- عن أبي نصر -عصمة بن أبي عصمة- قال: حدثنا ابن الخالقاني عن أبي حفص العطار، قال: سمعت بشر بن الحارث يقول حين أنشده أبو الرمة هذا الشعر في بشر المريسي: اكتبوا هذا الشعر وتعلموه، فهو أنفع لكم من غيره، وعلموه صبيانكم، ورأيت بشرا يعجبه هذا الشعر إذا أنشده:
أيها الناس فاستقيموا إلى ... الحق وخافوا عقوبة الرحمن
واتقوا يوم ينجلي الأمر فيه ... لكم من كرامة أو هوان
فإلى جنة الخلد فيها أم ... إلى جاحم من النيران
يوم يجمعكم الإله ليوم ... فيه شابت ذوائب الولدان
فأجيبوا عن القرآن وعما ... قلتموه يا معشر المجان
أزعمتم بأنه مخلوق فكذبتم ... ومنزل الفرقان
بل كلام الإله ليس بمخلوق ... ولا ميت مع الإنسان
كل خلق يبيد لا شك فيه ... أي خلق يبقى على الحدثان
لا تقولوا بقول بشر المريسي ... والعنوه في السر والإعلان
واستعيذوا بالله من شر بشر ... كاستعاذتكم من الشيطان
ما أراد الذي أراد سوى الشرك ... ولكن كنى عن الأوثان
بالقرآن اهتدى وضل الذي ضل ... وكل مخاصم بالقرآن
فعليكم بدينكم لا تبيعوه ... بشيء من المعيشة فان
لا على الشرك ترقدون وإن متم ... على الدين صرتم للجنان
فاقبلوا النصح من أخ بذل النصـ ... ـح لكم من ضميره واللسان (١)
стр. 1437
- قال عبد الله في السنة: حدثني بعض أصحابنا وهو محمد بن علي قال: سمعت أبي يقول: سمعت بشر بن الحارث يقول: لا تجالسوهم ولا تكلموهم، وإن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم، كيف يرجعون وأنتم تفعلون بهم هذا؟ قال: يعني الجهمية. (١)
- جاء في تلبيس إبليس عنه قال: جاء موت هذا الذي يقال له المريسي وأنا في السوق فلولا أن الموضع ليس موضع سجود لسجدت شكرا. الحمد لله الذي أماته، هكذا قولوا. (٢)
- وجاء في ذم الكلام عنه قال: لا تخالف الأئمة، فإنه ما أفلح صاحب كلام قط. (٣)
موقف السلف من أبي الهذيل العلاف المعتزلي (٢٢٧ ه ـ)
ضلاله ومخازيه:
- جاء في سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي: ورأس المعتزلة أبو الهذيل محمد بن الهذيل البصري العلاف صاحب التصانيف، الذي زعم أن نعيم الجنة وعذاب النار ينتهي، بحيث أن حركات أهل الجنة تسكن حتى لا ينطقون بكلمة، وأنكر الصفات المقدسة حتى العلم والقدرة وقال: هما الله،
стр. 1438
وأن لما يقدر الله عليه نهاية وآخرا، وأن للقدرة نهاية، لو خرجت إلى الفعل، فإن خرجت لم تقدر على خلق ذرة أصلا، وهذا كفر وإلحاد. (١)
- جاء في تاريخ بغداد عن أبي سعيد علي بن الحسن القبصري قال: قال المأمون يوما لحاجبه: من بالباب؟ قال أبو الهذيل وعبد الله بن أباض الخارجي وهشام بن الكلبي فقال: ما بقي من رؤوس جهنم أحد إلا وقد حضر. (٢)
- ثم قال الذهبي: ولم يكن أبو الهذيل بالتقي حتى لنقل أنه سكر مرة عند صديقه، فراود غلاما له فرماه بتور، فدخل في رقبته وصار كالطوق، فاحتاج إلى حداد يفكه. (٣)
- وكان أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل تلميذ واصل بن عطاء الغزال. وطال عمر أبي الهذيل وجاوز التسعين، وانقلع في سنة سبع وعشرين ومائتين. (٤)
- وفي أصول الاعتقاد: وسأل رجل أبا الهذيل العلاف المعتزلي البصري عن القرآن فقال: مخلوق، فقال له: مخلوق يموت أو يخلد؟ قال: بل يموت. قال: فمتى يموت القرآن؟ قال: إذا مات من يتلوه فهو موته. قال: فقد مات من يتلوه. وقد ذهبت الدنيا وتصرمت، وقال الله : ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ
стр. 1439
اليوم﴾ (١) فهذا القرآن وقد مات الناس؟ فقال: ما أدري وبهت. (٢)
عبد الله بن عبد الله الخراساني (زمن المعتصم)
موقفه من الجهمية:
حدثنا أبو الحسن -علي بن يحيى بن عيسى- قال: سمعت زرقان بن محمد يقول: سمعت أبا داود السجستاني يقول: لما جيء بعبد الله بن عبد الله الخراساني وأحضر للمحنة وأحمد بن حنبل محبوس، قال الخراساني: هذا الذي تدعوني إليه اعرضوه علي. قال: تقول القرآن مخلوق؟ قال: هذا الذي تدعون إليه، علمه الله ورسوله وجميع المؤمنين؟ قالوا: نعم. قال: فوسعهم السكوت عنه؟ فأطرق المعتصم مليا، ثم رفع رأسه، فقال: نعم. قال: فما وسعكم ما وسع القوم؟ قال: فقال المعتصم: أخلوا لي بيتا، فأخلي له بيت، فطرح نفسه فيه على قفاه ورفع رجليه مع الحائط وهو يقول: علمه الله، وعلمه رسوله والمؤمنون، ووسعهم السكوت عنه، وسعنا ما وسع القوم، صدق الخراساني، ما زال يقول ذلك ويردده يومه وليلته، لا يجد فيه حجة، فلما كان من الغد أمر بإحضار الجماعة ثم جلس على كرسيه وأحضر القوم، فبدأ الخراساني فأسكتهم وقطع حجتهم، فقال المعتصم: خلوا عن الخراساني، فقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، إن هذا متى يخرج على هذه السبيل يفتن العامة،
стр. 1440
ويقول: غلبت أمير المؤمنين وغلبت قضاته وشيوخه وعلماءه، وقهرته وأدحضت حجته، فقال: صدقت يا أحمد. ثم قال: جروا برجله، فجروا برجله على وجهه إلى البيت الذي فيه أحمد بن حنبل، فتعلقت الرزة بغلصمته، فقال: اجذبوه فجذبوه فانقطع رأسه، قال أحمد بن حنبل: فسمعت اللسان يقول في الرأس: غير مخلوق، ثلاث مرات، ثم سكت. قال أحمد: فكان ذلك مما بصرني في أمري، وشجع به قلبي. (١)
المعتصم (٢٢٧ ه ـ)
الخليفة أبو إسحاق محمد بن الرشيد هارون بن محمد المهدي بن المنصور العباسي. امتحن الناس بخلق القرآن، وكتب بذلك إلى الأمصار، ودام ذلك حتى أزاله المتوكل بعد أربعة عشر عاما.
