← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

موقفه من المرجئة: - قال إبراهيم بن شماس: وسألت أبا إسحاق الفزاري عن الإيمان قول وعمل؟ قال: نعم. (١) - وعن معاوية بن عمرو قال: نا أبو إسحاق -يعني الفزاري- قال: يقولون: إن فرائض الله على عباده ليس من الإيمان، وإن الإيمان قد يطلب بلا عمل، وإن الناس لا يتفاضلون في إيمانهم، وإن برهم وفاجرهم في الإيمان سواء. وما هكذا جاء الحديث عن رسول الله ﷺ فإنه بلغنا أنه قال: "الإيمان بضعة وسبعون -أو بضعة وستون- أولها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (٢) وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٣) والدين: هو: التصديق وهو الإيمان والعمل. فوصف الله الدين قولا وعملا فقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٤). (٥)

стр. 1157

موقفه من القدرية: - جاء في مجموع الفتاوى: وذكر عن أبي إسحاق الفزاري قال: قال الأوزاعي: أتاني رجلان فسألاني عن القدر فأحببت أن آتيك بهما تسمع كلامهما وتجيبهما. قلت: رحمك الله أنت أولى بالجواب. قال: فأتاني الأوزاعي ومعه الرجلان فقال: تكلما، فقالا: قدم علينا ناس من أهل القدر، فنازعونا في القدر ونازعناهم فيه، حتى بلغ بنا وبهم إلى أن قلنا: إن الله جبرنا على ما نهانا عنه، وحال بيننا وبين ما أمرنا به، ورزقنا ما حرم علينا، فقلت: يا هؤلاء إن الذين أتوكم بما أتوكم به قد ابتدعوا بدعة وأحدثوا حدثا، وإني أراكم قد خرجتم من البدعة إلى مثل ما خرجوا إليه فقال: أصبت وأحسنت يا أبا إسحاق. (١) - وجاء في السير: قال أبو مسهر: قدم أبو إسحاق الفزاري دمشق، فاجتمع الناس ليسمعوا منه، فقال: اخرج إلى الناس، فقل لهم: من كان يرى القدر، فلا يحضر مجلسنا، ومن كان يرى رأي فلان، فلا يحضر مجلسنا، فخرجت، فأخبرتهم. (٢) خالد بن الحارث (٣) (١٨٦ هـ) الحافظ الحجة الإمام خالد بن الحارث أبو عثمان الهُجَيْمِي البصري.

стр. 1158

روى عن هشام بن عروة، وحميد الطويل وأيوب، وأشعث بن عبد الملك وغيرهم. وحدث عنه: شعبة وهو من شيوخه ومسدد وأحمد بن حنبل وابن المديني، وعمرو بن علي وغيرهم. قال الذهبي: وكان من أوعية العلم، كثير التحري، مليح الإتقان، متين الديانة. قال يحيى القطان: ما رأيت أحدا خيرا من سفيان وخالد بن الحارث. وروى المروذي، عن أحمد قال: كان خالد بن الحارث يجيء بالحديث كما يسمع، وكان ابن مهدي يجيء بالحديث كما يسمع، وكان وكيع يجهد أن يجيء بالحديث كما يسمع، وكان ربما قال في الحرف أو الشيء يعني كذا. توفي رحمه الله تعالى سنة ست وثمانين ومائة، حضر جنازته معتمر وبشر بن المفضل. موقفه من المبتدعة: جاء في ذم الكلام عنه قال: إياكم وأصحاب الجدال والخصومات، فإنهم شرار أهل القبلة. (١) موقفه من المرجئة: عن إبراهيم بن دينار الكرخي قال: سمعت خالد بن الحارث يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. (٢)

стр. 1159

بشر بن المفضل (١) (١٨٦ هـ) بِشْر بن المُفَضَّل بن لاَحِق، الإمام الحافظ المجود أبو إسماعيل الرقاشي مولاهم البصري. روى عن أبيه، وحميد الطويل، ومحمد بن المنكدر، وعبد الله بن محمد بن عقيل وغيرهم. وروى عنه أبو الوليد، ومسدد، ويحيى بن يحيى وبشر ابن معاذ العقدي وغيرهم. قال فيه الإمام أحمد: إلى بشر المنتهى في التثبت بالبصرة. وقال فيه ابن أبي داود: سمعت أبي يقول: ليس من العلماء أحد إلا وقد أخطأ في حديثه إلا بشر بن المفضل، وابن علية. توفي سنة ست وثمانين ومائة. موقفه من الجهمية: جاء في السير: قال محمد بن عبد الرحيم عن علي بن المديني قال: كان بشر يصلي كل يوم أربعمائة ركعة ويصوم يوما ويفطر يوما، وذكر عنده إنسان من الجهمية فقال: لا تذكروا ذاك الكافر. (٢) عباد بن العوام (١٨٦ ه ـ) موقفه من الجهمية: جاء في السنة قال عبد الله: حدثني زياد بن أيوب دلويه: سمعت يحيى بن إسماعيل الواسطي يقول: سمعت عباد بن العوام يقول: كلمت بشرا المريسي

стр. 1160

وأصحاب بشر فرأيت آخر كلامهم ينتهي أن يقولوا: ليس في السماء شيء. (١) عيسى بن يونس (٢) (١٨٧ هـ) ابن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله، الإمام القدوة، الحافظ الحجة أبو عمرو وأبو محمد الهمداني السبيعي الكوفي المرابط بثغر الحدث أخو الحافظ إسرائيل. حدث عن أبيه وأخيه وسليمان التيمي، وهشام بن عروة وأبي حيان التيمي والجريري وغيرهم. وحدث عنه: حماد بن سلمة أحد شيوخه، والحكم بن موسى وبشر الحافي وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقي وغيرهم. كان واسع العلم كثير الرحلة، وافر الجلالة. قال ابن راهويه: قلت لوكيع: إني أريد أن أذهب إلى عيسى بن يونس قال: تأتي رجلا قد قهر العلم. قال أحمد بن جناب: غزا عيسى بن يونس خمسا وأربعين غزوة وحج كذلك. وقيل إنه زار ابن عيينة فقال: مرحبا بالفقيه ابن الفقيه ابن الفقيه. قال سمعت بشر بن الحارث يقول: كان عيسى بن يونس يعجبه خطي فكان يأخذ القرطاس، فيقرؤه علي، قال: كتبتُ من نسخة قوم شيئا ليس من حديثه، قال: كأنهم لما رأوا إكرامه لي، أدخلوا عليه في حديثه قال: فجعل يقرأ علي، ويضرب على تلك الأحاديث، فغمني ذلك، فقال: لا يغمك، لو كان واوا

