خط الإمام الواضح الذي يسوره بالكتاب والسنة، ويلتزم به، رضي زيد أم غضب عمرو، وهكذا ينبغي لكل سلفي قرأ هذه المواقف.
- روى الخلال في السنة بسنده إلى أبي عروة الزبيري قال: ذكر عند مالك بن أنس رجلا ينتقص، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