وقفوا له بالمرصاد وجادلوه بالحجة والبرهان، وثبتهم الله على ذلك مهما بلغت تهديداته وأساليب تعذيبه، واستشهد من استشهد منهم ومثالهم في ذلك إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد ﵁، وسيمر بنا إن شاء الله من مواقفه ومواقف غيره ما يثلج الصدر ﵏ جميعا، وجعلنا على نهجهم القويم، وهذا أبو مسهر إمام أهل الحديث في وقته ممن ينالون الأجر بإذن الله.
موقف السلف من بشر بن غياث المريسي الجهمي (٢١٨ ه ـ)
زندقته وتجهمه ومواقف السلف منه:
- قال الذهبي في سيره: نظر في الكلام، فغلب عليه، وانسلخ من الورع والتقوى، وجرد القول بخلق القرآن، ودعا إليه، حتى كان عين الجهمية في عصره وعالمهم، فمقته أهل العلم، وكفره عدة، ولم يدرك جهم بن صفوان، بل تلقف مقالاته من أتباعه. (١)
- وقال فيها أيضا: وكان جهميا له قدر عند الدولة، وكان يشرب النبيذ، وقال مرة لرجل اسمه كامل: في اسمه دليل على أن الاسم غير المسمى. (٢)
- وقال: وقع كلامه إلى عثمان بن سعيد الدارمي الحافظ، فصنف مجلدا في الرد عليه. (٣)
стр. 1367
- ثم قال: فهو بشر الشر وبشر الحافي بشر الخير، كما أن أحمد بن حنبل هو أحمد السنة، وأحمد بن أبي دؤاد أحمد البدعة. ومن كفر ببدعة وإن جلت، ليس هو مثل الكافر الأصلي، ولا اليهودي والمجوسي، أبى الله أن يجعل من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر، وصام وصلى وحج وزكى وإن ارتكب العظائم وضل وابتدع، كمن عاند الرسول، وعبد الوثن، ونبذ الشرائع وكفر، ولكن نبرأ إلى الله من البدع وأهلها. (١)
- وفيها: قال البويطي: سمعت الشافعي يقول: ناظرت المريسي، فقال: القرعة قمار، فذكرت له حديث عمران بن حصين في القرعة (٢)، ثم ذكرت قوله لأبي البختري القاضي، فقال: شاهدا آخر وأصلبه. (٣)
- وفيها: روى أبو داود، عن أحمد بن حنبل، أنه سمع ابن مهدي أيام صنع ببشر ما صنع يقول: من زعم أن الله لم يكلم موسى يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه. (٤)
وفيها: قال أبو بكر الأثرم: سئل أحمد عن الصلاة خلف بشر المريسي، فقال: لا تصل خلفه. (٥)
стр. 1368
- وفيها: قال المروذي: سمعت أبا عبد الله، وذكر المريسي، فقال: كان أبوه يهوديا، أي شيء تراه يكون؟ (١)
- وفيها: قال قتيبة: بشر المريسي كافر. (٢)
- وفيها: قال أبو عبد الله: كان بشر يحضر مجلس أبي يوسف، فيصيح، ويستغيث، فقال له أبو يوسف مرة: لا تنتهي أو تفسد خشبة، ثم قال أبو عبد الله: ما كان صاحب حجج، بل صاحب خطب. (٣)
- وفي السنة لعبد الله: عن يحيى بن أيوب قال: كنت أسمع الناس يتكلمون في المريسي فكرهت أن أقدم عليه حتى أسمع كلامه لأقول فيه بعلم، فأتيته فإذا هو يكثر الصلاة على عيسى بن مريم ﵇، فقلت له: إنك تكثر الصلاة على عيسى فأهل ذاك هو ولا أراك تصلي على نبينا ونبينا أفضل منه فقال: ذاك كان مشغولا بالمرآة والمشط والنساء. (٤)
موقف السلف من المأمون (٢١٨ ه ـ)
إحداثه التكبير دبر الصلوات:
- وفي البداية والنهاية يقول الحافظ ابن كثير: وفيها أي سنة ست
стр. 1369
عشرة ومائتين كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد يأمره أن يأمر الناس بالتكبير عقب الصلوات الخمس، فكان أول ما بدئ بذلك في مجامع بغداد والرصافة يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من رمضان، وذلك أنهم كانوا إذا قضوا الصلاة قام الناس قياما فكبروا ثلاث تكبيرات، ثم استمروا على ذلك في بقية الصلوات وهذه بدعة أحدثها المأمون أيضا بلا مستند وبلا دليل ولا معتمد، فإن هذا لم يفعله أحد قبله، ولكن ثبت في الصحيح عن ابن عباس أن رفع الصوت بالذكر كان على عهد رسول الله ﷺ حين ينصرف الناس من المكتوبة (١) وقد استحب هذا طائفة من العلماء كابن حزم وغيره، وقال ابن بطال: المذاهب الأربعة على عدم استحبابه. قال النووي: وقد روي عن الشافعي أنه قال: إنما كان ذلك ليعلم الناس أن الذكر بعد الصلوات مشروع، فلما علم ذلك لم يبق للجهر معنى وهذا كما روي عن ابن عباس أنه كان يجهر في الفاتحة في الصلاة، في صلاة الجنازة ليعلم الناس أنها سنة (٢)، ولهذا نظائر والله أعلم. وأما هذه التي أمر بها المأمون فإنها بدعة محدثة لم يعمل بها أحد من السلف. (٣)
" التعليق:
وهذه البدعة التي ابتدعها المأمون تطورت وتفرعت عنها أذكار وأوراد
стр. 1370
وأحزاب في مساجد العالم الإسلامي، إلا من عصم من ذلك. فإذا كان هؤلاء الأئمة الذين نقل الحافظ ابن كثير أقوالهم يرون هذه التي أحدث المأمون بدعة ضلالة، فما بالك لو وقفوا على ما عليه أهل هذا الزمان من رفع الأصوات في المساجد بالصيغ الجماعية التي هي أشبه ما يكون بفعل النصارى في كنائسهم والله المستعان.