стр. 1161

ما قدروا أن يدخلوه علي، أو قال لو كان واوا لعرفته. مات سنة سبع وثمانين ومائة. موقفه من الجهمية: - جاء في الإبانة عن أحمد بن جناب قال: سمعت عيسى بن يونس وسأله رجل عن الحور العين فغضب غضبا شديدا وقال: مالكم ومجالسة أصحاب الكلام والخصومات لقد شهدت من رجل -قد سماه- مجلسا، وألجأه قوم إلى الكلام إلى أن قال: ما خلق الله جنة ولا نارا، وددت أني ما شهدته. (١) - جاء في السنة عن حجاج أخي أبي الطيب قال: كنا مع عيسى بن يونس فسأله رجل عمن يقول القرآن مخلوق فقال كافر أو كفر، قال: فقيل له: تكفرهم بهذه الكلمة؟ قال: إن هذا من أيسر أو أحسن ما يظهرون. (٢) - وجاء في ذم الكلام: عنه قال: لا تجالسوا الجهمية، وبينوا للناس أمرهم كي يعرفوهم فيحذروهم. (٣) " التعليق: وهكذا ينبغي أن يبين كل مبتدع ويحذر منه، وما أهلك أهل زماننا هذا إلا السكوت على المبتدعة، وعدم ذكرهم بأسمائهم، وتحذير الناس منهم باللسان والقلم وجميع الطرق التي تستعمل في البلاغ، أما هم فيستغلون كل

стр. 1162

الفرص في نشر بدعهم، وهم قائمون على قدم وساق، وانظر إلى المدينة في أيام المولد النبوي، تشاهد ما تقشعر منه الجلود، فيجتمع أكثر دول العالم الإسلامي لإقامة هذه البدعة المشئومة في مدينة الرسول ﷺ في الفنادق والعمارات والمنازل حتى في البساتين. ويستمر ذلك مدة طويلة ويحضرها رؤوس الضلال كعلوي مالكي والكتاني وغيرهما وتنشد الأشعار ويتغنون كما يحلو لهم ويكفرون السلفيين ويكثرون من شتمهم، واتهامهم ببغض النبي ﷺ ، ويتمنون متى يأتي وقت تعميم هذه البدعة على كل بيت وكل بلد، رد الله كيدهم في نحرهم. - وفي الإبانة: عن علي بن مضا قال: سألت عيسى بن يونس عن القرآن، فقال: القرآن كلام الله وليس بمخلوق. (١) الفضيل بن عياض (٢) (١٨٧ هـ) الفُضَيْل بن عياض بن مسعود بن بشر، أبو علي الإمام القدوة الثبت شيخ الإسلام، الزاهد المشهور أحد العلماء الأعلام قال فيه ابن المبارك: ما بقي على ظهر الأرض أفضل من الفضيل بن عياض وكان إماما ربانيا كبير الشأن. وقال شريك: هو حجة لأهل زمانه. حدث عنه جمع من الأئمة مثل:

стр. 1163

ابن المبارك، ويحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن عيينة، وأسد السنة والشافعي وغيرهم. أورد الذهبي في سيره قصة توبته قال: قال أبو عمار الحسين بن حريث، عن الفضل بن موسى، قال: كان الفضيل بن عياض شاطرا يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس، وكان سبب توبته أنه عشق جارية، فبينا هو يرتقي الجدران إليها، إذ سمع تاليا يتلو: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (١) فلما سمعها، قال: بلى يا رب، قد آن، فرجع، فآواه الليل إلى خربة، فإذا فيها سابلة، فقال بعضهم: نرحل، وقال بعضهم: حتى نصبح فإن فضيلا على الطريق يقطع علينا. قال: ففكرت، وقلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقوم من المسلمين هاهنا، يخافوني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع، اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام. قال الذهبي: وبكل حال: فالشرك أعظم من قطع الطريق، وقد تاب من الشرك خلق صاروا أفضل الأمة، فنواصي العباد بيد الله تعالى، وهو يضل من يشاء، ويهدي إليه من أناب. وقال عبد الصمد مردويه الصائغ قال لي ابن المبارك: إن الفضيل بن عياض صدق الله، فأجرى الحكمة على لسانه، فالفضيل ممن نفعه علمه. وقال فيض بن إسحاق: سمعت الفضيل بن عياض،

стр. 1164

وسأله عبد الله بن مالك: يا أبا علي ما الخلاص مما نحن فيه؟ قال: أخبرني، من أطاع الله هل تضره معصية أحد؟ قال: لا، قال: فمن يعصي الله هل تنفعه طاعة أحد؟ قال: لا، قال: هو الخلاص إن أردت. وكان ﵁ ورحمه يبذل النصح للأمراء. من أقواله ﵁ ورحمه: قال: كفى بالله محبا، وبالقرآن مؤنسا، وبالموت واعظا، وبخشية الله علما، وبالاغترار جهلا. وقال: يا مسكين، أنت مسيء وترى أنك محسن، وأنت جاهل وترى أنك عالم، وتبخل وترى أنك كريم، وأحمق وترى أنك عاقل، أجلك قصير وأملك طويل. قال الذهبي معلقا: إي والله، صدق وأنت ظالم وترى أنك مظلوم، وآكل للحرام وترى أنك متورع، وفاسق وتعتقد أنك عدل، وطالب العلم للدنيا وترى أنك تطلبه لله. مات ﵀ سنة سبع وثمانين ومائة. موقفه من المبتدعة: - جاء في ذم الكلام عنه قال: الحياة الطيبة الإسلام والسنة. (١) - وروى أبو نعيم في الحلية عن عبد الصمد بن يزيد قال سمعت الفضيل يقول: لأن آكل عند اليهودي والنصراني أحب إلي من أن آكل عند صاحب بدعة، فإني إذا أكلت عندهما لا يقتدى بي وإذا أكلت عند صاحب بدعة اقتدى بي الناس. (٢)

стр. 1165

- وفيها: أحب أن يكون بيني وبين صاحب بدعة حصن من حديد. (١) - وفيها: عمل قليل في سنة خير من عمل صاحب بدعة. (٢) - وفيها: ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة. (٣) - وفيها: من جلس إلى صاحب بدعة فاحذره. (٤) - وفيها: صاحب بدعة لا تأمنه على دينك ولا تشاوره في أمرك. ولا تجلس إليه، فمن جلس إليه ورثه الله العمى .. (٥) - وفيها: وإذا علم الله من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رجوت أن يغفر الله له وإن قل عمله، فإني أرجو له؛ لأن صاحب السنة يعرض كل خير، وصاحب البدعة لا يرتفع له إلى الله عمل وإن كثر عمله. (٦) - وقال: إن لله ملائكة يطلبون حلق الذكر فانظر مع من يكون مجلسك، لا يكون مع صاحب بدعة فإن الله تعالى لا ينظر إليهم، وعلامة النفاق أن يقوم الرجل ويقعد مع صاحب بدعة. (٧) - وفيها: أدركت خيار الناس كلهم أصحاب سنة وهم ينهون عن

