← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

موقف السلف من يعقوب بن شيبة (٢٦٢ ه ـ) بيان جهميته: - جاء في السير: قال أحمد بن كامل القاضي: وكان يقف في القرآن. قال الذهبي: أخذ الوقف عن شيخه أحمد المذكور، وقد وقف علي بن الجعد، ومصعب الزبيري، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وجماعة، وخالفهم نحو من ألف إمام، بل سائر أئمة السلف والخلف على نفي الخليقة عن القرآن، وتكفير الجهمية. نسأل الله السلامة في الدين. (١) - وفيها: وقد كان المتوكل أمر عبد الرحمن بن يحيى بن خاقان أن يسأل أحمد بن حنبل عمن يقلد القضاء. قال عبد الرحمن: فسألته عن يعقوب بن شيبة، فقال: مبتدع صاحب هوى. قال الخطيب: وصفه أحمد بذلك لأجل الوقف. (٢) محمد بن أحمد بن حفص بن الزِّبْرِقان (٣) (٢٦٤ هـ) مولى بني عجل، عالم ما وراء النهر، شيخ الحنفية، أبو عبد الله البخاري. تفقه بوالده العلامة أبي حفص. قال أبو عبد الله بن مندة: كان عالم أهل بخارى وشيخهم. وكان قد ارتحل، وسمع من أبي الوليد الطيالسي،

стр. 1857

والحميدي، وأبي نعيم عارم، ويحيى بن يحيى، وعبد الله بن رجاء وطبقتهم. وروى عنه أبو عصمة أحمد بن محمد اليشكري، وعبدان بن يوسف، وعلي ابن حسن بن عبدة، وطائفة، آخرهم وفاة أحمد بن خالد البخاري. رافق البخاري في الطلب مدة، وله كتاب 'الأهواء والاختلاف' وكان ثقة إماما ورعا زاهدا ربانيا، صاحب سنة واتباع، لقي أبا نعيم وهو أكبر شيوخه، وكان يقول بتحريم النبيذ المسكر، وكان أبوه من كبار تلامذة محمد ابن الحسن انتهت إليه رئاسة الأصحاب ببخارى، وإلى ابنه أبي عبد الله هذا. وتفقه عليه أئمة. قال أبو القاسم بن مندة: توفي أبو عبد الله في رمضان سنة أربع وستين ومائتين ﵀. موقفه من الجهمية: له كتاب: 'الرد على اللفظية'. (١) أبو حفص الحداد الصوفي (٢٦٤ ه ـ) موقفه من المبتدعة: - وقال أبو حفص الحداد: من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة، ولم يتهم خواطره، فلا تعده في ديوان الرجال. (٢) - وسئل عن البدعة؟ فقال: التعدي في الأحكام، والتهاون في السنن،

стр. 1858

واتباع الآراء والأهواء، وترك الاتباع والاقتداء. (١) أبو زُرْعَة الرازي (٢) (٢٦٤ هـ) الإمام سيد الحفاظ أحد الأئمة المشهورين، والأعلام المذكورين، والجوالين المكثرين، والحفاظ المتقنين، عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ مولى عياش بن مطرف القرشي، أبو زرعة الرازي. جالس الإمام أحمد مدة. وسمع أبا نعيم وقبيصة وخلاد بن يحيى ومسلم بن إبراهيم والقعنبي، وطبقتهم بالحرمين والعراق والشام والجزيرة وخراسان ومصر. وكان من أفراد الدهر حفظا وذكاء ودينا وإخلاصا وعلما وعملا. حدث عنه مسلم وابن خالته أبو حاتم، والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو عوانة وابن أبي حاتم وآخرون. قال البخاري: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: نزل أبو زرعة عندنا فقال لي أبي: يا بني قد اعتضت عن نوافلي بمذاكرة هذا الشيخ. قال صالح بن محمد: سمعت أبا زرعة يقول كتبت عن ابن أبي شيبة مائة ألف حديث، وعن إبراهيم بن موسى الرازي مائة ألف، قلت: تقدر أن تملي علي ألف حديث من حفظك؟ قال: لا ولكني إذا ألقي علي عرفت. قال ابن أبي شيبة: ما رأيت أحفظ من أبي زرعة. قال أبو يعلى الموصلي: ما سمعنا بذكر

стр. 1859

أحد في الحفظ، إلا كان اسمه أكبر من رؤيته، إلا أبا زرعة الرازي، فإن مشاهدته كانت أعظم من اسمه وكان قد جمع حفظ الأبواب والشيوخ والتفسير، كتبنا بانتخابه بواسط ستة آلاف حديث. قال إسحاق بن راهويه: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة الرازي فليس بحديث. قال يونس بن عبد الأعلى: ما رأيت أكثر تواضعا من أبي زرعة، هو وأبو حاتم إماما خراسان. ومناقبه وسيرته ﵀ أكبر من أن تذكر في سطور. مات بالري يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء سلخ ذي الحجة سنة أربع وستين ومائتين. موقفه من المبتدعة والصوفية: - قال الحافظ سعيد بن عمرو البردعي: شهدت أبا زرعة -وقد سئل عن الحارث المحاسبي وكتبه- فقال للسائل: إياك وهذه الكتب، هذه كتب بدع وضلالات؛ عليك بالأثر؛ فإنك تجد فيه ما يغنيك. قيل له: في هذه الكتب عبرة. فقال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة، بلغكم أن سفيان ومالكا والأوزاعي صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس؟ ما أسرع الناس إلى البدع. (١) " التعليق: قال الذهبي: مات الحارث سنة ثلاث وأربعين ومائتين. وأين مثل الحارث؟ فكيف لو رأى أبو زرعة تصانيف المتأخرين كالقوت لأبي طالب؟ وأين مثل القوت؟ كيف لو رأى بهجة الأسرار لابن جهضم، وحقائق

стр. 1860

التفسير للسلمي؟ لطار لبه، كيف لو رأى تصانيف أبي حامد الطوسي في ذلك على كثرة ما في الإحياء من الموضوعات؟ كيف لو رأى الغنية للشيخ عبد القادر؟ كيف لو رأى فصوص الحكم والفتوحات المكية؟ بلى لما كان الحارث لسان القوم في ذلك العصر، كان معاصره ألف إمام في الحديث، فيهم مثل أحمد بن حنبل، وابن راهويه؛ ولما صار أئمة الحديث مثل ابن الدخميسي، وابن شحانة كان قطب العارفين كصاحب الفصوص، وابن سفيان. نسأل الله العفو والمسامحة آمين. (١) قلت: في جواب الإمام أبي زرعة تكميم لأفواه الخراصين الذين يولدون مثل هذه الأسئلة السمجة التي تنم عن جهل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وجهل بما خصهما الله به من الهداية. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ

стр. 1861

يَتَوَكَّلُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. - عن عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان من ذلك؟ فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار -حجازا وعراقا وشاما ويمنا- فكان من مذهبهم: الإيمان: قول وعمل، يزيد وينقص. والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته. والقدر خيره وشره من الله . وخير هذه الأمة بعد نبيها ﵊ أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب ﵈، وهم الخلفاء الراشدون المهديون، وأن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ ، وشهد لهم بالجنة على ما شهد به رسول الله ﷺ ، وقوله الحق. والترحم على جميع أصحاب محمد ﷺ والكف عما شجر بينهم. وأن الله على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ بلا كيف، أحاط بكل شيء علما ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١)، وأنه ﵎ يرى في

