← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

عرف من شدة الخوارج في القتال وثباتهم وإقدامهم على الموت، ومن تأمل ما ذكر أهل الأخبار من أمورهم تحقق ذلك، وقد ذكر ابن بطال عن المهلب قال: التألف إنما كان في أول الإسلام إذ كانت الحاجة ماسة لذلك لدفع مضرتهم، فأما إذ أعلى الله الإسلام فلا يجب التألف إلا أن تنزل بالناس حاجة لذلك فلإمام الوقت ذلك. (١) موقفه من المرجئة: - عن محمد بن يوسف بن مطر قال: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن الإيمان فقال: قول وعمل بلا شك. (٢) - عن الحسين بن محمد بن الوضاح ومكي بن خلف بن عفان قالا: سمعنا محمد بن إسماعيل يقول: كتبت عن ألف نفر من العلماء وزيادة ولم أكتب إلا عن من قال: الإيمان قول وعمل ولم أكتب عن من قال: الإيمان قول. (٣) - وقال ﵀ في عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد: كان يرى الإرجاء، كان الحميدي يتكلم فيه. (٤) - وكتاب الإيمان من صحيحه إنما وضعه ﵀ ردا على المرجئة، فركز في جملة أبوابه على دخول الأعمال في مسمى الإيمان. وأول ما افتتح به

стр. 1822

كتاب الإيمان قوله: باب قول النبي ﷺ : "بني الإسلام على خمس" (١). وهو قول وفعل، ويزيد وينقص. قال الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٢) ﴿وزدناهم هدًى﴾ (٣) ﴿ويزيد الله الذين اهتدوا هدًى﴾ (٤) ﴿وَالَّذِينَ اهتدوا زادهم هدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (٥) ﴿ويزداد الَّذِينَ آَمَنُوا إيمانًا﴾ (٦) وقوله: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٧) وقوله جل ذكره: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فزادهم إيمانًا﴾ (٨) وقوله تعالى: ﴿وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا﴾ (٩). والحب في الله والبغض في الله من الإيمان. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودا وسننا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان. فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت فما

стр. 1823

أنا على صحبتكم بحريص (١). وقال إبراهيم: ﴿وَلَكِنْ ليطمئن قَلْبِي﴾ (٢). وقال معاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة (٣). وقال ابن مسعود: اليقين الإيمان كله (٤). وقال ابن عمر: لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر (٥). وقال مجاهد: ﴿شرع لكم ... ﴾ (٦): أوصيناك يا محمد وإياه دينا واحدا. وقال ابن عباس: ﴿شرعةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٧): سبيلا وسنة (٨). (٩) - وقال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن كتاب الإيمان الذي افتتح به الصحيح قرر مذهب السنة والجماعة، وضمنه الرد على المرجئة، فإنه كان من القائمين بنصرة السنة والجماعة، مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان. (١٠)

стр. 1824

- وقال أبو العباس السراج: شهدت أبا عبد الله البخاري، ودفع إليه كتاب من محمد بن كرام يسأله عن أحاديث منها: الزهري، عن سالم، عن أبيه، رفعه: (الإيمان لا يزيد ولا ينقص). فكتب على ظهر كتابه: من حدث بهذا استوجب الضرب الشديد والحبس الطويل. (١) موقفه من القدرية: - له كتاب 'خلق أفعال العباد': مطبوع متداول وهو رد على القدرية. - قال ابن تيمية ﵀: وأنكر الأئمة من أصحاب أحمد وغيرهم من علماء السنة من قال: إن أصوات العباد وأفعالهم غير مخلوقة، وصنف البخاري في ذلك مصنفا. (٢) - وعقد في الصحيح كتابا سماه: (كتاب القدر). المهتدي بالله (٣) (٢٥٦ هـ) الخليفة الصالح، أمير المؤمنين، محمد بن هارون، أبو إسحاق، وقيل: أبو عبد الله بن الواثق بالله. ولد في خلافة جده، وبويع بعد خلع المعتز بالله سنة خمس وخمسين، وله بضع وثلاثون سنة. قال الخطيب: كان المهتدي بالله من أحسن الخلفاء مذهبا وأجملهم طريقة، وأظهرهم ورعا وأكثرهم عبادة. وكان

стр. 1825

المهتدي بالله أسمر رقيقا، مليح الوجه، ورعا، عادلا، صالحا، متعبدا بطلا، شجاعا، قويا في أمر الله. قال الخطيب: قال أبو موسى العباسي: لم يزل صائما منذ ولي إلى أن قتل. قال نفطويه: أخبرنا بعض الهاشميين أنه وجد للمهتدي صفط فيه جبة صوف، وكساء كان يلبسه في الليل، ويصلي فيه، وكان قد اطرح الملاهي، وحرم الغناء، وحسم أصحاب السلطان عن الظلم، وكان شديد الإشراف على أمر الدواوين، يجلس بنفسه، ويجلس بين يديه الكتاب، يعملون الحساب، ويلزم الجلوس يومي الخميس والاثنين، وقد ضرب جماعة من الكبار. توفي ﵀ مقتولا من طرف الأتراك سنة ست وخمسين ومائتين، وقام بعده المعتمد على الله. موقفه من الرافضة: - جاء في السير: قال نفطويه، أخبرنا بعض الهاشميين عن المهتدي أنه نفى جعفر بن محمود إلى بغداد لرفض فيه. (١) علي بن خَشْرَم (٢) (٢٥٧ هـ) علي بن خشرم بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال، أبو الحسن المَرْوَزِي. ولد سنة ستين ومائة. وسمع من إسماعيل بن علية وسفيان بن عيينة وعيسى ابن يونس وعبد الله بن وهب وهشيم بن بشير. روى عنه مسلم، والترمذي،

стр. 1826

والنسائي، وابن خزيمة، وأبو حامد أحمد بن حمدون الأعمش، وابن أبي داود. وثقه النسائي وغيره. توفي ﵀ سنة سبع وخمسين ومائتين. موقفه من الجهمية: - عن علي بن خشرم المروزي قال: من قال القرآن، أو لفظي بالقرآن أو القرآن بقراءتي أو قراءتي للقرآن -قدم أو أخر- فهو واحد. وقال: ما أُحسِنُ هذا الكلام ليس بينهما فرق فجعل يتعجب ممن يفرق بينهما ويقول: من قال من اللفظية كلامه فإنه يخرج إلى كلام الروحانية - صنف من الزنادقة. (١) عبد الحميد بن عصام الجُرْجَانِي (٢) (٢٥٧ هـ) الإمام الحافظ، عبد الحميد بن عصام، أبو عبد الله الجرجاني، نزيل همذان. سمع سفيان بن عيينة، ويزيد بن هارون، وأبا داود الطيالسي، وجماعة. وعنه يحيى بن عبد الله الكرابيسي، وأبو حاتم، وآخرون. قال صالح ابن أحمد: كان أحد العلماء والفقهاء، ثقة صدوقا. وعن ابن حمويه قال: ما رأت عيناي قط مثل عبد الحميد بن عصام الجرجاني. توفي سنة سبع وخمسين ومائتين.