تشيعه وتجهمه:
- جاء في السير: قيل: إن المأمون استخرج كتب الفلاسفة واليونان من جزيرة قبرس، وقدم دمشق مرتين. (١)
- قال إبراهيم نفطويه: حكى داود بن علي، عن يحيى بن أكثم قال: كنت عند المأمون وعنده قواد خراسان، وقد دعا إلى القول بخلق القرآن، فقال لهم: ما تقولون في القرآن؟ فقالوا: كان شيوخنا يقولون: ما كان فيه من ذكر الحمير والجمال والبقر فهو مخلوق، فأما إذ قال أمير المؤمنين هو مخلوق، فنحن نقول: كله مخلوق. فقلت للمأمون: أتفرح بموافقة هؤلاء؟. (٢)
- قال نفطويه: بعث المأمون مناديا، فنادى في الناس ببراءة الذمة ممن ترحم على معاوية، أو ذكره بخير. وكان كلامه في القرآن سنة اثنتي عشر ومئتين، فأنكر الناس ذلك، واضطربوا، ولم ينل مقصوده، ففتر إلى وقت. (٣)
стр. 1371
- قيل: إن المأمون لتشيعه أمر بالنداء بإباحة المتعة -متعة النساء - فدخل عليه يحيى بن أكثم، فذكر له حديث علي ﵁ بتحريمها (١)، فلما علم بصحة الحديث، رجع إلى الحق، وأمر بالنداء بتحريمها. (٢)
- أما مسألة القرآن، فما رجع عنها، وصمم على امتحان العلماء في سنة ثماني عشرة، وشدد عليهم، فأخذه الله. (٣)
- وكان المأمون يجل أهل الكلام، ويتناظرون في مجلسه. (٤)
- وفي سنة اثنتي عشر: سار محمد بن حميد الطوسي لمحاربة بابك، وأظهر المأمون تفضيل علي على الشيخين، وأن القرآن مخلوق. (٥)
- وبالغ في محنة القرآن، وحبس إمام الدمشقيين أبا مسهر، بعد أن وضعه في النطع للقتل، فتلفظ مكرها. (٦)
- وكتب المأمون إلى نائبه على العراق إسحاق بن إبراهيم الخزاعي كتابا يمتحن العلماء، يقول فيه: وقد عرفنا أن الجمهور الأعظم والسواد من حشو الرعية وسفلة العامة، ممن لا نظر لهم ولا روية، أهل جهالة وعمى عن أن يعرفوا الله كنه معرفته، ويقدروه قدره، ويفرقوا بينه وبين خلقه، فساووا بين
стр. 1372
الله وبين خلقه، وأطبقوا على أن القرآن قديم، لم يخترعه الله، وقد قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا﴾ (١) فكل ما جعله فقد خلقه، كما قال: ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ (٢)، وقال: ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ (٣)، فأخبر أنه قصص لأمور أحدثه بعدها. وقال: ﴿أُحْكِمَتْ آياته ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ (٤) والله محكم له، فهو خالقه ومبدعه. إلى أن قال: فمال قوم من أهل السمت الكاذب والتخشع لغير الله إلى موافقتهم، فرأى أمير المؤمنين أنهم شر الأمة ولعمر أمير المؤمنين، إن أكذب الناس من كذب على الله ووحيه، ولم يعرف الله حق معرفته. فاجمع القضاة، وامتحنهم، فيما يقولون، وأعلمهم أني غير مستعين في عمل ولا واثق بمن لا يوثق بدينه فإن وافقوا فمرهم بنص من بحضرتهم من الشهود، ومسألتهم عن علمهم في القرآن، ورد شهادة من لم يقر أنه مخلوق. (٥)
- وكتب المأمون أيضا في أشخاص سبعة، محمد بن سعد، وابن معين، وأبي خيثمة، وأبي مسلم المستملي، وإسماعيل بن داود، وأحمد الدورقي، فامتحنوا فأجابوا -قال ابن معين: جبنا خوفا من السيف- وكتب بإحضار من امتنع منهم: أحمد بن حنبل، وبشر بن الوليد، وأبي حسان الزيادي،
стр. 1373
والقواريري، وسجادة، وعلي بن الجعد، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وعلي بن أبي مقاتل، وذيال بن الهيثم، وقتيبة بن سعيد، وسعدويه، في عدة، فتلكأ طائفة، وصمم أحمد وابن نوح، فقيدا، وبعث بهما، فلما بلغا الرقة، تلقاهم موت المأمون، وكان مرض بأرض الثغر، فلما احتضر، طلب ابنه العباس ليقدم، فوافاه بآخر رمق، وقد نفذت الكتب إلى البلدان، فيها: من المأمون وأخيه أبي إسحاق الخليفة من بعده. فقيل: وقع ذلك بغير أمر المأمون، وقيل: بل بأمره. وأشهد على نفسه عند الموت أن عبد الله بن هارون أشهد عليه أن الله وحده لا شريك له، وأنه خالق، وما سواه مخلوق، ولا يخلو القرآن من أن يكون شيئا له مثل، والله لا مثل له، والبعث حق، وإني مذنب، أرجو وأخاف، وليصل علي أقربكم، وليكبر خمسا، فرحم الله عبدا اتعظ وفكر فيما حتم الله على جميع خلقه من الفناء، فالحمد لله الذي توحد بالبقاء، ثم لينظر امرؤ ما كنت فيه من عز الخلافة، هل أغنى عني شيئا إذ نزل أمر الله بي؟ لا والله، لكن أضعف به على الحساب، فيا ليتني لم أك شيئا، يا أخي، ادن مني، واتعظ بما ترى، وخذ بسيرة أخيك في القرآن، واعمل في الخلافة إذ طوقكها الله عمل المريد لله، الخائف من عقابه، ولا تغتر، فكأن قد نزل بك الموت، ولا تغفل أمر الرعية، الرعية الرعية فإن الملك بهم، الله الله فيهم وفي غيرهم يا أبا إسحاق عليك عهد الله، لتقومن بحقه في عباده، ولتؤثرن طاعته على معصيته، فقال: اللهم نعم. هؤلاء بنو عمك من ذرية علي ﵁، أحسن صحبتهم، وتجاوز عن مسيئهم.
ثم مات في رجب في ثاني عشرة، سنة ثمان عشرة ومئتين، وله ثمان وأربعون سنة، توفي بالبذنذون،
стр. 1374
فنقله ابنه العباس. ودفنه بطرسوس في دار خاقان خادم أبيه. (١)
- وفي البداية والنهاية قال الحافظ ابن كثير: وفي ربيع الأول سنة ثنتي عشرة ومائتين أظهر المأمون في الناس بدعتين فظيعتين، إحداهما أطم من الأخرى، وهي القول بخلق القرآن، والثانية تفضيل علي بن أبي طالب على الناس بعد رسول الله ﷺ ، وقد أخطأ في كل منهما خطئا كبيرا فاحشا وأثم إثما عظيما. (٢)
- وقال أبو العباس أحمد بن تيمية في مجموع الفتاوى: وفي دولة أبي العباس المأمون، ظهر الخرمية ونحوهم من المنافقين، وعرب من كتب الأوائل المجلوبة من بلاد الروم ما انتشر بسببه مقالات الصابئين وراسل ملوك المشركين من الهند ونحوهم حتى صار بينه وبينهم مودة.
