← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم" (١). قالوا: وهذه حجة للروافض في إكفارهم أصحاب رسول الله ﷺ إلا عليا وأبا ذر، والمقداد، وسلمان وعمار بن ياسر، وحذيفة. قال أبو محمد ونحن نقول: إنهم لو تدبروا الحديث، وفهموا ألفاظه، لاستدلوا على أنه لم يرد بذلك إلا القليل. يدلك على ذلك قوله: "ليردن علي الحوض أقوام". ولو كان أرادهم جميعا إلا من ذكروا لقال: "لتردن علي الحوض، ثم لتختلجن دوني". ألا ترى أن القائل إذا قال: "أتاني اليوم أقوام من بني تميم، وأقوام من أهل الكوفة" فإنما يريد قليلا من كثير؟ ولو أراد أنهم أتوه إلا نفرا يسيرا قال: "أتاني بنو تميم، وأتاني أهل الكوفة" ولم يجز أن يقول قوم لأن القوم، هم الذين تخلفوا. ويدلك أيضا قوله: "يارب، أصيحابي" بالتصغير، وإنما يريد بذلك تقليل العدد، كما تقول: "مررت بأبيات متفرقة"، و"مررت بجميعة". ونحن نعلم أنه قد كان يشهد مع رسول الله ﷺ المشاهد، ويحضر معه المغازي المنافق لطلب المغنم، والرقيق الدين، والمرتاب، والشاك. وقد ارتد بعده أقوام، منهم عيينة بن حصن، ارتد ولحق بطليحة بن خوليد، حين تنبأ وآمن به، فلما هزم طليحة، هرب، فأسره خالد ابن الوليد، وبعث به إلى أبي بكر ﵁ في وثاق، فقدم به المدينة فجعل غلمان المدينة ينخسونه بالجريد، ويضربونه ويقولون: "أي عدو الله، كفرت بالله بعد إيمانك؟ ". فيقول عدو الله: والله ماكنت آمنت. فلما كلمه

стр. 1927

أبو بكر ﵁ رجع إلى الإسلام، فقبل منه، وكتب له أمانا، ولم يزل بعد ذلك رقيق الدين حتى مات. وهو الذي كان أغار على لقاح رسول الله ﷺ بالغابة، فقال له الحارث بن عوف: ما جزيت محمدا ﷺ ، أسمنت في بلاده، ثم غزوته؟ فقال: هو ما ترى. وفيه قال رسول الله ﷺ : "هذا الأحمق المطاع". ولعيينة بن حصن أشباه، ارتدوا حين ارتدت العرب، فمنهم من رجع وحسن إسلامه. ومنهم من ثبت على النفاق وقد قال الله ﵎: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ (١) الآية. فهؤلاء هم الذين يختلجون دونه. وأما جميع أصحابه -إلا الستة الذين ذكروا- فكيف يختلجون؟ وقد تقدم قول الله ﵎ فيهم ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٢) إلى آخر السورة. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٣). قال أبو محمد: وحدثني زيد بن أخزم الطائي، قال: أنا أبو داود، قال: نا قرة بن خالد، عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب، كم كانوا في بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة. قال قلت: فإن جابر بن عبد الله قال: كانوا أربع عشرة مائة. قال أوهم ﵀ -هو الذي حدثني، أنهم كانوا خمس

стр. 1928

عشرة مائة. فكيف يجوز أن يرضى الله عن أقوام، ويحمدهم ويضرب لهم مثلا في التوارة والإنجيل، وهو يعلم أنهم يرتدون على أعقابهم بعد رسول الله ﷺ ، إلا أن يقولوا: إنه لم يعلم، وهذا هو شر الكافرين. (١) موقفه من الجهمية: كان أبو محمد من خيار الناس وعلمائهم، وكان له الباع الطويل في الكتابة ومعرفة أحوال الناس. ترك آثارا تدل على ذلك، وكتبه 'تأويل مختلف الحديث' و'الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية' تدل على أن الرجل من كبار أهل السنة، واسمع ما قاله فيه الإمام الذهبي. - جاء في السير: وقد أنبأني أحمد بن سلامة عن حماد الحراني أنه سمع السلفي ينكر على الحاكم في قوله: لا تجوز الرواية عن ابن قتيبة ويقول: ابن قتيبة من الثقات وأهل السنة ثم قال: لكن الحاكم قصده لأجل المذهب. قال الذهبي: عهدي بالحاكم، يميل إلى الكرامية، ثم ما رأيت لأبي محمد في كتاب 'مشكل الحديث' ما يخالف طريقة المثبتة والحنابلة، ومن أن أخبار الصفات تمر ولا تتأول فالله أعلم. (٢) من مواقفه المشرفة ما جاء في تأويل مختلف الحديث: - قال أبو محمد: وقد تدبرت -رحمك الله- مقالة أهل الكلام فوجدتهم يقولون على الله مالا يعلمون، ويفتنون الناس بما يأتون، ويبصرون القذى في عيون الناس، وعيونهم تطرف على الأجذاع ويتهمون غيرهم في

стр. 1929

النقل، ولا يتهمون آراءهم في التأويل. ومعاني الكتاب والحديث، وما أودعاه من لطائف الحكمة وغرائب اللغة، لا يدرك بالطفرة والتولد والعرض والجوهر، والكيفية والكمية والآينية. ولو ردوا المشكل منهما، إلى أهل العلم بهما، وضح لهم المنهج، واتسع لهم المخرج. ولكن يمنع من ذلك طلب الرياسة، وحب الأتباع، واعتقاد الإخوان بالمقالات. والناس أسراب طير يتبع بعضها بعضا. ولو ظهر لهم من يدعي النبوة -مع معرفتهم بأن رسول الله ﷺ خاتم الأنبياء، أو من يدعي الربوبية- لوجد على ذلك أتباعا وأشياعا. وقد كان يجب -مع ما يدعونه من معرفة القياس وإعداد آلات النظر- أن لا يختلفوا كما لا يختلف الحساب والمساح، والمهندسون، لأن آلتهم لا تدل إلا على عدد واحد، وإلا على شكل واحد وكما لا يختلف حذاق الأطباء في الماء وفي نبض العروق لأن الأوائل قد وقفوهم من ذلك على أمر واحد فما بالهم أكثر الناس اختلافا، لا يجتمع اثنان من رؤسائهم على أمر واحد في الدين. فـ"أبو الهذيل العلاف" يخالف "النظام" و"النجار" يخالفهما، و"هشام ابن الحكم" يخالفهم، وكذلك "ثمامة" و"مويس" و"هاشم الأوقص" و"عبيد الله ابن الحسن" و"بكر العمى" و"حفص" و"قبة" وفلان وفلان. ليس منهم واحد إلا وله مذهب في الدين، يدان برأيه، وله عليه تبع. - قال أبو محمد: ولو كان اختلافهم في الفروع والسنن، لاتسع لهم العذر عندنا، -وإن كان لا عذر لهم، مع ما يدعونه لأنفسهم- كما اتسع لأهل الفقه، ووقعت لهم الأسوة بهم. ولكن اختلافهم، في التوحيد، وفي صفات الله تعالى، وفي قدرته، وفي نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار،

