والحرام، ولا يجوز أن يعلمه ما لا يعلمه، فكذلك لا يجوز أن يعلم الله نبيه ما لا علم لله به، تعالى الله عن قول الجهمية علوّاً كبيراً.
جواب:
ويقال لهم: أليس إذا لعن الله الكافرين فلعنه لهم معنى، ولعن النبي ﷺ لهم معنى؟
فإن قالوا: نعم.
فيقال لهم: فما أنكرتم من أن الله تعالى إذا علم نبيه ﷺ شيئاً فكان للنبي ﷺ علم ولله سبحانه علم، وإذا كنا متى أثبتناه غاضباً على الكافرين فلا بد من إثبات غضب، وكذلك إذا أثبتناه راضياً عن المؤمنين فلا بد من إثبات رضىً، وكذلك إذا أثبتناه حيّاً سميعاً بصيراً فلا بد من إثبات حياة وسمع وبصر.
جواب:
ويقال لهم: وجدنا اسم عالم اشتق من علم، واسم قادر اشتق من قدرة، وكذلك اسم حي اشتق من حياة، واسم سميع اشتق من سمع، واسم بصير اشتق من بصر، ولا تخلو أسماء الله من أن تكون مشتقة، إما لإفادة معنى، أو على طريق التلقيب، فلا يجوز أن يسمى الله على طريق التلقيب باسم ليس فيه إفادة معنىً، وليس مشتقاً من صفة.
فإذا قلنا: إن الله عالم قادر فليس ذلك تلقيباً، كقولنا: زيد وعمرو، وعلى هذا إجماع المسلمين.
وإذا لم يكن ذلك تلقيباً وكان مشتقاً من علم، فقد وجب إثبات
стр. 2242
العلم، وإن كان ذلك لإفادة معنى فلا يختلف ما هو كذا لإفادة معنى وجب. ووجب إذا كان معنى العالم منا أن له علماً أن يكون: كل عالم فهو ذو علم، كما إذا كان قولي: موجود مفيداً معنى الإثبات، كان الباري تعالى واجباً إثباته، لأنه موجود.
جواب:
ويقال للمعتزلة والجهمية والحرورية: أتقولون إن لله علماً بالأشياء سابقاً فيها، ولوضع كل حامل، وحمل كل أنثى، وبإنزال كل ما أنزل؟
فإن قالوا: نعم، فقد أثبتوا العلم، ووافقوا.
وإن قالوا: لا، قيل لهم: هذا جحد منكم لقول الله : ﴿أنزله بعلمه﴾ (١) ولقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى ولا تضع إِلًّا بِعِلْمِهِ﴾ (٢) ولقوله: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ (٣) وإذا كان قول الله : ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢٩)(٤) ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ (٥) يوجب أنه عليم يعلم الأشياء كذلك، فما أنكرتم أن تكون هذه الآيات توجب أن لله علماً بالأشياء سبحانه وبحمده.
стр. 2243
جواب:
ويقال لهم: أتقولون إن لله علماً بالتفرقة بين أوليائه وأعدائه وهل هو مريد لذلك؟ وهل له إرادة للإيمان إذا أراد الإيمان؟
فإن قالوا: نعم، فقد وافقوا.
وإن قالوا: إذا أراد الإيمان فله إرادة.
قيل لهم: وكذلك إذا فرق بين أوليائه وأعدائه فلا بد من أن يكون له علم بذلك، وكيف يجوز أن يكون للخلق علم بذلك، وليس للخالق علم بذلك؟ هذا يوجب أن للخلق مزية في العلم وفضيلة على الخالق، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
جواب:
ويقال لهم: إذا كان من له علم من الخلق أولى بالمنزلة الرفيعة ممن لا علم له، فإذا زعمتم أن الله لا علم له لزمكم أن الخلق أعلى مرتبة من الخالق، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
جواب:
ويقال لهم: إذا كان من لا علم له من الخلق يلحقه الجهل والنقصان، فما أنكرتم من أنه لا بد من إثبات علم الله؟ وإلا ألحقتم به النقصان جل وعز عن قولكم وعلا، ألا ترون أن من لا يعلم من الخلق يلحقه الجهل والنقصان، ومن قال ذلك في الله وصف الله سبحانه بما لا يليق به، فكذلك إذا كان من قيل له من الخلق لا علم له لحقه الجهل والنقصان، وجب أن لا ينفي ذلك عن الله لأنه لا يلحقه جهل ولا نقصان.
стр. 2244
جواب:
ويقال لهم: هل يجوز أن ينسق الصنائع الحكمية من ليس بعالم؟
فإن قالوا: ذلك محال ولا يجوز في وجود الصنائع التي تجري على ترتيب ونظام إلا من عالم قادر حي.
قيل لهم: وكذلك لا يجوز وجود الصنائع الحكمية التي تجري على ترتيب ونظام إلا من ذي علم وقدرة وحياة، فإن جاز ظهورها لا من ذي علم فما أنكرتم من جواز ظهورها لا من عالم قادر حي؟
وكل مسألة سألناهم عنها في العلم فهي داخلة عليهم في القدرة والحياة والسمع والبصر.
مسألة:
وزعمت المعتزلة أن قول الله : ﴿سميع بصير﴾ (١) معناه عليم، قيل لهم: فإذا قال : ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وأرى﴾ (٢) وقال: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ (٣) فهل معنى ذلك عندكم علم.
فإن قالوا: نعم.
قيل لهم: فقد وجب عليكم أن تقولوا معنى قوله ﴿أسمع وأرى﴾:
стр. 2245
أعلم. وأعلم إذ كان معنى ذلك العلم.
فصل
ونفت المعتزلة صفات رب العالمين، وزعمت أن معنى سميع بصير، أي بمعنى عليم، كما زعمت النصارى أن سمع الله هو بصره وهو رؤيته، وهو كلامه، وهو علمه، وهو ابنه، عز الله وجل تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
فيقال للمعتزلة: إذا زعمتم أن معنى سميع وبصير معنى عالم، فهلا زعمتم أن معنى قادر معنى عالم، فإذا زعمتم أن معنى سميع وبصير معنى قادر، فهلا زعمتم أن معنى قادر معنى عالم، وإذا زعمتم أن معنى حي معنى قادر، فلم لا زعمتم أن معنى قادر معنى عالم؟
فإن قالوا: هذا يوجب أن يكون كل معلوم مقدوراً.
قيل لهم: ولو كان معنى سميع بصير معنى عالم لكان كل معلوم مسموعاً، وإذا لم يجز ذلك بطل قولكم. (١)
وكذلك قال في كتاب المقالات: الحمد لله الذي بصرنا خطأ المخطئين، وعمى العمين، وحيرة المتحيرين، الذين نفوا صفات رب العالمين، وقالوا إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، لا صفات له، وأنه لا علم له، ولا قدرة ولا حياة له ولا سمع له ولا بصر له. ولا عزة له ولا جلال له ولا عظمة ولا كبرياء له وكذلك قالوا في سائر صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه قال: وهذا قول أخذوه عن إخوانهم من المتفلسفة، الذين يزعمون أن للعالم صانعاً لم يزل ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير ولا
стр. 2246
قدير، وعبروا عنه بأن قالوا نقول: غير لم يزل ولم يزيدوا على ذلك، غير أن هؤلاء الذين وصفنا قولهم من المعتزلة في الصفات، لم يستطيعوا أن يظهروا من ذلك ما كانت الفلاسفة تظهره، فأظهروا معناه، فنفوا أن يكون للبارئ علم وقدرة وحياة وسمع وبصر ولولا الخوف لأظهروا ما كانت الفلاسفة تظهر من ذلك ولأفصحوا به، غير أن خوف السيف يمنعهم من إظهار ذلك، قال: وقد أفصح بذلك رجل يعرف بابن الأباري، كان ينتحل قولهم فزعم أن الباري عالم قادر سميع بصير في المجاز لا في الحقيقة، وهذا القول الذي هو قول الغالية النفاة للأسماء حقيقة، هو قول القرامطة الباطنية، ومن سبقهم من إخوانهم الصابئية الفلاسفة. (١)
له من الآثار:
١ - ذكر في كتابه 'العمدة في الرؤية' مجموعة مصنفات ألفها منها:
٢ - 'الفصول في الرد على الملحدين' وهو اثنا عشر كتاباً.
