مسلم بن إبراهيم (١) (٢٢٢ هـ)
الإمام الحافظ الثقة مسلم بن إبراهيم أبو عمرو الأزدي. ولد في حدود ثلاثين ومائة. حدث عن عبد الله بن عون، وقرة بن خالد، ومالك بن مغول. وروى عنه البخاري، وأبو داود، ويحيى بن معين. توفي سنة اثنتين وعشرين ومائتين.
موقفه من المبتدعة:
عن مسلم بن إبراهيم قال: طلبت الحديث، فلم أر أهل الحديث على مثل ما هم عليه اليوم، ولولا أني أقول: إنها سنة أحييها، وبدعة أميتها لعل الله أن يكفر عني بعض ما أنا فيه، ما حدثت. (٢)
موقف السلف من يحيى بن صالح الوحاظي (٢٢٢ ه ـ)
تجهمه وإرجاؤه:
- قال أحمد بن حنبل: أخبرني رجل من أصحاب الحديث أن يحيى بن صالح قال: لو ترك أصحاب الحديث عشرة أحاديث -يعني هذه التي في الرؤية- ثم قال أحمد: كأنه نزع إلى رأي جهم. (٣)
стр. 1402
- قال أبو زرعة الدمشقي: حدثنا يزيد بن عبد ربه يقول: سمعت وكيعا يقول ليحيى الوحاظي: اجتنب الرأي، فإني سمعت أبا حنيفة ﵀ يقول: البول في المسجد أحسن من بعض قياسهم. (١)
- قال إسحاق الكوسج: حدثنا الوحاظي، وكان مرجئا خبيثا داعي دعوة. (٢)
عبد الله بن محمد بن أبي الأسود (٣) (٢٢٣ هـ)
عبد الله بن محمد بن أبي الأسود أبو بكر الإمام الحافظ الثبت تخرج بخاله عبد الرحمن بن مهدي، ينسب إلى جده. سمع من مالك بن أنس ومعتمر بن سليمان ويحيى بن سعيد القطان وابن علية وأنس بن عياض وخلق سواهم. حدث عنه البخاري وأبو داود وإبراهيم الحربي والذهلي وإسماعيل القاضي وعدة. قال الخطيب: كان حافظا متقنا، سكن بغداد. توفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين.
موقفه من الجهمية:
قال عبد الله بن أحمد: حدثني عباس العنبري حدثنا عبد الله بن محمد ابن حميد -يعني أبا بكر بن أبي الأسود- قال: لو أن رجلا جهميا مات وأنا وارثه ما استحللت أن آخذ من ميراثه. (٤)
стр. 1403
أبو عُبَيْد القاسم بن سَلاَّم (١) (٢٢٤ هـ)
القاسم بن سلام بن عبد الله الإمام الحافظ المجتهد ذو الفنون أبو عبيد الفقيه القاضي الأديب المشهور صاحب التصانيف المشهورة والعلوم المذكورة. قرأ القرآن على أبي الحسن الكسائي وإسماعيل بن جعفر وغيرهما. وأخذ اللغة عن أبي عبيدة وأبي زيد وجماعة. سمع ابن عيينة وابن المبارك وشريك بن عبد الله وهشيما وخلقا سواهم. روى عنه نصر بن داود وأبو بكر بن أبي الدنيا والحارث بن أبي أسامة وعباس الدوري والحسن بن مكرم البزار وآخرون. قال أحمد بن كامل القاضي: كان أبو عبيد فاضلا في دينه وفي علمه، ربانيا مفننا في أصناف علوم الإسلام من القرآن، والفقه والعربية والأخبار، حسن الرواية، صحيح النقل، لا أعلم أحدا طعن عليه في شيء من أمره ودينه.
من أقواله: المتبع السنة كالقابض على الجمر وهو اليوم عندي أفضل من ضرب السيف في سبيل الله. توفي سنة أربع وعشرين ومائتين.
موقفه من الرافضة:
قال الخلال: أخبرني الدوري قال: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول: عاشرت الناس وكلمت أهل الكلام وكذى، فما رأيت أوسخ وسخا، ولا أقذر قذرا، ولا أضعف حجة، ولا أحمق من الرافضة، ولقد وليت قضاء
стр. 1404
الثغور فنفيت منهم ثلاثة رجال جهميين، ورافضي أو رافضيين وجهمي، وقلت: مثلكم لا يساكن أهل الثغور فأخرجتهم. (١)
موقفه من الجهمية:
- عن العباس الدوري، سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام -وذكر الباب الذي يروى فيه الرؤية، والكرسي موضع القدمين، وضحك ربنا، وأين كان ربنا- فقال: هذه أحاديث صحاح، حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، ولكن إذا قيل: كيف يضحك؟ وكيف وضع قدمه؟ قلنا: لا نفسر هذا، ولا سمعنا أحدا يفسره. (٢)
قال الذهبي: قد صنف أبو عبيد كتاب 'غريب الحديث' وما تعرض لأخبار الصفات الإلهية بتأويل أبدا، ولا فسر منها شيئا. وقد أخبر بأنه ما لحق أحدا يفسرها، فلو كان والله تفسيرها سائغا، أو حتما، لأوشك أن يكون اهتمامهم بذلك فوق اهتمامهم بأحاديث الفروع والآداب. فلما لم يتعرضوا لها بتأويل، وأقروها على ما وردت عليه، علم أن ذلك هو الحق الذي لا حيدة عنه. (٣)
- جاء في الشريعة: عن العباس بن محمد الدوري، قال: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول وذكر عنده هذه الأحاديث في الرؤية فقال: هذه عندنا حق، نقلها الناس بعضهم عن بعض. (٤)
стр. 1405
- قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى: وقال أبو عبيد القاسم بن سلام نظرت في كلام اليهود والمجوس فما رأيت قوما أضل في كفرهم منهم -أي الجهمية- وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم. (١)
- وفي السنة قال عبد الله: حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، سمعت أبا عبيد يقول من قال: القرآن مخلوق، فقد افترى على الله، وقال عليه ما لم تقله اليهود ولا النصارى. (٢)
- جاء في ذم الكلام عن أحمد بن الحسين العازلي، سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول، وقال له رجل: ما تقول في رأي أهل الكلام؟ فقال: لقد دَلَّك ربك على سبيل الرشد وطريق الحق، فقال: ﴿فَإِنْ تنازعتم في شَيْءٍ فردوه إلى اللَّهِ﴾ (٣) الآية. أما لك فيما دلك عليه ربك، من كلامه وسنة نبيه ﷺ ما يغنيك عن الرجوع إلى رأيك وعقلك، وقد نهاك الله عن الكلام في ذاته وصفاته، إلا حسب ما أطلقه لك قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (٤). وقال: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ (٥) الآية. (٦)
стр. 1406