стр. 1862

الآخرة؛ يراه أهل الجنة بأبصارهم ويسمعون كلامه كيف شاء وكما شاء. والجنة حق والنار حق، وهما مخلوقان لا يفنيان أبدا، والجنة ثواب لأوليائه والنار عقاب لأهل معصيته، إلا من رحم الله . والصراط حق والميزان حق له كفتان توزن فيه أعمال العباد حسنها وسيئها حق، والحوض المكرم به نبينا حق، والشفاعة حق، والبعث من بعد الموت حق. وأهل الكبائر في مشيئة الله ، ولا نكفر أهل القبلة بذنوبهم ونكل أسرارهم إلى الله عزوجل، ونقيم فرض الجهاد والحج مع أئمة المسلمين في كل دهر وزمان، ولا نرى الخروج على الأئمة ولا القتال في الفتنة، ونسمع ونطيع لمن ولاه الله أمرنا ولا ننزع يدا من طاعة ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة. وأن الجهاد ماض مذ بعث الله نبيه ﵊ إلى قيام الساعة مع أولي الأمر من أئمة المسلمين لا يبطله شيء. والحج كذلك ودفع الصدقات من السوائم إلى أولي الأمر من أئمة المسلمين، والناس مؤمنون في أحكامهم ومواريثهم ... والمرجئة المبتدعة ضلال، والقدرية المبتدعة ضلال. فمن أنكر منهم أن الله لا يعلم ما لم يكن قبل أن يكون فهو كافر. وأن الجهمية كفار وأن الرافضة رفضوا الإسلام والخوارج مراق. ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفرا ينقل عن الملة. ومن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر، ومن شك في كلام الله فوقف شاكا فيه يقول لا أدري مخلوق أو غير مخلوق فهو جهمي. ومن وقف في القرآن جاهلا علم وبدع

стр. 1863

ولم يكفر. ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي أو القرآن بلفظي مخلوق فهو جهمي ... - قال أبو محمد: وسمعت أبي وأبا زرعة يأمران بهجران أهل الزيغ والبدع يغلظان في ذلك أشد التغليظ وينكران وضع الكتب برأي في غير آثار. وينهيان عن مجالسة أهل الكلام والنظر في كتب المتكلمين ويقولان لا يفلح صاحب كلام أبدا. (١) موقفه من الرافضة: جاء في الكفاية: عن أحمد بن محمد بن سليمان التستري قال: سمعت أبا زرعة يقول: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق والقرآن حق وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة. (٢) - وروى ابن عساكر عن أبي زرعة الرازي أنه قال له رجل: إني أبغض معاوية، فقال له: ولم؟ قال: لأنه قاتل عليا، فقال له أبو زرعة: ويحك إن رب معاوية رحيم، وخصم معاوية خصم كريم، فإيش دخولك أنت بينهما؟ ﵄. (٣)

стр. 1864

موقفه من الجهمية: - جاء في أصول الاعتقاد: قال عبد الرحمن: سئل أبو زرعة عن أفعال العباد فقال: مخلوقة. فقيل له: لفظنا بالقرآن من أفعالنا؟ قال: لا يقال هذا. (١) -قال شيخ الإسلام: وروي عن أبي زرعة الرازي أنه لما سئل عن تفسير قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٢) فقال: تفسيره كما يقرأ، هو على العرش، وعلمه في كل مكان، ومن قال غير هذا فعليه لعنة الله. (٣) - عن أبي زرعة، قال: إن الذي عندنا أن القوم لم يزالوا يعبدون خالقا كاملا لصفاته ومن زعم أن الله كان ولا علم ثم خلق علما فعلم بخلقه، أو لم يكن متكلما فخلق كلاما ثم تكلم به، أو لم يكن سميعا بصيرا ثم خلق سمعا وبصرا، فقد نسبه إلى النقص، وقائل هذا كافر. لم يزل الله كاملا بصفاته لم يحدث فيه صفة، ولا تزول عنه صفة قبل أن يخلق الخلق وبعد ما خلق الخلق كاملا بصفاته، فمن وجه أن الرب ﵎ يتكلم كيف يتكلم بشفتين ولسان ولهوات، فهذه السماوات والأرض قال لهما: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (٤) أفهاهنا شفتان ولسان ولهوات. (٥)

стр. 1865

- وجاء في الميزان: قال أبو زرعة الرازي: بشر المريسي زنديق. (١) المُزَنِي (٢) (٢٦٤ هـ) الإمام العلامة، فقيه الملة، علم الزهاد، أبو إبراهيم، إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن مسلم المزني المصري، تلميذ الشافعي، مولده في سنة موت الليث بن سعد سنة خمس وسبعين ومائة. حدث عن الشافعي، وعن علي بن معبد بن شداد، ونعيم بن حماد، وغيرهم. حدث عنه إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة، وأبو جعفر الطحاوي وأبو نعيم بن عدي، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وخلق كثير من المشارقة والمغاربة. وامتلأت البلاد بمختصره في الفقه، وشرحه عدة من الكبار، بحيث يقال: كانت البكر يكون في جهازها نسخة من مختصر المزني. قال الفقيه أبو إسحاق: فأما الشافعي ﵀ فقد انتقل فقهه إلى أصحابه، فمنهم أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، مات بمصر. قال: وكان زاهدا عالما مناظرا محجاجا غواصا على المعاني الدقيقة صنف كتبا كثيرة: 'الجامع الكبير'، و'الجامع الصغير' و'المنثور' و'المسائل المعتبرة' و'الترغيب في العلم' وكتاب 'الوثائق'. قال الشافعي: المزني ناصر مذهبي. وعن عمرو بن عثمان المكي، قال: ما رأيت أحدا من المتعبدين في كثرة من لقيت منهم أشد اجتهادا من المزني، ولا أدوم على العبادة منه، وما

стр. 1866

رأيت أحدا أشد تعظيما للعلم وأهله منه، وكان من أشد الناس تضييقا على نفسه في الورع، وأوسعه في ذلك على الناس، وكان يقول: أنا خلق من أخلاق الشافعي. وبه انتشر مذهب الإمام الشافعي. وكان يغسل الموتى تعبدا واحتسابا، وهو القائل: تعانيت غسل الموتى ليرق قلبي فصار لي عادة، وهو الذي غسل الشافعي ﵀. توفي في رمضان لست بقين من سنة أربع وستين ومائتين. وله تسع وثمانون سنة. موقفه من المبتدعة: - قال شيخ الإسلام: وفي مختصر المزني لما ذكر أنه اختصره من مذهب الشافعي لمن أراد معرفة مذهبه قال: مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره من العلماء. (١) - قال ابن عبد البر: وقد احتج جماعة من الفقهاء وأهل النظر على من أجاز التقليد بحجج نظرية عقلية بغير ما تقدم، فأحسن ما رأيت من ذلك قول المزني ﵀، وأنا أورده، قال: يقال لمن حكم بالتقليد: هل لك من حجة فيما حكمت به؟ فإن قال: 'نعم' أبطل التقليد لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد. وإن قال: 'حكمت فيه بغير حجة ' قيل له: فلم أرقت الدماء وأبحت الفروج وأتلفت الأموال وقد حرم الله ذلك إلا بحجة؟ قال الله : ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ (٢) أي من حجة بها. فإن قال: 'أنا