فلما ظهر ما ظهر من الكفر والنفاق في المسلمين، وقوي ما قوي من حال المشركين وأهل الكتاب، كان من أثر ذلك ما ظهر من استيلاء الجهمية والرافضة وغيرهم من أهل الضلال، وتقريب الصابئة ونحوهم من المتفلسفة، وذلك بنوع رأي يحسبه صاحبه عقلا وعدلا، وإنما هو جهل وظلم، إذ التسوية بين المؤمن والمنافق والمسلم والكافر أعظم الظلم، وطلب الهدى عند أهل الضلال أعظم الجهل، فتولد من ذلك محنة الجهمية حتى امتحنت الأمة بنفي الصفات والتكذيب بكلام الله ورؤيته، وجرى من محنة الإمام أحمد
стр. 1375
وغيره ما جرى مما يطول وصفه. (١)
- وفي تذكرة الحفاظ للحافظ الذهبي: وبعد كلامه على الطبقة السادسة من تقسيمه ﵀ قال: وكان في زمان هؤلاء خلائق من أصحاب الحديث ومن أئمة المقرئين، كورش واليزيدي والكسائي وإسماعيل ابن عبيد الله المكي القسط وخلق من الفقهاء كفقيه العراق محمد بن الحسن وفقيه مصر عبد الرحمن بن القاسم وخلق من مشائخ القوم كشقيق البلخي وصالح المري الواعظ، والفضيل المذكور والدولة لهارون الرشيد والبرامكة، ثم بعدهم اضطربت الأمور وضعف أمر الدولة بخلافة الأمين ﵀، فلما قتل واستخلف المأمون على رأس المائتين نجم التشيع وأبدى صفحته، وبزغ فجر الكلام وعربت حكمة الأوائل ومنطق اليونان، وعمل رصد الكواكب، ونشأ للناس علم جديد مرد مهلك لا يلائم علم النبوة، ولا يوافق توحيد المؤمنين، قد كانت الأمة منه في عافية، وقويت شوكة الرافضة والمعتزلة وحمل المأمون المسلمين على القول بخلق القرآن ودعاهم إليه، فامتحن العلماء، فلا حول ولا قوة إلا بالله، إن من البلاء أن تعرف ما كنت تنكر وتنكر ما كنت تعرف، وتقدم عقول الفلاسفة ويعزل منقول أتباع الرسل ويمارى في القرآن ويتبرم بالسنن والآثار، وتقع في الحيرة، فالفرار قبل حلول الدمار، وإياك ومضلات الأهواء ومجاراة العقول ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم. (٢)
стр. 1376
عبد الله بن الزبير الحُمَيْدِي (١) (٢١٩ هـ)
عبد الله بن الزبير بن عيسى الإمام الحافظ الفقيه شيخ الحرم، أبو بكر القرشي صاحب المسند. حدث عن ابن عيينة -فأكثر عنه وجوَّد- وإبراهيم ابن سعد ووكيع ابن الجراح والوليد بن مسلم ومروان بن معاوية وعدة. وعنه البخاري ومحمد بن يحيى الذهلي ويعقوب بن شيبة وهارون بن عبد الله الحمال ومحمد بن يونس النسائي وطائفة. قال فيه الإمام أحمد: الحميدي عندنا إمام، وقال يعقوب الفسوي: حدثنا الحميدي، وما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه. توفي سنة تسع عشرة ومائتين.
موقفه من المبتدعة:
- كان هذا الإمام سلفي المعتقد قال ﵀ في مسنده: السنة عندنا أن يؤمن الرجل بالقدر خيره وشره حلوه ومره، وأن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن ذلك كله قضاء من الله ، وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، لا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل وقول إلا بنية، ولا قول وعمل بنية إلا بسنة، والترحم على أصحاب محمد ﷺ كلهم فإن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (٢) فلم نؤمر إلا
стр. 1377
بالاستغفار لهم، فمن سبهم أو بغضهم أو أحدا منهم فليس على السنة، وليس له في الفيء حق، أخبرنا بذلك غير واحد عن مالك بن أنس أنه قال: قسم الله تعالى الفيء فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ ديارهم﴾ ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا﴾ الآية فمن لم يقل هذا لهم فليس ممن جعل له الفيء، والقرآن كلام الله، سمعت سفيان يقول: والقرآن كلام الله، ومن قال: مخلوق فهو مبتدع لم نسمع أحدا يقول هذا، وسمعت سفيان يقول: الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة: يا أبا محمد لا تقل ينقص، فغضب، وقال: اسكت يا صبي بلى، حتى لا يبقى منه شيء. والإقرار بالرؤية بعد الموت، وما نطق به القرآن والحديث مثل ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ (١)، ومثل ﴿وَالسَّماوَاتُ مطوياتٌ بيمينه﴾ (٢) وما أشبه هذا من القرآن والحديث، لا يزيد فيه ولا يفسره، يقف على ما وقف عليه القرآن والسنة، ويقول: ﴿الرَّحْمَنُ على الْعَرْشِ استوى﴾ (٣) ومن زعم غير هذا فهو معطل جهمي، وأن لا يقول كما قالت الخوارج: من أصاب كبيرة فقد كفر، ولا يكفر بشيء من الذنوب، إنما الكفر في ترك
стр. 1378
الخمس التي قال رسول الله ﷺ : "بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت" (١)، وأما ثلث منها فلا يناظر تاركه، من لم يتشهد، ولم يصل، ولم يصم، لأنه لا يؤخر من هذا شيء عن وقته، ولا يجزئ من قضاه بعد تفريطه فيه عامدا عن وقته، وأما الزكاة فمتى ما أداها أجزأت عنه، وكان آثما في الحبس، وأما الحج فمن وجب عليه، ووجد السبيل إليه وجب عليه، ولا يجب عليه في عامه ذلك حتى لا يكون له منه بد، متى أداه كان مؤديا ولم يكن آثما في تأخيره إذا أداه، كما كان آثما في الزكاة لأن الزكاة حق لمسلمين (٢) مساكين، حبسه عليهم فكان آثما حتى وصل إليهم، وأما الحج فكان في ما بينه وبين ربه إذا أداه فقد أدى، وإن هو مات وهو واجد مستطيع ولم يحج سأل الرجعة إلى الدنيا أن يحج، ويجب لأهله أن يحجوا عنه، ونرجو أن يكون ذلك مؤديا عنه كما لو كان عليه دين فقضي عنه بعد موته. (٣)
- وجاء في ذم الكلام عنه قال: والله لأن أغزو هؤلاء الذين يردون حديث رسول الله ﷺ أحب إلي من أن أغزو عدتهم من الأتراك. (٤)
" التعليق:
رضي الله عنك يا إمام، فهذا هو الفهم الصحيح، لأن في غزو الرادين
стр. 1379
للسنة حفظا لرأس مال الإسلام وغزو الأتراك طلب الربح، وحفظ رأس المال أولى، وبهذا وجه الإمام ابن هبيرة قول أبي سعيد الخدري ﵁: قتالهم -أي الخوارج- أجل عندي من قتال عدتهم من الترك.
موقفه من الجهمية:
جاء في الكفاية عن عوام قال قال لي الحميدي: كان بشر بن السري جهميا، لا يحل أن يكتب عنه. (١)
موقفه من المرجئة:
قال حنبل: أخبرنا الحميدي (وأخبرت) أن ناسا يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئا حتى يموت، أو يصلي مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن ما لم يكن جاحدا إذا علم أن تركه ذلك (فيه إيمانه) إذا كان يقر بالفرائض واستقبال القبلة. فقلت: هذا الكفر الصراح وخلاف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وفعل المسلمين قال الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢). (٣)
موقفه من القدرية:
قال الإمام أحمد في معاذ بن هشام الدستوائي: كان في كتابه عن أبيه:
стр. 1380
ليس المعاصي من قدر الله. قلت له: وما علمك؟ قال: أنا رأيته في كتابه عن أبيه، ثم خرج إلى مكة في تجارة، فجلس يحدثهم، فقال الحميدي: لا تسمعوا من هذا القدري شيئا. (١)
أبو الأسود النَّضْر بن عبد الجبار (٢) (٢١٩ هـ)
النضر بن عبد الجبار بن نَضِير الإمام القدوة العابد الحافظ أبو الأسود المرادي مولاهم البصري الكاتب الشروطي كاتبُ الحُكم لِقاضي مصر لَهيعة ابن عيسى بن لهيعة. روى عن ابن لهيعة والليث بن سعد وبكر بن مضر والمفضل بن فضالة ونافع بن يزيد ونوح بن عباد وآخرين. حدث عنه يحيى ابن معين والذهلي والربيع بن سليمان الجيزي وجعفر بن مسافر وحميد بن الربيع اللخمي وعدة.