стр. 1827

موقفه من الجهمية: - قال الذهبي في سيره: ولما وقعت المحنة في اللفظ، سكت الجرجاني، فخرج عليه أصحاب الحديث، فسمعت أبي يقول: ذهبت مع صالح بن حمويه أخي المرار، فوقف على مجلس الجرجاني، فقال: ما تقول في اللفظ بالقرآن؟ فسكت حتى سأله الثالثة، فقال: أراه محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. (١) الرِّيَاشِيُّ (٢) (٢٥٧ هـ) العلامة الحافظ عباس بن الفرج، أبو الفضل الرياشي البصري النحوي. مولى محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس. ولد بعد الثمانين ومائة. روى عن أبي داود الطيالسي ووهب بن جرير ومعمر بن المثنى ومحمد ابن سلام الجمحي وأشهل بن حاتم وخلق كثير. وروى عنه أبو داود قوله في تفسير أسنان الإبل وإبراهيم الحربي وابنه محمد بن العباس ومحمد بن خزيمة وأبو العباس المبرد وغيرهم. قال أبو سعيد السيرافي: كان عالما باللغة والشعر، كثير الرواية عن الأصمعي، وروى أيضا عن غيره. - وقال الخطيب: قدم بغداد، وحدث بها، وكان ثقة، وكان من

стр. 1828

الأدب وعلم النحو بمحل عال، وكان يحفظ كتب أبي زيد، وكتب الأصمعي كلها، وقرأ على أبي عثمان المازني 'كتاب سيبويه'. وكان المازني يقول: قرأ علي الرياشي 'الكتاب' وهو أعلم به مني. قال ابن دريد: قتلته الزنج بالبصرة سنة سبع وخمسين ومائتين. موقفه من المشركين: - جاء في السير: وقال علي بن أبي أمية: لما كان من دخول الزنج البصرة ما كان، وقتلهم بها من قتلوا، وذلك في شوال سنة سبع، بلغنا أنهم دخلوا على الرياشي المسجد بأسيافهم، والرياشي قائم يصلي الضحى، فضربوه بالأسياف وقالوا: هات المال، فجعل يقول: أي مال، أي مال؟ حتى مات. فلما خرجت الزنج عن البصرة، دخلناها، فمررنا ببني مازن الطحانين -وهناك كان ينزل الرياشي- فدخلنا مسجده، فإذا به ملقى وهو مستقبل القبلة، كأنما وجه إليها. وإذا بشملة تحركها الريح وقد تمزقت، وإذا جميع خلقه صحيح سوي لم ينشق له بطن، ولم يتغير له حال، إلا أن جلده قد لصق بعظمه ويبس، وذلك بعد مقتله بسنتين ﵀. قال الذهبي: فتنة الزنج كانت عظيمة، وذلك أن بعض الشياطين الدهاة، كان طرقيا أو مؤدبا، له نظر في الشعر والأخبار، ويظهر من حاله الزندقة والمروق، ادعى أنه علوي، ودعا إلى نفسه، فالتف عليه قطاع طريق، والعبيد السود من غلمان أهل البصرة، حتى صار في عدة، وتحيلوا وحصلوا سيوفا وعصيا، ثم ثاروا على أطراف البلد، فبدعوا وقتلوا، وقووا، وانضم إليهم كل مجرم، واستفحل الشر بهم، فسار جيش من العراق لحربهم،

стр. 1829

فكسروا الجيش، وأخذوا البصرة، واستباحوها، واشتد الخطب، وصار قائدهم الخبيث في جيش وأهبة كاملة، وعزم على أخذ بغداد، وبنى لنفسه مدينة عظيمة، وحار الخليفة المعتمد في نفسه، ودام البلاء بهذا الخبيث المارق ثلاث عشرة سنة، وهابته الجيوش، وجرت معه ملاحم ووقعات يطول شرحها. قد ذكرها المؤرخون إلى أن قتل. فالزنج هم عبارة عن عبيد البصرة الذين ثاروا معه. لا بارك الله فيهم. (١) زهير بن محمد بن قُمَيْر (٢) (٢٥٧ هـ) الإمام زهير بن محمد بن قمير بن شعبة المروزي، نزيل بغداد. كنيته أبو محمد وقيل أبو عبد الرحمن. روى عن الإمام أحمد وروح بن عبادة وأبي نعيم الفضل بن دكين وعبد الرزاق بن همام وغيرهم، وروى عنه ابن ماجه وأحمد ابن عبد الله البزاز ويحيى بن صاعد وأبو عبد الله المحاملي وعمر بن بجير وآخرون. قال محمد بن إسحاق الثقفي: ثقة مأمون، وقال الخطيب: كان ثقة صادقا ورعا زاهدا، وانتقل في آخر عمره من بغداد إلى طرسوس فرابط بها إلى أن مات. توفي ﵀ في آخر سنة سبع وخمسين ومائتين، وقيل سنة ثمان

стр. 1830

وخمسين. موقفه من المشركين: - قال البغوي: ما رأيت بعد أحمد بن حنبل أفضل منه، سمعته يقول: أشتهي لحما من أربعين سنة، ولا آكله حتى أدخل الروم، فآكل من مغانم الروم. (١) أحمد بن الفُرَات (٢) (٢٥٨ هـ) أحمد بن الفرات بن خالد، الشيخ الإمام الحافظ الكبير الحجة محدث أصبهان، أبو مسعود الضَّبِّي الرازي نزيل أصبهان. ولد سنة نيف وثمانين ومائة في خلافة هارون الرشيد. وطلب العلم في الصغر وعد من الحفاظ، وهو شاب أمرد، وارتحل إلى العراق والشام والحجاز واليمن ولحق الكبار. سمع عبد الله بن نمير، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وعبد الرزاق بن همام، ويزيد ابن هارون، وأكثر الترحال في لقي الرجال. قال إبراهيم بن محمد الطيان، سمعت أبا مسعود يقول: كتبت عن ألف وسبعمائة شيخ، وكتبت ألف ألف حديث وخمسمائة ألف فعملت من ذلك في تواليفي خمسمائة ألف حديث. وألف المسند والكتب الكثيرة. روى عنه أبو داود وأبو بكر بن أبي عاصم،

стр. 1831

وجعفر الفريابي. قال أحمد بن حنبل: ما أظن بقي أحد أعرف بالمسندات من ابن الفرات. وقال أيضا: ما تحت أديم السماء أحفظ لأخبار رسول الله ﷺ من أبي مسعود الرازي. قال أبو أحمد بن عدي: لا أعلم لأبي مسعود الرازي رواية منكرة وهو من أهل الصدق والحفظ. توفي في شعبان سنة ثمان وخمسين ومائتين. موقفه من الرافضة: - جاء في السير: عن أحمد بن محمود بن صبيح: سمعت أبا مسعود الرازي يقول: وددت أني أقتل في حب أبي بكر وعمر (١). موقفه من الجهمية: من له إلمام بتواريخ العالم الإسلامي وطبقات علمائهم، يعرف ما كان عليه هذا البلد المبارك -يعني أصبهان-، فقد خرج منه أكابر العلماء الذين كان لهم إسهام كبير في السنة عموما وفي العقيدة السلفية خصوصا. ومنهم هذا العلامة، له: 'كتاب السنة'. - ومن مواقفه الطيبة ما جاء في أصول الاعتقاد: عن أبي مسعود أحمد ابن الفرات أنه قال: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي. (٢)