- قال الحافظ في الفتح: قال البخاري في كتاب خلق أفعال العباد قال أبو عبيد -يعني القاسم بن سلام-: احتج هؤلاء الجهمية بآيات وليس فيما احتجوا به أشد بأسا من ثلاث آيات قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فقدره تقديرًا﴾ (١) و ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ (٢)، و ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (٣) قالوا إن قلتم أن القرآن لا شيء كفرتم، وإن قلتم أن المسيح كلمة الله فقد أقررتم أنه خلق، وإن قلتم ليس بمحدث رددتم القرآن، قال أبو عبيد أما قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ﴾ شَيْءٍ﴾ فقد قال في آية أخرى ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ ‘ذا أردناه أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فيكون﴾ (٤) فأخبر أن خلقه بقوله وأول خلقه هو من أول الشيء الذي قال وخلق كل شيء، وقد أخبر أنه خلقه بقوله، فدل على أن كلامه قبل خلقه، وأما المسيح فالمراد أن الله خلقه بكلمته لا أنه هو الكلمة لقوله: ﴿أَلْقَاهَا إلى مريم﴾ (٥) ولم يقل ألقاه ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾ (٦)
стр. 1407
وأما الآية الثالثة فإنما حدث القرآن عند النبي ﷺ وأصحابه لما علمه ما لم يعلم. (١)
- قال العباس الدوري: سمعت أبا عبيد يقول: عاشرت الناس، وكلمت أهل الكلام، فما رأيت قوما أوسخ وسخا، ولا أضعف حجة من الرافضة، ولا أحمق منهم، ولقد وليت قضاء الثغر، فنفيت ثلاثة، جهميين ورافضيا أو رافضيين وجهميا. (٢)
- وجاء في أصول الاعتقاد قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن محمد ابن إبراهيم السلمى -بالكوفة- قال: قال أبو عبيد القاسم بن سلام: لو أن رجلا حلف فقال: والله لا تكلمت اليوم بشيء، فقرأ القرآن في غير صلاة أو في صلاة لم يحنث، لأن أيمان الناس إنما هي لمعاملة بعضهم بعضا، وأن القرآن كلام الله ليس يدخل في شيء من كلام الناس ولا يختلط به، ولو كان يشبه في شيء من الحالات لكان القرآن إذا يقطع الصلاة، لأن كل متكلم في صلاته بالتعمد لذلك قاطع لها، إلا أن يكون الحالف نوى القرآن واعتمده في يمينه فيلزمه حينئذ نيته واعتقاده. (٣)
" التعليق:
جمع هؤلاء بين اللغة والعقيدة والفقه والحديث، واختلط بلحمهم ودمهم فجزاهم الله خيرا وأسكننا وإياهم جنات الفردوس.
стр. 1408
- جاء في السنة لعبد الله عن أبي بكر محمد بن إسحاق الصغاني، قال: رأيت في كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام بخطه، إذا قال لك الجهمية أخبرني عن القرآن أهو الله أم غير الله؟ فإن الجواب أن يقال له: أحلت (١) في مسألتك، لأن الله وصفه بوصف لا يقع عليه في مسألتك قال الله: ﴿الم (١) تنزيل الْكِتَابِ لا ريب فيه من رب الْعَالَمِينَ﴾ (٢) فهو من الله ولم يقل هو أنا ولا هو غيري، وإنما سماه كلامه، فليس له عندنا غير ما حلاه، وننفي عنه ما نفى عنه. فإن قالوا أرأيتم قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ! إذا أردناه أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فيكون﴾ (٣) فالقرآن شيء، فهو مخلوق. قيل له: ليس قول الله يقال له شيء، ألا تسمع كلامه: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ! إذا أردناه أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فيكون﴾ فأخبرك أن القول كان منه قبل الشيء فالقول من الله سبق الشيء. ومعنى قوله كن، أي: كان في علمه أن يكونه. (٤)
- وجاء في أصول الاعتقاد عنه قال: من قال القرآن مخلوق فهو شر ممن قال: إن الله ثالث ثلاثة جل الله وتعالى، لأن أولئك يثبتون شيئا وهؤلاء لا يثبتون المعنى. (٥)
стр. 1409
- جاء في أصول الاعتقاد: قال علي بن المديني -أو غيره-: يا أبا عبيد، ما تقول فيمن قال: القرآن مخلوق؟ فقال أبو عبيد: هذا رجل يعلم، ويقال له: إن هذا كفر، فإن رجع وإلا ضربت عنقه. (١)
- وقال عبد الله: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقى سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول: لو أن خمسين يؤمون الناس يوم الجمعة لا يقولون القرآن مخلوق، يأمر بعضهم بعضا بالإمامة إلا أن الرأس الذي يأمرهم، يقول هذا، رأيت الإعادة، لأن الجمعة إنما تثبت بالرأس، فأخبرت أبي بقول أبي عبيد فقال: هذا يضيق على الناس إذا كان الذي يصلي بنا لا يقول بشيء من هذا، صليت خلفه، فإذا كان الذي يصلي بنا يقول بشيء من هذا القول أعدت الصلاة خلفه. (٢)
" التعليق:
فلا أدري ماذا يقول أعداء العقيدة السلفية إذا سمعوا قولة إمام أهل اللغة، هل يعتبرونه تنطعا أو تشددا وغيرها من الكلمات التي تَعَودوا وصف السلفيين بها.
موقفه من المرجئة:
- له كتاب الإيمان، وهو كتاب نفيس في بابه بين فيه اعتقاد السلف، ورد فيه على طوائف الخلف، نورد ههنا نقولا منه، قال في مطلعه:
стр. 1410
اعلم رحمك الله: أن أهل العلم والعناية بالدين افترقوا في هذا الأمر فرقتين، فقالت إحداهما: الإيمان بالإخلاص لله بالقلوب وشهادة الألسنة وعمل الجوارح.
وقالت الفرقة الأخرى: بل الإيمان بالقلوب والألسنة، فأما الأعمال فإنما هي تقوى وبر، وليست من الإيمان.
وإنا نظرنا في اختلاف الطائفتين، فوجدنا الكتاب والسنة يصدقان الطائفة التي جعلت الإيمان بالنية والقول والعمل جميعا، وينفيان ما قالت الأخرى. (١)
- قال أيضا: ومما يصدق تفاضله بالأعمال قول الله جل ثناؤه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (٢) فلم يجعل الله للإيمان حقيقة إلا بالعمل على هذه الشروط، والذي يزعمه أنه بالقول خاصة، يجعله مؤمنا حقا وإن لم يكن هناك عمل فهو معاند لكتاب الله والسنة. ومما يبين لك تفاضله في القلب قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ
стр. 1411
فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ (١) ألست ترى أن هاهنا منزلا دون منزل: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بإيمانهن فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ (٢) كذلك ومثله قوله: ﴿يا أيها الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ ورسوله﴾ (٣). فلولا أن هناك موضع مزيد، ما كان لأمره بالإيمان معنى، ثم قال أيضا: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (٤) وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ (٥). وقال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (٦).
