← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

- قال اللالكائي في أصول الاعتقاد: ووجدت في بعض كتب أبي حاتم محمد بن إدريس ابن المنذر الحنظلي الرازي ﵀، مما سمع منه يقول: مذهبنا واختيارنا اتباع رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين ومن بعدهم بإحسان وترك النظر في موضع بدعهم، والتمسك بمذهب أهل الأثر مثل: أبي عبد الله أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وأبي عبيد القاسم بن سلام والشافعي، ولزوم الكتاب والسنة والذب عن الأئمة المتبعة لآثار السلف واختيار ما اختاره أهل السنة من الأئمة في الأمصار مثل: مالك بن أنس في المدينة، والأوزاعي بالشام، والليث بن سعد بمصر، وسفيان الثوري وحماد بن زياد بالعراق، من الحوادث مما لا يوجد فيه رواية عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين. وترك رأي الملبسين المموهين المزخرفين الممخرقين الكذابين. وترك النظر في كتب الكرابيسي ومجانبة من يناضل عنه من أصحابه، وشاجرديه (١) مثل: داود الأصبهاني وأشكاله ومتبعيه. والقرآن كلام الله وعلمه وأسماؤه وصفاته وأمره ونهيه وليس بمخلوق بجهة من الجهات. ومن زعم أنه مخلوق مجعول فهو كافر بالله كفرا ينقل عن الملة. ومن شك في كفره ممن يفهم ولا يجهل فهو كافر. والواقفة واللفظية جهمية. جهمهم أبو عبد الله أحمد بن حنبل. والاتباع للأثر عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة والتابعين بعدهم

стр. 1962

بإحسان. وترك كلام المتكلمين وترك مجالستهم وهجرانهم وترك مجالسة من وضع الكتب بالرأي بلا آثار. واختيارنا أن الإيمان: قول وعمل إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالأركان، مثل الصلاة والزكاة لمن كان له مال، والحج لمن استطاع إليه سبيلا. وصوم شهر رمضان وجميع فرائض الله التي فرض على عباده: العمل به من الإيمان. والإيمان يزيد وينقص. ونؤمن بعذاب القبر. وبالحوض المكرم به النبي ﷺ . ونؤمن بالمساءلة في القبر. وبالكرام الكاتبين. وبالشفاعة المخصوص بها النبي ﷺ . ونترحم على جميع أصحاب النبي ﷺ ولا نسب أحدا منهم لقوله : ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١). والصواب نعتقد ونزعم أن الله على عرشه بائن من خلقه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢). ولا نرى الخروج على الأئمة ولا نقاتل في الفتنة ونسمع ونطيع لمن ولاه الله أمرنا. ونرى الصلاة والحج والجهاد مع الأئمة ودفع صدقات المواشي إليهم. ونؤمن بما جاءت به الآثار الصحيحة بأنه يخرج قوم

стр. 1963

من النار من الموحدين بالشفاعة. ونقول: إنا مؤمنون بالله . وكره سفيان الثوري أن يقول: أنا مؤمن حقا عند الله ومستكمل الإيمان، وكذلك قول الأوزاعي أيضا. وعلامة أهل البدع: الوقيعة في أهل الأثر. وعلامة الجهمية: أن يسموا أهل السنة مشبهة ونابتة. وعلامة القدرية: أن يسموا أهل السنة مجبرة. وعلامة الزنادقة: أن يسموا أهل الأثر حشوية، ويريدون إبطال الآثار عن رسول الله ﷺ . وفقنا الله وكل مؤمن لما يحب ويرضى من القول والعمل وصلى الله على محمد وآله وسلم. (١) " التعليق: قال أبو عثمان الصابوني ﵀: وكل ذلك عصبية، ولا يلحق أهل السنة إلا اسم واحد، وهو أصحاب الحديث. قلت: أنا رأيت أهل البدع في هذه الأسماء التي لقبوا بها أهل السنة، سلكوا معهم مسلك المشركين مع رسول الله ﷺ ، فإنهم اقتسموا القول فيه: فسماه بعضهم ساحرا، وبعضهم كاهنا، وبعضهم شاعرا، وبعضهم مجنونا، وبعضهم مفتونا، وبعضهم مفتريا مختلقا كذابا، وكان النبي ﷺ من تلك المعائب بعيدا بريئا، ولم يكن إلا رسولا مصطفى نبيا، قال الله : ﴿انْظُرْ كيف ضربوا لَكَ الْأَمْثَالَ

стр. 1964

فضلوا فلا يستطيعون سبيلاً﴾ (١). اهـ (٢) - قال أبو حاتم: وأخبرت عن بعض أهل العلم أول ما افترق من هذه الأمة الزنادقة والقدرية والمرجئة والرافضة والحرورية، فهذا جماع الفرق وأصولها ثم تشعبت كل فرقة من هذه الفرق على فرق، وكان جماعها الأصل واختلفوا في الفروع، فكفر بعضهم بعضا، وجهل بعضهم بعضا، فافترقت الزنادقة على إحدى عشرة فرقة، وكان منها المعطلة، ومنها المنانية، وإنما سموا المنانية برجل كان يقال له ماني، كان يدعو إلى الاثنين فزعموا أنه نبيهم وكان في زمن الأكاسرة، فقتله بعضهم. ومنهم: المزدكية لأن رجلا ظهر في زمن الأكاسرة يقال له مزدك. ومنهم العبدكية وإنما سموا العبدكية لأن عبدك هو الذي أحدث لهم هذا الرأي ودعاهم إليه. ومنهم الروحانية وسموا الفكرية، ومنهم الجهمية وهم صنف من المعطلة، وهم أصناف وإنما سموا الجهمية لأن جهم بن صفوان كان أول من اشتق هذا الكلام من كلام السمنية وهم صنف من العجم كانوا بناحية خراسان، وكانوا شككوه في دينه وفي ربه حتى ترك الصلاة أربعين يوما لا يصلي، فقال: لا أصلي لمن لا أعرف ثم اشتق هذا الكلام، ومنهم السبئية، وهم صنف من العجم يكونون بناحية خراسان وذكر فرقا أخر بصفات مقالاتهم. ومنهم الحرورية وافترقوا

стр. 1965

على ثماني عشرة فرقة وإنما سموا الحرورية لأنهم خرجوا بحروراء أول ما خرجوا، فصنف منهم يقال لهم الأزارقة، وإنما سموا الأزارقة بنافع بن الأزرق، ومنهم النجدية، وإنما سموا النجدية بنجدة، ومنهم الإباضية وإنما سموا الإباضية بعبد الله بن أباض، ومنهم الصفرية، وإنما سموا الصفرية بعبيدة الأصفر، ومنهم: الشمراخية، وإنما سموا الشمراخية بأبي شمراخ رأسهم، ومنهم السرية، وإنما سموا السرية لأنهم زعموا أن دماء قومهم وأموالهم في دار التقية في السر حلال، ومنهم الوليدية، ومنهم العذرية، وسموا بأبي عذرة رأسهم، ومنهم العجردية، وسموا بأبي عجرد رأسهم، ومنهم الثعلبية، سموا بأبي ثعلبة رأسهم، ومنهم الميمونية، سموا بميمون رأسهم، ومنهم الشكية، ومنهم الفضيلية، سموا بفضيل رأسهم، ومنهم الحرانية، ومنهم البيهسية، وسموا بهيصم أبي بيهس رأسهم، ومنهم الفديكية، سموا بأبي فديك وهم اليوم بالبحرين واليمامة ومنهم العطوية سموا بعطية، ومنهم الجعدية، سموا بأبي الجعد، ومنهم الرافضة وافترقوا على ثلاث عشرة فرقة، فمنهم البيانية، سموا ببيان رأسهم وكان يقول إلي أشار الله بقوله: ﴿هذا بيانٌ لِلنَّاسِ﴾ (١) ومنهم السبائية، تسموا بعبد الله بن سبأ، ومنهم المنصورية، سموا بمنصور الكسف، وكان يقول: إلي أشار الله بقوله: ﴿وَإِنْ يروا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ ساقطًا﴾ (٢)، ومنهم الإمامية، ومنهم المختارية، سموا بالمختار، ومنهم الكاملية، ومنهم

