← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

الخلق، ولا تفكروا في الله" (١)، فإن الفكرة في الرب، تقدح الشك في القلب. (٢) وقال: واعلم رحمك الله أن أهل العلم لم يزالوا يردون قول الجهمية، حتى كان في خلافة بني فلان تكلم الرويبضة في أمر العامة، وطعنوا على آثار رسول الله ﷺ ، وأخذوا بالقياس والرأي، وكفروا من خالفهم، فدخل في قولهم الجاهل والمغفل، والذي لا علم له، حتى كفروا من حيث لا يعلمون، فهلكت الأمة من وجوه، وكفرت من وجوه، وتزندقت من وجوه، وضلت من وجوه، وتفرقت وابتدعت من وجوه، إلا من ثبت على قول رسول الله ﷺ ، وأمره وأمر أصحابه، ولم يخطئ أحداً منهم، ولم يجاوز أمرهم، ووسعه ما وسعهم، ولم يرغب عن طريقتهم ومذهبهم، وعلم أنهم كانوا على الإسلام الصحيح والإيمان الصحيح، فقلدهم دينه واستراح، وعلم أن الدين إنما هو بالتقليد، والتقليد لأصحاب محمد ﷺ . واعلم أن من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو مبتدع، ومن سكت فلم يقل مخلوق ولا غير مخلوق، فهو جهمي، هكذا قال أحمد بن حنبل. وقال رسول الله ﷺ : "إن من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فإياكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلالة، وعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا عليها بالنواجذ" (٣). واعلم أنه إنما جاء هلاك الجهمية: أنهم فكروا في الرب

стр. 2277

فأدخلوا: لم؟ وكيف؟ وتركوا الأثر، ووضعوا القياس، وقاسوا الدين على رأيهم، فجاءوا بالكفر عياناً، لا يخفى أنه كفر، وكفروا الخلق، واضطرهم الأمر حتى قالوا بالتعطيل. وقال بعض العلماء -منهم أحمد بن حنبل ﵁: الجهمي كافر، ليس من أهل القبلة، حلال الدم، لا يرث، ولا يورث، لأنه قال: لا جمعة ولا جماعة، ولا عيدين، ولا صدقة، وقالوا: من لم يقل القرآن مخلوق، فهو كافر، واستحلوا السيف على أمة محمد ﷺ وخالفوا من كان قبلهم وامتحنوا الناس بشيء لم يتكلم فيه رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه، وأرادوا تعطيل المساجد والجوامع، وأوهنوا الإسلام، وعطلوا الجهاد وعملوا في الفرقة، وخالفوا الآثار، وتكلموا بالمنسوخ، واحتجوا بالمتشابه، فشككوا الناس في آرائهم وأديانهم، واختصموا في ربهم، وقالوا: ليس عذاب قبر، ولا حوض، ولا شفاعة، والجنة والنار لم تخلقا، وأنكروا كثيراً مما قال رسول الله ﷺ ، فاستحل من استحل تكفيرهم ودماءهم من هذا الوجه، لأنه من رد آية من كتاب الله، فقد رد الكتاب كله، ومن رد أثراً عن رسول الله ﷺ ، فقد رد الأثر كله، وهو كافر بالله العظيم، فدامت لهم المدة، ووجدوا من السلطان معونة على ذلك، ووضعوا السيف، والسوط دون ذلك، فدرس علم السنة والجماعة وأوهنوهما، وصارتا مكتومين لإظهار البدع والكلام فيها ولكثرتهم، واتخذوا المجالس وأظهروا رأيهم، ووضعوا فيه الكتب، وأطمعوا الناس، وطلبوا لهم الرئاسة، فكانت فتنة عظيمة، لم ينج منها، إلا من عصم الله، فأدنى ما كان يصيب الرجل من مجالستهم، أن يشك في دينه، أو

стр. 2278

يتابعهم، أو يرى رأيهم على الحق، ولا يدري أنه على الحق أو على الباطل، فصار شاكاً، فهلك الخلق حتى كان أيام جعفر الذي يقال له: المتوكل - فأطفأ الله به البدع، وأظهر به الحق، وأظهر به أهل السنة، وطالت ألسنتهم، مع قلتهم وكثرة أهل البدع إلى يومنا هذا. (١) - وقال: وإذا أردت الاستقامة على الحق وطريق أهل السنة قبلك، فاحذر الكلام، وأصحاب الكلام والجدال والمراء والقياس والمناظرة في الدين، فإن استماعك منهم -وإن لم تقبل منهم-، يقدح الشك في القلب، وكفى به قبولاً، فتهلك، وما كانت زندقة قط، ولا بدعة، ولا هوى، ولا ضلالة، إلا من الكلام والجدال والمراء والقياس وهي أبواب البدعة والشكوك والزندقة. (٢) - جاء في طبقات الحنابلة: قرأت على علي القرشي عن الحسن الأهوازي قال: سمعت أبا عبد الله الحمراني يقول لما دخل الأشعري إلى بغداد جاء إلى البربهاري فجعل يقول: رددت على الجبائي وعلى أبي هاشم ونقضت عليهم وعلى اليهود والنصارى والمجوس وقلت لهم وقالوا وأكثر الكلام في ذلك. فلما سكت قال البربهاري: ما أدري مما قلت قليلاً ولا كثيراً، ولا نعرف إلا ما قاله أبو عبد الله أحمد بن حنبل قال: فخرج من عندي وصنف كتاب الإبانة فلم يقبله منه ولم يظهر ببغداد إلى أن خرج منها. (٣)

стр. 2279

موقفه من الخوارج: قال البربهاري في شرح السنة: ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين؛ فهو خارجي، وقد شق عصا المسلمين، وخالف الآثار وميتته ميتة جاهلية. ولا يحل قتال السلطان والخروج عليهم وإن جاروا، وذلك قول رسول الله ﷺ لأبي ذر الغفاري: "اصبر وإن كان عبداً حبشياً" (١)، وقوله للأنصار: "اصبروا حتى تلقوني على الحوض" (٢). وليس في السنة قتال السلطان فإن فيه فساد الدين والدنيا. ويحل قتال الخوارج إذا عرضوا للمسلمين في أنفسهم وأموالهم وأهاليهم. وليس له إذا فارقوه أن يطلبهم، ولا يُجهِز على جريحهم، ولا يَأخذ فيئهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يتبع مُدبرهم. (٣) موقفه من المرجئة: قال في شرح السنة له: والإيمان بأن الإيمان قول وعمل، وعمل وقول، ونية وإصابة، يزيد وينقص، يزيد ما شاء الله، وينقص حتى لا يبقى منه شيء. (٤) وقال: ولا نشهد لأحد بحقيقة الإيمان، حتى يأتي بجميع شرائع