стр. 1166

أصحاب البدعة. (١) - قال: إن لله عبادا يحيي بهم العباد والبلاد، وهم أصحاب سنة، من كان يعقل ما يدخل جوفه من حله، كان في حزب الله تعالى. (٢) - وجاء عنه قال: اتبع طرق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين. (٣) - وجاء في الإبانة عنه قال: إذا رأيت مبتدعا في طريق فخذ في طريق آخر. (٤) - وجاء في ذم الكلام عنه قال: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه. (٥) - وعنه قال: الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، ولا يمكن أن يكون صاحب سنة يمالئ صاحب بدعة إلا من النفاق. (٦) " التعليق: ما أحسن هذا وأصدقه على أهل عصرنا هذا!! والله المستعان.

стр. 1167

- جاء في ذم الكلام عنه قال: لا يشم مبتدع رائحة الجنة أو يتوب. (١) - وجاء في الإبانة وذم الكلام عنه قال: لا تجلس مع صاحب هوى فإني أخاف عليك مقت الله. (٢) - جاء في تلبيس إبليس عنه قال: من أعان صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام، ومن زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها. (٣) - جاء في أصول الاعتقاد عنه قال: من أتاه رجل فشاوره فدله على مبتدع فقد غش الإسلام، واحذروا الدخول على أصحاب البدع فإنه يصد عن الحق. (٤) - جاء في السير عنه قال: ورأى قوما من أصحاب الحديث يمرحون ويضحكون فناداهم مهلا يا ورثة الأنبياء مهلا ثلاثا إنكم أئمة يقتدى بكم. (٥) - عن مردويه قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: لا تجادلوا أهل الخصومات فإنهم يخوضون في آيات الله. (٦) - وعنه قال: سمعت الفضيل يقول: لا تجلس مع صاحب بدعة فإني أخاف أن تنزل عليك اللعنة. (٧) - وعنه قال: سمعت الفضيل يقول: طوبى لمن مات على الإسلام

стр. 1168

والسنة، فإذا كان كذلك فليكثر من قول ما شاء الله. (١) - وعنه قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: المؤمن يقف عند الشبهة، ومن دخل على صاحب بدعة فليست له حرمة وإذا أحب الله عبدا وفقه لعمل صالح، فتقربوا إلى الله بحب المساكين. (٢) - وعنه قال: علامة البلاء أن يكون الرجل صاحب بدعة. (٣) - جاء في الإبانة: عن إبراهيم بن نصر قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: كيف بك إذا بقيت إلى زمان شاهدت فيه ناسا لا يفرقون بين الحق والباطل، ولا بين المؤمن والكافر، ولا بين الأمين والخائن، ولا بين الجاهل والعالم، ولا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا. (٤) " التعليق: قال ابن بطة ﵀: فإنا لله وإنا إليه راجعون، فإنا قد بلغنا ذلك وسمعناه وعلمنا أكثره وشاهدناه، فلو أن رجلا ممن وهب الله له عقلا صحيحا وبصرا نافذا فأمعن نظره وردد فكره وتأمل أمر الإسلام وأهله وسلك بأهله الطريق الأقصد والسبيل الأرشد، لتبين له أن الأكثر والأعم الأشهر من الناس قد نكصوا على أعقابهم وارتدوا على أدبارهم، فحادوا عن المحجة وانقلبوا عن صحيح الحجة، ولقد أضحى كثير من الناس يستحسنون ما كانوا يستقبحون، ويستحلون ما كانوا يحرمون، ويعرفون ما كانوا

стр. 1169

ينكرون، وما هذه رحمكم الله أخلاق المسلمين ولا أفعال من كانوا على بصيرة في هذا الدين ولا من أهل الإيمان به واليقين. - وجاء فيها أيضا: بكى فضيل فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أخاف أن يكون الله منكم بريئا، إني أسمع الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (١). فأخاف أن لا يكون الله منا في شيء، قال أبو هريرة: نزلت هذه الآية في هذه الأمة. (٢) - قال الفضيل: ليس للمؤمن أن يقعد مع كل من شاء لأن الله يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (٣). اهـ (٤) - وفي الإبانة عن عبد الصمد بن يزيد الصايغ قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: الزموا في آخر الزمان الصوامع، يعني البيوت، فإنه ليس ينجو من شر ذلك الزمان إلا صفوته من خلقه. قال: وسمعت الفضيل يقول: حتى متى لا نرى عدلا نسر به ... ولا نرى لدعاة الحق أعوانا قال: ثم بكى الفضيل وقال: اللهم أصلح الراعي والرعية. (٥)

стр. 1170

- وجاء في ذم الكلام عن محمد بن الفضل بن سلمة قال: قلما جلسنا إلى فضيل إلا أتانا بهاتين الكلمتين: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا ولا يقبله إلا على السنة. (١) - وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: وبالجملة فمعنا أصلان عظيمان، أحدهما: أن لا نعبد إلا الله. والثاني: أن لا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بعبادة مبتدعة. وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٢). قال الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. وذلك تحقيق قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٣). (٤) موقفه من الرافضة: - جاء في الشريعة: عن عبد الصمد بن يزيد قال: سمعت الفضيل بن

стр. 1171

عياض يقول: حب أصحاب محمد ﷺ ذخر أدخره. ثم قال: رحم الله من ترحم على أصحاب محمد ﷺ وإنما يحسن هذا كله بحب أصحاب محمد ﷺ . قال: وسمعت فضيلا يقول: قال ابن المبارك: خصلتان من كانتا فيه؛ الصدق وحب أصحاب محمد ﷺ أرجو أن ينجو ويسلم. (١) - وجاء في السنة للخلال: قال محمد بن زنبور: قال الفضيل: أوثق عملي في نفسي حب أبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح وحبي أصحاب محمد ﵇ جميعا، وكان يترحم على معاوية ويقول: كان من العلماء من أصحاب محمد ﵇. (٢) موقفه من الجهمية: - جاء في خلق أفعال العباد للبخاري عنه قال: إذا قال لك جهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل: أنا أومن برب يفعل ما يشاء. (٣) - وروى اللالكائي في أصول الاعتقاد بسنده إلى العطاف بن قيس قال: سألت الفضيل بن عياض عن القرآن؟ فقال: القرآن كلام الله غير مخلوق. (٤) - وفي الإبانة قال المروذي: حدثنا محمد بن العباس -صاحب الشامة-، قال: حدثني إسحاق بن إسماعيل عن أحمد بن يونس قال: سمعت الفضيل