стр. 1867

أعلم أني قد أصبت وإن لم أعرف الحجة لأني قلدت كبيرا من العلماء وهو لا يقول إلا بحجة خفيت علي' قيل له: إذا جاز تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عليك فتقليد معلم معلمك أولى لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت على معلمك، كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت عليك، فإن قال: 'نعم' ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه، وكذلك من هو أعلى حتى ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول الله ﷺ ، وإن أبى ذلك نقض قوله، وقيل له: كيف تجوز تقليد من هو أصغر وأقل علما ولا تجوز تقليد من هو أكبر وأكثر علما وهذا تناقض؟ فإن قال: ' لأن معلمي وإن كان أصغر فقد جمع علم من هو فوقه إلى علمه فهو أبصر بما أخذ وأعلم بما ترك' قيل له: وكذلك من تعلم من معلمك فقد جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمه، فيلزمك تقليده وترك تقليد معلمك، وكذلك أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك؛ لأنك جمعت علم معلمك وعلم من هو فوقه إلى علمك، فإنفاذ (١) قولِه جعلُ الأصغر ومن يحدث من صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليد التابع، والتابع من دونه في قياس قوله، والأعلى للأدنى أبدا وكفى بقول يؤول إلى هذا قبحا وفسادا. (٢) موقفه من الجهمية: - جاء في أصول الاعتقاد: عن محمد بن هارون بن حفص قال: سمعت عبد السلام بن شنقار المصري يقول: جاء كتاب من المحلة إلى المزني يسأل عن

стр. 1868

رجل قال: ورب يس لا فعلت كذا، ففعل فحنث؟ قال المزني: لا شيء عليه، ومن قال حانث يقول: القرآن مخلوق. (١) - وفيه: عن يوسف بن موسى قال: كنا عند أبي إبراهيم المزني فتقدمت أنا وأصحاب لنا إليه فقلنا: نحن قوم من خراسان وقد نشأ عندنا قوم يقولون: القرآن مخلوق ولسنا ممن نخوض في الكلام ولا نستفتيك في هذه المسألة إلا لديننا ولمن عندنا لنخبرهم عنك -ثم كتبنا عنه- فقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، فمن قال القرآن مخلوق فهو كافر. (٢) - وفي الفتاوى الكبرى: قال محمد بن عقيل بن الأزهر الفقيه: جاء رجل إلى المزني فسأله عن شيء من الكلام، فقال: إني أكره هذا بل أنهى عنه كما نهى عنه الشافعي. (٣) - وفي السير: قال عمرو بن تميم المكي: سمعت محمد بن إسماعيل الترمذي قال: سمعت المزني يقول: لا يصح لأحد توحيد حتى يعلم أن الله تعالى على العرش بصفاته. قلت له: مثل أي شيء؟ قال: سميع بصير عليم. (٤) - وفي ذم الكلام عنه قال: القرآن كلام الله غير مخلوق، وما دنت بغير هذا قط، ومن قال مخلوق، فهو كافر، ولكن الشافعي كان ينهى عن الكلام. (٥)

стр. 1869

- وفيه: عن أحمد بن محمد بن عمر المنكدري قال: سمعت أبا إبراهيم بن يحيى المزني في علته التي توفي فيها يقول: جعلت الناس كلهم في حل إلا من ذكر أني تكلمت في شيء من القرآن. لفظ أو وقف. كنت رجلا من العرب من أولاد المهاجرين، فكرهت أن أسلم نفسي للصبيان أن يلعبوا بي، سألوني عن القرآن فأمسكت تعجبا، وما أجبت فيه بشيء ولا يتعلق أحد من الناس أني قلت شيئا. (١) آثاره السلفية: - وله كتاب السنة: وهي رسالة نقلها الإمام ابن القيم في 'اجتماع الجيوش'، أسلوبها رائع وهي غزيرة المعاني كثيرة الفوائد. (٢) موقفه من المرجئة: - عن أبي سعيد الفريابي قال: سألت المزني في مرضه الذي توفي فيه عن الإيمان -وهو يومئذ ثقيل من المرض يغمى عليه مرة ويفيق مرة، وقد كانوا صرخوا عليه تلك الليلة وظنوا أنه قد مات- فقلت له: أنت إمامي بعد كتاب الله وسنة نبيه ﷺ قولك في الإيمان: إن الناس قد اختلفوا فيه: فمنهم من زعم: أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص. ومنهم من قال: قول وعمل يزيد، ومنهم من قال قول والعمل شرائعه. فقال مجيبا بسؤال ثقيل: من الذي يقول: قول وعمل؟ قلت: مالك والليث بن سعد وابن جريج وذكرت له جماعة فقال: لا يعجبني أو لا أحبه أن يكفر أحد إنما قال سلني عن الاسم أو معنى الاسم فتعجبت من سؤاله إيايي مع ما هو فيه وهو يغمى عليه فيما بين

стр. 1870

ذلك. ثم قال: من أخطأ في الاسم ليس كمن أخطأ في المعنى، الخطأ في المعنى أصعب. ثم قال: فيما يقول هذا القائل فيمن جهل بعض الأعمال؟ هو مثل من جهل المعرفة -يريد التوحيد كله- ثم قال: هذا باب لم أعمل فيه فكري ولكن انظر لك فيه. فلما قال لي ذلك أغمي عليه فقبلت جبينه ولم يعلم بذلك وما شعر بي وذلك أني قبلت في ذلك [المجلس يده] فمد يدي فقبلها فلما كان بعد العصر من يومي ذلك رجعت إليه فقال لي ابن أخيه عتيق: إنه سأل عنك، وقال: قل له: الإيمان: قول وعمل فقعدت عنده حذاء وجهه ففتح عينه ثقيلا فقال لي: الفريابي؟ قلت نعم أكرمك الله. قال: لا خلاف بين الناس أن النبي ﷺ طاف بالبيت قال: (إيمانا بك وتصديقا بكتابك) وهذا دليل على أن جميع الأعمال من الإيمان. قال أبو سعيد: هذا آخر مسألة سألت المزني عنها ومات بعد هذا بثلاثة أيام. (١) موقفه من القدرية: - جاء في أصول الاعتقاد: عن عصام بن منصور الرازي قال: سألت المزني عن معنى حديث ابن مسعود عندما قال: إن يك صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان؟ قال المزني: يحتمل عندي أن ذلك من محبته لأنه عدو الله يحب الخطأ ويكره الصواب فأضاف إلى الشيطان لأن الشيطان كان له في ذلك صنع. وقد قال الله : ﴿لا تعبدوا الشيطان﴾ (٢) لا أنهم

стр. 1871

قصدوه بالعبادة ولكن لما عملوا بالمعاصي التي نهاهم الله عنها جعل ذلك عبادة للشيطان لأن ذلك من شأنه فأضاف ذلك إليه لا أنهم قصدوا عبادته ولا إجلاله ولا إعظامه وقال الله ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (١). قال في التفسير: لم يعبدوهم ولكنهم كانوا إذا حرموا شيئا حرموه وإذا أحلوا أحلوه لا أنهم اتخذوهم أربابا ولكن أطاعوهم فسموا بذلك. وقال صاحب الخضر: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ وقال: ﴿وَأَضَلَّهُمُ السامري﴾ (٣) وقال: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت﴾ (٤) وقال: ﴿اللَّهُ يتوفى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ (٥) فالله الخالق لكل ذلك وإن أضيفت الأسباب إلى من يدعو إليها والله الخالق لا غير الله وأفعال العباد مخلوقة لا يقدر أحد أن يشاء شيئا إلا أن يشاء الله وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٦).اهـ (٧) - وفيه: عن عصام بن الفضل: سمعت المزني يقول سألت الشافعي عن

стр. 1872

قول النبي ﷺ : "ستة لعنهم الله ... فذكر المكذب بالقدر" (١) فقلت له من القدرية؟ فقال: نعم هم الذين زعموا أن الله لا يعلم المعاصي حتى تكون. قال المزني: هذا عندي كفر. (٢) عبد الله بن أيوب المُخَرِّمي (٣) (٢٦٥ هـ) الإمام المحدث أبو محمد عبد الله بن محمد بن أيوب بن صبيح البغدادي سمع من سفيان بن عيينة، ويحيى بن سليمان، وعبد المجيد بن عبد العزيز. وروى عنه علي ابن حسنويه القطان، ويحيى بن محمد، وإسماعيل بن محمد الصفار. قال عنه محمد بن سليمان الباغندي: خرج توقيع الخليفة بتقليده القضاء، فانحدرت في الحال من سرمن رأى إلى بغداد فدققت عليه الباب فخرج إلي، فقلت له: البشرى، فقال: بشرك الله بخير، وما هي؟ قال: قلت: خرج توقيع السلطان بتقليدك القضاء، قال: فأطبق الباب وقال: بشرك الله بالنار. وجاء أصحاب السلطان إليه فلم يظهر إليهم فانصرفوا. توفي سنة خمس وستين ومائتين.