موقفه من المشركين:
- قال الرياشي: كتب طاغية الروم إلى المعتصم يتهدده، فأمر بجوابه، فلما عرض عليه رماه، وقال للكاتب: اكتب: أما بعد، فقد قرأت كتابك، وسمعت خطابك، والجواب ما ترى لا ما تسمع ﴿وسيعلم الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدار﴾ (٢). (٣)
- جاء في فتح الباري: ثم خرج في أيام المأمون بابك الخرمي، فغلب
стр. 1441
على بلاد الجبل، وقتل في المسلمين وهزم الجيوش إلى أن ظفر به المعتصم فصلبه. (١)
- وفي البداية والنهاية: وفيها -أي سنة عشرين ومائتين من الهجرة- عقد المعتصم للأفشين واسمه حيضر بن كاوس على جيش عظيم لقتال بابك الخرمي لعنه الله، وكان قد استفحل أمره جدا وقويت شوكته وانتشرت أتباعه في أذربيجان وما والاها، وكان أول ظهوره في سنة إحدى ومائتين، وكان زنديقا كبيرا وشيطانا رجيما، فسار الأفشين وقد أحكم صناعة الحرب في الأرصاد وعمارة الحصون وإرصاد المدد، وأرسل إليه المعتصم مع بغا الكبير أموالا جزيلة، إلى أن قال الحافظ ابن كثير:
وقد أمر المعتصم ابنه هارون الواثق أن يتلقى الأفشين، وكانت أخباره تفد إلى المعتصم في كل يوم من شدة اعتناء المعتصم بأمر بابك، وقد ركب المعتصم قبل وصول بابك بيومين على البريد، حتى دخل إلى بابك وهو لا يعرفه، فنظر إليه ثم رجع فلما كان يوم دخوله عليه تأهب المعتصم واصطف الناس سماطين، وأمر بابك أن يركب على فيل ليشهر أمره ويعرفوه وعليه قباء ديباج وقلنسوة سمور مدورة وقد هيأوا الفيل وخضبوا أطرافه ... إلى أن قال: ولما أحضر بين يدي المعتصم أمر بقطع يديه ورجليه وجز رأسه وشق بطنه، ثم أمر بحمل رأسه إلى خراسان وصلب جثته على خشبة بسامرا، وكان بابك قد شرب الخمر ليلة قتله ... وكان هذا الملعون قد قتل من المسلمين في مدة ظهوره -وهي عشرون سنة- مائتي ألف وخمسة وخمسين
стр. 1442
ألفا وخمسمائة إنسان، قاله ابن جرير. وأسر خلقا لا يحصون، وكان جملة من استنقذه الأفشين من أسره، نحوا من سبعة آلاف وستمائة إنسان ... وكان أصل بابك من جارية زرية الشكل جدا، فآل به الحال إلى ما آل به إليه، ثم أراح الله المسلمين من شره بعد ما افتتن به خلق كثير وجم غفير من العوام الطغام. (١)
موقفه من الرافضة:
جاء في السير: وفتح مصر -يعني قهر أهلها- قبل خلافته. وقتل ثمانية: بابك، والأفشين، ومازيار، وباطيس، ورئيس الزنادقة، وعجيفا، وقارون، وأمير الرافضة. (٢)
موقفه من القدرية:
- جاء في الكفاية بالسند إلى الفضل بن مروان قال: كان المعتصم يختلف إلى علي بن عاصم المحدث وكنت أمضي معه إليه، فقال يوما: حدثنا عمرو بن عبيد وكان قدريا. فقال له المعتصم: يا أبا الحسن أما تروي أن القدرية مجوس هذه الأمة؟ (٣) قال: بلى. قال فلم تروي عنه؟ قال: لأنه ثقة في الحديث صدوق. قال: فإن كان المجوسي ثقة فما تقول أتروي عنه؟ فقال له علي: أنت شغاب يا أبا إسحاق.
قال الخطيب معلقا: وهذا الاعتراض المذكور في الخبر لازم، ولا خلاف
стр. 1443
أن الفاسق بفعله لا يقبل قوله في أمور الدين مع كونه مؤمنا عندنا، فبأن لا يقبل قول من يحكم بكفره من المعتزلة وغيرهم أولى. (١)
علي بن عَثَّام (٢) (٢٢٨ هـ)
علي بن عثام بن علي الإمام الحافظ القدوة شيخ الإسلام أبو الحسن الكِلاَبِي العَامِرِي الكوفي نزيل نيسابور. سمع أحمد بن حنبل وحماد بن زيد وابن عيينة وابن المبارك وخلقا سواهم. حدث عنه الذهلي وأبو حاتم الرازي وأحمد بن سعيد الدارمي وسلمة بن شبيب وعدة. قال عنه الحاكم: أديب فقيه، حافظ زاهد، واحد عصره. قال ابن حجر: ثقة فاضل. من أقواله: إن طريق البر سهل وإن طريق القطيعة وعر.
توفي سنة ثمان وعشرين ومائتين.
موقفه من المبتدعة:
جاء في ذم الكلام عن محمد بن عبد الوهاب قال: قلت لعلي بن عثام: رجل يقول: ليس في حديث رسول الله ﷺ فقه، فقال: هذا فاجر، فأين الفقه وأين الخير إلا فيه. (٣)
стр. 1444
" التعليق:
إلى هذا الحد وصلت الوقاحة بالمبتدعة، وقد تبنى هذه الفكرة النجسة علماء الكلام فيما بعد، ودافعوا عنها، وقالوا الحجة في المعقول لا في المنقول، وكذلك الصوفية قالوا: لا حجة في القشور وإنما الحجة في التلقي بطريق الكشف، والله المستعان.
عبد الملك بن عبد العزيز القُشَيْرِي (١) (٢٢٨ هـ)
عبد الملك بن عبد العزيز بن ذكوان، الإمام الثقة، الزاهد القدوة، القشيري، نزيل بغداد، أبو نَصْر التَّمَّار. ولد عام مقتل أبي مسلم الخراساني. روى عن جرير بن حازم، وسعيد بن عبد العزيز، وحماد بن سلمة، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأحمد بن منيع، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو يعلى الموصلي، وخلق سواهم. قال ابن سعد: وكان ثقة فاضلا خيرا ورعا. توفي في أول يوم من المحرم سنة ثمان وعشرين ومائتين وهو ابن إحدى وتسعين سنة وقد ذهب بصره.
موقفه من الجهمية:
عن أبي يوسف -حكيم التمار- وكان صديقا لأبي نصر التمار، قال: لما أدخل أبو نصر -يعني دار إسحاق بن إبراهيم للمحنة قعدنا على الباب ننظر ما يكون من أمره، فخرج، فقلت: ما صنعت يا أبا نصر؟ فقال: يا أبا
стр. 1445
يوسف دخلنا كفرنا، وخرجنا. (١)
نُعَيْم بن حَمَّاد الخُزَاعِي (٢) (٢٢٨ هـ)
نعيم بن حماد بن الحارث بن هَمَّام الإمام العلامة الحافظ أبو عبد الله الخزاعي المَرْوَزِي الفَرَضِي الأعور صاحب التصانيف سكن مصر. حدث عن ابن المبارك وهشيم بن بشير وعبد الله بن وهب وعبد الله بن إدريس وابن عيينة وعدة. روى عنه البخاري مقرونا وأبو داود ويحيى بن معين والذهلي وعبد الله ابن عبد الرحمن الدارمي وطائفة. قال فيه ابن حجر: صدوق يخطئ كثيرا، فقيه عارف بالفرائض. وقد قال ابن عدي -بعد ما ساق له بعض المناكير-: وقد كان أحد من يتصلب في السنة، ومات في محنة القرآن في الحبس، وعامة ما أنكر عليه هو ما ذكرته، وأرجو أن يكون باقي حديثه مستقيما. توفي سنة ثمان وعشرين ومائتين.
موقفه من المبتدعة:
- روى محمد بن يزيد المستملي عن نعيم بن حماد قال: إذا رأيت العراقي يتكلم في أحمد فاتهمه في دينه، وإذا رأيت الخراساني يتكلم في إسحاق فاتهمه، وإذا رأيت البصري يتكلم في وهب بن جرير فاتهمه في دينه. (٣)
стр. 1446
" التعليق:
هذه قاعدة جليلة مطردة في كشف أهل الأهواء والبدع إذ من أظهر آياتهم الوقيعة في السلفيين أهل الحديث والأثر على مر الأزمان.
