← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

بعض من مضى: كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكرا عند من مضى ومتحبب إليه بما يبغضه عليه ومتقرب إليه بما يبعده منه، وكل بدعة عليها زينة وبهجة. (١) - وقال محمد بن وضاح: إنما هلكت بنو إسرائيل على يدي قرائهم وفقهائهم، وستهلك هذه الأمة على يدي قرائهم وفقهائهم. (٢) - قال أصبغ بن مالك: وسمعت محمد بن وضاح يقول غير مرة: كتاب الله قد بدل، وسنة رسول الله ﷺ قد غيرت، ودماء قد سفكت، وكرائم قد سبيت، وحدود قد عطلت، وترأس أهل الباطل، وتكلم في الدين من ليس من أهل الدين، وخاف البريء وأمن النطيف، وحكم في أمر المسلمين وسود فيهم من هو مسخوط فيهم. (٣) موقفه من الجهمية: - قال ابن وضاح: ولا يسع أحدا أن يقول: كلام الله قط حتى يقول: ليس بخالق ولا مخلوق ولا ينفعه علم حتى يعلم ويوقن أن القرآن كلام الله ليس بخالق ولا مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، ومن قال بغير هذا فقد كفر بالله العظيم. (٤)

стр. 1997

ابن أبي عاصم (١) (٢٨٧ هـ) أبو بكر أحمد بن عمرو بن الضحاك بن مخلد الشيباني الزاهد حافظ كبير، إمام بارع متبع للآثار كثير التصانيف قدم أصبهان على قضائها، ونشر بها علمه. قالت بنته عاتكة: ولد أبي في شوال سنة ست ومائتين، فسمعته يقول: ما كتبت الحديث حتى صار لي سبع عشرة سنة، وذلك أني تعبدت وأنا صبي، فسألني إنسان عن حديث، فلم أحفظه، فقال لي: ابن أبي عاصم لا تحفظ حديثا؟ فاستأذنت أبي، فأذن لي، فارتحلت. وأمه هي أسماء بنت الحافظ موسى بن إسماعيل التبوذكي فسمع من جده التبوذكي، ومن والده، قاضي حمص. شيوخه: أبو الوليد الطيالسي، وعمرو بن مرزوق، ومحمد بن كثير وهشام بن عمار وأبو بكر بن أبي شيبة، وعبد الأعلى بن حماد وطبقتهم. حدث عنه ابنته أم الضحاك عاتكة، والقاضي أبو أحمد العسال وأحمد بن بندار الشعار، وأبو الشيخ وأبو بكر القباب، وأبو عبد الله محمد بن أحمد الكسائي وغيرهم. قال أحمد بن محمد المديني البزاز: قدمت البصرة وأحمد بن حنبل حي، فسألت عن أفقههم، فقالوا: ليس بالبصرة أفقه من أحمد بن عمرو بن أبي عاصم. ومن تصانيفه: 'المسند الكبير' نحو خمسين ألف حديث. والآحاد والمثاني، نحو عشرين ألف حديث، و'المختصر من المسند'. مات ﵀ سنة سبع وثمانين ومائتين ليلة الثلاثاء لخمس خلون من ربيع الأول. موقفه من المبتدعة والرافضة والجهمية والخوارج والمرجئة:

стр. 1998

كتابه 'السنة' ودفاعه عن العقيدة السلفية: وهو من أكبر المراجع في العقيدة السلفية، رد فيه على جميع المبتدعة بما فيهم الخوارج والقدرية والجهمية والمرجئة والمعتزلة وغيرهم وقد كتب الله ولله الحمد أن يطبع وأن يشرف المكتبات الإسلامية العامة والخاصة وكان من حسن حظه أن تولى تخريج أحاديثه -إلا أنه لم يُتمَّه- عالم سلفي لم ينجسه بتعاليق باطلة مغرضة كما وقع لغيره من الكتب التي تولى تحقيقها مبتدعة هذا العصر، فياليت السلفيين ينتبهون من نومهم ويتسابقون إلى تحقيق مثل هذه الكتب، فجزى الله خيرا شيخنا الألباني على ما قام به، وقد قام الشيخ باسم الجوابرة بتحقيق الكتاب تحقيقا علميا وأتم تخريج أحاديثه وطبع في جزءين فجزاه الله خيرا. - قال أبو بكر بن أبي عاصم ﵀: سألت عن السنة ما هي؟ والسنة اسم جامع لمعان كثيرة في الأحكام وغير ذلك ومما اتفق أهل العلم على أن نسبوه إلى السنة القول بإثبات القدر، وإن الاستطاعة مع الفعل للفعل والإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره وكل طاعة من مطيع فبتوفيق الله له، وكل معصية من عاص فبخذلان الله السابق منه وله، والسعيد من سبقت له السعادة، والشقي من سبقت له الشقاوة، والأشياء غير خارجة من مشيئة الله وإرادته، وأفعال العباد من الخير والشر فعل لهم، خلق لخالقهم، والقرآن كلام الله ﵎ تكلم الله به ليس بمخلوق ومن قال مخلوق ممن قامت عليه الحجة فكافر بالله العظيم، ومن قال من قبل أن تقوم عليه الحجة فلا شيء عليه، والإيمان قول وعمل يزيد وينقص وإثبات رؤية الله عزوجل يراه أولياؤه

стр. 1999

في الآخرة نظر عيان كما جاءت الأخبار، وأبو بكر الصديق أفضل أصحاب رسول الله ﷺ بعده وهو الخليفة خلافة النبوة بويع يوم بويع وهو أفضلهم وهو أحقهم بها، ثم عمر بن الخطاب بعده على مثل ذلك، ثم عثمان بن عفان بعده على مثل ذلك، ثم علي بعده على مثل ذلك رحمة الله عليهم جميعا. وأبو بكر الصديق أعلمهم عندي بعد رسول الله ﷺ وأفضلهم وأزهدهم وأشجعهم وأسخاهم. ومن الدليل على ذلك قوله في أهل الردة وقد نازله أصحاب النبي ﷺ على أن يقبل منهم بعضا فأبى إلا كل ما أوجب الله عليهم أو يقاتلهم ورأى أن الكفر ببعض التنزيل يحل دماءهم فعزم على قتالهم، فعلم أنه الحق. ومن شجاعته كونه مع النبي ﵇ في الغار وهجرته معه معرضا نفسه لقريش وسائر العرب مع قصد المشركين وطلبهم له وما بذلوا فيه من الرغائب، ثم ما ظهر في رأيه ونبله وسخائه أن كان ماله في الجاهلية أربعين ألف أوقية ففرق كله في الإسلام. ومن زهده أن النبي ﷺ ندب إلى الصدقة فجاء أبو بكر بجميع ماله إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : ما أبقيت لأهلك؟ قال: الله ورسوله. (١) ولم يفعل هذا أحد منهم، وقال في قصة الكتاب الذي أراد النبي ﷺ أن يكتب لهم: يأبى الله ويدفع بالمؤمنين، وسماه الله من السماء الصديق وبويع واتفق المسلمون على بيعته. وعلموا أن الصلاح فيها فسموه خليفة رسول الله وخاطبوه بها. ثم عمر بن الخطاب رحمة الله عليه على مثل سبيل أبي بكر، وما

стр. 2000

وصفنا به مع شدته واستقامته وسياسته. ومن ذلك قوله لعيينة والأقرع: إنما كان النبي ﷺ يتألفكما والإسلام قليل. قد أغنى الله عنكما، وذكر سير عمر وسياسته كثر. ثم عثمان بن عفان من أعلمهم وأشجعهم وأسخاهم وأجودهم جودا، ومن علمه أن عليا وعبد الرحمن رحمة الله عليهما أشارا في إقامة الحد على أمة حاطب فرأى عمر ذلك معهم. قال: يا أبا عمرو ما تقول؟ قال: لا أرى عليها حدا لأنها تستهل (أو تستحل) به وإنما الحد على من عمله. فقال عمر بعد أن فهم ذلك عنه: صدقت والله إنما الحد على من عمله. وتزوج ابنتي النبي ﷺ ولم يجتمع ذلك لأحد قط، ثم أذهنهم ذهنا وأظهرهم عبادة حفظ القرآن على كبر سنه في قلة مدة فكان يقوم به في ليلة واحدة (١). ومن سخائه أن النبي ﷺ ندب إلى جيش العسرة فجاء بألف دينار ثم ألف ثم ألف ثم جهز جيش العسرة بأجمع جهازهم. (٢) ثم علي رحمة الله عليه مثل ذلك في كماله وزهده وعلمه وسخائه. ومن زهده أنه اشتغل في سنة أربعين ألف دينار ففرقها وقميص كرابيس سنبلاني. قال محمد بن كعب القرظي: سمعت عليا يقول: بلغت صدقة مالي أربعين ألف دينار. ومن فضائله التي أبانه الله بها تزويجه بفاطمة وولده الحسن والحسين رحمة الله عليهما وحمله باب خيبر وقتله مرحبا وأشياء يكثر ذكرها.