قال أبو حاتم: شيخ صدوق عابد شبهته بالقعنبي. قال إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد عن يحيى بن معين: كان راوية عن ابن لهيعة، وكان شيخ صدق. توفي سنة تسع عشرة ومائتين.
موقفه من الجهمية:
جاء في السنة: قال عبد الله: حدثني محمد بن سهل سمعت أبا الأسود النضر بن عبد الجبار يقول: القرآن كلام الله، من قال القرآن مخلوق
стр. 1381
فهو كافر، هذا كلام الزنادقة. (١)
عمرو بن الربيع (٢) (٢١٩ هـ)
عمرو بن الربيع بن طارق بن قرة الهلالي أبو حفص الكوفي ثم المصري. حدث عن إسماعيل بن مرزوق ورشدين بن سعد والليث بن سعد ومالك بن أنس وابن لهيعة وآخرين. وعنه البخاري ويحيى بن معين وإسحاق بن منصور الكوسج ومحمد بن إسحاق الصاغاني وابنه طاهر وطائفة. ذكره ابن حبان في كتاب الثقات. توفي سنة تسع عشرة ومائتين.
موقفه من الجهمية:
روى عبد الله في السنة قال: حدثني محمد بن سهل قال: سمعت عمرو ابن الربيع بن طارق يقول: القرآن كلام الله، من زعم أنه مخلوق فهو كافر. (٣)
هشام بن بَهْرَام (٤) (٢١٩ هـ)
هشام بن بهرام، أبو محمد المَدَائِني. حدث عن أبي شهاب الحناط، والمعافى بن عمران، وسفيان بن عيينة، وعلي بن مسهر وغيرهم. وروى عنه عباس الدوري، ومحمد بن إسحاق الصاغاني، وعلي بن أحمد بن النضر وأبو
стр. 1382
داود وغيرهم. قال الخطيب: كان ثقة. توفي سنة تسع عشرة ومائتين.
موقفه من الجهمية:
عن محمد بن منصور الطوسي قال: قدم علي بن مضاء مولى لخالد القسري. حدثنا هشام بن بهرام سمعت معافى بن عمران يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق. قال هشام: وأنا أقول كما قال المعافى، قال علي: وأنا أقول كما قال -يعني هشاما- قال أبو جعفر الطوسي: وأنا أقول: القرآن كلام الله غير مخلوق. (١)
سليمان بن داود الهاشمي (٢) (٢١٩ هـ)
هو سليمان بن داود بن داود بن علي، أبو أيوب، وأبو داود الهاشمي العباسي الأمير. قال الذهبي: كان شريفا جليلا، عالما ثقة، سريا، بلغنا عن أحمد بن حنبل أنه قال: كان يصلح للخلافة. سمع عبد الرحمن بن أبي الزناد وإسماعيل بن جعفر، وسفيان بن عيينة وجماعة. وروى عنه أحمد بن حنبل وعباس الدوري، والحارث ابن أبي أسامة، وإبراهيم الحربي وغيرهم. ومن كلامه: ربما أتحدث بحديث واحد ولي نية، فإذا أتيت على بعضه تغيرت نيتي، وإذا الحديث الواحد يحتاج إلى نيات. قال الشافعي: ما رأيت أعقل من هذين الرجلين: أحمد بن حنبل، وسليمان بن داود الهاشمي. مات سنة تسع عشرة
стр. 1383
ومائتين.
موقفه من الجهمية:
- قال سليمان بن داود الهاشمي الإمام -نظير أحمد بن حنبل- الذي قال فيه الشافعي: ما خلفت ببغداد أعقل من رجلين: أحمد بن حنبل، وسليمان بن داود الهاشمي، قال: من قال: إن القرآن مخلوق لزم أن يكون قول فرعون كلام الله، فإن الله خلق في فرعون قوله: ﴿فَقَالَ أَنَا ربكم الأعلى﴾ (١) وعندهم أن الله خلق في الشجرة إِنَّنِي ﴿أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فاعبدني﴾ (٢). فإذا كان كلامه لكونه خلقه فالآخر أيضا كلامه. (٣)
- وقال سليمان بن داود الهاشمي: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، وإن كان القرآن مخلوقا كما زعموا فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في النار إذ قال: ﴿أَنَا أَنَا ربكم الأعلى﴾ (٤)؟ وزعموا أن هذا مخلوق والذي قال: إِنَّنِي ﴿أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فاعبدني﴾ (٥) هذا أيضا قد ادعى ما ادعى فرعون، فلم صار فرعون أولى أن يخلد في النار من هذا؟ وكلاهما عنده مخلوق. فأخبر بذلك أبو عبيد فاستحسنه وأعجبه. (٦)
стр. 1384
الفَضْل بن دُكَين (١) (٢١٩ هـ)
الحافظ الكبير، الفضل بن عمرو بن حَمَّاد بن زُهَيْر بن درهم القرشي التيمي الطلحي، أبو نعيم الملائي الكوفي الأحول، مولى آل طلحة بن عبيد الله. كان شريكَ عبدِالسلام بن حرب الملائي في دكان يبيعان المُلاء. سمع الأعمش وشريكا ومالك بن مغول وسفيان الثوري ومسعر بن كدام وشعبة، وخلقا سواهم. وحدث عنه البخاري وأحمد بن حنبل وإسحاق وابن معين وأبو حاتم وأمم سواهم. قال يعقوب الفسوي: أجمع أصحابنا أن أبا نعيم كان غاية في الإتقان. قال أحمد بن حنبل: إنما رفع الله عفان وأبا نعيم بالصدق حتى نُوّه بذكرهما. وقال أيضا: شيخان كان الناس يتكلمون فيهما ويذكرونهما، وكنا نلقى من الناس في أمرهما ما الله به عليم، قاما لله بأمر لم يقم به كبير أحد: عفان وأبو نعيم.
روى الميموني عن أحمد أنه أثنى على أبي نعيم، وقال: كان ثقة، يقظان في الحديث، عارفا به، ثم قام في أمر الامتحان ما لم يقم غيره، عافاه الله. قال الخطيب: كان أبو نعيم مزاحا ذا دعابة، مع تدينه وثقته وأمانته. وقال أبو أحمد الفراء: كنا نهاب أبا نعيم أشد من هيبة الأمير. توفي ﵀ سنة تسع عشرة ومائتين.