стр. 1832

الذُّهْلِي (١) (٢٥٨ هـ) محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب، الإمام العلامة الحافظ البارع، شيخ الإسلام، وعالم أهل المشرق، وإمام أهل الحديث بخراسان، أبو عبد الله الذهلي مولاهم، النيسابوري. مولده سنة بضع وسبعين ومائة. سمع من عبد الرحمن بن مهدي، وأسباط بن محمد وأبي داود الطيالسي وعبد الرزاق وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وخلائق بالحرمين والشام ومصر والعراق والري وخراسان واليمن والجزيرة وبرع في هذا الشأن. حدث عنه الجماعة سوى مسلم، وأبو زرعة وابن خزيمة وأبو حاتم وأبو عوانة الاسفراييني وخلق كثير، وانتهت إليه مشيخة العلم بخراسان مع الثقة والصيانة والدين ومتابعة السنن. عن محمد بن عسكر قال: كنا عند أحمد بن حنبل فدخل محمد بن يحيى الذهلي فقام إليه أحمد وتعجب منه الناس ثم قال لبنيه وأصحابه: اذهبوا إلى أبي عبد الله واكتبوا عنه. قال أبو بكر بن زياد: وهو عندي إمام في الحديث. قال أبو سعيد المؤذن: سمعت زنجويه بن محمد يقول: كنت أسمع مشايخنا يقولون: الحديث الذي لا يعرفه محمد بن يحيى لا يعبأ به. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: كتب عنه أبي بالري، وهو ثقة صدوق إمام من أئمة المسلمين، سئل أبي عنه فقال: ثقة. قال الحافظ أبو بكر الخطيب: كان أحد الأئمة العارفين، والحفاظ المتقنين، والثقات المأمونين، صنف حديث الزهري وجوده، وقدم بغداد

стр. 1833

وجالس شيوخها وحدث بها وكان أحمد بن حنبل يثني عليه وينشر فضله. مات سنة ثمان وخمسين ومائتين وبلغ ستا وثمانين سنة. موقفه من الجهمية: - جاء في تاريخ الخطيب بالسند إلى محمد بن يحيى الذهلي يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق من جميع جهاته، وحيث يتصرف، فمن لزم هذا استغنى عن اللفظ وعما سواه من الكلام في القرآن، ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر وخرج عن الإيمان وبانت منه امرأته يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وجعل ماله فيئا بين المسلمين ولم يدفن في مقابر المسلمين. ومن وقف وقال: لا أقول مخلوق أو غير مخلوق فقد ضاهى الكفر ومن زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهذا مبتدع لا يجالس ولا يكلم. (١) - وفي أصول الاعتقاد عنه قال: من وقف في القرآن فمحله محل من زعم أن القرآن مخلوق. (٢) - وفيه عنه قال: إن من قال إن القرآن يكون مخلوقا بالألفاظ فقد زعم أن القرآن مخلوق. وقال هو مبتدع وأمر بمباينته ومجانبته. (٣)

стр. 1834

هارون بن إسحاق الهمداني (١) (٢٥٨ هـ) الإمام الحافظ هارون بن إسحاق بن محمد بن مالك بن زبيد الهمداني، أبو القاسم الكوفي. روى عن سفيان بن عيينة وعبد الله بن نمير وعبد الرزاق بن همام ووكيع بن الجراح وحفص بن غياث وطبقتهم. وروى عنه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وخلق كثير. قال علي بن الحسين بن الجنيد: كان محمد بن عبد الله بن نمير يبجله. وقال أبو بكر بن خزيمة: كان من خيار عباد الله. وقال الذهبي: ثقة متعبد. توفي ﵀ سنة ثمان وخمسين ومائتين. موقفه من الجهمية: - عن المروذي قال: سألت هارون بن إسحاق الهمذاني عن الواقفة فقال: هم شر من الجهمية. (٢) يحيى بن معاذ الرازي (٣) (٢٥٨ هـ) يحيى بن معاذ أبو زكريا الرازي الواعظ، حكيم أهل زمانه. سمع إسحاق بن سليمان الرازي ومكي بن إبراهيم البلخي وعلي بن محمد الطنافسي. وعنه الفقيه أبو نصر بن سلام، وأبو عثمان الحيري الزاهد وعلي

стр. 1835

بن محمد القباني ومشايخ الري وهمدان وبلخ ومرو. كان قد انتقل عن الري، وسكن نيسابور إلى أن مات بها وقدم بغداد واجمتع إليه مشايخ الصوفية. قال عنه ابن الأثير: كان عابدا صالحا. وقال ابن خلكان: أبو زكريا يحيى بن معاذ الرازي الواعظ، أحد رجال الطريقة، ذكره أبو القاسم القشيري في 'الرسالة' وعده من جملة المشايخ. توفي سنة ثمان وخمسين مائتين بنيسابور، رحمه الله تعالى. موقفه من المبتدعة والمشركين: - وقال يحيى بن معاذ الرازي: اختلاف الناس كلهم يرجع إلى ثلاثة أصول، فلكل واحد منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده: التوحيد وضده الشرك، والسنة وضدها البدعة، والطاعة وضدها المعصية. (١) - روى ابن بطة بسنده إلى علي بن الحسين بن هذيل القطان، قال: سمعت يحيى بن معاذ الرازي، يقول: الناس خمس طبقات فاجتنب أربعا والزم واحدة، فأما الأربع الذين يجب عليك أن تجتنبهن. فذكر ثلاث طبقات، اختصرت أنا الكلام بترك وصفهم لكثرته، ثم قال: والطبقة الرابعة: فهم المتعمقون في الدين الذين يتكلمون في العقول ويحملون الناس على قياس أفهامهم، قد بلغ من فتنة أحدهم وتمكن الشك من قلبه أنك تراه يحتج على خصمه بحجة قد خصمه بها، وهو نفسه من تلك الحجة في شك، ليس

стр. 1836

يعتقدها ولا يجهل ضعفها، ولا ديانة له فيها، إن عرضت له من غيره حجة هي ألطف منها انتقل إليها، فدينه محمول على سفينة الفتن يسير بها في بحور المهالك، يسوقها الخطر ويسوسها الحيرة، وذلك حين رأى عقله أملى بالدين وأضبط له وأغوص على الغيب، وأبلغ لما يراد من الثواب من أمر الله إياه ونهيه وفرائضه الملجمة للمؤمنين عن اختراق السدود، والتنقير عن غوامض الأمور، والتدقيق الذي قد نهيت هذه الأمة عنه، إذ كان ذلك سبب هلاك الأمم قبلها وعلة ما أخرجها من دين ربها، وهؤلاء هم الفساق في دين الله المارقون منه التاركون لسبيل الحق المجانبون للهدى، الذين لم يرضوا بحكم الله في دينه حتى تكلفوا طلب ما قد سقط عنهم طلبه، ومن لم يرض بحكم الله في المعرفة حكما لم يرض بالله ربا، ومن لم يرض بالله ربا كان كافرا، وكيف يرضون بحكم الله في الدين وقد بين لنا فيه حدودا وفرض علينا القيام عليها والتسليم بها فجاء هؤلاء بعد قلة عقولهم وجور فطنهم وجهل مقاييسهم يتكلمون في الدقائق ويتعمقون، فكفى بهم خزيا سقوطهم من عيون الصالحين يقتصر فيهم على ما قد لزمهم في الأمة من قالة السوء وألبسوا من أثواب التهمة واستوحش منهم المؤمنون ونهى عن مجالستهم العلماء وكرهتهم الحكماء واستنكرتهم الأدباء وقامت منهم فراسة البصراء، شكاكون جاهلون ووسواسون متحيرون فإذا رأيت المريد يطيف بناحيتهم فاغسل يدك منه ولا تجالسه.