أفلست تراه ﵎، قد امتحنهم بتصديق القول بالفعل، ولم يرض منهم بالإقرار دون العمل، حتى جعل أحدهما من الآخر؟ فأي شيء يتبع بعد كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ومنهاج السلف بعده الذين هم موضع القدوة والإمامة؟
- فالأمر الذي عليه السنة عندنا ما نص عليه علماؤنا؟ مما اقتصصنا في
стр. 1412
كتابنا هذا أن الإيمان بالنية والقول والعمل جميعا، وأنه درجات بعضها فوق بعض، إلا أن أولها وأعلاها الشهادة باللسان كما قال رسول الله ﷺ في الحديث الذي جعله فيه بضعة وسبعين جزءا (١)، فإذا نطق بها القائل، وأقر بما جاء من عند الله لزمه اسم الإيمان بالدخول فيه بالاستكمال عند الله، ولا على تزكية النفوس، وكلما ازداد لله طاعة وتقوى، ازداد به إيمانا. (٢)
ابن أبي مريم (٣) (٢٢٤ هـ)
سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم المعروف بابن أبي مريم الحافظ العلامة الفقيه محدث الديار المصرية أبو محمد الجمحي المصري مولى أبي الصبيغ مولى بني جمح. حدث عن مالك والليث ومحمد بن جعفر بن أبي كثير ومحمد بن مطرف وعدة. حدث عنه البخاري والذهلي وإسحاق الكوسج وحمزة بن نصير المصري ويحيى بن معين وآخرون. قال الذهبي: كان من أئمة الحديث. توفي سنة أربع وعشرين ومائتين.
موقفه من الرافضة والجهمية والقدرية:
- جاء في السير: قال فيه العجلي: ثقة، كان له دهليز طويل، وكان يأتيه الرجل، فيقف فيسلم عليه، فيرد عليه: لا سلم الله عليك ولا حفظك وفعل بك. فأقول: ما هذا؟ فيقول: قدري. ويأتي آخر فيقول له مثل ذلك،
стр. 1413
فأقول: ما هذا؟ فيقول: جهمي خبيث، ويأتي آخر، فيقول: رافضي، ولا نظن إلا رد عليه سلامه، وكان عاقلا، لم أر بمصر أعقل منه، ومن عبد الله بن عبد الحكم. (١)
علق محقق السير على هذا الموقف بقوله: وليس ذا من أدب الإسلام، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. (٢)
قلت: وهذا من أخطاء المحقق الشنيعة، فإن هذا الذي أنكر المحقق أن يكون من أدب الإسلام هو أدب الإسلام مع المبتدعة، وعليه درج السلف رضوان الله عليهم، فهذا الإمام أحمد بن حنبل يقول: إذا سلم الرجل على المبتدع فهو يحبه، قال النبي ﷺ : "ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم". (٣)
- جاء في السنة: قال عبد الله: حدثني محمد بن سهل بن عسكر، سمعت ابن أبي مريم يقول: من زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر. (٤)
стр. 1414
سليمان بن حرب (١) (٢٢٤ هـ)
سليمان بن حرب بن بجيل الإمام الثقة الحافظ شيخ الإسلام أبو أيوب الواشحي الأزدي البصري قاضي مكة. حدث عن شعبة وحوشب بن عقيل ومحمد بن طلحة بن مصرف ووهيب بن خالد ومبارك بن فضالة وعدة. حدث عنه البخاري وأبو داود وإبراهيم الحربي والذهلي وابن أبي شيبة وطائفة. قال أبو حاتم: سليمان بن حرب إمام من الأئمة. وقال المسعري: جاء رجل إلى سليمان بن حرب، فقال: إن مولاك فلانا مات، وخلف قيمة عشرين ألف درهم، قال: فلان أقرب إليه مني، المال لذاك دوني. قال: وهو يومئذ محتاج إلى درهم. وقال يعقوب بن شيبة: حدثنا سليمان بن حرب، وكان ثقة ثبتا صاحب حفظ. توفي سنة أربع وعشرين ومائتين.
موقفه من المبتدعة:
- جاء في ذم الكلام عنه قال: من زال عن السنة بشعرة فلا تعتدن به. (٢)
- قال محمد بن يحيى الصولي: حدثنا المقدمي القاضي، حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن أكثم، قال: قال لي المأمون: من تركت بالبصرة؟ فوصفت له مشايخ منهم سليمان بن حرب، وقلت: هو ثقة حافظ للحديث، عاقل، في
стр. 1415
نهاية الستر والصيانة، فأمرني بحمله إليه، فكتبت إليه في ذلك، فقدم، فاتفق أني أدخلته إليه، وفي المجلس ابن أبي دؤاد، وثمامة، وأشباه لهما، فكرهت أن يدخل مثله بحضرتهم، فلما دخل سلم، فأجابه المأمون، ورفع مجلسه، ودعا له سليمان بالعز والتوفيق، فقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، نسأل الشيخ عن مسألة؟ فنظر المأمون إليه نظر تخيير له، فقال سليمان: يا أمير المؤمنين، حدثنا حماد بن زيد قال: قال رجل لابن شبرمة: أسألك؟ قال: إن كانت مسألتك لا تضحك الجليس، ولا تزري بالمسؤول، فسل. وحدثنا وهيب قال: قال إياس بن معاوية: من المسائل ما لا ينبغي للسائل أن يسأل عنها، ولا للمجيب أن يجيب فيها. فإن كانت مسألته من غير هذا، فليسأل، وإن كانت من هذا فليمسك. قال: فهابوه، فما نطق أحد منهم حتى قام، وولاه قضاء مكة، فخرج إليها. (١)
موقفه من الجهمية:
- جاء في السنة لعبد الله عن عباس بن عبد العظيم قال: سمعت سليمان ابن حرب قال: القرآن ليس بمخلوق فقلت له إنك كنت لا تقول هذا فما بدا لك؟ قال استخرجته من كتاب الله قال الله: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ (٢) فالكلام والنظر واحد. (٣)
- جاء في أصول الاعتقاد: عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال سمعت
стр. 1416
أبي يقول: بلغني عن إبراهيم بن سعد وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي ووهب ابن جرير وأبي النضر هاشم بن القاسم وسليمان بن حرب قالوا: القرآن ليس بمخلوق. (١)
- وفيه عن عبد الرحمن قال حدثنا ابن أبي عبد الرحمن المقري قال: سمعت سليمان بن حرب -وسأله سلمة بن شبيب -وهو المستملي- فقال له: يا أبا أيوب أذكر حديث أبي موسى في الرؤية (٢). فقال: دعه. فقال رجل -بالقرب من سليمان- خفيا: أي والله فدعه. فسمعه سليمان فنظر إليه فقال: إذا أحدثه على رغم أنفك، خذها إليك، فإني أراك ممن تركه. ثم بدأ فحدثه به. (٣)
- جاء في مجموع الفتاوى: قال أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله ابن منده هذا. قال حدثنا محمد بن محمد بن الحسن، حدثنا عبد الله بن محمد الوراق، حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، ثم قال عبد الرحمن: حدثني أحمد بن نصر قال: كنت عند سليمان بن حرب فجاء إليه رجل كلامي من أصحاب الكلام فقال له: تقولون إن الله على عرشه لا يزول، ثم تروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا؟ فقال: عن حماد بن زيد إن الله على عرشه ولكن يقرب من خلقه كيف شاء. قال عبد الرحمن: ومن زعم أن حماد بن زيد وسليمان ابن حرب، أرادا بقولهما يقرب من خلقه كيف شاء، أرادا أن لا يزول عن
стр. 1417
مكانه، فقد نسبهما إلى خلاف ما ورد في الكتاب والسنة. (١)
محمد بن عيسى بن الطَّبَّاع (٢) (٢٢٤ هـ)
محمد بن عيسى بن نجيح، الحافظ أبو جعفر بن الطباع البغدادي. حدث عن مالك، وإسماعيل بن عياش، وابن المبارك، وحماد بن زيد. وحدث عنه أبو داود وعلق له البخاري، والذهلي، وأبو حاتم، وعدة. قال أبو حاتم: حدثنا محمد بن الطباع الثقة المأمون، ما رأيت من المحدثين أحفظ للأبواب منه. ذكره أحمد بن حنبل، فقال: إن ابن الطباع لَثَبْت كَيس. وقال أبو داود: كان يتفقه، وكان يحفظ نحوا من أربعين ألف حديث. توفي ﵀ سنة أربع وعشرين ومائتين بالثغر.