موقفه من الجهمية:
- جاء في السير: قال أبو العباس السراج عن الكديمي قال: لما دخل
стр. 1385
أبو نعيم على الوالي ليمتحنه، وثم يونس وأبو غسان وغيرهما، فأول من امتحن فلان، فأجاب، ثم عطف على أبي نعيم، فقال: قد أجاب هذا، فما تقول؟ فقال: والله ما زلت أتهم جده بالزندقة، ولقد أخبرني يونس بن بُكير أنه سمع جده يقول: لا بأس أن يرمي الجمرة بالقوارير. أدركت الكوفة وبها أكثر من سبع مئة شيخ، الأعمش فمن دونه يقولون: القرآن كلام الله وعنقي أهون من زري هذا، فقام إليه أحمد بن يونس، فقبل رأسه -وكان بينهما شحناء- وقال: جزاك الله من شيخ خيرا. (١)
- قال الطبراني: سمعت صليحة بنت أبي نعيم تقول: سمعت أبي يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: مخلوق، فهو كافر. (٢)
- جاء في السنة لعبد الله: عن أبي نعيم بن دكين قال: وذكر عنده من يقول: القرآن مخلوق فقال: والله والله ما سمعت بشيء من هذا حتى خرج ذاك الخبيث جهم. (٣)
- وللخلال: عن أحمد بن حنبل حدثهم: سمع أبا نعيم الفضل بن دكين قال له رجل: يا أبا نعيم هذا بشر المريسي. فقال: لعن الله أهل الزيغ والضلالة، من بشر المريسي؟ إنما يتكلم في هذا التافه من الناس، لا يعرف، نسأل الله لنا ولكم اليسر والعافية، عليكم بالآثار، والعلم ما كان عليه من مضى من السلف. (٤)
стр. 1386
- وفي السنة لعبد الله عنه قال: لعن الله بشرا المريسي الكافر. (١)
- وعن أحمد بن محمد بن إسماعيل الرازي قال: سمعت عقبة بن قبيصة قال: خرج علينا أبو نعيم الفضل بن دكين وهو مغضب فقال: حدثنا سفيان ابن سعيد بن مسروق الثوري وحدثنا الحسن بن صالح بن حي وحدثنا شريك بن عبد الله النخعي وحدثنا زهير بن معاوية: كلهم رووا عن النبي ﷺ أنا نرى ربنا (٢)، وجاء ابن صباغ يهودي فأنكر الرؤية -يعني المريسي-. (٣)
- وقال الخلال: أخبرنا علي بن عيسى أن حنبلا حدثهم سمعت أبا نعيم الفضل بن دكين يقول: أدركت الناس ما يتكلمون في هذا ولا عرفنا هذا إلا بعد سنين، القرآن كلام الله منزل من عند الله لا يؤول إلى خالق ولا مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، هذا الذي لم نظل عليه ولا نعرف غيره. (٤)
العتابي (٥) (٢١٩ هـ)
كلثوم بن عمرو العتابي أبو عمرو الأديب الشاعر المشهور الأخباري، كان خطيبا بليغا فصيحا مجيدا، مدح الرشيد والمأمون، وكان يتزهد ويتصوف ويقل من السلطان.
من أشعاره:
стр. 1387
ولقد بلوت الناس ثم سبرتهم ... وخبرت ما وصلوا من الأسباب
فإذا القرابة لا تقرب قاطعا ... وإذا المودة أكبر الأنساب
ومنها:
إن الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنيا وهو مجهود
وللبخيل على أموالهم علل ... زرق العيون عليها أوجه سود
بث النوال ولا يمنعك قلته ... فكل ما سد فقرا فهو محمود
توفي سنة تسع عشرة ومائتين.
موقفه من الجهمية:
روى ابن بطة في الإبانة بسنده إلى أبي علي محمد بن سعيد بن الحسن قال: دخل العتابي على المأمون، وعنده بشر المريسي، فقال المأمون: ناظر بشرا في الرأي؟
فقال العتابي: يا أمير المؤمنين الإيناس قبل ... (١) فإنه لا يحمد المرء في أول وهلة على صوابه، ولا يذم على خطأه، لأنه بين حالين من كلام قد هيأه أو حصر، ولكنه يبسط بالمؤانسة، ويبحث بالمثاقبة، فقال له: ناظر بشرا في الرأي، فقال العتابي: يا أمير المؤمنين إن لأهل الرأي أغاليط وأغاليق واختلافا في آرائهم، وأنا واصف لأمير المؤمنين ما أعتقده من ذلك، لعل صفتي تأتي على ما يحاول أمير المؤمنين، إن أمر الديانة أمران:
أحدهما لا يرد إلا جحدا لأنه القرآن، وهو الأصل المعروض عليه كل
стр. 1388
حجة وعلم كل حادث لا نرد سؤل من انتحله حجة، فما وضحت فيه آية من كتاب الله مجمع على تأويلها أو سنة من رسول الله ﷺ لا اختلاف فيها أو إجماع من العلماء أو مستنبط تعرف العقول عدله لزمهم الديانة به والقيام عليه وما لم يصح فيه آية من كتاب الله مجمع على تأويلها ولا سنة تلزمهم الديانة بها، ولا القيام عليه، كان عليهم العهد والميثاق في الوقوف عنده، كذلك نقول في التوحيد فما دونه وفي أرش الخدش فما فوقه، فما أضاء لي نوره اصطفيته وما عمي عني نوره نفيته وبالله التوفيق.
فقال المأمون اكتبوا هذا الكلام وخلدوه ببيت الحكمة. (١)
" التعليق:
سبحان من طبع على قلب المأمون، يسمع مثل هذا ويعجبه ويرتضيه، ومع ذلك يستمر على ضلاله الذي تبناه، فلا أدري إن كان حب الظهور هو الذي دفعه إلى هذا، أو هذا حقيقة عقيدة اقتنع بها وأراد حمل الناس عليها فالله أعلم، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
آدم بن أبي إياس (٢) (٢٢٠ هـ)
هو الإمام الحافظ القدوة، أبو الحسن الخراساني المروذي، ثم البغدادي، ثم العسقلاني. نشأ ببغداد، وسمع بها الكثير، وبالحرمين والكوفة والبصرة
стр. 1389
والشام ومصر. وسكن عسقلان إلى أن مات بها.
حدث عن ابن أبي ذئب، ومبارك بن فضالة، وشعبة بن الحجاج، وغيرهم.
وحدث عنه البخاري، وأحمد بن الأزهر، وأحمد بن عبد الله العكاوي، وإسماعيل سمويه وخلق سواهم.
قال فيه أبو حاتم الرازي: ثقة مأمون متعبد من خيار عباد الله.
وذكره أحمد بن حنبل، فقال: كان مكينا عند شعبة، كان من الستة الذين يضبطون الحديث عنه.
مات آدم في جمادى الآخرة سنة عشرين ومائتين، وهو ابن ثمان وثمانين سنة.
موقفه من الجهمية:
جاء في السير: قال أبو بكر الأعين: أتيت آدم العسقلاني، فقلت له: عبد الله بن صالح كاتب الليث يقرئك السلام، فقال: لا تقرئه مني السلام، قلت: ولم؟ قال: لأنه قال: القرآن مخلوق، فأخبرته بعذره، وأنه أظهر الندامة وأخبر الناس بالرجوع. قال: فأقرئه السلام وإذا أتيت أحمد بن حنبل فأقرئه السلام وقل له: يا هذا اتق الله وتقرب إلى الله تعالى بما أنت فيه، ولا يستفزنك أحد، فإنك -إن شاء الله- مشرف على الجنة، وقل له: أخبرنا الليث عن ابن عجلان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من أرادكم على معصية الله، فلا
стр. 1390
تطيعوه" (١) قال: فأبلغت ذلك أبا عبد الله، فقال: ﵀ حيا وميتا، فلقد أحسن النصيحة. (٢)
عفَّان بن مُسْلِم (٣) (٢٢٠ هـ)
عفان بن مسلم بن عبد الله مولى عَزْرَة بن ثابت الأنصاري الإمام الحافظ محدث العراق، أبو عثمان البصري الصفار بقية الأعلام. سمع همام بن يحيى وشعبة والحمادين وداود بن أبي الفرات وعبد الواحد بن زياد ووهيب ابن خالد ويحيى القطان وعدة. وعنه البخاري وأحمد بن حنبل وابن المديني وزهير بن حرب وإسحاق بن منصور الكوسج ومحمد بن عبد الرحيم البزاز ويحيى بن معين وابن أبي شيبة وطائفة. وقال فيه ابن خراش: عفان ثقة من
стр. 1391
خيار المسلمين، وقال أبو حاتم: عفان إمام ثقة متين متقن. وقال يحيى بن معين: أصحاب الحديث خمسة: مالك، وابن جريج، والثوري، وشعبة وعفان. توفي سنة عشرين ومائتين.