стр. 1873

موقفه من الجهمية: - عن أبي بكر: سمعت عبد الله بن أيوب المخرمي يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: إنه مخلوق؛ فقد أبطل الصوم والحج والجهاد وفرائض الله، ومن أبطل واحدة من هذه الفرائض؛ فهو كافر بالله العظيم، ومن قال: إن لفظي بالقرآن غير مخلوق؛ فهو ضال مبتدع، أدركت ابن عيينة، ويحيى بن سليم، ووكيع بن الجراح، وعبد الله بن نمير وجماعة من علماء الحجاز والبصرة والكوفة ما سمعت أحدا منهم قال: لفظي بالقرآن مخلوق، ولا غير مخلوق. وقد صح عندنا أن أبا عبد الله -أحمد بن حنبل- نهى أن يقال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فمن قال بخلاف ما قال أبو عبد الله؛ فقد صحت بدعته. (١) علي بن حرب بن محمد (٢) (٢٦٥ هـ) علي بن حرب بن محمد، الإمام المحدث، الثقة الأديب أبو الحسن الموصلي. ولد بأذربيجان سنة خمس وسبعين ومائة. سمع سفيان بن عيينة، وحفص بن غياث، وعبد الله بن إدريس. وحدث عنه النسائي، وابن أبي حاتم، وأبو عوانة. قال يزيد بن محمد: رحل علي مع أبيه وسمع وصنف وخرج المسند، وكان عالما بأخبار العرب وأنسابها، أديبا شاعرا. توفي ﵀ في شوال سنة

стр. 1874

خمس وستين ومائتين بالموصل. موقفه من المبتدعة: - قال علي بن حرب: من قدر أن لا يكتب الحديث إلا عن صاحب سنة فإنهم يكذبون، كل صاحب هوى يكذب ولا يبالي. (١) محمد بن سَحْنُون (٢) (٢٦٥ هـ) أبو عبد الله محمد بن سحنون بن سعيد التَّنُوخِي الفقيه المالكي القَيْرَواني. كان حافظا خبيرا بمذهب مالك، عالما بالآثار. تفقه بأبيه، وسمع من ابن أبي حسان، وموسى بن معاوية، وعبد العزيز بن كاسب. وسمع من سلمة بن شبيب. كان الغالب عليه الفقه والمناظرة، وكان يحسن الحجة والذب عن أهل السنة والمذهب، والرد على أهل الأهواء. واشتهر بالتأليف، ألف كتابه المشهور 'الجامع' جمع فيه فنون العلم والفقه، وكتاب السير وكتاب التاريخ وكتاب الزهد والأمانة وكتاب تحريم المسكر ورسالة فيمن سب النبي ﷺ ورسالة في السنة وكتاب 'الحجة على القدرية' وكتاب 'الحجة على النصارى' وكتاب 'الرد على البكرية' وكتاب 'الإيمان والرد على أهل الشرك' وكتاب 'الرد على أهل البدع'. توفي سنة خمس وستين ومائتين، بعد موت أبيه بست عشرة سنة، وكانت وفاته بالساحل، وجيء به إلى القيروان، فدفن بها.

стр. 1875

موقفه من المشركين: - وقال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم النبي ﷺ والمتنقص له كافر والوعيد جار عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة القتل ومن شك في كفره وعذابه كفر. (١) محمد بن عبد الله بن عبد الحكم (٢) (٢٦٨ هـ) الإمام الحافظ شيخ الإسلام فقيه عصره أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث المصري الفقيه. ولد سنة اثنتين وثمانين ومائة. سمع من: عبد الله بن وهب بعناية أبيه به، وأبي ضمرة الليثي وابن أبي فديك، وأشهب بن عبد العزيز، ووالده عبد الله بن عبد الحكم، وأبي عبد الرحمن المقرئ، والإمام الشافعي، وطائفة. وعنه النسائي وابن خزيمة، وأبو جعفر الطحاوي وعبد الرحمن بن أبي حاتم وخلق كثير. وكان عالم الديار المصرية في عصره مع المزني. وقال ابن خزيمة: ما رأيت في فقهاء الإسلام أعلم بأقاويل الصحابة والتابعين من محمد بن عبد الله بن عبد الحكم. وقال: كان أعلم من رأيت على أديم الأرض بمذهب مالك، وأحفظهم له، سمعته يقول: كنت أتعجب ممن يقول في المسائل: لا أدري. قال ابن الحارث: كان من العلماء

стр. 1876

الفقهاء، مبرزا من أهل النظر والمناظرة والحجة، فيما يتكلم فيه، ويتقلد من مذهبه، وإليه كانت الرحلة من المغرب والأندلس في العلم والفقه. له تصانيف كثيرة منها: 'الرد على الشافعي' و'أحكام القرآن' و'الرد على فقهاء العراق' وغيرها. قال أبو عمر بن عبد البر: كان فقيها نبيلا جميلا وجيها في زمنه. قال سعيد بن عثمان: وكان عالما متواضعا ثقة كان أهل مصر لا يعدلون به أحدا. توفي رحمه الله تعالى يوم الأربعاء سنة ثمان وستين ومائتين. موقفه من المبتدعة: - عن ابن عبد الحكم، قال: ما رأت عيني قط مثل الشافعي، قدمت المدينة، فرأيت أصحاب عبد الملك بن الماجشون يغلون بصاحبهم، يقولون: صاحبنا الذي قطع الشافعي، قال: فلقيت عبد الملك، فسألته عن مسألة، فأجابني، فقلت: الحجة؟ قال: لأن مالكا قال كذا وكذا، فقلت في نفسي: هيهات، أسألك عن الحجة، وتقول: قال معلمي. وإنما الحجة عليك وعلى معلمك. (١) موقفه من الجهمية: روى اللالكائي بسنده إلى أحمد بن محمد بن الحسين قال: سئل محمد ابن عبد الله بن عبد الحكم هل يرى الخلق كلهم ربهم يوم القيامة: المؤمنون والكفار؟ فقال محمد: ليس يراه إلا المؤمنون. قال محمد: وسئل الشافعي عن الرؤية؟ فقال: يقول الله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ ربهم يومئذٍ