стр. 1837

(١) وقال يحيى بن معاذ الرازي: إن ربنا تعالى أبدى شيئا وأخفى أشياء وإن المحفوظين بولاية الإيمان حفظوا ما أبدى وتركوا ما أخفى وذهب آخرون يطلبون علم ما أخفى فهتكوا فهلكوا فأداهم الترك لأمره إلى حدود الضلال فكانوا زائغين. (٢) موقفه من الجهمية: - قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى: وروى أيضا -أي ابن أبي حاتم- عن يحيى بن معاذ الرازي أنه قال: إن الله على العرش بائن من الخلق، وقد أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، لا يشك في هذه المقالة إلا جهمي رديء ضليل، وهالك مرتاب، يمزج الله بخلقه، ويخلط منه الذات بالأقذار والأنتان. (٣) موقفه من القدرية: - جاء في الإبانة: عن أبي محمد الإسكاف: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: من أحب أن يفرح بالله ويتمتع بعبادة الله؛ فلا يسألن عن سر الله يعني القدر. (٤)

стр. 1838

الجَوْزَجَانيّ (١) (٢٥٩ هـ) الحافظ، إمام الجرح والتعديل، إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق السعدي، أبو إسحاق الجوزجاني، سكن دمشق. روى عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وسعيد بن أبي مريم، ويزيد بن هارون وخلق، روى عنه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وأبو بشر الدولابي وآخرون. قال أبو بكر الخلال: إبراهيم بن يعقوب جليل جدا، كان أحمد بن حنبل يكاتبه ويكرمه إكراما شديدا. قال الدارقطني: كان من الحفاظ المصنفين والمخرجين الثقات. وقال ابن حبان: كان حريزي المذهب، ولم يكن بداعية إليه، وكان صلبا في السنة حافظا للحديث إلا أن من صلابته كان يتعدى طوره. وقال الحافظ ابن حجر: ثقة حافظ، رمي بالنصب. توفي ﵀ سنة تسع وخمسين ومائتين. موقفه من القدرية: - قال الجوزجاني: كان قوم يتكلمون في القدر، احتمل الناس حديثهم لما عرفوا من اجتهادهم في الدين والصدق والأمانة، ولم يتوهم عليهم الكذب، وإن بلوا بسوء رأيهم، منهم معبد الجهني، وقتادة، ومعبد رأسهم. (٢)

стр. 1839

أحمد بن سِنَان (١) (٢٥٩ هـ) أحمد بن سنان بن أسد بن حبان الإمام الحافظ المجود، أبو جعفر الواسطي القطان، ولد بعد السبعين ومائة. سمع من وكيع وأبي معاوية الضرير، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، ويزيد بن هارون، وهذه الطبقة، وصنف 'المسند'. حدث عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي في حديث مالك، وابنه جعفر بن أحمد وابن خزيمة وعبد الرحمن بن أبي حاتم وخلق سواهم. قال النسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق. وقال ابنه عبد الرحمن: إمام أهل زمانه. وقال إبراهيم بن أورمة: أعدنا عليه ما سمعناه من بندار وأبي موسى يعني: لإتقانه وضبطه. توفي ﵀ سنة تسع وخمسين ومائتين. موقفه من المبتدعة: - جاء في الإبانة: قال أبو حاتم: سمعت أحمد بن سنان يقول: لأن يجاورني صاحب طنبور، أحب إلي من أن يجاورني صاحب بدعة؛ لأن صاحب الطنبور أنهاه وأكسر الطنبور، والمبتدع يفسد الناس والجيران والأحداث. (٢) - وفيها أيضا قال أبو حاتم: سمعت أحمد بن سنان يقول: إذا جاور الرجل صاحب بدعة أرى له أن يبيع داره إن أمكنه وليتحول وإلا أهلك

стр. 1840

ولده وجيرانه، فنزع ابن سنان بحديث النبي ﷺ قال: "من سمع منكم بالدجال فلينأ عنه قالها ثلاثا، فإن الرجل يأتيه وهو يرى أنه كاذب فيتبعه لما يرى من الشبهات" (١).اهـ (٢) " التعليق: وأين نسكن الآن في هذا الزمان، وقد ملأ الأرض المبتدعة إلا ما شاء الله من البقاع التي لم تنجس بنجاسة البدع والمبتدعة. - وجاء في ذم الكلام: عن جعفر بن أحمد بن سنان الواسطي قال: سمعت أحمد بن سنان يقول: ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث، وإذا ابتدع الرجل بدعة نزعت حلاوة الحديث من قلبه. (٣) " التعليق: وهو كذلك، فتصبح صناعة الحديث عنده لتغطية بدعته وللرياء والسمعة وللتحريف الباطل والتضليل نسأل الله العافية. - جاء في شرف أصحاب الحديث: بالسند إلى أبي حاتم قال: سمعت أحمد بن سنان وذكر حديث: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ... " (٤)

стр. 1841

فقال: هم أهل العلم وأصحاب الآثار. (١) " التعليق: وهو كذلك، لأنهم هم ورثته في علمه وعقيدته وسنته، وهم النجوم التي يهتدى بها، وعن اختفائها تتلاطم أمواج البدع والإلحاد والخرافات وجميع الضلالات، وهذا هو الواقع في غالب البلدان، إلا التي استنارت بنور الحق وهدي الطائفة المنصورة. الحسن بن محمد بن الصَّبَّاح (٢) (٢٦٠ هـ) الحسن بن محمد بن الصباح الزَّعْفَرَانِي، أبو علي البغدادي، كان يسكن درب الزعفراني ببغداد، فنسب إليه. روى عن سعيد بن منصور، وسفيان بن عيينة وعلي ابن المديني، وأبي نعيم، والشافعي، ووكيع بن الجراح، ويزيد بن هارون. وروى عنه الجماعة سوى مسلم، وأبو القاسم البغوي، وابن خزيمة، وأبو عوانة، ومحمد ابن مخلد، وخلق. قال ابن حبان: كان أحمد بن حنبل وأبو ثور يحضران عند الشافعي، وكان الحسن الزعفراني هو الذي يتولى القراءة. وقال أحمد بن محمد بن الجراح: سمعت الحسن الزعفراني يقول: لما قرأت كتاب 'الرسالة' على الشافعي قال لي: من أي العرب أنت؟ قلت: ما أنا بعربي، وما أنا إلا من قرية يقال لها الزعفرانية، قال: فأنت سيد هذه