٣ - كتاب 'الصفات' قال: وهو كبير، تكلمنا فيه على أصناف المعتزلة والجهمية.
٤ - كتاب 'الرؤية بالأبصار'.
٥ - 'الرد على المجسمة'.
٦ - كتاب 'اللمع في الرد على أهل البدع'.
٧ - كتاب 'النقض على الجبائي'.
٨ - كتاب 'النقض على البلخي'.
стр. 2247
٩ - كتاب 'جمل مقالات الملحدين'.
١٠ - قال ﵀: وكتاباً في الصفات هو أكبر كتبنا، نقضنا فيه ما كنا ألفناه قديماً فيها على تصحيح مذهب المعتزلة لم يؤلف لهم كتاب مثله، ثم أبان الله لنا الحق فرجعنا.
١١ - كتاب في 'الرد على ابن الراوندي'.
١٢ - كتاب 'القامع في الرد على الخالدي'.
١٣ - كتاب 'الفنون في الرد على الملحدين'.
١٤ - 'الإبانة عن أصول الديانة'.
١٥ - 'مقالات الإسلاميين'. (١)
موقفه من المرجئة:
قد قدمنا في مطلع مواقف الشيخ من الجهمية ملخص ما قيل في عقيدته ﵀، ومنها ما يتعلق بمسألة الإيمان؛ وقد ذكرنا أن شيخ الإسلام ابن تيمية صرح في غير ما موضع أن أبا الحسن سلك مسلك المرجئة في مسألة الإيمان، وإن كان حكى عنه قولاً له؛ أنه سلك مسلك السلف لكن الذي أكثر الشيخ من ترديده عن أبي الحسن هو الأول، وقد تبناه أشهر أتباعه كالجويني وغيره.
ومن أقواله الموافقة لمذهب السلف في مسألة الإيمان ما جاء في كتابه 'الإبانة':
стр. 2248
الباب الثاني: في إبانة قول أهل الحق والسنة:
فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون. قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا ، وبسنة نبينا ﷺ ، وما روي عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون. وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد ابن محمد بن حنبل نضر الله وجهه، ورفع درجته وأجزل مثوبته، قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون.
إلى أن قال ﵀: وأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ونسلم الروايات الصحيحة في ذلك عن رسول الله ﷺ التي رواها الثقات عدل عن عدل حتى تنتهي الرواية إلى رسول الله ﷺ . (١)
وجاء في كتابه 'رسالة إلى أهل الثغر' قوله: وأجمعوا -أي السلف- على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وليس نقصانه عندنا شك فيما أمرنا بالتصديق به، ولا جهل به، لأن ذلك كفر، وإنما هو نقصان في مرتبة العلم وزيادة البيان كما يختلف وزن طاعتنا وطاعة النبي ﷺ وإن كنا جميعاً مؤدين للواجب علينا. (٢)
وقوله أيضاً: وأجمعوا على ذم سائر أهل البدع والتبري منهم، وهم الروافض والخوارج والمرجئة والقدرية وترك الاختلاط بهم لما روي عن النبي
стр. 2249
- ﷺ في ذلك وما أمر به من الإعراض عنهم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (١).اهـ (٢)
موقفه من القدرية:
قال ﵀ -وهو يرد على المعتزلة-: وأثبتوا، وأيقنوا أن العباد يخلقون الشر، نظيراً لقول المجوس الذين أثبتوا خالقين: أحدهما يخلق الخير، والآخر يخلق الشر. وزعمت القدرية أن الله يخلق الخير، وأن الشيطان يخلق الشر.
وزعموا أن الله يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، خلافاً لما أجمع عليه المسلمون من أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ورداً لقول الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٣) فأخبر تعالى أنا لا نشاء شيئاً إلا وقد شاء الله أن نشاءه، ولقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقتتلوا﴾ (٤) ولقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هداها﴾ (٥) ولقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يريد﴾ (٦) ولقوله تعالى مخبراً عن نبيه شعيب ﷺ أنه قال:
стр. 2250
﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (١) ولهذا سماهم رسول الله ﷺ "مجوس هذه الأمة" (٢) لأنهم دانوا بديانة المجوس وضاهوا أقاويلهم. وزعموا أن للخير والشر خالقين، كما زعمت المجوس ذلك، وأنه يكون من الشرور ما لا يشاء الله كما قالت المجوس.
وزعموا أنهم يملكون الضر والنفع لأنفسهم دون الله ، ردّاً لقول الله لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (٣) وإعراضاً عن القرآن، وعما أجمع عليه أهل الإسلام ... (٤)
وقال: وأنه لا يكون في الأرض شيء من خير وشر إلا ما شاء الله، وأن الأشياء تكون بمشيئة الله وأن أحداً لا يستطيع أن يفعل شيئاً قبل أن يفعله الله.
ولا نستغني عن الله، ولا نقدر على الخروج من علم الله .
وأنه لا خالق إلا الله، وأن أعمال العباد مخلوقة لله مقدورة له كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٥).
وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً وهم يخلقون، كما قال: ﴿هَلْ
стр. 2251
مِنْ خَالِقٍ غير اللَّهِ﴾ (١) وكما قال: ﴿لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون﴾ (٢) وكما قال سبحانه: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ (٣) وكما قال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (٤) وهذا في كتاب الله كثير. (٥)
وقال: وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره. وأنا نؤمن بقضاء الله وقدره، خيره وشره، حلوه ومره، ونعلم أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وأن لا نملك لأنفسنا نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله كما قال : ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (٦).اهـ (٧)
وتناول ﵀ الرد على القدرية في بابين بأكملهما هما الحادي عشر والثاني عشر. (٨)
وقال: وأجمعوا على أن على جميع الخلق الرضا بأحكام الله التي أمرهم أن يرضوا بها، والتسليم في جميع ذلك لأمره، والصبر على قضائه، والانتهاء إلى طاعته فيما دعاهم إلى فعله أو تركه.
стр. 2252
وأجمعوا على أنه عادل في جميع أفعاله وأحكامه ساءنا ذلك، أم سرنا، نفعنا، أو ضرنا.
وأجمعوا على أنه تعالى قد قدر جميع أفعال الخلق وآجالهم وأرزاقهم قبل خلقه لهم، وأثبت في اللوح المحفوظ جميع ما هو كائن منهم إلى يوم يبعثون، وقد دل على ذلك بقوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ (١).