стр. 1966

المغيرية، ومنهم الخطابية، سموا بأبي الخطاب، ومنهم الخشبية، ومنهم الزيدية، وذكر فرقا بصفات مقالاتهم ومنهم القدرية، افترقوا على ست عشرة فرقة، ومنهم المفوضة، ومنهم المعتزلة، وذكر صفات مقالاتهم حتى عد ست عشرة فرقة، ومنهم المرجئة وافترقوا على أربع عشرة فرقة فذكر صفات مقالاتهم فرقة فرقة. قال ابن بطة: فهذا يا أخي رحمك الله ما ذكره هذا العالم ﵀ من أسماء أهل الأهواء وافتراق مذاهبهم وعداد فرقتهم وإنما ذكر من ذلك ما بلغه ووسعه وانتهى إليه علمه، لا من طريق الاستقصاء والاستيفاء وذلك لأن الإحاطة بهم لا يقدر عليها والتقصي للعلم بهم لا يدرك، وذلك أن كل من خالف الجادة وعدل عن المحجة واعتمد من دينه على ما يستحسنه فيراه ومن مذهبه على ما يختاره ويهواه عدم الاتفاق والائتلاف وكثر عليه أهلها لمباينة الاختلاف لأن الذي خالف بين الناس في مناظرهم وهيآتهم وأجسامهم وألوانهم ولغاتهم وأصواتهم وحظوظهم كذلك خالف بينهم في عقولهم وآرائهم وأهوائهم وإراداتهم واختياراتهم وشهواتهم، فإنك لا تكاد ترى رجلين متفقين اجتمعا جميعا في الاختيار والإرادة حتى يختار أحدهما ما يختاره الآخر ويرذل ما يرذله إلا من كان على طريق الاتباع واقتفى الأثر والانقياد للأحكام الشرعية والطاعة الديانية، فإن أولئك من عين واحدة شربوا فعليها يردون وعنها يصدرون قد وافق الخلف الغابر للسلف الصادر. (١)

стр. 1967

- عن أبي حاتم الرازي قال: نشر العلم حياته، والبلاغ عن رسول الله ﷺ رحمة، يعتصم به كل مؤمن، ويكون حجة على كل مصر به وملحد. (١) موقفه من الجهمية: تقدم نقل عقيدته مع أخيه أبي زرعة فمن شاءها، رجع إلى أبي زرعة في السنة الرابعة والستين بعد المائتين. - وعن أبي زرعة وأبي حاتم قالا: من قال إن لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي. (٢) - ذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سمعت أبي يقول: أول من أتى بخلق القرآن جعد بن درهم وقاله في سنة نيف وعشرين ومائة. (٣) - قال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية له: حدثنا أبي وأبو زرعة قال: كان بالبصرة رجل، وأنا مقيم سنة ثلاثين ومئتين، فحدثني عثمان بن عمرو بن الضحاك عنه، أنه قال: إن لم يكن القرآن مخلوقا فمحا الله ما في صدري من القرآن. وكان من قراء القرآن. فنسي القرآن، حتى كان يقال له: قل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرحيم﴾ (١) فيقول: معروف، معروف. ولا يتكلم به. قال أبو زرعة: فجهدوا به أن أراه، فلم أره. (٤)

стр. 1968

موقفه من المرجئة: - قال أبو حاتم: هذا مذهبنا واختيارنا، وما نعتقده وندين الله به ونسأله السلامة في الدين والدنيا: أن الإيمان قول وعمل، وتصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، مثل الصلاة، والزكاة لمن كان له مال، والحج لمن استطاع إليه سبيلا، وصوم شهر رمضان، وجميع فرائض الله التي فرض على عباده العمل بها من الإيمان، والإيمان يزيد وينقص. (١) أبو عيسى الترمذي (٢) (٢٧٩ هـ) الإمام الحافظ العلم البارع أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرَة السُّلَمِي الترمذي الضرير مصنف الجامع والعلل وغير ذلك. ولد في حدود سنة عشر ومائتين، وارتحل فسمع بخراسان والعراق والحرمين ولم يرحل إلى مصر والشام. حدث عن قتيبة بن سعيد وابن راهويه، وإسماعيل بن موسى الفزاري وأبي مصعب الزهري وطبقتهم. وتفقه في الحديث بالبخاري، وقد كتب عنه البخاري حديثا واحدا. حدث عنه مكحول بن الفضل ومحمد بن محمود بن عنبر وأبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب راوي 'الجامع' والهيثم ابن كليب الشاشي الحافظ راوي 'الشمائل' عنه وآخرون. ذكره ابن حبان

стр. 1969

في كتاب 'الثقات' وقال: كان ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر. قال أبو سعد الإدريسي: كان أبو عيسى يضرب به المثل في الحفظ. وقال الحاكم: سمعت عمر بن علك يقول: مات البخاري فلم يخلف بخراسان مثل أبي عيسى، في العلم والحفظ والورع والزهد بكى حتى عمي، وبقي ضريرا سنين. قال أبو عيسى: صنفت هذا الكتاب وعرضته على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به، ومن كان هذا الكتاب يعني 'الجامع' في بيته فكأنما في بيته نبي يتكلم. توفي ﵀ في ثالث عشر رجب سنة تسع وسبعين ومائتين بترمذ. موقفه من الجهمية: دفاعه عن العقيدة السلفية: لقد ألف أبو عيسى الترمذي كتابه العظيم، وساق في ثناياه من الأحاديث ما يرد به على جميع المبتدعة، وتكلم على بعضها، فخصص كتابا كبيرا من سننه للرد على القدرية، وآخر للرد على المرجئة سماه كتاب الإيمان، وعقد في الأخير كتابا للمناقب ذكر فيه جملة من الأحاديث في فضائل الصحابة عموما، والشيخين على الخصوص، رادا فيه على الرافضة أعداء الله. نموذج من كلام الإمام الترمذي في سننه: - قال ﵀ عند حديث: "إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدكم كما يربى أحدكم مهره. حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد" (١)

стр. 1970

وتصديق ذلك في كتاب الله : ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ (١) ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٢). من كتاب الزكاة تحت باب: (ما جاء في فضل الصدقة). قال أبو عيسى: "هذا حديث حسن صحيح". وقد روي عن عائشة عن النبي ﷺ نحو هذا. وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد تثبت الروايات في هذا، ويؤمن بها ولا يتوهم ولا يقال كيف؟. هكذا روي عن مالك وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك، أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة. وأما الجهمية، فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه. وقد ذكر الله في غير موضع من كتابه: اليد والسمع والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات، ففسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد هاهنا القوة. وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه، إذا قال: يد كيد أو مثل يد، أو سمع كسمع أو مثل سمع. فإذا قال سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه.