стр. 2280

الإسلام، فإن قصر في شيء من ذلك، كان ناقص الإيمان حتى يتوب، واعلم أن إيمانه إلى الله تعالى، تام الإيمان أو ناقص الإيمان، إلا ما أظهر لك من تضييع شرائع الإسلام. (١) وقال: ومن قال: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص فقد خرج من الإرجاء كله أوله وآخره. (٢) موقفه من القدرية: قال ﵀: والرضى بقضاء الله، والصبر على حكم الله، والإيمان بما قال الله ، والإيمان بأقدار الله كلها خيرها وشرها، وحلوها ومرها، قد علم الله ما العباد عاملون، وإلى ما هم صائرون، لا يخرجون من علم الله، ولا يكون في الأرضين ولا في السماوات إلا ما علم الله ، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولا خالق مع الله . (٣) وقال: والكلام والجدال والخصومة في القدر خاصة منهي عنه عند جميع الفرق، لأن القدر سر الله، ونهى الرب ﵎ الأنبياء عن الكلام في القدر، ونهى رسول الله ﷺ عن الخصومة في القدر، وكرهه أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون، وكرهه العلماء وأهل الورع، ونهوا عن الجدال في القدر، فعليك بالتسليم والإقرار والإيمان، واعتقاد ما قال رسول الله ﷺ في جملة الأشياء، وتسكت عما سوى ذلك. (٤)

стр. 2281

ابن رجاء العُكْبُرِيّ (١) (٣٢٩ هـ) عمر بن محمد بن رجاء أبو حفص العكبري. حدث عن عبد الله بن الإمام أحمد وقيس بن إبراهيم وموسى بن حمدون العكبري وغيرهم. روى عنه جماعة منهم أبو عبد الله بن بطة وقال: إذا رأيت العكبري يحب أبا حفص ابن رجاء فاعلم أنه صاحب سنة. قال أبو بكر الخطيب: كان صالحاً ديناً صدوقاً. وقال الذهبي: كان عبداً صالحاً ديناً، ثقة، كبير القدر، من أئمة الحنابلة. توفي سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. موقفه من الرافضة: - جاء في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى قال: وقرأت في بعض كتب أصحابنا: أن ابن رجاء كان إذا مات بعكبرى رجل من الرافضة، فبلغه أن بزازاً باع له كفناً، أو غاسلاً غسله، أو حاملاً حمله: هجره على ذلك. (٢) - وفيها قال محمد بن عبد الله الخياط: كان أبو حفص بن رجاء لا يكلم من يكلم رافضيّاً إلى عشرة. (٣) " التعليق: ونحن، الروافض يدخلون بيوتنا ونكرمهم ونعظمهم وندين لهم بالولاء، والله ما أدرك حقيقة هؤلاء اليهود إلا السلف، وأما نحن فالعيش أحب إلينا من كل شيء.

стр. 2282

أبو بكر الصَّيْرَفِي (١) (٣٣٠ هـ) الشيخ الفقيه محمد بن عبد الله، أبو بكر الصيرفي البغدادي. تفقه على ابن سريج، وسمع الحديث من أحمد بن منصور الرمادي، وسمع منه علي بن محمد الحلبي. ويقال: كان الصيرفي أعلم بالأصول بعد الشافعي. له مصنفات في أصول المذهب وفروعه. قال السبكي: الإمام الجليل الأصولي، أحد أصحاب الوجوه المسفرة عن فضله والمقالات الدالة على جلالة قدره. وقال الخطيب: وكان فهماً عالماً. توفي ﵀ في رجب سنة ثلاثين وثلاثمائة. موقفه من المبتدعة: قال ابن عدي: سمعت محمد بن عبد الله الصيرفي الشافعي يقول لتلامذته: اعتبروا بالكرابيسي، وبأبي ثور، فالحسين في علمه وحفظه لا يعشره أبو ثور، فتكلم فيه أحمد بن حنبل في باب مسألة اللفظ، فسقط، وأثنى على أبي ثور، فارتفع للزومه للسنة. (٢)

стр. 2283

الحسين المَحَامِلِي (١) (٣٣٠ هـ) القاضي، الإمام، العلامة، الحافظ، الثقة، شيخ بغداد ومحدثها أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل بن محمد الضبي البغدادي المحاملي. ولد في أول سنة خمس وثلاثين ومائتين، وأول سماعه في سنة أربع وأربعين. سمع أبا حذافة أحمد بن إسماعيل السهمي صاحب مالك والبخاري وأحمد بن المقدام العجلي ويعقوب الدورقي، والزبير بن بكار، وطبقتهم ومن بعدهم فأكثر وصنف وجمع وصار أسند أهل العراق مع التصدر للإفادة والفتيا ستين سنة. وروى عنه دعلج بن أحمد، والدارقطني وابن جميع وأبو محمد بن البيع وعدة. قال الداوودي: كان يحضر مجلس المحاملي عشرة آلاف رجل. وقال الخطيب: كان فاضلاً ديناً شهد عند القضاة وله عشرون سنة وولي قضاء الكوفة ستين سنة. عقد بالكوفة سنة سبعين ومائتين في داره مجلساً للفقه فلم يزل أهل العلم والنظر يختلفون إليه. أملى المحاملي مجلساً كعادته في ثاني عشر ربيع الآخر من سنة ثلاثين وثلاثمائة ثم مرض ومات بعد أحد عشر يوماً رحمه الله تعالى. موقفه من الرافضة: جاء في البداية والنهاية: أنه قد تناظر هو وبعض الشيعة بحضرة بعض الأكابر فجعل الشيعي يذكر مواقف علي يوم بدر وأحد والخندق وخيبر وحنين وشجاعته. ثم قال للمحاملي: أتعرفها؟ قال: نعم، ولكن أتعرف أنت

стр. 2284

أين كان الصديق يوم بدر؟ كان مع رسول الله ﷺ في العريش بمنزلة الرئيس الذي يحامي عنه، وعلي ﵁ في المبارزة، ولو فرض أنه انهزم أو قتل لم يخزل الجيش بسببه. فأفحم الشيعي. وقال المحاملي وقد قدمه الذين رووا لنا الصلاة والزكاة والوضوء بعد رسول الله ﷺ فقدموه عليه حيث لا مال له ولا عبيد ولا عشيرة وقد كان أبو بكر يمنع عن رسول الله ﷺ ويجاحف عنه، وإنما قدموه لعلمهم أنه خيرهم فأفحمه أيضاً. (١) إسحاق بن محمد النهرجوري الصوفي (٢) (٣٣٠ هـ) رأس الصوفية في زمانه، من كبار مشايخهم وعلمائهم، صحب سهل ابن عبد الله التستري والجنيد وعمرو بن عثمان. ومع ذلك فقد وقف هذا الموقف الطيب ضد أهل الحلول والاتحاد. موقفه من المشركين: قال شيخ الإسلام: قال الشيخ أبو يعقوب النهرجوري: هذه الأرواح من أمر الله مخلوقة. خلقها الله من الملكوت، كما خلق آدم من التراب، وكل عبد نسب روحه إلى ذات الله أخرجه ذلك إلى التعطيل، والذين نسبوا الأرواح إلى ذات الله هم أهل الحلول الخارجون إلى الإباحة، وقالوا إذا صفت أرواحنا من أكدار نفوسنا فقد اتصلنا، وصرنا أحراراً، ووضعت عنا العبودية، وأبيح لنا كل شيء من اللذات من النساء، والأموال وغير ذلك.