- عن أبي حاتم قال: سمعت نعيم بن حماد يقول: من ترك حديثا معروفا فلم يعمل به، وأراد له علة أن يطرحه، فهو مبتدع. (١)
- وفي صيانة الإنسان: قال نعيم بن حماد: إذا فسدت الجماعة فعليك ما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد، وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة حينئذ. (٢)
موقفه من الجهمية:
- له مواقف مشرفة ضد المبتدعة عموما والجهمية خصوصا، ويكفي أنه بذل نفسه في سبيل الله فمات في المحنة.
- جاء في كتاب الكامل لابن عدي ما لفظه:
قال الشيخ: وكان ممن يتصلب في السنة ومات في محنة القرآن في الحبس. (٣)
- وفيه قال ابن عدي: حدثنا أحمد بن عيسى بن محمد المروزي إجازة مشافهة، حدثنا ابن أبي مصعب قال نعيم بن حماد الفارض: منزله على الماء
стр. 1447
جار في السكة التي تنسب إلى أبي حمزة السكري، وضع كتب الرد على أبي حنيفة، وناقض محمد بن الحسن ووضع ثلاثة عشر كتابا في الرد على الجهمية. (١)
- روى الخطيب بسنده إلى أبي بكر الطرسوسي يقول: أخذ نعيم بن حماد في أيام المحنة سنة ثلاث وعشرين أو أربع وعشرين، وألقوه في السجن ومات في سنة سبع وعشرين، وأوصى أن يدفن في قيوده وقال إني مخاصم. (٢)
- وفي طبقات ابن سعد: وكان من أهل خراسان من أهل مرو، وطلب الحديث طلبا كثيرا بالعراق والحجاز، ثم نزل مصر، فلم يزل بها حتى أشخص منها في خلافة أبي إسحاق بن هارون فسئل عن القرآن فأبى أن يجيب فيه بشيء مما أرادوه عليه، فحبس بسامرا، فلم يزل محبوسا بها حتى مات في السجن في سنة ثمان وعشرين ومائتين. (٣)
- وقال ابن القيم في اجتماع الجيوش الاسلامية: قول نعيم بن حماد الخزاعي أحد شيوخ النبل، شيخ البخاري رحمهما الله تعالى، قال في قوله ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ (٤): معناه لا يخفى عليه خافية بعلمه، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثَلَاثَةٍ إِلًّا هُوَ رابعهم﴾ (٥) أراد أن لا يخفى عليه
стр. 1448
خافية.
- قال البخاري سمعته يقول: من شبه الله تعالى بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله تعالى به نفسه ولا رسوله ﷺ تشبيها. (١)
" التعليق:
وهل في الإثبات أصرح من هذا يا من اتهم السلف بأنهم كانوا مفوضة؟ ولكن الهوى لا يترك للمبتدعة مجالا يراجعون أنفسهم، حتى يعرفوا هل السلف مفوضة أو مثبتة أو كما يقولون هم: مشبهة، فإذا لم يكن الإثبات، فلا معنى للنصوص ولا لإنزالها، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
- وفي أصول الاعتقاد عنه قال: حق على كل مؤمن أن يؤمن بجميع ما وصف الله به نفسه، ويترك التفكير في الرب ﵎، ويتبع حديث النبي ﷺ أنه قال: "تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق" (٢) قال نعيم: ليس كمثله شيء ولا يشبهه شيء من الأشياء. (٣)
- وكان نعيم بن حماد يكفر القائلين بخلق القرآن كما في السنة لعبد الله. (٤)
- عن زكريا بن يحيى بن حمدويه الحلواني قال: سمعت رفيق نعيم بن
стр. 1449
حماد يقول: لما صرنا إلى العراق وحبس نعيم بن حماد، دخل عليه رجل في السجن من هؤلاء فقال لنعيم: أليس الله قال: ﴿لا تدركه الْأَبْصَارُ وَهُوَ يدرك الْأَبْصَارَ﴾ (١) فقال نعيم: بلى ذاك في الدنيا. قال: وما دليلك؟ فقال نعيم: إن الله هو البقاء، وخلق الخلق للفناء، فلا يستطيعون أن ينظروا بأبصار الفناء إلى البقاء، فإذا جدد لهم خلق البقاء فنظروا بأبصار البقاء إلى البقاء. (٢)
- قال الذهبي: وكان شديدا على الجهمية، أخذ ذلك عن نوح الجامع، وكان كاتبه. قال صالح بن مسمار: سمعت نعيما يقول: أنا كنت جهميا، فلذلك عرفت كلامهم، فلما طلبت الحديث عرفت أن أمرهم يرجع إلى التعطيل. قال الخطيب: يقال إن نعيم بن حماد أول من جمع المسند. وقال الحسين بن حبان: سمعت يحيى بن معين يقول: نعيم بن حماد أول من سمع صدوق وأنا أعرف الناس به، وكان رفيقي بالبصرة، كتب عن روح بن عبادة خمسين ألف حديث. وكذا وثقه أحمد. وروى إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: ثقة. وقال أحمد العجلي: ثقة صدوق. وقال العباس بن مصعب في تاريخه: نعيم بن حماد وضع كتبا في الرد على الجهمية وكان من أعلم الناس بالفرائض، ثم خرج إلى مصر فأقام بها نيفا وأربعين سنة. ثم حمل إلى العراق في امتحان القرآن مع البويطي مقيدين، فمات نعيم بن حماد بسر من رأى. (٣)
قال الحافظ في الفتح: قال ابن أبي حاتم في كتاب 'الرد على الجهمية'
стр. 1450
وجدت في كتاب أبي عمر نعيم بن حماد قال: يقال للجهمية أخبرونا عن قول الله تعالى بعد فناء خلقه: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ اليوم﴾ (١) فلا يجيبه أحد فيرد على نفسه ﴿لِلَّهِ الواحد القهار﴾ وذلك بعد انقطاع ألفاظ خلقه بموتهم، أفهذا مخلوق؟. (٢)
- وقال أيضا: قال ابن أبي حاتم في كتاب 'الرد على الجهمية' ذكر نعيم بن حماد أن الجهمية قالوا: إن أسماء الله مخلوقة، لأن الاسم غير المسمى، وادعوا أن الله كان ولا وجود لهذه الأسماء، ثم خلقها، ثم تسمى بها، قال فقلنا لهم: إن الله قال: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ (٣) وقال: ﴿ذلكم الله ربكم فاعبدوه﴾ (٤) فأخبر أنه المعبود ودل كلامه على اسمه بما دل به على نفسه، فمن زعم أن اسم الله مخلوق فقد زعم أن الله أمر نبيه أن يسبح مخلوقا. (٥)
- وقال أيضا: احتج بعض المبتدعة بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٦) على أن القرآن مخلوق لأنه شيء، وتعقب ذلك نعيم بن حماد
стр. 1451
وغيره من أهل الحديث بأن القرآن كلام الله وهو صفته فكما أن الله لم يدخل في عموم قوله: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ اتفاقا فكذلك صفاته، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿ويحذركم اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (١) مع قوله تعالى: ﴿كل نَفْسٍ ذائقة الْمَوْتِ﴾ (٢) فكما لم تدخل نفس الله في هذا العموم اتفاقا فكذا لا يدخل القرآن. (٣)
- وقال شيخ الإسلام: وكذلك من دخل مع أهل البدع والفجور ثم بين الله له الحق وتاب عليه توبة نصوحا، ورزقه الجهاد في سبيل الله، فقد يكون بيانه لحالهم وهجره لمساويهم، وجهاده لهم أعظم من غيره، قال نعيم بن حماد الخزاعي -وكان شديدا على الجهمية- أنا شديد عليهم، لأني كنت منهم. وقد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) نزلت هذه الآية في طائفة من الصحابة كان المشركون فتنوهم عن دينهم ثم تاب الله عليهم، فهاجروا إلى الله ورسوله، وجاهدوا وصبروا. (٥)
стр. 1452
خلف بن هشام (١) (٢٢٩ هـ)
خَلَف بن هشام بن ثَعْلَب وقيل خلف بن هشام بن طالب بن غالب الإمام الحافظ الحجة شيخ الإسلام أبو محمد البغدادي البزار المقرئ أحد الأعلام. له اختيار أقرأ به وخالف فيه حمزة. قرأ على سليم عن حمزة، وعلى أبي يوسف لعاصم، وأخذ حرف نافع عن إسحاق المسيبي وقراءة أبي بكر عن يحيى بن آدم. قرأ عليه أحمد بن يزيد الحلواني وأحمد بن إبراهيم وراقة، ومحمد بن يحيى الكسائي الصغير وإدريس بن عبد الكريم الحداد وخلق سواهم. روى عن مالك بن أنس وحماد بن زيد وأبي الأحوص سلام بن سليم وشريك وهشيم بن بشير وأبي عوانة وطائفة. روى عنه مسلم وأبو داود وإبراهيم الحربي وأحمد بن حنبل وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان وأبو يعلى الموصلي وعدة. قال الدارقطني: كان عابدا فاضلا. وقال الحسين بن فهم: ما رأيت أنبل من خلف بن هشام كان يبدأ بأهل القرآن، ثم لا يأذن لأصحاب الحديث، وكان يقرأ من حديث أبي عوانة خمسين حديثا. توفي سنة تسع وعشرين ومائتين.