стр. 2001

ثم لكل واحد من أهل الشورى فضائل يكثر ذكرها. ومما قد ينسب إلى السنة وذلك عندي إيمان نحو عذاب القبر. ومنكر ونكير. والشفاعة. والحوض. والميزان. وحب أصحاب رسول الله ﷺ ومعرفة فضائلهم وترك سبهم والطعن عليهم وولايتهم والصلاة على من مات من أهل التوحيد. والترحم على من أصاب ذنبا والرجاء للمذنبين، وترك الوعيد ورد العباد إلى مشيئة الله والخروج من النار يخرج الله من يشاء منها برحمته. والصلاة خلف كل أمير جائر. والصلاة في جماعة والغزو مع كل أمير. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون. (١) - وكان ابن أبي عاصم يقول: لا أحب أن يحضر مجلسي مبتدع ولا مدع ولا طعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء، ولا منحرف عن الشافعي وأصحاب الحديث. (٢) موقفه من القدرية: - أورد في كتابه القيم 'السنة' أبوابا في ذكر القدر والرضا به، والاحتجاج على القدرية ببعض النصوص، جريا على منهج أئمة أهل السنة في الرد على الفرق الضالة المنحرفة عن الجادة، من لدن الصحابة والتابعين وهلم جرّا. (٣)

стр. 2002

المعتضد بالله (١) (٢٨٩ هـ) الخليفة، أبو العباس، أحمد بن الموفق بالله ولي العهد أبي أحمد طلحة بن المتوكل جعفر بن المعتصم محمد بن الرشيد الهاشمي العباسي. ولد في أيام جده سنة اثنتين وأربعين ومائتين. ودخل دمشق سنة إحدى وسبعين لحرب ابن طولون، واستخلف بعد عمه المعتمد في رجب سنة تسع. وكان ملكا مهيبا، شجاعا، جبارا شديد الوطأة، من رجال العالم يقدم على الأسد وحده، وكان أسمر نحيفا، معتدل الخلق، كامل العقل، وكان ذا سياسة عظيمة. قال: والله ما سفكت دما حراما منذ وليت الخلافة. وقد حارب الزنج وله مواقف مشهودة، وفي دولته سكنت الفتنة وكان فتاه بدر على شرطته، وعبيد الله بن سليمان على وزارته ومحمد بن شاه على حرسه، وأسقط المكس، ونشر العدل، وقلل من الظلم، وكان يسمى السفاح الثاني، أحيا رميم الخلافة التي ضعفت من مقتل المتوكل. حارب القرامطة، وغيرهم من الفرق، وكل من خرج عليه .. تزوج قطر الندى أسماء بنت خمارويه بن أحمد بن طولون. ومات في يوم الجمعة تاسع عشر شهر ربيع الآخر وقيل مات ليلة الاثنين لسبع بقين من شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين وكانت خلافته أقل من عشر سنين وعاش ستا وأربعين سنة. موقفه من المبتدعة: - جاء في البداية والنهاية: وفيها -أي سنة تسع وسبعين ومائتين-

стр. 2003

نودي ببغداد أن لا يمكن أحد من القصاص والطرقية والمنجمين ومن أشبههم من الجلوس في المساجد ولا في الطرقات، وأن لا تباع كتب الكلام والفلسفة والجدل بين الناس. وذلك بهمة أبي العباس المعتضد سلطان الإسلام. (١) " التعليق: جزى الله خيرا هذا الخليفة الذي أعطى هذا الأمر السامي الذي قضى به على كتب البدع. وأما اليوم فقد حظيت هذه الكتب بالتعظيم والتقدير والرواج الكبير. إذ لا توجد مكتبة صغيرة ولا كبيرة، عامة أو خاصة إلا وهي مليئة بهذه الكتب إلا ما شاء الله، بل اتخذت منهجا يدرس للناشئة الغافلة. وأما القرآن وعلومه فخص بأصحاب القبور والتمائم والحروز. وأما الحديث وعلومه فلا ذكر له بين الناس. هذا هو الواقع السائد الآن في العالم الإسلامي إلا ما شاء الله. موقفه من المشركين: - جاء في البداية والنهاية: وقد أورد ابن الجوزي بإسناده أن المعتضد اجتاز في بعض أسفاره بقرية فيها مقثاة فوقف صاحبها صائحا مستصرخا بالخليفة، فاستدعى به فسأله عن أمره فقال: إن بعض الجيش أخذوا لي شيئا من القثاء وهم من غلمانك. فقال: أتعرفهم؟ فقال نعم. فعرضهم عليه فعرف منهم ثلاثة فأمر الخليفة بتقييدهم وحبسهم، فلما كان الصباح نظر الناس ثلاثة أنفس مصلوبين على جادة الطريق، فاستعظم الناس ذلك واستنكروه

стр. 2004

وعابوا ذلك على الخليفة وقالوا: قتل ثلاثة بسبب قثاء أخذوه؟ فلما كان بعد قليل أمر الخواص -وهو مسامره- أن ينكر عليه ذلك ويتلطف في مخاطبته في ذلك والأمراء حضور، فدخل عليه ليلة وقد عزم على ذلك ففهم الخليفة ما في نفسه من كلام يريد أن يبديه، فقال له: إني أعرف أن في نفسك كلاما فما هو؟ فقال: يا أمير المؤمنين وأنا آمن؟ قال: نعم. قلت له: فإن الناس ينكرون عليك تسرعك في سفك الدماء. فقال: والله ما سفكت دما حراما منذ وليت الخلافة إلا بحقه. فقلت له: فعلام قتلت أحمد بن الطيب وقد كان خادمك ولم يظهر له خيانة؟ فقال: ويحك إنه دعاني إلى الإلحاد والكفر بالله فيما بيني وبينه، فلما دعاني إلى ذلك قلت له: يا هذا أنا ابن عم صاحب الشريعة، وأنا منتصب في منصبه فأكفر حتى أكون من غير قبيلته. فقتلته على الكفر والزندقة. فقلت له: فما بال الثلاثة الذين قتلتهم على القثاء؟ فقال: والله ما كان هؤلاء الذين أخذوا القثاء، وإنما كانوا لصوصا قد قتلوا وأخذوا المال فوجب قتلهم، فبعثت فجئت بهم من السجن فقتلتهم وأريت الناس أنهم الذين أخذوا القثاء، وأردت بذلك أن أرهب الجيش لئلا يفسدوا في الأرض ويتعدوا على الناس ويكفوا عن الأذى. ثم أمر بإخراج أولئك الذين أخذوا القثاء فأطلقهم بعدما استتابهم وخلع عليهم وردهم إلى أرزاقهم. (١) - روى أبو العباس بن سريج، عن إسماعيل القاضي قال: دخلت مرة على المعتضد، فدفع إلي كتابا، فنظرت فيه، فإذا قد جمع له فيه الرخص من

стр. 2005

زلل العلماء، فقلت: مصنف هذا زنديق. فقال: ألم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: بلى، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء، وما من عالم إلا وله زلة، ومن أخذ بكل زلل العلماء ذهب دينه. فأمر بالكتاب فأحرق. (١) الذهبي يحكي أخبار الفتن من عهد الصحابة إلى عهد المعتضد: وفي سنة ثمان وسبعين: كان أول شأن القرامطة. ولا ريب أن أول وهن على الأمة قتل خليفتها عثمان صبرا، فهاجت الفتنة، وجرت وقعة الجمل بسببها، ثم وقعة صفين، وجرت سيول الدماء في ذلك. ثم خرجت الخوارج، وكفرت عثمان وعليا، وحاربوا، ودامت حروب الخوارج سنين عدة. ثم هاجت المسودة بخراسان، ومازالوا حتى قلعوا دولة بني أمية، وقامت الدولة الهاشمية بعد قتل أمم لا يحصيهم إلا الله. ثم اقتتل المنصور وعمه عبد الله. ثم خذل عبد الله، وقتل أبو مسلم صاحب الدعوة. ثم خرج ابنا حسن، وكادا أن يتملكا، فقتلا. ثم كان حرب كبير بين الأمين والمأمون، إلى أن قتل الأمين. وفي أثناء ذلك قام غير واحد يطلب الإمامة: فظهر بعد المئتين بابك الخرمي زنديق بأذربيجان، وكان يضرب بفرط شجاعته الأمثال، فأخذ عدة مدائن، وهزم الجيوش إلى أن أسر بحيلة، وقتل. ولما قتل المتوكل غيلة، ثم قتل المعتز، ثم المستعين والمهتدي، وضعف شأن الخلافة توثب ابنا الصفار إلى أن أخذا خراسان، بعد أن كانا يعملان في