وأخبر أنه يقرع الجاحدين لذلك في جهنم بقوله: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٢).
وأجمعوا على أنه تعالى قسم خلقه فرقتين، فرقة خلقهم للجنة وكتبهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، وفرقة خلقهم للسعير ذكرهم بأسمائهم وأسماء آبائهم ممتثلين في ذلك لقوله : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ (٣).
ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ
стр. 2253
عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (١) وقد بين ذلك ما روي عن النبي ﷺ في حديث القبضتين (٢).
وحديث الصادق المصدوق عن عبد الله بن مسعود (٣)، وما قاله النبي ﷺ لعمر بن الخطاب -رضوان الله عليه- حين قال يا رسول الله: أرأيت ما نحن فيه أمر قد فرغ منه، أم أمر مستأنف؟ فقال ﵇: "بل أمر قد فرغ منه"، قال عمر: ففيم العمل يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" (٤) وغير ذلك مما جاء في الكتاب والسنة.
وأجمعوا على أن الخلق لا يقدرون على الخروج مما سبق في علم الله فيهم، وإرادته لهم، وعلى أن طاعته تعالى واجبة عليهم فيما أمرهم به، وإن كان السابق من علمه فيهم وإرادته لهم أنهم لا يطيعونه، وأن ترك معصيته لازم لجميعهم، وإن كان السابق في علمه وإرادته أنهم يعصونه، وأنه تعالى يطالبهم بالأمر والنهي، ويحمدهم على الطاعة فيما أمروا به، ويذمهم على المعصية فيما نهوا عنه، وأن جميع ذلك عدل منه تعالى عليهم كما أنه تعالى عادل على من خلقه منهم مع علمه أنه يكفر إذا أمره، وأعطاه القدرة التي يعلم أنها تصيره إلى معصيته، وأنه عدل في تبقيته المؤمنين إلى الوقت الذي يعلم أنهم يكفرون فيه ويرتدون عما كانوا عليه من إيمانهم، وتعذيبهم لهم على الجرم المنقطع بالعذاب الدائم، لأنه ملك لجميع ذلك فيهم غير
стр. 2254
محتاج في فعله إلى تمليك غيره له ذلك، حتى يكون جائرا فيه قبل تملكه، بل هو تعالى في فعل جميع ذلك عادل له، وله مالك يفعل ما يشاء، كما قال : ﴿فعال لما يريد﴾ (١).اهـ (٢)
أبو مُزَاحِم الخَاقَانِي (٣) (٣٢٥ هـ)
الإمام المقرئ المحدث، أبو مزاحم موسى بن عبيد الله بن يحيى الخاقاني البغدادي. سمع عباساً الدوري، وأبا قلابة الرقاشي، وأبا بكر المروذي. وروى عنه أبو بكر الآجري، وابن أبي هاشم، وأبو عمر بن حيويه. قال عنه الخطيب البغدادي والسمعاني: كان ثقة ديناً من أهل السنة. وقال أبو عمر بن حيويه: كان نقش خاتم أبي مزاحم: "دن بالسنن، موسى تعن". وقال عنه ابن الجزري: إمام محدث مقرئ ثقة سني. وقال: هو أول من صنف في التجويد فيما أعلم، وقصيدته الرائية مشهورة، وشرحها الحافظ أبو عمر. مات في ذي الحجة سنة خمس وعشرين وثلاثمائة.
موقفه من المبتدعة:
عن محمد بن العباس الخزاز قال: أنشدنا أبو مزاحم الخاقاني لنفسه:
стр. 2255
أهل الكلام وأهل الرأي قد عدموا ... علم الحديث الذي ينجو به الرجل
لو أنهم عرفوا الآثار ما انحرفوا ... عنها إلى غيرها، لكنهم جهلوا (١)
عبد الرحمن بن أبي حاتم (٢) (٣٢٧ هـ)
العلامة الحافظ الإمام ابن الإمام، صاحب التصانيف، شيخ الإسلام، الناقد أبو محمد عبد الرحمن بن الحافظ الكبير أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي. ولد سنة أربعين ومائتين وارتحل به أبوه، فأدرك الأسانيد العالية. سمع أبا سعيد الأشج، والحسن بن عرفة، وأحمد بن سنان القطان، ويونس بن عبد الأعلى وأبا زرعة، وأخذ علم أبيه، وسمع خلائق بالأقاليم. روى عنه يوسف المَيَانَجي وأبو الشيخ بن حيان وأبو أحمد الحاكم، وعلي بن محمد القصار وآخرون. قال أبو يعلى الخليلي: أخذ علم أبيه وأبي زرعة، وكان بحراً في العلوم ومعرفة الرجال، صنف في الفقه، واختلاف الصحابة والتابعين. قال علي بن أحمد الفرضي: ما رأيت أحداً ممن عرف عبد الرحمن ذكر عنه جهالة قط. وكان أبوه يتعجب من عبادته. قال ﵀: لا يستطاع العلم براحة الجسد. صنف الكثير منها: 'الجرح والتعديل' و'الرد على الجهمية' و'التفسير' و'العلل' و'المسند' وغيرها. مات ﵀ في المحرم سنة سبع وعشرين وثلاثمائة بالري، وله بضع وثمانون سنة.
стр. 2256
موقفه من المبتدعة:
عن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي قال: علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر، وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل السنة حشوية. (١)
موقفه من الجهمية:
له من الآثار السلفية:
١ - الرد على الجهمية: وقد نقل أبو القاسم اللالكائي في 'أصول الاعتقاد' جملة وافرة منه وكذلك الإمام ابن القيم في 'اجتماع الجيوش'، كما مر معنا في كثير من المواقف. وذكره ابن أبي يعلى في 'طبقات الحنابلة' (٢) وشيخ الإسلام في 'درء التعارض'. (٣)
٢ - كتاب السنة: ذكره في طبقات الحنابلة. (٤)
٣ - التفسير: وهو من أهم التفاسير السلفية وقد اعتمده الإمام ابن كثير في تفسيره، ولو جمع ما فيه لكان مجلداً كبيراً. ذكره شيخ الإسلام في الدرء ضمن التفاسير السلفية (٥)، وقد وجد مخطوطاً من "سورة البقرة" إلى "سورة يوسف" وقد أخذ رسائل علمية في جامعة أم القرى.
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة -يعني في أصول الدين- وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار
стр. 2257
فقالوا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار: حجازاً، وعراقاً، ومصراً، وشاماً، ويمناً، فكان من مذاهبهم أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته، إلى أن قال: وأن الله على عرشه، بائن من خلقه، كما وصف نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله، بلا كيف، أحاط بكل شيء علماً. (١)
الإِصْطَخْرِي (٢) (٣٢٨ هـ)
الإمام القدوة العلامة شيخ الإسلام، أبو سعيد الحسن بن أحمد بن يزيد، الإصطخري الشافعي فقيه العراق ورفيق ابن سريج. سمع سعدان بن نصر، وحفص بن عمرو الربالي، وأحمد بن منصور الرمادي، وعبّاساً الدوري، وحنبل بن إسحاق وعدة. وعنه محمد بن المظفر والدارقطني وابن شاهين وآخرون. وتفقه به أئمة.