موقفه من الرافضة:
قال محمد بن عيسى: لئن قلت: إن عليا أفضل من عثمان لقد قلت إن القوم خانوا. (٣)
أَصْبَغُ بن الفَرَج (٤) (٢٢٥ هـ)
أصبغ بن الفرج بن سعيد، مفتي ديار مصر وعالمها في زمانه. ولد بعد
стр. 1418
خمسين ومائة، وطلب العلم وهو شاب كبير. روى عن عبد العزيز الدراوردي، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن وهب. حدث عنه البخاري، ويحيى ابن معين، وأحمد بن الحسن الترمذي. قال عنه يحيى بن معين: كان من أعلم خلق الله برأي مالك يعرفها مسألة مسألة، متى قالها مالك ومن خالفه فيها. وقال أحمد بن عبد الله: كان أصبغ ثقة صاحب سنة. قال بعض العلماء: ما أخرجت مصر مثل أصبغ. قال يحيى بن عمر: اختفى أصبغ بن الفرج أيام الأصم، وأخذه الناس بالمحنة في القرآن، فطلبه الأصم فاختفى في داره حتى مات. توفي سنة خمس وعشرين ومائتين.
موقفه من المبتدعة:
- قال الشاطبي: وقد سئل أصبغ عن دعاء الخطيب للخلفاء المتقدمين؟ فقال: هو بدعة، ولا ينبغي العمل به، وأحسنه أن يدعو للمسلمين عامة.
- قيل له: فدعاؤه للغزاة والمرابطين؟ قال: ما أرى به بأسا عند الحاجة إليه، وأما أن يكون شيئا يصمد له في خطبته دائما، فإني أكره ذلك. (١)
أبو السري منصور بن عمار (٢) (٢٢٥ هـ)
منصور بن عَمَّار، الواعظ، أبو السَّرِي السُّلَمِي الخُراساني. روى عن
стр. 1419
الليث، وابن لهيعة، ومعروف الخياط، وهقل بن زياد، وجماعة. وروى عنه ابناه سليم وداود، وزهير بن عباد، وعلي بن خشرم، وأحمد بن منيع، وعدة. قال الذهبي: وعظ ببغداد والشام ومصر، وبعُدَ صِيته، وتزاحم عليه الخلق، وكان ينطوي على زهد وتأله وخشية، ولوعظه وقع في النفوس. قال ابن يونس: قصد بمصر على الناس وسمعه الليث فأعجبه ووصله بألف دينار. ومن درر كلامه: سلامة النفس في مخالفتها، وبلاؤها في متابعتها. رماه ابن عدي بالتجهم، ورد ذلك الشيخ الألباني ﵀ في 'مختصر العلو'. وأرخ له صاحب النجوم الزاهرة في حوادث سنة خمس وعشرين ومائتين.
موقفه من المبتدعة:
جاء في المحدث الفاصل عن سليم بن منصور بن عمار قال: كان أبي يصف أهل القرآن وأصحاب الحديث في مجلس فيقول: الحمد لله المنعم المنان، مظهر الإسلام على كل الأديان، وحافظ القرآن من الزيادة والنقصان، ومانعه من مكائد الشيطان، وتحريف أهل الزيغ والكفران -وذكر كلاما في ذكر القرآن طويلا، ثم قال-: ووكل بالآثار المفسرة للقرآن والسنن القوية الأركان، عصابة منتخبة، وفقهم لطلابها وكتابها، وقواهم على رعايتها وحراستها، وحبب إليهم قراءتها ودراستها، وهون عليهم الدأب والكلال، والحل والترحال، وبذل النفس مع الأموال، وركوب المخوف من الأهوال، فهم يرحلون من بلاد إلى بلاد، خائضين في العلم كل واد، شعث الرؤوس، خلقان الثياب، خمص البطون، ذبل الشفاه، شحب الألوان، نحل الأبدان، قد جعلوا لهم هما واحدا، ورضوا بالعلم دليلا ورائدا، لا يقطعهم عنه جوع ولا
стр. 1420
ظمأ، ولا يملهم منه صيف ولا شتاء، مائزين الأثر: صحيحه من سقيمه، وقويه من ضعيفه، بألباب حازمة، وآراء ثاقبة، وقلوب للحق واعية، فأمنت تمويه المموهين، واختراع الملحدين، وافتراء الكاذبين، فلو رأيتهم في ليلهم، وقد انتصبوا لنسخ ما سمعوا، وتصحيح ما جمعوا، هاجرين الفرش الوطي، والمضجع الشهي، قد غشيهم النعاس فأنامهم، وتساقطت من أكفهم أقلامهم، فانتبهوا مذعورين قد أوجع الكد أصلابهم، وتيه السهر ألبابهم، فتمطوا ليريحوا الأبدان، وتحولوا ليفقدوا النوم من مكان إلى مكان، ودلكوا بأيديهم عيونهم، ثم عادوا إلى الكتابة حرصا عليها، وميلا بأهوائهم إليها لعلمت أنهم حرس الإسلام، وخزان الملك العلام، فإذا قضوا من بعض ما راموا أوطارهم، انصرفوا قاصدين ديارهم، فلزموا المساجد، وعمروا المشاهد، لابسين ثوب الخضوع، مسالمين ومسلمين، يمشون على الأرض هونا، لا يؤذون جارا، ولا يقارفون عارا، حتى إذا زاغ زائغ، أو مرق في الدين مارق، خرجوا خروج الأسد من الآجام، يناضلون عن معالم الإسلام- في كلام غير هذا في ذكرهم
يطول. (١)
موقفه من الجهمية:
- عن محمد بن منصور بن عمار -أبي الحسن- قال: كتب بشر بن غياث المريسي -لعنه الله- إلى أبي يسأله عن القرآن، فكتب إليه أبي: عصمنا الله وإياك من كل فتنة، فإن يفعل، فأعظم بها من نعمة، وإن لا يفعل، فهي والله الهلكة، أخبرني بعض أهل بيت رسول الله ﷺ أن أباه سئل عن ذلك
стр. 1421
فقال: ليس على الله بعد المرسلين حجة، إن الكلام في القرآن بدعة اشترك فيه السائل والمجيب، أما السائل، فتعاطى ما ليس له، وتكلف المجيب ما ليس عليه، وما أعرف خالقا إلا الله، والقرآن كلام الله، فانته بنفسك، والمتكلمون معك في القرآن إلى أسمائه التي سماه الله بها، تكن من المهتدين، ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١). (٢)
-وجاء في تاريخ الخطيب وكتب بشر إلى منصور يسأله عن قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ على الْعَرْشِ استوى﴾ (٣) كيف استوى؟ فكتب إليه منصور: استواؤه غير محدود والجواب فيه تكلف، ومسألتك عن ذلك بدعة، والإيمان بجملة ذلك واجب، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٤) وحده. ثم استأنف الكلام فقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٥) فنسبهم إلى الرسوخ في العلم بأن قالوا لما تشابه منه عليهم ﴿آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ
стр. 1422
عند ربنا﴾ فهؤلاء هم الذين أغناهم الرسوخ في العلم عن الاقتحام على السدد المضروبة. دون الغيوب، بما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فمدح اعترافهم بالعجز عن تأول ما لم يحيطوا به علما، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم رسوخا في العلم. فانته رحمك الله من العلم إلى حيث انتهى بك إليه، ولا تجاوز ذلك إلى ما حظر عنك علمه فتكون من المتكلفين وتهلك مع الهالكين والسلام عليك. (١)
محمد بن سلام البيكندي (٢) (٢٢٥ هـ)
محمد بن سلام بن الفرج الإمام الحافظ الناقد، أبو عبد الله السُّلَمي مولاهم البخاري البيكندي. رأى مالك بن أنس ولم يتفق له السماع منه. روى عن أبي الأحوص سلام بن سليم وعبد الله بن المبارك وسفيان بن عيينة وجرير بن عبد الحميد وطائفة. روى عنه ابنه إبراهيم، والبخاري وعبيد الله ابن واصل البيكندي وحميد بن النضر البيكندي والطفيل بن زيد النسفي وعدة. قال محمد بن أحمد الغنجار: كان لابن سلام مصنفات في كل باب من العلم. وقال سهل بن المتوكل: سمعت محمدا يقول: أنفقت في طلب العلم أربعين ألفا، وأنفقت في نشره أربعين ألفا، وليت ما أنفقت في طلبه كان في نشره. قال الذهبي: كان من أوعية العلم وأئمة الأثر. وقال ابن حجر: ثقة
стр. 1423
ثبت. توفي سنة خمس وعشرين ومائتين.
موقفه من الجهمية:
له كتاب سماه: 'السنة والجماعة' نقل منه شيخ الإسلام في غير ما موضع من كتبه على عادته في الاعتماد على كتب السلف ﵏، قال في الفتاوى الكبرى من كتاب السنة والجماعة: ما جاء في بدو الجهمية والسمنية وكيف كان شأنهم وكفرهم بآيات الله. عن حفص بن عبد الرحمن البجلي قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن أيوب بن أبي تميمة قال: ما أعلم أحدا من أهل الصلاح أكذب على كتاب الله من السمنية قال: وهو عندنا كما قال لا أعلم أن أحدا أجهل ولا أحمق قولا منهم: لا يتعلقون من كتاب الله بشيء، ولا يحتجون، إنما هو حب وبغض، من أحب دخل الجنة، ومن أبغض دخل النار. (١)
إبراهيم بن مهدي (٢) (٢٢٥ هـ)
إبراهيم بن مَهْدِي المِصِّيصِي بغدادي الأصل، صاحب حديثٍ، مرابطٌ. روى عن حماد بن زيد وإبراهيم بن سعد ومعتمر بن سليمان وعلي بن مسهر وأبي المليح الرقي وحفص بن غياث وعدة. روى عنه أبو داود وأحمد بن حنبل وابن أبي الدنيا وعباس بن محمد الدوري ويعقوب بن شيبة السدوسي
стр. 1424
وطائفة. وثقه أبو حاتم. توفي سنة خمس وعشرين ومائتين.
موقفه من الجهمية:
جاء في السنة لعبد الله: حدثني محمد، سمعت نعيم بن حماد يكفرهم -يعني الجهمية- قال: وسمعت إبراهيم بن مهدي يكفرهم. (١)
يحيى بن يحيى النيسابوري (٢) (٢٢٦ هـ)
يحيى بن يحيى بن بكر بن عبد الرحمن شيخ الإسلام وعالم خراسان أبو زكريا التَّمِيمِي المِنْقَرِي النيسابوري الحافظ مولى بني حنظلة. روى عن مالك ابن أنس وكثير بن سليم وجرير بن عبد الحميد ووكيع بن الجراح وإسماعيل ابن علية وعدة. روى عنه البخاري ومسلم والذهلي وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وعلي بن عثام العامري وإسحاق بن راهويه وطائفة. عن عبد الله بن محمد بن مسلم: كنت مع أبي عبد الله المروزي فقلت: من أدركت من المشايخ على سنة نبيه ﷺ ؟ فقال: ما أعلم إلا أن يكون يحيى ابن يحيى. قال إسحاق بن إبراهيم: مات يحيى بن يحيى يوم مات وهو إمام أهل الدنيا. وعن أحمد بن حنبل قال: كان يحيى بن يحيى عندي إماما ولو كانت عندي نفقة لرحلت إليه.
توفي سنة ست وعشرين ومائتين.
стр. 1425
موقفه من المبتدعة:
جاء في السير عن محمد بن يحيى الذهلي، قال: سمعت يحيى بن يحيى يقول: الذب عن السنة أفضل من الجهاد في سبيل الله.
فقلت ليحيى: الرجل ينفق ماله ويتعب نفسه ويجاهد، فهذا أفضل منه؟ فقال: نعم بكثير. (١)
" التعليق:
وكذلك في زماننا هذا، الذب عن عقيدة السلف من أكبر أنواع الجهاد، لأن القصد من الجهاد رفع كلمة التوحيد، ودفع الكفر والشرك عنها، كذلك السلفي الذي يشتغل بذلك، يدفع عنها الأخلاط المسمومة التي وردت عليها من كل حدب وصوب.
موقفه من الجهمية:
- جاء في أصول الاعتقاد: عن يحيى بن يحيى النيسابوري قال: من زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر. (٢)
- وعن عثمان بن سعيد الدارمي قال: ذهبت يوما أحكي ليحيى بن يحيى بعض كلام الجهمية لأستخرج منه نقضا عليهم، وفي مجلسه يومئذ الحسين بن عمير البسطامي، وأحمد بن الحريش القاضي، ومحمد بن رافع وأبو قدامة السرخسي فيما أحسب وغيرهم من المشايخ، فنهرني يحيى بغضب وقال
стр. 1426
اسكت، وأنكر على المشايخ الذين في مجلسه استعظاما أن أحكي كلامهم وإنكارا. (١)
سُنَيْد (٢) (٢٢٦ هـ)
حسين بن داود الإمام الحافظ محدث الثغر أبو علي المِصِّيصِي المحتسب صاحب التفسير الكبير، وسنيد لقب غلب عليه. حدث عن حجاج بن محمد وحماد بن زيد وابن عيينة وشريك وابن المبارك وعدة. حدث عنه أبو بكر الأثرم وابنه جعفر بن سنيد والحسن بن محمد الزعفراني وأبو زرعة الرازي ويعقوب بن شيبة السدوسي وطائفة. توفي سنة ست وعشرين ومائتين.