стр. 1971

وأما إذا قال كما قال الله تعالى: يد وسمع وبصر، ولا يقول: كيف، ولا يقول: مثل سمع ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيها، وهو كما قال الله تعالى في كتابه:﴾ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١). (٢) - وقال عند حديث أبي هريرة الطويل من كتاب التفسير وفيه: "والذي نفس محمد بيده، لو أنكم دليتم رجلا بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله". (٣) وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقالوا: إنما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه. علم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش كما وصف في كتابه. (٤) موقفه من الخوارج: - قال عقب حديث ابن مسعود: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (٥): ومعنى هذا الحديث قتاله كفر ليس به كفرا مثل الارتداد عن الإسلام. والحجة في ذلك ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: من قتل متعمدا

стр. 1972

فأولياء المقتول بالخيار، إن شاءوا قتلوا وإن شاءوا عفوا، ولو كان القتل كفرا لوجب ... (١) وقد روي عن ابن عباس وطاووس وعطاء، وغير واحد من أهل العلم قالوا: كفر دون كفر، وفسوق دون فسوق. (٢) موقفه من المرجئة: عقد ﵀ كتابا حافلا في الإيمان أورد فيه الأحاديث الدالة على بيان معتقده السلفي، وقد أوضح ذلك بتبويباته لها منها: باب ما جاء في إضافة الفرائض إلى الإيمان (٥/ ٩). باب ما جاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه (٥/ ١٠). باب ما جاء أن الحياء من الإيمان (٥/ ١٢). باب ما جاء في ترك الصلاة (٥/ ١٤). قال عقب أحد أحاديثه: سمعت أبا مصعب المدني يقول: من قال: الإيمان قول يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه (١٤/ ١٥). باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله. قال ﵀ معلقا على حديث "من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله حرم الله عليه النار" (٣): "ووجه هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن أهل التوحيد سيدخلون الجنة، وإن عذبوا بذنوبهم فإنهم لا يخلدون في النار.

стр. 1973

موقفه من القدرية: - عقد ﵀ كتابا في جامعه سماه (كتاب القدر): ذكر فيه أبوابا في ذكر القدر والرضا به، والرد على القدرية المكذبين بالقدر. (١) موقف السلف من أبي سعيد أحمد بن عيسى الخراز (٢٧٩ ه ـ) بيان تصوفه: كما قدمنا غير ما مرة، أن هناك طائفة من أهل الحق، تذب عن سنة النبي ﷺ وعن عقيدته التي بعث من أجل إبلاغها للناس، فهذا نموذج من أولئك إن شاء الله. - جاء في تلبيس إبليس: وقال السراج: وأنكر جماعة من العلماء على أبي سعيد أحمد ابن عيسى الخراز، ونسبوه إلى الكفر بألفاظ وجدوها في كتاب صنفه وهو كتاب: 'السر' ومنه قوله: عبد طائع ما أذن له فلزم التعظيم لله فقدس الله نفسه. (٢) - قال الذهبي: ويقال: إنه أول من تكلم في علم الفناء والبقاء، فأي سكتة فاتته، قصد خيرا، فولد أمرا كبيرا، تشبث به كل اتحادي ضال به. (٣)

стр. 1974

- ومن كلامه: كل باطن يخالفه ظاهر، فهو باطل. (١) عثمان بن سعيد الدارمي (٢) (٢٨٠ هـ) الإمام العلامة الحجة الحافظ الناقد شيخ تلك الديار عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد أبو سعيد التميمي الدارمي، السجستاني صاحب 'المسند' الكبير والتصانيف محدث هراة وتلك البلاد. ولد قبل المائتين بيسير، وطوف الأقاليم في طلب الحديث. سمع نعيم بن حماد وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وأبا بكر بن أبي شيبة وخلقا كثيرا بالحرمين والشام ومصر والعراق والجزيرة وبلاد العجم. وأخذ علم الحديث وعلله عن علي ويحيى وأحمد، وفاق أهل زمانه، وكان لهجا بالسنة بصيرا بالمناظرة جذعا في أعين المبتدعة. صنف كتابا في 'الرد على بشر المريسي' و'الرد على الجهمية' و'المسند' وغيرها. حدث عنه أبو عمرو أحمد بن محمد الحيري ومحمد بن يوسف الهروي وأبو النصر محمد بن محمد الفقيه وخلق كثير من أهل هراة ونيسابور. قال الحاكم: سمعت محمد بن العباس الضبي سمعت أبا الفضل يعقوب ابن إسحاق القراب يقول: ما رأيت مثل عثمان بن سعيد ولا رأى عثمان مثل نفسه أخذ الأدب عن ابن الأعرابي والفقه عن أبي يعقوب البويطي

стр. 1975

والحديث عن ابن معين وابن المديني وتقدم في هذه العلوم ﵀. قال محمد بن المنذر شكر: سمعت أبا زرعة الرازي وسألته عن عثمان بن سعيد، فقال: ذاك رزق حسن التصنيف. وقال أبو الفضل الجارودي: كان عثمان ابن سعيد إماما يقتدى به في حياته وبعد مماته. قال الحسن بن صاحب الشاشي: سألت أبا داود السجستاني عن عثمان بن سعيد فقال: منه تعلمنا الحديث. قال أبو إسحاق أحمد بن محمد بن يونس: توفي عثمان الدارمي في ذي الحجة سنة ثمانين ومائتين. رحمه الله تعالى. موقفه من الجهمية: هذا الإمام، كان شوكة في حلق المعطلة، أفحمهم بالمعقول والمنقول سجل ذلك في كتبه التي أصبحت مرجعا لمن جاء بعده، فمن قرأ ما كتبه هذا الإمام تبين له دعوى الكذب على شيخ الإسلام، وأنه هو الذي وضع القواعد للأسماء والصفات، وإن كان وقع للشيخ بعض الهفوات في الإثبات، فسبحان من تنزه عن النقص، ولعلو كعب هذا الإمام في العقيدة السلفية حط عليه الشيخ النجدي الكوثري عليه ما يستحق من ربه في مقالاته وتعاليقه، وشق ثيابه ونتف شعوره ولطم وجهه وخدوده، يوم أن سمع بطبع كتب هذا الإمام وغيره من أئمة السلف، فرفع إلى الأزهر شكوى يلوم فيها الأزهر على السماح بطبع مثل هذه الكتب. يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون. وللشيخ ﵀: ١ - رد على بشر المريسي.