قال الخطيب: ولي قضاء قمر وولي حسبة بغداد، فأحرق مكان الملاهي، وكان ورعاً زاهداً، متقلّلاً من الدنيا، له تصانيف مفيدة منها: كتاب 'أدب القضاء' ليس لأحد مثله. قال المروزي: لما دخلت بغداد لم يكن بها من يستحق أن ندرس عليه إلا ابن سريج وأبو سعيد الإصطخري. مات ﵀ في جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وله نيف وثمانون سنة.
стр. 2258
موقفه من المشركين:
- جاء في السير: واستفتاه القاهر في الصابئين، فأفتاه بقتلهم لأنهم يعبدون الكواكب، فعزم الخليفة على ذلك، فجمعوا مالاً جزيلاً، وقدموه، ففتر عنهم. (١)
- وأخرج الهروي: عن أبي الحسين الطبسي قال: سمعت أبا سعيد الاصطخري يقول، وجاءه رجل فقال له أيجوز الاستنجاء بالعظم قال: لا، قال لم؟ قال لأن رسول الله ﷺ قال: "هو زاد إخوانكم من الجن" (٢)، قال: فقال له الإنس أفضل أم الجن؟ قال: بل الإنس، قال: فلم يجوز الاستنجاء بالماء وهو زاد الإنس، قال: فعدا عليه وأخذ بحلقه وهو يقول: يا زنديق تعارض رسول الله ﷺ وجعل يخنقه، فلولا أني أدركته لقتله. (٣)
المرتعش الصوفي (٣٢٨ ه ـ)
موقفه من الصوفية:
من جيد كلامه: قيل له: فلان يمشي على الماء، قال: عندي أن من مكنه الله من مخالفة هواه فهو أعظم من المشي على الماء. (٤)
стр. 2259
الراضي أحمد بن المقتدر (١) (٣٢٩ هـ)
الخليفة محمد وقيل أحمد أبو إسحاق الراضي بالله بن المقتدر بالله جعفر ابن المعتضد بالله أحمد بن أبي أحمد بن المتوكل. ولد سنة سبع وتسعين ومائتين وأمه أمة رومية، وكان قصيراً أسمر نحيفاً، في وجهه طول، استخلف بعد عمه القاهر عندما سملوا القاهر سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. قال الخطيب: له فضائل منها أنه آخر خليفة له شعر مدون وآخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش وآخر خليفة خطب الجمعة وآخر خليفة جالس الندماء، وكانت جوائزه وأموره على ترتيب المتقدمين منهم، وكان سمحاً جواداً أديباً فصيحاً محباً للعلماء، ومن شعره:
كل صفو إلى كدر ... كل أمن إلى حذر
ومصير الشباب للمو ... ت فيه أو الكبر
در در المشيب من ... واعظ ينذر البشر
أيها الآمِلُ الذي ... تاه في لجة الغرر
توفي في ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. وله اثنتان وثلاثون سنة سوى أشهر، وبويع المتقي لله إبراهيم أخوه.
موقفه من المشركين:
- قال ابن كثير: وفيها -أي سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة- ظهر ببغداد رجل يعرف بأبي جعفر محمد بن علي الشلمغاني، ويقال له ابن
стр. 2260
العرافة، فذكروا عنه أنه يدعي ما كان يدعيه الحلاج من الإلهية، وكانوا قد قبضوا عليه في دولة المقتدر عند حامد بن العباس، واتهم بأنه يقول بالتناسخ فأنكر ذلك. ولما كانت هذه المرة أحضره الراضي وادعى عليه بما كان ذكر عنه فأنكر ثم أقر بأشياء، فأفتى قوم أن دمه حلال إلا أن يتوب من هذه المقالة، فأبى أن يتوب، فضرب ثمانين سوطاً، ثم ضربت عنقه وألحق بالحلاج، وقتل معه صاحبه ابن أبي عون لعنه الله. وكان هذا اللعين من جملة من اتبعه وصدقه فيما يزعمه من الكفر. (١)
- جاء في معجم الأدباء: رسالة في ترجمة ابن أبي عون وهي رسالة طويلة ذكرها ياقوت بين فيها عقيدة هذا الزنديق وشيخه ابن الشلمغاني وأصحابه، وسأقتصر على بعض المقتطفات منها لطول الرسالة ومن شاء الاطلاع عليها كلها فليرجع إلى المصدر الذي ذكرته. قال ياقوت: وقرأت "بمرو" رسالة كتبت من بغداد عن أمير المؤمنين الراضي ﵁ إلى أبي الحسين نصر بن أحمد الساماني والي خراسان، بقتل العزاقري لخصت ما يتعلق بابن أبي عون قال فيها بعد أن ذكر أول من أبدع مذهباً في الإسلام من الرافضة وأهل الأهواء وآخر من اضطر المقتدر بالله ﵀ فانتقم منهم ...
ولما ورث أمير المؤمنين ميراث أوليائه، وأحله الله محل خلفائه اقتدى بسنتهم ... وجعل الغرض الذي يرجو الإصابة بتيممه والمثوبة بتعمده أن يتتبع هذه الطبقة من الكفار ويطهر الأرض من بقيتهم الفجار فبحث عن أخبارهم
стр. 2261
وأمر بتقصص آثارهم وأن ينهى إليه ما يصح من أمورهم، ويحصل له ما يظهر عليه من جمهورهم فلم يعد أن أحضر أبو علي محمد وزير أمير المؤمنين رجلاً يقال له: محمد بن علي الشلمغاني ويعرف بابن أبي العزاقر، فأعلم أمير المؤمنين أنه من غمار الناس وصغارهم ووجوه الكفار وكبارهم، وأنه قد استزل خلقاً من المسلمين وأشرك طوائف من العَمِهين وأن الطلب قد كان لحقه في الأيام الخالية فلم يدرك، وأودعت المحابس قوماً ممن ضل وأشرك فلما رفع حكمه عنه وأذن في استنقاذ العباد منه واطلع من أبي علي على صفاء نية ونقاء طوية في ابتغاء الأجر وطلابه رضا الله واكتسابه والامتعاض من أن ينازع في الإلهية أو يضاهي في الربوبية آنسه بناحيته فاسترسل، وحثه بالمصير إلى حضرته، فتعجل، ففحص أمير المؤمنين عنه، ووكل إليه همه ففتش أمره تفتيش الحائط للمملكة المحامي عن الحوزة القائم بما فوضه الله إليه من رعاية الأمة ووقف أمير المؤمنين على أنه لم يزل يدخل على العقول من كل مدخل ويتوصل إلى ما فيها من كل متوصل، ويعتزى إلى الملة وهو لا يعتقدها وينتمي إلى الخلة وهو عارٍ منها ويدعي العلوم الإلهية وهو عم عنها، ويحقق استخراج الحكم الغامضة وهو جاهل بها ...