موقفه من الجهمية:
- قال الخطيب في تاريخه: أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق أخبرنا عثمان ابن أحمد الدقاق حدثنا حنبل بن إسحاق، قال: حضرت أبا عبد الله أحمد ويحيى ابن معين عند عفان بعد ما دعاه إسحاق بن إبراهيم للمحنة -وكان أول من امتحن من الناس عفان- فسأله يحيى بن معين من الغد بعد ما امتحن -وأبو عبد الله حاضر ونحن معه- فقال له يحيى: يا أبا عثمان، أخبرنا بما قال لك إسحاق بن إبراهيم وما رددت عليه؟ فقال عفان ليحيى: يا أبا زكريا، لم أسود وجهك ولا وجوه أصحابك -يعني بذلك أني لم أجب- فقال له فكيف كان؟ قال: دعاني إسحاق بن إبراهيم فلما دخلت عليه قرأ علي الكتاب الذي كتب به المأمون من أرض الجزيرة من الرقة، فإذا فيه: امتحن عفان وادعه إلى أن يقول القرآن كذا وكذا، فإن قال ذلك فأقره على أمره، وإن لم يجبك إلى ما كتبت به إليك فاقطع عنه الذي يجري عليه - وكان المأمون يجري على عفان خمسمائة درهم كل شهر - قال عفان: فلما قرأ الكتاب قال لي إسحاق بن إبراهيم ما تقول؟ قال عفان فقرأت عليه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ حتى ختمتها. فقلت مخلوق هذا؟ فقال لي إسحاق بن إبراهيم: يا شيخ، إن أمير المؤمنين يقول: إنك إن لم تجبه إلى الذي يدعوك إليه يقطع عنك ما يجري
стр. 1392
عليك، وإن قطع عنك أمير المؤمنين قطعنا عنك نحن أيضا. فقلت له يقول الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (١) قال: فسكت عني إسحاق وانصرفت، فسر بذلك أبو عبد الله ويحيى ومن حضر من أصحابنا. (٢)
قال الذهبي: هذه الحكاية تدل على جلالة عفان وارتفاع شأنه عند الدولة، فإن غيره امتحن، وقيد وسجن، وعفان فما فعلوا معه غير قطع الدراهم عنه. (٣)
- وفي التاريخ أيضا عن إبراهيم -يعني ابن الحسين بن ديزيل- يقول: لما دعي عفان للمحنة كنت آخذا بلجام حماره. فلما حضر عرض عليه القول فامتنع أن يجيب، فقيل له: يحبس عطاؤك -قال: وكان يعطى في كل شهر ألف درهم، فقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (٤) قال: فلما رجع إلى داره عذله نساؤه ومن في داره- قال وكان في داره نحو أربعين إنسانا -قال فدق عليه داق الباب، فدخل عليه رجل شبهته بسمان- أو زيات- ومعه كيس فيه ألف درهم. فقال: يا أبا عثمان ثبتك الله كما ثبت الدين، وهذا في كل شهر. (٥)
- عن أبي بكر الأعين قال: كنت عند عفان وقد دعاه إسحاق لهذا الأمر، فقال: أعطوني ثيابي، فجاؤوه بقميص جديد، فقال لهم: هذا يكون
стр. 1393
لكم، هاتوا قميصا خلقا. قال: فألبسته إياه، يعني: لضرب العنق. (١)
- قال علي بن سهل: فأحسن إسحاق في أمره، وكتب إلى المأمون أنه شيخ كبير مريض، وقد امتحنته فلم يجب، ولا أحسب يصل كتابي إلى أمير المؤمنين إلا وقد توفي. (٢)
- قال حنبل: فسمعت أبا عبد الله بعد ذلك يقول: سبحان الله، كان الناس يتكلمون -يعني: في هذين الشيخين- ويذكرونهما، وكنا من الناس في أمرهما ما الله به عليم، قاما لله بأمر لم يقم به أحد مثل ما قاما به عفان وأبو نعيم. (٣)
عبد الله بن مَسْلَمَة القَعْنَبِي (٤) (٢٢١ هـ)
عبد الله بن مسلمة بن قَعْنَب الإمام الثبت القدوة، شيخ الإسلام، أبو عبد الرحمن الحارثي القعنبي المدني نزيل البصرة ثم مكة. حدث عن أفلح بن حميد ومالك بن أنس وإبراهيم بن سعد الزهري وفضيل بن عياض وعدة. وعنه البخاري ومسلم وأبو داود وعبد بن حميد وأبو زرعة الرازي وطائفة. قال أبو زرعة: ما كتبت عن أحد أجل في عيني من القعنبي. وعن الميموني
стр. 1394
قال: سمعت القعنبي يقول: اختلفت إلى مالك ثلاثين سنة ما من حديث في الموطإ إلا لو شئت قلت سمعته مرارا. قال الذهبي: حد الولي الرسوخ في العلم والعمل مثل القعنبي. وقال يحيى بن معين: ما رأيت رجلا يحدث لله إلا وكيعا والقعنبي. توفي سنة إحدى وعشرين ومائتين.
موقفه من الجهمية:
جاء في اجتماع الجيوش الإسلامية: قال بنان بن أحمد: كنا عند القعنبي فسمع رجلا من الجهمية يقول: ﴿الرَّحْمَنُ على الْعَرْشِ استوى﴾ (١) استولى فقال القعنبي: من لا يوقن أن الرحمن على العرش استوى كما تقرر في قلوب العامة، فهو جهمي. (٢)
هشام بن عبيد الله (٣) (٢٢١ هـ)
هشام بن عبيد الله الرازي السِّنِّي (قرية ببغداد) الفقيه أحد أئمة السنة. روى عن مالك بن أنس وابن أبي ذئب وحماد بن زيد وعبد العزيز بن المختار وعدة. وعنه بقية بن الوليد ومحمد بن سعيد العطار والحسن بن عرفة وأبو حاتم الرازي وأحمد بن الفرات وطائفة. قال الذهبي: كان من بحور العلم. وقال أبو حاتم: صدوق، وما رأيت أحدا أعظم قدرا ولا أجل من هشام بن
стр. 1395
عبيد الله بالري. توفي سنة إحدى وعشرين ومائتين.