стр. 1877

لَمَحْجُوبُونَ﴾ (١) ففي هذا دليل على أن المؤمنين لا يحجبون عن الله . (٢) - وفي السير: عن أبي إسحاق الشيرازي، قال: حمل محمد في محنة القرآن إلى ابن أبي دؤاد، ولم يجب إلى ما طلب منه، ورد إلى مصر، وانتهت إليه الرئاسة في مصر، يعني: في العلم. وذكر غيره أن ابن عبد الحكم ضرب، فهرب واختفى. وقد نالته محنة أخرى صعبة. (٣) الربيع بن سليمان المُرَادِي (٤) (٢٧٠ هـ) الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل، الإمام المحدث الفقيه الكبير، بقية الأعلام، أبو محمد المرادي، مولاهم المصري المؤذن. صاحب الإمام الشافعي، وناقل علمه، وشيخ المؤذنين بجامع الفسطاط ومستملي مشايخ وقته. مولده في سنة أربع وسبعين ومائة أو قبلها بعام. سمع عبد الله بن وهب، وبشر بن بكر التنيسي، وأيوب بن سويد الرملي، وأسد السنة، وعددا كثيرا. ولم يكن صاحب رحلة، وحدث عنه أبو داود، وابن ماجه، والنسائي وأبو عيسى بواسطة في كتبهم، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو جعفر الطحاوي،

стр. 1878

وخلق كثير من المشارقة والمغاربة، وروى عنه الترمذي إجازة. وطال عمره واشتهر اسمه، وازدحم عليه أصحاب الحديث ونعم الشيخ كان، أفنى عمره في العلم ونشره. قال النسائي وغيره: لا بأس به. وروي عن الشافعي أنه قال للربيع: لو أمكنني أن أطعمك العلم لأطعمتك. وقال أيضا: الربيع راوية كتبي. قال أبو جعفر الطحاوي: مات الربيع مؤذن جامع الفسطاط في يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء لإحدى وعشرين ليلة خلت من شوال سنة سبعين ومائتين وصلى عليه الأمير خُمَارويه صاحب مصر. موقفه من الجهمية: - جاء في أصول الاعتقاد: قال محمد بن حمدان الطرائفي البغدادي: قال: سألت الربيع بن سليمان، عن القرآن، فقال: كلام الله غير مخلوق، فمن قال غير هذا، فإن مرض فلا تعودوه، وإن مات فلا تشهدوا جنازته، كافر بالله العظيم. (١) " التعليق: هكذا كان أصحاب الإمام الشافعي على عقيدة السلف، وأما الآن، فهم بين صوفية خرافية وبين أشعرية كلامية إلا من رحم الله. إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل (٢) (٢٧٠ هـ) الإمام الحافظ، أبو إسحاق، إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن سهل

стр. 1879

القرشي، مولاهم الكوفي نزيل مصر. يعرف بترنجة. حدث عن جعفر بن عون، وسعيد بن أبي مريم، وأبي نعيم، وطلق بن غنام وخلق. وروى عنه ابن خزيمة، والطحاوي، وابن زياد النيسابوري، وعبد الرحمن بن أبي حاتم وقال: هو صدوق. مات في جمادى الأولى سنة سبعين ومائتين، وكان قد فلج وثقل لسانه قبل موته بيسير. موقفه من الرافضة: - عن عبد الله بن محمد بن زياد قال: سمعت القاسم بن محمد أبا محمد الأشيب يقول لإسماعيل بن إسماعيل: أتي المأمون بالرقة برجلين شتم أحدهما فاطمة والآخر عائشة فأمر بقتل الذي شتم فاطمة وترك الآخر فقال: إسماعيل، ما حكمهما إلا أن يقتلا لأن الذي شتم عائشة رد القرآن. (١) محمد بن إسحاق الصَّاغَانِي (٢) (٢٧٠ هـ) محمد بن إسحاق بن جعفر، أبو بكر الصاغاني البغدادي، ولد في حدود الثمانين ومائة. كان ذا معرفة واسعة ورحلة شاسعة، بارعا في العلل والرجال. سمع من عبد الوهاب بن عطاء، ويعلى بن عبيد، وسعيد بن أبي مريم. وعنه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وأبو عوانة، وابن أبي حاتم. قال الخطيب: كان أحد الأثبات المتقنين

стр. 1880

مع صلابة في الدين، واشتهار بالسنة، واتساع في الرواية، رحل في طلب العلم، وكتب عن أهل بغداد، والبصرة والكوفة والمدينة ومكة والشام ومصر. توفي في سابع صفر سنة سبعين ومائتين. موقفه من الجهمية: - عن أبي بكر المروذي: قال: وسمعت محمد بن إسحاق الصاغاني يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، فمن قال إنه مخلوق، فهو كافر. (١) شاه الكرماني الصوفي (٢٧٠ ه ـ) موقفه من المبتدعة: - قال شاه الكرماني: من غض بصره عن المحارم، وأمسك نفسه عن الشبهات، وعمر باطنه بدوام المراقبة وظاهره باتباع السنة، وعود نفسه أكل الحلال، لم تخطئ له فراسة. (٢) الحسن بن زيد الداعي (٢٧٠ ه ـ) موقفه من الرافضة: جاء في أصول الاعتقاد عن أبي السائب عتبة بن عبد الله الهمداني قاضي القضاة قال: كنت يوما بحضرة الحسن بن زيد الداعي بطبرستان وكان يلبس الصوف ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويوجه في كل سنة بعشرين ألف

стр. 1881

دينار إلى مدينة السلام تفرق على صغاير ولد الصحابة وكان بحضرته رجل ذكر عائشة بذكر قبيح من الفاحشة فقال: يا غلام اضرب عنقه فقال له العلويون هذا رجل من شيعتنا فقال: معاذ الله هذا رجل طعن على النبي ﷺ قال الله : ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (١) فإن كانت عائشة خبيثة فالنبي ﷺ خبيث فهو كافر فاضربوا عنقه فضربوا عنقه وأنا حاضر. (٢) موقف السلف من خبيث الزنج (٢٧٠ ه ـ) بيان فتنته: قال الذهبي: وكاد الخبيث أن يملك الدنيا، وكان كذابا ممخرقا ماكرا شجاعا داهية، ادعى أنه بعث إلى الخلق، فرد الرسالة. وكان يدعي علم الغيب، لعنه الله. ودخلت سنة تسع، فعرض الموفق جيشه بواسط، وأما الخبيث فدخل البطائح، وبثق حوله الأنهار وتحصن، فهجم عليه الموفق، وأحرق وقتل فيهم، واستنقذ من السبايا، ورد إلى بغداد، فسار خبيث الزنج إلى الأهواز، فوضع

стр. 1882

السيف، وقتل نحوا من خمسين ألفا، وسبى أربعين ألفا، فسار لحربه موسى بن بغا فتحاربا بضعة عشر شهرا، وذهب تحت السيف خلائق من الفريقين. فإنا لله، وإنا إليه راجعون (١). قتال الموفق له: وفي سنة سبع كروا على واسط وعثروا أهلها، فجهز الموفق ولده أبا العباس الذي صار خليفة، فقتل وأسر، وغرق سفنهم. ثم تجمع جيش الخبيث، والتقوا بالعباس فهزمهم، ثم التقوا ثالثا فهزمهم، ودام القتال شهرين، ورغبوا في أبي العباس، واستأمن إليه خلق منهم، ثم حاربهم حتى دوخ فيهم، ورد سالما غانما، وبقي له وقع في النفوس، وسار إليهم الموفق في جيش كثيف في الماء والبر، ولقيه ولده، والتقوا الزنج، فهزموهم أيضا. وخارت قوى الخبيث، وألح الموفق في حربهم، ونازل طهثيا، وكان عليها خمسة أسوار، فأخذها، واستخلص من أسر الخبثاء عشرة آلاف مسلمة، وهدمها. وكان المهلبي القائد مقيما بالأهواز في ثلاثين ألفا من الزنج، فسار الموفق لحربه، فانهزم وتفرق عسكره، وطلب خلق منهم الأمان، فأمنهم، ورفق بهم، وخلع عليهم، ونزل الموفق بتستر، وأنفق في الجيش، ومهد البلاد، وجهز ابنه المعتضد أبا العباس لحرب الخبيث، فجهز له سفنا فاقتتلوا، وانتصر أبو العباس، وكتب كتابا إلى الخبيث يهدده، ويدعوه إلى التوبة مما فعل، فعتا وتمرد، وقتل الرسول، فسار الموفق إلى مدينة الخبيث بنهر أبي الخصيب،