стр. 2006

النحاس، وأقبلا لأخذ العراق وقلع المعتمد. وتوثب طرقي داهية بالزنج على البصرة، وأباد العباد ومزق الجيوش، وحاربوه بضع عشرة سنة إلى أن قتل. وكان مارقا، بلغ جنده مئة ألف. فبقي يتشبه بهؤلاء كل من في رأسه رئاسة، ويتحيل على الأمة ليرديهم في دينهم ودنياهم، فتحرك بقرى الكوفة رجل أظهر التعبد والتزهد، وكان يسف الخوص ويؤثر، ويدعو إلى إمام أهل البيت، فتلفق له خلق وتألهوه إلى سنة ست وثمانين، فظهر بالبحرين أبو سعيد الجنابي، وكان قماحا، فصار معه عسكر كبير، ونهبوا وفعلوا القبائح، وتزندقوا، وذهب الأخوان يدعوان إلى المهدي بالمغرب، فثار معهما البربر، إلى أن ملك عبد الله الملقب بالمهدي غالب المغرب، وأظهر الرفض، وأبطن الزندقة، وقام بعده ابنه، ثم ابن ابنه، ثم تملك المعز وأولاده مصر والمغرب واليمن والشام دهرا طويلا فلا حول ولا قوة إلا بالله. وفي سنة ثمانين: أخذ المعتضد محمد بن سهل من قواد الزنج فبلغه أنه يدعو إلى هاشمي، فقرره، فقال: لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه. فقتله. وعاثت بنو شيبان، فسار المعتضد، فلحقهم بالسن، فقتل وغرق، ومزقهم، وغنم العسكر من مواشيهم ما لا يوصف، حتى أبيع الجمل بخمسة دراهم، وصان نساءهم وذراريهم، ودخل الموصل، فجاءته بنو شيبان، وذلوا فأخذ منهم رهائن، وأعطاهم نساءهم، ومات في السجن المفوض إلى الله، وقيل: كان المعتضد ينادمه في السر. قيل: كان لتاجر على أمير مال، فمطله ثم جحده، فقال له صاحب له: قم معي، فأتى بي خياطا في مسجد. فقام معنا إلى الأمير، فلما رآه، هابه،

стр. 2007

ووفاني المال، فقلت للخياط: خذ مني ما تريد، فغضب، فقلت له: فحدثني عن سبب خوفه منك، قال: خرجت ليلة، فإذا بتركي قد صاد امرأة مليحة، وهي تتمنع منه وتستغيث، فأنكرت عليه، فضربني، فلما صليت العشاء جمعت أصحابي، وجئت بابه، فخرج في غلمانه، وعرفني، فضربني وشجني، وحملت إلى بيتي، فلما تنصف الليل، قمت فأذنت في المنارة، لكي يظن أن الفجر طلع، فيخلي المرأة، لأنها قالت: زوجي حالف علي بالطلاق أنني لا أبيت عن بيتي، فما نزلت حتى أحاط بي بدر وأعوانه، فأدخلت على المعتضد، فقال: ما هذا الأذان؟ فحدثته بالقصة، فطلب التركي، وجهز المرأة إلى بيتها، وضرب التركي في جوالق حتى مات، ثم قال لي: أنكر المنكر، وما جرى عليك فأذن كما أذنت، فدعوت له، وشاع الخبر، فما خاطبت أحدا في خصمه إلا أطاعني وخاف. وفيها: ولد بسلمية القائم محمد بن المهدي العبيدي، الذي تملك هو وأبوه المغرب ... وفيها: سار المعتضد إلى الدينور ورجع. ثم قصد الموصل لحرب حمدان ابن حمدون، جد بني حمدان، وكانت الأعراب والأكراد قد تحالفوا وخرجوا، فالتقاهم المعتضد، فهزمهم، فكان من غرق أكثر. ثم قصد ماردين، فهرب منه حمدان، فحاصر ماردين، وتسلمها، ثم ظفر بحمدان، فسجنه، ثم حاصر قلعة للأكراد وأميرهم شداد، فظفر به، وهدمها. وهدم دار الندوة بمكة، وصيرها مسجدا. وفي سنة اثنتين وثمانين: أبطل المعتضد وقيد النيران وشعار النيروز ...

стр. 2008

وفيها: قتل خمارويه صاحب مصر والشام غلمانه، لأنه راودهم، ثم أخذوا، وصلبوا، وتملك ابنه جيش، فقتلوه بعد يسير، وملكوا أخاه هارون، وقرر على نفسه أن يحمل إلى المعتضد في العام ألف ألف دينار، وخمس مئة ألف دينار. وفيها: قتل المعتضد عمه محمدا، لأنه بلغه أنه يكاتب خمارويه. وفي سنة ثلاث وثمانين ومئتين: سار المعتضد إلى الموصل، لأجل هارون الشاري، وكان قد عاث وأفسد، وامتدت أيامه، فقال الحسين بن حمدان للمعتضد: إن جئتك به فلي ثلاث حوائج. قال: سمها. قال: تطلق أبي، والحاجتان: أذكرهما إذا أتيت به. قال: لك ذلك، قال: وأريد أن أنتقي ثلاث مئة بطل. قال: نعم. ثم خرج الحسين في طلب هارون، فضايقه في مخاضةٍ، والتقوا، فانهزم أصحاب هارون، واختفى هو، ثم دل عليه أعراب، فأسره الحسين وقدم به، وخلع المعتضد على الحسين، وطوقه وسوره، وعملت الزينة، وأركب هارون فيلا، وازدحم الخلق، حتى سقط كرسي جسر بغداد، وغرق خلق ووصلت تقادم الصفار منها مئتا حمل مال، وكتبت الكتب إلى الأمصار بتوريث ذوي الأرحام. وفيها: غلب رافع بن هرثمة على نيسابور، وخطب بها لمحمد بن زيد العلوي، فأقبل الصفار، وحاصره، ثم التقوا، فهزمه الصفار، وساق خلفه إلى خوارزم، فأسر رافعا، وقتله، وبعث برأسه إلى المعتضد، وليس هو بولد لهرثمة ابن أعين، بل ابن زوجته. من زلاته: قال ابن جرير: وفي سنة أربع وثمانين ومائتين: عزم المعتضد على لعنة

стр. 2009

معاوية على المنابر، فخوفه الوزير، فلم يلتفت، وحسم مادة اجتماع الشيعة وأهل البيت، ومنع القصاص من الكلام جملة، وتجمع الخلق يوم الجمعة لقراءة ما كتب في ذلك، وكان من إنشاء الوزير، فقال يوسف القاضي: راجع أمير المؤمنين. فقال: يا أمير المؤمنين تخاف الفتنة؟ فقال: إن تحركت العامة وضعت السيف فيهم. قال: فما تصنع بالعلوية الذين هم في كل قطر قد خرجوا عليك؟ فإذا سمع الناس هذا من مناقبهم كانوا إليهم أميل وأبسط ألسنة. فأعرض المعتضد عن ذلك. وعقد المعتضد لابنه علي المكتفي، فصلى بالناس يوم النحر. وفي سنة ست: سار المعتضد بجيوشه، فنازل آمد، وقد عصى بها ابن الشيخ، فطلب الأمان، فآمنه وفي وسط العام جاء الحمل من الصفار، فمن ذلك أربعة آلاف ألف درهم. وفيها: تحارب الصفار وابن أسد صاحب سمرقند، وجرت أمور ثم ظفر ابن أسد بالصفار أسيرا فرفق به، واحترمه، وجاءت رسل المعتضد تحث في إنفاذه، فنفذ، وأدخل بغداد أسيرا على جمل، وسجن بعد مملكة العجم عشرين سنة. ومبدؤه: كان هو وأخوه يعقوب صانعين في ضرب النحاس، وقيل: بل كان عمرو يكري الحمير، فلم يزل مكاريا حتى عظم شأن أخيه يعقوب، فترك الحمير، ولحق به، وكان الصفار يقول: لو شئت أن أعمل على نهر جيحون جسرا من ذهب لفعلت، وكان مطبخي يحمل على ست مئة جمل، وأركب في مئة ألف، ثم صيرني الدهر إلى القيد والذل. فيقال: إنه خنق عند وفاة المعتضد. وبنى المعتضد على البصرة سورا وحصنها.