стр. 1842

القرية. وقال ابن عبد البر: يقال إنه لم يكن في وقته أفصح منه ولا أبصر باللغة، ولذلك اختاروه لقراءة كتب الشافعي، وكان يذهب إلى مذهب أهل العراق فتركه وتفقه للشافعي، وكان نبيلا ثقة مأمونا. توفي ﵀ سنة ستين ومائتين. موقفه من المبتدعة: - عن إبراهيم بن يحيى قال: سمعت الزعفراني يقول: ما على وجه الأرض قوم أفضل من أصحاب هذه المحابر، يتبعون آثار رسول الله ﷺ ويكتبونها لكي لا تدرس. (١) أبو شعيب السُّوسِي (٢) (٢٦١ هـ) هو صالح بن زياد بن عبد الله بن إسماعيل، الرُّسْتبي السوسي، أبو شعيب المقرئ شيخ الرَّقَّة وعالمها ومقرئها. قرأ القرآن على يحيى اليزيدي صاحب أبي عمرو. وسمع بالكوفة من عبد الله بن نمير، وأسباط بن محمد وجماعة. وبمكة من ابن عيينة وغيره. وحدث عنه أبو بكر بن أبي عاصم، وأبو عروبة الحراني والحافظ أبو علي محمد بن سعيد. قال أبو حاتم: صدوق. توفي في أول سنة إحدى وستين ومائتين، وقد قارب التسعين.

стр. 1843

موقفه من الجهمية: - قال عنه الذهبي في سيره: وكان صاحب سنة، دعا له الإمام لما بلغه، أن ختنه تكلم في القرآن، فقام أبو شعيب عليه ليفارق بنته. (١) علي بن إِشْكَاب (٢) (٢٦١ هـ) هو أبو الحسن علي بن الحسين بن إبراهيم بن الحر بن زعلان البغدادي، كان أسن من أخيه محمد بن إشكاب. سمع إسماعيل بن علية، وإسحاق الأزرق، وأبا معاوية، وحجاج بن محمد وخلقا. وعنه أبو داود، وابن ماجه، وابن أبي حاتم وغيرهم. وطال عمره، وتزاحم عليه الطلاب. وثقه النسائي وغيره. مات في شوال سنة إحدى وستين ومائتين، وله بضع وثمانون سنة. موقفه من الجهمية: - قال أبو بكر المروذي: سمعت علي بن أشكاب يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: إنه مخلوق، فهو كافر. (٣)

стр. 1844

الأَثْرَم (١) (٢٦١ هـ) الإمام الحافظ العلامة، أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ، الإِسْكَافِي الأثرم الطائي، وقيل الكلبي، أحد الأعلام، ومصنف 'السنن' وتلميذ الإمام أحمد، خراساني الأصل. كان من أهل إسكاف بني الجنيد وبها مات. ولد في دولة الرشيد، وسمع من أحمد بن إسحاق الحضرمي، وأبي نعيم، وعفان، والقعنبي، ومسدد بن مسرهد، وأحمد بن حنبل، وابن أبي شيبة، وخلق. حدث عنه النسائي، وموسى بن هارون، ويحيى بن صاعد، وعلي بن أبي طاهر القزويني وغيرهم. وله مصنف في علل الحديث. قال أبو بكر الخلال: كان الأثرم جليل القدر، حافظا وكان عاصم بن علي لما قدم بغداد طلب رجلا يخرج له فوائد يمليها فلم يجد في ذلك الوقت غير أبي بكر الأثرم، فكأنه لما رآه لم يقع منه موقعا لحداثة سنه، فقال له أبو بكر: أخرج كتابك، فجعل يقول له: هذا الحديث خطأ وهذا غلط، وهذا كذا. قال: فسر عاصم بن علي به وأملى قريبا من خمسين مجلسا، وكان يعرف الحديث ويحفظ فلما صحب أحمد بن حنبل ترك ذلك، وأقبل على مذهب أحمد. وكان معه تيقظ عجيب. وكان عالما بتواليف ابن أبي شيبة، لازمه مدة. توفي ﵀ سنة إحدى وستين ومائتين. موقفه من المبتدعة: - قال الأثرم: كنت عند خلف البزاز يوم جمعة، فلما قمنا من المجلس

стр. 1845

صرت إلى قرن الصراة. فأردت أن أغتسل للجمعة. فغرقت. فلم أجد شيئا أتقرب به إلى الله جل ثناؤه أكثر عندي من أن قلت: اللهم إن تحيني لأتوبن من صحبة حارث -يعني المحاسبي. (١) كتابه إلى الثغر: - قال الأثرم في أثناء كتاب إلى الثغر: أعاذنا الله وإياكم من كل موبقة، وأنقذنا وإياكم من كل مهلكة. وسلمنا وإياكم من كل شبهة، ومسكنا وإياكم بصالح ما مضى عليه أسلافنا وأئمتنا. كتابي إليكم -ونحن في نعم متواصلة. نسأل الله تمامها، ونرغب إليه في الزيادة من فضله، والعون على بلوغ رضاه- إن في كثير من الكلام فتنة، وبحسب الرجل ما بلغ به من الكلام حاجته. ولقد حكي لنا أن فضلا كان يتلاكن في كلامه، فإن في السكوت لسَعَة، وربما كان من الأمور ما يطيق عنه السكوت. وذلك لما أوجب الله من النصيحة، وندب العلماء من القيام بها للخاصة والعامة، ولولا ذلك كان ما دعا إليه من الخمول أصوب في دهر قل فيه من يستراح إليه، ونشأ فيه من يرغب عنه. ونحن في موضع انقطاع عن الأمصار، فربما انتهى إلينا الخبر الذي يزعجنا، فنحرص على الصبر. فنخاف وجوب الحجة من العلم. ولقد تبين عند أهل العلم عظم المصيبة بما فقدنا من شيخنا ﵁، أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل إمامنا ومعلمنا، ومعلم من كان قبلنا

стр. 1846

منذ أكثر من ستين سنة. وموت العالم مصيبة لا تجبر، وثلمة لا تسد. وما عالم كعالم، إنهم يتفاضلون ويتباينون بونا بعيدا. فقد ظننت أن عدو الله وعدو المسلمين إبليس وجنوده قد أعدوا من الفتن أسبابا، انتظروا بها فقده، لأنه كان يقمع باطلهم، ويزهق أحزابهم. وكانت أول بدعة علمتها فاشية من الفتن المضلة، ومن العماية بعد الهدى. وقد رأيت قوما في حياة أبي عبد الله كانوا لزموا البيت على أسباب من النسك، وقلة من العلم. فأكرمهم الناس ببعض ما ظهر لهم من حبهم للخير، فدخلهم العجب مع قلة العلم. فكان لا يزال أحدهم يتكلم بالأمر العجيب. فيدفع الله ذلك بقول الشيخ، جزاه الله أفضل ما جزى من تعلمنا منه، ولا يكون من أحد منهم من ذلك شيء إلا كان سبب فضيحته، وهتك ما مضى من ستره. فأنا حافظ من ذلك لأشياء كثيرة. وإنما هذا من مكايد إبليس مع جنوده. يقول لأحدهم: أنت أنت، ومن مثلك؟ فقل، قد قال غيرك، ثم يلقي في قلبه الشيء. وليس هناك سعة في علم، فيزين عنده: أن يبتدئه ليشمت به. وإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وقد ظننت أن آخرين يلتمسون الشهرة، ويحبون أن يذكروا. وقد ذكر قبلهم قوم بألوان من البدع فافتضحوا، ولأن يكون الرجل تابعا في الخير خير من أن يكون رأسا في الشر. وقد قال ابن مسعود: (اتبعوا، ولا تبتدعوا، فقد كفيتم كل بدعة ضلالة). وقال: (أيها الناس إنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول) وقال النبي ﷺ : "البركة مع