стр. 1930

وعذاب البرزخ، وفي اللوح، وفي غير ذلك من الأمور التي لا يعلمها نبي إلا بوحي من الله تعالى. ولن يَعدِم هذا مَن رَدَّ مثل هذه الأصول إلى استحسانه ونظره وما أوجبه القياس عنده، لاختلاف الناس في عقولهم وإراداتهم واختياراتهم، فإنك لا تكاد ترى رجلين متفقين حتى يكون كل واحد منهما يختار ما يختاره الآخر، ويرذل ما يرذله الآخر، إلا من جهة التقليد والذي خالف بين مَناظِرهم وهيئاتهم وألوانهم ولغاتهم وأصواتهم وخطوطهم وآثارهم، حتى فرق القائف بين الأثر والأثر، وبين الأنثى والذكر هو الذي خالف بين آرائهم. والذي خالف بين الآراء هو الذي أراد الاختلاف لهم. ولن تكمل الحكمة والقدرة إلا بخلق الشيء وضده ليُعرف كل واحد منهما بصاحبه. فالنور يعرف بالظلمة، والعلم يعرف بالجهل، والخير يعرف بالشر، والنفع يعرف بالضر، والحلو يعرف بالمر لقول الله ﵎: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١) والأزواج الأضداد والأصناف كالذكر والأنثى، واليابس والرطب، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (٢) ولو أردنا -رحمك الله- أن ننتقل عن أصحاب الحديث ونرغب عنهم إلى أصحاب الكلام، ونرغب فيهم، لخرجنا من اجتماع إلى تشتت، وعن نظام

стр. 1931

إلى تفرق، وعن أنس إلى وحشة، وعن اتفاق إلى اختلاف، لأن أصحاب الحديث كلهم مجمعون على أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لا يكون. وعلى أنه خالق الخير والشر، وعلى أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وعلى أن الله تعالى يرى يوم القيامة، وعلى تقديم الشيخين وعلى الإيمان بعذاب القبر لا يختلفون في هذه الأصول ومن فارقهم في شيء منها، نابذوه وباغضوه وبدعوه وهجروه. وإنما اختلفوا في اللفظ بالقرآن، لغموض وقع في ذلك وكلهم مجمعون على أن القرآن، بكل حال -مقروءا ومكتوبا، ومسموعا، ومحفوظا- غير مخلوق، فهذا الإجماع. (١) - قال أبو محمد: فإذا نحن أتينا أصحاب الكلام، لما يزعمون أنهم عليه من معرفة القياس، وحسن النظر، وكمال الإرادة وأردنا أن نتعلق بشيء من مذاهبهم. ونعتقد شيئا من نحلهم، وجدنا "النظام" شاطرا من الشطار، يغدو على سكر، ويروح على سكر، ويبيت على جرائرها ويدخل في الأدناس ويرتكب الفواحش والشائنات وهو القائل: ما زلت آخذ روح الزق في لطف ... وأستبيح دما من غير مجروح حتى انثنيت ولي روحان في جسدي ... والزق مطرح جسم بلا روح ثم نجد أصحابه يعدون من خطئه قوله إن الله يحدث الدنيا وما فيها، في كل وقت من غير إفنائها. قالوا فالله في قوله يحدث الموجود، ولو جاز إيجاد الموجود، لجاز إعدام المعدوم. وهذا فاحش في ضعف الرأي،

стр. 1932

وسوء الاختيار. وحكوا عنه أنه قال: قد يجوز أن يجمع المسلمون جميعا على الخطأ. قال: ومن ذلك إجماعهم على أن النبي ﷺ بعث إلى الناس كافة دون جميع الأنبياء وليس كذلك وكل نبي في الأرض بعثه الله تعالى، فإلى جميع الخلق بعثه، لأن آيات الأنبياء -لشهرتها- تبلغ آفاق الأرض، وعلى كل من بلغه ذلك أن يصدقه ويتبعه. فخالف الرواية عن النبي ﷺ أنه قال: "بعثت إلى الناس كافة، وبعثت إلى الأحمر والأسود وكان النبي يبعث إلى قومه" (١) وأول الحديث. وفي مخالفة الرواية وحشة، فكيف بمخالفة الرواية والإجماع لما استحسن. (٢) قال أبو محمد: وفسروا القرآن بأعجب تفسير، يريدون أن يردوه إلى مذاهبهم، ويحملوا التأويل على نحلهم. فقال فريق منهم في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (٣) أي علمه، وجاءوا على ذلك بشاهد لا يعرف، وهو قول الشاعر: ولا يُكَرْسيُّ علمَ الله مخلوقُ كأنه عندهم: ولا يعلم علم الله مخلوق. والكرسي غير مهموز، و"يكرسئ" مهموز، يستوحشون أن يجعلوا لله تعالى كرسيا، أو سريرا، ويجعلون العرش شيئا آخر. والعرب لا تعرف العرش

стр. 1933

إلا السرير، وما عُرِش من السقوف والآبار. يقول الله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ (١) أي على السرير. وأمية بن أبي الصلت يقول: مجدوا الله وهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبناء الأعلى الذي سبق النا ... س وسوى فوق السماء سريرا شرجعا ما يناله بصر العين ... ترى دونه الملائك صورا (٢) - قال أبو محمد: وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ (٣) إن اليد، ههنا، النعمة لقول العرب "لي عند فلان يد" أي نعمة ومعروف. وليس يجوز أن تكون اليد ههنا، النعمة لأنه قال: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ معارضة عما قالوه فيها ثم قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. ولا يجوز أن يكون أراد "غلت نعمهم، بل نعمتاه مبسوطتان" لأن النعم لا تغل، ولأن المعروف لا يكنى عنه باليدين، كما يكنى عنه باليد، إلا أن يريد جنسين من المعروف، فيقول: لي عنده يدان. ونعم الله تعالى أكثر من أن يحاط بها. (٤) - قال أبو محمد: قالوا: رويتم أن النبي ﷺ قال: "ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته". (٥)

стр. 1934

والله تعالى يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١) ويقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٢). قالوا: وليس يجوز في حجة العقل، أن يكون الخالق يشبه المخلوق، في شيء من الصفات، وقد قال موسى ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ (٣). قالوا: فإن كان هذا الحديث صحيحا، فالرؤية فيه بمعنى العلم، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ (٤) وقال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٥). قال أبو محمد: ونحن نقول: إن هذا الحديث صحيح، لا يجوز على مثله الكذب، لتتابع الروايات عن الثقات به، من وجوه كثيرة: ولو كان يجوز أن يكون مثله كذبا، جاز أن يكون كل ما نحن عليه من أمور ديننا في التشهد، الذي لم نعلمه إلا بالخبر، وفي صدقة النعم، وزكاة الناض من الأموال، والطلاق، والعتاق، وأشباه ذلك من الأمور التي وصل إلينا علمها بالخبر، ولم يأت لها بيان في الكتاب - باطلا.

стр. 1935

وأما قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ وقول موسى ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ فليس ناقضا لقول رسول الله ﷺ : "ترون ربكم يوم القيامة" لأنه أراد -جل وعز- بقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ في الدنيا. وقال لموسى ﵇: "لن تراني" يريد: في الدنيا، لأنه -جل وعز- احتجب عن جميع خلقه في الدنيا، ويتجلى لهم يوم الحساب، ويوم الجزاء والقصاص، فيراه المؤمنون كما يرون القمر في ليلة البدر، ولا يختلفون فيه، كما لا يختلفون في القمر. ولم يقع التشبيه بها على كل حالات القمر، في التدوير، والمسير، والحدود وغير ذلك. وإنما وقع التشبيه بها، على أنا ننظر إليه كما ننظر إلى القمر ليلة البدر لا يختلف في ذلك، كما لا يختلف في القمر. والعرب، تضرب المثل بالقمر في الشهرة والظهور، فيقولون: "هذا أبين من الشمس، ومن فلق الصبح، وأشهر من القمر" قال ذو الرمة: وقد بهرت فما تخفى على أحد ... إلا على أحد لا يعرف القمرا وقوله في الحديث: "لا تضامون في رؤيته" دليل لأن التضام من الناس يكون في أول الشهر عند طلبهم الهلال، فيجتمعون، ويقول واحد: "هو ذاك هو ذاك" ويقول آخر: "ليس به وليس القمر كذلك" لأن كل واحد يراه بمكانه، ولا يحتاج إلى أن ينضم إلى غيره لطلبه.