стр. 1172

بن عياض يقول: من قال القرآن مخلوق فهو كافر. (١) - وفي مجموع الفتاوى قال الفضيل بن عياض: ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو؟ لأن الله تعالى وصف نفسه فأبلغ فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٢) فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه. (٣) موقفه من المرجئة: - عن إبراهيم بن شماس: وسئل الفضيل بن عياض وأنا أسمع عن الإيمان فقال: الإيمان عندنا داخله وخارجه الإقرار باللسان والقبول بالقلب والعمل به. (٤) - وعن إبراهيم بن الأشعث، قال: سمعت الفضيل يقول: الإيمان: المعرفة بالقلب والإقرار باللسان والتفضيل بالعمل قال وسمعت الفضيل يقول: أهل الإرجاء يقولون: الإيمان قول بلا عمل. ويقول الجهمية: الإيمان المعرفة بلا قول ولا عمل، ويقول أهل السنة: الإيمان المعرفة والقول والعمل. (٥) - وقال فضيل: المرجئة كلما سمعوا حديثا فيه تخويف قالوا: هذا تهديد، وإن المؤمن يخاف تهديد الله وتحذيره وتخويفه ووعيده، ويرجو وعده،

стр. 1173

وإن المنافق لا يخاف تهديد الله ولا تحذيره ولا تخويفه ولا وعيده ولا يرجو وعده. وقال فضيل: الأعمال تحبط الأعمال، والأعمال تحول دون الأعمال. (١) - وقال عبد الله بن الإمام أحمد: وجدت في كتاب أبي أخبرت أن الفضيل بن عياض قرأ أول الأنفال حتى بلغ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٢) قال حين فرغ: إن هذه الآية تخبرك أن الإيمان قول وعمل وأن المؤمن إذا كان مؤمنا حقا فهو من أهل الجنة. فمن لم يشهد أن المؤمن حقا من أهل الجنة فهو شاك في كتاب الله مكذب أو جاهل لا يعلم. فمن كان على هذه الصفة فهو مؤمن حقا مستكمل الإيمان ولا يستكمل الإيمان إلا بالعمل ولا يستكمل عبد الإيمان ولا يكون مؤمنا حقا حتى يؤثر دينه على شهوته، ولن يهلك عبد حتى يؤثر شهوته على دينه، يا سفيه ما أجهلك لا ترضى أن تقول: أنا مؤمن حتى تقول: أنا مؤمن حقا مستكمل الإيمان، والله لا تكون مؤمنا حقا مستكمل الإيمان حتى تؤدي ما افترض الله عليك، وتجتنب ما حرم الله عليك، وترضى بما قسم الله لك، ثم تخاف مع هذا أن لا يقبل الله منك. ووصف فضيل الإيمان بأنه قول وعمل. وقرأ ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ

стр. 1174

حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (١). فقد سمى الله دينا قيمة بالقول والعمل. فالقول الإقرار بالتوحيد والشهادة للنبي بالبلاغ. والعمل أداء الفرائض واجتناب المحارم. وقرأ ِ ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ (٢) وقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٣) فالدين التصديق بالعمل كما وصفه الله وكما أمر أنبياءه ورسله بإقامته، والتفريق فيه ترك العمل والتفريق بين القول والعمل. قال الله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٤) فالتوبة من الشرك جعلها الله قولا وعملا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. وقال أصحاب الرأي: ليس الصلاة ولا الزكاة ولا شيء من الفرائض من الإيمان افتراء على الله وخلافا لكتابه وسنة نبيه. ولو كان القول كما يقولون لم يقاتل أبو بكر أهل الردة. - وقال فضيل: يقول أهل البدع: الإيمان الإقرار بلا عمل، والإيمان

стр. 1175

واحد، وإنما يتفاضل الناس بالأعمال ولا يتفاضلون بالإيمان. فمن قال ذلك فقد خالف الأثر ورد على رسول الله ﷺ قوله، لأن رسول الله ﷺ قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (١) وتفسير من يقول: الإيمان لا يتفاضل يقول: إن فرائض الله ليس من الإيمان. فميز أهل البدع العمل من الإيمان. وقالوا: إن فرائض الله ليس من الإيمان، ومن قال ذاك فقد أعظم الفرية، أخاف أن يكون جاحدا للفرائض رَادّاً على الله أمره. ويقول أهل السنة: إن الله قرن العمل بالإيمان وإن فرائض الله من الإيمان قالوا ﴿والذين آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٢) فهذا موصول العمل بالإيمان. ويقول أهل الإرجاء: لا، ولكنه مقطوع غير موصول. وقال أهل السنة: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (٣) فهذا موصول، وأهل الإرجاء يقولون: بل هو مقطوع. وقال أهل السنة: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (٤) فهذا موصول، وكل شيء في القرآن من أشباه هذا فأهل السنة يقولون: هو موصول مجتمع، وأهل الإرجاء يقولون: بل هو مقطوع متفرق.

стр. 1176

ولو كان الأمر كما يقولون لكان من عصى وارتكب المعاصي والمحارم لم يكن عليه سبيل، فكان إقراره يكفيه من العمل، فما أسوأ هذا من قول وأقبحه فإنا لله وإنا إليه راجعون. - وقال فضيل: أصل الإيمان عندنا وفرعه بعد الشهادة والتوحيد والشهادة للنبي بالبلاغ وبعد أداء الفرائض صدق الحديث، وحفظ الأمانة، وترك الخيانة، ووفاء بالعهد، وصلة الرحم، والنصيحة لجميع المسلمين والرحمة للناس عامة. قيل له -يعني فضيلا- هذا من رأيك تقوله أو سمعته قال: بل سمعناه وتعلمناه ولو لم آخذه من أهل الفقه والفضل لم أتكلم به. - وقال فضيل: يقول أهل الإرجاء الإيمان قول بلا عمل، ويقول الجهمية الإيمان المعرفة بلا قول ولا عمل، ويقول أهل السنة: الإيمان المعرفة والقول والعمل. فمن قال: الإيمان قول وعمل فقد أخذ بالتوثيقة. ومن قال: الإيمان قول بلا عمل فقد خاطر، لأنه لا يدري أيقبل إقراره أو يرد عليه بذنوبه. وقال -يعني فضيلا- قد بينت لك إلا أن تكون أعمى. - وقال فضيل: لو قال رجل مؤمن أنت؟ ما كلمته ما عشت، وقال: إذا قلت آمنت بالله فهو يجزيك من أن تقول أنا مؤمن، وإذا قلت: أنا مؤمن لا يجزيك من أن تقول آمنت بالله، لأن آمنت بالله أمر، قال الله: ﴿قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ﴾ (١) الآية وقولك أنا مؤمن تكلف لا يضرك أن لا تقوله، ولا بأس