стр. 2010

وظهر بالبحرين رأس القرامطة أبو سعيد الجنابي، وكثرت جموعه، وانضاف إليه بقايا الزنج، وكان كيالا بالبصرة، فقيرا يرفوا الأعدال، وهم يستخفون به، ويسخرون منه، فآل أمره إلى ما آل، وهزم عساكر المعتضد مرات، وفعل العظائم، ثم ذبح في حمام قصره. فخلفه ابنه سليمان الذي أخذ الحجر الأسود، وقتل الحجيج حول الكعبة، وهو جد أبي علي الذي غلب على الشام، وهلك بالرملة في سنة خمس وستين وثلاث مئة. وفي سنة سبع: استفحل شأن القرامطة، وأسرفوا في القتل والسبي، والتقى الجنابي وعباس الأمير، فأسره الجنابي، وأسر عامة عسكره، ثم قتل الجميع سوى عباس، فجاء إلى المعتضد وحده في أسوء حال. ووقع الفناء بأذربيجان، حتى عدمت الأكفان جملة، فكفنوا في اللبود. واعتل المعتضد في ربيع الآخر، ثم تماثل، وانتكس، فمات في الشهر، وقام المكتفي لثمان بقين من الشهر، وكان غائبا بالرقة، فنهض بالبيعة له الوزير القاسم بن عبيد الله. وعن وصيف الخادم، قال: سمعت المعتضد يقول عند موته: تمتع من الدنيا فإنك لا تبقى ... وخذ صفوها ما إن صفت ودع الرنقا ولا تأمنن الدهر إني أمنته ... فلم يبق لي حالا ولم يرع لي حقا قتلت صناديد الرجال فلم أدع ... عدوا ولم أمهل على ظنة خلقا وأخليت دور الملك من كل بازل ... وشتتهم غربا ومزقتهم شرقا فلما بلغت النجم عزا ورفعة ... ودانت رقاب الخلق أجمع لي رقا رماني الردى سهما فأخمد جمرتي ... فها أنا ذا في حفرتي عاجلا ملقى

стр. 2011

فأفسدت دنياي وديني سفاهة ... فمن ذا الذي مني بمصرعه أشقى فيا ليت شعري بعد موتي ما أرى ... إلى رحمة لله أم ناره ألقى؟ (١) " التعليق: قال جامعه: هذا الخليفة كان سيفا مسلولا على الزنادقة بجميع أنواعهم، ففي عهده كانت وقائع الزنج والقرامطة الذين تصدى لهم، والشيعة على اختلاف ألوانهم والجهمية وغيرهم من المبتدعة. - جاء في السير: السرخسي المسمى أحمد بن محمد، كان مؤدب المعتضد، ثم صار نديمه وصاحب سره ومشورته، وله رئاسة وجلالة كبيرة ... ثم إن المعتضد انتخى لله، وقتل السرخسي لفلسفته وخبث معتقده، فقيل: إنه تنصل إليه وقال: قد بعت كتب الفلسفة والنجوم والكلام وما عندي سوى كتب الفقه والحديث. فلما خرج، قال المعتضد: والله إني لأعلم أنه زنديق فعل ما زعم رياء. (٢) " التعليق: هكذا كان يفعل خلفاء بني العباس بالزنادقة الذين زندقتهم الفلسفة وعلومها. وأما بعض أهل هذا الزمان فأمثال هؤلاء الزنادقة هم أحبابهم وأصدقاؤهم، بل بنوا لهذا الإلحاد كليات، وأعطوا لمن تخرج منها شهادات عليا. برزتهم لنشر إلحادهم في كل مكان باسم أنهم دكاترة وأساتذة

стр. 2012

جامعيون، ونشروا الإلحاد في البلاد، وسخروا من الطيبين وطردوهم من المدارس والكليات وكل من يشم فيه رائحة الإسلام والتمسك بالسنة يطرد ويبعد سواء كان طالبا أو أستاذا والله المستعان. موقفه من الخوارج: - قال ابن كثير: خرج المعتضد من بغداد قاصدا بلاد الموصل لقتال هارون الشاري الخارجي فظفر به وهزم أصحابه وكتب بذلك إلى بغداد، فلما رجع الخليفة إلى بغداد أمر بصلب هارون الشاري وكان صفريا. فلما صلب قال: لا حكم إلا لله ولو كره المشركون. (١) يحيى بن عمر الكِنَانِي (٢) (٢٨٩ هـ) يحيى بن عمر بن يوسف بن عامر الإمام شيخ المالكية، أبو زكريا الكناني الأندلسي الفقيه. ولد بالأندلس سنة ثلاث عشرة ومائتين، وهو من أهل جيان. قال ابن الفرضي: ارتحل وسمع بإفريقية من سحنون وأبي زكريا الحفري، وعون بن يوسف صاحب الدراوردي. وسمع بمصر من يحيى بن بكير وحرملة، وبالمدينة من أبي مصعب وطائفة. وكان حافظا للفروع، ثقة ضابطا لكتبه، وكانت الرحلة إليه في وقته،

стр. 2013

سكن سوسة في آخر عمره وبها مات. روى عنه سعيد بن عثمان الأعناقي وإبراهيم بن نصر ومحمد بن مسرور وطائفة. قال القاضي أبو الوليد: كان فقيها، حافظا للرأي، ثقة ضابطا لكتبه. قال ابن حارث: كان يحيى متقدما في الحفظ، وسكن القيروان، فشرفت بها منزلته عند العامة والخاصة ورحل الناس إليه لا يروون المدونة والموطأ إلا عنه. قال ابن اللباد: كان من أهل الصيام والقيام، مجاب الدعوة. وقال أبو العباس الأبياني: ما رأيت مثل يحيى بن عمر في علمه وزهده ودعائه وبكائه، فالوصف -والله- يقصر عن ذكر فضله. قال يحيى الكانشي: أنفق يحيى بن عمر في طلب العلم ستة آلاف دينار. من مؤلفاته: 'الرد على الشافعي' و'المنتخبة اختصار المستخرجة' و'الميزان' و'الرؤية' و'الرد على الشكوكية' و'الرد على المرجئة' وغيرها كثير. توفي رحمه الله تعالى في ذي الحجة سنة تسع وثمانين ومائتين، وعمره ست وسبعون سنة. موقفه من الصوفية: - جاء في معالم الإيمان: كان هناك مسجد في مكان قرب القيروان يسمى "مسجد السبت" لأن المتصوفة كانوا يجتمعون فيه في كل سبت، ويذكرون فيه الذكر البدعي، وينشدون الأشعار الصوفية ويخشعون بزعمهم. وكان هذا الإمام شديد الإنكار عليهم ويقول: يا قوم هذا القرآن يتلى والأحاديث النبوية ولا متعظ، ويسمع بيتا من شعر فيبكي، هذا عجب.