موقفه من الجهمية:
جاء في أصول الاعتقاد عن خلف بن هشام فيمن قال: الاسم غير المسمى، وهو ينكر ذلك أشد النكرة ويقول: لو أن رجلا شتم رجلا على قول من قال هذه المقالة لم يلزمه شيء، يقول إنما شتمت الاسم.
стр. 1453
ولو أن رجلا حلف بالله على مال رجل لم يلزمه في كلامه حنث على قول من قال هذه المقالة، ويقول: إنما حلفت بالاسم فلم أحلف بالمسمى.
ورأيت يدور أمر الإسلام على هذا الاسم، قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" (١) أرأيت الوضوء حين يبدأ فيه الإنسان، يقول: بسم الله، فإذا فرغ قال: سبحانك اللهم. ورأيت الأذان أوله: الله أكبر، ولا يزال يردد أشهد أن لا إله إلا الله، ثم رأيت الصلاة حين يفتتح بقوله الله أكبر ولا يزال في ذلك حتى يختم بقوله: السلام عليكم ورحمة الله. فأولها وآخرها الله. ورأيت الحج؟ لبيك اللهم لبيك. ورأيت الذبيحة بسم الله، ورأيت أمر الإسلام يدور على هذا الاسم، فمن زعم أن أسماء الله مخلوقة فهو كافر، وكفره عندي أوضح من هذه الشمس. (٢)
عبد الله بن محمد الجُعْفِي المُسْنَدِي (٣) (٢٢٩ هـ)
عبد الله بن محمد بن عبد الله الإمام الحافظ المُجَوِّد شيخ ما وراء النهر أبو جعفر الجعفي مولاهم البخاري المعروف بالمسندي لكثرة اعتنائه بالأحاديث المسندة. روى عن ابن عيينة وحفص بن غياث والقعنبي وعبد الرزاق الصنعاني وعبد الرحمن بن مهدي ومعتمر بن سليمان ووكيع
стр. 1454
وعدة. روى عنه البخاري والذهلي وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان ومحمد بن نصر المروزي وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وطائفة. قال الحاكم: هو إمام الحديث في عصره بما وراء النهر بلا مدافعة، وهو أستاذ البخاري. قال الذهبي: وقد أسلم جد البخاري على يدي يمان جد المسندي. توفي سنة تسع وعشرين ومائتين.
موقفه من الجهمية:
له كتاب 'الصفات والرد على الجهمية' ذكره شيخ الاسلام في أوائل الكتب التي ألفت في هذا الباب. (١)
أحمد بن شَبُّويَه (٢) (٢٣٠ هـ)
أحمد بن محمد بن ثابت بن عثمان الإمام القدوة المحدث شيخ الإسلام أبو الحسن الخزاعي المروزي الحافظ ابن شبويه. سمع ابن عيينة وابن المبارك وعبد الرزاق الصنعاني وابن علية ووكيعا وابن أبي أويس وعدة. حدث عنه أبو داود وأبو زرعة الدمشقي والذهلي وابنه ثابت وابن أبي خيثمة وابن معين وآخرون. قال النسائي: ثقة. توفي سنة ثلاثين ومائتين.
موقفه من المبتدعة:
جاء في السير عنه قال: من أراد علم القبر فعليه بالأثر، ومن أراد علم
стр. 1455
الخبز فعليه بالرأي. (١)
موقفه من الجهمية:
قال عبد الله في السنة: حدثنا ابن شبويه سمعت أبي يقول: من قال شيء من الله مخلوق، علمه أو كلامه، فهو زنديق كافر لا يصلى عليه ولا يصلى خلفه، ويجعل ماله كمال المرتد. ويذهب في مال المرتد إلى مذهب أهل المدينة أنه في بيت المال. (٢)
زكريا بن يحيى بن صالح (٣) (٢٣٠ هـ)
زكريا بن يحيى بن صالح أبو يحيى البلخي. روى عن أبي مطيع الحكم ابن عبد الله البلخي، والحكم بن المبارك، وخلف بن أيوب. حدث عنه البخاري، وأحمد بن سيار المروزي، وجعفر بن محمد بن الحسن. قال قتيبة بن سعيد: فتيان خراسان أربعة. وذكر منهم زكريا بن يحيى. توفي سنة ثلاثين ومائتين.
موقفه من المبتدعة:
قال ابن حبان: كان ثقة صاحب سنة وفضل وممن يرد على أهل البدع، وهو مصنف كتاب الإيمان. (٤)
стр. 1456
الأمير عبد الله بن طاهر (١) (٢٣٠ هـ)
الأمير العادل عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب، أبو العباس الخزاعي، حاكم خراسان وما وراء النهر. ولد سنة اثنتين وثمانين ومائة، وتأدب وتفقه وسمع من وكيع ويحيى بن الضريس والمأمون، روى عنه إسحاق ابن راهويه ونصر بن زياد القاضي وأحمد بن سعيد الرباطي وآخرون.
قلده المأمون مصر والمغرب ثم خراسان، وكان أحد الأجواد الممدحين والسمحاء المذكورين. قال ابن خلكان: كان ابن طاهر شهما نبيلا، عالي الهمة. وعن سهل بن ميسرة أن جيران دار عبد الله بن طاهر أمر بإحصائهم، فبلغوا أربعة آلاف نفس، فكان يقوم بمؤنتهم وكسوتهم، فلما خرج إلى خراسان، انقطعت الرواتب من المؤنة، وبقيت الكسوة مدة حياته.
وعن محمد بن الفضل أن ابن طاهر لما افتتح مصر ونحن معه، سوغه المأمون خراجها، فصعد المنبر، فلم ينزل حتى أجاز بها كلها، وهي ثلاثة آلاف ألف دينار أو نحوها. قال الذهبي: كان ابن طاهر عادلا في الرعية، عظيم الهيبة، حسن المذهب. توفي ﵀ بمرو في ربيع الأول سنة ثلاثين ومائتين، وله ثمان وأربعون سنة.
