الإمام أحمد. ولد قبل المائتين. سمع من محمد بن عبد الله الأنصاري، وسليمان ابن حرب، والحميدي. حدث عنه ابن صاعد، وأبو بكر الخلال، ومحمد بن مخلد. وكان زاهدا عابدا. قال عنه أحمد بن ثابت: كان ثقة ثبتا. توفي سنة ثلاث وسبعين ومائتين.
موقفه من الخوارج:
موقفه من إمام المسلمين:
عن عصمة بن عصام قال: ثنا حنبل في هذه المسألة قال: وإني لأدعو له بالتسديد والتوفيق في الليل والنهار والتأييد، وأرى له ذلك واجبا علي. (١)
الإمام ابن ماجه (٢) (٢٧٣ هـ)
الحافظ الكبير الحجة المفسر، أبو عبد الله محمد بن يزيد الربعي مولاهم، أبو عبد الله ابن ماجه القزويني، ذو التصانيف النافعة والرحلة الواسعة. ولد سنة تسع ومائتين سمع بخراسان، والعراق والحجاز، ومصر، والشام، وغيرها من البلاد جماعةً يطول ذكرهم. روى عن علي بن محمد الطنافسي وجبارة ابن المغلس، ومصعب بن عبد الله الزبيري وعبد الله معاوية الجمحي، وأبي بكر ابن أبي شيبة وخلق كثير مذكورين في 'سننه' وتآليفه. حدث عنه محمد بن
стр. 1892
عيسى الأبهري، وأبو عمرو أحمد بن روح البغدادي، وأبو الحسن القطان ومحمد بن عيسى الصفار وآخرون. صنف 'السنن' و'التاريخ' و'التفسير'. قال ابن ماجه: عرضت هذه 'السنن' على أبي زرعة الرازي فنظر فيه، وقال: أظن إن وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع أو أكثرها، ثم قال: لعل لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثا مما في إسناده ضعف أو نحو ذا. قال أبو يعلى الخليلي: ابن ماجه ثقة كبير متفق عليه محتج به، له معرفة وحفظ وارتحل إلى العراقين ومكة والشام ومصر والري لكتب الحديث. مات في رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائتين. وقيل سنة خمس، قال الذهبي: والأول أصح، وعاش أربعا وستين سنة.
موقفه من المبتدعة:
لقد صنف الإمام ابن ماجه كتابه السنن وهو سادس الكتب الست المشهورة المعتمدة عند جميع المسلمين. ولسلفية هذا الإمام وغيرته عليها، اهتم اهتماما بالغا في إثبات العقيدة السلفية، والرد على المبتدعة المخالفين لها، فاستهل كتابه المبارك بمقدمة مفيدة، بين فيها وجوب اتباع الرسول ﷺ واتباع السلف، وفي مقدمتهم الخلفاء الأربعة رضي الله عن الجميع، ثم عقد بابا جيدا ذكر ما ورد فيه من التحذير من البدع والجدل، ثم ذكر بابا آخر في اجتناب الرأي والقياس، ثم عقد بابا للرد على المرجئة سماه الإيمان، ثم القدر للرد على القدرية، ثم فضائل الصحابة للرد على الروافض، ثم عقد بابا للرد على الخوارج أعداء الله، ثم عقد بابا للرد على الجهمية، ذكر فيه أحاديث متنوعة في الصفات كالرؤية والكلام والضحك واليد والقدم
стр. 1893
واليمين.
موقفه من الخوارج:
- أورد ضمن المقدمة: باب في ذكر الخوارج. (١)
موقفه من المرجئة:
- بوب ضمن مقدمة سننه: بابا في الإيمان (٢) أسند فيه عدة أحاديث تدل على أن الأعمال تدخل في الإيمان، وعلى أن الإيمان يزيد وينقص.
موقفه من القدرية:
- عقد في مقدمة سننه بابا في القدر.
غلامُ خليل (٣) (٢٧٥ هـ)
الشيخ، العالم، الزاهد، الواعظ، شيخ بغداد، أبو عبد الله أحمد بن محمد ابن غالب بن خالد بن مرداس، الباهلي البصري، غلام خليل. سكن بغداد، وكان له جلالة عجيبة، وصولة مهيبة، وأمر بالمعروف، وأتباع كثير، وصحة معتقد. روى عن قرة بن حبيب، وسهل بن عثمان، وشيبان، وسليمان الشاذكوني. حدث عنه محمد بن مخلد، وعثمان السماك، وأحمد بن كامل وطائفة. قال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه فقال: رجل صالح لم يكن عندي
стр. 1894
ممن يفتعل الحديث. قال أحمد بن كامل القاضي: سنة خمس وسبعين ومائتين توفي أبو عبد الله أحمد بن محمد بن غالب بن مرداس غلام خليل ببغداد في رجب منها، وحمل في تابوت إلى البصرة وغلقت أسواق مدينة السلام، وخرج الرجال والنساء والصبيان لحضوره والصلاة عليه، فأدرك ذلك بعض الناس وفات بعضهم لسرعة السير به ودفن بالبصرة، وكان فصيحا يعرب الكلام، ويحفظ علما عظيما، ويخضب بالحناء خضابا قانيا، ويقتات بالباقلا صرفا.
موقفه من الصوفية:
قد تكلم المحدثون في روايته للحديث وهذا أمر مهم بالنسبة للرواية ونحن يهمنا موقفه العقدي الذي وقفه، لا رواية فيه ولا نقل، وهو منه مباشرة. وقد أجمع المؤرخون على هذا الموقف الذي وقفه.
- جاء في السير: قال ابن الأعرابي: قدم من واسط غلام خليل، فذكرت له هذه الشناعات -يعني خوض الصوفية- ودقائق الأحوال التي يذمها أهل الأثر، وذكر له قولهم بالمحبة، ويبلغه قول بعضهم: نحن نحب ربنا ويحبنا فأسقط عنا خوفه بغلبة حبه، فكان ينكر هذا الخطأ بخطأ أغلظ منه حتى جعل محبة الله بدعة وكان يقول: الخوف أولى بنا قال: وليس كما توهم بل المحبة والخوف أصلان لا يخلو المؤمن منهما فلم يزل يقص بهم ويحذر منهم ويغري بهم السلطان والعامة ويقول: كان عندنا بالبصرة قوم يقولون بالحلول وقوم يقولون بالإباحة، وقوم يقولون كذا، فانتشر في الأفواه أن ببغداد قوما يقولون بالزندقة، وكانت تميل إليه والدة الموفق، وكذلك الدولة والعوام
стр. 1895
لزهده وتقشفه فأمرت المحتسب أن يطيع غلام خليل، فطلب القوم وبث الأعوان في طلبهم وكتبوا فكانوا نيفا وسبعين نفسا، فاختفى عامتهم وبعضهم خلصته العامة وحبس منهم جماعة مدة. (١)
" التعليق:
الذي يغلب على الظن أن ما قيل في غلام خليل من أنه قال المحبة بدعة، أمر لا يصح، لأن هذا رجل درس الكتاب والسنة، فيستبعد أن يصدر منه هذا، ويكون هذا من تلفيق الصوفية عليه، لما علمت من وقوفه ضدهم. فجزاه الله خيرا.
أبو داود السِّجِسْتَانِي (٢) (٢٧٥ هـ)
الإمام الثبت سيد الحفاظ شيخ السنة سليمان بن الأشعث بن شداد بن عمرو بن عامر، أبو داود الأزدي السجستاني محدث البصرة. ولد سنة اثنتين ومائتين ورحل وجمع وصنف وبرع في هذا الشأن وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والمصريين. سمع سليمان بن حرب وابن راهويه وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأمما سواهم. حدث عنه أبو عيسى الترمذي والنسائي، وابنه أبو بكر وأبو عوانة وأبو بشر
стр. 1896
الدولابي. قال محمد بن إسحاق الصاغاني: لين لأبي داود الحديث كما لين لداود الحديد. وقال الحافظ موسى بن هارون: ما رأيت أفضل منه. وقيل كان أبو داود يشبه بأحمد بن حنبل. قال الحاكم أبو عبد الله: أبو داود إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة. قال أبو بكر الخلال: أبو داود الإمام المقدم في زمانه، رجل لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم، وتبصره بمواضعه أحد في زمانه، رجل ورع مقدم. قال أحمد بن محمد بن ياسين: كان أبو داود أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله ﷺ وعلمه وعلله وسنده، في أعلى درجة النسك والعفاف، والصلاح والورع من فرسان الحديث. قال أبو حاتم بن حبان: أبو داود أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وحفظا ونسكا وورعا وإتقانا جمع وصنف وذب عن السنن. قال أبو عبيد الآجري: توفي أبو داود في سادس عشر شوال سنة خمس وسبعين ومائتين.