موقفه من الجهمية:
- قال الذهبي في التذكرة: كان داعية إلى السنة محطا على الجهمية. (١)
- جاء في السير: قال محمد بن خلف الخراز: سمعت هشام بن عبيد الله الرازي يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، فقال له رجل: أليس الله يقول: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (٢)؟ فقال: محدث إلينا، وليس عند الله بمحدث. (٣)
قال الذهبي: لأنه من علم الله، وعلم الله لا يوصف بالحدث. (٤)
- ذكر عبد الرحمن قال: وجدت في كتاب عند أبي مما وضعه هشام في 'الرد على الجهمية' قال هشام: وكان فيما سألتم في كتابكم عن أهل الجنة أنهم يرون ربهم. قال هشام: ورد علينا في تفسير القرآن ومحكم الحديث: أن الله جل ثناؤه يرى في الآخرة. ثم ذكر الروايات في تفسير القرآن والأخبار عن رسول الله ﷺ . (٥)
- عن جعفر بن محمد بن هارون بن عزرة قال: سمعت هشام بن عبيد الله الرازي يقول: أبوجاد الجهمية من زعم أن القرآن مخلوق. (٦)
стр. 1396
- عن هشام بن عبيد الله الرازي قال: إذا مات الخلق ولم يبق إلا الله وقال: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ اليوم﴾ (١) فلا يجيبه أحد فيرد على نفسه فيقول: ﴿لله الواحد القهار﴾ (٢) قال: فلا يشك أحد أن هذا كلام الله وليس بوحي إلى أحد لأنه لم تبق نفس فيها روح إلا وقد ذاقت الموت، والله هو القائل وهو المجيب لنفسه. (٣)
- وفي ذم الكلام: حبس هشام بن عبيد الله رجلا في التجهم فتاب، فجيء به إلى هشام ليمتحنه فقال: الحمد لله على التوبة، أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه؟ قال: أشهد أن الله على عرشه، ولا أدري ما بائن من خلقه. فقال: ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب. (٤)
- وجاء في أصول الاعتقاد بالسند إلى هشام بن عبيد الله قال: المريسي عندنا خليفة جهم بن صفوان الضال، وهو ولي عهده، ومثله عندنا مثل بلعم ابن باعورا الذي قال الله فيه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ (٥).اهـ (٦)
стр. 1397
عاصم بن علي (١) (٢٢١ هـ)
عاصم بن علي بن عاصم الواسطي أبو الحسين القرشي التيمي مولى قريبة بنت محمد بن أبي بكر الصديق. روى عن عكرمة بن عمار وعاصم بن محمد وشعبة ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب وطائفة. روى عنه البخاري وأحمد بن حنبل والذهلي وأبو حاتم الرازي وخلق سواهم. قال العجلي: شهدت مجلس عاصم بن علي، فحزروا من شهده ذلك اليوم ستين ومائة ألف، وكان رجلا مسودا. وقال الذهبي: كان حافظا صدوقا من أصحاب شعبة، وكان ﵀ ممن ذب عن الدين في المحنة.
توفي سنة إحدى وعشرين ومائتين.
موقفه من الجهمية:
- قال الذهبي في سيره: كان عاصم ﵀ ممن ذب عن الدين في المحنة، فروى الهيثم بن خلف الدوري أن محمد بن سويد الطحان حدثه قال: كنا عند عاصم بن علي ومعنا أبو عبيد، وإبراهيم بن أبي الليث وجماعة، وأحمد بن حنبل يضرب، فجعل عاصم يقول: ألا رجل يقوم معي، فنأتي هذا الرجل، فنكلمه؟ قال: فما يجيبه أحد، ثم قال ابن أبي الليث: أنا أقوم معك يا أبا الحسين، فقال: يا غلام: خُفي. فقال ابن أبي الليث: يا أبا الحسين أبلُغُ إلى بناتي، فأُوصِيهم، فظننا أنه ذهب يتكفن ويتحنط، ثم جاء، فقال: إني ذهبت إليهن، فبكين، قال: وجاء كتاب ابنتي عاصم من واسط: يا أبانا إنه بلغنا أن
стр. 1398
هذا الرجل أخذ أحمد بن حنبل، فضربه على أن يقول: القرآن مخلوق، فاتق الله، ولا تجبه فوالله لأن يأتينا نعيك أحب إلينا من أن يأتينا أنك أجبت. (١)
- جاء في اجتماع الجيوش الإسلامية: قال عاصم: ناظرت جهميا فتبين من كلامه أنه اعتقد أن ليس في السماء رب. (٢)
أحمد بن أبي محرز (٣) (٢٢١ هـ)
أحمد بن أبي محرز القيرواني. كان من أفضل الناس في زمانه، وأورعهم، وأعدلهم حكومة وأكثرهم إشفاقا، حافظا للسنن، على هدى واستقامة، مع تبحره في العلم، ومعرفته بأصول الدين، ولي القضاء مجبورا، جبره عليه زيادة الله بن إبراهيم الذي تولى إمارة تونس آنذاك، ولما قبل القضاء اشترط على الأمير أن لا يقبل أحدا من أقاربه ولا من حشمه، ولا من يطوف به وكيلا. قال ابن الأثير: كان من العلماء العاملين، الزاهدين في الدنيا. وقد أثنى عليه أهل زمانه لتدينه واستقامته، بل كان الأمير يفتخر به ويقول: لا أبالي إن سألني ما قدمت عليه يوم القيامة، وقد قدمت عليه بأربعة وذكر منها: وتوليتي أحمد ابن محرز قضاء إفريقية.
توفي ﵀ سنة إحدى وعشرين ومائتين.
стр. 1399
موقفه من المبتدعة:
جاء في معالم الإيمان: وكان سيفا مجردا على أهل الأهواء والبدع، قامعا لهم، غيورا على الشريعة، شديدا في ذات الله تعالى. (١)
أبو سعيد الحداد (٢) (٢٢١ هـ)
أحمد بن داود بن رواد الضبي الواسطي، أبو سعيد الحداد. نزل ببغداد وحدث عن حماد بن زيد وخالد بن عبد الله ومحمد بن يزيد الكلاعي وعبد الرحمن بن مهدي. وحدث عنه أحمد بن سنان ومشرف بن سعيد ومحمد بن عبد الملك الدقيقي ومحمد بن إسحاق الصاغاني وغيرهم. قال: دخلت على أحمد الحبس قبل الضرب، فقلت له في بعض كلامي: يا أبا عبد الله عليك عيال ولك صبيان، وأنت معذور -كأني أسهل عليه الإجابة- فقال لي أحمد بن حنبل: إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد فقد استرحت. وعن أحمد بن سنان قال: سمعت أبا سعيد الحداد يقول: قال لي عبد الرحمن بن مهدي -وقد ذكرت شيئا- أخطأت، فقلت له: أخطأت أنت، إذ ظننت أني لا أخطئ. وسئل يحيى بن معين عنه فقال: كان ثقة صدوقا، وقال ابن حبان: كان حافظا متقنا.
توفي ﵀ سنة إحدى وعشرين ومائتين، وقيل سنة ثنتين وعشرين.
стр. 1400
موقفه من المبتدعة:
قال أبو سعيد الحداد: الإسناد مثل الدرج ومثل المراقي. فإذا زلت رجلك عن المرقاة سقطت. والرأي مثل المرج. (١)
الحسن بن الربيع (٢) (٢٢١ هـ)
الإمام الحافظ، أبو علي البجلي القسري الكوفي البوارني. حدث عن: حماد بن زيد، وشريك، وعبيد الله بن إياد بن لقيط، وعدة. حدث عنه: البخاري، ومسلم وهو من كبار مشيخته، وأبو داود، والباقون بواسطة، وأبو زرعة، وأبو حاتم الرازيان، وغيرهم.