стр. 1847

أكابركم" (١) وقال ابن مسعود: (لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم) وقال ابن عمر: (كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة) وقال النبي ﷺ : "ألا هلك المتنطعون" (٢) وقال الصديق ﵁: (أي أرض تقلني؟ وأي سماء تظلني؟ إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم) وقال علي: (ما أبردها على الكبد إذا سئل الرجل عما لا يعلم: أن يقول: لا أعلم) وقال أبو موسى: (من علمه الله علما فليعلمه الناس، وإياه أن يقول ما لا علم له به، فيصير من المتكلفين، ويمرق من الدين) وقال ابن مسعود: (إذا سئل أحدكم عما لا يعلم، فليقر، ولا يستحي) وروى عن النبي ﷺ في أحاديث أنه قال: "من أحدث حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" (٣) ... وقال الشعبي: (ما حدثوك عن رأيهم فألقه في الحش). وقال عمر بن عبد العزيز: إياك وما أحدث المحدثون. فإنه لم تكن بدعة إلا وقد مضى قبلها ما هو دليل عليها، وعبرة منها، فعليك بلزوم السنة. فإنها لك بإذن الله عصمة. وإن السنة إنما سنها من قد علم ما جاء في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق. وارض لنفسك بما رضي به القوم لأنفسهم. فإنهم عن علم وقفوا وببصر ناقد كفوا، ولهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل -لو كان فيها- أحرى. إنهم لهم السابقون. فلئن كان الهدى

стр. 1848

ما أنتم عليه فقد سبقتموهم إليه، وإن قلتم: حدث حدث بعدهم، ما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم. ولقد تكلموا منه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي. فما دونهم مقصر ولا فوقهم محسر. لقد قصر دونهم أقوام فجفوا، وطمح آخرون عنهم فغلوا. وإنهم مع ذلك لعلى هدى مستقيم. وقال القاسم بن محمد: (لأن يعيش الرجل جاهلا خير له من أن يقول على الله ما لا يعلم). وقال ابن مسعود: (إن من العلم: إذا سئل الرجل عما لا يعلم: أن يقول: الله أعلم). وقال ابن عمر: (العلم ثلاث: آية محكمة، وسنة ماضية. ولا أدري). وقال الشعبي: (لا أدري: نصف العلم). وقال الربيع بن خثيم: (إياك أن يقول الرجل: حرم هذا، ونهى عن هذا. فيقول الله له: كذبت). وقال أحمد بن عبد الرحمن الحميري: (لأن أرده مغبة أحب إلي أن أتكلفه). وقال الشعبي: (والله ما أبالي سئلت عما أعلم، أو عما لا أعلم). يقول: إنه يسهل علَيّ أن أقول: لا أعلم. وقال عبد الله بن عتبة بن مسعود: (إنك لن تخطئ الطريق ما دمت على الأثر). وقال ابن عباس: (عليك بالاستقامة، وإياك والبدع والتبدع). وقال معاذ بن جبل: (إياكم والتبدع والتنطع، وعليكم بالعتيق). وقال ابن عباس: (لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض. فإن ذلك يوقع الشك في قلوبكم). وقال إبراهيم: (ما جعل الله في هذه الأهواء مثقال ذرة من خير. وما هي إلا زينة من الشيطان. وما الأمر إلا الأمر الأول. وقد جعل الله على الحق نورا يكشف به العلماء، ويصرف به

стр. 1849

شبهات الخطأ. وإن الباطل لا يقوم للحق. قال الله : ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (١) فهذه لكل واصف كذب إلى يوم القيامة. وإن أعظم الكذب أن تكذب على الله). وإن أبا عبد الله، وإن كان قريبا موته: فقد تقدمت إمامته، ولم يخلف فيكم شبهة. وإنما أبقاه الله لينفع به. فعاش ما عاش حميدا. ومات بحمد الله مغبوطا. يشهد له خيار عباد الله الذين جعلهم الله شهداء في أرضه. ويعرفون له ورعه وتقواه، واجتهاده وزهده، وأمانته في المسلمين وفضل علمه. ولقد انتهى إلينا أن الأئمة الذين لم ندركهم كان منهم من ينتهي إلى قوله، ويسأله. ومنهم من يقدمه ويصفه. ولقد أخبرت أن وكيع بن الجراح كان ربما سأله، وأن عبد الرحمن بن مهدي كان يحكي عنه ويحتج به. ويقدمه في العلم ويصفه. وذلك نحو ستين سنة. وأخبرت أن الشافعي كانت أكثر معرفته بالحديث مما تعلم منه. ولقد أخبرت أن إسماعيل بن علية كان يهابه. وقال لي شيخ مرة: ضحكنا من شيء، وثم أحمد بن حنبل، فجئنا بعد إلى إسماعيل فوجدناه غضبان. فقال: تضحكون وعندي أحمد بن حنبل؟ وأخبرت أن يزيد بن هارون ذكره فبكى. وأخبرت أن يزيد عاده في منزله. وأخبرت أن أبا عاصم قال: ما جاءنا مثله.

стр. 1850

وكم بلغنا مثل هذا. وذكر تمام الرسالة بطولها. (١) موقفه من الرافضة والقدرية: - قال شيخ الإسلام في الصارم المسلول: قال أبو بكر بن هاني: لا تؤكل ذبيحة الروافض والقدرية كما لا تؤكل ذبيحة المرتد، مع أنه تؤكل ذبيحة الكتابي؛ لأن هؤلاء يقامون مقام المرتد، وأهل الذمة يقرون على دينهم، وتؤخذ منهم الجزية. (٢) موقفه من الجهمية: - هو من أكبر أئمة أصحاب الإمام أحمد وله من الآثار في العقيدة السلفية كتاب السنة. وقد ذكره غير واحد ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية. (٣) أحمد بن عبد الله العِجْلِي (٤) (٢٦١ هـ) الإمام الحافظ، الأوحد الزاهد، أبو الحسن، أحمد بن عبد الله بن صالح ابن مسلم، العجلي الكوفي، نزيل مدينة طرابلس المغرب. ولد بالكوفة في سنة اثنتين وثمانين ومائة. سمع من حسين الجعفي، وشبابة بن سوار، ومحمد بن يوسف الفريابي ووالده الإمام عبد الله بن صالح المقرئ وطبقتهم. حدث عنه ولده صالح بن أحمد، وسعيد بن عثمان الأعناقي، وسعيد بن إسحاق، وولده