موقفه من المبتدعة:
- دفاعه عن العقيدة السلفية: لقد ذكر أبو داود في سننه كتابا عظيما، مكونا من اثنين وثلاثين بابا، مشتملا على سبعة وسبعين حديثا ومائة حديث، بين فيها الإمام السنة ورد على جميع المبتدعة من: مرجئة وجهمية وخوارج وشيعة. فأورد ما يدل على زيادة الإيمان وأورد أحاديث الصفات، وذكر الشفاعة وعذاب القبر، وأورد فضل الصحابة عموما والشيخين خصوصا، والتحذير من سب الصحابة رضوان الله عليهم. كما أورد أحاديث عامة تشمل التحذير من جميع أهل الأهواء والبدع. فأبو داود يعتبر من الذين وقفوا ضد المبتدعة ودافعوا عن العقيدة السلفية.
стр. 1897
موقفه من الرافضة:
- قال أبو داود -في عبد الرحمن بن صالح الأزدي الشيعي-: ألف كتابا في مثالب الصحابة رجل سوء. (١)
موقفه من الصوفية:
- جاء في البداية والنهاية: وهي رابعة بنت إسماعيل مولاة آل عتيك العدوية البصرية العابدة المشهورة، ذكرها أبو نعيم في 'الحلية' و'الرسائل'، وابن الجوزي في 'صفة الصفوة' والشيخ شهاب الدين السهروردي في المعارف، والقشيري، وأثنى عليها أكثر الناس وتكلم فيها أبو داود السجستاني واتهمها بالزندقة فلعله بلغه عنها أمر. (٢)
موقفه من الجهمية:
- روى أبو داود بسنده إلى ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين "أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة" (٣) ثم يقول: كان أبوكم يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق. وقال أبو داود: هذا دليل على أن القرآن ليس بمخلوق. (٤)
- وروى أيضا بسنده إلى أبي يونس سليم بن جبير مولى أبي هريرة،
стр. 1898
قال: سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (١) قال: رأيت رسول الله ﷺ يضع إبهامه على أذنيه والتي تليها على عينه (٢)، قال أبو هريرة: رأيت رسول الله ﷺ يقرؤها ويضع إصبعيه، قال ابن يونس: قال المقريء: يعني أن الله سميع بصير يعني أن لله سمعا وبصرا. قال أبو داود: وهذا رد على الجهمية. (٣)
- وروى ابن بطة في الإبانة بسنده إلى أبي يحيى الساجي، قال: سمعت أبا داود السجستاني يقول: بين في هذا الحديث أن القرآن كلام الله غير مخلوق، لقول آدم لموسى: أنت موسى نبي بني إسرائيل الذي كلمك الله من وراء حجاب، ولم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه؟ فقال المعتزلة: بل أحدث كلاما في شجرة سمعه موسى. قال: فيقال لهم: وقد أحدث الله كلاما لنبينا ﷺ في ذراع شاة، فقد استويا في الكلام. (٤)
موقفه من الخوارج:
- أورد في كتاب السنة من السنن (٥) بابين في قتال الخوارج ضمنها
стр. 1899
ثلاث عشرة حديثا.
موقفه من المرجئة:
- عقد ضمن كتاب السنة من سننه بابين في الرد على المرجئة ضمنها أحاديث، وهما:
باب (١٥) في رد الإرجاء.
باب (١٦) الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه. (١)
وقال ﵀ في عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد: وكان مرجئا داعية للإرجاء، وما فسد عبد العزيز حتى نشأ ابنه عبد المجيد. وأهل خراسان لا يحدثون عنه. (٢)
موقفه من القدرية:
- عن أبي عبد الله المتوثي قال: سمعت أبا داود السجستاني يقول: كان غيلان نصرانيا. (٣)
- وعقد بابا طويلا في كتاب (السنة)، من السنن في الرد على القدرية.
стр. 1900
بَقِيُّ بن مَخْلَد (١) (٢٧٦ هـ)
الإمام الحافظ القدوة شيخ الإسلام أبو عبد الرحمن القرطبي بقي بن مخلد ابن يزيد، صاحب 'التفسير' و'المسند' اللذين لا نظير لهما. مولده في رمضان سنة إحدى ومائتين، وسمع يحيى بن يحيى الليثي ويحيى بن عبد الله بن بكير وأبا مصعب الزهري وإبراهيم بن المنذر الحزامي، وابن أبي شيبة وبندارا، وطوف الشرق والغرب، وشيوخه مائتان وثمانون ونيف، وروى عن أحمد بن حنبل مسائل وفوائد ولم يرو له شيئا مسندا لكونه كان قد قطع الحديث. وعني بهذا الشأن عناية لا مزيد عليها، وأدخل جزيرة الأندلس علما جما، وبه وبمحمد بن وضاح صارت تلك الناحية دار حديث، وكان مجاب الدعوة. حدث عنه ابنه أحمد، وأيوب بن سليمان المري وأحمد بن عبد الله الأموي وأحمد بن عبد العزيز وعبد الواحد بن حمدون، وهشام بن الوليد الغافقي وآخرون. وكان إماما مجتهدا صالحا ربانيا صادقا مخلصا، رأسا في العلم والعمل، عديم المثل، منقطع القرين يفتي بالأثر، ولا يقلد أحدا. قال ابن أبي خيثمة: ما كنا نسميه إلا المكنسة وهل يحتاج بلد فيه بقي أن يأتي منه إلينا أحد؟ وعن بقي قال: لما رجعت من العراق أجلسني يحيى بن بكير إلى جنبه وسمع مني سبعة أحاديث. وقد تعصبوا على بقي لإظهاره مذهب أهل الأثر فدفعهم عنه أمير الأندلس محمد بن عبد الرحمن المرواني واستنسخ كتبه وقال
стр. 1901
لبقي: انشر علمك. قال ابن حزم: كان بقي ذا خاصة من أحمد بن حنبل وجاريا في مضمار البخاري ومسلم والنسائي. وعن بقي قال: كل من رحلت إليه فماشيا على قدمي. توفي لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ست وسبعين ومائتين. ومن مناقبه أنه كان من كبار المجاهدين في سبيل الله، يقال شهد سبعين غزوة.