موقفه من الجهمية:
- قال أبو حاتم الرازي: حدثنا أبو عمران موسى الطرطوشي قال: قلت لسنيد بن داود: هو على عرشه، بائن من خلقه؟ قال: نعم. ألم تسمع قوله تعالى: ﴿وترى الْمَلَائِكَةَ حافين مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ (٣). (٤)
آثاره:
له تفسير نهج فيه نهج السلف، وذكر آثارهم وعقائدهم الطيبة، ذكره
стр. 1427
شيخ الإسلام ضمن التفاسير السلفية في درء التعارض وغيره من كتبه، والذهبي في مختصر العلو (١٨٤) وقال: قلت: لسنيد تفسير كبير رأيته كله بالأسانيد، ومذهبه في الصفات مذهب السلف.
عبد الله بن أبي حسان اليحصبي (١) (٢٢٦ هـ)
عبد الله بن أبي حسان، واسم أبي حسان يزيد بن عبد الرحمن وقيل اسمه عبد الرحمن ويقال عبد الرحمن بن يزيد، وهو من أشراف إفريقية وصاحب فقه وأدب. رحل إلى مالك فكان عنده مكرما، وسمع من ابن أبي ذئب وابن عيينة وابن أنعم. روى عنه سحنون بن سعيد وفرات وسليمان وابن وضاح وآخرون. قال فيه المالكي: وكان مفوها، قويا على المناظرة، ذابا عن السنة متبعا لمذهب مالك، شديدا على أهل البدع، قليل الهيبة للملوك، لا يخاف في الله لومة لائم. توفي سنة ست وعشرين ومائتين.
موقفه من الرافضة:
جاء في رياض النفوس سليمان بن خلاد: قلت لابن أبي حسان: أرأيت هذا الذي يقول الناس في أبي بكر وعلي؟ -يريد التفضيل بينهما. فرفع يده فضربني الصدر ضربة واحدة أوجعتني، ثم قال: ليس هذا دين قريش ولا دين العرب، هذا دين أهل "قم" (قرية من قرى خراسان) ثم قال: والله ما يخفى علينا نحن من يستحق الولاية بعد والينا ولا من يستحق القضاء بعد قاضينا،
стр. 1428
فكيف يخفى على أصحاب محمد ﷺ من يستحق الأمر بعد نبيهم. (١)
" التعليق:
لله درك يا عالم القيروان، ما أحسنه من كلام يثلج صدر السلفي، ويبقر بطن الشيعي الرافضي الخبيث، الذي نصب نفسه عدوا لمن اصطفاه الله على خلقه بعد نبيه ﷺ .
إسماعيل بن أبي أُوَيْس (٢) (٢٢٦ هـ)
هو إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر أبو عبد الله ابن أبي أويس الأشجعي المدني الأصْبَحِي. أخو عبد الحميد بن أبي أويس. قرأ القرآن وجوده على نافع فكان آخر تلامذته وفاة. حدث عن أبيه عبد الله، وأخيه أبي بكر، وخاله مالك بن أنس، وعبد العزيز بن عبد الله بن الماجشون، وعدة. وحدث عنه البخاري، ومسلم، ثم مسلم وأبو داود والترمذي، وابن ماجة بواسطة، وأحمد بن صالح، وعثمان بن سعيد الدارمي، وخلق سواهم. قال الإمام أحمد: هو ثقة، قام في أمر المحنة مقاما محمودا. وقال الذهبي: وكان عالم أهل المدينة ومحدثهم في زمانه على نقص في حفظه وإتقانه، ولولا أن الشيخين احتجا به، لزحزح حديثه عن درجة الصحيح إلى درجة الحسن، هذا الذي عندي فيه. مات سنة ست وعشرين ومائتين، وقيل
стр. 1429
سنة سبع في رجب ﵀.
موقفه من الجهمية:
- حكى إسماعيل بن أبي أويس إجماع أهل المدينة قال: كان مالك وعلماء أهل بلدنا يقولون: القرآن من الله وليس من الله شيء مخلوق. (١)
- عن إسحاق بن بهلول قال: سمعت ابن أبي أويس يقول: القرآن كلام الله ومن الله، وما كان من الله فليس بمخلوق. (٢)
محمود الوراق (٣) (توفي في خلافة المعتصم)
هو محمود بن الحسن الوراق، الشاعر المشهور، أكثر من الشعر الحسن في المواعظ والحكم. يقال إنه كان نخاسا يبيع الرقيق. روى عنه أبو بكر بن أبي الدنيا، وأبو العباس بن مسروق، وغيرهما. ومن شعره قوله:
رجعت على السفيه بفضل حلمي ... فكان الحلم عنه له لجاما
وظن بي السفاه فلم يجدني ... أُسافِهُه وقلت له سلاما
فقام يجر رجليه ذليلا ... وقد كسب المذلة والملاما
وفضل الحلم أبلغ في سفيه ... وأحرى أن تنال به انتقاما
قال محمد بن شاكر الكتبي: توفي في خلافة المعتصم في حدود الثلاثين
стр. 1430
والمائتين.
موقفه من القدرية:
جاء في أصول الاعتقاد، عن محمود قال:
ليس عندي إلا الرضا بقضاء ... الله فيما أحببته وكرهته
لوالي الأمور اختار منها خيرها ... لي عواقبا ما عرفته
فأرى أن أرد ذاك إلى ... من عنده العلم الذي قد جهلته (١)
أحمد بن يونس (٢) (٢٢٧ هـ)
هو الإمام الحجة الحافظ، أبو عبد الله، أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي، اليَرْبُوعِي الكوفي، ينسب إلى جده تخفيفا. سمع من جده يونس بن عبد الله بن قيس اليربوعي، ومن ابن أبي ذئب، وسفيان الثوري وغيرهم. وحدث عنه البخاري، ومسلم وهو من كبراء شيوخه، وعبد بن حميد، وأبو زرعة الرازي، وخلق سواهم. قال ابن سعد: مات بالكوفة يوم الجمعة لخمس ليال بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين ومائتين، وكان ثقة صدوقا صاحب سنة وجماعة. قال الفضل بن زياد: سمعت أحمد بن حنبل وسأله رجل عمن أكتب؟ قال: ارحل إلى أحمد بن يونس، فإنه شيخ الإسلام. وقال أبو حاتم: كان ثقة متقنا. وقال العجلي: ثقة صاحب سنة.