موقفه من المرجئة:
عن أحمد بن سعيد الرباطي قال: قال لي عبد الله بن طاهر، يا أحمد إنكم تبغضون هؤلاء القوم جهلا، وأنا أبغضهم عن معرفة، إن أول أمرهم
стр. 1457
أنهم لا يرون للسلطان طاعة.
والثاني أنه ليس للإيمان عندهم قدر، والله لا أستجيز أن أقول: إيماني كإيمان يحيى بن يحيى، ولا كإيمان أحمد بن حنبل، وهم يقولون: إيماننا كإيمان جبريل وميكائيل. (١)
محمد بن زياد بن الأعرابي (٢) (٢٣١ هـ)
محمد بن زياد، أبو عبد الله مولى بني هاشم، المعروف بابن الأعرابي. ولد بالكوفة سنة خمسين ومائة. أخذ عن أبي معاوية الضرير، والمفضل الضبي، والقاسم بن معن، والكسائي. وأخذ عنه إبراهيم الحربي، وعثمان الدارمي، وثعلب، وآخرون. قال ثعلب: لزمت ابن الأعرابي تسع عشرة سنة، وكان يحضر مجلسه زهاء مائة إنسان، وما رأيت بيده كتابا قط، انتهى إليه علم اللغة والحفظ. وقال الأزهري: ابن الأعرابي صالح، زاهد ورع صدوق، حفظ مالم يحفظه غيره. وقال الذهبي: له مصنفات كثيرة أدبية، وتاريخ القبائل، وكان صاحب سنة واتباع. توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
موقفه من الجهمية:
- جاء في أصول الاعتقاد: عن أبي عبد الله نفطويه قال: سمعت أحمد بن عمارة بن خالد قال: سمعت ابن الأعرابي يقول: ما رأيت قوما أكذب على
стр. 1458
اللغة من قوم يزعمون: أن القرآن مخلوق. (١)
- وفيه: عن أبي عبد الله نفطويه قال: حدثني أبو سليمان داود بن علي قال: كنا عند ابن الأعرابي فأتاه رجل فقال له: ما معنى قول الله : ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٢)؟ فقال: هو على عرشه كما أخبر . فقال: يا أبا عبد الله ليس هذا معناه إنما معناه: استولى. قال: اسكت، ما أنت وهذا؟ لا يقال: استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاد، فإذا غلب أحدهما قيل: استولى أما سمعت النابغة:
ألا لمثلك أو من أنت سابقه ... سبق الجواد إذا استولى على الأمد (٣)
- وفيه: عن أبي بكر محمد بن أحمد بن النضر -وهو ابن بنت معاوية ابن عمرو- وقال: كان أبو عبد الله بن الأعرابي جارنا، وكان ليله أحسن ليل، وذكر لنا أن ابن أبي دؤاد سأله: أتعرف في اللغة استوى بمعنى: استولى؟ فقال: لا أعرف. (٤)
- ونقل الحافظ عن أبي إسماعيل في كتاب الفارق عن محمد بن أحمد ابن النضر الأزدي سمعت ابن الأعرابي يقول: أرادني أحمد بن أبي دؤاد أن أجد له في لغة العرب ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ بمعنى استولى
стр. 1459
فقلت: والله ما أصبت هذا. (١)
البويطي (٢) (٢٣١ هـ)
يوسف بن يحيى الإمام العلامة سيد الفقهاء أبو يعقوب المصري البويطي صاحب الإمام الشافعي. حدث عن ابن وهب والشافعي وغيرهما. حدث عنه الربيع المرادي وإبراهيم بن إسحاق الحربي وأبو حاتم الرازي ومحمد بن إسماعيل الترمذي وعدة. قال عنه أبو عمر بن عبد البر: كان من أهل الدين والعلم والفهم والثقة، صليبا في السنة، يرد على أهل البدع، وكان حسن النظر. وقال أبو بكر الخطيب: قد حمل إلى بغداد في أيام المحنة وأريد على القول بخلق القرآن فامتنع من الإجابة إلى ذلك، فحبس ببغداد، ولم يزل في الحبس إلى حين وفاته، وكان صالحا، متعبدا، زاهدا. توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
موقفه من الجهمية:
- عن أبي نعيم الاستراباذي قال: قيل للربيع سمعت البويطي يقول: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر. قيل له -يعني الربيع- تقول به؟ قال: نعم
стр. 1460
أقول وأدين الله به. (١)
- جاء في تاريخ الخطيب بالسند إلى الربيع بن سليمان قال: رأيت البويطي على بغل في عنقه غل، وفي رجله قيد، وبين الغل والقيد سلسلة حديد فيها طوبة وزنها أربعون رطلا، وهو يقول: إنما خلق الله الخلق بكن، فإذا كانت كن مخلوقة فكانت مخلوقا خلق مخلوقا، فوالله لأموتن في حديدي هذا حتى يأتي من بعدي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم، ولئن أدخلت إليه لأصدقنه -يعني الواثق- قال الربيع: وكتب إلي من السجن أنه لا يأتي علي أوقات ما أحس بالحديد أنه على بدني حتى تمسه يدي، فإذ قرأت كتابي هذا فأحسن خلقك مع أهل حلقتك واستوص بالغرباء خاصة خيرا فكثيرا ما كنت أسمع الشافعي يتمثل بهذا البيت:
أهين لهم نفسي لكي يكرمونها ... ولا تكرم النفس التي لا تهينها (٢)
" التعليق:
ألا تجهش بالبكاء حين تقرأ مثل هذه المواقف، وتنظر إلى سلفك كيف كانوا يفدون عقيدتهم بأنفسهم، ويصبرون على الذلة الظاهرة، وهي العزة الباطنة، هكذا ينبغي أن يكون الرجال، فرحمة الله عليك يا إمام الفقه في وقتك، لقد جاء من بعدك وعلم أنك استشهدت في هذا الشأن، وكنت له قدوة يقتدى بك، فشهادة العقيدة السلفية لا تعدلها شهادة، اللهم ارزقنا شهادة في سبيلك.
стр. 1461
أحمد بن نَصْر الخُزَاعِي (١) (٢٣١ هـ)
أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الإمام الكبير أبو عبد الله الخزاعي المروزي ثم البغدادي. كان أمارا بالمعروف، قوالا بالحق. روى عن مالك بن أنس وحماد بن زيد وهشيم بن بشير وابن عيينة وغيرهم. روى عنه أحمد الدورقي وسلمة بن شبيب ويحيى بن معين وعدة. قتله الواثق سنة إحدى وثلاثين ومائتين لما أبى أن يجيبه إلى القول بخلق القرآن.
موقفه من الجهمية:
قال ابن كثير في البداية: فجمع -أي نائب السلطنة محمد بن إبراهيم بن مصعب- جماعة من رؤوس أصحاب أحمد بن نصر معه وأرسل بهم إلى الخليفة بسر من رأى، وذلك في آخر شعبان، فأحضر له جماعة من الأعيان، وحضر القاضي أحمد بن أبي دؤاد المعتزلي، وأحضر أحمد بن نصر، ولم يظهر منه على أحمد بن نصر عتب، فلما أوقف أحمد بن نصر بين يدي الواثق لم يعاتبه على شيء مما كان منه في مبايعته العوام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيره، بل أعرض عن ذلك كله وقال له: ما تقول في القرآن؟ فقال: هو كلام الله. قال: أمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله. وكان أحمد بن نصر قد استقتل وباع نفسه وحضر وقد تحنط وتنور وشد على عورته ما
стр. 1462
يسترها فقال له، فما تقول في ربك، أتراه يوم القيامة؟ فقال: يا أمير المؤمنين قد جاء القرآن والأخبار بذلك، قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١) وقال رسول الله ﷺ : "إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته" (٢). فنحن على الخبر. زاد الخطيب، قال الواثق: ويحك أيرى كما يرى المحدود المتجسم؟ ويحويه مكان يحصره الناظر؟ أنا أكفر برب هذه صفته.