موقفه من المبتدعة:
- وقال أبو الوليد بن الفرضي في تاريخه: ملأ بقي بن مخلد الأندلس حديثا، فأنكر عليه أصحابه الأندلسيون: أحمد بن خالد، ومحمد بن الحارث وأبو زيد، ما أدخله من كتب الاختلاف، وغرائب الحديث، فأغروا به السلطان وأخافوه به، ثم إن الله أظهره عليهم، وعصمه منهم، فنشر حديثه وقرأ للناس روايته. ثم تلاه ابن وضاح، فصارت الأندلس دار حديث وإسناد. ومما انفرد به، ولم يدخله سواه مصنف أبي بكر بن أبي شيبة بتمامه، وكتاب الفقه للشافعي بكماله يعني الأم وتاريخ خليفة، وطبقات خليفة، وكتاب سيرة عمر بن عبد العزيز لأحمد بن إبراهيم الدورقي ... وليس لأحد مثل مسنده. (١)
- قال أسلم بن عبد العزيز: وكان بقي أول من كثر الحديث بالأندلس ونشره، وهاجم به شيوخ الأندلس، فثاروا عليه، لأنهم كان علمهم بالمسائل ومذهب مالك، وكان بقي يفتي بالأثر، فشذ عنهم شذوذا عظيما، فعقدوا
стр. 1902
عليه الشهادات، وبدعوه، ونسبوا إليه الزندقة، وأشياء نزهه الله منها. وكان بقي يقول: لقد غرست لهم بالأندلس غرسا لا يقلع إلا بخروج الدجال. (١)
موقفه من الجهمية:
- جاء في تاريخ علماء الأندلس: عن أحمد بن فقي قال: سمعت أبا عبيدة يقول: حضرت الشيخ يعني بقيا وقد أتاه خليل (٢) فقال له بقي: أسألك عن أربع، فقال: ما هي؟ قال: ما تقول في الميزان؟ قال: عدل الله، ونفى أن تكون له كفتان، قال: ما تقول في الصراط؟ فقال: الطريق، يريد الإسلام، فمن استقام عليه نجا. فقال له: ما تقول في القرآن؟ فلجلج ولم يقل شيئا، وكأنه ذهب إلى أنه مخلوق، فقال له: فما تقول في القدر؟ فقال: أقول إن الخير من عند الله، والشر من عند الرجل، فقال له بقي: والله لولا حالك لأشرت بسفك دمك، ولكن قم، فلا أراك في مجلسي بعد هذا الوقت. (٣)
القاسم بن محمد البَيَّانِي (٤) (٢٧٦ هـ)
الإمام المجتهد، الحافظ عالم الأندلس أبو محمد القاسم بن محمد بن القاسم بن محمد ابن يسار مولى الخليفة بن عبد الملك، الأموي الأندلسي
стр. 1903
القرطبي البياني أحد الأعلام. شيخ الفقهاء والمحدثين بالأندلس. غطى معرفتَه بالحديث براعتُه في الفقه والمسائل، وفاق أهل العصر وضرب بإمامته المثل، وصار إماما مجتهدا لا يقلد أحدا، مع قوة ميله إلى مذهب الشافعي وبصره به، فإنه لازم التفقه على الإمامين أبي إبراهيم المزني، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم. مولده بعد سنة عشرين ومائتين.
روى عن إبراهيم بن محمد الشافعي، وأبي الطاهر بن السرح، وإبراهيم ابن المنذر الحزامي، والحارث بن مسكين، ويونس بن عبد الأعلى، والربيع، وخلق.
تفقه به علماء قرطبة، وحدث عنه سعيد بن عثمان الأعناقي، ومحمد ابن عمر بن لبابة، وابنه محمد بن قاسم، ومحمد بن عبد الملك بن أيمن، وآخرون. قال أحمد بن الجباب: ما رأيت مثل قاسم في الفقه ممن دخل الأندلس من أهل الرحل. قال ابن عبد الحكم: لم يقدم علينا من الأندلس أحد أعلم من قاسم بن محمد، ولقد عاتبته حين رجوعه إلى الأندلس، قلت: أقم عندنا، فإنك تعتقد هنا رئاسة، ويحتاج الناس إليك، فقال: لا بد من الوطن. قال ابن عبد البر: لم يكن أحد ببلدنا أفقه من قاسم بن محمد، وأحمد بن الجباب. قال ابن الفرضي: وكان يلي وثائق الأمير محمد -ملك الأندلس- طول أيامه. مات ﵀ في آخر سنة ست وسبعين ومائتين، هو وبقي بن مخلد في عام، وما خلفا مثلهما.
موقفه من المبتدعة:
- قال ابن الفرضي: وذهب مذهب الحجة، والنظر وعلم الاختلاف.
стр. 1904
وكان يميل لمذهب الشافعي، ولم يكن بالأندلس مثل قاسم في حسن النظر والبصر بالحجة.
- وقال أيضا: ألف قاسم كتابا في الرد على ابن مزين، والعتبي، وعبد الله بن خالد سماه الرد على المقلدة وكتابا آخر في خبر الواحد. (١)
قال الذهبي: قلت: وصنف كتاب 'الإيضاح' في الرد على المقلدين. وكان ميالا إلى الآثار. (٢)
" التعليق:
قال جامعه: لعل ظاهرة التقليد المذهبي، كانت فاشية في زمانه، فحاربها وألف هذا الكتاب، ولعلنا نظفر به فنعرف قيمته العلمية.
ابن قُتَيْبَة (٣) (٢٧٦ هـ)
العلامة الكبير، ذو الفنون، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، وقيل المروزي، الكاتب صاحب التصانيف. نزل بغداد وصنف وجمع وبعد صيته. حدث عن إسحاق بن راهويه، ومحمد بن زياد بن عبيد الله الزيادي، وزياد بن يحيى الحساني، وأبي حاتم السجستاني وطائفة. حدث عنه ابنه القاضي أحمد بن عبد الله بديار مصر وعبيد الله السكري، وعبيد الله بن
стр. 1905
أحمد بن بكر، وعبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي. قال أبو بكر الخطيب: كان ثقة دينا فاضلا وهو صاحب التصانيف المشهورة، والكتب المعروفة منها: 'غريب القرآن'، 'غريب الحديث'، 'مشكل القرآن'، 'مشكل الحديث'، 'أدب الكاتب'، 'عيون الأخبار'، 'كتاب المعارف'، 'إعراب القرآن' وغير ذلك. وقد ولي قضاء الدينور، وكان رأسا في علم اللسان العربي والأخبار وأيام الناس. قال السلفي: ابن قتيبة من الثقات وأهل السنة. قال الذهبي: والرجل ليس بصاحب حديث، وإنما هو من كبار العلماء المشهورين، عنده فنون جمة وعلوم مهمة. مات ﵀ في شهر رجب -أول ليلة منه- سنة ست وسبعين ومائتين.
موقفه من المبتدعة:
- قال في كتابه 'تأويل مختلف الحديث': من اعتصم بكتاب الله ، وتمسك بسنة رسول الله ﷺ ، فقد استضاء بالنور، واستفتح باب الرشد، وطلب الحق من مظانه. وليس يدفع أصحاب الحديث عن ذلك إلا ظالم، لأنهم لا يردون شيئا من أمر الدين إلى استحسان، ولا إلى قياس ونظر، ولا إلى كتب الفلاسفة المتقدمين، ولا إلى أصحاب الكلام المتأخرين. (١)
- وقال: فأما أصحاب الحديث فإنهم التمسوا الحق من وجهته، وتتبعوه من مظانه، وتقربوا من الله تعالى، باتباعهم سنن رسول الله ﷺ ، وطلبهم لآثاره وأخباره، برا وبحرا، وشرقا وغربا. يرحل الواحد منهم راجلا
стр. 1906
مقويا في طلب الخبر الواحد، أو السنة الواحدة حتى يأخذها من الناقل لها مشافهة ثم لم يزالوا في التنقير عن الأخبار والبحث لها، حتى فهموا صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، وعرفوا من خالفها من الفقهاء إلى الرأي. فنبهوا على ذلك حتى نجم الحق بعد أن كان عافيا، وبسق بعد أن كان دارسا، واجتمع بعد أن كان متفرقا، وانقاد للسنن من كان عنها معرضا، وتنبه عليها من كان عنها غافلا، وحكم بقول رسول الله ﷺ بعد أن كان يحكم بقول فلان وفلان وإن كان فيه خلاف على رسول الله ﷺ . وقد يعيبهم الطاعنون بحملهم الضعيف، وطلبهم الغرائب وفي الغريب الداء. ولم يحملوا الضعيف والغريب، لأنهم رأوهما حقا، بل جمعوا الغث والسمين، والصحيح والسقيم، ليميزوا بينهما، ويدلوا عليهما، وقد فعلوا ذلك. (١)
موقفه من المشركين:
- قال ﵀: ولم يأت أهل التكذيب بهذا وأشباهه، إلا لردهم الغائب عنهم، إلى الحاضر عندهم، وحملهم الأشياء على ما يعرفون من أنفسهم، ومن الحيوان والموات، واستعمالهم حكم ذوي الجثث في الروحانيين. فإذا سمعوا بملائكة، على كواهلها العرش، وأقدامها في الأرض السفلى، استوحشوا من ذلك، لمخالفة ما شاهدوا -وقالوا: كيف تخرق جثث هؤلاء، السموات وما بينهما، والأرضين وما فوقها، من غير أن نرى لذلك أثرا؟ وكيف يكون خلق، له هذه العظمة؟ وكيف تكون أرواحا ولها
стр. 1907
كواهل وأقدار. وإذا سمعوا بأن جبريل ﵇، مرة أتى النبي ﷺ في صورة أعرابي، ومرة في صورة دحية الكلبي، ومرة في صورة شاب، ومرة سد بجناحيه ما بين المشرق والمغرب. قالوا: كيف يتحول من صورة إلى صورة. وكيف يكون مرة، في غاية الصغر، ومرة في غاية الكبر: من غير أن يزاد في جسمه ولا جثته، وأعراضه؟ لأنهم لا يعاينون إلا ما كان كذلك. وإذا سمعوا بأن الشيطان يصل إلى قلب ابن آدم، حتى يوسوس له ويخنس. قالوا: من أين يدخل؟ وهل يجتمع روحان في جسم؟ وكيف يجري مجرى الدم؟ قال أبو محمد: ولو اعتبروا ما غاب عنهم، بما رأوه من قدرة الله جل وعز، لعلموا أن الذي قدر على أن يفجر مياه الأرض كلها إلى البحر، منذ خلق الله الأرض وما عليها، فهي تفضي إليه من غير أن يزيد فيه أو ينقص منه. ولو جعل لنهر منها مثل "دجلة" أو "الفرات" أو "النيل" سبيل إلى ما على وجه الأرض من المدائن والقرى والعمارات والخراب، شهرا، لم يبق على ظهرها شيء إلا هلك، هو الذي قدر على ما أنكروا. -وأن الذي قدر أن يحرك هذه الأرض، على عظمها وكثافتها، وبحارها، وأطوادها، وأنهارها حتى تتصدع الجبال، وحتى تغيض المياه، وحتى ينتقل جبل من مكان إلى مكان، هو الذي لطف لما قدر.