стр. 1851

صالح الذي روى عنه كتابه في الجرح والتعديل، المعروف بـ 'معرفة الثقات' وله مؤلف آخر هو 'التاريخ'. قال عنه عباس بن محمد الدوري: كنا نعده مثل أحمد بن حنبل ويحيى بن معين. وقال عنه يحيى بن معين: ثقة ابن ثقة ابن ثقة. وقد فر إلى المغرب ونزل طرابلس لما ظهر الامتحان بخلق القرآن فاستوطنها وولد له بها. وقيل إنما سكن بها للتفرد والعبادة. ولم يكن له بالمغرب شبيه ولا نظير في زمانه في معرفة الغريب وإتقانه وفي زهده وورعه. توفي ﵀ سنة إحدى وستين ومائتين. موقفه من الرافضة والجهمية: - جاء في السير: ومن كلام أحمد بن عبد الله قال: من آمن برجعة علي ﵁ فهو كافر ومن قال القرآن مخلوق فهو كافر. (١) الإمام مسلم (٢) (٢٦١ هـ) الإمام الكبير الحافظ المجود الحجة الصادق، أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري صاحب التصانيف أشهرها 'الصحيح' ولد سنة أربع ومائتين، وأول سماعه سنة ثمان عشرة ومائتين فأكثر عن يحيى بن يحيى التميمي، والقعنبي وسمع كذلك من أحمد بن يونس وسعيد

стр. 1852

بن منصور، وأحمد بن حنبل وخلق كثير، وعدتهم مائتان وعشرون رجلا. أخرج عنهم في 'الصحيح' وشيوخ آخرين في غيره، روى عنه الترمذي، وإبراهيم بن محمد الفقيه وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وأحمد بن سلمة الحافظ، وابن خزيمة، والحافظ أبو عوانة ونصر بن أحمد الحافظ، وغيرهم. قال أحمد ابن سلمة: رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما. وقال أبو قريش الحافظ: حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالري، ومسلم بنيسابور وعبد الله الدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل ببخارى. وقال الحسين بن محمد الماسرجسي: سمعت أبي يقول: سمعت مسلما يقول: صنفت هذا 'المسند الصحيح' من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة. وقد صنف ﵀ الكثير من المصنفات الحديثية منها: 'الأسماء والكنى' و'العلل' و'الطبقات' وغيرها. توفي ﵀ في شهر رجب سنة إحدى وستين ومائتين بنيسابور عن بضع وخمسين سنة. موقفه من المبتدعة: - لقد أبدى مسلم في صحيحه، براعة فائقة في الرد على المبتدعة، فكان أول كتاب افتتح به صحيحه بعد المقدمة التي ضمنها مدخلا لدراسة السنة عموما، وكتابه على الخصوص، كتاب (الإيمان)، ساق فيه من الأحاديث ما فيه رد على المرجئة والجهمية والخوارج والمعتزلة. فساق من الأحاديث الكثيرة ما يدل على زيادة الإيمان ونقصانه. وساق من أحاديث الشفاعة وعذاب القبر ودخول عصاة الموحدين إلى الجنة، ما يرد به على الخوارج والمعتزلة ومن أحاديث إثبات الرؤية لله يوم القيامة، كما

стр. 1853

ساق في ثنايا الكتاب من أحاديث الصفات ما يرد به على الجهمية وأفراخهم، خالية من التأويل والتحريف الذي هو منهج الجهمية. وعقد كتابا كبيرا في ذكر فضائل أصحاب الرسول ﷺ عموما، والصديق وعمر على الخصوص وما يرد به على الشيعة الذين شغلهم إبليس بسب خيار الأمة. - بعد ما ذكر الإمام مسلم ﵀ جماعة من الضعفاء والكذابين في الحديث قال: وأشباه ما ذكرنا من كلام أهل العلم في متهمي رواة الحديث وإخبارهم عن معايبهم كثير يطول الكتاب بذكره، على استقصائه، وفيما ذكرنا كفاية لمن تفهم وعقل مذهب القوم فيما قالوا من ذلك وبينوا. وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار وأفتوا بذلك حين سئلوا لما فيه من عظيم الخطر؛ إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليل، أو تحريم أو أمر، أو نهي، أو ترغيب، أو ترهيب، فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة، ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه ولم يبين ما فيه لغيره ممن جهل معرفته، كان آثما بفعله ذلك، غاشا لعوام المسلمين، إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار أن يستعملها، أو يستعمل بعضها ولعلها أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها، مع أن الأخبار الصحاح من رواية الثقات وأهل القناعة أكثر من أن يضطر إلى نقل من ليس بثقة ولا مقنع. ولا أحسب كثيرا ممن يعرج من الناس على ما وصفنا من هذه الأحاديث الضعاف والأسانيد المجهولة، ويعتد بروايتها بعد معرفته بما فيها من التوهن والضعف، إلا أن الذي يحمله على روايتها والاعتداد بها إرادة التكثر بذلك عند العوام، ولأن يقال: ما أكثر ما جمع فلان من الحديث وألف من

стр. 1854

العدد. ومن ذهب في العلم هذا المذهب، وسلك هذا الطريق فلا نصيب له فيه وكان بأن يسمى جاهلا أولى من أن ينسب إلى علم. (١) " التعليق: في هذه الكلمة الذهبية فوائد جمة تنبيء عن خبرة واسعة، وعن نصيحة صادقة، وعن إخلاص مستميت وكأنه معاين ما نعانيه من أهل العصر الذين قل علمهم وكثر جهلهم وجهالاتهم، وغشهم للأمة وعدم النصح لها، فجزى الله إمام أهل الحديث خيرا على هذه النصيحة الغالية والتي يستفاد منها: ١ - وجوب بيان الحق وتحريم السكوت عن الباطل. ٢ - بيان بطلان مذهب المستكثرين بالباطل. ٣ - خطر التساهل في تلقي المعلومات كيف ما كان نوعها في تحريم أو تحليل أو أمر أو نهي أو ترغيب أو ترهيب، وشريعة محمد ﷺ لا تخرج عن هذا. ٤ - وجوب النصيحة لأمة محمد ﷺ بقدر الاستطاعة وبقدر الإمكان. موقفه من القدرية: - عقد في صحيحه كتابا سماه: (كتاب القدر).

стр. 1855

أبو زيد عمر بن شَبَّة النُّمَيْرِي (١) (٢٦٢ هـ) العلامة الأخباري عمر بن شبة بن عبيدة بن زيد بن رائطة النميري، أبو زيد البصري النحوي، نزيل بغداد. ولد سنة ثلاث وسبعين ومائة. روى عن يحيى بن سعيد القطان وعلي بن عاصم ويزيد بن هارون وغندر ومعاذ بن معاذ، وطائفة. وروى عنه ابن ماجه وأحمد بن يحيى ثعلب وابن صاعد وابن أبي الدنيا ومحمد بن أحمد الأثرم وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وخلق سواهم. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي وهو صدوق، صاحب عربية وأدب. وقال ابن حبان: مستقيم الحديث، وكان صاحب أدب وشعر وأخبار ومعرفة بأيام الناس. وقال الخطيب: كان ثقة، عالما بالسير وأيام الناس، وله تصانيف كثيرة، وكان قد نزل في آخر عمره سر من رأى، وتوفي بها. وذلك سنة اثنتين وستين ومائتين. موقفه من الجهمية: - جاء في تاريخ بغداد عن أبي علي العنزي قال: امتحن عمر بن شبة بسر من رأى بحضرتي. فقال: القرآن كلام الله ليس بمخلوق. فقالوا له: فتقول من وقف فهو كافر. فقال: لا أكفر أحدا، فقالوا له أنت كافر ومزقوا كتبه، فلزم بيته وحلف أن لا يحدث شهرا، وكان ذلك حدثان قدومه من بغداد بعد الفتنة. (٢)