стр. 1177

إن قلته على وجه الإقرار، وأكرهه على وجه التزكية. (١) معتمر بن سليمان (٢) (١٨٧ هـ) معتمر بن سليمان بن طَرْخَان الإمام الحافظ القدوة، أبو محمد بن الإمام أبي المعتمر التيمي البصري وهو من موالي بني مرة، ونسب إلى تيم لنزوله فيهم هو وأبوه. حدث عن: أبيه، ومنصور بن المعتمر، وأيوب وحميد وغيرهم وحدث عنه ابن المبارك وعبد الرزاق والقعنبي، والأصمعي ويحيى بن يحيى وغيرهم. كان من كبار العلماء. قال معاذ بن معاذ: سمعت قرة بن خالد يقول: ما معتمر عندنا بدون سليمان التيمي. مات سنة سبع وثمانين ومائة بالبصرة. موقفه من الجهمية: - جاء في السنة بالسند إلى فطر بن حماد بن أبي عمر الصفار قال: سألت معتمر بن سليمان، فقلت: يا أبا محمد، إمام لقوم يقول القرآن مخلوق أصلي خلفه؟ قال ينبغي أن تضرب عنقه. (٣) - وجاء في الإبانة: عن فطر بن حماد قال: سألت المعتمر وحماد بن زيد عن من قال: القرآن مخلوق، فقالا: كافر. (٤)

стр. 1178

- وفيها: قال يحيى بن إسحاق بن توبة العنبري: سألت معتمر بن سليمان عن من قال: كلام الناس ليس بمخلوق، قال: هذا كفر. (١) جرير بن عبد الحميد (٢) (١٨٨ هـ) ابن قُرْط الضَّبِّي، أبو عبد الله الرازي، القاضي ولد بأيَّة قرية من قرى أصبهان، ونشأ بالكوفة، ونزل قرية على باب الري، يقال لها: رين. روى عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، وأسلم المنقري وإسماعيل بن أبي خالد وأشعث بن سوار وغيرهم. وروى عنه إبراهيم بن شماس وإبراهيم بن موسى الفراء وإبراهيم بن هاشم بن مشكان وغيرهم. قال محمد بن سعد: كان ثقة كثير العلم، يرحل إليه. وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي: حجة، كانت كتبه صحاحا وإن لم يكن، كنت إذا نظرت إليه في بزته ما كنت ترى أنه محدث، ولكنه كان إذا حدث ... أي كان يشبه العلماء. وقال محمد بن عمر زنيج: سمعت جريرا قال: رأيت ابن أبي نجيح ولم أكتب عنه شيئا، ورأيت جابرا الجعفي، ولم أكتب عنه شيئا، ورأيت ابن جريج ولم أكتب عنه شيئا فقال رجل: ضيعت يا أبا عبد الله فقال: لا. أما

стр. 1179

جابر، فإنه كان يؤمن بالرجعة، وأما ابن أبي نجيح فكان يرى القدر، وأما ابن جريج فإنه أوصى بنيه بستين امرأة وقال: لا تزوجوا بهن فإنهن أمهاتكم، وكان يرى المتعة. توفي سنة ثمان وثمانين ومائة. موقفه من الجهمية: - جاء في أصول الاعتقاد عن يحيى بن المغيرة قال: كنا عند جرير بن عبد الحميد فذكر له حديث بن سابط: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وزيادة﴾ (١) قال: الزيادة النظر إلى وجه الله، قال: فحضره رجل فأنكره، فصاح به وأخرجه من مجلسه. (٢) - وروى ابن أبي حاتم في الرد على الجهمية عنه قال: كلام الجهمية أوله عسل وآخره سم، وإنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء إله. (٣) موقفه من المرجئة: - عن إبراهيم بن شماس قال: سمعت جرير بن عبد الحميد يقول: الإيمان قول وعمل والإيمان يزيد وينقص فقيل له: كيف تقول أنت؟ قال: أقول أنا مؤمن إن شاء الله. (٤)

стр. 1180

- وعن يحيى بن المغيرة قال: قرأت كتاب حماد بن زيد إلى جرير بن عبد الحميد: بلغني أنك تقول في الإيمان بالزيادة، وأهل الكوفة يقولون بغير ذلك، اثبت على رأيك ثبتك الله. (١) - عن جرير قال: سمعت منصور بن المعتمر والمغيرة بن مقسم والأعمش وليث بن أبي سليم وعمارة بن القعقاع وابن شبرمة والعلاء بن المسيب وإسماعيل بن أبي خالد وعطاء بن السائب وحمزة بن حبيب الزيات ويزيد بن أبي زياد وسفيان الثوري وابن المبارك ومن أدركت: يستثنون في الإيمان ويعيبون على من لا يستثني. (٢) - وعن علي بن بحر قال: سمعت جرير بن عبد الحميد يقول: نحن مؤمنون إن شاء الله، ويعيبون على من لا يستثني. (٣) محمد بن الحسن الشيباني (٤) (١٨٩ هـ) ابن فَرْقَد، العلامة، فقيه العراق، أبو عبد الله الشَّيْبَاني الكوفي، صاحب أبي حنيفة. أخذ عن أبي حنيفة بعض الفقه، وتمم الفقه على القاضي أبي يوسف. وروى عن: أبي حنيفة، ومسعر، ومالك بن مغول، والأوزاعي، ومالك بن أنس. وأخذ عنه الشافعي، فأكثر جدا، وأبو عبيد، وهشام بن

стр. 1181

عبيد الله وأحمد بن حفص فقيه بخارى، وعمرو بن أبي عمرو الحراني، وعلي ابن مسلم الطوسي وآخرون. كان الشافعي يقول: كتبت عنه وِقر بُخْتِيٍّ وما ناظرت سمينا أذكى منه. ولو أشاء أن أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن لقلت لفصاحته. قال الذهبي: ولي القضاء للرشيد بعد القاضي أبي يوسف وكان مع تبحره في الفقه يضرب بذكائه المثل. قال الشافعي قال محمد بن الحسن: أقمت عند مالك ثلاث سنين وكسرا، وسمعت من لفظه سبع مائة حديث. مات رحمه الله تعالى سنة تسع وثمانين ومائة. موقفه من الجهمية: - وجاء في نقض المنطق: قال شيخ الإسلام: وثبت عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة أنه قال: اتفق الفقهاء كلهم من الشرق والغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر شيئا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ ، وفارق الجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، ولكن آمنوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة. (١) قال ابن تيمية: قوله: من غير تفسير: أراد به تفسير الجهمية المعطلة الذين ابتدعوا تفسير الصفات بخلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون من