وأن الذي وسع إنسان العين، مع صغره وضعفه، لإدراك نصف الفلك، على عظمه، حتى رأى النجم من المشرق، ورقيبه من المغرب، وما بينهما، وحتى خرق من الجو، مسيرة خمسمائة عام هو الذي خلق ملكا، ما بين
стр. 1908
شحمة أذنه إلى عاتقه، مسيرة خمسمائة عام. فهل ما أنكر إلا بمنزلة ما عرف؟ وهل ما رأى إلا بمنزلة ما لم يره؟ فتعالى الله أحسن الخالقين؟. (١)
موقفه من الرافضة:
- جاء في تأويل مختلف الحديث: قال أبو محمد: ثم نصير إلى هشام بن الحكم فنجده رافضيا غاليا. ويقول في الله تعالى بالأقطار والحدود، والأشبار، وأشياء يتحرج من حكايتها وذكرها، لا خفاء على أهل الكلام بها. ويقول بالإجبار الشديد، الذي لا يبلغه القائلون بالسنة.
وسأله سائل فقال: أترى الله تعالى -مع رأفته ورحمته وحكمته وعدله- يكلفنا شيئا، ثم يحول بيننا وبينه، ويعذبنا؟ فقال: قد -والله- فعل، ولكنا لا نستطيع أن نتكلم.
وقال له رجل: يا أبا محمد (٢)، هل تعلم أن عليا خاصم العباس في فدك إلى أبي بكر؟ قال: نعم. قال: فأيهما كان الظالم؟ قال: لم يكن فيهما ظالم. قال: سبحان الله، وكيف يكون هذا؟ قال: هما كالملكين المختصمين إلى داود ﵇، لم يكن فيهما ظالم، إنما أراد أن يعرفاه خطأه وظلمه. كذلك أراد هذان، أن يعرفا أبا بكر خطأه وظلمه. (٣)
- قال أبو محمد في هارون بن سعد العجلي: وهو جلد جفر، ادعوا أنه كتب فيه لهم الإمام، كل ما يحتاجون إلى علمه، وكل ما يكون إلى يوم
стр. 1909
القيامة. فمن ذلك قولهم في قول الله : ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ (١) أنه الإمام، وورث النبي ﷺ علمه. وقولهم في قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (٢) أنها عائشة ﵂. وفي قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ (٣) أنه طلحة والزبير. وقولهم في الخمر والميسر: إنهما أبو بكر وعمر، ﵄ والجبت والطاغوت: إنهما معاوية وعمرو بن العاص، مع عجائب أرغب عن ذكرها، ويرغب من بلغه كتابنا هذا، عن استماعه ...
قال أبو محمد: ولا نعلم في أهل البدع والأهواء أحدا ادعى الربوبية لبشر غيرهم. فإن عبد الله بن سبأ ادعى الربوبية لعلي، فأحرق علي أصحابه بالنار، وقال في ذلك:
لما رأيت الأمر أمرا منكرا ... أججت ناري ودعوت قنبرا
ولا نعلم أحدا ادعى النبوة لنفسه غيرهم. فإن المختار بن أبي عبيد، ادعى النبوة لنفسه وقال: إن جبريل وميكائيل، يأتيان إلى جهته، فصدقه قوم واتبعوه، وهم الكيسانية. (٤)
стр. 1910
ذكر بعض طعون النظام على الصحابة ﵃ ورد ابن قتيبة عليه:
- قال أبو محمد: وذكر -أي النظام- قول عمر بن الخطاب ﵁: (لو كان هذا الدين بالقياس، لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره) فقال كان الواجب على عمر، العمل بمثل ما قال في الأحكام كلها. وليس ذلك بأعجب من قوله أجرؤكم على الجد أجرؤكم على النار ثم قضى في الجد بمائة قضية مختلفة.
وذكر قول أبي بكر رضي الله تعالى عنه، حين سئل عن آية من كتاب الله تعالى، فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، أم أين أذهب؟ أم كيف أصنع إذا أنا قلت في آية من كتاب الله تعالى، بغير ما أراد الله. ثم سئل عن الكلالة، فقال: أقول فيها برأيي فإن كان صوابا، فمن الله، وإن كان خطأ فمني، هي ما دون الولد والوالد. قال: وهذا خلاف القول الأول ومن استعظم القول بالرأي ذلك الاستعظام، لم يقدم على القول بالرأي هذا الإقدام حتى ينفذ عليه الأحكام. وذكر قول علي كرم الله وجهه، حين سئل عن بقرة قتلت حمارا، فقال: أقول فيها برأيي، فإن وافق رأيي قضاء رسول الله ﷺ فذاك، وإلا فقضائي رذل فسل. قال: وقال: من أحب أن يتقحم جراثيم جهنم، فليقل في الجد. ثم قضى فيه بقضايا مختلفة.
وذكر قول ابن مسعود في حديث، بِرَوْع بنت واشق، أقول فيها برأيي، فإن كان خطأ فمني، وإن كان صوابا، فمن الله تعالى. قال: وهذا هو الحكم بالظن، والقضاء بالشبهة، وإذا كانت الشهادة بالظن حراما، فالقضاء
стр. 1911
بالظن أعظم.