стр. 1883

ونصب السلالم ودخلوها، وملكوا السور، فانهزمت الزنج، ولما رأى الموفق حصانتها اندهش، واسمها المختارة، وهاله كثرة المقاتلة بها، لكن استأمن إليه عدة، فأكرمهم. ونقلت تفاصيل حروب الزنج في 'تاريخ الإسلام' فمن ذلك لما كان في شعبان سنة سبع برز الخبيث وعسكره فيما قيل في ثلاث مئة ألف ما بين فارس وراجل، فركب الموفق في خمسين ألفا، وحجز بينهم النهر، ونادى الموفق بالأمان، فاستأمن إليه خلق، ثم إن الموفق بنى بإزاء المختارة مدينة على دجلة سماها الموفقية، وبنى بها الجامع والأسواق، وسكنها الخلق، واستأمن إليه في شهرٍ خمسة آلاف. وتمت ملحمة في شوال، ونصر الموفق. وفي ذي الحجة عبر الموفق بجيشه إلى ناحية المختارة، وهرب الخبيث، لكنه رجع، وأزال الموفق عنها. واستولى أحمد الخجستاني على خراسان وكرمان وسجستان، وعزم على قصد العراق. وفي سنة ثمان وستين تتابع أجناد الخبيث في الخروج إلى الموفق، وهو يحسن إليهم. وأتاه جعفر السجان صاحب سر الخبيث، فأعطاه ذهبا كثيرا، فركب في سفينة حتى حاذى قصر الخبيث فصاح إلى متى تصبرون على الخبيث الكذاب؟ وحدثهم بما اطلع عليه من كذبه وكفره، فاستأمن خلق. ثم زحف الموفق على البلد، وهد من السور أماكن، ودخل العسكر من أقطارها، واغتروا، فكر عليهم الزنج، فأصابوا منهم، وغرق خلق. ورد الموفق إلى بلده حتى رم شعثه، وقطع الجلب عن الخبيث، حتى أكل أصحابه الكلاب والميتة، وهرب خلق، فسألهم الموفق، فقالوا: لنا سنة لم نر الخبز،

стр. 1884

وقتل بهبود أكبر أمراء الخبيث، وقتل الخبيث ولده لكونه هم أن يخرج إلى الموفق، وشد على أحمد الخجستاني غلمانه فقتلوه، وغزا الناس مع خلف التركي، فقتلوا من الروم بضعة عشر ألفا. وفي سنة تسع دخل الموفق المختارة عنوة، ونادى الأمان، وقاتل حاشية الخبيث دونه أشد قتال، وحاز الموفق خزائن الخبيث، وألقى النار في جوانب المدينة، وجرح الموفق بسهم، فأصبح على الحرب، وآلمه جرحه، وخافوا، فخرجوا حتى عوفي، ورمَّ الخبيث بلده. وفي السنة خرج المعتمد من سامراء ليلحق بصاحب مصر أحمد بن طولون، وكان بدمشق، فبلغ ذلك الموفق، فأغرى بأخيه إسحاق بن كنداج، فلقي المعتمد بين الموصل والحديثة، وقال: يا أمير المؤمنين، ما هذا؟ فأخوك في وجه العدو وأنت تخرج من مقر عزك، ومتى علم بهذا ترك مقاومة عدوك، وتغلب الخارجي على ديار آبائك. وهذا كتاب أخيك يأمرني بردك. فقال: أنت غلامي أو غلامه؟ قال: كلنا غلمانك ما أطعت الله، وقد عصيت بخروجك وتسليطك عدوك على المسلمين. ثم قام، ووكل به جماعة، ثم إنه بعث إليه يطلب منه ابن خاقان وجماعة ليناظرهم، فبعث بهم، فقال لهم: ما جنى أحد على الإمام والإسلام جنايتكم. أخرجتموه من دار ملكه في عدة يسيرة، وهذا هارون الشاري بإزائكم في جمع كثير، فلو ظفر بالخليفة، لكان عارا على الإسلام، ثم رسم أيضا عليهم، وأمر المعتمد بالرجوع، فقال: فاحلف لي أنك تنحدر معي ولا تسلمني، فحلف، وانحدر إلى سامراء. فتلقاه كاتب الموفق صاعد، فأنزله في دار أحمد بن الخصيب، ومنعه من نزول دار

стр. 1885

الخلافة، ووكل به خمس مئة نفس، ومنع من أن يجتمع به أحد. وبعث الموفق إلى ابن كنداج بخلع وذهب عظيم. قال الصولي: تحيل المعتمد من أخيه، فكاتب ابن طولون. ومما قال: أليس من العجائب أن مثلي ... يرى ما قل ممتنعا عليه وتؤكل باسمه الدنيا جميعا ... وما من ذاك شيء في يديه؟ ولقب الموفق صاعد بن مخلد ذا الوزارتين، ولقب ابن كنداج ذا السيفين. فلما علم ابن طولون جمع الأعيان، وقال: قد نكث الموفق بأمير المؤمنين، فاخلعوه من العهد فخلعوه سوى القاضي بكار بن قتيبة. فقال لابن طولون: أنت أريتني كتاب أمير المؤمنين بتوليته العهد، فأرني كتابه بخلعه. قال: إنه محجور عليه، قال: لا أدري. قال: أنت قد خرفت وحبسه، وأخذ منه عطاءه على القضاء عشرة آلاف دينار، وأمر الموفق بلعنة أحمد بن طولون على المنابر. وسار ابن طولون، فحاصر المصيصة، وبها خادم، فسلط الخادم على جيش أحمد بثوق النهر، فهلك منهم خلق، وترحلوا، وتخطفهم أهل المدينة، ومرض أحمد، ومات مغبونا. وفي شوال كانت الملحمة الكبرى بين الخبيث والموفق. ثم وقعت الهزيمة على الزنج، وكانوا في جوع شديد وبلاء، لا خفف الله عنهم، وخامر عدة من قواد الخبيث وخواصه، وأدخل المعتمد في ذي القعدة إلى واسط، ثم التقى الخبيث والموفق، فانهزمت الزنج أيضا، وأحاط الجيش، فحصروا الخبيث في دار الإمارة، فانملس منها إلى دار المهلبي أحد قواده، وأسرت حرمه، فكان النساء نحو مئة، فأحسن إليهن الموفق، وأحرقت الدار، ثم جرت ملحمة بين