стр. 2285

وهم زنادقة هذه الأمة. (١) عبد الله بن منازل (٢) (٣٣١ هـ) عبد الله بن محمد بن منازل أبو محمود النيسابوري. صحب حمدوناً القصار، وحدث بالمسند الصحيح عن أحمد بن سلمة النيسابوري. توفي سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة. موقفه من المبتدعة: قال أبو محمود عبد الله بن منازل: لم يضيع أحد فريضة من الفرائض؛ إلا ابتلاه الله بتضييع السنن، ولم يبتل بتضييع السنن أحد؛ إلا يوشك أن يبتلى بالبدع. (٣) موقف السلف من القرمطي عدوّ الله أبي طاهر سليمان الزنديق (٣٣٢ ه ـ) بيان زندقته وإلحاده: - جاء في السير: عدو الله ملك البحرين، أبو طاهر سليمان بن حسن القرمطي الجنابي، الأعرابي الزنديق، الذي سار إلى مكة في سبع مئة فارس. فاستباح الحجيج كلهم في الحرم، واقتلع الحجر الأسود، وردم زمزم

стр. 2286

بالقتلى، وصعد على عتبة الكعبة، يصيح: أنا بالله وبالله أنا ... يخلق الخلق وأفنيهم أنا فقتل في سكك مكة وما حولها زهاء ثلاثين ألفاً، وسبى الذرية، وأقام بالحرم ستة أيام. بذل السيف في سابع ذي الحجة، ولم يعرف أحد تلك السنة، فلله الأمر. وقتل أمير مكة ابن محارب، وعرى البيت، وأخذ بابه، ورجع إلى بلاد هجر. وقيل: دخل قرمطي سكران على فرس، فصفر له، فبال عند البيت، وضرب الحجر بدبوس هشمه ثم اقتلعه. وأقاموا بمكة أحد عشر يوماً. وبقي الحجر الأسود عندهم نيفاً وعشرين سنة. ويقال: هلك تحته إلى هجر أربعون جملاً، فلما أعيد كان على قعود ضعيف، فسمن. وكان بجكم التركي دفع لهم فيه خمسين ألف دينار، فأبوا، وقالوا: أخذناه بأمر، وما نرده إلا بأمر. وقيل: إن الذي اقتلعه صاح: يا حمير، أنتم قلتم ﴿وَمَنْ دخله كَانَ آَمِنًا﴾ (١) فأين الأمن؟ قال رجل: فاستسلمت، وقلت: إن الله أراد: ومن دخله فأمنوه، فلوى فرسه وما كلمني. وقد وهم السمناني، فقال في 'تاريخه' إن الذي نزع الحجر أبو سعيد الجنابي القرمطي، وإنما هو ابنه أبو طاهر. واتفق أن ابن أبي الساج الأمير نزل بأبي سعيد الجنابي فأكرمه، فلما سار لحربه، بعث يقول: لك علي حق، وأنت في خمس مئة وأنا في ثلاثين ألفاً. فانصرف، فقال للرسول: كم مع صاحبك؟ قال: ثلاثون ألف راكب، قال: ولا ثلاثة، ثم دعا بعبد أسود، فقال له: خرق بطنك بهذه

стр. 2287

السكين، فبدد مصارينه. وقال لآخر: اغرق في النهر، ففعل، وقال لآخر: اصعد على هذا الحائط، وانزل على مخك، فهلك. فقال للرسول: إن كان معه مثل هؤلاء، وإلا فما معه أحد. (١) - قال ابن كثير: وقد سأل بعضهم ههنا سؤالاً. فقال: وقد أحل الله سبحانه بأصحاب الفيل -وكانوا نصارى- ما ذكره في كتابه، ولم يفعلوا بمكة شيئاً مما فعله هؤلاء، ومعلوم أن القرامطة شر من اليهود والنصارى والمجوس، بل ومن عبدة الأصنام، وأنهم فعلوا بمكة ما لم يفعله أحد، فهلا عوجلوا بالعذاب والعقوبة، كما عوجل أصحاب الفيل؟ وقد أجيب عن ذلك بأن أصحاب الفيل إنما عوقبوا إظهاراً لشرف البيت، ولما يراد به من التشريف العظيم بإرسال النبي الكريم، من البلد الذي فيه البيت الحرام، فلما أرادوا إهانة هذه البقعة التي يراد تشريفها وإرسال الرسول منها أهلكهم سريعاً عاجلاً، ولم يكن شرائع مقررة تدل على فضله، فلو دخلوه وأخربوه لأنكرت القلوب فضله. وأما هؤلاء القرامطة فإنما فعلوا ما فعلوا بعد تقرير الشرائع وتمهيد القواعد، والعلم بالضرورة من دين الله بشرف مكة والكعبة، وكل مؤمن يعلم أن هؤلاء قد ألحدوا في الحرم إلحاداً بالغاً عظيماً، وأنهم من أعظم الملحدين الكافرين، بما تبين من كتاب الله وسنة رسوله، فلهذا لم يحتج الحال إلى معاجلتهم بالعقوبة، بل أخرهم الرب تعالى ليوم تشخص فيه الأبصار، والله سبحانه يمهل ويملي ويستدرج ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر، كما قال النبي ﷺ :

стр. 2288

"إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" (١) ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ (٢) وقال: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (٣). وقال: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (٤). وقال: ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (٥). اهـ (٦) - وقال الذهبي: قال المراغي: حدثنا أبو عبد الله بن محرم، وكان رسول المقتدر إلى القرمطي، قال: سألته بعد مناظرات عن استحلاله بما فعل بمكة، فأحضر الحجر في الديباج، فلما أبرز كبرت، وأريتهم من تعظيمه والتبرك به على حالة كبيرة، وافتتنت القرامطة بأبي طاهر، وكان أبوه قد أطلعه وحده

стр. 2289

على كنوز دفنها. فلما تملك، كان يقول: هنا كنز فيحفرون، فإذا هم بالمال. فيفتتنون به وقال مرة: أريد أن أحفر هنا عيناً، قالوا: لا تنبع، فخالفهم، فنبع الماء، فازداد ضلالهم به، وقالوا: هو إله، وقال قوم: هو المسيح، وقيل: نبي. وقد هزم جيوش بغداد غير مرة، وعتا وتمرد. قال محمد بن رزام الكوفي: حكى لي ابن حمدان الطبيب، قال: أقمت بالقطيف أعالج مريضاً، فقال لي رجل: إن الله ظهر، فخرجت، فإذا الناس يهرعون إلى دار أبي طاهر، فإذا هو ابن عشرين سنة، شاب مليح عليه عمامة صفراء، وثوب أصفر على فرس أشهب، وإخوته حوله، فصاح: من عرفني عرفني، ومن لم يعرفني، فأنا أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن الجنابي. اعلموا أنا كنا وإياكم حميراً، وقد من الله علينا بهذا وأشار إلى غلام أمرد، فقال: هذا ربنا وإلهنا، وكلنا عباده. فأخذ الناس التراب، فوضعوه على رؤوسهم، ثم قال أبو طاهر: إن الدين قد ظهر وهو دين أبينا آدم، وجميع ما أوصلت إليكم الدعاة باطل من ذكر موسى وعيسى ومحمد، هؤلاء دجالون. وهذا الغلام هو أبو الفضل المجوسي. شرع لهم اللواط، ووطء الأخت، وأمر بقتل من امتنع. فأدخلت عليه وبين يديه عدة رؤوس، فسجدت له، وأبو طاهر والكبراء حوله قيام. فقال لأبي طاهر: الملوك لم تزل تعد الرؤوس في خزائنها. فسلوه كيف بقاؤها؟ فسئلت، فقلت: إلهنا أعلم، ولكني أقول: فجملة الإنسان إذا مات يحتاج كذا وكذا صبراً وكافوراً. والرأس جزء فيعطى بحسابه. فقال: ما أحسن ما قال. ثم قال الطبيب: ما زلت أسمعهم تلك الأيام يلعنون إبراهيم وموسى ومحمداً وعلياً. ورأيت مصحفاً مسح بغائط.