قال: ولو كان ابن مسعود بدل نظره في الفتيا، نظر في الشقي كيف يشقى، والسعيد كيف يسعد، حتى لا يفحش قوله على الله تعالى، ولا يشتد غلطه، لقد كان أولى به. قال: وزعم أن القمر انشق، وأنه رآه. وهذا من الكذب الذي لا خفاء به، لأن الله تعالى لا يشق القمر له وحده، ولا لآخر معه وإنما يشقه ليكون آية للعالمين، وحجة للمرسلين، ومزجرة للعباد، وبرهانا في جميع البلاد. فكيف لم تعرف بذلك العامة، ولم يؤرخ الناس بذلك العام -ولم يذكره شاعر، ولم يسلم عنده كافر، ولم يحتج به مسلم على ملحد؟ قال: ثم جحد من كتاب الله تعالى سورتين، فهبه لم يشهد قراءة النبي ﷺ بهما، فهلا استدل بعجيب تأليفهما، وأنهما على نظم سائر القرآن المعجز للبلغاء أن ينظموا نظمه، وأن يحسنوا مثل تأليفه. قال: وما زال يطبق في الركوع إلى أن مات، كأنه لم يصل مع النبي ﷺ ، أو كان غائبا. وشتم زيد ابن ثابت بأقبح الشتم، لما اختار المسلمون قراءته لأنها آخر العرض. وعاب عثمان ﵁، حين بلغه أنه صلى بـ "منى" أربعا، ثم تقدم، فكان أول من صلى أربعا فقيل له في ذلك فقال: الخلاف شر والفرقة شر، وقد عمل بالفرقة في أمور كثيرة ولم يزل يقول في عثمان القول القبيح، منذ اختار قراءة زيد. ورأى قوما من الزط، فقال هؤلاء أشبه من رأيت بالجن، ليلة الجن، ذكر ذلك سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي. وذكر داود عن الشعبي عن علقمة قال: قلت لابن مسعود: كنت مع النبي ﷺ ليلة الجن؟ فقال ما شهدها منا أحد، وذكر حذيفة بن اليمان فقال: جعل يحلف لعثمان
стр. 1912
على أشياء بالله تعالى ما قالها، وقد سمعوه قالها. فقيل له في ذلك فقال: إني أشتري ديني بعضه ببعض، مخافة أن يذهب كله رواه مسعر بن كدام، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة. وذكر أبا هريرة، فقال أكذبه عمر، وعثمان، وعلي، وعائشة رضوان الله عليهم.
وروى حديثا في المشي في الخف الواحد، فبلغ عائشة، فمشت في خف واحد وقالت: لأخالفن أبا هريرة. وروى أن الكلب والمرأة والحمار، تقطع الصلاة. فقالت عائشة ﵂: ربما رأيت رسول الله ﷺ يصلي وسط السرير، وأنا على السرير معترضة بينه وبين القبلة. قال: وبلغ عليا أن أبا هريرة يبتدئ بميامنه في الوضوء، وفي اللباس. فدعا بماء فتوضأ، فبدأ بمياسره، وقال: لأخالفن أبا هريرة. وكان من قوله حدثني خليلي، وقال خليلي ورأيت خليلي. فقال له علي: متى كان النبي خليلك، يا أبا هريرة؟ قال: وقد روى "من أصبح جنبا، فلا صيام له" فأرسل مروان في ذلك إلى عائشة وحفصة، يسألهما، فقالتا: كان النبي ﷺ يصبح جنبا من غير احتلام، ثم يصوم. فقال للرسول: اذهب إلى أبي هريرة، حتى تعلمه. فقال أبو هريرة: إنما حدثني بذلك الفضل بن العباس. فاستشهد ميتا، وأوهم الناس أنه سمع الحديث من رسول الله ﷺ ، ولم يسمعه.
قال أبو محمد: هذا قوله في جِلة أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم كأنه لم يسمع بقول الله في كتابه الكريم: ﴿محمد رسول الله
стр. 1913
وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (١) إلى آخر السورة. ولم يسمع بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ (٢) ولو كان ما ذكرهم به حقا، لا مخرج منه ولا عذر فيه، ولا تأويل له، إلا ما ذهب إليه، لكان حقيقا بترك ذكره والإعراض عنه، إذ كان قليلا يسيرا، مغمورا في جنب محاسنهم، وكثير مناقبهم، وصحبتهم لرسول الله ﷺ وبذلهم مهجهم وأموالهم، في ذات الله تعالى.
قال أبو محمد: ولا شيء أعجب عندي من ادعائه على عمر بن الخطاب ﵁، أنه قضى في الجد بمائة قضية مختلفة، وهو من أهل النظر وأهل القياس. فهلا اعتبر هذا ونظر فيه، ليعلم أنه يستحيل أن يقضي عمر في أمر واحد بمائة قضية مختلفة. فأين هذه القضايا؟ وأين عشرها ونصف عشرها؟ أما كان في حملة الحديث من يحفظ منها خمسا أو ستا؟ ولو اجتهد مجتهد أن يأتي من القضاء في الجد بجميع ما يمكن فيه، من قول ومن حيلة، ما كان يتيسر له أن يأتي فيه بعشرين قضية. وكيف لم يجعل هذا الحديث، إذ كان مستحيلا، مما ينكر من الحديث ويدفع مما قد أتى به الثقات، وما ذاك إلا لضغن يحتمله على عمر ﵁ وعداوة.
قال أبو محمد: وأما طعنه على أبي بكر ﵁ بأنه سئل عن آية من كتاب الله تعالى، فاستعظم أن يقول فيها شيئا، ثم قال في الكلالة برأيه.
стр. 1914
فإن أبا بكر ﵁ سئل عن شيء من متشابه القرآن العظيم، الذي لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، فأحجم عن القول فيه، مخافة أن يفسره بغير مراد الله تعالى. وأفتى في الكلالة برأيه، لأنه أمر ناب المسلمين، واحتاجوا إليه في مواريثهم، وقد أبيح له اجتهاد الرأي فيما لم يؤثر عن رسول الله ﷺ في شيء، ولم يأت له في الكتاب شيء كاشف، وهو إمام المسلمين ومفزعهم فيما ينوبهم، فلم يجد بدا من أن يقول. وكذلك قال عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد ﵃، حين سئلوا، وهم الأئمة والمفزع إليهم عند النوازل. فماذا كان ينبغي له أن يفعلوا عنده، أيدعون النظر في الكلالة وفي الجد، إلى أن يأتي هو وأشباهه، فيتكلموا فيهما.
ثم طعنه على عبد الله بن مسعود ﵁ بقوله: إن القمر انشق، وأنه رأى ذلك، ثم نسبه فيه إلى الكذب. وهذا ليس بإكذاب لابن مسعود، ولكنه بخس لعلم النبوة وإكذاب للقرآن العظيم، لأن الله تعالى يقول: ﴿اقتربت السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (١). فإن كان القمر لم ينشق في ذلك الوقت، وكان مراده: سينشق القمر فيما بعد، فما معنى قوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (٢) بعقب هذا الكلام؟ أليس فيه دليل على أن قوما رأوه منشقا فقالوا: "هذا سحر مستمر" من سحره، وحيلة من حيله كما قد كانوا يقولون في غير ذلك من أعلامه وكيف صارت الآية
стр. 1915
من آيات النبي ﷺ والعلم من أعلامه لا يجوز عنده أن يراها الواحد والاثنان والنفر دون الجميع. أو ليس قد يجوز أن يخبر الواحد والاثنان والنفر والجميع، كما أخبر مكلم الذئب، بأن ذئبا كلمه، وأخبر آخر بأن بعيرا شكا إليه، وأخبر آخر أن مقبورا لفظته الأرض. وطعنه عليه لجحده سورتين من القرآن العظيم، يعني "المعوذتين" فإن لابن مسعود في ذلك سببا، والناس قد يظنون ويزلون، وإذا كان هذا جائزا على النبيين والمرسلين، فهو على غيرهم أجوز. وسببه في تركه، إثباتهما في مصحفه أنه كان يرى النبي ﷺ يعوذ بهما الحسن والحسين، ويعوذ غيرهما، كما كان يعوذهما بـ "أعوذ بكلمات الله التامة" فظن أنهما ليستا من القرآن، فلم يثبتهما في مصحفه.
وبنحو هذا السبب أثبت أبي بن كعب في مصحفه، افتتاح دعاء القنوت، وجعله سورتين لأنه كان يرى رسول الله ﷺ ، يدعو بهما في الصلاة، دعاء دائما، فظن أنه من القرآن. وأما التطبيق فليس من فرض الصلاة، وإنما الفرض، الركوع والسجود، لقول الله : ﴿اركعوا واسجدوا﴾ (١). فمن طبق فقد ركع، ومن وضع يديه على ركبتيه، فقد ركع. وإنما وضع اليدين على الركبتين، أو التطبيق من آداب الركوع. وقد كان الاختلاف في آداب الصلاة. فكان منهم من يقعي، ومنهم من يفترش، ومنهم من يتورك. وكل ذلك لا يفسد الصلاة وإن اختلف. وأما نسبته إياه إلى الكذب في حديثه عن النبي ﷺ : "الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد
стр. 1916
من سعد في بطن أمه" (١).