стр. 1431
موقفه من المبتدعة:
عن أحمد بن زهير قال: سمعت أحمد بن عبد الله بن يونس يقول: امتحن أهل الموصل بمعافى بن عمران، فإن أحبوه فهم أهل السنة وإن أبغضوه فهم أهل بدعة كما يمتحن أهل الكوفة بيحيى. (١)
موقفه من الرافضة:
جاء في الصارم: قال أحمد بن يونس: لو أن يهوديا ذبح شاة، وذبح رافضي لأكلت ذبيحة اليهودي، ولم آكل ذبيحة الرافضي؛ لأنه مرتد عن الإسلام. (٢)
موقفه من الجهمية:
قال أبو داود صاحب السنن: سألت أحمد بن يونس، فقال: لا تصل خلف من يقول: القرآن مخلوق، هؤلاء كفار. (٣)
الهيثم بن خارجة (٤) (٢٢٧ هـ)
الهيثم بن خارجة أبو أحمد، ويقال أبو يحيى المروذي ثم البغدادي الحافظ. روى عن مالك، والليث، ويعقوب القمي، وحفص بن ميسرة، وغيرهم. روى عنه أحمد بن حنبل، وعباس الدوري، والبخاري، وأبو زرعة،
стр. 1432
وآخرون.
قال هشام بن عمار: كنا نسميه شعبة الصغير. قال صالح جزرة: كان يتزهد، كان أحمد بن حنبل يثني عليه. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: كان أبي إذا رضي عن إنسان وكان عنده ثقة حدث عنه وهو حي، فحدثنا عن الحكم بن موسى وهو حي، وعن الهيثم بن خارجة وهو حي، وعن أبي الأحوص، وخلف، وشجاع وهم أحياء.
مات يوم الاثنين لثمان ليال بقين من ذي الحجة سنة سبع وعشرين ومائتين.
موقفه من الجهمية:
عن ابن أخي الهيثم بن خارجة قال: سمعت الهيثم يقول: القرآن كلام الله وليس بمخلوق. (١)
أبو الوليد الطَّيَالِسِي (٢) (٢٢٧ هـ)
هشام بن عبد الملك الإمام الحافظ الناقد، شيخ الإسلام أبو الوليد الباهلي مولاهم البصري الطيالسي. روى عن مالك وابن عيينة وشعبة وأبي عوانة الوضاح بن عبد الله وهمام بن يحيى ومهدي بن ميمون والحمادين وعدة. وعنه البخاري وأبو داود وإسحاق بن راهويه والذهلي وأبو زرعة ومحمد بن
стр. 1433
بشار وأبو خيثمة زهير بن حرب وآخرون. قال أحمد بن حنبل: أبو الوليد اليوم شيخ الإسلام، ما أقدم عليه اليوم أحدا من المحدثين. وقال أبو زرعة: أدرك أبو الوليد نصف الإسلام، وكان إماما في زمانه، جليلا عند الناس. توفي سنة سبع وعشرين ومائتين.
موقفه من المبتدعة:
عن محمد بن يحيى، سمعت أبا الوليد يقول: وحدث بحديث إلى النبي ﷺ فقيل له: ما رأيك؟ فقال ليس لي مع النبي ﷺ رأي. (١)
موقفه من الجهمية:
- عن يعقوب بن سفيان قال سمعت أبا الوليد هشام بن عبد الملك قال: قال يحيى بن سعيد أما تعجب من هذا؟ يقولون: قُلْ ﴿هُوَ اللَّهُ أحد﴾ مخلوقة؟ قال أبو الوليد: القرآن كلام الله والكلام في القرآن كلام في الله. قال أبو الوليد: من لم يعقد قلبه على أن القرآن ليس بمخلوق فهو خارج من الإسلام. (٢)
- جاء في أصول الاعتقاد عنه قال: ما عرفت بالري ولا ببغداد ولا بالبصرة رجلا يقول: القرآن مخلوق، وأسأل الله العافية. (٣)
- وفيه عنه قال: من قال القرآن مخلوق يفرق بينه وبين امرأته بمنزلة المرتد. (٤)
стр. 1434
أبو نصر بشر بن الحارث (٢٢٧ ه ـ)
موقفه من المبتدعة:
- جاء في ذم الكلام عنه قال: النظر إلى أهل الأهواء يورث القلب القساوة. (١)
" التعليق:
إذا نقلت عن مثل هؤلاء الذين انتسبوا إلى التصوف أو الكلام أو غير ذلك، فأقصد بذلك مواقفهم التي توافق مواقف السلف في الذب عن العقيدة السلفية.
- جاء في الإبانة عنه قال: وقد سئل عن الرجل يكون مع هؤلاء أهل الأهواء في موضع جنازة أو مقبرة فيتكلمون ويعرضون، فترى لنا أن نجيبهم؟ فقال: إن كان معك من لا يعلم، فردوا عليه لأن لا يرى أولئك أن القول كما يقولون، وإن كنتم أنتم وهم، فلا تكلموهم ولا تجيبوهم. (٢)
- عن أبي جعفر محمد بن المثنى قال: سمعت أبا نصر بشر بن الحارث يقول: الخصومات تحبط الأعمال. (٣)
- عن محمد بن المثنى، سمعت بشرا ينهى عن مخاطبة أهل الأهواء كلهم ومناظرتهم. (٤)
стр. 1435
- عن موسى بن أحمد الفريابي قال: قال بشر الحافي: علامة طاعة الله تسليم أمره لطاعته، وعلامة حب رسول الله ﷺ تسليم آثاره والعمل على سنته، ولا يلتفت إلى غيره. (١)
موقفه من الجهمية:
- جاء في السير: قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: حدثنا محمد بن المثنى صاحب بشر قال: قال رجل لبشر وأنا حاضر: إن هذا الرجل -يعني أحمد ابن حنبل- قيل له: أليس الله قديما وكل شيء دونه مخلوق؟ قال: فما ترك بشر الرجل يتكلم حتى قال: لا، كل شيء مخلوق إلا القرآن. (٢)
- عن محمد بن المثنى قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: أما سمعت ما قال النبي ﷺ : "يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك" (٣) وقال النبي ﷺ : "قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الله " (٤) ثم قال بشر: هؤلاء الجهمية يتعاظمون هذا. (٥)
- عن أبي بكر بن زيادة قال: قلت لبشر بن الحارث: يا أبا نصر ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله ليس بمخلوق. فقلت له: لا تكلم بهذا. قال: أخاف السلطان. قلت له: فلثقاتك. قال: إن لكل ثقة ثقة. (٦)
стр. 1436
- عن أبي نصر -عصمة بن أبي عصمة- قال: حدثنا ابن الخالقاني عن أبي حفص العطار، قال: سمعت بشر بن الحارث يقول حين أنشده أبو الرمة هذا الشعر في بشر المريسي: اكتبوا هذا الشعر وتعلموه، فهو أنفع لكم من غيره، وعلموه صبيانكم، ورأيت بشرا يعجبه هذا الشعر إذا أنشده:
أيها الناس فاستقيموا إلى ... الحق وخافوا عقوبة الرحمن
واتقوا يوم ينجلي الأمر فيه ... لكم من كرامة أو هوان