стр. 1976

٢ - الرد على الجهمية، أكثر من النقل منهما شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم في كتبهم. وقد طبعا ولله الحمد. وقد ألف بعض الباحثين رسالة علمية في جامعة أم القرى بعنوان: 'الدارمي ودفاعه عن العقيدة السلفية'. من درر مواقفه وغوالي أقواله: - قال ﵀ في كتابه المعروف بـ 'نقض عثمان بن سعيد على بشر المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله في التوحيد' قال: وادعى المعارض أيضا: أن قول النبي ﷺ : "إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل فيقول: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من داع؟ " (١). قال: فادعى أن الله لا ينزل بنفسه، إنما ينزل أمره ورحمته، وهو على العرش، وبكل مكان من غير زوال، لأنه الحي القيوم، والقيوم بزعمه من لا يزول. قال: فيقال لهذا المعارض: وهذا أيضا من حجج النساء والصبيان، ومن ليس عنده بيان، ولا لمذهبه برهان، لأن أمر الله ورحمته ينزل في كل ساعة ووقت وأوان، فما بال النبي ﷺ يحد لنزوله الليل دون النهار، ويؤقت من الليل شطره أو الأسحار؟ أفأمره ورحمته يدعوان العباد إلى الاستغفار، أو يقدر الأمر والرحمة أن يتكلما دونه فيقولا: هل من داع فأجيب؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطي؟ فإن قررت مذهبك لزمك أن تدعي أن الرحمة والأمر هما اللذان يدعوان إلى الإجابة والاستغفار بكلامهما دون الله، وهذا

стр. 1977

محال عند السفهاء، فكيف عند الفقهاء؟ قد علمتم ذلك، ولكن تكابرون، وما بال رحمته وأمره ينزلان من عنده شطر الليل، ثم لا يمكثان إلا إلى طلوع الفجر، ثم يرفعان؟ لأن رفاعة يرويه يقول في حديثه: "حتى ينفجر الفجر" (١). قد علمتم إن شاء الله، أن هذا التأويل أبطل باطل، لا يقبله إلا كل جاهل. وأما دعواك أن تفسير "القيوم" الذي لا يزول عن مكانه ولا يتحرك، فلا يقبل منك هذا التفسير إلا بأثر صحيح مأثور عن رسول الله ﷺ أو عن بعض أصحابه أو التابعين، لأن الحي القيوم يفعل ما يشاء، ويتحرك إذا شاء، ويهبط ويرتفع إذا شاء، ويقبض ويبسط، ويقوم ويجلس إذا شاء، لأن أمارة ما بين الحي والميت التحرك، كل حي متحرك لا محالة، وكل ميت غير متحرك لا محالة، ومن يلتفت إلى تفسيرك وتفسير صاحبك مع تفسير نبي الرحمة ورسول رب العزة إذ فسر نزوله مشروحا منصوصا، ووقت لنزوله وقتا مخصوصا، لم يدع لك ولا لأصحابك فيه لبسا ولا عويصا. (٢) وقال عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب 'الرد على الجهمية': ما الجهمية عندنا من أهل القبلة، بل هؤلاء الجهمية أفحش زندقة، وأظهر كفرا، وأقبح تأويلا لكتاب الله ورد صفاته، من الزنادقة الذين قتلهم علي وحرقهم

стр. 1978

بالنار. (١) - وقال أيضا: أخبر الله أن القرآن كلامه، وادعت الجهمية أنه خلقه، وأخبر الله ﵎ أنه كلم موسى تكليما، وقال هؤلاء: لم يكلمه الله بنفسه، ولم يسمع موسى نفس كلام الله، إنما سمع كلاما خرج إليه من مخلوق، ففي دعواهم دعا مخلوق موسى إلى ربوبيته فقال: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ (٢) فقال له موسى في دعواهم: صدقت، ثم أتى فرعون يدعوه إلى ربوبية مخلوق كما أجاب موسى في دعواهم، فما فرق بين موسى وفرعون في الكفر إذا؟ فأي كفر أوضح من هذا؟ وقال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣) وقال هؤلاء: ما قال لشيء قط -قولا وكلاما- كن فكان، ولا يقوله أبدا، ولم يخرج منه كلام قط، ولا يخرج، ولا هو يقدر على الكلام في دعواهم، فالصنم في دعواهم والرحمن بمنزلة واحدة في الكلام. (٤) - جاء في السير: قال محمد بن إبراهيم الصرام: سمعت عثمان بن سعيد يقول: لا نكيف هذه الصفات، ولا نكذب بها، ولا نفسرها. (٥) - وفيها: ومن كلام عثمان ﵀ في كتاب 'النقض' له: اتفقت

стр. 1979

الكلمة من المسلمين أن الله تعالى فوق عرشه، فوق سماواته. قلت (أي الذهبي): أوضح شيء في هذا الباب قوله : ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (١). فليمر كما جاء، كما هو معلوم من مذهب السلف، وينهى الشخص عن المراقبة والجدال، وتأويلات المعتزلة، ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ (٢). (٣) - وفيها: قال يعقوب القراب: سمعت عثمان بن سعيد الدارمي يقول: قد نويت أن لا أحدث عن أحد أجاب إلى خلق القرآن، قال: فتوفي قبل ذلك. قلت (أي الذهبي): من أجاب تقية، فلا بأس عليه، وترك حديثه لا ينبغي. (٤) حرب بن إسماعيل الكَرْمَانِيّ (٥) (٢٨٠ هـ) الإمام العلامة الفقيه الحافظ أبو محمد حرب بن إسماعيل بن خلف الحنظلي الكرماني تلميذ الإمام أحمد وصاحبه. رحل وطلب العلم، وأخذ عن

стр. 1980

أبي الوليد الطيالسي وأبي بكر الحميدي وأبي عبيد وسعيد بن منصور، وإسحاق بن راهويه وطبقتهم. روى عنه القاسم بن محمد الكرماني نزيل طرسوس، وعبد الله بن إسحاق النهاوندي، وعبد الله بن يعقوب الكرماني، وأبو حاتم الرازي رفيقه وأبو بكر الخلال وآخرون. ومسائله من أنفس كتب الحنابلة، وهو كبير في مجلدين ونقل الكثير من المسائل عن أحمد بن حنبل. قال الخلال: كان رجلا جليلا حثني المروذي على الخروج إليه. قال ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة: كان حرب فقيه البلد وكان السلطان قد جعله على أمر الحكم وغيره في البلد. توفي ﵀ في سنة ثمانين ومائتين. وقد عمر وقارب التسعين. موقفه من الجهمية: - وقال أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني في مسائله المعروفة -التي نقلها عن أحمد وإسحاق وغيرهما، وذكر معها من الآثار عن النبي ﷺ والصحابة وغيرهم ما ذكر وهو كتاب كبير صنفه على طريقة 'الموطأ' ونحوه من المصنفات- قال في آخره في الجامع: "باب القول في المذهب: هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها، وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع، خارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم" وذكر

стр. 1981

الكلام في الإيمان والقدر والوعيد والإمامة وما أخبر به الرسول من أشراط الساعة وأمر البرزخ والقيامة وغير ذلك -إلى أن قال: "وهو سبحانه بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان، ولله عرش، وللعرش حملة يحملونه، وله حد، والله أعلم بحده، والله على عرشه عز ذكره وتعالى جده ولا إله غيره، والله تعالى سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يتكلم ويتحرك ويسمع ويبصر وينظر ويقبض ويبسط ويفرح ويحب ويكره ويبغض ويرضى ويسخط ويغضب، ويرحم ويعفو ويغفر ويعطي ويمنع، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، كيف شاء، وكما شاء، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) " -إلى أن قال-: "ولم يزل الله متكلما عالما فتبارك الله أحسن الخالقين". (٢) - جاء في اجتماع الجيوش: وله مسائل بالسند إليه قال: والماء فوق السماء السابعة والعرش على الماء والله على العرش - قال ابن القيم: قلت هذا لفظه في مسائله وحكاه إجماعا لأهل السنة من سائر أهل الأمصار. (٣) - وجاء في أصول الاعتقاد: قال عبد الرحمن كتب إلي حرب بن