стр. 2290

وقال أبو الفضل يوماً لكاتبه: اكتب إلى الخليفة، فصل لهم على محمد وكِلْ مِنْ جِراب النورة، قال: والله ما تنبسط يدي لذلك، فافتض أبو الفضل أختاً لأبي طاهر الجنابي، وذبح ولدها في حجرها، ثم قتل زوجها، وهم بقتل أبي طاهر، فاتفق أبو طاهر مع كاتبه ابن سنبر، وآخر عليه فقالا: يا إلهنا، إن والدة أبي طاهر قد ماتت فاحضر لتحشو جوفها ناراً، قال: وكان سنه له، فأتى، فقال: ألا تجيبها؟ قال: لا. فإنها ماتت كافرة فعاوده فارتاب وقال: لا تعجلا علي دعاني أخدم دوابكما إلى أن يأتي أبي، قال ابن سنبر: ويلك هتكتنا، ونحن نرتب هذه الدعوة من ستين سنة. فلو رآك أبوك لقتلك اقتله يا أبا طاهر، قال: أخاف أن يمسخني، فضرب أخو أبي طاهر عنقه، ثم جمع ابن سنبر الناس، وقال: إن هذا الغلام ورد بكذب سرقه من معدن حق، وإنا وجدنا فوقه من ينكحه، وقد كنا نسمع أنه لا بدّ للمؤمنين من فتنة يظهر بعدها حق، فأطفئوا بيوت النيران، وارجعوا عن نكاح الأم، ودعوا اللواط، وعظموا الأنبياء، فضجوا، وقالوا: كل وقت تقولون لنا قولاً. فأنفق أبو طاهر الذهب حتى سكنوا. (١) وقال أيضاً: ثم جرت لأبي طاهر مع المسلمين حروب أوهنته. وقتل جنده، وطلب الأمان على أن يرد الحجر، وأن يأخذ عن كل حاج ديناراً ويخفرهم. قال الذهبي: ثم هلك بالجدري -لا ﵀ في رمضان سنة اثنتين

стр. 2291

وثلاث مئة (١) بهجر كهلاً. وقام بعده أبو القاسم سعيد. (٢) أبو العَرَب (٣) (٣٣٣ هـ) هو محمد بن أحمد بن تميم بن تمام أبو العرب، المغربي الإفريقي المالكي. كان جده من أمراء إفريقية. وسمع من أصحاب سحنون، وكان حافظاً لمذهب مالك مفتيا، غلب عليه الحديث والرجال. وله تصانيف منها: 'طبقات أهل إفريقية' وكتاب 'المحن' وكتاب 'فضائل مالك' و'فضائل سحنون' و'عباد إفريقية' وكتاب 'التاريخ' في أحد عشر جزءاً. وكان أحد من عقد الخروج على بني عبيد في ثورة أبي يزيد عليهم، هو وأبو سليمان ربيع القطان، وأبو الفضل الممسي، وأبو إسحاق السبائي، وغيرهم. قال أبو عبد الله الخراط: كان رجلاً صالحاً ثقة، عالماً بالسنن والرجال، من أبصر أهل وقته بها، كثير الكتب، حسن التقييد، كريم النفس والخلق، كتب بخطه كثيراً في الحديث والفقه، يقال: إنه كتب بيده ثلاثة آلاف كتاب وخمسمائة، وشيوخه نيف وعشرون ومائة شيخ. توفي ﵀ لثمان بقين من ذي القعدة، سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.

стр. 2292

موقفه من الرافضة: مر معنا ما فعله بنو عبيد بالعلماء خاصة والمسلمين عامة، من قتل وتعذيب وصلب وتبديل لدين الله، وإحلال المجوسية الشيعية محل السنة الطاهرة، عليهم ما يستحقون من ربهم، وما نزال نتابع مسيرة علمائنا الأخيار الذين شرفوا تاريخنا بمواقفهم ومنهم المؤرخ الكبير أبو العرب محمد بن أحمد ابن تميم وربيع القطان وأبو الفضل عباس المهدي. جاء في السير: وكان أحد من عقد الخروج على بني عبيد في ثورة أبي يزيد عليهم ولما حاصروا المهدية سمع الناس على أبي العرب هناك كتابي: الإمامة لمحمد بن سحنون فقال أبو العرب: كتبت بيدي ثلاثة آلاف وخمس مائة كتاب فوالله لقراءة هذين الكتابين هنا أفضل عندي من جميع ما كتبت. (١) المَمْسِي (٢) (٣٣٣ هـ) العباس بن عيسى الممسي أبو الفضل الإمام المفتي المالكي العابد. أخذ عن موسى القطان القيرواني وغيره. وكان مناظراً صاحب حجة. أخذ عنه أبو محمد بن أبي زيد ومحمد بن حارث وأبو بكر الزويلي وأبو الأزهر بن معتب وغيرهم. حج سنة سبع عشرة ورد على الطحاوي في مسألة النبيذ ثم

стр. 2293

رجع إلى الغرب، وأقبل على شأنه. قال ابن مخلوف: الفقيه الورع الزاهد الإمام الثقة العابد العالم العامل، صاحب الفضائل الجمة مع فصاحة لسان ونزاهة وعدالة وعلو همة. استشهد ومعه خمس وثمانون رجلاً كلهم فاضل خير في حرب بني عبيد -لعنهم الله-. توفي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. موقفه من الرافضة: - قال الدباغ في معالم الإيمان: وكان أبو الفضل ممن خرج لقتال بني عبيد مع أهل القيروان لما كان يعتقد من كفرهم. قلت -أي التنوخي-: قال أبو بكر المالكي رأى أن الخروج مع أبي يزيد الخارجي، وقطع دولة بني عبيد فرضاً، لأن الخوارج من أهل القبلة لا يزول عنهم الإسلام، ويرثون ويورثون، وبنو عبيد ليسوا كذلك، لأنهم مجوس زال عنهم اسم المسلمين، فلا يتوارثون معهم ولا ينتسبون إليهم. (١) - جاء في السير: فلما قام أبو يزيد مخلد بن كنداد الأعرج، رأس الخوارج على بني عبيد، خرج هذا الممسي معه في عدد من علماء القيروان لفرط ما عمهم من البلاء، فإن العبيدي كشف أمره وأظهر ما يبطنه حتى نصبوا حسن الضرير السباب في الطرق بأسجاع لقنوه يقول: العنوا الغار وما حوى والكساء وما وعى وغير ذلك، فمن أنكر ضربت عنقه وذلك في أول دولة الثالث إسماعيل، فخرج مخلد الزناتي المذكور صاحب الحمارة، وكان زاهداً فتحرك لقيامه كل أحد، ففتح البلاد وأخذ مدينة القيروان، لكن عملت الخوارج كل قبيح حتى أتى العلماء أبا يزيد يعيبون عليه، فقال: نهبكم