стр. 1936

وحديث رسول الله ﷺ قاض على الكتاب، ومبين له. فلما قال الله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ الْأَبْصَارُ وجاء عن رسول الله ﷺ بالصحيح من الخبر "ترون ربكم تعالى في القيامة" لم يخف على ذي فهم ونظر ولب وتمييز، أنه في وقت دون وقت. وفي قول موسى ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ أبين الدلالة، على أنه يرى في القيامة. ولو كان الله تعالى لا يرى في حال من الأحوال، ولا يجوز عليه النظر، لكان موسى ﵇ قد خفي عليه من وصف الله تعالى ما علموه. ومن قال بأن الله تعالى يدرك بالبصر يوم القيامة، فقد حده عندهم، ومن كان الله تعالى عنده، محدودا، فقد شبهه بالمخلوقين، ومن شبهه عندهم بالخلق، فقد كفر. فما يقولون في موسى ﵇ فيما بين أن الله تعالى نبأه، وكلمه من الشجرة إلى الوقت الذي قال له فيه: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ أيقضون عليه بأنه كان مشبها لله محددا؟ لا، لعمر الله، لا يجوز أن يجهل موسى ﵇، من الله مثل هذا، لو كان على تقديرهم. ولكن موسى ﵇، علم أن الله تعالى، يرى يوم القيامة، فسأل الله أن يجعل له في الدنيا، ما أجله لأنبيائه وأوليائه يوم القيامة.

стр. 1937

فقال له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ يعني في الدنيا ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ (١). أعلمه أن الجبل لا يقوم لتجليه حتى يصير دكا، وأن الجبال إذا ضعفت عن احتمال ذلك، فابن آدم أحرى أن يكون أضعف إلى أن يعطيه الله تعالى يوم القيامة ما يقوى به على النظر، ويكشف عن بصره الغطاء الذي كان في الدنيا. والتجلي: هو الظهور، ومنه يقال: "جلوت العروس" إذا أبرزتها و"جلوت المرآة والسيف" إذا أظهرتهما من الصدأ. وأما قولهم: إن الرؤية في قوله: (ترون ربكم يوم القيامة)، بمعنى العلم كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ على كُلِّ شَيْءٍ قديرٍ﴾ (٢). يريد "ألم تعلم" فإنه يستحيل، لأنا نعلمه في الدنيا أيضا - فأي فائدة في هذا الخبر إذا كان الأمر في يوم القيامة، وفي الدنيا واحدا. وقرأت في الإنجيل أن المسيح ﵇ حين فتح فاه بالوحي قال: "طوبى للذين يرحمون، فعليهم تكون الرحمة، طوبى للمخلصة قلوبهم، فإنهم الذين يرون الله ﵎" والله ﵎ يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٣).

стр. 1938

ويقول في قوم سخط عليهم: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾ (١). أفما في هذا القول، دليل على أن الوجوه الناضرة، التي هي إلى ربها ناظرة، هي التي لا تحجب إذا حجبت هذه الوجوه؟ فإن قالوا لنا: كيف ذلك النظر والمنظور إليه؟ قلنا: نحن لا ننتهي في صفاته ﷻ إلا إلى حيث انتهى إليه رسول الله ﷺ ، ولا ندفع ما صح عنه، لأنه لا يقوم في أوهامنا، ولا يستقيم على نظرنا، بل نؤمن بذلك من غير أن نقول فيه بكيفية أو حد، أو أن نقيس على ما جاء، ما لم يأت- ونرجو أن يكون في ذلك من القول والعقد، سبيل النجاة، والتخلص من الأهواء كلها غدا، إن شاء الله تعالى. (٢) - قال أبو محمد: قالوا رويتم أن قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الله (٣). فإن كنتم أردتم بالأصابع ههنا، النعم، وكان الحديث صحيحا، فهو مذهب. وإن كنتم أردتم الأصابع بعينها، فإن ذلك يستحيل لأن الله تعالى لا يوصف بالأعضاء، ولا يشبه بالمخلوقين. وذهبوا في تأويل الأصابع إلى أنه النعم لقول العرب: "ما أحسن إصبع فلان على ماله" يريدون أثره، وقال الراعي في وصف إبله:

стр. 1939

ضعيف العصا بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما أمحل الناس أصبعا أي: ترى له عليها أثرا حسنا. قال أبو محمد: ونحن نقول: إن هذا الحديث صحيح، وإن الذي ذهبوا إليه في تأويل الإصبع لا يشبه الحديث، لأنه ﵇ قال في دعائه: "يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك" فقالت له إحدى أزواجه: "أو تخاف -يا رسول الله- على نفسك؟ " فقال: "إن قلب المؤمن، بين أصبعين من أصابع الله " (١). فإن كان القلب عندهم بين نعمتين من نعم الله تعالى، فهو محفوظ بتينك النعمتين، فلأي شيء دعا بالتثبيت، ولم احتج على المرأة التي قالت له: "أتخاف على نفسك" بما يؤكد قولها، وكان ينبغي أن لا يخاف إذا كان القلب محروسا بنعمتين. فإن قال لنا: ما الإصبع عندك ههنا؟ قلنا، هو مثل قوله في الحديث الآخر يحمل الأرض على أصبع (٢)، وكذا على أصبعين. ولا يجوز أن تكون الإصبع -ههنا- نعمة. وكقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٣) ولم يجز ذلك. ولا نقول أصبع كأصابعنا، ولا يد كأيدينا، ولا قبضة كقبضاتنا، لأن كل شيء منه لا يشبه شيئا منا. (٤)

стр. 1940

قال أبو محمد: قالوا: رويتم عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن" (١). وينبغي أن تكون الريح عندكم غير مخلوقة، لأنه لا يكون من الرحمن، جل وعز، شيء مخلوق. قال أبو محمد: ونحن نقول: إنه لم يرد بالنفس، ما ذهبوا إليه، وإنما أراد أن الريح من فرج الرحمن وروحه. يقال: اللهم نفس عني الأذى، وقد فرج الله عن نبيه ﷺ بالريح يوم الأحزاب. وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ (٢). وكذلك قوله: "إني لأجد نفس ربكم من قبل اليمن" (٣).