واستظهر أمير المؤمنين بأن تقدم إلى أبي علي بمواقفة هذا اللعين على تمويهاته وقبائح تلبيساته ليكون إقامة أمير المؤمنين حد الله عليه بعد الإمعان في الاستبصار وانكشاف الشبهة فيه عن القلوب والأبصار فتجرد أبو علي في ذلك وتشمر وبلغ منه وما قصر وانثال عليه كل من أطلع على الحقيقة وتعرف جلية الصورة فوقف أبو علي على أن العزاقري يدعي أنه لحق الحق وأنه إله الآلهة الأول القديم الظاهر
стр. 2262
الباطن الخالق الرازق التام الموصى إليه، بكل معنى ويدعى بالمسيح كما كانت بنو إسرائيل تسمي الله المسيح ويقول: إن الله جل وعلا يحل في كل شيء على قدر ما يحتمل وأنه خلق الضد ليدل به على مضدوده، فمن ذلك أنه حل في آدم ﵇ لما خلقه وفي إبليس وكلاهما لصاحبه يدل عليه لمضادته إياه في معناه وأن الدليل على الحق أفضل من الحق إلى أن قال: ومن احتاج إليه الناس فهو إلاههم ولهذا يستوجب كل كفي أن يسمى الله وأن كل واحد من أشياعه لعنه الله يقول: إنه رب لمن هو دون درجته وأن الرجل منهم يقول: إني رب فلان وفلان رب فلان حتى الانتهاء إلى ابن أبي العزاقر لعنه الله، فيقول أنا رب الأرباب وإله الآلهة لا ربوبية لرب بعدي .. وأنهم يسمون موسى ومحمدا صلى الله عليهما الخائنين لأنهم يدعون أن هارون أرسل موسى ﵉ وأن عليّاً ﵁ أرسل محمداً ﷺ فخاناهما ويزعمون أن عليّاً أمهل النبي ﷺ عدة أيام أصحاب الكهف سنين، فإذا انقضت هذه المدة وهي خمسون وثلاثمائة سنة تنقلب الشريعة ... ووجدت رقعة لابن أبي عون هذا بخطه إلى بعض نظرائه يخاطبه فيها كما يخاطب الإنسان ربه ﵎ ويقول في بعض فصولها: لك الحمد وكل شيء وما شئت كان، ربي، ...
واستفتى أبو علي القضاة والفقهاء في أمر ابن أبي العزاقر وصاحبه هذا الكافر، وسائر من على مذهبه، ممن وجدت له كتب ومخاطبة ومن لم يوجد له ذلك فأفتى من استفتي منهم بقتلهم وأباحوا دماءهم وكتبوا بذلك خطوطهم فأمر أمير المؤمنين بإحضار ابن أبي العزاقر اللعين وابن أبي عون
стр. 2263
صاحبه وضريبه وتابعه وأن يجلدا ليراهما من سمع بهما، ويتعظ بما نزل من العذاب بساحتهما، ويتبين من دان بربوبية ابن أبي العزاقر عجزه عن حراسة نفسه وأنه لو كان قادراً لدفع عن مهجته ولو كان خالقا دفع وكشف الضر عن جسده ولو كان ربا لقبض الأيدي عن نكايته، وجدد أمير المؤمنين الاستظهار والحزم والروية، فيما يمضيه عن العزم، وأحضر عمر بن محمد القاضي بمدينة السلام والعدول بها والفقهاء من أهل مجلسه، وسألهم عما عندهم مما انكشف من أمر ابن أبي العزاقر وأمور أهل دعوته وغيه وضلالته فأقامت الكافة على رأيها في قتله وتطهير الأرض من رجسه ورجس مثله. وزال الشك في ذلك عن أمير المؤمنين بالفتيا وإجماع القاضي والفقهاء وبما وضح من إزلال هذا الضلال المسلمين وإفساد الدين وذلك أعظم وأثقل وزرا من الإفساد في الأرض والسعي فيها بغير الحق، وقد استحق من جرى هذا المجرى القتل فأوعز أمير المؤمنين بصلبه. وصلب ابن أبي عون، بحيث يراهما المنكر والعارف ويلحظهما المجتاز والواقف، فصلبا في أحد جانبي مدينة السلام، ونودي عليهما بما حاولاه من إبطال الشريعة ورأياه من إفساد الديانة، ثم تقدم أمير المؤمنين بقتلهما، ونصب رؤوسهما، وإحراق أجسامهما، ففعل ذلك بمشهد من الخاصة والعامة والنظارة والمارة. (١)
стр. 2264
الحسن بن علي البَرْبَهَارِيّ (١) (٣٢٩ هـ)
أبو محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري، شيخ الحنابلة، وشيخ الطائفة في وقته ومتقدمها في الإنكار على أهل البدع، والمباينة لهم باليد واللسان، وكان له صيت عند السلطان، وقدم عند الأصحاب، وكان أحد الأئمة العارفين، والحفاظ للأصول المأمونين، والثقات المتقنين، وكان قوّالاً بالحق، داعية إلى الأثر، لا يخاف في الله لومة لائم. من شيوخه: أحمد بن محمد ابن الحجاج أبو بكر المرُّوذي، وسهل بن عبد الله التستري. ومن تلامذته: أبو عبد الله بن بطة العكبري، وأحمد بن كامل بن شجرة. وصنف البربهاري مصنفات منها: كتاب 'شرح السنة' الذي ذكر فيه عقيدته ومواقفه من البدع والأهواء. توفي ﵀ في الاستتار في رجب سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
موقفه من المبتدعة:
- لم يكن أبو محمد البربهاري ذا علم ومعرفة فقط، ولكن الداعية والمربي على العقيدة السلفية، كان ﵀ تهابه الملوك والحكام لما له من المكانة في نفوس الناس، واسمع ما نقله ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة:
وكانت للبربهاري مجاهدات ومقامات في الدين كثيرة. وكان المخالفون يغيظون قلب السلطان عليه. ففي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة في خلافة القاهر ووزيره ابن مقلة، تقدم بالقبض على البربهاري. فاستتر، وقبض على
стр. 2265
جماعة من كبار أصحابه وحملوا إلى البصرة وعاقب الله تعالى ابن مقلة على فعله ذلك، بأن أسخط عليه القاهر، وهرب ابن مقلة وعزله القاهر عن وزارته، وطرح في داره النار فقبض على القاهر بالله يوم الأربعاء لست من شهر جمادى الآخرة، سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وحبس وخلع، وسملت عيناه في هذا اليوم حتى سالتا جميعاً فعمي ثم تفضل الله تعالى وأعاد البربهاري إلى حشمته وزادت حتى إنه لما توفي أبو عبد الله بن عرفة، المعروف بنفطويه، وحضر جنازته أماثل أبناء الدنيا والدين كان المقدم على جماعتهم في الإمامة البربهاري. وذلك في صفر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة. وفي هذه السنة ازدادت حشمة البربهاري وعلت كلمته وظهر أصحابه وانتشروا في الإنكار على المبتدعة، فبلغنا أن البربهاري اجتاز بالجانب الغربي، فعطس فشمته أصحابه فارتفعت ضجتهم حتى سمعها الخليفة وهو في روشنه فسأل عن الحال؟ فأخبر بها فاستهولها، ولم تزل المبتدعة ينقلون قلب الراضي على البربهاري، فتقدم الراضي إلى بدر الحرسي صاحب الشرطة بالركوب والنداء ببغداد: أن لا يجتمع من أصحاب البربهاري نفسان فاستتر وكان ينزل بالجانب الغربي بباب محول، فانتقل إلى الجانب الشرقي مستتراً، فتوفي في الاستتار في رجب سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
- حدثني محمد بن الحسن المقري قال: حكى لي جدي وجدتي قالا: كان أبو محمد البربهاري قد اختبأ عند أخت توزون بالجانب الشرقي في درب الحمام في شارع درب السلسلة فبقي نحواً من شهر، فلحقه قيام الدم فقالت أخت توزون لخادمها لما مات البربهاري عندها مستتراً: انظر من
стр. 2266
يغسله فجاء بالغاسل فغسله وغلق الباب حتى لا يعلم أحد ووقف يصلي عليه وحده. فطالعت صاحبة المنزل فرأت الدار ملأى رجالاً عليهم ثياب بيض وخضر، فلما سلم، لم تر أحداً فاستدعت الخادم وقالت: يا حجام أهلكتني مع أخي فقال: يا ستي، رأيت رأيت؟ فقالت: نعم فقال: هذه مفاتيح الباب وهو مغلق فقالت: ادفنوه في بيتي فإذا مت فادفنوني عنده في بيت القبة فدفنوه في دارها فماتت بعده بزمان فدفنت في ذلك المكان ومضى الزمان عليها وصارت تربة وهو بقرب دار المملكة بالمخرم. (١)
- كلمته القيمة في أصحاب البدع:
قال ﵀: مثل أصحاب البدع مثل العقارب يدفنون رؤوسهم وأبدانهم في التراب، ويخرجون أذنابهم، فإذا تمكنوا لدغوا، وكذلك أهل البدع، هم مختفون بين الناس، فإذا تمكنوا بلغوا ما يريدون. (٢)
- آثاره السلفية:
'شرح السنة' وهي عقيدة شرح فيها الإمام العقيدة السلفية، وحذر من اتباع الأهواء والآراء المخالفة للسنة.