قال الذهبي: كان من العلماء العاملين. مات في رمضان سنة إحدى وعشرين ومئتين.
موقفه من القدرية:
قال يعقوب الفسوي: حدثنا الحسن بن الربيع قال: كنا نسمع من عبد الوارث، فإذا أقيمت الصلاة ذهبنا فلم نصل خلفه. (٣)
قال جامعه: عبد الوارث هو ابن سعيد بن ذكوان أبو عبيدة العنبري البصري المقرئ وهو قدري مبتدع.
стр. 1401
مسلم بن إبراهيم (١) (٢٢٢ هـ)
الإمام الحافظ الثقة مسلم بن إبراهيم أبو عمرو الأزدي. ولد في حدود ثلاثين ومائة. حدث عن عبد الله بن عون، وقرة بن خالد، ومالك بن مغول. وروى عنه البخاري، وأبو داود، ويحيى بن معين. توفي سنة اثنتين وعشرين ومائتين.
موقفه من المبتدعة:
عن مسلم بن إبراهيم قال: طلبت الحديث، فلم أر أهل الحديث على مثل ما هم عليه اليوم، ولولا أني أقول: إنها سنة أحييها، وبدعة أميتها لعل الله أن يكفر عني بعض ما أنا فيه، ما حدثت. (٢)
موقف السلف من يحيى بن صالح الوحاظي (٢٢٢ ه ـ)
تجهمه وإرجاؤه:
- قال أحمد بن حنبل: أخبرني رجل من أصحاب الحديث أن يحيى بن صالح قال: لو ترك أصحاب الحديث عشرة أحاديث -يعني هذه التي في الرؤية- ثم قال أحمد: كأنه نزع إلى رأي جهم. (٣)
стр. 1402
- قال أبو زرعة الدمشقي: حدثنا يزيد بن عبد ربه يقول: سمعت وكيعا يقول ليحيى الوحاظي: اجتنب الرأي، فإني سمعت أبا حنيفة ﵀ يقول: البول في المسجد أحسن من بعض قياسهم. (١)
- قال إسحاق الكوسج: حدثنا الوحاظي، وكان مرجئا خبيثا داعي دعوة. (٢)
عبد الله بن محمد بن أبي الأسود (٣) (٢٢٣ هـ)
عبد الله بن محمد بن أبي الأسود أبو بكر الإمام الحافظ الثبت تخرج بخاله عبد الرحمن بن مهدي، ينسب إلى جده. سمع من مالك بن أنس ومعتمر بن سليمان ويحيى بن سعيد القطان وابن علية وأنس بن عياض وخلق سواهم. حدث عنه البخاري وأبو داود وإبراهيم الحربي والذهلي وإسماعيل القاضي وعدة. قال الخطيب: كان حافظا متقنا، سكن بغداد. توفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين.
موقفه من الجهمية:
قال عبد الله بن أحمد: حدثني عباس العنبري حدثنا عبد الله بن محمد ابن حميد -يعني أبا بكر بن أبي الأسود- قال: لو أن رجلا جهميا مات وأنا وارثه ما استحللت أن آخذ من ميراثه. (٤)
стр. 1403
أبو عُبَيْد القاسم بن سَلاَّم (١) (٢٢٤ هـ)
القاسم بن سلام بن عبد الله الإمام الحافظ المجتهد ذو الفنون أبو عبيد الفقيه القاضي الأديب المشهور صاحب التصانيف المشهورة والعلوم المذكورة. قرأ القرآن على أبي الحسن الكسائي وإسماعيل بن جعفر وغيرهما. وأخذ اللغة عن أبي عبيدة وأبي زيد وجماعة. سمع ابن عيينة وابن المبارك وشريك بن عبد الله وهشيما وخلقا سواهم. روى عنه نصر بن داود وأبو بكر بن أبي الدنيا والحارث بن أبي أسامة وعباس الدوري والحسن بن مكرم البزار وآخرون. قال أحمد بن كامل القاضي: كان أبو عبيد فاضلا في دينه وفي علمه، ربانيا مفننا في أصناف علوم الإسلام من القرآن، والفقه والعربية والأخبار، حسن الرواية، صحيح النقل، لا أعلم أحدا طعن عليه في شيء من أمره ودينه.
من أقواله: المتبع السنة كالقابض على الجمر وهو اليوم عندي أفضل من ضرب السيف في سبيل الله. توفي سنة أربع وعشرين ومائتين.
موقفه من الرافضة:
قال الخلال: أخبرني الدوري قال: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول: عاشرت الناس وكلمت أهل الكلام وكذى، فما رأيت أوسخ وسخا، ولا أقذر قذرا، ولا أضعف حجة، ولا أحمق من الرافضة، ولقد وليت قضاء
стр. 1404
الثغور فنفيت منهم ثلاثة رجال جهميين، ورافضي أو رافضيين وجهمي، وقلت: مثلكم لا يساكن أهل الثغور فأخرجتهم. (١)
موقفه من الجهمية:
- عن العباس الدوري، سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام -وذكر الباب الذي يروى فيه الرؤية، والكرسي موضع القدمين، وضحك ربنا، وأين كان ربنا- فقال: هذه أحاديث صحاح، حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، ولكن إذا قيل: كيف يضحك؟ وكيف وضع قدمه؟ قلنا: لا نفسر هذا، ولا سمعنا أحدا يفسره. (٢)
قال الذهبي: قد صنف أبو عبيد كتاب 'غريب الحديث' وما تعرض لأخبار الصفات الإلهية بتأويل أبدا، ولا فسر منها شيئا. وقد أخبر بأنه ما لحق أحدا يفسرها، فلو كان والله تفسيرها سائغا، أو حتما، لأوشك أن يكون اهتمامهم بذلك فوق اهتمامهم بأحاديث الفروع والآداب. فلما لم يتعرضوا لها بتأويل، وأقروها على ما وردت عليه، علم أن ذلك هو الحق الذي لا حيدة عنه. (٣)
- جاء في الشريعة: عن العباس بن محمد الدوري، قال: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول وذكر عنده هذه الأحاديث في الرؤية فقال: هذه عندنا حق، نقلها الناس بعضهم عن بعض. (٤)
стр. 1405
- قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى: وقال أبو عبيد القاسم بن سلام نظرت في كلام اليهود والمجوس فما رأيت قوما أضل في كفرهم منهم -أي الجهمية- وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم. (١)
- وفي السنة قال عبد الله: حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، سمعت أبا عبيد يقول من قال: القرآن مخلوق، فقد افترى على الله، وقال عليه ما لم تقله اليهود ولا النصارى. (٢)
- جاء في ذم الكلام عن أحمد بن الحسين العازلي، سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول، وقال له رجل: ما تقول في رأي أهل الكلام؟ فقال: لقد دَلَّك ربك على سبيل الرشد وطريق الحق، فقال: ﴿فَإِنْ تنازعتم في شَيْءٍ فردوه إلى اللَّهِ﴾ (٣) الآية. أما لك فيما دلك عليه ربك، من كلامه وسنة نبيه ﷺ ما يغنيك عن الرجوع إلى رأيك وعقلك، وقد نهاك الله عن الكلام في ذاته وصفاته، إلا حسب ما أطلقه لك قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (٤). وقال: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ (٥) الآية. (٦)