стр. 1941

قال أبو محمد: وهذا من الكناية، لأن معنى هذا، أنه قال: كنت في شدة وكرب وغم من أهل مكة، ففرج الله عني بالأنصار. يعني: أنه يجد الفرج من قبل الأنصار، وهم من اليمن. فالريح من فرج الله تعالى وروحه، كما كان الأنصار من فرج الله تعالى. قال أبو محمد: وقد بينت هذا في كتاب 'غريب الحديث' بأكثر من هذا البيان، ولم أجد بدا من ذكره ههنا، ليكون الكتاب جامعا للفن الذي قصدوا له. (١) - قال أبو محمد: قالوا: رويتم "أن كلتا يديه يمين" (٢)، وهذا يستحيل إن كنتم أردتم باليدين العضوين، وكيف تعقل يدان كلتاهما يمين؟ قال أبو محمد: ونحن نقول: إن هذا الحديث صحيح وليس هو مستحيلا وإنما أراد بذلك معنى التمام والكمال، لأن كل شيء فمياسره تنقص عن ميامنه في القوة والبطش، والتمام. وكانت العرب تحب التيامن، وتكره التياسر، لما في اليمين من التمام، وفي اليسار من النقص، ولذلك قالوا: "اليمن والشؤم" فاليمن من اليد: اليمنى، والشؤم من اليد: الشؤمى، وهي اليد اليسرى، وهذا وجه بين. ويجوز أن يريد: العطاء باليدين جميعا، لأن اليمنى هي المعطية. فإذا كانت اليدان يمينين كان العطاء بهما، وقد روي في حديث آخر أن النبي ﷺ

стр. 1942

قال: "يمين الله سحاء لا يغيضها شيء الليل والنهار" (١) أي تصب العطاء ولا ينقصها ذلك، وإلى هذا ذهب المرار، حين قال: وإن على الأوانة من عقيل ... فتى كلتا اليدين له يمين (٢) - قال أبو محمد: والذي عندي -والله تعالى أعلم- أن الصورة ليست بأعجب من اليدين، والأصابع، والعين، وإنما وقع الإلف لتلك، لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه، لأنها لم تأت في القرآن. ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه، بكيفية ولا حد. (٣) - قال أبو محمد: قالوا: رويتم أن النبي ﷺ قال: "لا تسبوا الدهر، فإن الله تعالى هو الدهر" (٤) فوافقتم في هذه الرواية، الدهرية. - قال أبو محمد: ونحن نقول: إن العرب في الجاهلية كانت تقول: "أصابني الدهر في مالي بكذا، ونالتني قوارع الدهر وبواثقه ومصايبه. ويقول الهرم "حناني الدهر" فينسبون كل شيء تجري به أقدار الله -عليهم، من موت أو سقم، أو ثكل، أو هرم، إلى الدهر. ويقولون: لعن الله هذا الدهر، ويسمونه المنون، لأنه جالب المنون عليهم عندهم، والمنون: المنية، قال أبو ذؤيب: أَمِنَ المنون وريبه تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع

стр. 1943

قال أبو محمد: هكذا أنشدنيه الرياشي عن الأصمعي، عن ابن أبي طرفة الهذلي، عن أبي ذؤيب. والناس يروونه "وريبها تتوجع" ويجعلون المنون: المنية، وهذا غلط. ويدلك على ذلك قوله "والدهر ليس بمعتب من يجزع" كأنه قال: "أمن الدهر وريبه تتوجع" والدهر ليس بمعتب من يجزع" وقال الله : ﴿نتربص به ريب الْمَنُونِ﴾ (١) أي ريب الدهر وحوادثه. وكانت العرب تقول: "لا ألقاك آخر المنون" أي آخر الدهر. وقد حكى الله عن أهل الجاهلية، ما كانوا عليه من نسب أقدار الله وأفعاله إلى الدهر فقال: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (٢). فقال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا الدهر إذا أصابتكم المصايب، ولا تنسبوها إليه، فإن الله، ، هو الذي أصابكم بذلك، لا الدهر، فإذا سببتم الفاعل، وقع السب بالله " ألا ترى أن الرجل منهم إذا أصابته نائبة، أو جائحة في مال، أو ولد، أو بدن، فسب فاعل ذلك به، وهو ينوي الدهر، أن المسبوب هو الله . وسأمثل لهذا الكلام مثالا أقرب به عليك ما تأولت، وإن كان -بحمد الله تعالى قريبا- كأن رجلا يسمى "زيدا" أمر عبدا له يسمى "فتحا" أن يقتل رجلا، فقتله، فسب الناس فتحا ولعنوه. فقال لهم قائل: "لا تسبوا فتحا، فإن زيدا هو فتح". يريد أن زيدا هو القاتل، لأنه هو الذي أمره كأنه قال: إن القاتل زيد، لا فتح.

стр. 1944

وكذلك الدهر تكون فيه المصايب والنوازل، وهي بأقدار الله ، فيسب الناس الدهر، لكون تلك المصايب والنوازل فيه، وليس له صنع، فيقول قائل: "لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر". (١) - قال أبو محمد: قالوا: رويتم أن الله ﵎ ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، فيقول: "هل من داع فأستجيب له؟ أو مستغفر فأغفر له؟ " (٢) وينزل عشية عرفة إلى أهل عرفة (٣)، وينزل في ليلة النصف من شعبان (٤). وهذا خلاف لقوله تعالى: ﴿مَا يكون من نجوى

стр. 1945

ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (١) وقوله جل وعز: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (٢) وقد أجمع الناس على أنه بكل مكان، ولا يشغله شأن عن شأن. قال أبو محمد: ونحن نقول في قوله: ﴿ما يكون من نجوى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾: إنه معهم بالعلم بما هم عليه، كما تقول للرجل وجهته إلى بلد شاسع، ووكلته بأمر من أمورك: "احذر التقصير والإغفال لشيء مما تقدمت فيه إليك فإني معك" تريد، أنه لا يخفى علي تقصيرك أو جدك، للإشراف عليك، والبحث عن أمورك". وإذا جاز هذا في المخلوق الذي لا يعلم الغيب، فهو في الخالق الذي يعلم الغيب أجوز. وكذلك "هو بكل مكان" يراد: لا يخفى عليه شيء، مما في الأماكن، فهو فيها بالعلم بها والإحاطة. وكيف يسوغ لأحد أن يقول: إنه بكل مكان على الحلول مع قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٣) أي: استقر كما

стр. 1946

قال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ (١) أي استقررت. ومع قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٢). وكيف يصعد إليه شيء هو معه؟ أو يرفع إليه عمل، وهو عنده؟ وكيف تعرج الملائكة والروح إليه يوم القيامة؟ وتعرج بمعنى تصعد -يقال: عرج إلى السماء إذا صعد، والله "ذو المعارج" و"المعارج" الدرج. فما هذه الدرج؟ وإلى من تؤدي الأعمال الملائكة، إذا كان بالمحل الأعلى، مثله بالمحل الأدنى؟ ولو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرهم وما ركبت عليه خلقتهم من معرفة الخالق سبحانه، لعلموا أن الله تعالى هو العلي، وهو الأعلى، وهو بالمكان الرفيع، وأن القلوب عند الذكر تسمو نحوه، والأيدي ترفع بالدعاء إليه. ومن العلو يرجى الفرج، ويتوقع النصر، وينزل الرزق. وهنالك الكرسي والعرش والحجب والملائكة. يقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ (٣) وقال في الشهداء: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٤) وقيل لهم شهداء، لأنهم يشهدون ملكوت الله تعالى، وأحدهم "شهيد" كما يقال: "عليم" و"علماء" و"كفيل" و"كفلاء". وقال تعالى: ﴿لَوْ أردنا أن نتخذ لهوًا