قلت -أي ابن كثير-: وما قاله الواثق لا يجوز ولا يلزم ولا يرد به هذا الخبر الصحيح والله أعلم. ثم قال أحمد بن نصر للواثق: وحدثني سفيان بحديث يرفعه "إن قلب ابن آدم بأصبعين من أصابع الله يقلبه كيف شاء" (٣) وكان النبي ﷺ يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" (٤) فقال له إسحاق بن إبراهيم: ويحك، انظر ما تقول. فقال: أنت أمرتني بذلك. فأشفق إسحاق من ذلك وقال: أنا أمرتك؟ قال: نعم، أنت أمرتني أن أنصح له. فقال الواثق لمن حوله: ما تقولون في هذا الرجل؟ فأكثروا القول فيه. فقال عبد الرحمن بن إسحاق -وكان قاضيا على الجانب الغربي فعزل، وكان موادا لأحمد بن نصر قبل ذلك- يا أمير المؤمنين هو حلال الدم. وقال أبو عبد الله الأرمني صاحب أحمد بن أبي دؤاد: اسقني دمه يا أمير المؤمنين. فقال الواثق:
стр. 1463
لا بد أن يأتي ما تريد. وقال ابن أبي دؤاد: هو كافر يستتاب لعل به عاهة أو نقص عقل. فقال الواثق: إذا رأيتموني قمت إليه فلا يقومن أحد معي، فإني أحتسب خطاي. ثم نهض إليه بالصمصامة -وقد كان سيفا لعمرو بن معد يكرب الزبيدي أهديت لموسى الهادي في أيام خلافته وكانت صفيحة مسحورة في أسفلها مسمورة بمسامير- فلما انتهى إليه ضربه بها على عاتقه وهو مربوط بحبل قد أوقف على نطع، ثم ضربه أخرى على رأسه ثم طعنه بالصمصامة في بطنه فسقط صريعا ﵀ على النطع، ميتا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ﵀ وعفا عنه.
ثم انتضى سيما الدمشقي سيفه فضرب عنقه وحز رأسه، وحمل معترضا حتى أتى به الحظيرة التي فيها بابك الخرمي فصلب فيها، وفي رجله زوج قيود وعليه سراويل وقميص، وحمل رأسه إلى بغداد فنصب في الجانب الشرقي أياما، وفي الغربي أياما، وعنده الحرس في الليل والنهار، وفي أذنه رقعة مكتوب فيها: هذا رأس الكافر المشرك الضال أحمد بن نصر الخزاعي، ممن قتل على يدي عبد الله هارون الإمام الواثق بالله أمير المؤمنين بعد أن أقام عليه الحجة في خلق القرآن، ونفي التشبيه وعرض عليه التوبة ومكنه من الرجوع إلى الحق فأبى إلا المعاندة والتصريح، فالحمد لله الذي عجله إلى ناره وأليم عقابه بالكفر، فاستحل بذلك أمير المؤمنين دمه ولعنه. ثم أمر الواثق بتتبع رؤوس أصحابه فأخذ نحوا من تسع وعشرين رجلا فأودعوا في السجون وسموا الظلمة، ومنعوا أن يزورهم أحد وقيدوا بالحديد، ولم يجر عليهم شيء من الأرزاق التي كانت تجري على المحبوسين وهذا ظلم
стр. 1464
عظيم. (١)
" التعليق:
لقد بلغ الواثق من الوقاحة على الله وعلى رسوله ﷺ مبلغا ما كان يظن أن يبلغه خليفة من خلفاء المسلمين. ولكن زين لهم الشيطان أعمالهم فسول لهم وأملى لهم.
هارون بن معروف (٢) (٢٣١ هـ)
هارون بن معروف الإمام القدوة الثقة أبو علي المروزي ثم البغدادي الخزاز ثم الضرير. حدث عن عبد الله بن وهب وعبد الله بن يزيد المقرئ والدراوردي وهشيم بن بشير ومعتمر بن سليمان وأبي بكر بن عياش وطائفة. حدث عنه مسلم وأبو داود وأحمد بن حنبل وابن أبي خيثمة وعدة. قال الذهبي: كان صدوقا فاضلا، صاحب سنة.
توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
موقفه من الرافضة:
قال عبد الملك الميموني سمعت هارون بن معروف يقول: ما بيننا وبين أصحاب محمد ﵇ إلا خير، قاتلوا على دين الله ما ينبغي
стр. 1465
ها هنا إلا الشكر لله ، ثم لمحمد ﷺ ، ثم لأصحابه ﵃. (١)
موقفه من الجهمية:
- جاء في السير عن هارون الحمال: سمعت هارون بن معروف يقول: من زعم أن القرآن مخلوق، فكأنما عبد اللات والعزى. (٢)
- وروى عبد الله بن أحمد في السنة عنه قال: من زعم أن الله لا يتكلم فهو يعبد الأصنام. (٣)
- وفيها عن هارون بن عبد الله الحمال قال: قال هارون بن معروف: من قال القرآن مخلوق فهو يعبد صنما، ثم قال لي: احك هذا عني. (٤)
يوسف بن عدي التيمي (٥) (٢٣٢ هـ)
يوسف بن عَدِي بن زُرَيْق بن إسماعيل، الإمام الحافظ، أبو يعقوب التيمي الكوفي، أخو زكريا بن عدي. روى عن إسماعيل بن عياش وشريك ومالك بن أنس وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وعبد الله بن المبارك، وعدة. وروى عنه البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم، وخلق كثير.
стр. 1466
قال أبو زرعة: ثقة، ذهب إلى مصر للتجارة، فسكنها، ثم توفي بها سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.
موقفه من الجهمية:
قال ابن وضاح: وسألت يوسف بن عدي عن النزول؟ فقال نعم: أقر به ولا أحد حدا، وسألت عنه ابن معين فقال: نعم أقر به ولا أحد فيه حدّا. (١)
موقف السلف من النظام المعتزلي (٢٣٢ ه ـ)
ضلاله ومخازيه:
- قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: شيخ المعتزلة، صاحب التصانيف، أبو إسحاق إبراهيم بن سيار مولى آل الحارث بن عباد الضبعي البصري المتكلم. تكلم في القدر وانفرد بمسائل، وهو شيخ الجاحظ.
وكان يقول: (إن الله لا يقدر على الظلم ولا الشر، ولو كان قادرا لكنا لا نأمن وقع ذلك، وإن الناس يقدرون على الظلم)، وصرح بأن الله لا يقدر على إخراج أحد من جهنم، وأنه ليس يقدر على أصلح مما خلق.
قال الذهبي رادا عليه: (القرآن والعقل الصحيح يكذبان هؤلاء ويزجرانهم عن القول بلا علم، ولم يكن النظام ممن نفعه العلم والفهم وقد كفره جماعة.