стр. 2294

حلال لنا، فلاطفوه حتى أمرهم بالكف وتحصن العبيدي بالمهدية. وقيل: إن أبا يزيد لما أيقن بالظهور غلبت عليه نفسه الخارجية وقال لأمرائه: إذا لقيتم العبيدية فانهزموا عن القيروانيين حتى ينال منهم عدوهم. ففعلوا ذلك فاستشهد خلق وذلك سنة نيف وثلاثين وثلاثمائة، فالخوارج أعداء المسلمين وأما العبيدية الباطنية فأعداء الله ورسوله. (١) " التعليق: يمر المسلم بهذه الوقائع وهو يبكي على ما وصل إليه المسلمون من ضعف الحال، حتى بدؤوا يتعاونون مع أعداء عقيدتهم، ورغم هذا التعاون فإن العدو خائن، فما فعله الخوارج بهؤلاء الأخيار ينبغي أن يكون عبرة لمن جاء بعدهم، فلا ثقة في مبتدع مهما كان نوع بدعته، وأما سلالة اليهود والمجوس فلا تسأل عن عداوتهم. الخِرَقِي (٢) (٣٣٤ هـ) عمر بن الحسين بن عبد الله الخرقي أبو القاسم العلامة شيخ الحنابلة صاحب المختصر المشهور في المذهب. كان من كبار العلماء تفقه بوالده الحسين صاحب المروذي. قال القاضي أبو يعلى: كانت لأبي القاسم مصنفات كثيرة لم تظهر لأنه خرج من بغداد لما ظهر بها سب الصحابة

стр. 2295

فأودع كتبه في دار فاحترقت الدار. وقدم دمشق وبها توفي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. موقفه من الرافضة: جاء في طبقات الحنابلة: أنه خرج عن مدينة السلام لما ظهر سب الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. (١) ربيع القطان أبو سليمان الصوفي (٢) (٣٣٤ هـ) موقفه من الرافضة: قال أبو بكر المالكي: وعوتب ربيع في خروجه مع أبي يزيد إلى حرب بني عبيد فقال: وكيف لا أفعل وقد سمعت الكفر بأذني؟ فمن ذلك أني حضرت أشهاداً وكان فيه جمع كثير أهل سنة ومشارقة وكان بالقرب مني أبو قضاعة الداعي، فأتى رجل مشرقي من أهل الشرق ومن أعظم المشارقة فقام إليه رجل مشرقي وقال: إلى هاهنا يا سيدي إلى جانب رسول الله -يعني أبا قضاعة الداعي ويشير بيده إليه- فما أنكر أحد شيئاً من ذلك فكيف ينبغي أن أترك القيام عليهم؟ ووجد بخطه قال: لما كان في رجب سنة إحدى وثلاثين قام الصبي المكوكب يقذف الصحابة ويطعن على النبي ﷺ وعلقت عظام رؤوس أكباش وحمير وغيرها على أبواب الحوانيت والدروب عليها قراطيس معلقة فيها أسماء يعنون بها رؤوس الصحابة رضوان الله عليهم فلما

стр. 2296

رأى ربيع ذلك لم يسعه التأخر عن الخروج عليهم، -وكذلك كان جميع الشيوخ يتأولون ... ولما اجتمعوا للخروج عليهم قال ربيع القطان: أنا أول من يشرع في هذا الأمر ويخرج فيه ويندب المسلمين ويحضهم عليه. وتسارع جميع الفقهاء والعباد لذلك فلما كان بالغد خرج ربيع وجماعة الفقهاء ووجوه التجار إلى المصلى بالسلاح الشاك والعدة العجيبة التي لم ير مثلها وضاق بهم الفضاء وتواعد الناس أن ينظروا في الزاد وآلة السفر إلى يوم السبت -وذلك يوم الإثنين- وركب بعض الشيوخ من الموضع إلى الجامع بالسلاح وشقوا السماط بالقيروان وزادوا في استنهاض الناس فلما كان يوم الجمعة اجتمعوا في الجامع وركبوا بالسلاح الكامل وعملوا البنود والطبول وأتوا بالبنود فركزوها قبالة المسجد المعروف بالحدادين وكانت سبعة بنود: الأول أصفر لربيع القطان مكتوب عليه البسملة ومعها لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي الثاني -وهو لربيع أصفر أيضاً- نصر من الله وفتح قريب على يد أبي يزيد اللهم انصره على من سب نبيك، وفي الثالث -وهو أصفر أيضا لأبي العرب- بعد البسملة ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ (١) وفي الرابع -وهو بند أحمر لأبي الفضل عباس الممسي- لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي الخامس -وهو بند أخضر لمروان العابد- بعد البسملة ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ

стр. 2297

وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ (١)، وفي السادس -وهو بند أبيض- بعد البسملة لا إله إلا الله محمد رسول الله أبو بكر الصديق عمر الفاروق، وفي السابع -وهو لإبراهيم بن العمشاء وكان أكبر البنود لونه أبيض- لا إله إلا الله محمد رسول الله ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٢) فلما اجتمع الناس وحضرت صلاة الجمعة طلع الإمام على المنبر -وهو أحمد بن محمد بن أبي الوليد، وكان أبو الفضل الممسي هو الذي أشار به- وخطب خطبة أبلغ فيها، وحرض الناس على الجهاد، وأعلمهم بما لهم فيه من الثواب، وتلا هذه الآية: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (٣) الآية وقال: يا أيها الناس جاهدوا من كفر بالله وزعم أنه رب من دون الله وغير أحكام الله وسب نبيه وأصحاب نبيه وأزواج نبيه، فبكى الناس بكاءً شديداً وقال في خطبته: اللهم إن هذا القرمطي الكافر الصنعاني المعروف بابن عبيد الله المدعي الربوبية من دون الله جاحداً لنعمتك كافراً بربوبيتك طاعناً على أنبيائك، ورسلك مكذباً محمداً نبيّك وخيرتك من خلقك سابّاً لأصحاب نبيك

стр. 2298

وأزواج نبيك أمّهات المؤمنين سافكاً لدماء أمته منتهكاً لمحارم أهل ملته افتراءً عليك واغتراراً بحلمك اللهم فالعنه لعناً وبيلاً واخزه خزياً طويلاً واغضب عليه بكرة وأصيلاً وأصله جهنم وساءت مصيراً بعد أن تجعله في دنياه عبرة للسائلين وأحاديث الغابرين وأهلك اللهم متبعه وشتت كلمته وفرق جماعته واكسر شوكته واشف صدور قوم مؤمنين منه ونزل، فجمع الجمعة ركعتين وسلم وقال: إن الخروج غداً يوم السبت إن شاء الله، وركب ربيع القطان فرسه وعليه آلة الحرب وفي عنقه المصحف وحوله جمع من الناس من أهل القيروان متأهبون معتدون لجهاد أعداء الله عليهم آلة الحرب، فنظر إليهم ربيع القطان فسر بهم وقال: الحمد لله الذي أحياني حتى أدركت عصابة من المؤمنين اجتمعوا لجهاد أعدائك وأعداء نبيك. (١) موقف السلف من القائم بأمر الله (الزنديق) (٣٣٤ ه ـ) بيان زندقته: جاء في السير: ذكر القاضي عبد الجبار المتكلم، أن القائم أظهر سب الأنبياء وكان مناديه يصيح: العنوا الغار وما حوى. وأباد عدة من العلماء. وكان يراسل قرامطة البحرين، ويأمرهم بإحراق المساجد والمصاحف. فتجمعت الإباضية والبربر على مخلد، وأقبل، وكان ناسكاً قصير الدلق،