стр. 1947

لاتخذناه مِنْ لَدُنَّا﴾ (١) أي: لو أردنا أن نتخذ امرأة وولدا، لاتخذنا ذلك عندنا لا عندكم، لأن زوج الرجل وولده، يكونان عنده وبحضرته، لا عند غيره. والأمم كلها -عربيها وعجميها- تقول: إن الله تعالى في السماء ما تركت على فطرها، ولم تنقل عن ذلك بالتعليم. وفي الحديث إن رجلا أتى رسول الله ﷺ بأمة أعجمية للعتق، فقال لها رسول الله ﷺ : "أين الله تعالى؟ ". فقالت: في السماء، قال: "فمن أنا" قالت: أنت رسول الله ﷺ . فقال ﵊ "هي مؤمنة" وأمره بعتقها (٢) -هذا أو نحوه وقال أمية بن أبي الصلت: مجدوا الله وهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبناء الأعلى الذي سبق النا ... س. وسوى فوق السماء سريرا شرجعا ما يناله بصر العيـ ... ـن ترى دونه الملائك صورا و"صور" جمع "أصور" وهو المائل العنق. (٣) - قال أبو محمد: ثم نصير إلى الجاحظ، وهو آخر المتكلمين، والمعاير على المتقدمين، وأحسنهم للحجة استثارة، وأشدهم تلطفا، لتعظيم الصغير، حتى يعظم، وتصغير العظيم حتى يصغر، ويبلغ به الاقتدار إلى أن يعمل الشيء ونقيضه، ويحتج لفضل السودان على البيضان. وتجده يحتج مرة للعثمانية على الرافضة، ومرة للزيدية على العثمانية وأهل السنة. ومرة يفضل عليا رضي الله

стр. 1948

عنه، ومرة يؤخره، ويقول: قال رسول الله ﷺ ، ويتبعه قال الجماز، وقال إسماعيل بن غزوان: كذا وكذا من الفواحش. ويجل رسول الله ﷺ عن أن يذكر في كتاب ذكرا فيه فكيف في ورقة، أو بعد سطر وسطرين؟ ويعمل كتابا، يذكر فيه حجج النصارى على المسلمين. فإذا صار إلى الرد عليهم، تجوز في الحجة، كأنه إنما أراد تنبيههم على مالا يعرفون، وتشكيك الضعفة من المسلمين. وتجده يقصد في كتبه للمضاحيك والعبث، يريد بذلك، استمالة الأحداث، وشراب النبيذ. ويستهزئ من الحديث استهزاء، لا يخفى على أهل العلم. كذكره كبد الحوت، وقرن الشيطان، وذكر الحجر الأسود وأنه كان أبيض فسوده المشركون، وقد كان يجب أن يبيضه المسلمون حين أسلموا. ويذكر الصحيفة التي كان فيها المنزل في الرضاع، تحت سرير عائشة، فأكلتها الشاة. وأشياء من أحاديث أهل الكتاب في تنادم الديك والغراب، ودفن الهدهد أمه في رأسه، وتسبيح الضفدع، وطوق الحمامة وأشباه هذا، مما سنذكره فيما بعد، إن شاء الله. وهو -مع هذا- من أكذب الأمة وأوضعهم لحديث، وأنصرهم لباطل. (١) - قال أبو محمد: وقالوا في قوله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ (٢) أي فقيرا إلى رحمته، وجعلوه من "الخلة" بفتح الخاء، استيحاشا من أن يكون الله تعالى، خليلا لأحد من خلقه واحتجوا بقول زهير:

стр. 1949

وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول لا غائب مالي ولا حرم أي إن أتاه فقير. فأي فضيلة في هذا القول لإبراهيم ﷺ ؟ أما تعلمون أن الناس جميعا، فقراء إلى الله تعالى؟ وهل إبراهيم في "خليل الله" إلا كما قيل "موسى كليم الله". و"عيسى روح الله"؟. (١) موقفه من الخوارج: - قال أبو محمد: ثم نصير إلى "بكر" صاحب البكرية، وهو من أحسنهم حالا في التوقي. فنجده يقول: من سرق حبة من خردل، ثم مات غير تائب من ذلك، فهو خالد في النار، مخلد أبدا، مع اليهود والنصارى. وقد وسع الله تعالى للمسلم أن يأكل من مال صديقه، وهو لا يعلم. ووسع لداخل الحائط أن يأكل من ثمره، ولا يحمل. ووسع لابن السبيل إذا مر في سفره بغنم وهو عطشان أن يصيب من رسلها. فكيف يعذب من أخذ حبة من خردل، لا قدر لها، ويخلده في النار أبدا؟. وأي ذنب هو أخذ حبة من خردل، حتى يكون منه توبة، أو يقع فيه إصرار؟ وقد يأخذ الرجل الخلال من حطب أخيه، والمدر من مدره، ويشرب الماء من حوضه، وهذا أعظم قدرا من الحبة. وكان يقول: إن الأطفال لا تألم. فإذا سئل، فقيل له: فما باله يبكي إذا قرص أو وقعت عليه شرارة. قال: إنما ذلك عقوبة لأبويه والله تعالى أعدل من أن يؤلم طفلا لا ذنب له. فإذا سئل عن البهيمة وألمها، وهي لا ذنب لها،

стр. 1950

قال: إنما آلمها الله تعالى لمنفعة ابن آدم لتنساق ولتقف، ولتجري إذا احتاج إلى ذلك منها. وكان من العدل -عنده- أن يؤلمها لنفع غيرها وربما قال بغير ذلك، وقد خلطوا في الرواية عنه. وكان يقول: شرب نبيذ السقاء الشديد، من السنة، وكذلك أكل الجدي، والمسح على الخفين. والسنة إنما تكون في الدين لا في المأكول والمشروب. ولو أن رجلا لم يأكل البطيخ بالرطب، دهره، وقد أكله رسول الله ﷺ ، أو لم يأكل القرع، وقد كان يعجب النبي ﷺ لم يقل إنه ترك السنة (١). موقفه من القدرية: - قال ﵀: ثم نصير إلى عبيد الله بن الحسن وقد كان ولي قضاء البصرة -فتهجم- من قبيح مذاهبه، وشدة تناقض قوله على ما هو أولى بأن يكون تناقضا، مما أنكروه. وذلك أنه كان يقول: إن القرآن يدل على الاختلاف. فالقول بالقدر صحيح، وله أصل في الكتاب. والقول بالإجبار صحيح، وله أصل في الكتاب. ومن قال بهذا، فهو مصيب ومن قال بهذا، فهو مصيب. لأن الآية الواحدة، ربما دلت على وجهين مختلفين، واحتملت معنيين متضادين. وسئل يوما، عن أهل القدر وأهل الإجبار، فقال: كل مصيب، هؤلاء قوم عظموا الله، وهؤلاء قوم نزهوا الله. (٢)

стр. 1951

- وقال: وقد يحمل بعضهم الحمية على أن يقول: الجبرية، هم القدرية. ولو كان هذا الاسم يلزمهم، لاستغنوا به عن الجبرية. ولو ساغ هذا لأهل القدر، لساغ مثله للرافضة، والخوارج، والمرجئة وقال كل فريق منهم لأهل الحديث، مثل الذي قالته القدرية. والأسماء لا تقع غير مواقعها، ولا تلزم إلا أهلها. ويستحيل أن تكون الصياقلة، هم الأساكفة، والنجار هو الحداد. والفطرة التي فطر الناس عليها، والنظر، يبطل ما قذفوهم به. أما الفطر، فإن رجلا لو دخل المصر، واستدل على القدرية فيه، أو المرجئة، لدله الصبي والكبير، والمرأة والعجوز، والعامي والخاصي، والحشوة والرعاع، على المسمين بهذا الاسم. ولو استدل على أهل السنة، لدلوه على أصحاب الحديث. ولو مرت جماعة فيهم القدري، والسني، والرافضي، والمرجئي، والخارجي، فقذف رجل القدرية، أو لعنهم، لم يكن المراد بالشتم أو اللعن عندهم، أصحاب الحديث. هذا أمر، لا يدفعه دافع، ولا ينكره منكر. وأما النظر، فإنهم أضافوا القدر إلى أنفسهم، وغيرهم يجعله لله تعالى، دون نفسه. ومدعي الشيء لنفسه، أولى بأن ينسب إليه، ممن جعله لغيره. ولأن الحديث جاءنا، بأنهم مجوس هذه الأمة، وهم أشبه قوم بالمجوس، لأن المجوس تقول بإلهين، وإياهم أراد الله بقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (١). وقالت القدرية: نحن نفعل مالا يريد الله تعالى، ونقدر على ما لا