стр. 2014

وتبعه على هذا الانكار العالم المشهور أبو عمران الفاسي القابسي. (١) - وجاء في الحقيقة التاريخية: إلا أن يحيى بن عمر، اعتبر اجتماعهم للذكر والإنشاد بدعة، وأنكر عليهم الإنكار الشديد، وكان يرى هدم المسجد أنفع من وجوده مع البدعة، وقد ألف كتابا في بدعة مسجد السبت، فتصدى الصوفية لإذايته ومشاغبته في حلقات دروسه. (٢) أبو جعفر حَمْدِيس القطَّان (٣) (٢٨٩ هـ) أحمد بن محمد أبو جعفر حمديس القطان. قرأ على سحنون بن سعيد، ورحل إلى مصر والمدينة فلقي أصحاب ابن القاسم، وأشهب، وابن وهب وغيرهم. وكان من أهل العلم المعروفين بإظهار السنة، والذين لا يخافون في الله لومة لائم، مع الورع والتقوى والصلاح. وقال ابن حارث: كان علما في الفضل، ومثلا في الخير، مع شدة في مذهب أهل السنة. وقال أبو عياش: كان حمديس ورعا، كاملا ثقة مأمونا. قال أبو بكر المالكي: كان فضله أكثر من أن يحمله هذا الكتاب. توفي سنة تسع وثمانين ومائتين. موقفه من المبتدعة: - جاء في المعالم: وكان لا يسلم على أحد من أهل الأهواء، كثير

стр. 2015

التجنب للسلطان. (١) - وقيل لحمديس: فلو أن إماما دعا إلى البدعة وأمر بها وبات بالدار؟ قال نجاهده. (٢) موقف السلف من الجنيد (٢٨٩ ه ـ) بيان صوفيته: قدمنا أن علماء السلف كانوا ولله الحمد سدا منيعا في وجوه المبتدعة، وما تركوا لهم كبيرة ولا صغيرة إلا وكسروها وأحرقوها وهذا الموقف الذي سنذكره منها. - جاء في تلبيس إبليس: قال السراج: وكم من مرة قد أخذ الجنيد مع علمه، وشهد عليه بالكفر والزندقة، وكذلك أكثرهم. (٣) - ومن سقطاته ما جاء في تلبيس إبليس عنه قال: ما أخذنا التصوف عن القيل والقال، لكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات، لأن التصوف من صفاء المعاملة مع الله وأصله التفرق عن الدنيا. (٤)

стр. 2016

" التعليق: هذا ما نقل عنه وكم له من الأقوال لو أردنا أن نستقصي كلامه الباطل لطال بنا المقال. وبالمقابل تجد عنده كلاما من أروع ما يكون، من قرأه مجردا عن بدعهم، يحسبهم من علماء السلف، وكما قلت في سهل، فلا أدري إن كان تاب هؤلاء وكان هذا آخر كلامهم أو هو تناقض أو تغطية على بدعهم فالله أعلم. - ومنه ما قال في ذم الكلام: أقل ما في الكلام سقوط هيبة الرب من القلب، والقلب إذا عري عن الهيبة من الله عري من الإيمان. (١) - ومنه في تلبيس إبليس: عنه قال: مذهبنا هذا مقيد بالأصول: الكتاب والسنة وقال أيضا علمنا منوط بالكتاب والسنة من لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث ولم يتفقه لا يقتدى به. (٢) " التعليق: إذا كان هذا صحيحا فما الحاجة إلى الأوهام والوساوس؟. موقف السلف من أبي حمزة الحلولي (٢٨٩ ه ـ) بيان زندقته: - جاء في حلية الأولياء: عن أبي عبد الله الرملي قال: تكلم أبو حمزة في

стр. 2017

جامع طرسوس، فقبلوه، فبينا هو ذات يوم يتكلم إذ صاح غراب على سطح الجامع، فزعق أبو حمزة، وقال: لبيك لبيك، فنسبوه إلى الزندقة وقالوا: حلولي زنديق فشهدوا وأخرج وبيع فرسه بالمناداة على باب الجامع هذا فرس الزنديق. فذكر أبو عمرو البصري قال اتبعته والناس وراءه يخرجونه من باب الشام فرفع رأسه إلى السماء وقال: لك من قلبي المكان المصون ... كل صعب علي فيك يهون (١) أبو الآذان (٢) (٢٩٠ هـ) الحافظ عمر بن إبراهيم بن سليمان البغدادي، أبو بكر المعروف بأبي الآذان، جزري الأصل. روى عن محمد بن المثنى الزَّمِن، ويحيى بن حكيم المقوم وإسماعيل بن مسعود الجحدري ومحمد بن علي بن خلف العطار. وروى عنه النسائي في سننه وابن قانع والطبراني ومظفر بن يحيى وعبد الله بن إسحاق الخراساني وعدة. قال أبو يعلى الخليلي: ثقة، مشهور بالحفظ. وأثنى عليه أبو بكر الإسماعيلي. وقال ابن حجر: ثقة حافظ. توفي ﵀ سنة تسعين ومائتين وله ثلاث وستون سنة. موقفه من المشركين: - جاء في السير: قال البرقاني حدثنا أبو بكر الإسماعيلي قال: حكي أن

стр. 2018

أبا الآذان طالت خصومة بينه وبين يهودي أو غيره، فقال له: أدخل يدك ويدي في النار، فمن كان محقا لم تحترق يده، فذكر أن يده لم تحترق، وأن يد اليهودي احترقت. (١) عبد الله بن الإمام أحمد (٢) (٢٩٠ هـ) الإمام الحافظ الناقد الحجة محدث بغداد عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل أبو عبد الرحمن ابن شيخ العصر إمام العلماء أبي عبد الله الذهلي الشيباني المروزي ثم البغدادي. ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين. روى عن أبيه شيئا كثيرا من جملته 'المسند' كله و'الزهد' وعن يحيى بن عبدويه صاحب شعبة والهيثم بن خارجة ومحمد بن أبي بكر المقدمي وشيبان بن فروخ وطبقتهم ومنعه أبوه من السماع من علي بن الجعد، وأخذ عن ابن معين. حدث عنه النسائي والبغوي وأبو عوانة والمحاملي وقاسم بن أصبغ وأبو بكر الشافعي وخلق كثير. قال عباس الدوري: كنت عند أحمد بن حنبل فدخل ابنه عبد الله فقال لي أحمد: يا عباس إن أبا عبد الرحمن قد وعى علما كثيرا. قال ابن أبي حاتم: كتب إلي عبد الله بمسائل أبيه وبعلل الحديث. قال ابن المنادي: لم يكن في الدنيا أحد أروى عن أبيه من عبد الله بن أحمد، لأنه سمع منه المسند وهو

стр. 2019

ثلاثون ألفا والتفسير وهو مائة ألف وعشرون ألفا سمع منه ثمانين ألفا والباقي وِجَادَةً وسمع الناسخ والمنسوخ والتاريخ وحديث شعبة والمقدم والمؤخر في كتاب الله، وجواب القرآن والمناسك الكبير والصغير وغير ذلك من التصانيف وحديث الشيوخ. قال: وما زلنا نرى أكابر شيوخنا يشهدون له بمعرفة الرجال وعلل الحديث والأسماء والكنى والمواظبة على طلب الحديث في العراق وغيرها. قال الذهبي: ما رأينا أحدا أخبرنا عن وجود هذا التفسير ولا بعضه. قال ابن عدي: نبل عبد الله بن أحمد بأبيه وله في نفسه محل في العلم أحيى علم أبيه من مسنده. قال بدر البغدادي: عبد الله بن أحمد جهبذ ابن جهبذ. قال الخطيب: كان ثقة ثبتا فهما. مات ﵀ سنة تسعين ومائتين يوم الأحد، لتسع ليال بقين من جمادى الآخرة. موقفه من المبتدعة: سبحان الله، نية الإمام أحمد الصادقة وإخلاصه لعقيدته السلفية، لم يقف الذكر الحسن والثناء المجمع عليه على شخصه المبجل، ولكن تعدى ذلك إلى الذرية الصالحة، فكان هذا الابن البار خير خلف لسلفه، فكان شوكة في حلق المبتدعة، فنفع الله به، وجعله من أعلام رواة السنة، ومسند أبيه أكبر شاهد على ذلك، رغم ما قاله بعض المحدَثين فيه. وأما أعداء العقيدة السلفية، فيفرحون بكل جرح قيل في أئمة السلف، فلا تسأل عما يقوله الشيخ النجدي الشعوبي الجركسي الكوثري، اقرأ مقالاته وتعليقاته إن استطعت لذلك صبرا، فقراءة كلام اليهود والنصارى أهون من قراءة كلامه. نسأل الله العافية. ولهذا الإمام كتاب من أعظم المصادر السلفية في تتبع المبتدعة، وقد نفعنا الله به في هذا البحث المبارك، فأخذنا منه الشيء الكثير فيما ناسبنا، فرحمة الله عليه، ألا وهو كتاب: 'السنة'. موقفه من الجهمية: - قال الذهبي في سيره: ولعبد الله كتاب: 'الرد على الجهمية'. (١) - وقال: وامتنع من الأخذ عن علي بن الجعد لوقفه في مسألة القرآن. (٢) قال محقق السير: وهذا من تشدداته التي ورثها من أبيه. قلت: ليس هذا تشددا بل هذا هو الواجب إزاء هؤلاء المبتدعة ومن يصف الإمام أحمد بالتشدد فهو صاحب هوى نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 2020