стр. 1982

إسماعيل الكرماني الحنظلي إن الحق والصواب الواضح المستقيم الذي أدركنا عليه أهل العلم أن من زعم أن ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا مخلوقة فهو جهمي مبتدع خبيث. (١) عثمان بن خُرَّزَاد (٢) (٢٨١ هـ) الحافظ الحجة الثبت شيخ الإسلام، أبو عمرو بن أبي أحمد وهو عثمان ابن عبد الله بن محمد بن خرزاد الطبري ثم البصري نزيل أنطاكية وعالمها. ولد قبل المائتين. سمع من عفان بن مسلم، وقرة بن حبيب وأبي الوليد الطيالسي وسعيد بن منصور والحكم بن موسى ومسدد وعدة وجمع وصنف. حدث عنه النسائي وأبو حاتم الرازي مع تقدمه- وأبو عوانة في صحيحه ومحمد بن المنذر شكر، وأبو القاسم الطبراني بالإجازة وخلق كثير. قال ابن أبي حاتم: كان رفيق أبي في كتابة الحديث في بعض الجزيرة والشام وهو صدوق أدركته ولم أسمع منه. وقال أبو بكر الأهوازي: أحفظ من رأيت عثمان بن خرزاد. قال ابن منده: كان أحد الحفاظ، وقال الحاكم: ثقة مأمون. قال عثمان ﵀: يحتاج صاحب الحديث إلى خمس، فإذا عدمت واحدة فهي نقص يحتاج إلى عقل جيد، ودين، وضبط لما يقول وحذاقة بالصناعة مع أمانة تعرف منه. توفي ﵀ في ذي الحجة سنة إحدى وثمانين ومائتين.

стр. 1983

موقفه من الجهمية: - جاء في أصول الاعتقاد عنه قال: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فقد أعظم الفرية على الله. (١) عبد الجبار بن خالد السرتي (٢) (٢٨١ هـ) الشيخ عبد الجبار بن خالد بن عمران السرتي. سمع من سحنون، ويعد من أكابر أصحابه، وصحب حمديس بن القطان. وسمع منه أبو العرب وابن اللباد وغيرهما. قال أبو العرب: كان صالحا، متعبدا، طويل الصلاة، كثير الدعاء، مجتهدا، وكان من عقلاء شيوخ إفريقية. وقال حمديس القطان: ما رأيت أورع من عبد الجبار. وقال أبو عياش: عبد الجبار عالم واسع العلم، فهم نطاق بالحكمة. من كلامه ﵀: من كان همه في الله قل في الدنيا والآخرة غمه. وكان يقول: من سكت سلم، ومن تكلم بذكر الله غنم، ومن خاض أثم. توفي ﵀ سنة إحدى وثمانين ومائتين، وصلى عليه صاحبه حمديس. وكان مولده سنة أربع وتسعين ومائة. موقفه من المبتدعة: - قال عبد الجبار: من ترك رأيه واتبع السنن والآثار رجي له أن يلحق

стр. 1984

غدا بالأبرار، ومن تبع رأيه وترك السنن والآثار خفت غدا أن يكون مأواه النار. (١) سهل بن عبد الله التستري الصوفي (٢٨٣ ه ـ) موقفه من المبتدعة: هذا الرجل ممن دخل في خزعبلات المتصوفة يأتي التنبيه عليها، إلا أن له أقوالا وافقت ما عليه السلف منها: - أنه سئل عن شرائع الإسلام، فقال: وقال العلماء في ذلك وأكثروا ولكن نجمعه كله بكلمتين: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢). ثم نجمعه كله في كلمة واحدة: ﴿مَنْ يطع الرسول فقد أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣)، فمن يطع الرسول في سنته فقد أطاع الله في فريضته. (٤) - عن أبي القاسم عبد الجبار بن شيراز بن يزيد العبدي، صاحب سهل ابن عبد الله، قال: سمعت سهل بن عبد الله يقول: وقيل له متى يعلم الرجل أنه على السنة والجماعة؟

стр. 1985

قال: إذا عرف من نفسه عشر خصال: لا يترك الجماعة. ولا يسب أصحاب النبي ﷺ . ولا يخرج على هذه الأمة بالسيف. ولا يكذب بالقدر. ولا يشك في الإيمان. ولا يماري في الدين. ولا يترك الصلاة على من يموت من أهل القبلة بالذنب. ولا يترك المسح على الخفين. ولا يترك الجماعة خلف كل وال جار أو عدل. (١) " التعليق: هذه الأوصاف التي ذكرها سهل بن عبد الله التستري هي أصول أهل السنة والجماعة، وبدراستها ودراسة تفاصيلها فيها الرد على كثير من الطوائف الضالة، ولا سيما الخوارج الذين عثوا في الأرض فسادا، والذين هم في هذا الزمان شوكة في حلق نشر السنة، لأنهم ملئوا الأمة شغبا وزلازل وقلاقل، فشغلوا الأمة بالفتن وظنوها شجاعة وجهادا، وهي لعمر الله إفسادا وتخريبا وإساءة للإسلام وأهله وإحراجا للدعوة والدعاة، مع ما في الأصول من رد على الرافضة قبحهم الله والمرجئة القاعدين عن الأعمال والخيرات، والمثبطين لكل داع إلى الطاعات، والمعتذرين لكل زنديق خبيث تارك الأوامر والنواهي، مزهدين في الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ . - وفي الحلية بالسند إليه قال: أصولنا ستة: التمسك بالقرآن، والاقتداء بالسنة، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة وأداء

стр. 1986

الحقوق. (١) - وفي ذم الكلام عنه: قال في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا على البر والتقوى﴾ على الإيمان والسنة ﴿ولا تَعَاوَنُوا على الْإِثْمِ والعدوان﴾ (٢) قال: الكفر والبدعة. (٣) - وفيه: عنه قال: مثل السنة في الدنيا مثل الجنة في الآخرة، من دخل الجنة في الآخرة سلم، ومن دخل السنة في الدنيا سلم. (٤) - عن التستري: ﴿قصد السبيل﴾: طريق السنة. ﴿وَمِنْهَا جائرٌ﴾ يعني: إلى النار، وذلك الملل والبدع. (٦) - قال سهل التستري: كل فعل يفعله العبد بغير اقتداء -طاعة كان أو معصية- فهو عيش النفس -يعني: باتباع الهوى- وكل فعل يفعله العبد بالاقتداء، فهو عتاب على النفس -يعني: لأنه لا هوى له فيه-. (٧) موقفه من المشركين: - ونقل عنه الذهبي في السير: إنما سمي الزنديق زنديقا، لأنه وزن دق