стр. 1182

الإثبات. (١) - وجاء في أصول الاعتقاد عنه قال: والله لا أصلي خلف من يقول القرآن مخلوق، ولا أستفتى في ذلك إلا أمرت بالإعادة. (٢) - وجاء فيه أيضا: قال الحسن بن حماد: سأل رجل محمد بن الحسن عن القرآن مخلوق هو؟ فقال القرآن كلام الله وليس من الله شيء مخلوق. (٣) عتاب بن بشير (٤) (١٩٠ هـ) عَتَّاب بن بَشِير الجَزَرِي أبو الحسن الحَرَّاني. روى عن: إسحاق بن راشد الجزري، وثابت بن عجلان الأنصاري، وخصيف بن عبد الرحمن الجزري. وروى عنه: إسحاق بن راهويه، وحجاج بن إبراهيم الأزرق، وروح بن عبادة. توفي سنة تسعين ومائة. موقفه من الجهمية: جاء في السنة لعبد الله: عن علي بن مضاء قال: سألت عتاب بن بشير عن القرآن فقال: سألت خصيفا عن القرآن فقال: القرآن كلام الله وليس بمخلوق قلت: وأي شيء تقول أنت؟ قال: أقول كما قال، يعني عتابا. (٥)

стр. 1183

موقف السلف من يحيى بن خالد البرمكي المبتدع الباطني الخبيث (١٩٠ ه ـ) جاء في الاعتصام: قال ابن العربي: أول من اتخذ البخور في المسجد بنوا برمك يحيى بن خالد، ومحمد بن خالد -ملكهما الوالي أمر الدين فكان محمد ابن خالد حاجبا ويحيى وزيرا، ثم ابنه جعفر بن يحيى- قال: وكانوا باطنية يعتقدون آراء الفلاسفة، فأحيوا المجوسية، واتخذوا البخور في المساجد وإنما تطيب بالخلوق، فزادوا التجمير ويعمرونها بالنار. (١) " التعليق: هذه الأسرة الخبيثة التي اندست على العباسيين كغيرها من المجوس الذين تسربوا، واندسوا على المسلمين بأسماء مختلفة، وقصد الجميع هو الكيد للإسلام من أصله وكم استغل هذه الأسرة الخبيثة في الترويج لها والإشادة بها أناس لا خلاق لهم، ولا دين، وإن شئت فارجع إلى كتب الأدب والفكر تجد ما يسوء المسلم المخلص، وما هذه الحيلة التي يريدون بها نشر مجوسيتهم بطريق ذكي. يظهرون للناس أنهم يطيبون المساجد، والواقع إحياء المجوسية في أعظم مقدسات المسلمين، ألا وهي المساجد حتى تشبه بمعابدهم المجوسية. وهكذا كل كافر ومبتدع وباطني خبيث يأتي بحيلة يروج بها ضلاله لأنه لو أتى بضلاله الواضح لكشفه الناس.

стр. 1184

محمد بن يزيد الواسطي (١) (١٩١ هـ) الإمام الزاهد الحافظ المجود، أبو سعيد، وقيل أبو إسحاق الواسطي الخولاني مولاهم. حدث عن أيوب أبي العلاء القصاب، وإسماعيل بن أبي خالد والعوام بن حوشب وغيرهم. وحدث عنه أحمد وإسحاق، ويحيى وسريج بن يونس وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: كان ثبتا في الحديث. قال وكيع: إن كان أحد من الأبدال فهو محمد بن يزيد الواسطي. قال عبد الله بن أحمد سمعت أبي يقول: ما كان بمحمد بن يزيد الواسطي بأس. كتبه صحاح، وأصله شامي، ومحمد بن يزيد أثبت من إسحاق الأزرق، الأزرق كثير الخطأ عن سفيان وكان الأزرق حافظا إلا أنه كان يخطئ. توفي سنة إحدى وتسعين ومائة. وقيل غير ذلك. موقفه من الجهمية: جاء في أصول الاعتقاد عنه قال: علمه كلامه وكلامه منه وهو غير مخلوق. (٢)

стр. 1185

عبد الرحمن بن القاسم (١) (١٩١ هـ) عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جُنَادَة، عالم الديار المصرية ومفتيها، أبو عبد الله العُتَقِيّ مولاهم المصري صاحب مالك الإمام. روى عن مالك، وعبد الرحمن بن شريح، ونافع بن أبي نعيم المقرئ وبكر بن مضر، وطائفة قليلة. وعنه أصبغ والحارث بن مسكين وسحنون، وعيسى بن مثرود ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وآخرون. كان ذا مال ودنيا، فأنفقها في العلم، وقيل: كان يمتنع من جوائز السلطان، وله قدم في الورع والتأله. وعن مالك: أنه ذكر عنده ابن القاسم، فقال: عافاه الله، مثله كمثل جراب مملوء مسكا. قال الحارث بن مسكين: كان ابن القاسم في الورع والزهد شيئا عجيبا، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات وقال: كان خيرا فاضلا ممن تفقه على مذهب مالك وفَرَّعَ على أصوله وذب عنها ونصر من انتحلها، قال الخليلي: زاهد متفق عليه، أول من حمل الموطأ إلى مصر وهو إمام. قال عن نفسه: خرجت إلى الحجاز اثنتي عشرة مرة أنفقت في كل مرة ألف دينار. توفي رحمه الله تعالى سنة إحدى وتسعين ومائة. موقفه من المبتدعة: عن ابن القاسم أنه قال في أهل الأهواء مثل القدرية والإباضية وما

стр. 1186

أشبههم من أهل الإسلام ممن هو على غير ما عليه جماعة المسلمين من البدع والتحريف بكتاب الله وتأويله على غير تأويله: فإن أولئك يستتابون أظهروا ذلك أم أسروه فإن تابوا وإلا ضربت رقابهم لتحريفهم كتاب الله، وخلافهم جماعة المسلمين والتابعين لرسول الله ﷺ ولأصحابه، وبهذا عملت أئمة الهدى. (١) موقفه من المشركين: جاء في أصول السنة لابن أبي زمنين: العتبي عن عيسى عن ابن القاسم قال: ومن سب أحدا من الأنبياء والرسل من المسلمين قتل ولم يستتب وهو بمنزلة الزنديق الذي لا يعرف له توبة، فلذلك لا يستتاب لأنه يتوب بلسانه ويراجع ذلك في سريرته فلا تعرف منه توبة، وهو بمنزلة من سب رسول الله ﷺ ؛ لأن الله ﵎ يقول في كتابه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ (٢)، وقال: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣).اهـ (٤) موقفه من الجهمية: - له رسالة جيدة سماها السنة نقل منها الإمام ابن القيم نموذجا نذكره حتى