موقفه من القدرية: أورد في كتابه 'السنة' فصلا ماتعا عن القدرية وما جاء فيهم من كلام الأئمة الكاشف لكثير من ضلالهم وانحرافهم عن أهل السنة. (١) أبو العباس الأَبَّار (٢) (٢٩٠ هـ) الحافظ المتقن أحمد بن علي بن مسلم، أبو العباس الأبار النخشبي، من علماء الأثر ببغداد. حدث عن مسدد وأمية بن بسطام وعلي بن الجعد

стр. 2021

وهشام بن عمار وهدبة، وخلق. وحدث عنه ابن صاعد وأبو بكر القطيعي وأبو بكر النجاد ودعلج وأبو سهل بن زياد وغيرهم. قال الخطيب البغدادي: كان ثقة حافظا متقنا، حسن المذهب. قال جعفر الخلدي: كان الأبار من أزهد الناس، استأذن أمه في الرحلة إلى قتيبة، فلم تأذن له، ثم ماتت، فخرج إلى خراسان، ثم وصل إلى بلخ، وقد مات قتيبة، فكانوا يعزونه على هذا، فقال: هذا ثمرة العلم، إني اخترت رضى الوالدة. توفي ﵀ يوم نصف شعبان سنة تسعين ومائتين. موقفه من المبتدعة: وقال أحمد بن جعفر بن سلم: سمعت الأبار يقول: كنت بالأهواز، فرأيت رجلا قد حف شاربه وأظنه قال: قد اشترى كتبا وتعين للفتيا، فذكر له أصحاب الحديث، فقال: ليسوا بشيء، وليس يسوون شيئا. فقلت: أنت لا تحسن تصلي. قال: أنا؟ قلت: نعم، أيش تحفظ عن رسول الله ﷺ إذا افتتحت ورفعت يديك؟ فسكت، قلت: فما تحفظ عن رسول الله ﷺ إذا سجدت؟ فسكت، فقلت: ألم أقل إنك لا تحسن تصلي؟ فلا تذكر أصحاب الحديث. (١) عباد بن بشار (٢٩٠ هـ سنة وفاة محمد بن زكريا الغلابي) موقفه من الرافضة: قال الآجري في الشريعة أنشدنا أبو سعيد أحمد بن محمد الأعرابي مما

стр. 2022

قرأناه عليه قال: أنشدنا محمد بن زكريا الغلابي، قال: أنشدنا عباد بن بشار: حتى متى عبرات العين تنحدر ... والقلب من زفرات الشوق يستعر والنفس طائرة والعين ساهرة ... كيف الرقاد لمن يعتاده السهر يا أيها الناس إني ناصح لكم ... كونوا على حذر قد ينفع الحذر إني أخاف عليكم أن يحل بكم ... من ربكم غير ما فوقها غير ما للرافض أضحت بين أظهركم ... تسير آمنة ينزو بها البطر تؤذي وتشتم أصحاب النبي وهم ... كانوا الذين بهم يستنزل المطر مهاجرون لهم فضل بهجرتهم ... وآخرون هم آووا وهم نصروا كيف القرار على من قد تنقصهم ... ظلما وليس لهم في الناس منتصر إنا إلى الله من ذل أراده بكم ... ولا مرد لأمر ساقه القدر حتى رأيت رجالا لا خلاق لهم ... من الروافض قد ضلوا وما شعروا إني أحاذر أن ترضوا مقالتهم ... أولا فهل لكم عذر فتعذروا رأى الروافض شتم المهتدين فما ... بعد الشتيمة أمر ليس يغتفر لا تقبلوا أبدا عذرا لشاتمهم ... إن الشتيمة أمر ليس يغتفر ليس الإله براض عنهم أبدا ... ولا الرسول ولا يرضى به البشر الناقضون عرى الإسلام ليس لهم ... عند الحقائق إيراد ولا صدر والمنكرون لأهل الفضل فضلهم ... والمفترون عليهم كلما ذكروا قد كان عن ذا لهم شغل بأنفسهم ... لو أنهم نظروا فيما به أمروا لكن لشقوتهم والحين يصرعهم ... قالوا ببدعتهم قولا به كفروا قالوا وقلنا وخير القول أصدقه ... والحق أبلج والبهتان منشمر

стр. 2023

وفي علي وما جاء الثقات به ... من قوله عبر لو أغنت العبر قال الأمير علي فوق منبره ... والراسخون به في العلم قد حضروا خير البرية من بعد النبي أبو ... بكر وأفضلهم من بعده عمر والفضل بعد إلى الرحمن ... يجعله فيمن أحب فإن الله مقتدر هذا مقال علي ليس ينكره ... إلا الخليع وإلا الماجن الأشر فارضوا مقالته أولا فموعدكم ... نار توقد لا تبقي ولا تذر وإن ذكرت لعثمان فضائله ... فلن يكون من الدنيا لها خطر وما جهلت عليا في قرابته ... وفي منازل يعشو دونها البصر إن المنازل أضحت بين أربعة ... هم الأئمة والأعلام والغرر أهل الجنان كما قال الرسول لهم ... وعدا عليه فلا خلف ولا غدر وفي الزبير حواري النبي إذا ... عدت مآثره زلفى ومفتخر واذكر لطلحة ما قد كنت ذاكره ... حسن البلاء وعند الله مدكر إن الروافض تبدي من عداوتها ... أمرا تقصر عنه الروم والخزر ليست عداوتها فينا بضائرة ... لا بل لها وعليها الشين والضرر لا يستطيع شفا نفس فيشفيها ... من الروافض إلا الحية الذكر ما زال يضربها بالذل خالقها ... حتى تطاير عن أفحاصها الشعر داو الروافض بالإذلال إن لها ... داء الجنون إذا هاجت بها المرر كل الروافض حمر لا قلوب لها ... صم وعمي فلا سمع ولا بصر ضلوا السبيل أضل الله سعيهم ... بئس العصابة إن قلوا أو إن كثروا شين الحجيج فلا تقوى ولا ورع ... إن الروافض فيها الداء والدبر

стр. 2024

لا يقبلون لذي نصح نصيحته ... فيها الحمير وفيها الإبل والبقر والقوم في ظلم سود فلا طلعت ... مع الأنام لهم شمس ولا قمر لا يأمنون وكل الناس قد أمنوا ... ولا أمان لهم ما أورق الشجر لا بارك الله فيهم لا ولا بقيت ... منهم بحضرتنا أنثى ولا ذكر (١) محمد بن حبيب البَزَّار (٢) (٢٩١ هـ) أبو عبد الله محمد بن حبيب البزار، أحد الفقهاء. روى عن أحمد بن حنبل وشجاع ابن مخلد، وعنه الحسن بن أبي العنبر وغيره. وقد أثنى عليه أبو بكر الخلال الحنبلي. توفي ﵀ سنة إحدى وتسعين ومائتين. موقفه من الرافضة: قال ابن حبيب: ومن قال الحسنى في أصحاب محمد ﷺ فقد برئ من النفاق. (٣) البُوشَنْجِي (٤) (٢٩١ هـ) أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد بن عبد الرحمن بن موسى العبدي، الفقيه المالكي، البوشنجي، شيخ أهل الحديث في عصره. ولد في سنة أربع