стр. 1886

الموفق والخبيث في أول سنة سبعين، ثم وقعة أخرى قتل فيها الخبيث، لا ﵀. وكان قد اجتمع من الجند، ومن المطوعة مع الموفق نحو ثلاث مئة ألف. وفي آخر الأمر شد الخبيث وفرسانه، فأزالوا الناس عن مواقفهم فحمل الموفق، فهزمهم، وساق وراءهم إلى آخر النهر، فبينا الحرب تستعر إذ أتى فارس إلى الموفق وبيده رأس الخبيث، فما صدق، وعرضه على جماعة، فقالوا: هو هو فترجل الموفق والأمراء، وخروا ساجدين لله، وضجوا بالتكبير، وبادر أبو العباس بن الموفق في خواصه، ومعه رأس الخبيث على قناة إلى بغداد، وعملت قباب الزينة، وكان يوما مشهودا، وشرع الناس يتراجعون إلى المدائن التي أخذها الخبيث، وكانت أيامه خمس عشرة سنة. قال الصولي: قد قتل من المسلمين ألف ألف وخمس مئة. قلت: وكذا عدد قتلى بابك. قال: وكان يصعد على منبره بمدينته، ويسب عثمان وعليا وطلحة وعائشة كمذهب الأزارقة، وكان ينادي على المسبية العلوية في عسكره بدرهمين. وكان عند الزنجي الواحد نحو عشر علويات، يفترشهن ويخدمن امرأته. وفي شعبان أعادوا المعتمد إلى سامراء في أبهة تامة. وظهر بالصعيد أحمد بن عبد الله الحسني، فحاربه عسكر مصر غير مرة، ثم أسر وقتل. وفيها أول ظهور دعوة العبيدية، وذلك باليمن. وفيها نازلت الروم في مئة ألف طرسوس، فبيتهم يازمان الخادم، فقيل: قتل منهم سبعون ألفا، وقتل ملكهم، وأخذ منهم صليب الصلبوت.

стр. 1887

فالحمد لله على هذا النصر العزيز الذي لم يسمع بمثله، مع تمام المنة على الإسلام بمصرع الخبيث. (١) أبو الفضل العباس بن محمد الدُّوري (٢) (٢٧١ هـ) الإمام الحافظ، الثقة الناقد، أبو الفضل، عباس بن محمد بن حاتم بن واقد الدوري، ثم البغدادي، مولى بني هاشم أحد الأثبات المصنفين. ولد سنة خمس وثمانين ومائة. سمع حسين بن علي الجعفي ومحمد بن بشر، وأبا داود الطيالسي، ويحيى بن أبي بكر، وخلقا كثيرا، ولازم يحيى بن معين وتخرج به وسأله عن الرجال وهو في مجلد كبير. حدث عنه أرباب السنن الأربعة، وأبو عوانة، وابن صاعد، وأبو العباس الأصم، وخلق. قال إسماعيل الصفار: سمعت عباسا الدوري، يقول: كتب لي يحيى بن معين وأحمد بن حنبل إلى أبي داود الطيالسي كتابا فقالا فيه: إن هذا فتى يطلب الحديث. توفي في صفر سنة إحدى وسبعين ومائتين. موقفه من الجهمية: - قال ﵀: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: إنه مخلوق، فهو كافر. (٣)

стр. 1888

محمد بن عبد الرحمن بن الحكم (١) (٢٧٣ هـ) محمد بن عبد الرحمن بن الحكم الأموي، صاحب الأندلس، كان عالما فاضلا عاقلا، محبا للعلم، مؤثرا لأصحاب الحديث، مكرما لهم. وكان يخرج إلى الجهاد ويوغل في بلاد الكفار السنة والسنتين، وهو صاحب وقعة وادي سليط وهي من الوقائع المشهورة لم يعرف قبلها مثلها في الأندلس، وهو الذي نصر بقي بن مخلد الحافظ على أهل الرأي. وقال عنه بقي: ما كلمت أحدا من الملوك أكمل عقلا، ولا أبلغ لفظا من الأمير محمد ولقد دخلت عليه يوما في مجلس خلافته، فافتتح الكلام بحمد الله، والصلاة على نبيه، ثم ذكر الخلفاء فحلى كل واحد بحليته وصفته، وذكر مآثره بأفصح لسان حتى انتهى إلى نفسه، فحمد الله على ما قدره ثم سكت. توفي سنة ثلاث وسبعين ومائتين. موقفه من المبتدعة: - قال ابن حزم: كان محمد بن عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس محبا للعلوم عارفا بها؛ فلما دخل بقي بن مخلد الأندلس بمصنف ابن أبي شيبة وقرئ عليه أنكر جماعة من أهل الرأي ما فيه من الخلاف واستبشعوه، وقام جماعة من العامة عليه، ومنعوه من قراءته، فاستحضره الأمير محمد وإياهم، وتصفح الكتاب جزءا جزءا حتى أتى على آخره، ثم قال لخازن كتبه: هذا الكتاب لا تستغني خزانتنا عنه، فانظر في نسخه لنا، وقال لبقي: انشر

стр. 1889

علمك، وارو ما عندك، ونهاهم أن يتعرضوا له. (١) " التعليق: يقال في المثل: (رُبَّ ضارة نافعة) وقال الله تعالى في قصة عائشة: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٢) وقال الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٣)، والله تعالى له حكم تجري لا مبدل لها ولا مغير. ومن حكمته ﵎ أن يهيأ أسبابا للخير قد يراها الإنسان شرا وهي في واقعها خير له ولدينه، ومثل قصة هذا الأمير كثيرة في تاريخ الإسلام، فبقدر ما يحارب الحق وتحارب السنة والآثار والعقيدة الصحيحة بقدر ما تنتشر السنة وينتشر الحق وتنتشر الآثار، وإن شئت فخذ على سبيل المثال شيخ الإسلام ﵀؛ فإن الذي نشر كتبه وجعلها تتأصل ويحتفظ بها التاريخ وتتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل هي محاربة أهل البدع لها وتحذيرهم منها، وقد كان الأمير عبد القادر الجزائري يشتري كتب الشيخ بأثمان غالية ويحرقها، وهكذا كتاب ابن حزم المحلى كم حاربه من محارب وهاهو الآن أحد أصول الإسلام ومراجعها الذي يرجع إليه في كل الملمات العلمية والفقهية، وهكذا لو تتبعنا السلسلة التاريخية لسودنا بذلك صحائف كثيرة، فلا غرابة أن يعترض جماعة من الفقهاء الجامدين على المذهب على مصدر

стр. 1890

علمي كبير حوى بين دفتيه فقه السلف وآثارهم وفتاواهم وأقوالهم التي يستنير بها كل طالب حق ومتبع للدليل والآثار، فما في كتب المتأخرين مثل التمهيد والمغني والمحلى والمجموع وغيرها من كتب العلم من الآثار إلا وهي في أو من هذا المصدر العظيم الذي لو ضربت له أكباد الإبل من المغرب إلى المشرق لكان رخيصا فيه، ولو كتب بماء الذهب ولو كانت مجلداته محلاة بالحرير والديباج لكان كل ذلك لا يقارن بما فيه من العلم والفقه، وهذا السرطان الذي كان في الأندلس قد انتقل إلى كثير من الأمصار وابتليت به، حتى ردوا بسببه القرآن والسنن فضلا عن الآثار السلفية لما هم عليه من الأهواء والبدع والجمود الفكري والمذهبي، الذي اتخذه وصولية المرتزقة سلما لإرضاء ساداتهم وكبرائهم ولقضاء مآربهم والله المستعان. فاللهم اكف المسلمين شرهم بما شئت وكيف شئت. موقفه من المشركين: - قال أبو المظفر ابن الجوزي: هو صاحب وقعة سليط. وهي ملحمة مشهورة لم يعهد قبلها بالأندلس مثلها، يقال: قتل فيها ثلاث مائة ألف كافر. وهذا شيء لم نسمع بمثله. قال: وللشعراء فيه مدائح كثيرة. (١) حنبل بن إسحاق بن حنبل (٢) (٢٧٣ هـ) حنبل بن إسحاق بن حنبل، الإمام الحافظ، أبو علي الشيباني ابن عم