стр. 1856

موقف السلف من يعقوب بن شيبة (٢٦٢ ه ـ) بيان جهميته: - جاء في السير: قال أحمد بن كامل القاضي: وكان يقف في القرآن. قال الذهبي: أخذ الوقف عن شيخه أحمد المذكور، وقد وقف علي بن الجعد، ومصعب الزبيري، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وجماعة، وخالفهم نحو من ألف إمام، بل سائر أئمة السلف والخلف على نفي الخليقة عن القرآن، وتكفير الجهمية. نسأل الله السلامة في الدين. (١) - وفيها: وقد كان المتوكل أمر عبد الرحمن بن يحيى بن خاقان أن يسأل أحمد بن حنبل عمن يقلد القضاء. قال عبد الرحمن: فسألته عن يعقوب بن شيبة، فقال: مبتدع صاحب هوى. قال الخطيب: وصفه أحمد بذلك لأجل الوقف. (٢) محمد بن أحمد بن حفص بن الزِّبْرِقان (٣) (٢٦٤ هـ) مولى بني عجل، عالم ما وراء النهر، شيخ الحنفية، أبو عبد الله البخاري. تفقه بوالده العلامة أبي حفص. قال أبو عبد الله بن مندة: كان عالم أهل بخارى وشيخهم. وكان قد ارتحل، وسمع من أبي الوليد الطيالسي،

стр. 1857

والحميدي، وأبي نعيم عارم، ويحيى بن يحيى، وعبد الله بن رجاء وطبقتهم. وروى عنه أبو عصمة أحمد بن محمد اليشكري، وعبدان بن يوسف، وعلي ابن حسن بن عبدة، وطائفة، آخرهم وفاة أحمد بن خالد البخاري. رافق البخاري في الطلب مدة، وله كتاب 'الأهواء والاختلاف' وكان ثقة إماما ورعا زاهدا ربانيا، صاحب سنة واتباع، لقي أبا نعيم وهو أكبر شيوخه، وكان يقول بتحريم النبيذ المسكر، وكان أبوه من كبار تلامذة محمد ابن الحسن انتهت إليه رئاسة الأصحاب ببخارى، وإلى ابنه أبي عبد الله هذا. وتفقه عليه أئمة. قال أبو القاسم بن مندة: توفي أبو عبد الله في رمضان سنة أربع وستين ومائتين ﵀. موقفه من الجهمية: له كتاب: 'الرد على اللفظية'. (١) أبو حفص الحداد الصوفي (٢٦٤ ه ـ) موقفه من المبتدعة: - وقال أبو حفص الحداد: من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة، ولم يتهم خواطره، فلا تعده في ديوان الرجال. (٢) - وسئل عن البدعة؟ فقال: التعدي في الأحكام، والتهاون في السنن،

стр. 1858

واتباع الآراء والأهواء، وترك الاتباع والاقتداء. (١) أبو زُرْعَة الرازي (٢) (٢٦٤ هـ) الإمام سيد الحفاظ أحد الأئمة المشهورين، والأعلام المذكورين، والجوالين المكثرين، والحفاظ المتقنين، عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ مولى عياش بن مطرف القرشي، أبو زرعة الرازي. جالس الإمام أحمد مدة. وسمع أبا نعيم وقبيصة وخلاد بن يحيى ومسلم بن إبراهيم والقعنبي، وطبقتهم بالحرمين والعراق والشام والجزيرة وخراسان ومصر. وكان من أفراد الدهر حفظا وذكاء ودينا وإخلاصا وعلما وعملا. حدث عنه مسلم وابن خالته أبو حاتم، والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو عوانة وابن أبي حاتم وآخرون. قال البخاري: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: نزل أبو زرعة عندنا فقال لي أبي: يا بني قد اعتضت عن نوافلي بمذاكرة هذا الشيخ. قال صالح بن محمد: سمعت أبا زرعة يقول كتبت عن ابن أبي شيبة مائة ألف حديث، وعن إبراهيم بن موسى الرازي مائة ألف، قلت: تقدر أن تملي علي ألف حديث من حفظك؟ قال: لا ولكني إذا ألقي علي عرفت. قال ابن أبي شيبة: ما رأيت أحفظ من أبي زرعة. قال أبو يعلى الموصلي: ما سمعنا بذكر

стр. 1859

أحد في الحفظ، إلا كان اسمه أكبر من رؤيته، إلا أبا زرعة الرازي، فإن مشاهدته كانت أعظم من اسمه وكان قد جمع حفظ الأبواب والشيوخ والتفسير، كتبنا بانتخابه بواسط ستة آلاف حديث. قال إسحاق بن راهويه: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة الرازي فليس بحديث. قال يونس بن عبد الأعلى: ما رأيت أكثر تواضعا من أبي زرعة، هو وأبو حاتم إماما خراسان. ومناقبه وسيرته ﵀ أكبر من أن تذكر في سطور. مات بالري يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء سلخ ذي الحجة سنة أربع وستين ومائتين. موقفه من المبتدعة والصوفية: - قال الحافظ سعيد بن عمرو البردعي: شهدت أبا زرعة -وقد سئل عن الحارث المحاسبي وكتبه- فقال للسائل: إياك وهذه الكتب، هذه كتب بدع وضلالات؛ عليك بالأثر؛ فإنك تجد فيه ما يغنيك. قيل له: في هذه الكتب عبرة. فقال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة، بلغكم أن سفيان ومالكا والأوزاعي صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس؟ ما أسرع الناس إلى البدع. (١) " التعليق: قال الذهبي: مات الحارث سنة ثلاث وأربعين ومائتين. وأين مثل الحارث؟ فكيف لو رأى أبو زرعة تصانيف المتأخرين كالقوت لأبي طالب؟ وأين مثل القوت؟ كيف لو رأى بهجة الأسرار لابن جهضم، وحقائق

стр. 1860

التفسير للسلمي؟ لطار لبه، كيف لو رأى تصانيف أبي حامد الطوسي في ذلك على كثرة ما في الإحياء من الموضوعات؟ كيف لو رأى الغنية للشيخ عبد القادر؟ كيف لو رأى فصوص الحكم والفتوحات المكية؟ بلى لما كان الحارث لسان القوم في ذلك العصر، كان معاصره ألف إمام في الحديث، فيهم مثل أحمد بن حنبل، وابن راهويه؛ ولما صار أئمة الحديث مثل ابن الدخميسي، وابن شحانة كان قطب العارفين كصاحب الفصوص، وابن سفيان. نسأل الله العفو والمسامحة آمين. (١) قلت: في جواب الإمام أبي زرعة تكميم لأفواه الخراصين الذين يولدون مثل هذه الأسئلة السمجة التي تنم عن جهل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وجهل بما خصهما الله به من الهداية. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ
следующие страницы →