стр. 1987

الكلام بمخبول عقله وقياس هوى طبعه، وترك الأثر والاقتداء بالسنة، وتأول القرآن بالهوى، فسبحان من لا تكيفه الأوهام، في كلام نحو هذا. (١) بيان صوفيته: جاء في تلبيس إبليس: قال السلمي: وحكى رجل عن سهل بن عبد الله التستري أنه يقول إن الملائكة والجن والشياطين يحضرونه وإنه يتكلم عليهم فأنكر ذلك عليه العوام حتى نسبوه إلى القبائح فخرج إلى البصرة فمات بها (٢). " التعليق: والغالب على الظن، أن الذين أنكروا عليه سلفيون، تربوا على عقيدة السلف، وبغضت إليهم البدع والشركيات. هذا في ذلك الزمان، وأما اليوم فلو ادعى أنه يجتمع مع الله ألف مرة في اليوم والنبي ﷺ خادمه والصحابة عبيده، لوجد مصدقين به ومؤيدين له والله المستعان. وبالمقابل، له كلام من قرأه مجردا عما يروى عنه من الخزعبلات يجده من أحسن ما يكون، ويحكم على صاحبه أنه كان من أئمة السلف، وقد تقدم بعضه، وإليك بقيته. موقفه من الجهمية: - جاء في السير: قال إسماعيل بن علي الأبلي: سمعت سهل بن عبد الله بالبصرة في سنة ثمانين ومائتين يقول: العقل وحده لا يدل على قديم أزلي فوق عرش محدث، نصبه الحق دلالة وعلما لنا، لتهتدي القلوب به إليه، ولا

стр. 1988

تتجاوز ولم يكلف القلوب علم ماهية هويته، فلا كيف لاستوائه عليه، ولا يجوز أن يقال: كيف الاستواء لمن أوجد الاستواء؟ وإنما على المؤمن الرضا والتسليم، لقول النبي ﷺ : "إنه على عرشه" (١). (٢) - وفي أصول الاعتقاد: عنه قال: من قال القرآن مخلوق، فهو كافر بالربوبية لا كافر النعمة. (٣) موقفه من المرجئة: - سئل سهل بن عبد الله التستري عن الإيمان ما هو؟ فقال: هو قول ونية وعمل وسنة، لأن الإيمان إذا كان قولا بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولا وعملا بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولا وعملا ونية بلا سنة فهو بدعة. (٤) موقفه من القدرية: - جاء في الإبانة: عن سهل بن عبد الله التستري قال: ليس في حكم الله أن يملك علم الضر والنفع إلا الله ، ولكن حكم العدل في الخلق إنكار فعل غيرهم من الضر والنفع، وهو حجة الله علينا، أمرنا بما لا

стр. 1989

نقدر عليه إلا بمعونته، ونهانا عما لا نقدر على تركه والانصراف عنه إلا بعصمته، وألزمنا بالحركة بالمسألة، له المعونة على طاعته وترك مخالفته في إظهار الفقر والفاقة إليه، والتبري من كل سبب واستطاعة دونه؛ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (١)؛ قال فخرجت أفعال العباد في سرهم وظاهرهم على ما سبق من علمه فيهم من غير إجبار منه لهم في ذلك أو في شيء منه، ولا قسر ولا إكراه ولا تعبد ولا أمر، بل بقضاء سابق ومشيئة وتخلية منه لمن شاء كيف شاء لما شاء؛ فله الحجة على الخلق أجمعين؛ قال سهل: فأفعال الخلق وأعمالهم كلها من الله مشيئة، فيها معنيان: فما كان من خير؛ فالله أراد ذلك منهم وأمرهم به ولم يكرههم على فعله، بل وفقهم له وأعانهم عليه، وتولى ذلك الفعل منهم وأثابهم عليه، وما كان من فعل شر؛ فالله نهى عنه، ولم يجبر عليه ولم يتول ذلك الفعل، بل أراد العبد به والتخلية بينه وبينه، وشاء كون ذلك قبيحا فاسدا ليكون ما نهى ولا يكون ما أمر، ويظهر العلم السابق فيه فمنهم شقي وسعيد، فهو من الله مشيئة ومن الشيطان تزيين، ومن العبد فعل. (٢) - وجاء في أصول الاعتقاد عن سهل بن عبد الله قال: من قال إن الله لا يعلم الشيء حتى يكون فهو كافر ومن قال أنا مستغن عن الله فهو كافر ومن قال إن الله ظالم للعباد فهو كافر. (٣)

стр. 1990

- وفيه عن محمد بن علي بن حيدرة قال: حدثنا أبو هارون الابلي -وكان ممن صحب سهل بن عبد الله وكان رجلا صالحا وكان يقرينا القرآن في المسجد الجامع- قال: سئل سهل بن عبد الله عن القدر؟ فقال: الإيمان بالقدر فرض والتكذيب به كفر والكلام فيه بدعة والسكوت عنه سنة. (١) ابن خراش الرافضي (٢٨٣ ه ـ) بيان رفضه: - قال أبو زرعة محمد بن يوسف الحافظ: خرج ابن خراش مثالب الشيخين، وكان رافضيا. (٢) إبراهيم الحربي (٣) (٢٨٥ هـ) الشيخ، الحافظ أبو إسحاق، إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن بشير البغدادي الحربي. ولد سنة ثمان وتسعين ومائة، وطلب العلم وهو حدث، فسمع من أبي نعيم وعبد الله ابن صالح العجلي وعاصم بن علي وأبي عبيد القاسم بن سلام، وتفقه على الإمام أحمد بن حنبل، وكان من أجل أصحابه. وحدث عنه ابن صاعد، وأبو بكر النجاد، وأبو بكر الشافعي وأبو بكر

стр. 1991

القطيعي، وعثمان بن السماك، وخلق كثير. قال أبو بكر الخطيب: كان إماما في العلم، رأسا في الزهد، عارفا بالفقه، بصيرا بالأحكام حافظا للحديث، مميزا لعلله، قيما بالأدب، جَمَّاعة للغة. وقال الحاكم: سمعت محمد بن صالح القاضي يقول: لا نعلم أن بغداد أخرجت مثل إبراهيم الحربي في الأدب والفقه والحديث والزهد. وقال السلمي: سألت الدارقطني عن إبراهيم الحربي، فقال: كان يقاس بأحمد بن حنبل في زهده وعلمه وورعه. وقال الحسن بن فهم: لا ترى عيناك مثل الحربي، إمام الدنيا، لقد رأيت وجالست العلماء، فما رأيت رجلا أكمل منه. توفي ﵀ سنة خمس وثمانين ومائتين. موقفه من المبتدعة: - قال محمد بن مخلد العطار: سمعت إبراهيم الحربي يقول: لا أعلم عصابة خيرا من أصحاب الحديث، إنما يغدو أحدهم، ومعه محبرة، فيقول: كيف فعل النبي ﷺ وكيف صلى، إياكم أن تجلسوا إلى أهل البدع، فإن الرجل إذا أقبل ببدعة ليس يفلح. (١) موقفه من الجهمية: - قال القاضي أبو المطرف بن فطيس: سمعت أبا الحسن المقرئ، سمعت محمد بن جعفر بن محمد بن بيان البغدادي، سمعت إبراهيم الحربي -ولم يكن في وقته مثله- يقول: وقد سئل عن الاسم والمسمى: لي مذ أجالس أهل العلم