стр. 2299

يركب حماراً، لكنهم خوارج، وقام معه خلق من السنة والصلحاء، وكاد أن يتملك العالم، وركزت بنودهم عند جامع القيروان فيها: لا إله إلا الله، لا حكم إلا لله. وبندان أصفران فيهما: نصر من الله وفتح قريب. وبند لمخلد فيه: اللهم انصر وليك على من سب نبيك. وخطبهم أحمد بن أبي الوليد، فحض على الجهاد، ثم ساروا، ونازلوا المهدية. ولما التقوا وأيقن مخلد بالنصر، تحركت نفسه الخارجية، وقال لأصحابه: انكشفوا عن أهل القيروان، حتى ينال منهم عدوهم، ففعلوا ذلك، فاستشهد خمسة وثمانون نفساً من العلماء والزهاد. (١) وفيها: وقد أجمع علماء المغرب على محاربة آل عبيد لما شهروه من الكفر الصراح الذي لا حيلة فيه. وقد رأيت في ذلك تواريخ عدة، يصدق بعضها بعضاً. (٢) وفيها: وعوتب بعض العلماء في الخروج مع أبي يزيد الخارجي، فقال: وكيف لا أخرج وقد سمعت الكفر بأذني؟ حضرت عقداً فيه جمع من سنة ومشارقة، وفيهم أبو قضاعة الداعي، فجاء رئيس، فقال كبير منهم: إلى هنا يا سيدي ارتفع إلى جانب رسول الله يعني: أبا قضاعة، فما نطق أحد. (٣) وفيها: وخرج أبو إسحاق الفقيه مع أبي يزيد، وقال: هم أهل القبلة، وأولئك ليسوا أهل قبلة. وهم بنو عدو الله، فإن ظفرنا بهم، لم ندخل تحت

стр. 2300

طاعة أبي يزيد، لأنه خارجي. (١) وفيها: قال السبائي: إي والله نجد في قتل المبدل للدين. (٢) - وفيها: ووجد بخط فقيه. قال: في رجب سنة ٣٣١هـ قام المكوكب يقذف الصحابة، ويطعن على النبي ﷺ ، وعلقت رؤوس حمير وكباش على الحوانيت، كتب عليها أنها رؤوس صحابة. (٣) وفيها: وكان القائم يسمى أيضاً نزاراً، ولما أخذ أكثر بلاد مصر في سنة سبع وثلاثمائة انتدب لحربه جيش المقتدر، عليهم مؤنس، فالتقى الجمعان. فكانت وقعة مشهورة، ثم تقهقر القائم إلى المغرب، ووقع في جيشه الغلاء والوباء وفي خيلهم وتبعه أياماً جيش المقتدر. (٤) وفيها: قال أبو ميسرة الضرير: أدخلني الله في شفاعة أسود رمى هؤلاء القوم بحجر. (٥) وفيها: وتسارع الفقهاء والعباد في أهبة كاملة بالطبول والبنود. وخطبهم في الجمعة أحمد بن أبي الوليد، وحرضهم. وقال: جاهدوا من كفر بالله وزعم أنه رب من دون الله، وغير أحكام الله، وسب نبيه وأصحاب نبيه. فبكى الناس بكاءً شديداً. وقال: اللهم إن هذا القرمطي الكافر المعروف بابن عبيد الله، المدعي الربوبية، جاحد لنعمتك، كافر بربوبيتك، طاعن على

стр. 2301

رسلك، مكذب بمحمد نبيك، سافك للدماء. فالعنه لعناً وبيلاً، واخزه خزياً طويلاً، واغضب عليه بكرة وأصيلاً. ثم نزل فصلى بهم الجمعة. (١) وفيها: وركب ربيع القطان فرسه ملبساً، وفي عنقه المصحف، وحوله جمع كبير، وهو يتلو آيات جهاد الكفرة. فاستشهد ربيع في خلق من الناس يوم المصاف في صفر سنة أربع وثلاثين. وكان غرض هؤلاء المجوس بني عبيد أخذه حياً ليعذبوه. قال أبو الحسن القابسي: استشهد معه فضلاء، وأئمة وعباد. (٢) وفيها: قال بعض الشعراء في بني عبيد: الماكر الغادر الغاوي لشيعته ... شر الزنادق من صحب وتباع العابدين إذاً عجلاً يخاطبهم ... بسحر هاروت من كفر وإبداع لو قيل للروم أنتم مثلهم لبكوا ... أو لليهود لسدوا صمخ أسماع (٣) ابن القَاصّ (٤) (٣٣٥ هـ) أحمد بن أبي أحمد الطبري أبو العباس الإمام الفقيه شيخ الشافعية ابن القاص تلميذ أبي العباس بن سريج. حدث عن أبي خليفة الجمحي وغيره. له 'شرح حديث أبي عمير' قال ابن خلكان: كان إمام وقته في طبرستان، وكان

стр. 2302

يعظ الناس. تولى قضاء طرسوس. وكان أبوه يقص على الناس الأخبار والآثار، توفي سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة. موقفه من الجهمية: قال أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري المعروف بابن القاص: لا خلاف بين أهل الفقه في قبول خبر الآحاد، إذا عدلت نقلته وسلم من النسخ حكمه، وإن كانوا متنازعين في شرط ذلك، وإنما دفع خبر الآحاد بعض أهل الكلام لعجزه -والله أعلم- عن علم السنن، زعم أنه لا يقبل منها إلا ما تواترت به أخبار من لا يجوز عليه الغلط والنسيان، وهذا عندنا منه ذريعة إلى إبطال سنن المصطفى ﷺ ، لوجهين: أحدهما: أن ما شرط من ذلك صفة الأمة المعصومة، والأمة إذا تطابقت على شيء وجب القول به وإن لم يأت خبر. والثاني: أنه لو طولب بسنة يتحاكم إليها المتنازعان تواترت عليها أخبار نقلتها وسلمت من خوف النسيان طرقها لم يجد إليها سبيلاً، وكانت شبهته في ذلك أنه وجد أخبار السنن آخرها عمن لا يجوز عليه الغلط والنسيان، وهو النبي ﷺ ، وكذلك يجب أن يكون أولها وأوسطها عن قوم لا يجوز عليهم الغلط والنسيان. قال أبو العباس: فكان ما اعتذر به ثانيا أفسد من جرمه أولا وأقبح، وذلك أن آخر هذه الأخبار عمن صحت نبوته وصدقت المعجزات قوله، فيلزمه على قود اعتلاله أن لا يقبل من الأخبار، إلا ما روت الأنبياء عن الأنبياء، وقد نطق الكتاب بتصديق ما اجتبيناه من تصديق خبر الآحاد، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا

стр. 2303

نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١) واسم الطائفة عند العرب قد يقع على دون العدد المعصوم من الزلل، وقد يلزم الواحد فأكثر قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (٢) وقال: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) فصح أن هذا الاسم، واقع على العدد القليل. وفيما تلونا وجهان من الحجة: أحدهما: أن أمر الله إياهم بذلك، دليل على أن على المنذرين قبوله، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٤)، ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٥) فكان ذلك دليلاً على قبول قولهما. والوجه الثاني: قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يحذرون﴾، فلولا قيام الحجة عليهم ما استوجبوا الحذر ومعنى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يحذرون﴾،إيجاباً للحذر به -والله أعلم- نظير قوله: ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٦)،