стр. 1952

يقدر. (١) - وقال: قالوا: رويتم أن موسى ﵇ كان قدريا، وحاج آدم ﵇ فحجه وأن أبا بكر كان قدريا، وحاج عمر، فحجه عمر. قال أبو محمد ونحن نقول: إن هذا تخرص وكذب على الخبر، ولا نعلم أنه جاء في شيء من الحديث أن موسى ﵇ كان قدريا، ولا أن أبا بكر ﵁، كان قدريا. حدثنا أبو الخطاب، قال: نا بشر بن المفضل، قال: نا داود بن أبي هند عن عامر عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لقي موسى آدم ﷺ ، فقال: أنت آدم أبو البشر، الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة؟ قال: نعم. فقال: ألست موسى الذي اصطفاك الله على الناس برسالاته وبكلامه؟ قال: بلى. قال: أفليس تجد فيما أنزل عليك أنه سيخرجني منها قبل أن يدخلنيها؟ قال: بلى، قال: فخصم آدم موسى صلى الله عليهما وسلم" (٢). قال أبو محمد: فأي شيء في هذا القول يدل على أن موسى ﵇ كان قدريا، ونحن نعلم أن كل شيء بقدر الله وقضائه، غير أنا ننسب الأفعال إلى فاعليها، ونحمد المحسن على إحسانه، ونلوم المسيء بإساءته، ونعتد على المذنب بذنوبه. وأما قولهم: "إن أبا بكر ﵁ كان

стр. 1953

قدريا" فهو أيضا تحريف وزيادة في الحديث. وإنما تنازعا في القدر، وهما لا يعلمان، فلما علما كيف ذلك؟ اجتمعا فيه على أمر واحد، كما كانا لا يعلمان أمورا كثيرة من أمر الدين، وأمر التوحيد، حتى أعلمهما رسول الله ﷺ ، ونزل الكتاب وحدّت السنن، فعلما بعد ذلك. على أن الحديث عن أبي بكر وعمر ﵄ عند أهل الحديث ضعيف، يرويه إسماعيل بن عبد السلام، عن زيد بن عبد الرحمن، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. ويرويه رجل من أهل خراسان، عن مقاتل بن حيان، عن عمرو بن شعيب، وهؤلاء لا يعرف أكثرهم. (١) ابن أبي العوَّام (٢) (٢٧٦ هـ) المحدث الإمام، أبو بكر وأبو جعفر محمد بن أحمد بن يزيد بن أبي العوام الرياحي. سمع يزيد بن هارون وعبد الوهاب بن عطاء العقدي، وقريش ابن أنس، وأبا عامر العقدي وجماعة. روى عنه أبو العباس بن عقدة، وإسماعيل الصفار، وأبو بكر الشافعي وابن الهيثم وأبو عبد الله المحاملي وآخرون. قال عبد الله بن أحمد: صدوق ما علمت منه إلا خيرا. مات رحمه الله تعالى لأيام خلون من رمضان سنة ست وسبعين ومائتين.

стр. 1954

موقفه من الجهمية: قال ابن أبي العوام: اشهدوا علي أن ديني الذي أدين الله به أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن من زعم أن القرآن مخلوق، فهو كافر، وهذه كانت مقالة أبي. (١) مصعب بن سعيد أبو خيثمة الضرير المصيصي الحراني (٢) (٢٧٧ هـ سنة وفاة أبي حاتم) صاحب حديث. سمع زهير بن معاوية، وابن المبارك، وعيسى بن يونس وغيرهم. وعنه أبو حاتم وأبو الدرداء بن منيب، والحسن بن سفيان وخلق. قال أبو حاتم: كان صدوقا. قال ابن عدي: يحدث عن الثقات بالمناكير ويصحف. وهو حراني نزل المصيصة. وذكره ابن حبان في الثقات. موقفه من الجهمية: - قال أبو خيثمة: الجهمي يفرق بينه وبين امرأته ولا أورثه. (٣)

стр. 1955

هشام بن عبيد (٢٧٧ هـ سنة وفاة أبي حاتم) موقفه من الجهمية: - حدثنا حفص بن عمر، قال: سمعت أبا حاتم الرازي، يقول: قيل لهشام بن عبيد حين أدخل على المأمون كلم بِشْراً المريسي، فقال: أصلح الله الخليفة لا أحسن كلامه والعالم بكلامه عندنا جاهل. (١) أبو عقيل المروزي (٢٧٧ هـ سنة وفاة أبي حاتم) موقفه من الجهمية: - وحدثنا أبو القاسم -حفص بن عمر- قال: حدثنا أبو حاتم، قال: حدثنا أبو عقيل المعروف بشاه المروزي، وقدم علينا من البصرة يريد خراسان، أخبرني أنه رأى بالبصرة رجلا كان يقول: القرآن مخلوق، فالتقى مع رجل من أهل السنة، فابتهلا جميعا، فقال هذا: إن لم يكن القرآن مخلوقا، فمحا الله القرآن من صدري. وقال السني: إن كان هذا القرآن مخلوقا، فمحا الله القرآن من صدري، فأصبح الجهمي وهو يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، فإذا أراد أن يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، لم يجر لسانه، وقال: هيهات هيهات، وأصبح السني قارئا للقرآن كما كان. (٢)

стр. 1956

يعقوب بن سفيان الفَسَوي (١) (٢٧٧ هـ) الإمام، الحافظ، الحجة، الرحال، محدث إقليم فارس، أبو يوسف يعقوب بن سفيان بن جوان الفارسي، من أهل مدينة فسا. ويقال له يعقوب ابن أبي معاوية. مولده في حدود عام تسعين ومائة في دولة الرشيد. وله تاريخ كبير جم الفوائد و"مشيخته" في مجلد. سمع أبا عاصم النبيل وعبيد الله بن موسى، والأنصاري، ومكي بن إبراهيم وسعيد بن منصور، وصفوان بن صالح، وطبقتهم. حدث عنه الترمذي، والنسائي، والحسن بن سفيان الفسوي وابن خزيمة، وأبو عوانة الإسفراييني، وغيرهم كثير. روي عن الحافظ أبي عبد الرحمن النهاوندي أنه سمع الفسوي يقول: كتبت عن ألف شيخ وكسر، كلهم ثقات. قال أبو زرعة الدمشقي: قدم علينا رجلان من نبلاء الرجال أحدهما وأجلهما يعقوب بن سفيان أبو يوسف، يعجز أهل العراق أن يروا مثله رجلا، ثم ذكر الثاني: حرب بن إسماعيل الكرماني. مات ﵀ بفسا في سنة سبع وسبعين ومائتين. موقفه من المبتدعة: هذا الإمام الكبير هو صاحب المعرفة والتاريخ كان شديدا على المبتدعة كما وصفه ابن حبان. - قال فيه: كان ممن جمع وصنف وأكثر مع الورع والنسك والصلابة