- من كلامه رحمه الله تعالى:
قال: الحمد لله الذي هدانا للإسلام، ومن علينا به، وأخرجنا في خير أمة، فنسأله التوفيق لما يحب ويرضى، والحفظ مما يكره ويسخط.
اعلموا أن الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا
стр. 2267
بالآخر.
فمن السنة لزوم الجماعة، فمن رغب غير الجماعة وفارقها، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وكان ضالاًّ مضلاًّ.
والأساس الذي تبنى عليه الجماعة وهم: أصحاب محمد ﷺ ، ورحمهم أجمعين، وهم أهل السنة والجماعة، فمن لم يأخذ عنهم، فقد ضل وابتدع، وكل بدعة ضلالة، والضلالة وأهلها في النار.
وقال عمر بن الخطاب ﵀: لا عذر لأحد في ضلالة ركبها حسبها هدى، ولا في هدى تركه حسبه ضلالة، فقد بينت الأمور وثبتت الحجة، وانقطع العذر.
وذلك أن السنة والجماعة قد أحكما أمر الدين كله، وتبين للناس، فعلى الناس الاتباع.
واعلم رحمك الله، أن الدين إنما جاء من قبل الله ﵎، لم يوضع على عقول الرجال وآرائهم، وعلمه عند الله وعند رسوله فلا تتبع شيئاً بهواك، فتمرق من الدين فتخرج من الإسلام، فإنه لا حجة لك فقد بين رسول الله ﷺ لأمته السنة، وأوضحها لأصحابه، وهم الجماعة، وهم السواد الأعظم، والسواد الأعظم: الحق وأهله، فمن خالف أصحاب رسول الله ﷺ في شيء من أمر الدين فقد كفر.
واعلم أن الناس لم يبتدعوا بدعة قط حتى تركوا من السنة مثلها، فاحذر المحدثات من الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، والضلالة وأهلها في النار.
стр. 2268
واحذر صغار المحدثات من الأمور، فإن صغير البدع يعود حتى يصير كبيراً، وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة، كان أولها صغيراً يشبه الحق فاغتر بذلك من دخل فيها، ثم لم يستطع الخروج منها، فعظمت وصارت دينا يدان بها، فخالف الصراط المستقيم، فخرج من الإسلام.
فانظر رحمك الله كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة فلا تعجلن، ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر: هل تكلم به أصحاب رسول الله ﷺ ، أو أحد من العلماء؟ فإن وجدت فيه أثراً عنهم فتمسك به، ولا تجاوزه لشيء، ولا تختار عليه شيئاً، فتسقط في النار.
واعلم أن الخروج من الطريق على وجهين: أما أحدهما: فرجل قد زل عن الطريق وهو لا يريد إلا الخير، فلا يقتدى بزلته، فإنه هالك.
وآخر عاند الحق وخالف من كان قبله من المتقين، فهو ضال مضل، شيطان مريد في هذه الأمة، حقيق على من يعرفه أن يحذر الناس منه ويبين للناس قصته، لئلا يقع أحد في بدعته، فيهلك.
واعلم رحمك الله أنه لا يتم إسلام عبد، حتى يكون متبعاً مصدقاً مسلماً فمن زعم أنه قد بقي شيء من أمر الإسلام لم يكفوناه أصحاب محمد ﷺ ، فقد كذبهم، وكفى به فرقة وطعنا عليهم، وهو مبتدع ضال مضل، محدث في الإسلام ما ليس فيه.
واعلم رحمك الله: أنه ليس في السنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تتبع فيها الأهواء، وإنما هو التصديق بآثار رسول الله ﷺ بلا كيف، ولا شرح، لا يقال لم؟ وكيف؟
стр. 2269
والكلام والخصومة والجدال والمراء محدث، يقدح الشك في القلب وإن أصاب صاحبه الحق والسنة. (١)
- وقال: وإذا سمعت الرجل يطعن على الآثار ولا يقبلها أو ينكر شيئاً من أخبار رسول الله ﷺ ، فاتهمه على الإسلام، فإنه رجل رديء القول والمذهب، وإنما طعن على رسول الله ﷺ وأصحابه، لأنه إنما عرفنا الله، وعرفنا رسول الله ﷺ ، وعرفنا القرآن، وعرفنا الخير والشر، والدنيا والآخرة بالآثار.
وأن القرآن إلى السنة أحوج من السنة إلى القرآن. (٢)
- وقال: واعلم رحمك الله أنه ما كانت زندقة قط، ولا كفر، ولا شك، ولا بدعة، ولا ضلالة، ولا حيرة في الدين، إلا من الكلام، وأهل الكلام، والجدل، والمراء، والخصومة.
والعجب كيف يجترئ الرجل على المراء والخصومة والجدال والله تعالى يقول: ﴿مَا يجادل في أيات اللَّهِ إِلًّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣)، فعليك بالتسليم، والرضى بالآثار وأهل الآثار، والكف، والسكوت. (٤)
- وقال: واعلم أنه لم تجيء بدعة قط إلا من الهمج الرعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، فمن كان هكذا، فلا دين له، قال الله تبارك
стр. 2270
وتعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ (١)، وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ (٢)، وهم علماء السوء أصحاب الطمع والبدع.
واعلم أنه لا يزال الناس في عصابة من أهل الحق والسنة، يهديهم الله، ويهدي بهم غيرهم، ويحيي بهم السنن، فهم الذين وصفهم الله تعالى مع قلتهم عند الاختلاف فقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ (٣) فاستثناهم، فقال: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤)، وقال رسول الله ﷺ : "لا تزال عصابة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون" (٥).اهـ (٦)
- وقال: وعليك بالآثار وأهل الآثار، وإياهم فاسأل، ومعهم فاجلس
стр. 2271
ومنهم فاقتبس. (١)
- وقال: وإذا رأيت الرجل يحب أبا هريرة، وأنس بن مالك، وأسيد بن حضير، فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله، وإذا رأيت الرجل يحب أيوب، وابن عون، ويونس بن عبيد، وعبد الله بن إدريس الأودي، والشعبي، ومالك ابن مغول، ويزيد بن زريع، ومعاذ بن معاذ ووهب بن جرير، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وزائدة بن قدامة، فاعلم أنه صاحب سنة، وإذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل، والحجاج بن المنهال، وأحمد بن نصر، وذكرهم بخير، وقال بقولهم، فاعلم أنه صاحب سنة. (٢)
- وقال: وإذا ظهر لك من إنسان شيء من البدع، فاحذره، فإن الذي أخفى عنك أكثر مما أظهر.