فكيف يجوز أن يكذب ابن مسعود على رسول الله ﷺ في مثل هذا الحديث الجليل المشهور، ويقول حدثني الصادق المصدوق، وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، ولا ينكره أحد منهم؟ ولأي معنى يكذب مثله على رسول الله ﷺ في أمر لا يجتذب به إلى نفسه نفعا، ولا يدفع عنه ضرا، ولا يدنيه من سلطان ولا رعية، ولا يزداد به مالا إلى ماله؟ وكيف يكذب في شيء، قد وافقه على روايته، عدد منهم أبو أمامة عن رسول الله ﷺ : "سبق العلم، وجف القلم، وقضي القضاء، وتم القدر بتحقيق الكتاب، وتصديق الرسل بالسعادة لمن آمن واتقى، والشقاء لمن كذب وكفر". وقال : "ابن آدم بمشيئتي كنت. أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبإرادتي كنت. أنت الذي تريد لنفسك ما تريد، وبفضلي ورحمتي أديت إلى فرائضي، وبنعمتي قويت على معصيتي". وهذا الفضل بن عباس بن عبد المطلب يروي عن رسول الله ﷺ أنه قال له: "يا غلام، احفظ الله يحفظك، وتوكل عليه تجده أمامك، وتعرف إليه في الرخاء، يعرفك في
стр. 1917
الشدة، واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن القلم قد جف بما هو كائن إلى يوم القيامة" (١). وكيف يكذب ابن مسعود في أمر يوافقه عليه الكتاب. يقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (٢).
أي جعل في قلوبهم الإيمان كما قال في الرحمة: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (٣) الآية: أي سأجعلها. ومن جعل الله تعالى في قلبه الإيمان، فقد قضى له بالسعادة. وقال لرسوله ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٤). ولا يجوز أن يكون: إنك لا تسمي من أحببت هاديا، ولكن الله يسمي من يشاء هاديا. وقال: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٥) كما قال: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى﴾ (٦) ولا يجوز أن يكون سمى فرعون قومه ضالين، وما سماهم مهتدين. وقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ
стр. 1918
يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (١). وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٢) وأشباه هذا في القرآن والحديث، يكثر ويطول. ولم يكن قصدنا في هذا الموضع، الاحتجاج على القدرية، فنذكر ما جاء في الرد عليهم، ونذكر فساد تأويلاتهم واستحالتها، وقد ذكرت هذا في غير موضع، من كتبي في القرآن. وكيف يكذب ابن مسعود في أمر توافقه عليه العرب في الجاهلية والإسلام قال بعض الرجاز:
يا أيها المضمر هما لا تهم ... إنك إن تقدر لك الحمى تحم
ولو علوت شاهقا من العلم ... كيف توقيك وقد جف القلم
وقال آخر:
هي المقادير فلمني أو فذر ... إن كنت أخطأت فما أخطا القدر
وقال لبيد:
إن تقوى ربنا خير نفل ... وبأمر الله ريثي وعجل
من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل
وقال الفرزدق:
стр. 1919
ندمت ندامة الكسعي لما ... غدت مني مطلقة نوار
وكانت جنة فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضرار
ولو ضنت يداي بها ونفسي ... لكان علي للقدر الخيار
وقال النابغة:
وليس امرؤ نائلا من هوا ... هـ شيئا إذا هو لم يكتب
وكيف يكذب ابن مسعود ﵁ في أمر توافقه عليه كتب الله تعالى ... (١)
قال أبو محمد: وأما حديثه الآخر الذي نسبه فيه إلى الكذب، فقال رأى قوما من الزط، فقال: هؤلاء أشبه من رأيت بالجن ليلة الجن ثم سئل عن ذلك فقيل له: كنت مع النبي ﷺ ليلة الجن؟ فقال ما شهدها منا أحد. فادعى في الحديث الأول أنه شهدها، وأنكر ذلك في الحديث الآخر وتصحيحه الخبرين عنه فكيف يصح هذا عن ابن مسعود، مع ثاقب فهمه، وبارع علمه، وتقدمه في السنة، الذين انتهى إليهم العلم بها، واقتدت بهم الأمة مع خاصته برسول الله ﷺ ولطف محله. وكيف يجوز عليه أن يقر بالكذب، هذا الإقرار، فيقول: اليوم شهدت ويقول غدا: لم أشهد؟ ولو جهد عدوه، أن يبلغ منه ما بلغه من نفسه، ما قدر ولو كان به خبل، أو عته، أو آفة، ما زاد على ما وسم به نفسه. وأصحاب الحديث لا يثبتون حديث الزط (٢). وما ذكر من حضوره مع رسول الله ﷺ ليلة الجن، وهم القدوة عندنا في المعرفة بصحيح
стр. 1920
الأخبار وسقيمها، لأنهم أهلها والمعتنون بها وكل ذي صناعة أولى بصناعته. غير أنا لا نشك في بطلان أحد الخبرين لأنه لا يجوز على عبد الله بن مسعود، أنه يخبر الناس عن نفسه بأنه قد كذب، ولا يسقط عندهم مرتبته. ولو فعل ذلك، لقيل له: فلم خبرتنا أمس بأنك شهدت. فإن كان الأمر على ما قال أصحاب الحديث، فقد سقط الخبر الأول، وإن كان الحديثان جميعا صحيحين، فلا أرى الناقل للخبر الثاني إلا وقد أسقط منه حرفا، وهو (غيري) يدلك على ذلك أنه قال: قيل له، أكنت مع النبي ﷺ ليلة الجن؟ فقال: ما شهدها أحد منا غيري. فأغفل الراوي (غيري) إما بأنه لم يسمعه، أو بأنه سمعه فنسيه أو بأن الناقل عنه أسقطه.
وهذا وأشباهه قد يقع ولا يؤمن. ومما يدل على ذلك، أنه قال له: هل كنت مع النبي ﷺ ليلة الجن؟ فقال: "ما شهدها أحد منا". وليس هذا جوابا لقوله: "هل كنت"؟ وإنما هو جواب لقول السائل: "هل كنت مع النبي ﷺ ليلة الجن". وإذا كان قول السائل: هل كنت مع النبي ﷺ ليلة الجن؟ حسن أن يكون الجواب: "ما شهدها أحد منا غيري" يؤكد ذلك ما كان من متقدم قوله.
وأما ما حكاه عن حذيفة أنه حلف على أشياء لعثمان، ما قالها، وقد سمعوه قالها، فقيل له في ذلك. فقال: إني أشتري ديني بعضه ببعض، مخافة أن يذهب كله. فكيف حمل الحديث على أقبح وجوهه، ولم يتطلب له العذر والمخرج، وقد أخبر به وذلك قوله: "أشتري ديني بعضه ببعض". أفلا تفهم عنه معناه، وتدبر قوله؟ ولكن عداوته لأصحاب رسول الله ﷺ ، وما احتمله
стр. 1921
من الضغن عليهم، حال بينه وبين النظر، والعداوة والبغض، يعميان ويصمان، كما أن الهوى يعمي ويصم. واعلم رحمك الله أن الكذب والحنث في بعض الأحوال، أولى بالمرء، وأقرب إلى الله من الصدق في القول والبر في اليمين. ألا ترى أن رجلا لو رأى سلطانا ظالما وقادرا قاهرا، يريد سفك دم امرئ مسلم أو معاهد بغير حق، أو استباحة حرمه، أو إحراق منزله، فتخرص قولا كاذبا ينجيه به، أو حلف يمينا فاجرة، كان مأجورا عند الله، مشكورا عند عباده؟. (١)
وقال أبو محمد: وليس يخلو حذيفة في قوله لعثمان ﵁، ما قال من تورية إلى شيء في يمينه، وقوله، ولم يحك لنا الكلام فنتناوله، وإنما جاء مجملا. وسنضرب له مثلا كأن حذيفة قال: والناس يقولون عند الغضب، أقبح ما يعلمون، وعند الرضا أحسن ما يعلمون. إن عثمان خالف صاحبيه، ووضع الأمور غير مواضعها، ولم يشاور أصحابه في أموره، ودفع المال إلى غير أهله، هذا وأشباهه. فوشى به إلى عثمان ﵁ واش، فغلظ القول وقال: ذكر أنك تقول: إني ظالم خائن، هذا وما أشبهه. فحلف حذيفة، بالله تعالى ما قال ذلك، وصدق حذيفة أنه لم يقل: إن عثمان خائن ظالم وأراد بيمينه، استلال سخيمته، وإطفاء سورة غضبه وكره أن ينطوي على سخطه عليه. وسخط الإمام على رعيته، كسخط الوالد على ولده، والسيد على عبده، والبعل على زوجه. بل سخط الإمام أعظم من
стр. 1922
ذلك حوبا، فاشترى الأعظم من ذلك بالأصغر، وقال: "أشتري بعض ديني ببعض".