стр. 1187

يكون كالشاهد، قال ﵀: والإيمان بأن الله كلم موسى بن عمران بصوت سمعه موسى من الله تعالى، لا من غيره فمن قال غير هذا أوشَكَّ فقد كفر. (١) - وروى ابن أبي زمنين بسنده إلى عيسى بن دينار عن عبد الرحمن بن القاسم أنه قال: لا ينبغي لأحد أن يصف الله إلا بما وصف به نفسه في القرآن، ولا يشبه يديه بشيء ولا وجهه بشيء، ولكن يقول له يدان كما وصف نفسه في القرآن وله وجه كما وصف نفسه، يقف عندما وصف به نفسه في الكتاب، فإنه ﵎ لا مثل له ولا شبيه، ولكن هو الله لا إله إلا هو كما وصف نفسه، ويداه مبسوطتان كما وصفهما: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٢) كما وصف نفسه. (٣) عبد الله بن إدريس (٤) (١٩٢ هـ) عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأَوْدِي من مذحج، ويكنى أبا محمد. ولد سنة خمس عشرة ومائة. حدث عن أبيه وحصين بن عبد الرحمن وسهيل بن أبي صالح وخلق. وحدث عنه: مالك وهو من مشايخه

стр. 1188

وابن المبارك ويحيى بن آدم بن حنبل وخلق كثير. كان عابدا فاضلا من عباد الله الصالحين ومن الزهاد. قال أبو حاتم الرازي: هو إمام من أئمة المسلمين، حجة. وكان من جِلة المقرئين. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونا كثير الحديث حجة صاحب سنة وجماعة. وقال ابن حبان: كان صلبا في السنة. أقدمه الرشيد بغداد ليوليه قضاء الكوفة فامتنع. توفي رحمه الله تعالى في ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين ومائة. موقفه من الرافضة: - جاء في السنة للخلال: قال عبد الله بن إدريس: لو أن الروم سبوا من المسلمين من الروم إلى الحيلة ثم ردهم رجل في قلبه شيء على أصحاب محمد ﷺ ما قبل الله منه ذلك. (١) - وجاء في الصارم المسلول: قال عبد الله بن إدريس من أعيان أئمة الكوفة: ليس لرافضي شفعة إلا لمسلم. (٢) - وفيه قال: ما آمن أن يكونوا قد ضارعوا الكفار يعني الرافضة لأن الله تعالى يقول: ﴿ليغيظ بهم الكفار﴾ (٣).اهـ (٤) موقفه من الجهمية: - قال عبد الله بن الإمام أحمد في كتابه السنة: حدثني الفضل بن

стр. 1189

الصباح السمسار، وسألت أبي عنه فقال: أعرفه، ليس به بأس، قال: كنت عند عبد الله بن إدريس، فسأله بعض أصحاب الحديث ممن كان معنا فقال: ما تقول في الجهمية، يصلى خلفهم؟ قال فضل: ثم اشتغلت أكلم إنسانا بشيء فلم أفهم ما رد عليه ابن إدريس، فقلت للذي سأله: ما قال لك؟ فقال: قال لي: أمسلمون هؤلاء، أمسلمون هؤلاء؟ لا ولا كرامة، لا يصلى خلفهم، قلت لفضل بن الصباح: سمعتَه يقول هذا لابن إدريس وأنت حاضر؟ قال: نعم سمعتُه. (١) - جاء في أصول الاعتقاد عن يحيى بن يوسف أبي زكريا قال: قدمنا مكة قال: فقال لي رفيق لي: هل لك في عبد الله بن إدريس تأتيه فتسلم عليه؟ فقلت نعم. فمضينا إليه فقال له رفيقي: يا أبا محمد إن قبلنا أناسا يقولون: القرآن مخلوق. فقال: من اليهود؟ فقال: لا. قال: فمن النصارى؟ فقال: لا. قال: فمن المجوس؟ قال: لا. قال: فمن هم؟ قال: من الموحدين. قال: كذبوا ليس هؤلاء من الموحدين، هؤلاء زنادقة، فمن زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن الله مخلوق ومن زعم أن الله مخلوق فقد كفر، هؤلاء زنادقة. (٢) - وفيه عن يحيى بن خلف المقري قال: كنت عند مالك بن أنس سنة ثمان وستين فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله ما تقول فيمن يقول: القرآن مخلوق؟ قال: كافر زنديق اقتلوه. قال: إنما أحكي كلاما سمعته. قال: لم

стр. 1190

أسمعه من أحد إنما سمعته منك. قال أبو محمد: فغلظ ذلك علي ... فلقيت عبد الله بن إدريس وأبا أسامة وعبدة بن سليمان الكلابي ويحيى بن زكريا ووكيعا فحكيت لهم. فقالوا: كافر. (١) - جاء في السنة لعبد الله عن مقاتل: سألت عبد الله بن إدريس عن الصلاة خلف الجهمية فقال: أَوَ مؤمنون هم؟ (٢) - وفيها: عن الزمي قال وقرأ ابن إدريس بِسْمِ ﴿اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرحيم﴾ فقال: الله مخلوق؟ والرحمن مخلوق؟ والرحيم مخلوق؟ هؤلاء زنادقة. (٣) - وفيها: عن ابن إدريس قال: القرآن كلام الله ومن الله وما كان من الله فليس بمخلوق. (٤) - وفيها عن محمد بن عيسى الطباع، سمعت ابن إدريس سئل عن قوم يقولون: القرآن مخلوق، فاستشنع ذلك، وقال: سبحان الله شيء منه مخلوق وأشار بيده إلى فيه. (٥) - وفي الفتاوى الكبرى: قال البخاري وسئل عبد الله بن إدريس عن الصلاة خلف أهل البدع فقال: لم يزل في الناس إذا كان فيهم مرضي أو