стр. 2304

إيجاباً للاهتداء عليهم بذلك. وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١) فوجب على العباد أن يعقلوا عن القرآن خطابه حجة لله عليهم. وحجة أخرى: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٢) الآية، فكان في أمر الله بالتثبت في خبر الفاسق دلالة واضحة من فحوى الكلام على إمضاء خبر العدل، والفرق بينه وبين خبر الفاسق، فلو كانا سيين في التوقف عنهما لأمر بالتثبت في خبرهما، حتى يبلغ حد التواتر الذي يجب عند المخالفين القول به على مذهبهم، كما رتب في الشهادات، وفصل بينهما بأن جعل الشهادات منوطة بأعدادها، وأطلق الأخبار إطلاقاً، وقوله: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ دليل على أن إنفاذنا لقبوله في خبر العدل أصابه بعلم لا بجهل له ولئلا نصبح على ما فعلنا نادمين. والله أعلم. (٣) محمد بن أبي المنظور (٤) (٣٣٧ هـ) محمد بن عبد الله بن حسن الأنصاري بن أبي المنظور أبو عبد الله القاضي، أصله من الأندلس رحل إلى المشرق فسمع من القاضي إسماعيل بن

стр. 2305

إسحاق، ومن علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد ومن عبد الله بن محمد بن عبد الله وغيرهم. سمع منه: أحمد بن عبد الرحمن القصري وأبو محمد بن التبان وجعفر بن نظيف وغيرهم. وكان عالماً ثقة فاضلاً صالحاً لا تأخذه في الله لومة لائم. وله جلالة وسمت وخشوع وتقى، وقبول عند الناس، وعدالة ظاهرة، وأجبره إسماعيل المنصور على القضاء فاشترط عليه أن لا يأخذ لهم صلة ولا يركب لهم دابة ولا يقبل شهادة من طاف بهم أو قاربهم ولا يركب إليهم مهنيا ولا معزيا فأجابه إلى هذا إسماعيل وقبل شرطه. وكان ﵀ قد سار بالعدل في أقضيته وإيثار الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم. توفي وهو قاضي القيروان يوم السبت لعشر بقين من المحرم سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وقد نيف على التسعين. موقفه من المشركين: - جاء في السير أن محمد بن أبي المنظور الأنصاري وَلِيَ قضاء القيروان في دولة المنصور صاحب المغرب العبيدي الباطني. وكان من كبار أصحاب الحديث، قد لقي إسماعيل القاضي، والحارث ابن أبي أسامة، فقال: بشرط أن لا آخذ رزقاً ولا أركب دابة، فولاه ليتألف الرعية، فأحضر إليه يهودي قد سب (١)، فبطحه، وضربه إلى أن مات تحت الضرب، خاف أن يحكم بقتله فتحل عليه الدولة. (٢)

стр. 2306

النَّحَّاس (١) (٣٣٨ هـ) أحمد بن محمد بن إسماعيل أبو جعفر العلامة إمام العربية المصري النحوي صاحب التصانيف، ارتحل إلى بغداد وأخذ عن الزجاج وكان ينظر في زمانه بابن الأنباري وبنفطويه للمصريين. روى عن محمد بن جعفر بن أعين وبكر بن سهل الدمياطي والحسن بن غليب والحافظ النسائي وغيرهم. وروى عنه أبو بكر محمد بن علي الأدفوي تواليفه. من كتبه: 'إعراب القرآن'، 'كتاب المعاني'، 'الكافي'، وكان من أذكياء العالم. وكان لا يتكبر أن يسأل الفقهاء وأهل النظر عما أشكل عليه في تأليفاته. توفي في ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة. موقفه من الجهمية: قال النحاس: أجمع النحويون على أن الفعل إذا أكد بالمصدر لم يكن مجازاً فإذا قال: ﴿تَكْلِيمًا﴾ وجب أن يكون كلاماً على الحقيقة التي تعقل. (٢) موقف السلف من الفارابي الزنديق (٣٣٩ ه ـ) بيان زندقته: الزنديق الكبير، الذي هو عند جهلة المثقفين المفكر والفيلسوف!!

стр. 2307

والفأر أشرف منه وأفضل، هذا الخبيث مع الزنديق الباطني المسمى بابن سينا عظمهما كثير من الملحدين في هذا الوقت، ولخبث هذين الشيطانين قرر الملاحدة تدريس كتبهما وأفكارهما في المدارس والكليات باسم الفكر الإسلامي، حتى في بعض البلاد الإسلامية، حتى يخرج الطالب من الثانوي وهو يحمل شهادة زندقة وإلحاد وتحلل خلقي كامل، إلاّ من عصمه الله، والله المستعان. قال ابن كثير عن الفارابي: التركي الفيلسوف، وكان من أعلم الناس بالموسيقى، بحيث كان يتوسل به، وبصناعته إلى الناس في الحاضرين من المستمعين، إن شاء حرك ما يبكي أو يضحك أو ينوم وكان حاذقاً في الفلسفة، ومن كتبه تفقه ابن سينا وكان يقول بالمعاد الروحاني لا الجثماني، ويخصص بالمعاد الأرواح العالمة لا الجاهلة، وله مذاهب في ذلك يخالف المسلمين والفلاسفة من سلفه الأقدمين، فعليه إن كان مات على ذلك لعنة رب العالمين. مات بدمشق فيما قاله ابن الأثير في كامله، ولم أر الحافظ ابن عساكر ذكره في تاريخه لنتنه وقباحته. فالله أعلم. (١) قال الذهبي في السير: له تصانيف مشهورة من ابتغى الهدى منها ضل وحار، منها تخرج ابن سينا نسأل الله التوفيق. (٢)

стр. 2308

القاهر بالله (٣٣٩ ه ـ) موقفه من الرافضة: جاء في السير: ولم يكن القاهر متمكناً من الأمور، وحكم عليه علي ابن بليق الرافضي الذي عزم على سب معاوية ﵁ على المنابر. فارتجت العراق، وقبض على شيخ الحنابلة البربهاري، ثم قوي القاهر ونهب دور مخالفيه، وطين على ولد أخيه المكتفي بين حيطين، وضرب ابن بليق وسجنه، ثم أمر بذبحه وبذبح أبيه، وذبح بعدهما مؤنساً الكبير ويمناً وابن زيرك، وبذل للجند العطاء، وعظم شأنه، ونادى بتحريم الغناء والخمر وكسر الملاهي!! وهو مع ذلك يشرب المطبوخ والسلاف، ويسكر ويسمع القينات!!! (١) أبو إسحاق المَرْوَزِي (٢) (٣٤٠ هـ) أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المروزي، الإمام الكبير شيخ الشافعية، وفقيه بغداد، صاحب أبي العباس بن سريج، وأكبر تلامذته، اشتغل ببغداد دهراً، وصنف التصانيف، وتخرج به أئمة كأبي زيد المروزي والقاضي أبي حامد مفتي البصرة وعدة. شرح المذهب ولخصه وانتهت إليه رئاسته، ثم ارتحل إلى مصر في أواخر عمره، فأدركه أجله بها فتوفي لتسع خلون من رجب سنة