وأما طعنه على أبي هريرة بتكذيب عمر وعثمان وعلي وعائشة له. فإن أبا هريرة صحب رسول الله ﷺ ، نحوا من ثلاث سنين، وأكثر الرواية عنه وعمر بعده نحوا من خمسين سنة. وكانت وفاته، سنة تسع وخمسين، وفيها توفيت أم سلمة، زوج النبي ﷺ ، وتوفيت عائشة ﵂، قبلهما بسنة. فلما أتى من الرواية عنه، ما لم يأت بمثله من صحبه من جلة أصحابه والسابقين الأولين إليه، اتهموه، وأنكروا عليه، وقالوا: كيف سمعت هذا وحدك؟ ومن سمعه معك؟ وكانت عائشة ﵂، أشدهم إنكارا عليه، لتطاول الأيام بها وبه. وكان عمر أيضا، شديدا على من أكثر الرواية، أو أتى بخبر في الحكم، لا شاهد له عليه. وكان يأمرهم بأن يقلوا الرواية، يزيد بذلك: أن لا يتسع الناس فيها، ويدخلها الشوب، ويقع التدليس والكذب، من المنافق والفاجر والأعرابي. وكان كثير من جلة الصحابة، وأهل الخاصة برسول الله ﷺ كأبي بكر، والزبير، وأبي عبيدة، والعباس بن عبد المطلب، يقلون الرواية عنه. بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئا، كسعيد ابن زيد بن عمرو بن نفيل، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. وقال علي ﵁: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثا، نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه محدث، استحلفته، فإن حلف لي صدقته وأن أبا بكر حدثني، وصدق أبو بكر. ثم ذكر الحديث. أفما ترى تشديد القوم في الحديث وتوقي من أمسك، كراهية التحريف، أو الزيادة في الرواية، أو
стр. 1923
النقصان، لأنهم سمعوه ﵇ يقول: "من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار" (١).
وهكذا روي عن الزبير أنه رواه وقال: أراهم يزيدون فيه "متعمدا" والله ما سمعته قال "متعمدا". وروى مطرف بن عبد الله، أن عمران بن حصين قال: والله، إن كنت لأرى لو شئت لحدثت عن رسول الله ﷺ ، يومين متتابعين، ولكن بطأني عن ذلك أن رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ سمعوا كما سمعت، وشهدوا كما شهدت، ويحدثون أحاديث ما هي كما يقولون، وأخاف أن يشبه لي كما شبه لهم، فأعلمك أنهم كانوا يغلطون لا أنهم كانوا يتعمدون. فلما أخبرهم أبو هريرة بأنه كان ألزمهم لرسول الله ﷺ ، لخدمته وشبع بطنه، وكان فقيرا معدما، وأنه لم يكن ليشغله عن رسول الله ﷺ غرس الودى ولا الصفق بالأسواق، يعرض أنهم كانوا يتصرفون في التجارات ويلزمون الضياع في أكثر الأوقات، وهو ملازم له لا يفارقه، فعرف ما لم يعرفوا، وحفظ ما لم يحفظوا -أمسكوا عنه وكان مع هذا يقول: قال رسول الله ﷺ كذا، وإنما سمعه من الثقة عنده، فحكاه. وكذلك كان ابن عباس يفعل، وغيره من الصحابة، وليس في هذا كذب -بحمد الله- ولا على قائله -إن لم يفهمه السامع- جناح، إن شاء الله. وأما قوله: "قال خليلي، وسمعت خليلي". يعني النبي ﷺ . وأن عليا ﵁، قال له: "متى كان خليلك؟ ". فإن الخلة بمعنى الصداقة والمصافاة، وهي درجتان، إحداهما ألطف من الأخرى. كما أن الصحبة درجتان، إحداهما ألطف من الأخرى. ألا ترى
стр. 1924
أن القائل: أبو بكر صاحب رسول الله ﷺ ، لا يريد بهذا القول معنى صحبة أصحابه له، لأنهم جميعا صحابة، فأية فضيلة لأبي بكر ﵁ في هذا القول؟ وإنما يريد أنه أخص الناس به.
وكذلك الأخوة التي جعلها رسول الله ﷺ بين أصحابه، هي ألطف من الأخوة التي جعلها الله بين المؤمنين، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١) وهكذا الخلة. فمن الخلة التي هي أخص، قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٢). وقول رسول الله ﷺ : "لو كنت متخذا من هذه الأمة خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا" (٣). يريد لاتخذته خليلا، كما اتخذ الله إبراهيم خليلا. وأما الخلة، التي تعم، فهي الخلة التي جعلها الله تعالى بين المؤمنين فقال: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (٤). فلما سمع علي أبا هريرة يقول: "خليلي، وسمعت قال خليلي" وكان سيء الرأي فيه، قال: "متى كان خليلك؟ ". يذهب إلى الخلة التي لم يتخذ رسول الله ﷺ من جهتها- خليلا، وأنه لو فعل ذلك بأحد، لفعله بأبي بكر ﵁. وذهب أبو هريرة إلى الخلة التي جعلها الله تعالى بين المؤمنين، والولاية، فإن رسول الله ﷺ من هذه
стр. 1925
الجهة- خليل كل مؤمن، وولي كل مسلم. وإلى مثل هذا، يذهب في قول رسول الله ﷺ : "من كنت مولاه، فعلي مولاه" (١) يريد أن الولاية بين رسول الله ﷺ وبين المؤمنين، ألطف من الولاية التي بين المؤمنين بعضهم مع بعض، فجعلها لعلي ﵁. ولو لم يرد ذلك، ما كان لعلي في هذا القول فضل، ولا كان في القول دليل على شيء، لأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض.
ولأن رسول الله ﷺ ولي كل مسلم ولا فرق بين ولي ومولي. وكذلك قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢) وقول النبي ﷺ : "أية امرأة نكحت، بغير أمر مولاها، فنكاحها باطل باطل" (٣). فهذه أقاويل النظام، قد بيناها، وأجبناه عنها. وله أقاويل في أحاديث يدعي عليها، أنها مناقضة للكتاب، وأحاديث يستبشعها من جهة حجة العقل. وذكر أن جهة حجة العقل، قد تنسخ الأخبار، وأحاديث ينقض بعضها بعضا. وسنذكرها فيما بعد إن شاء الله. (٤)
قال أبو محمد: قالوا حديث يحتج به الروافض في إكفار أصحاب محمد ﷺ تسليما: قالوا: رويتم أن رسول الله ﷺ قال: "ليردن علي الحوض أقوام، ثم ليختلجن دوني، فأقول: يا رب، أصيحابي أصيحابي. فيقال لي: إنك لا
стр. 1926
تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم" (١). قالوا: وهذه حجة للروافض في إكفارهم أصحاب رسول الله ﷺ إلا عليا وأبا ذر، والمقداد، وسلمان وعمار بن ياسر، وحذيفة.