وإذا رأيت الرجل من أهل السنة رديء الطريق والمذهب، فاسقاً فاجراً، صاحب معاصي ضالاً وهو على السنة، فاصحبه، واجلس معه، فإنه ليس يضرك معصيته، وإذا رأيت الرجل مجتهداً في العبادة متقشفاً محترقاً بالعبادة صاحب هوىً، فلا تجالسه، ولا تقعد معه، ولا تسمع كلامه، ولا تمش معه في طريق، فإني لا آمن أن تستحلي طريقته، فتهلك معه.
ورأى يونس بن عبيد ابنه وقد خرج من عند صاحب هوى، فقال: يا بني من أين جئت؟ قال: من عند فلان، قال: يا بني لأن أراك خرجت من بيت خنثى، أحب إلي من أن أراك تخرج من بيت فلان وفلان، ولأن تلقى
стр. 2272
الله يا بني زانياً فاسقاً سارقاً خائناً، أحب إلي من أن تلقاه بقول فلان وفلان.
ألا ترى أن يونس بن عبيد قد علم أن الخنثى لا يضل ابنه عن دينه، وأن صاحب البدعة يضله حتى يكفر؟
واحذر ثم احذر أهل زمانك خاصة، وانظر من تجالس، وممن تسمع ومن تصحب، فإن الخلق كأنهم في ردة، إلا من عصمه الله منهم.
وانظر إذا سمعت الرجل يذكر ابن أبي دؤاد، وبشراً المريسي وثمامة أو أبا الهذيل، أو هشام الفوطي، أو واحداً من أتباعهم، وأشياعهم، فاحذره فإنه صاحب بدعة، فإن هؤلاء كانوا على الردة، واترك هذا الرجل الذي ذكرهم بخير، ومن ذكر منهم. (١)
- وقال: فالله الله في نفسك، وعليك بالأثر وأصحاب الأثر والتقليد، فإن الدين إنما هو بالتقليد، يعني: للنبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، ومن قبلنا لم يدعونا في لبس، فقلدهم واسترح ولا تجاوز الأثر وأهل الأثر. (٢)
موقفه من الجهمية:
قال ﵀ في شرح السنة له: واعلم رحمك الله: أن الكلام في الرب تعالى محدث، وهو بدعة وضلالة، ولا يتكلم في الرب، إلا بما وصف به نفسه في القرآن، وما بين رسول الله ﷺ لأصحابه، فهو جل ثناؤه واحد: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣).
стр. 2273
ربنا أول بلا متى، وآخر بلا منتهى، يعلم السر وأخفى، وعلى عرشه استوى، وعلمه بكل مكان، لا يخلو من علمه مكان.
ولا يقول في صفات الرب: كيف؟ ولم؟ إلا شاك في الله ﵎.
والقرآن كلام الله وتنزيله ونوره، ليس بمخلوق، لأن القرآن من الله، وما كان من الله، فليس بمخلوق، وهكذا قال مالك بن أنس وأحمد بن حنبل والفقهاء قبلهما وبعدهما، والمراء فيه كفر.
والإيمان بالرؤية يوم القيامة، يرون الله بأبصار رؤوسهم وهو يحاسبهم بلا حجاب ولا ترجمان.
والإيمان بالميزان يوم القيامة، يوزن فيه الخير والشر، له كفتان ولسان.
والإيمان بعذاب القبر، ومنكر ونكير.
والإيمان بحوض رسول الله ﷺ ، ولكل نبي حوض (١)، إلا صالح النبي ﷺ ، فإن حوضه ضرع ناقته (٢).
والإيمان بشفاعة رسول الله ﷺ للمذنبين الخاطئين في يوم القيامة، وعلى
стр. 2274
الصراط، ويخرجهم من جوف جهنم، وما من نبي إلا له شفاعة، وكذلك الصديقون والشهداء، والصالحون، ولله بعد ذلك تفضل كثير، فيمن يشاء، والخروج من النار بعدما احترقوا وصاروا فحماً.
والإيمان بالصراط على جهنم، يأخذ الصراط من شاء الله، ويجوز من شاء الله، ويسقط في جهنم من شاء الله، ولهم أنوار على قدر إيمانهم.
والإيمان بالأنبياء والملائكة.
والإيمان بأن الجنة حق، والنار حق، مخلوقتان، الجنة في السماء السابعة، وسقفها العرش، والنار تحت أرض السابعة السفلى، وهما مخلوقتان، قد علم الله تعالى عدد أهل الجنة ومن يدخلها، وعدد أهل النار ومن يدخلها، لا تفنيان أبداً، هما مع بقاء الله ﵎ أبد الآبدين، في دهر الداهرين.
وآدم ﵇ كان في الجنة الباقية المخلوقة، فأخرج منها بعدما عصى الله .
والإيمان بالمسيح الدجال.
والإيمان بنزول عيسى بن مريم ﵇، ينزل فيقتل الدجال ويتزوج ويصلي خلف القائم من آل محمد ﷺ ، ويموت ويدفنه المسلمون. (١)
وقال: وكل ما سمعت من الآثار مما لم يبلغه عقلك، نحو قول رسول الله ﷺ : "قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن " (٢).
стр. 2275
وقوله: "إن الله ﵎ ينزل إلى سماء الدنيا" (١)، و"ينزل يوم عرفة" (٢). و"ينزل يوم القيامة" (٣). و"جهنم لا يزال يطرح فيها، حتى يضع عليها قدمه جل ثناؤه" (٤)، وقول الله تعالى للعبد: "إن مشيت إلي، هرولت إليك" (٥)، وقوله: "إن الله ﵎ ينزل يوم عرفة" وقوله: "خلق الله آدم على صورته" (٦)، وقول النبي ﷺ : "رأيت ربي في أحسن صورة" (٧). وأشباه هذه الأحاديث فعليك بالتسليم والتصديق والتفويض، لا تفسر شيئاً من هذه بهواك، فإن الإيمان بهذا واجب، فمن فسر شيئاً من هذا بهواه، أو رده، فهو جهمي.
ومن زعم أنه يرى ربه في دار الدنيا، فهو كافر بالله .
والفكرة في الله ﵎ بدعة، لقول رسول الله ﷺ : "تفكروا في
стр. 2276
الخلق، ولا تفكروا في الله" (١)، فإن الفكرة في الرب، تقدح الشك في القلب. (٢)
وقال: واعلم رحمك الله أن أهل العلم لم يزالوا يردون قول الجهمية، حتى كان في خلافة بني فلان تكلم الرويبضة في أمر العامة، وطعنوا على آثار رسول الله ﷺ ، وأخذوا بالقياس والرأي، وكفروا من خالفهم، فدخل في قولهم الجاهل والمغفل، والذي لا علم له، حتى كفروا من حيث لا يعلمون، فهلكت الأمة من وجوه، وكفرت من وجوه، وتزندقت من وجوه، وضلت من وجوه، وتفرقت وابتدعت من وجوه، إلا من ثبت على قول رسول الله ﷺ ، وأمره وأمر أصحابه، ولم يخطئ أحداً منهم، ولم يجاوز أمرهم، ووسعه ما وسعهم، ولم يرغب عن طريقتهم ومذهبهم، وعلم أنهم كانوا على الإسلام الصحيح والإيمان الصحيح، فقلدهم دينه واستراح، وعلم أن الدين إنما هو بالتقليد، والتقليد لأصحاب محمد ﷺ .