стр. 1467
وقال بعضهم: كان النظام على دين البراهمة المنكرين للنبوة والبعث ويخفي ذلك ... ورد أنه سقط من غرفة وهو سكران، فمات في خلافة المعتصم أو الواثق). (١)
العباس بن موسى بن مشكويه الهمذاني (عاش في زمن الواثق)
موقفه من الجهمية:
عن العباس بن مشكويه الهمذاني قال: أدخلت على الخليفة المتكني بالواثق أنا وجماعة من أهل العلم، فأقبل بالمسألة علي من بينهم، فقلت: يا أمير المؤمنين إني رجل مروع ولا عهد لي بكلام الخلفاء من قبلك. فقال: لا ترع ولا بأس عليك، ما تقول في القرآن؟ فقلت: كلام الله غير مخلوق، فقال: أشهد لتقولن مخلوقا أو لأضربن عنقك. قال: فقلت: إنك إن تضرب عنقي فإنك في موضع ذلك إن جرت به المقادير من عند الله، فتثبت علي يا أمير المؤمنين، فإما أن أكون عالما، فتثبت حجتي، وإما أن أكون جاهلا، فيجب عليك أن تعلمني لأنك أمير المؤمنين وخليفة الله في أرضه وابن عم نبيه. فقال: أما تقرأ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بقدر﴾ (٢)، و ﴿وخلق كُلَّ شَيْءٍ فقدره تقديرًا﴾ (٣) قلت: يا أمير المؤمنين الكلية في كتاب الله خاص أم عام؟ قال: عام. قلت: لا بل خاص، قال الله : ﴿وأوتيت مِنْ كُلِّ
стр. 1468
شَيْءٍ﴾ (١) فهل أوتيت ملك سليمان ﵇؟ فحذفني بعمود كان بين يديه ثم قال: أخرجوه فاضربوا عنقه، فأخرجت إلى قبة قريبة منه، فشد عليها كتافي، فناديت: يا أمير المؤمنين إنك ضارب عنقي، وأنا متقدمك، فاستعد للمسألة جوابا. فقال: أخرجوا الزنديق وضعوه في أضيق المحابس، فأخرجت إلى دار العامة، فإذا أنا بابن أبي دؤاد يناظر الناس على خلق القرآن، فلما نظر إلي، قال: يا خرمي، قلت: أنت والذين معك وهم شيعة الدجال. فحبسني في سجن ببغداد يقال له المطبق، فأرسل إلي جماعة من العلماء رقعة يشجعونني ويثبتونني على ما أنا عليه، فقرأت ما فيها، فإذا فيها:
عليك بالعلم واهجر كل مبتدع ... وكل غاو إلى الأهواء ميال
ولا تميلن يا هذا إلى بدع ... يضل أصحابها بالقيل والقال
إن القرآن كلام الله أنزله ... ليس القرآن بمخلوق ولا بال
لو أنه كان مخلوقا لصيره ... ريب الزمان إلى موت وإبطال
وكيف يبطل ما لا شيء يبطله ... أم كيف يبلى كلام الخالق العالي
وهل يضيف كلام الله من أحد ... إلى البلى غير ضلال وجهال
فلا تقل بالذي قالوا وإن سفهوا ... وأوثقوك بأقياد وأغلال
ألم تر العالم الصبار حيث بلي ... بالسيوط هل زال عن حال إلى حال
فاصبر على كل ما يأتي الزمان به ... فالصبر سرباله من خير سربال
يا صاحب السجن فكر فيم تحبسه (٢) ... أقاتل هو أم عون لقَتَّال
стр. 1469
أم هل أتيت به رأسا لرافضة ... يرى الخروج لهم جهلا على الوالي
أم هل أصيب على خمر ومعزفة ... يصرف الكأس فيها كل ضلال
ما هكذا هو بل لكنه ورع ... عف عفيف عن الأعراض والمال
ثم ذكرني بعد أيام وأخرجني من السجن وأوقفني بين يديه، وقال: عساك مقيما على الكلام الذي كنت سمعته منك؟
فقلت: والله يا أمير المؤمنين إني لأدعو ربي ﵎ في ليلي ونهاري ألا يميتني إلا على ما كنت سمعته مني، قال: أراك متمسكا.
قلت: ليس هو شيء قلته من تلقاء نفسي، ولكنه شيء لقيت فيه العلماء بمكة، والمدينة، والكوفة، والبصرة، والشام، والثغور، فرأيتهم على السنة والجماعة.
فقال لي: وما السنة والجماعة؟
قلت: سألت عنها العلماء، فكل يخبر ويقول: إن صفة المؤمن من أهل السنة والجماعة أن يقول العبد مخلصا: لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، والإقرار بما جاءت الأنبياء والرسل، ويشهد العبد على ما ظهر من لسانه وعقد عليه قلبه، والإيمان بالقدر خيره وشره من الله، ويعلم العبد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، والإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن الله قد علم من خلقه ما هم فاعلون، وما هم إليه صائرون، فريق في الجنة وفريق في السعير. وصلاة الجمعة والعيدين خلف كل إمام بر وفاجر، وصلاة المكتوبة من غير أن تقدم وقتا أو تؤخر وقتا، وأن نشهد للعشرة الذين شهد لهم رسول الله
стр. 1470
- ﷺ من قريش بالجنة، والحب والبغض لله وفي الله، وإيقاع الطلاق إذا جرى كلمة واحدة، والمسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوم وليلة، والتقصير في السفر إذا سافر ستة عشر فرسخا بالهاشمي -ثمانية وأربعين ميلا-وتقديم الإفطار وتأخير السحور، وتركيب اليمين على الشمال في الصلاة، والجهر بآمين، وإخفاء بسم الله الرحمن الرحيم، وأن تقول بلسانك وتعلم يقينا بقلبك أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان الله عليهم، والكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ ، والإيمان بالبعث والنشور وعذاب القبر ومنكر ونكير والصراط والميزان، وأن الله يخرج أهل الكبائر من هذه الأمة من النار، وأنه لا يخلد فيها إلا مشرك، وأن أهل الجنة يرون الله بأبصارهم، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون.
قال: فلما سمع هذا مني، أمر بي فقلع لي أربعة أضراس، وقال: أخرجوه عني لا يفسد علي ما أنا فيه، فأخرجت، فلقيت أبا عبد الله -أحمد بن حنبل، فسألني عما جرى بيني وبين الخليفة فأخبرته، فقال: لا نسي الله لك هذا المقام حين تقف بين يديه.
ثم قال: ينبغي أن نكتب هذا على أبواب مساجدنا، ونعلمه أهلنا وأولادنا، ثم التفت إلى ابنه صالح، فقال: اكتب هذا الحديث، واجعله في رق أبيض واحتفظ به، واعلم أنه من خير حديث كتبته إذا لقيت الله يوم
стр. 1471
القيامة تلقاه على السنة والجماعة. (١)
ابن الشحام قاضي الري (عاش في زمن الواثق)
موقفه من الجهمية:
قال ابن بطة: ووجدت أيضا في كتاب هذا الشيخ بخطه: سمعت أبا عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن الفضل بن جعفر بن يعقوب بن المنصور يقول: حدثني أبو الشمر السيبي، قال: حدثني ابن الرازي، قال: كنت يوما خارجا من باب خراسان، فاستقبلت القاضي ابن الشحام وهو يومئذ قاضي الري، فسلمت عليه، فقال لي: البيت البيت، فمضيت به إلى منزلي الذي أسكنه، فقال لي: يا محمد، اخرج فارتد خانا للغلمان والدواب، فخرجت فارتدت موضعا ثم عدت إليه، فقال لي: تأهب للخروج معي إلى سر من رأى، فقلت: أعز الله القاضي، وأي شيء السبب؟ فقال: حاجة عرضت، ومسألة أسأل أمير المؤمنين أطال الله بقاه عنها، فدفعته عن نفسي أشد دفع فلم يجبني إلى ذلك، فاكتريت زورقا إلى سر من رأى، وأنزلت فيه الدواب والغلمان، وخرجت أنا وهو، فلما صرت في بعض الطريق، ذاكرته بالحاجة ما هي، فقال: يحكي قوم عن أمير المؤمنين أنه يقول: القرآن مخلوق، وأريد أن أسمع هذا شفاها.