стр. 2025

ومائتين. وارتحل شرقا وغربا، ولقي الكبار وجمع وصنف وسار ذكره وبعد صيته. روى عن إبراهيم بن حمزة الزبيري، وإبراهيم بن المنذر الحزامي، وأحمد ابن حنبل وغيرهم. وروى عنه محمد بن إسحاق الصاغاني، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وهما أكبر منه، وأبو حامد بن الشرقي، وأبو بكر بن إسحاق الصبغي، وابن خزيمة وغيرهم. قال دعلج: حدثني فقيه من أصحاب داود بن علي أن أبا عبد الله دخل عليهم يوما، وجلس في أخريات الناس، ثم إنه تكلم مع داود فأعجب به، وقال: لعلك أبو عبد الله البوشنجي؟ قال: نعم، فقام إليه وأجلسه إلى جنبه، وقال: قد حضركم من يفيد ولا يستفيد. وقال ابن حجر: ثقة حافظ فقيه. توفي في غرة المحرم سنة إحدى وتسعين ومائتين. وصلى عليه ابن خزيمة. موقفه من الجهمية: - قال إسحاق بن أبي إسحاق بسمرقند: سمعت أبا عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي حين سئل عن الإيمان فقال: الواجب على جميع أهل العلم والإسلام أن يلزموا القصد للاتباع، وأن يجعلوا الأصول التي نزل بها القرآن وأتت بها السنن من الرسول ﷺ غايات العقول، ولا يجعلوا العقول غايات الأصول، فإن الله جل وعز ورسوله ﷺ قد يفرق بين المشتبهين ويباين بين المجتمعين في المعقول تعبدا وبلوى ومحنة، ومتى ورد على المرء وارد من وجوه العلم لا يبلغه عقله أو تنفر منه نفسه، وينأى عنه فهمه وتبعد عنه معرفته، وقف عنده واعترف بالتقصير عن إدراك علمه وبالجسور عن كنه معرفته، ويعلم أن الله ورسوله ﷺ لو كشف عن علة ذلك الحادث، وأبان

стр. 2026

وأوضح عن سببه وعن المراد من مخرجه لأدركته عقولنا، ولو كان أتى به الحكم من الله والأمر بتعبده إيانا مكشوفا بيانه موضوحة علته، لم يكن للعباد بلوى ولا محنة، وإنما المحن الغلاظ والبلوى الشديدة الأمور والفروض التي لا تكشف عللها ليسلم العباد لها تسليما، ويقفوا عندها إيمانا، ولولا ما وصفناه كان الذي سبق إليه فكر العقول منا، أن واجبا في كل ما سأل رسول الله ﷺ ربه أن يجيبه وأن ينزل عليه فيه شفاءه ليزداد الناس به علما ولملكوته فهما. ولسنا نرى الأمر كذلك، فقد سألوا رسول الله ﷺ وسأل رسول الله ﷺ ربه عن الروح، فما أجابه قال الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١) وعلى ذلك خالف ربنا بين ما أنزل من شرايعه وأعلام دينه ومعالم فروضه وعباداته في الأمم الخوالي، فأحل لطائفة ما حرمه على أمة، وحرم على أمة ما أطلقه لغيرها من أمته وحظر على آخرين ما أباحه لسواهم، وكذلك الأمر فيما أنزل من كتبه، وخالف بينهما في أحكامها كالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وصحف من مضى من الرسل ليسلم الموفق منهم لأمره ونهيه، فينكفئ المخذول منهم على عقبيه نفارا من التفريق بين المجتمعين، ومن الجمع بين المفترقين، وعلموا أن السلامة فيما أنزل عليهم من الاتباع والتقليد لما أمروا به، والإعراض عن طلب التكييف فيما أحل لهم وعن الغلو والإيغال في التماس نهاياتها للوقوع على أقصى مداخلها،

стр. 2027

إذ كان ذلك لا يبلغ أبدا فإن دون كل بيان بيانا، وفوق كل متعلق أغمض منه، وإذ كان الأمر كذلك فالواجب الوقوف عند المستبهم منه، ومن أجل ذلك أثنى الله على الراسخين في العلم بأنهم إذا أفضى ببعضهم الأمر إلى ما جهلوه، آمنوا به ووكلوه إلى الله ، ومن أجل ذلك ذم الله للغالين في طلب ما زوى عنهم علمه وطوى علمه وطوى عنهم خبره فقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زيغٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا يذكر إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١). ومن أجل بعض ما ذكرنا اشتدت الخلفاء المهديون على ذوي الجدل والكلام في الدين، وعلى ذوي المنازعات والخصومات في الإسلام والإيمان، ومتى نجم منهم ناجم في زمن أطفأوه وأخمدوا ذكره ولقوه عقوبته، فمنهم من سيره إلى طرف ومنهم من ألزمه قعر محبس إشفاقا على الدين من فتنته وحذرا على المسلمين من خدعات شبهته، كما فعله الإمام الموفق عمر بن الخطاب ﵁ حين سأله صبيغ عن الذاريات ذروا وأشباهه، فسَيَّره إلى الشام وزجر الناس عن مجالسته. وفعله علي بن أبي طالب ﵁ بعبد الله بن سبأ، فسيره إلى المداين. ولقد أتى محمد بن سيرين رجل من أهل الكلام فقال، ائذن لي أحدثك بحديث، قال لا أفعل، قال فأتلو عليك آية من كتاب الله، قال ولا هذا، فقيل له في ذلك فقال ابن سيرين لم آمن أن يذكر لي ذكرا يقدح به قلبي، وقد بين الله ما بالعباد إليه حاجة في عاجلهم ومعادهم، وأوضح لهم سبيل النجاة والهلكة، وأمر ونهى

стр. 2028

وأحل وحرم وفرض وسن، فما أمر العباد من أمر سلموا بائتماره والعمل عليه، ما نهوا عنه من شيء سلموا بتركه وكذبه، ومتى عتوا عن ظاهر ما أمروا به ونهوا عنه ليبلغوا القصوى من غاية علم أمره ونهيه، لم يؤمن عليه الحيرة ولا غلبة الشبهة على قلبه وفهمه، ومن أجل ذلك قال عبد الله بن مسعود ﵁: وما أنت بمحدث قوما حديثا لا يبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. ولقد سأل سائل ابن عباس ﵄ عن آية من كتاب الله فقال: ما يؤمنك أن أخبرك بها فتكفر، وقال أيوب السختياني لا تحدثوا الناس بما يجهلون فتضروهم، وما منع الله تعالى رسوله ﷺ البيان عن بعض ما سأله إلا وقد علم أن ذلك المنع إعطاء، وأن المنع أجدى على الأمة وأسلم لهم في بدئهم وعاقبتهم، ولولا ذلك لكان من سلف من المشركين والأمم الكافرين برسلهم وأنبيائهم والمنكرين للآيات وصنوف العجائب والبينات معذورين، ولكانت الرسل في ترك إسعاف أممهم مذمومين، ولكان كل ما سألوه من آية دونها آية وفوقها أخرى حتى أفضى بعضهم إلى أن سألوا أن يروا ربهم جهرة، وسأل بعضهم رسولنا من الدليل على أمره تفجير الأنهار والينابيع فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ (١)، وما ختمت الآيات فلو كان الأمر في ذلك على عقول البشر، لقد كانوا يرون أن منعهم الدليل على صدق ما أتت به أنبياؤهم ورسلهم من غير نظر لهم، لأن زيادة البيان إلى البيان تسكين النفوس عن نظارها، وطمأنينة القلوب

стр. 2029

وطيب طباع الإيمان، غير أن الله منعهم ما سألوا إذ فوق ما سألوا آيات لا يوقف على منشأها فلم يكن يجب أن لو كان ذلك كذلك إيمان على أحد، حتى يبلغ من غاية معرفة بأمور الله ، ما أحاط به علم الله. ولقد ذكر يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي ﵀ أنه قال: ما من ذنب يلقى الله به عبد بعد الشرك بالله أعظم من أن يلقاه بهذا الكلام قال، فقلت له فإن صاحبنا الليث بن سعد كان يقول: لو رأيت رجلا من أهل الكلام يمشي على الماء فلا تركن إليه، وذكر يونس عن الشافعي قال: مذهبي في أهل الكلام مذهب عمر في صبيغ، نقنع رؤوسهم بالسياط ويسيروا في البلاد. (١) - جاء في ذم الكلام: عنه قال: وهذه الفرقة، فتنتهم أقرب إلى بعض قلوب العباد، فلم يؤمن أن يستعينوا بهذه الشبه، ويستغووا بها أمثالهم من المخذولين، من أجل ذلك وجب أن يتشدد على هذه الفرق الخسيسة في التحذير عنهم والنهي عن مجالستهم وعن مجاورتهم وعن الصلاة خلفهم، وعن مخالطتهم، تنكيلا كما فعلت الأئمة الهداة مثل عمر بن الخطاب وعلي ابن أبي طالب وهلم جرا، من نفي أمثالهم وحسم رأيهم عن الأمة، والأمر بتسييرهم عن البلاد وتقنيع رؤوسهم بالسياط، وهذه فرقة مستحقة لمثله. فأما ركون أو إصغاء إلى استفتائهم، وأخذ حديث عنهم، فهو عندي من عظائم أمور الدين. (٢)