واعلم أن من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو مبتدع، ومن سكت فلم يقل مخلوق ولا غير مخلوق، فهو جهمي، هكذا قال أحمد بن حنبل.
وقال رسول الله ﷺ : "إن من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فإياكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلالة، وعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا عليها بالنواجذ" (٣).
واعلم أنه إنما جاء هلاك الجهمية: أنهم فكروا في الرب
стр. 2277
فأدخلوا: لم؟ وكيف؟ وتركوا الأثر، ووضعوا القياس، وقاسوا الدين على رأيهم، فجاءوا بالكفر عياناً، لا يخفى أنه كفر، وكفروا الخلق، واضطرهم الأمر حتى قالوا بالتعطيل.
وقال بعض العلماء -منهم أحمد بن حنبل ﵁: الجهمي كافر، ليس من أهل القبلة، حلال الدم، لا يرث، ولا يورث، لأنه قال: لا جمعة ولا جماعة، ولا عيدين، ولا صدقة، وقالوا: من لم يقل القرآن مخلوق، فهو كافر، واستحلوا السيف على أمة محمد ﷺ وخالفوا من كان قبلهم وامتحنوا الناس بشيء لم يتكلم فيه رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه، وأرادوا تعطيل المساجد والجوامع، وأوهنوا الإسلام، وعطلوا الجهاد وعملوا في الفرقة، وخالفوا الآثار، وتكلموا بالمنسوخ، واحتجوا بالمتشابه، فشككوا الناس في آرائهم وأديانهم، واختصموا في ربهم، وقالوا: ليس عذاب قبر، ولا حوض، ولا شفاعة، والجنة والنار لم تخلقا، وأنكروا كثيراً مما قال رسول الله ﷺ ، فاستحل من استحل تكفيرهم ودماءهم من هذا الوجه، لأنه من رد آية من كتاب الله، فقد رد الكتاب كله، ومن رد أثراً عن رسول الله ﷺ ، فقد رد الأثر كله، وهو كافر بالله العظيم، فدامت لهم المدة، ووجدوا من السلطان معونة على ذلك، ووضعوا السيف، والسوط دون ذلك، فدرس علم السنة والجماعة وأوهنوهما، وصارتا مكتومين لإظهار البدع والكلام فيها ولكثرتهم، واتخذوا المجالس وأظهروا رأيهم، ووضعوا فيه الكتب، وأطمعوا الناس، وطلبوا لهم الرئاسة، فكانت فتنة عظيمة، لم ينج منها، إلا من عصم الله، فأدنى ما كان يصيب الرجل من مجالستهم، أن يشك في دينه، أو
стр. 2278
يتابعهم، أو يرى رأيهم على الحق، ولا يدري أنه على الحق أو على الباطل، فصار شاكاً، فهلك الخلق حتى كان أيام جعفر الذي يقال له: المتوكل - فأطفأ الله به البدع، وأظهر به الحق،
وأظهر به أهل السنة، وطالت ألسنتهم، مع قلتهم وكثرة أهل البدع إلى يومنا هذا. (١)
- وقال: وإذا أردت الاستقامة على الحق وطريق أهل السنة قبلك، فاحذر الكلام، وأصحاب الكلام والجدال والمراء والقياس والمناظرة في الدين، فإن استماعك منهم -وإن لم تقبل منهم-، يقدح الشك في القلب، وكفى به قبولاً، فتهلك، وما كانت زندقة قط، ولا بدعة، ولا هوى، ولا ضلالة، إلا من الكلام والجدال والمراء والقياس وهي أبواب البدعة والشكوك والزندقة. (٢)
- جاء في طبقات الحنابلة: قرأت على علي القرشي عن الحسن الأهوازي قال: سمعت أبا عبد الله الحمراني يقول لما دخل الأشعري إلى بغداد جاء إلى البربهاري فجعل يقول: رددت على الجبائي وعلى أبي هاشم ونقضت عليهم وعلى اليهود والنصارى والمجوس وقلت لهم وقالوا وأكثر الكلام في ذلك. فلما سكت قال البربهاري: ما أدري مما قلت قليلاً ولا كثيراً، ولا نعرف إلا ما قاله أبو عبد الله أحمد بن حنبل قال: فخرج من عندي وصنف كتاب الإبانة فلم يقبله منه ولم يظهر ببغداد إلى أن خرج منها. (٣)
стр. 2279
موقفه من الخوارج:
قال البربهاري في شرح السنة: ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين؛ فهو خارجي، وقد شق عصا المسلمين، وخالف الآثار وميتته ميتة جاهلية. ولا يحل قتال السلطان والخروج عليهم وإن جاروا، وذلك قول رسول الله ﷺ لأبي ذر الغفاري: "اصبر وإن كان عبداً حبشياً" (١)، وقوله للأنصار: "اصبروا حتى تلقوني على الحوض" (٢). وليس في السنة قتال السلطان فإن فيه فساد الدين والدنيا. ويحل قتال الخوارج إذا عرضوا للمسلمين في أنفسهم وأموالهم وأهاليهم. وليس له إذا فارقوه أن يطلبهم، ولا يُجهِز على جريحهم، ولا يَأخذ فيئهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يتبع مُدبرهم. (٣)
موقفه من المرجئة:
قال في شرح السنة له: والإيمان بأن الإيمان قول وعمل، وعمل وقول، ونية وإصابة، يزيد وينقص، يزيد ما شاء الله، وينقص حتى لا يبقى منه شيء. (٤)
وقال: ولا نشهد لأحد بحقيقة الإيمان، حتى يأتي بجميع شرائع
стр. 2280
الإسلام، فإن قصر في شيء من ذلك، كان ناقص الإيمان حتى يتوب، واعلم أن إيمانه إلى الله تعالى، تام الإيمان أو ناقص الإيمان، إلا ما أظهر لك من تضييع شرائع الإسلام. (١)
وقال: ومن قال: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص فقد خرج من الإرجاء كله أوله وآخره. (٢)
موقفه من القدرية:
قال ﵀: والرضى بقضاء الله، والصبر على حكم الله، والإيمان بما قال الله ، والإيمان بأقدار الله كلها خيرها وشرها، وحلوها ومرها، قد علم الله ما العباد عاملون، وإلى ما هم صائرون، لا يخرجون من علم الله، ولا يكون في الأرضين ولا في السماوات إلا ما علم الله ، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولا خالق مع الله . (٣)
وقال: والكلام والجدال والخصومة في القدر خاصة منهي عنه عند جميع الفرق، لأن القدر سر الله، ونهى الرب ﵎ الأنبياء عن الكلام في القدر، ونهى رسول الله ﷺ عن الخصومة في القدر، وكرهه أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون، وكرهه العلماء وأهل الورع، ونهوا عن الجدال في القدر، فعليك بالتسليم والإقرار والإيمان، واعتقاد ما قال رسول الله ﷺ في جملة الأشياء، وتسكت عما سوى ذلك. (٤)