стр. 1957

في السنة. (١) - وذكر محقق كتاب: 'المعرفة والتاريخ': "أن اللالكائي اقتبس منه جملة في كتابه أصول اعتقاد أهل السنة قال وأحسبها من كتاب السنة ليعقوب - على أنه يتابع في عقيدته السلف وأهل الحديث، حيث خرج أحاديث في أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، وفي إثبات رؤية الله يوم القيامة، وذم أهل البدع والأهواء والقول بأن الإيمان قول وعمل وأنه يزيد وينقص". (٢) - وقد ذكر المحقق نفسه في الجزء الثالث من كتاب 'المعرفة والتاريخ' نصوصا في العقيدة السلفية، قال: وأحسبها من كتاب السنة. (٣) - وللشيخ ﵀ كتاب 'السنة'. (٤) قال في السير: وله تاريخ كبير جم الفوائد. (٥) - وقال فيها أيضا: وما علمت يعقوب الفسوي إلا سلفيا، وقد صنف كتابا صغيرا في السنة. (٦) موقفه من المرجئة: - عن أبي يوسف يعقوب بن سفيان قال: الإيمان عند أهل السنة:

стр. 1958

الإخلاص لله بالقلوب والألسنة والجوارح، وهو قول وعمل يزيد وينقص، على ذلك وجدنا كل من أدركنا من عصرنا بمكة والمدينة والشام والبصرة والكوفة. منهم: أبو بكر الحميدي وعبد الله بن يزيد المقري في نظائرهم بمكة. وإسماعيل بن أبي أويس وعبد الملك بن عبد العزيز الماجشون ومطرف بن عبد الله اليسارى في نظرائهم بالمدينة. ومحمد بن عبد الله الأنصاري والضحاك ابن مخلد وسليمان بن حرب وأبو الوليد الطنافسي وأبو النعمان وعبد الله بن مسلمة في نظرائهم بالبصرة. وعبيد الله بن موسى وأبو نعيم وأحمد بن عبد الله ابن يونس في نظرائهم كثير بالكوفة. وعمر بن عون بن أويس وعاصم بن علي بن عاصم في نظرائهم بواسط. وعبد الله بن صالح كاتب الليث وسعيد ابن أبي مريم والنضر بن عبد الجبار ويحيى بن عبد الله بن بكير وأحمد بن صالح وأصبغ بن الفرج في نظرائهم بمصر. وابن أبي إياس في نظرائهم بعسقلان. وعبد الأعلى بن مسهر وهشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن وعبد الرحمن ابن إبراهيم في نظائرهم بالشام. وأبو اليمان الحكم بن نافع وحيوة بن شريح في نظرائهم بحمص. ومكي بن إبراهيم وإسحاق بن راهوية وصدقة بن الفضل في نظرائهم بخراسان كلهم يقولون: الإيمان القول والعمل ويطعنون على المرجئة وينكرون قولهم. (١)

стр. 1959

أبو حاتم الرازي (١) (٢٧٧ هـ) الإمام الحافظ الناقد شيخ المحدثين الثبت محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي الغطفاني من تميم بن حنظلة بن يربوع وقيل عرف بالحنظلي لأنه كان يسكن في درب حنظلة بمدينة الري. كان من بحور العلم طوف البلاد وبرع في المتن والإسناد، وجمع وصنف وجرح وعدل وصحح وعلل. كان أحد الأئمة الحفاظ الأثبات، مشهورا بالعلم مذكورا بالفضل. مولده سنة خمس وتسعين ومائة وأول كتابه للحديث كان في سنة تسع ومائتين. وهو من نظراء البخاري ومن طبقته ولكنه عمر بعده أزيد من عشرين عاما. سمع محمد بن عبد الله الأنصاري وأبا زيد النحوي وأبا اليمان الحمصي وآدم بن أبي إياس وأبا نعيم وأبا توبة الحلبي وخلقا كثيرا. ويتعذر استقصاء سائر مشايخه فقد قال الخليلي: قال لي أبو حاتم اللبان الحافظ قد جمعت من روى عنه أبو حاتم الرازي فبلغوا قريبا من ثلاثة آلاف. حدث عنه ولده عبد الرحمن، ويونس بن عبد الأعلى وأبو زرعة الرازي والدمشقي، وإبراهيم الحربي وابن أبي الدنيا، والبخاري -فيما قيل- وأبو داود والنسائي والاسفراييني وخلق كثير. قال الخليلي: كان أبو حاتم عالما باختلاف الصحابة وفقه التابعين ومن بعدهم، سمعت جدي وجماعة سمعوا علي بن إبراهيم القطان يقول: ما رأيت مثل أبي حاتم فقلنا له: قد رأيت إبراهيم

стр. 1960

الحربي وإسماعيل القاضي، قال: ما رأيت أجمع من أبي حاتم ولا أفضل منه. قال ابن أبي حاتم: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: أبو زرعة وأبو حاتم إماما خراسان، ودعا لهما، وقال بقاؤهما صلاح للمسلمين. قال الحافظ ابن خراش: كان أبو حاتم من أهل الأمانة والمعرفة. ويحكي ﵀ عن نفسه الكثير أثناء طلبه للعلم ورحلته من أجله، فمن ذلك قوله: أول سنة خرجت في طلب الحديث أقمت سبع سنين -أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ، ثم تركت العدد بعد ذلك، وخرجت من البحرين إلى مصر ماشيا ثم إلى الرملة ماشيا ثم إلى دمشق ثم أنطاكية وطرسوس ثم رجعت إلى حمص ثم إلى الرقة ثم ركبت إلى العراق كل هذا في سفري الأول وأنا ابن عشرين سنة خرجت من الري فدخلت الكوفة في رمضان سنة ثلاث عشرة وجاءنا نعي المقرئ وأنا بالكوفة ثم رحلت ثانيا سنة اثنتين وأربعين ثم رجعت إلى الري سنة خمس وأربعين وحججت رابع حجة في سنة خمس وخمسين. ومناقبه كثيرة رحمه الله تعالى. قال أبو الحسين بن المنادي وغيره مات الحافظ أبو حاتم في شعبان سنة سبع وسبعين ومائتين. وقيل عاش ثلاثا وثمانين سنة. موقفه من المبتدعة: - عن عبد الرحمن بن حمدان بن المرزبان، قال: قال لي أبو حاتم الرازي: إذا رأيت البغدادي يحب أحمد بن حنبل، فاعلم أنه صاحب سنة، وإذا رأيته يبغض يحيى بن معين، فاعلم أنه كذاب. (١)