стр. 1992

سبعون سنة، ما سمعت أحدا منهم يتكلم في الاسم والمسمى. (١) - قال أبو ذر الهروي سمعت أبا طاهر المخلص سمعت أبي: سمعت إبراهيم الحربي، وكان وعدنا أن يمل علينا مسألة في الاسم والمسمى، وكان يجتمع في مجلسه ثلاثون ألف محبرة، وكان إبراهيم مقلا، وكانت له غرفة، يصعد، فيشرف منها على الناس، فيها كوة إلى الشارع، فلما اجتمع الناس، أشرف عليها، فقال لهم: قد كنت وعدتكم أن أملي عليكم في الاسم والمسمى، ثم نظرت فإذا لم يتقدمني في الكلام فيها إمام يقتدى به، فرأيت الكلام فيه بدعة، فقام الناس، وانصرفوا، فلما كان يوم الجمعة، أتاه رجل، وكان إبراهيم لا يقعد إلا وحده، فسأله عن هذه المسألة، فقال، ألم تحضر مجلسنا بالأمس؟ قال: بلى. فقال: أتعرف العلم كله؟ قال: لا. قال: فاجعل هذا مما لم تعرف. (٢) موقفه من القدرية: - جاء في السير عن إبراهيم بن إسحاق قال: أجمع عقلاء كل ملة أنه من لم يجر مع القدر لم يتهنأ بعيشه. (٣)

стр. 1993

أحمد بن أصرم (١) (٢٨٥ هـ) أحمد بن أصرم بن خزيمة بن عباد بن عبد الله بن حسان بن الصحابي عبد الله بن مغفل. حدث عن أحمد بن حنبل وابن معين وعبد الأعلى بن حماد. روى عنه أبو عوانة في صحيحه وابن أبي حاتم والقاسم بن أبي صالح. أثنى عليه أهل العلم لتمسكه بالسنة ودفاعه عنها. قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي، وسمعت موسى بن اسحاق القاضي يعظم شأنه، ويرفع منزلته. توفي سنة خمس وثمانين ومائتين. موقفه من المبتدعة: - وقال صالح بن أحمد الحافظ: كان ثبتا، شديدا على أصحاب البدع. (٢) محمد بن وَضَّاح (٣) (٢٨٦ هـ) الإمام الحافظ محدث الأندلس مع بقي، أبو عبد الله محمد بن وضاح بن بَزِيع المَرْوَانِي، مولى صاحب الأندلس عبد الرحمن بن معاوية الداخل. ولد سنة تسع وتسعين ومائة بقرطبة. وسمع يحيى بن يحيى ومحمد بن خالد بالأندلس وإسماعيل بن أبي أويس وأصبغ بن الفرج، وزهير بن عباد،

стр. 1994

وحرملة، ويعقوب بن كاسب وطبقتهم. وقيل إنه ارتحل قبل ذلك في حياة آدم بن أبي إياس فلم يسمع شيئا وقد ارتحل إلى العراق والشام ومصر، وجمع فأوعى. روى عنه أحمد بن خالد الجباب، وقاسم بن أصبغ، ومحمد بن أيمن وأحمد بن عبادة، ومحمد بن المسور، وخلق. قال ابن الفرضي: كان عالما بالحديث، بصيرا بطرقه وعلله، كثير الحكاية عن العباد، ورعا زاهدا، صبورا على نشر العلم، متعففا، نفع الله أهل الأندلس به، وكان ابن الجباب يعظمه، ويصف عقله وفضله ولا يقدم عليه أحدا، غير أنه ينكر رده لكثير من الحديث. قال: وله خطأ كثير محفوظ عنه، ويغلط ويصحف ولا علم له بالعربية ولا بالفقه. وقال أيضا: رحل إلى المشرق رحلتين فسمع في الثانية خلقا كثيرا من البغداديين والكوفيين والبصريين والشاميين والمصريين والقزوينيين، وعدة شيوخه مائة وستون رجلا، وبه وببقي بن مخلد صارت الأندلس دار حديث. توفي ﵀ سنة ست وثمانين ومائتين. موقفه من المبتدعة: هذا الإمام الكبير، كان له الأثر البالغ في الأوساط العلمية في عصره، وبعده، واتخذ الناس كتابه مرجعا في دفع البدع. وقد نقل العالم الكبير أبو إسحاق الشاطبي الشيء الكثير من كتابه 'الحوادث والبدع' ومن غيره مما نقله هذا الإمام عن أئمة السلف، وخصوصا مالك وأصحابه. وكذلك شيخ

стр. 1995

الإسلام ابن تيمية. (١) وله ﵀ في العقيدة السلفية: ١ - 'ما جاء في البدع' وقد طبع مرارا ولله الحمد. وأحسن هذه الطبعات بتحقيق بدر بن عبد الله البدر. (٢) ٢ - 'النظر إلى الله' مخطوط في مكتبة حسن حسني. (٣) موقفه من التثويب: - قال ابن وضاح: وإنما أحدث هذا بالعراق. قلت (٤) لابن وضاح: من أول من أحدثه؟ فقال: لا أدري، قلت له: فهل يعمل به بمكة أو بالمدينة أو بمصر أو غيرها من الأمصار؟ فقال: ما سمعته إلا عند بعض الكوفيين والإباضيين، وكان بعضهم يثوب، عند المغرب، كان يؤذن إذا غابت الشمس ثم يؤخر الصلاة حتى تظهر النجوم ثم يثوب وبعضهم يؤذن إذا غابت الحمرة ويؤخر الصلاة حتى يغيب البياض ثم يثوب ويصلي، وبعضهم يؤذن إذا زالت الشمس ويؤخر الصلاة ثم يثوب ويصلي، وكان وكيع هو يفعل ذلك عند صلاة العشاء. (٥) - قال ابن وضاح: فعليكم بالاتباع لأئمة الهدى المعروفين، فقد قال

стр. 1996

بعض من مضى: كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكرا عند من مضى ومتحبب إليه بما يبغضه عليه ومتقرب إليه بما يبعده منه، وكل بدعة عليها زينة وبهجة. (١) - وقال محمد بن وضاح: إنما هلكت بنو إسرائيل على يدي قرائهم وفقهائهم، وستهلك هذه الأمة على يدي قرائهم وفقهائهم. (٢) - قال أصبغ بن مالك: وسمعت محمد بن وضاح يقول غير مرة: كتاب الله قد بدل، وسنة رسول الله ﷺ قد غيرت، ودماء قد سفكت، وكرائم قد سبيت، وحدود قد عطلت، وترأس أهل الباطل، وتكلم في الدين من ليس من أهل الدين، وخاف البريء وأمن النطيف، وحكم في أمر المسلمين وسود فيهم من هو مسخوط فيهم. (٣) موقفه من الجهمية: - قال ابن وضاح: ولا يسع أحدا أن يقول: كلام الله قط حتى يقول: ليس بخالق ولا مخلوق ولا ينفعه علم حتى يعلم ويوقن أن القرآن كلام الله ليس بخالق ولا مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، ومن قال بغير هذا فقد كفر بالله العظيم. (٤)