فتغيرت عليه أشد تغير، قال: ثم قلت: أظن أن منيته قد
стр. 1472
ساقته وساقتني معه حتى وفيت سر من رأى، فقال: اطلب خانا ننزله، فنزل الخان ونزلت معه، ثم قال: يا محمد قم فاخرج فاسأل الناس متى مجلسه، فسألت فقيل لي: في غداة غد يجلس، فقال للغلمان: قوموا بوقت، ثم إنه نام وفكري يجول في كل شيء، فلما كان طلوع الفجر، صاح بغلمانه فأسرجوا، ثم أنبهني ثم جدد الطهر، ولبس ثيابه وتبخر، فقلت: أرجو أن يدعني هاهنا ويمضي، فلما ركب قال لي: يا محمد معي، فقلت في نفسي: ليس غير الموت، فلم يزل يسير وأنا معه في ركابه حتى وافينا باب أمير المؤمنين وعليه ثياب القضاء وسواده وذيلته، وكان رجلا عظيم الخلق، لا يمر بقوم إلا نظروا إليه، فقال: يا محمد، قل للحُجَّاب يستأذنون لي على أمير المؤمنين، ويعلموا أني قاضي الري، فنظر الحجاب إليه، ثم قالوا: لم يؤذن لأحد عليه، ودخل الحاجب فما أبطأ حتى خرج إلي فقال لي: قل له ينزل، فنزل واعتمد على يدي، وأنا أذكر الله وأسبح، فلم يزل يدخل من دهليز إلى دهليز حتى دخلنا إلى الصحن، فإذا جماعة يتناظرون، وقد علت أصواتهم في الدار، حتى وافى إلى القوم فسلم عليهم ثم جلس، فجعل إذا نظر إليهم أطرقوا إلى الأرض وتشاغلوا بالكلام، وإذا أطرق إلى الأرض نظروا إليه، فنحن هكذا حتى شيل الستر، فإذا بأمير المؤمنين جالس، فسلمنا عليه، ثم أمرنا بالجلوس ولم يزل القوم يتكلمون فيما جئنا فيه. ثم أقبل أمير المؤمنين، فقال لابن الشحام: من الرجل؟ فقال: عامل من عمالك، قاضي الري، أعرف بابن الشحام. فقال: حاجة؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، جئت قاصدا من الري إلى أمير المؤمنين، أسأله عن شيء تحدث الناس به وأسمعه منه، وهي
стр. 1473
مسألة، فقال له: قل ما شئت. فقال: يا أمير المؤمنين على شريطة أن لا يكون المجيب لي غير أمير المؤمنين، ولا يعارض في المسألة أحد، فقال: ذلك لك.
فقلت: يا أمير المؤمنين ما تقول في رجل كان له بيت يدخله في حوائجه، وهو يحفظ القرآن، فجرت منه يمين أن لا يدخل البيت مخلوق سواه، فعرضت له حاجة فدخل إلى ذلك البيت، طلقت امرأته أم لا؟ فضج أهل المجلس، وقالوا: يا أمير المؤمنين مسألة حيلة. قال: فقال: يا أمير المؤمنين ليس هكذا، وعدتني أن لا يجيبني غيرك ولا يعارضني في المسألة، فأسكتهم ثم قال له: كيف حلف؟ قال له: رجل كان له بيت، وكان يحفظ القرآن، فحلف بالطلاق ثلاثا أنه لا يدخل ذلك البيت مخلوق سواه، فعرضت له حاجة فدخل البيت، طلقت امرأته أم لا؟ فقال: لا، وقرابتي من رسول الله ﷺ ، ما طلقت -مرتين أو ثلاثا- ثم ألقي الستر فيما بيننا وبينه، ثم وثب القاضي واعتمد على يدي، فقلت: ليته ترك يده من يدي، ولا أحسبه إلا قاتلي، فلما صرنا في آخر الصحن، عرض لنا خادم ومعه فراش على كتفه بدرة، فقال: إن أمير المؤمنين أطال الله بقاه يقرأ عليك السلام ويقول لك: استعن بهذه في مصلحتك، ولا تخل مجلسنا من حضورك، ثم رجع الخادم ولم يزل الفراش معه إلى الخان الذي كنا فيه، فقال لي: يا محمد حل البدرة، فحللتها، فقال: احث بيدك للفراش، فضربت بيدي اليمين، فقال: بالاثنتين، فحثيت له ما حملت يداي، وانصرف الفراش. ثم قال لي: شدها وضعها في الصندوق. وقال: اطلب زورقا للانحدار إلى بغداد، فاكتريت له زورقا،
стр. 1474
وخرج من يومه من سرمن رأى إلى بغداد. (١)
موقف السلف من الواثق بالله (٢٣٢ ه ـ)
ضلاله وحمله الناس على القول بخلق القرآن:
- جاء في السير: قال الخطيل: استولى أحمد بن أبي دؤاد على الواثق، وحمله على التشدد في المحنة، والدعاء إلى خلق القرآن. (٢)
- وفيها: قال عبيد الله بن يحيى: حدثنا إبراهيم بن أسباط، قال: حمل رجل مقيد فأدخل على ابن أبي دؤاد بحضور الواثق، فقال لأحمد: أخبرني عن ما دعوتم الناس إليه، أعلمه رسول الله ﷺ فما دعا إليه، أم شيء لم يعلمه؟ قال: بل علمه. قال: فكان يسعه أن لا يدعو الناس إليه، وأنتم لا يسعكم؟! فبهتوا، وضحك الواثق، وقام قابضا على فمه، ودخل مجلسا، ومد رجليه وهو يقول: أمر وسع رسول الله ﷺ أن يسكت عنه ولا يسعنا، ثم أمر أن يعطى الشيخ ثلاث مئة دينار، وأن يرد إلى بلده. (٣)
- وفيها عن طاهر بن خلف قال: سمعت المهتدي بالله بن الواثق يقول:
стр. 1475
كان أبي إذا أراد أن يقتل رجلا أحضرنا، قال: فأتي بشيخ مخضوب مقيد، فقال أبي: ائذنوا لأحمد بن أبي دؤاد وأصحابه، وأدخل الشيخ، فقال: السلام عليكم يا أمير المؤمنين، فقال: لا سلم الله عليك، قال: بئس ما أدبك مؤدبك، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (١)، فقال أحمد: الرجل متكلم. قال كلمه. فقال: يا شيخ، ما تقول في القرآن؟ قال: لم تنصفني ولي السؤال، قال: سل. قال: ما تقول أنت؟ قال: مخلوق. قال: هذا شيء علمه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر والخلفاء، أم لم يعلموه؟ فقال: شيء لم يعلموه. فقال: سبحان الله، شيء لم يعلموه وعلمته أنت؟ فخجل، وقال: أقلني. قال: المسألة بحالها، ما تقول في القرآن؟ قال: مخلوق، قال: شيء علمه رسول الله؟ قال: علمه، قال: أعلمه ولم يدع الناس إليه؟ قال: نعم. قال: فوسعه ذلك؟ قال: نعم. قال: أفلا وسعك ما وسعه ووسع الخلفاء بعده؟ فقام الواثق، فدخل الخلوة، واستلقى وهو يقول: شيء لم يعلمه النبي ﷺ ، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، علمته أنت سبحان الله، عرفوه، ولم يدعوا إليه الناس فهلا وسعك ما وسعهم ثم أمر برفع قيد الشيخ، وأمر له بأربع مئة دينار، وسقط من عينه ابن أبي دؤاد، ولم يمتحن بعدها أحدا. (٢)
- وفيها: وفي سنة إحدى وثلاثين: قتل أحمد بن نصر الخزاعي الشهيد ظلما، وأمر بامتحان الأئمة والمؤذنين بخلق القرآن، وافتك من أسر الروم