стр. 1191

عدل فصل خلفه، فقلت: فالجهمية؟ قال: لا، هذه من المقاتل، هؤلاء لا يصلى خلفهم ولا يناكحون وعليهم التوبة. (١) موقفه من المرجئة: عن عثمان بن محمد بن أبي شيبة قال: سألت ابن إدريس وجريرا ووكيعا فقالوا: الإيمان يزيد وينقص. (٢) إسماعيل بن عُلَيَّة (٣) (١٩٣ هـ) إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم، الإمام، العلامة، الحافظ، الثبت أبو بِشْر الأسدي، مولاهم البصري الكوفي الأصل، المشهور بابن عُلَيَّة، وهي أمه. سمع أبا بكر محمد بن المنكدر التيمي، وأبا بكر أيوب بن أبي تميمة، ويونس بن عبيد وغيرهم. وروى عنه ابن جريج، وشعبة وهو من شيوخه وحماد بن زيد وعبد الرحمن بن مهدي وعلي بن المديني وأحمد بن حنبل وغيرهم. وكان فقيها، إماما، مفتيا، من أئمة الحديث. وقال يونس بن بكير: سمعت شعبة يقول: إسماعيل بن علية سيد المحدثين، وقال فيه أيضا: ابن علية ريحانة الفقهاء. وعن عبد الله بن أحمد عن أبيه قال: فاتني مالك فأخلف الله علي سفيان بن عيينة وفاتني حماد بن زيد فأخلف الله علي إسماعيل بن علية،

стр. 1192

كان حماد بن زيد لا يفرق من مخالفة وهيب والثقفي، ويفرق من إسماعيل إذا خالفه. ولي إسماعيل القضاء، وقد نقم عليه بعض المحدثين إجابته في المحنة. قال الإمام الذهبي: إمامة إسماعيل وثيقة لا نزاع فيها، وقد بدت منه هفوة وتاب، فكان ماذا؟ إني أخاف الله، لا يكون ذكرنا له من الغيبة. توفي سنة ثلاث وتسعين ومائة. موقفه من الجهمية: - جاء في السنة عن ابن علية قال: من قال القرآن مخلوق فهو مبتدع. (١) - وجاء في أصول الاعتقاد: قال علي فتى هشيم لإسماعيل بن علية: نحب أن نسمع منك ما نؤديه إلى الناس في أمر القرآن فقال: القرآن كلام الله وليس من الله شيء مخلوق، ومن قال إن شيئا من الله مخلوق فقد كفر وأنا أستغفر الله مما كان مني في المجلس. (٢) - جاء في السير: وقد قال عبد الصمد بن يزيد مردويه: سمعت إسماعيل ابن علية يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق. (٣) - وفي السنة لعبد الله: عن إسماعيل بن علية قال: أنا أحتج عليهم يعني الجهمية بقوله : ﴿فَلَمَّا تجلى ربه لِلْجَبَلِ﴾ (٤) لا يكون تجل إلا لشيء حدث. (٥)

стр. 1193

- وفيها عنه أيضا: ﴿لا تدركه الْأَبْصَارُ﴾ (١) قال: هذا في الدنيا. (٢) هارون الرشيد (٣) (١٩٣ هـ) الخليفة أبو جعفر هارون بن المهدي. روى عن أبيه وجده، ومبارك بن فضالة. روى عنه: ابنه المأمون وغيره. كان من أنبل الخلفاء، وأحشم الملوك، ذا حج وجهاد وغزو وشجاعة ورأي. وكان يحب العلم وأهله، ويعظم حرمات الإسلام، ويبغض المراء في الدين، والكلام في معارضة النص. قال عبد الرزاق: كنت مع الفضيل بمكة، فمر هارون، فقال الفضيل: الناس يكرهون هذا، وما في الأرض أعز علي منه، لو مات لرأيت أمورا عظاما. قال فيه بعضهم: فمن يطلب لقاءك أو يرده ... فبالحَرَميْن أو أقصى الثغور ففي أرض العدو على طمر ... وفي أرض الترفه فوق طور وما حاز الثغور سواك خلق ... من المتخلفين على الأمور توفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وتسعين ومائة. وله من العمر خمس وأربعون سنة.

стр. 1194

موقفه من المبتدعة: - جاء في شرف أصحاب الحديث بالسند إلى أبي عبد الله محمد بن العباس المصري يقول: سمعت هارون الرشيد يقول: طلبت أربعة فوجدتها في أربعة: طلبت الكفر فوجدته في الجهمية، وطلبت الكلام والشغب فوجدته في المعتزلة، وطلبت الكذب فوجدته عند الرافضة، وطلبت الحق فوجدته مع أصحاب الحديث. (١) - روى أبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف عن عمرو بن محمد أنه قال: كان أبو معاوية الضرير يحدث هارون الرشيد، فحدثه بحديث أبي هريرة ﵁ احتج آدم وموسى (٢) فقال عيسى بن جعفر: كيف هذا وبين آدم وموسى ما بينهما؟ قال: فوثب به هارون وقال: يحدثك عن الرسول ﷺ وتعارضه بكيف؟ قال: فما زال يقول حتى سكن عنه. (٣) قال أبو عثمان ﵀ عقبه: هكذا ينبغي للمرء أن يعظم أخبار رسول الله ﵌، ويقابلها بالقبول والتسليم والتصديق، وينكر أشد الإنكار على من يسلك فيها غير هذا الطريق الذي سلكه هارون الرشيد ﵀ مع من اعترض على الخبر الصحيح الذي سمعه بكيف؟ على طريق الإنكار والاستبعاد له، ولم يتلقه بالقبول كما يجب أن يتلقى جميع ما

стр. 1195

يرد من الرسول ﵌. جعلنا الله سبحانه من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ويتمسكون في دنياهم مدة محياهم بالكتاب والسنة، وجنبنا الأهواء المضلة، والآراء المضمحلة، والأسواء المذلة، فضلا منه ومنة. (١) - جاء في البداية والنهاية: وقد استدعى إليه أبا معاوية الضرير محمد ابن خازم ليسمع منه الحديث قال أبو معاوية: ما ذكرت عنده حديثا إلا قال صلى الله وسلم على سيدي، وإذا سمع فيه موعظة بكى حتى يبل الثرى، وأكلت عنده يوما ثم قمت لأغسل يدي فصب الماء علي، وأنا لا أراه، ثم قال يا أبا معاوية أتدري من يصب عليك الماء؟ قلت: لا، قال: يصب عليك أمير المؤمنين، قال أبو معاوية: فدعوت له، فقال: إنما أردت تعظيم العلم. وحدثه أبو معاوية يوما عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بحديث احتجاج آدم وموسى (٢). فقال عم الرشيد أين التقيا يا أبا معاوية؟ فغضب الرشيد من ذلك غضبا شديدا وقال: أتعترض على الحديث؟ علي بالنطع والسيف، فأحضر ذلك فقام الناس إليه يشفعون فيه فقال الرشيد: هذه زندقة، ثم أمر بسجنه وأقسم أن لا يخرج حتى يخبرني من ألقى إليه هذا. فأقسم عمه بالأيمان المغلظة ما قال هذا له أحد، وإنما كانت هذه الكلمة
следующие страницы →