فإلى جنة الخلد فيها أم ... إلى جاحم من النيران
يوم يجمعكم الإله ليوم ... فيه شابت ذوائب الولدان
فأجيبوا عن القرآن وعما ... قلتموه يا معشر المجان
أزعمتم بأنه مخلوق فكذبتم ... ومنزل الفرقان
بل كلام الإله ليس بمخلوق ... ولا ميت مع الإنسان
كل خلق يبيد لا شك فيه ... أي خلق يبقى على الحدثان
لا تقولوا بقول بشر المريسي ... والعنوه في السر والإعلان
واستعيذوا بالله من شر بشر ... كاستعاذتكم من الشيطان
ما أراد الذي أراد سوى الشرك ... ولكن كنى عن الأوثان
بالقرآن اهتدى وضل الذي ضل ... وكل مخاصم بالقرآن
فعليكم بدينكم لا تبيعوه ... بشيء من المعيشة فان
لا على الشرك ترقدون وإن متم ... على الدين صرتم للجنان
فاقبلوا النصح من أخ بذل النصـ ... ـح لكم من ضميره واللسان (١)
стр. 1437
- قال عبد الله في السنة: حدثني بعض أصحابنا وهو محمد بن علي قال: سمعت أبي يقول: سمعت بشر بن الحارث يقول: لا تجالسوهم ولا تكلموهم، وإن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم، كيف يرجعون وأنتم تفعلون بهم هذا؟ قال: يعني الجهمية. (١)
- جاء في تلبيس إبليس عنه قال: جاء موت هذا الذي يقال له المريسي وأنا في السوق فلولا أن الموضع ليس موضع سجود لسجدت شكرا. الحمد لله الذي أماته، هكذا قولوا. (٢)
- وجاء في ذم الكلام عنه قال: لا تخالف الأئمة، فإنه ما أفلح صاحب كلام قط. (٣)
موقف السلف من أبي الهذيل العلاف المعتزلي (٢٢٧ ه ـ)
ضلاله ومخازيه:
- جاء في سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي: ورأس المعتزلة أبو الهذيل محمد بن الهذيل البصري العلاف صاحب التصانيف، الذي زعم أن نعيم الجنة وعذاب النار ينتهي، بحيث أن حركات أهل الجنة تسكن حتى لا ينطقون بكلمة، وأنكر الصفات المقدسة حتى العلم والقدرة وقال: هما الله،
стр. 1438
وأن لما يقدر الله عليه نهاية وآخرا، وأن للقدرة نهاية، لو خرجت إلى الفعل، فإن خرجت لم تقدر على خلق ذرة أصلا، وهذا كفر وإلحاد. (١)
- جاء في تاريخ بغداد عن أبي سعيد علي بن الحسن القبصري قال: قال المأمون يوما لحاجبه: من بالباب؟ قال أبو الهذيل وعبد الله بن أباض الخارجي وهشام بن الكلبي فقال: ما بقي من رؤوس جهنم أحد إلا وقد حضر. (٢)
- ثم قال الذهبي: ولم يكن أبو الهذيل بالتقي حتى لنقل أنه سكر مرة عند صديقه، فراود غلاما له فرماه بتور، فدخل في رقبته وصار كالطوق، فاحتاج إلى حداد يفكه. (٣)
- وكان أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل تلميذ واصل بن عطاء الغزال. وطال عمر أبي الهذيل وجاوز التسعين، وانقلع في سنة سبع وعشرين ومائتين. (٤)
- وفي أصول الاعتقاد: وسأل رجل أبا الهذيل العلاف المعتزلي البصري عن القرآن فقال: مخلوق، فقال له: مخلوق يموت أو يخلد؟ قال: بل يموت. قال: فمتى يموت القرآن؟ قال: إذا مات من يتلوه فهو موته. قال: فقد مات من يتلوه. وقد ذهبت الدنيا وتصرمت، وقال الله : ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ
стр. 1439
اليوم﴾ (١) فهذا القرآن وقد مات الناس؟ فقال: ما أدري وبهت. (٢)
عبد الله بن عبد الله الخراساني (زمن المعتصم)
موقفه من الجهمية:
حدثنا أبو الحسن -علي بن يحيى بن عيسى- قال: سمعت زرقان بن محمد يقول: سمعت أبا داود السجستاني يقول: لما جيء بعبد الله بن عبد الله الخراساني وأحضر للمحنة وأحمد بن حنبل محبوس، قال الخراساني: هذا الذي تدعوني إليه اعرضوه علي. قال: تقول القرآن مخلوق؟ قال: هذا الذي تدعون إليه، علمه الله ورسوله وجميع المؤمنين؟ قالوا: نعم. قال: فوسعهم السكوت عنه؟ فأطرق المعتصم مليا، ثم رفع رأسه، فقال: نعم. قال: فما وسعكم ما وسع القوم؟ قال: فقال المعتصم: أخلوا لي بيتا، فأخلي له بيت، فطرح نفسه فيه على قفاه ورفع رجليه مع الحائط وهو يقول: علمه الله، وعلمه رسوله والمؤمنون، ووسعهم السكوت عنه، وسعنا ما وسع القوم، صدق الخراساني، ما زال يقول ذلك ويردده يومه وليلته، لا يجد فيه حجة، فلما كان من الغد أمر بإحضار الجماعة ثم جلس على كرسيه وأحضر القوم، فبدأ الخراساني فأسكتهم وقطع حجتهم، فقال المعتصم: خلوا عن الخراساني، فقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، إن هذا متى يخرج على هذه السبيل يفتن العامة،
стр. 1440
ويقول: غلبت أمير المؤمنين وغلبت قضاته وشيوخه وعلماءه، وقهرته وأدحضت حجته، فقال: صدقت يا أحمد. ثم قال: جروا برجله، فجروا برجله على وجهه إلى البيت الذي فيه أحمد بن حنبل، فتعلقت الرزة بغلصمته، فقال: اجذبوه فجذبوه فانقطع رأسه، قال أحمد بن حنبل: فسمعت اللسان يقول في الرأس: غير مخلوق، ثلاث مرات، ثم سكت. قال أحمد: فكان ذلك مما بصرني في أمري، وشجع به قلبي. (١)
المعتصم (٢٢٧ ه ـ)
الخليفة أبو إسحاق محمد بن الرشيد هارون بن محمد المهدي بن المنصور العباسي. امتحن الناس بخلق القرآن، وكتب بذلك إلى الأمصار، ودام ذلك حتى أزاله المتوكل بعد أربعة عشر عاما.
موقفه من المشركين:
- قال الرياشي: كتب طاغية الروم إلى المعتصم يتهدده، فأمر بجوابه، فلما عرض عليه رماه، وقال للكاتب: اكتب: أما بعد، فقد قرأت كتابك، وسمعت خطابك، والجواب ما ترى لا ما تسمع ﴿وسيعلم الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدار﴾ (٢). (٣)
- جاء في فتح الباري: ثم خرج في أيام المأمون بابك الخرمي، فغلب