стр. 2030

" التعليق: انظر كلام خبير بأهل الضلال، يعرفهم ويعرف شبههم وأباطيلهم وأخطارهم على أمة الإسلام، اقرأ هذه الأحكام الصادرة من هذا الإمام وقارن بينها وبين ما يقوله دعاة اليوم، من أن الكلام في بيان أحوال المبتدعة يفرق الكلمة ويشتت الشمل. وكأن هؤلاء الأئمة لم تكن عندهم كلمة ولا شمل، أو كانوا مغفلين لا يعرفون شيئا عن جمع الكلمة أو تشتيتها. والله المستعان. أبو العباس ثعلب أحمد بن يحيى (١) (٢٩١ هـ) أحمد بن يحيى بن يزيد، أبو العباس الشيباني، العلامة، إمام الكوفيين في النحو، المشهور بثعلب. ولد سنة مئتين، وسمع من محمد بن زياد بن الأعرابي وسلمة بن عاصم والزبير بن بكار ومحمد بن سلام الجمحي. وعنه نفطويه وابن الأنباري والأخفش الصغير، ومحمد بن العباس اليزيدي وأبو عمرو الزاهد غلام ثعلب. قال الخطيب: وكان ثقة حجة، دينا صالحا، مشهورا بالحفظ وصدق اللهجة، والمعرفة بالغريب ورواية الشعر القديم، مقدما عند الشيوخ مذ هو حدث. وعن الرياشي -وسئل لما رجع من بغداد- فقال: ما رأيت أعلم من الغلام المنبز، يعني ثعلبا. توفي ﵀ سنة إحدى وتسعين

стр. 2031

ومائتين. موقفه من الجهمية: - قال اللالكائي في أصول الاعتقاد: وجدت بخط أبي الحسن الدارقطني ﵀ عن إسحاق الهادي قال: سمعت أبا العباس ثعلب يقول: استوى أقبل عليه وإن لم يكن معوجا. ﴿ثُمَّ استوى إلى السَّمَاءِ﴾ (١): أقبل. ﴿ثُمَّ استوى على الْعَرْشِ﴾ (٢): علا. واستوى وجهه: اتصل. واستوى القمر: امتلأ. واستوى زيد وعمرو: تشابها واستوى فعلهما وإن لم تتشابه شخوصهما. هذا الذي يعرف من كلام العرب. (٣) موقفه من القدرية: - جاء في أصول الاعتقاد: قال أحمد بن يحيى بن ثعلب: القدرية من يزعم أنه يقدر. ونحن نقول: لا نقدر إلا بقدر الله وبعون الله وتوفيق الله وإن لم يفعل ذلك بنا لم نقدر فكيف يكون القدري من زعم أنه لا يقدر؟ هذا محال ضد. قال: ولا أعلم عربيا قدريا. فقيل له: يقع في قلوب العرب القدر؟ قال: معاذ الله ما في العرب إلا مثبت القدر خيره وشره أهل الجاهلية والإسلام ذلك في أشعارهم وكلامهم كثير بين ثم أنشد: تجري المقادير على غرز الإبر ... ما تنفذ الإبرة إلا بقدر

стр. 2032

قال وأنشد لامرئ القيس: إن الشقاء على الأشقين مكتوب ... ............................. ثم ذكر الشيخ أبو القاسم الحافظ شواهد ذلك فقال: وقال ذو الأصبع العدواني: وليس المرء في الشيء من الإبرام والنقض ... إذا يقضي أمر إخاله يقضى ولا يقضى وقال لبيد: إن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي وعجل من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل أحمد الله ولا ند له ... بيده الخير ما شاء فعل وقال بعض رجاز الجاهلية: هي المقادير فلمني أو فذر ... إن كنت أخطأت فما أخطا القدر (١) إبراهيم الخواص الصوفي (٢) (٢٩١ هـ) إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل الخواص أبو إسحاق. أحد شيوخ الصوفية له كتب مصنفة، صاحب أبا عبيد الله المغربي، وروى عنه أبو جعفر الخالدي وغيره. كان أحد المذكورين بالتوكل والسياحات. مات سنة إحدى وتسعين ومائتين. موقفه من المبتدعة: - قال إبراهيم الخواص: ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العالم من اتبع

стр. 2033

العلم، واستعمله، واقتدى بالسنن، وإن كان قليل العلم. (١) - وسئل عن العافية فقال: العافية أربعة أشياء: دين بلا بدعة، وعمل بلا آفة، وقلب بلا شغل، ونفس بلا شهوة. وقال: الصبر: الثبات على أحكام القرآن والسنة. (٢) موقفه من الجهمية: - جاء في ذم الكلام: عنه قال: ما كانت زندقة ولا كفر ولا بدعة ولا جرأة في الدين، إلا من قبل الكلام، والجدال والمراء والعجب، فكيف يجترئ الرجل على الجدال والمراء والله تعالى يقول: ﴿مَا يجادل في آيات اللَّهِ إِلًّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣).اهـ (٤) " التعليق: وكيف يجترأ على سلوك وأسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان لم يعرفها الشرع ولا فتحت اللغة لها قاموسا؟ وإنما هو التمحل في إلحاق اشتقاق لها، كابن الزنا، كل واحد يتبرأ منه ولا يلصقه به إلا العقيم الذي يريد أن يتستر به، على أنه ذو ولد، والواقع أنه عقيم. وكذلك اسم الصوفية، لا تجد له اشتقاقا ولا جامدا أي لا مشتق له ولا جامد. وإنما هي وسوسة الهند ورهبنة النصارى.

стр. 2034

موقف السلف من القاسم بن عبيد الله الوزير الزنديق (٢٩١ ه ـ) بيان زندقته: - قال النوفلي: كنت أبغضه لكفره، ولمكروه نالني منه. (١) - قال ابن النجار: كان جوادا ممدحا، إلا أنه كان زنديقا. (٢) - جاء في السير: قال الصولي: حدثنا شادي المغني قال: كنت عند القاسم وهو يشرب، فقرأ عليه ابن فراس من عهد أردشير، فأعجبه، فقال له ابن فراس: هذا والله -وأومأ إلي- أحسن من بقرة هؤلاء وآل عمرانهم. وجعلا يتضاحكان. قال الصولي: وأخبرنا ابن عبدون: حدثني الوزير عباس ابن الحسن قال: كنت عند القاسم بن عبيد الله، فقرأ قارئ: ﴿كُنْتُمْ خير أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ﴾ (٣) فقال ابن فراس: بنقصان ياء، فوثبت فزعا، فردني القاسم وغمزه، فسكت. الصولي: أخبرنا علي بن العباس النوبختي قال: انصرف ابن الرومي الشاعر من عند القاسم بن عبيد الله، فقال لي: ما رأيت مثل حجة أوردها اليوم الوزير في قدم العالم، وذكر أبياتا. قال الذهبي: هذه أمور مؤذنة بشقاوة هذا المعثر، نسأل الله خاتمة

стр. 2035

خير. (١) عمرو بن عثمان الصوفي (٢) (٢٩١ هـ) عمرو بن عثمان بن كرب بن غصص شيخ الصوفية أبو عبد الله المكي. لقي أبا عبد الله النباجي وأبا سعيد الخراز. وروى الحديث عن محمد بن إسماعيل البخاري ويونس بن عبد الأعلى ومن في طبقتهما. وروى عنه محمد بن أحمد الأصبهاني وأبو الشيخ وجعفر الخلدي. قيل كان من أئمة الفقه، ولما ولي قضاء جدة هجره الجنيد، وكان ينكر عن الحلاج ويذمه. ومن كلامه: اعلم أن العلم قائد، والخوف سائق، والنفس بين ذلك حرون جموح خداعة رواغة، فاحذرها وراعها بسياسة العلم، وتتبعها بتهديد الخوف يتم لك ما تريد. توفي سنة إحدى وتسعين ومائتين ببغداد. موقفه من المشركين: فضحه للحلاج الزنديق: جاء في تلبيس إبليس: عن محمد بن يحيى الرازي قال: سمعت عمرو بن عثمان يلعن الحلاج ويقول: لو قدرت عليه لقتلته بيدي، فقلت: بأي شيء وجد عليه الشيخ؟ فقال: قرأت آية من كتاب الله ، فقال: يمكنني أن أقول أو أؤلف مثله وأتكلم به. (٣)
следующие страницы →