стр. 1997

ابن أبي عاصم (١) (٢٨٧ هـ) أبو بكر أحمد بن عمرو بن الضحاك بن مخلد الشيباني الزاهد حافظ كبير، إمام بارع متبع للآثار كثير التصانيف قدم أصبهان على قضائها، ونشر بها علمه. قالت بنته عاتكة: ولد أبي في شوال سنة ست ومائتين، فسمعته يقول: ما كتبت الحديث حتى صار لي سبع عشرة سنة، وذلك أني تعبدت وأنا صبي، فسألني إنسان عن حديث، فلم أحفظه، فقال لي: ابن أبي عاصم لا تحفظ حديثا؟ فاستأذنت أبي، فأذن لي، فارتحلت. وأمه هي أسماء بنت الحافظ موسى بن إسماعيل التبوذكي فسمع من جده التبوذكي، ومن والده، قاضي حمص. شيوخه: أبو الوليد الطيالسي، وعمرو بن مرزوق، ومحمد بن كثير وهشام بن عمار وأبو بكر بن أبي شيبة، وعبد الأعلى بن حماد وطبقتهم. حدث عنه ابنته أم الضحاك عاتكة، والقاضي أبو أحمد العسال وأحمد بن بندار الشعار، وأبو الشيخ وأبو بكر القباب، وأبو عبد الله محمد بن أحمد الكسائي وغيرهم. قال أحمد بن محمد المديني البزاز: قدمت البصرة وأحمد بن حنبل حي، فسألت عن أفقههم، فقالوا: ليس بالبصرة أفقه من أحمد بن عمرو بن أبي عاصم. ومن تصانيفه: 'المسند الكبير' نحو خمسين ألف حديث. والآحاد والمثاني، نحو عشرين ألف حديث، و'المختصر من المسند'. مات ﵀ سنة سبع وثمانين ومائتين ليلة الثلاثاء لخمس خلون من ربيع الأول. موقفه من المبتدعة والرافضة والجهمية والخوارج والمرجئة:

стр. 1998

كتابه 'السنة' ودفاعه عن العقيدة السلفية: وهو من أكبر المراجع في العقيدة السلفية، رد فيه على جميع المبتدعة بما فيهم الخوارج والقدرية والجهمية والمرجئة والمعتزلة وغيرهم وقد كتب الله ولله الحمد أن يطبع وأن يشرف المكتبات الإسلامية العامة والخاصة وكان من حسن حظه أن تولى تخريج أحاديثه -إلا أنه لم يُتمَّه- عالم سلفي لم ينجسه بتعاليق باطلة مغرضة كما وقع لغيره من الكتب التي تولى تحقيقها مبتدعة هذا العصر، فياليت السلفيين ينتبهون من نومهم ويتسابقون إلى تحقيق مثل هذه الكتب، فجزى الله خيرا شيخنا الألباني على ما قام به، وقد قام الشيخ باسم الجوابرة بتحقيق الكتاب تحقيقا علميا وأتم تخريج أحاديثه وطبع في جزءين فجزاه الله خيرا. - قال أبو بكر بن أبي عاصم ﵀: سألت عن السنة ما هي؟ والسنة اسم جامع لمعان كثيرة في الأحكام وغير ذلك ومما اتفق أهل العلم على أن نسبوه إلى السنة القول بإثبات القدر، وإن الاستطاعة مع الفعل للفعل والإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره وكل طاعة من مطيع فبتوفيق الله له، وكل معصية من عاص فبخذلان الله السابق منه وله، والسعيد من سبقت له السعادة، والشقي من سبقت له الشقاوة، والأشياء غير خارجة من مشيئة الله وإرادته، وأفعال العباد من الخير والشر فعل لهم، خلق لخالقهم، والقرآن كلام الله ﵎ تكلم الله به ليس بمخلوق ومن قال مخلوق ممن قامت عليه الحجة فكافر بالله العظيم، ومن قال من قبل أن تقوم عليه الحجة فلا شيء عليه، والإيمان قول وعمل يزيد وينقص وإثبات رؤية الله عزوجل يراه أولياؤه

стр. 1999

في الآخرة نظر عيان كما جاءت الأخبار، وأبو بكر الصديق أفضل أصحاب رسول الله ﷺ بعده وهو الخليفة خلافة النبوة بويع يوم بويع وهو أفضلهم وهو أحقهم بها، ثم عمر بن الخطاب بعده على مثل ذلك، ثم عثمان بن عفان بعده على مثل ذلك، ثم علي بعده على مثل ذلك رحمة الله عليهم جميعا. وأبو بكر الصديق أعلمهم عندي بعد رسول الله ﷺ وأفضلهم وأزهدهم وأشجعهم وأسخاهم. ومن الدليل على ذلك قوله في أهل الردة وقد نازله أصحاب النبي ﷺ على أن يقبل منهم بعضا فأبى إلا كل ما أوجب الله عليهم أو يقاتلهم ورأى أن الكفر ببعض التنزيل يحل دماءهم فعزم على قتالهم، فعلم أنه الحق. ومن شجاعته كونه مع النبي ﵇ في الغار وهجرته معه معرضا نفسه لقريش وسائر العرب مع قصد المشركين وطلبهم له وما بذلوا فيه من الرغائب، ثم ما ظهر في رأيه ونبله وسخائه أن كان ماله في الجاهلية أربعين ألف أوقية ففرق كله في الإسلام. ومن زهده أن النبي ﷺ ندب إلى الصدقة فجاء أبو بكر بجميع ماله إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : ما أبقيت لأهلك؟ قال: الله ورسوله. (١) ولم يفعل هذا أحد منهم، وقال في قصة الكتاب الذي أراد النبي ﷺ أن يكتب لهم: يأبى الله ويدفع بالمؤمنين، وسماه الله من السماء الصديق وبويع واتفق المسلمون على بيعته. وعلموا أن الصلاح فيها فسموه خليفة رسول الله وخاطبوه بها. ثم عمر بن الخطاب رحمة الله عليه على مثل سبيل أبي بكر، وما

стр. 2000

وصفنا به مع شدته واستقامته وسياسته. ومن ذلك قوله لعيينة والأقرع: إنما كان النبي ﷺ يتألفكما والإسلام قليل. قد أغنى الله عنكما، وذكر سير عمر وسياسته كثر. ثم عثمان بن عفان من أعلمهم وأشجعهم وأسخاهم وأجودهم جودا، ومن علمه أن عليا وعبد الرحمن رحمة الله عليهما أشارا في إقامة الحد على أمة حاطب فرأى عمر ذلك معهم. قال: يا أبا عمرو ما تقول؟ قال: لا أرى عليها حدا لأنها تستهل (أو تستحل) به وإنما الحد على من عمله. فقال عمر بعد أن فهم ذلك عنه: صدقت والله إنما الحد على من عمله. وتزوج ابنتي النبي ﷺ ولم يجتمع ذلك لأحد قط، ثم أذهنهم ذهنا وأظهرهم عبادة حفظ القرآن على كبر سنه في قلة مدة فكان يقوم به في ليلة واحدة (١). ومن سخائه أن النبي ﷺ ندب إلى جيش العسرة فجاء بألف دينار ثم ألف ثم ألف ثم جهز جيش العسرة بأجمع جهازهم. (٢) ثم علي رحمة الله عليه مثل ذلك في كماله وزهده وعلمه وسخائه. ومن زهده أنه اشتغل في سنة أربعين ألف دينار ففرقها وقميص كرابيس سنبلاني. قال محمد بن كعب القرظي: سمعت عليا يقول: بلغت صدقة مالي أربعين ألف دينار. ومن فضائله التي أبانه الله بها تزويجه بفاطمة وولده الحسن والحسين رحمة الله عليهما وحمله باب خيبر وقتله مرحبا وأشياء يكثر ذكرها.
следующие страницы →