стр. 1891

الإمام أحمد. ولد قبل المائتين. سمع من محمد بن عبد الله الأنصاري، وسليمان ابن حرب، والحميدي. حدث عنه ابن صاعد، وأبو بكر الخلال، ومحمد بن مخلد. وكان زاهدا عابدا. قال عنه أحمد بن ثابت: كان ثقة ثبتا. توفي سنة ثلاث وسبعين ومائتين. موقفه من الخوارج: موقفه من إمام المسلمين: عن عصمة بن عصام قال: ثنا حنبل في هذه المسألة قال: وإني لأدعو له بالتسديد والتوفيق في الليل والنهار والتأييد، وأرى له ذلك واجبا علي. (١) الإمام ابن ماجه (٢) (٢٧٣ هـ) الحافظ الكبير الحجة المفسر، أبو عبد الله محمد بن يزيد الربعي مولاهم، أبو عبد الله ابن ماجه القزويني، ذو التصانيف النافعة والرحلة الواسعة. ولد سنة تسع ومائتين سمع بخراسان، والعراق والحجاز، ومصر، والشام، وغيرها من البلاد جماعةً يطول ذكرهم. روى عن علي بن محمد الطنافسي وجبارة ابن المغلس، ومصعب بن عبد الله الزبيري وعبد الله معاوية الجمحي، وأبي بكر ابن أبي شيبة وخلق كثير مذكورين في 'سننه' وتآليفه. حدث عنه محمد بن

стр. 1892

عيسى الأبهري، وأبو عمرو أحمد بن روح البغدادي، وأبو الحسن القطان ومحمد بن عيسى الصفار وآخرون. صنف 'السنن' و'التاريخ' و'التفسير'. قال ابن ماجه: عرضت هذه 'السنن' على أبي زرعة الرازي فنظر فيه، وقال: أظن إن وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع أو أكثرها، ثم قال: لعل لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثا مما في إسناده ضعف أو نحو ذا. قال أبو يعلى الخليلي: ابن ماجه ثقة كبير متفق عليه محتج به، له معرفة وحفظ وارتحل إلى العراقين ومكة والشام ومصر والري لكتب الحديث. مات في رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائتين. وقيل سنة خمس، قال الذهبي: والأول أصح، وعاش أربعا وستين سنة. موقفه من المبتدعة: لقد صنف الإمام ابن ماجه كتابه السنن وهو سادس الكتب الست المشهورة المعتمدة عند جميع المسلمين. ولسلفية هذا الإمام وغيرته عليها، اهتم اهتماما بالغا في إثبات العقيدة السلفية، والرد على المبتدعة المخالفين لها، فاستهل كتابه المبارك بمقدمة مفيدة، بين فيها وجوب اتباع الرسول ﷺ واتباع السلف، وفي مقدمتهم الخلفاء الأربعة رضي الله عن الجميع، ثم عقد بابا جيدا ذكر ما ورد فيه من التحذير من البدع والجدل، ثم ذكر بابا آخر في اجتناب الرأي والقياس، ثم عقد بابا للرد على المرجئة سماه الإيمان، ثم القدر للرد على القدرية، ثم فضائل الصحابة للرد على الروافض، ثم عقد بابا للرد على الخوارج أعداء الله، ثم عقد بابا للرد على الجهمية، ذكر فيه أحاديث متنوعة في الصفات كالرؤية والكلام والضحك واليد والقدم

стр. 1893

واليمين. موقفه من الخوارج: - أورد ضمن المقدمة: باب في ذكر الخوارج. (١) موقفه من المرجئة: - بوب ضمن مقدمة سننه: بابا في الإيمان (٢) أسند فيه عدة أحاديث تدل على أن الأعمال تدخل في الإيمان، وعلى أن الإيمان يزيد وينقص. موقفه من القدرية: - عقد في مقدمة سننه بابا في القدر. غلامُ خليل (٣) (٢٧٥ هـ) الشيخ، العالم، الزاهد، الواعظ، شيخ بغداد، أبو عبد الله أحمد بن محمد ابن غالب بن خالد بن مرداس، الباهلي البصري، غلام خليل. سكن بغداد، وكان له جلالة عجيبة، وصولة مهيبة، وأمر بالمعروف، وأتباع كثير، وصحة معتقد. روى عن قرة بن حبيب، وسهل بن عثمان، وشيبان، وسليمان الشاذكوني. حدث عنه محمد بن مخلد، وعثمان السماك، وأحمد بن كامل وطائفة. قال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه فقال: رجل صالح لم يكن عندي

стр. 1894

ممن يفتعل الحديث. قال أحمد بن كامل القاضي: سنة خمس وسبعين ومائتين توفي أبو عبد الله أحمد بن محمد بن غالب بن مرداس غلام خليل ببغداد في رجب منها، وحمل في تابوت إلى البصرة وغلقت أسواق مدينة السلام، وخرج الرجال والنساء والصبيان لحضوره والصلاة عليه، فأدرك ذلك بعض الناس وفات بعضهم لسرعة السير به ودفن بالبصرة، وكان فصيحا يعرب الكلام، ويحفظ علما عظيما، ويخضب بالحناء خضابا قانيا، ويقتات بالباقلا صرفا. موقفه من الصوفية: قد تكلم المحدثون في روايته للحديث وهذا أمر مهم بالنسبة للرواية ونحن يهمنا موقفه العقدي الذي وقفه، لا رواية فيه ولا نقل، وهو منه مباشرة. وقد أجمع المؤرخون على هذا الموقف الذي وقفه. - جاء في السير: قال ابن الأعرابي: قدم من واسط غلام خليل، فذكرت له هذه الشناعات -يعني خوض الصوفية- ودقائق الأحوال التي يذمها أهل الأثر، وذكر له قولهم بالمحبة، ويبلغه قول بعضهم: نحن نحب ربنا ويحبنا فأسقط عنا خوفه بغلبة حبه، فكان ينكر هذا الخطأ بخطأ أغلظ منه حتى جعل محبة الله بدعة وكان يقول: الخوف أولى بنا قال: وليس كما توهم بل المحبة والخوف أصلان لا يخلو المؤمن منهما فلم يزل يقص بهم ويحذر منهم ويغري بهم السلطان والعامة ويقول: كان عندنا بالبصرة قوم يقولون بالحلول وقوم يقولون بالإباحة، وقوم يقولون كذا، فانتشر في الأفواه أن ببغداد قوما يقولون بالزندقة، وكانت تميل إليه والدة الموفق، وكذلك الدولة والعوام

стр. 1895

لزهده وتقشفه فأمرت المحتسب أن يطيع غلام خليل، فطلب القوم وبث الأعوان في طلبهم وكتبوا فكانوا نيفا وسبعين نفسا، فاختفى عامتهم وبعضهم خلصته العامة وحبس منهم جماعة مدة. (١) " التعليق: الذي يغلب على الظن أن ما قيل في غلام خليل من أنه قال المحبة بدعة، أمر لا يصح، لأن هذا رجل درس الكتاب والسنة، فيستبعد أن يصدر منه هذا، ويكون هذا من تلفيق الصوفية عليه، لما علمت من وقوفه ضدهم. فجزاه الله خيرا. أبو داود السِّجِسْتَانِي (٢) (٢٧٥ هـ) الإمام الثبت سيد الحفاظ شيخ السنة سليمان بن الأشعث بن شداد بن عمرو بن عامر، أبو داود الأزدي السجستاني محدث البصرة. ولد سنة اثنتين ومائتين ورحل وجمع وصنف وبرع في هذا الشأن وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والمصريين. سمع سليمان بن حرب وابن راهويه وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأمما سواهم. حدث عنه أبو عيسى الترمذي والنسائي، وابنه أبو بكر وأبو عوانة وأبو بشر
следующие страницы →