قال أبو محمد ونحن نقول: إنهم لو تدبروا الحديث، وفهموا ألفاظه، لاستدلوا على أنه لم يرد بذلك إلا القليل. يدلك على ذلك قوله: "ليردن علي الحوض أقوام". ولو كان أرادهم جميعا إلا من ذكروا لقال: "لتردن علي الحوض، ثم لتختلجن دوني". ألا ترى أن القائل إذا قال: "أتاني اليوم أقوام من بني تميم، وأقوام من أهل الكوفة" فإنما يريد قليلا من كثير؟ ولو أراد أنهم أتوه إلا نفرا يسيرا قال: "أتاني بنو تميم، وأتاني أهل الكوفة" ولم يجز أن يقول قوم لأن القوم، هم الذين تخلفوا. ويدلك أيضا قوله: "يارب، أصيحابي" بالتصغير، وإنما يريد بذلك تقليل العدد، كما تقول: "مررت بأبيات متفرقة"، و"مررت بجميعة". ونحن نعلم أنه قد كان يشهد مع رسول الله ﷺ المشاهد، ويحضر معه المغازي المنافق لطلب المغنم، والرقيق الدين، والمرتاب، والشاك. وقد ارتد بعده أقوام، منهم عيينة بن حصن، ارتد ولحق بطليحة بن خوليد، حين تنبأ وآمن به، فلما هزم طليحة، هرب، فأسره خالد ابن الوليد، وبعث به إلى أبي بكر ﵁ في وثاق، فقدم به المدينة فجعل غلمان المدينة ينخسونه بالجريد، ويضربونه ويقولون: "أي عدو الله، كفرت بالله بعد إيمانك؟ ". فيقول عدو الله: والله ماكنت آمنت. فلما كلمه
стр. 1927
أبو بكر ﵁ رجع إلى الإسلام، فقبل منه، وكتب له أمانا، ولم يزل بعد ذلك رقيق الدين حتى مات. وهو الذي كان أغار على لقاح رسول الله ﷺ بالغابة، فقال له الحارث بن عوف: ما جزيت محمدا ﷺ ، أسمنت في بلاده، ثم غزوته؟ فقال: هو ما ترى. وفيه قال رسول الله ﷺ : "هذا الأحمق المطاع". ولعيينة بن حصن أشباه، ارتدوا حين ارتدت العرب، فمنهم من رجع وحسن إسلامه.
ومنهم من ثبت على النفاق وقد قال الله ﵎: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ (١) الآية. فهؤلاء هم الذين يختلجون دونه. وأما جميع أصحابه -إلا الستة الذين ذكروا- فكيف يختلجون؟ وقد تقدم قول الله ﵎ فيهم ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٢) إلى آخر السورة. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٣).
قال أبو محمد: وحدثني زيد بن أخزم الطائي، قال: أنا أبو داود، قال: نا قرة بن خالد، عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب، كم كانوا في بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة. قال قلت: فإن جابر بن عبد الله قال: كانوا أربع عشرة مائة. قال أوهم ﵀ -هو الذي حدثني، أنهم كانوا خمس
стр. 1928
عشرة مائة. فكيف يجوز أن يرضى الله عن أقوام، ويحمدهم ويضرب لهم مثلا في التوارة والإنجيل، وهو يعلم أنهم يرتدون على أعقابهم بعد رسول الله ﷺ ، إلا أن يقولوا: إنه لم يعلم، وهذا هو شر الكافرين. (١)
موقفه من الجهمية:
كان أبو محمد من خيار الناس وعلمائهم، وكان له الباع الطويل في الكتابة ومعرفة أحوال الناس. ترك آثارا تدل على ذلك، وكتبه 'تأويل مختلف الحديث' و'الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية' تدل على أن الرجل من كبار أهل السنة، واسمع ما قاله فيه الإمام الذهبي.
- جاء في السير: وقد أنبأني أحمد بن سلامة عن حماد الحراني أنه سمع السلفي ينكر على الحاكم في قوله: لا تجوز الرواية عن ابن قتيبة ويقول: ابن قتيبة من الثقات وأهل السنة ثم قال: لكن الحاكم قصده لأجل المذهب.
قال الذهبي: عهدي بالحاكم، يميل إلى الكرامية، ثم ما رأيت لأبي محمد في كتاب 'مشكل الحديث' ما يخالف طريقة المثبتة والحنابلة، ومن أن أخبار الصفات تمر ولا تتأول فالله أعلم. (٢)
من مواقفه المشرفة ما جاء في تأويل مختلف الحديث:
- قال أبو محمد: وقد تدبرت -رحمك الله- مقالة أهل الكلام فوجدتهم يقولون على الله مالا يعلمون، ويفتنون الناس بما يأتون، ويبصرون القذى في عيون الناس، وعيونهم تطرف على الأجذاع ويتهمون غيرهم في
стр. 1929
النقل، ولا يتهمون آراءهم في التأويل. ومعاني الكتاب والحديث، وما أودعاه من لطائف الحكمة وغرائب اللغة، لا يدرك بالطفرة والتولد والعرض والجوهر، والكيفية والكمية والآينية. ولو ردوا المشكل منهما، إلى أهل العلم بهما، وضح لهم المنهج، واتسع لهم المخرج. ولكن يمنع من ذلك طلب الرياسة، وحب الأتباع، واعتقاد الإخوان بالمقالات. والناس أسراب طير يتبع بعضها بعضا. ولو ظهر لهم من يدعي النبوة -مع معرفتهم بأن رسول الله ﷺ خاتم الأنبياء، أو من يدعي الربوبية- لوجد على ذلك أتباعا وأشياعا. وقد كان يجب -مع ما يدعونه من معرفة القياس وإعداد آلات النظر- أن لا يختلفوا كما لا يختلف الحساب والمساح، والمهندسون، لأن آلتهم لا تدل إلا على عدد واحد، وإلا على شكل واحد وكما لا يختلف حذاق الأطباء في الماء وفي نبض العروق لأن الأوائل قد وقفوهم من ذلك على أمر واحد فما بالهم أكثر الناس اختلافا، لا يجتمع اثنان من رؤسائهم على أمر واحد في الدين. فـ"أبو الهذيل العلاف" يخالف "النظام" و"النجار" يخالفهما، و"هشام ابن الحكم" يخالفهم، وكذلك "ثمامة" و"مويس" و"هاشم الأوقص" و"عبيد الله ابن الحسن" و"بكر العمى" و"حفص" و"قبة" وفلان وفلان. ليس منهم واحد إلا وله مذهب في الدين، يدان برأيه، وله عليه تبع.
- قال أبو محمد: ولو كان اختلافهم في الفروع والسنن، لاتسع لهم العذر عندنا، -وإن كان لا عذر لهم، مع ما يدعونه لأنفسهم- كما اتسع لأهل الفقه، ووقعت لهم الأسوة بهم. ولكن اختلافهم، في التوحيد، وفي صفات الله تعالى، وفي قدرته، وفي نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار،
стр. 1930
وعذاب البرزخ، وفي اللوح، وفي غير ذلك من الأمور التي لا يعلمها نبي إلا بوحي من الله تعالى. ولن يَعدِم هذا مَن رَدَّ مثل هذه الأصول إلى استحسانه ونظره وما أوجبه القياس عنده، لاختلاف الناس في عقولهم وإراداتهم واختياراتهم، فإنك لا تكاد ترى رجلين متفقين حتى يكون كل واحد منهما يختار ما يختاره الآخر، ويرذل ما يرذله الآخر، إلا من جهة التقليد والذي خالف بين مَناظِرهم وهيئاتهم وألوانهم ولغاتهم وأصواتهم وخطوطهم وآثارهم، حتى فرق القائف بين الأثر والأثر، وبين الأنثى والذكر هو الذي خالف بين آرائهم. والذي خالف بين الآراء هو الذي أراد الاختلاف لهم. ولن تكمل الحكمة والقدرة إلا بخلق الشيء وضده ليُعرف كل واحد منهما بصاحبه. فالنور يعرف بالظلمة، والعلم يعرف بالجهل، والخير يعرف بالشر، والنفع يعرف بالضر، والحلو يعرف بالمر لقول الله ﵎: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١) والأزواج الأضداد والأصناف كالذكر والأنثى، واليابس والرطب، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (٢) ولو أردنا -رحمك الله- أن ننتقل عن أصحاب الحديث ونرغب عنهم إلى أصحاب الكلام، ونرغب فيهم، لخرجنا من اجتماع إلى تشتت، وعن نظام