стр. 1961

- قال اللالكائي في أصول الاعتقاد: ووجدت في بعض كتب أبي حاتم محمد بن إدريس ابن المنذر الحنظلي الرازي ﵀، مما سمع منه يقول: مذهبنا واختيارنا اتباع رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين ومن بعدهم بإحسان وترك النظر في موضع بدعهم، والتمسك بمذهب أهل الأثر مثل: أبي عبد الله أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وأبي عبيد القاسم بن سلام والشافعي، ولزوم الكتاب والسنة والذب عن الأئمة المتبعة لآثار السلف واختيار ما اختاره أهل السنة من الأئمة في الأمصار مثل: مالك بن أنس في المدينة، والأوزاعي بالشام، والليث بن سعد بمصر، وسفيان الثوري وحماد بن زياد بالعراق، من الحوادث مما لا يوجد فيه رواية عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين. وترك رأي الملبسين المموهين المزخرفين الممخرقين الكذابين. وترك النظر في كتب الكرابيسي ومجانبة من يناضل عنه من أصحابه، وشاجرديه (١) مثل: داود الأصبهاني وأشكاله ومتبعيه. والقرآن كلام الله وعلمه وأسماؤه وصفاته وأمره ونهيه وليس بمخلوق بجهة من الجهات. ومن زعم أنه مخلوق مجعول فهو كافر بالله كفرا ينقل عن الملة. ومن شك في كفره ممن يفهم ولا يجهل فهو كافر. والواقفة واللفظية جهمية. جهمهم أبو عبد الله أحمد بن حنبل. والاتباع للأثر عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة والتابعين بعدهم

стр. 1962

بإحسان. وترك كلام المتكلمين وترك مجالستهم وهجرانهم وترك مجالسة من وضع الكتب بالرأي بلا آثار. واختيارنا أن الإيمان: قول وعمل إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالأركان، مثل الصلاة والزكاة لمن كان له مال، والحج لمن استطاع إليه سبيلا. وصوم شهر رمضان وجميع فرائض الله التي فرض على عباده: العمل به من الإيمان. والإيمان يزيد وينقص. ونؤمن بعذاب القبر. وبالحوض المكرم به النبي ﷺ . ونؤمن بالمساءلة في القبر. وبالكرام الكاتبين. وبالشفاعة المخصوص بها النبي ﷺ . ونترحم على جميع أصحاب النبي ﷺ ولا نسب أحدا منهم لقوله : ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١). والصواب نعتقد ونزعم أن الله على عرشه بائن من خلقه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢). ولا نرى الخروج على الأئمة ولا نقاتل في الفتنة ونسمع ونطيع لمن ولاه الله أمرنا. ونرى الصلاة والحج والجهاد مع الأئمة ودفع صدقات المواشي إليهم. ونؤمن بما جاءت به الآثار الصحيحة بأنه يخرج قوم

стр. 1963

من النار من الموحدين بالشفاعة. ونقول: إنا مؤمنون بالله . وكره سفيان الثوري أن يقول: أنا مؤمن حقا عند الله ومستكمل الإيمان، وكذلك قول الأوزاعي أيضا. وعلامة أهل البدع: الوقيعة في أهل الأثر. وعلامة الجهمية: أن يسموا أهل السنة مشبهة ونابتة. وعلامة القدرية: أن يسموا أهل السنة مجبرة. وعلامة الزنادقة: أن يسموا أهل الأثر حشوية، ويريدون إبطال الآثار عن رسول الله ﷺ . وفقنا الله وكل مؤمن لما يحب ويرضى من القول والعمل وصلى الله على محمد وآله وسلم. (١) " التعليق: قال أبو عثمان الصابوني ﵀: وكل ذلك عصبية، ولا يلحق أهل السنة إلا اسم واحد، وهو أصحاب الحديث. قلت: أنا رأيت أهل البدع في هذه الأسماء التي لقبوا بها أهل السنة، سلكوا معهم مسلك المشركين مع رسول الله ﷺ ، فإنهم اقتسموا القول فيه: فسماه بعضهم ساحرا، وبعضهم كاهنا، وبعضهم شاعرا، وبعضهم مجنونا، وبعضهم مفتونا، وبعضهم مفتريا مختلقا كذابا، وكان النبي ﷺ من تلك المعائب بعيدا بريئا، ولم يكن إلا رسولا مصطفى نبيا، قال الله : ﴿انْظُرْ كيف ضربوا لَكَ الْأَمْثَالَ

стр. 1964

فضلوا فلا يستطيعون سبيلاً﴾ (١). اهـ (٢) - قال أبو حاتم: وأخبرت عن بعض أهل العلم أول ما افترق من هذه الأمة الزنادقة والقدرية والمرجئة والرافضة والحرورية، فهذا جماع الفرق وأصولها ثم تشعبت كل فرقة من هذه الفرق على فرق، وكان جماعها الأصل واختلفوا في الفروع، فكفر بعضهم بعضا، وجهل بعضهم بعضا، فافترقت الزنادقة على إحدى عشرة فرقة، وكان منها المعطلة، ومنها المنانية، وإنما سموا المنانية برجل كان يقال له ماني، كان يدعو إلى الاثنين فزعموا أنه نبيهم وكان في زمن الأكاسرة، فقتله بعضهم. ومنهم: المزدكية لأن رجلا ظهر في زمن الأكاسرة يقال له مزدك. ومنهم العبدكية وإنما سموا العبدكية لأن عبدك هو الذي أحدث لهم هذا الرأي ودعاهم إليه. ومنهم الروحانية وسموا الفكرية، ومنهم الجهمية وهم صنف من المعطلة، وهم أصناف وإنما سموا الجهمية لأن جهم بن صفوان كان أول من اشتق هذا الكلام من كلام السمنية وهم صنف من العجم كانوا بناحية خراسان، وكانوا شككوه في دينه وفي ربه حتى ترك الصلاة أربعين يوما لا يصلي، فقال: لا أصلي لمن لا أعرف ثم اشتق هذا الكلام، ومنهم السبئية، وهم صنف من العجم يكونون بناحية خراسان وذكر فرقا أخر بصفات مقالاتهم. ومنهم الحرورية وافترقوا

стр. 1965

على ثماني عشرة فرقة وإنما سموا الحرورية لأنهم خرجوا بحروراء أول ما خرجوا، فصنف منهم يقال لهم الأزارقة، وإنما سموا الأزارقة بنافع بن الأزرق، ومنهم النجدية، وإنما سموا النجدية بنجدة، ومنهم الإباضية وإنما سموا الإباضية بعبد الله بن أباض، ومنهم الصفرية، وإنما سموا الصفرية بعبيدة الأصفر، ومنهم: الشمراخية، وإنما سموا الشمراخية بأبي شمراخ رأسهم، ومنهم السرية، وإنما سموا السرية لأنهم زعموا أن دماء قومهم وأموالهم في دار التقية في السر حلال، ومنهم الوليدية، ومنهم العذرية، وسموا بأبي عذرة رأسهم، ومنهم العجردية، وسموا بأبي عجرد رأسهم، ومنهم الثعلبية، سموا بأبي ثعلبة رأسهم، ومنهم الميمونية، سموا بميمون رأسهم، ومنهم الشكية، ومنهم الفضيلية، سموا بفضيل رأسهم، ومنهم الحرانية، ومنهم البيهسية، وسموا بهيصم أبي بيهس رأسهم، ومنهم الفديكية، سموا بأبي فديك وهم اليوم بالبحرين واليمامة ومنهم العطوية سموا بعطية، ومنهم الجعدية، سموا بأبي الجعد، ومنهم الرافضة وافترقوا على ثلاث عشرة فرقة، فمنهم البيانية، سموا ببيان رأسهم وكان يقول إلي أشار الله بقوله: ﴿هذا بيانٌ لِلنَّاسِ﴾ (١) ومنهم السبائية، تسموا بعبد الله بن سبأ، ومنهم المنصورية، سموا بمنصور الكسف، وكان يقول: إلي أشار الله بقوله: ﴿وَإِنْ يروا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ ساقطًا﴾ (٢)، ومنهم الإمامية، ومنهم المختارية، سموا بالمختار، ومنهم الكاملية، ومنهم
следующие страницы →