стр. 2309

أربعين وثلاثمائة. موقفه من الجهمية: صنف المروزي كتاباً في السنة، وقرأه بجامع مصر، وحضره آلاف، فجرت فتنة، فطلبه كافور فاختفى، ثم أدخل إلى كافور، فقال: أما أرسلت إليك أن لا تشهر هذا الكتاب فلا تظهره!؟ وكان فيه ذكر الاستواء، فأنكرته المعتزلة. (١) الحُبُلِّي (٢) (٣٤١ هـ) محمد بن إسحاق أبو عبد الله الحبلي الإمام الشهيد قاضي برقة. جاء في المعالم: كان ﵀ فقيهاً صالحاً فاضلاً عالماً نظاراً حسن الأخلاق سمحاً. أبى الإفطار بالحساب على مذهب العبيديين، فعلق في الشمس إلى أن مات، ثم صلبوه على خشبة، وذلك سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. موقفه من الرافضة: جاء في السير: الإمام الشهيد قاضي مدينة برقة محمد بن الحبلي أتاه أمير برقة فقال: غداً العيد، قال: حتى نرى الهلال ولا أفطر الناس وأتقلد إثمهم فقال: بهذا جاء كتاب المنصور، وكان هذا من رأي العبيدية، يفطرون بالحساب، ولا يعتبرون رؤية، فلم ير هلال، فأصبح الأمير بالطبول والبنود وأهبة العيد، فقال القاضي: لا أخرج ولا أصلي، فأمر الأمير رجلاً خطب

стр. 2310

وكتب بما جرى إلى المنصور فطلب القاضي إليه فأحضر فقال له: تَنَصَّل وأعفو عنك؟ فامتنع، فأمر، فعلق في الشمس إلى أن مات وكان يستغيث العطش، فلم يسق ثم صلبوه على خشبة فلعنة الله على الظالمين. (١) أحمد بن إسحاق الصِّبْغِي (٢) (٣٤٢ هـ) هو الإمام العلامة المفتي المحدث، أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب بن يزيد النيسابوري الشافعي المعروف "بالصبغي" بكسر الصاد المهملة وسكون الباء ثم غين معجمة في آخرها ياء نسبة إلى الصبغ والصباغ، وهو ما يصبغ به من الألوان. وقد تصحف إلى "الضُّبعي" في كل من 'العبر' للذهبي، و'الطبقات' للسبكي، و'تاريخ الخلفاء' للسيوطي وغيرها. ولد سنة ثمان وخمسين ومائتين. وسمع الفضل بن محمد الشعراني، والحارث بن أبي أسامة، وإسماعيل القاضي، وعلي بن عبد العزيز البغوي. حدث عنه حمزة بن محمد الزيدي، وأبو بكر الإسماعيلي، وأبو عبد الله الحاكم وخلق كثير. جمع وصنف، وبرع في الفقه، وتميز في علم الحديث. وكان يخلف ابن خزيمة في الفتوى بضع عشرة سنة. قال السمعاني: أحد العلماء المشهورين بالفضل والعلم الواسع. وقال الحاكم: ومن تصانيفه: كتاب 'الأسماء والصفات' وكتاب 'الإيمان' وكتاب 'القدر' وكتاب 'الخلفاء الأربعة' وكتاب 'الرؤية'

стр. 2311

وكتاب 'الأحكام' وكتاب 'الإمامة'. توفي ﵀ في شعبان سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة. موقفه من المبتدعة: جاء في ذم الكلام: عن محمد بن عبد الله الحافظ قال: سمعت أحمد بن إسحاق بن أيوب الفقيه الصبغي يناظر رجلاً فقال: حدثنا فلان، قال له الرجل: دعنا من حدثنا إلى متى حدثنا؟ فقال له الشيخ: قم يا كافر، فلا يحل لك أن تدخل داري بعد. ثم التفت إلينا فقال: ما قلت لأحد قط لا تدخل داري غير هذا. (١) - وفي السير: قال الحاكم: وقد سمعته يخاطب كهلا من أهل (٢) فقال: حدثونا عن سليمان بن حرب فقال له: دعنا من حدثنا إلى متى حدثنا وأخبرنا؟ فقال: يا هذا لست أشم من كلامك رائحة الإيمان، ولا يحل لك أن تدخل هذه الدار ثم هجره حتى مات. (٣) " التعليق: هذه غيرة الأئمة ﵏ على سنة رسول الله ﷺ فإذا كان أهل الضلال بلغت بهم الوقاحة وقلة الحياء إلى قولهم: "دعنا من حدثنا وأخبرنا"، ودين الأمة كله قائم على سلسلة حدثنا وأخبرنا فلا دين إلا بها ولا عقيدة إلا على طريقها ولا عبادة تصح إلا منها، فكتب السنة كلها والقرآن بكل

стр. 2312

رواياته لا طريق له إلا حدثنا وأخبرنا، فإنكار حدثنا وأخبرنا إنكار لدين الله، فلهذا أغلظ له هذا الإمام القول ووصفه بوصف الكفر. وإطلاق الكفر على الإنسان فيه تفصيل، فمن جحد أو كذب أو رد أو كره أو ذم أو سب أو شتم وكل ما فيه قدح للإسلام أو النبوة أو الرسالة أو القرآن أو السنة مع العلم وإقامة الحجة فكفر مخرج عن الملة. موقفه من الجهمية: - جاء في الفتح: ومن طريق أبي بكر الصبغي قال: مذهب أهل السنة في قوله ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (١) قال بلا كيف والآثار فيه عن السلف كثيرة، وهذه طريقة الشافعي وأحمد بن حنبل. (٢) - وفيه: وقد أملى أبو بكر الصبغي الفقيه أحد الأئمة من تلامذته ابن خزيمة اعتقاده وفيه لم يزل الله متكلماً ولا مثل لكلامه لأنه نفى المثل عن صفاته كما نفى المثل عن ذاته، ونفى النفاد عن كلامه كما نفى الهلاك عن نفسه، فقال: ﴿لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي﴾ (٣) وقال: ﴿كل شَيْءٍ هَالِكٌ إِلًّا وَجْهَهُ﴾ (٤) فاستصوب ذلك ابن خزيمة ورضي به. (٥) - قال البيهقي: ما جاء في قول الله : ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ في

стр. 2313

السَّمَاءِ﴾ (١) قال أبو عبد الله الحافظ قال الشيخ أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب الفقيه قد تضع العرب (في) بموضع (على) قال الله : ﴿فسيحوا في الأرض﴾ (٢) وقال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ في جذوع النخل﴾ (٣) ومعناه: على الأرض وعلى النخل، فكذلك قوله ﴿في السَّمَاءِ﴾ أي: على العرش فوق السماء، كما صحت الأخبار عن النبي ﷺ . قلت: يريد ما مضى من الروايات. (٤) موقفه من القدرية: له كتاب 'القدر' وهو رد على القدرية. (٥) أبو محمد عبد الرحمن بن حَمْدَان (٦) (٣٤٢ هـ) الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن حمدان بن المرزبان الهمذاني الجلاب، أحد أركان السنة بهمذان. سمع أبا حاتم الرازي، وإبراهيم بن نصر وأبا بكر ابن أبي الدنيا، وهلال بن العلاء وطبقتهم. وعنه صالح بن أحمد وعبد الرحمن

стр. 2314

الأنماطي، وابن منده والحاكم والقاضي عبد الجبار بن أحمد، وآخرون. قال شيرويه الديلمي: كان صدوقاً قدوة، له أتباع. توفي ﵀ سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة. موقفه من الجهمية: عن عبد الرحمن بن حمدان قال: كان معي رفيق بطرسوس وهو أبو علي ابن خالويه، وكان معي في البيت، وكان قد أقبل على كتب الصوري والأنطاكي وأصحاب الكلام في الرقة، وكنت أنهاه فلا ينتهي، حتى كان ذات يوم جاءني فقال: أنا تائب. فقلت: أحدث شيء؟ قال: نعم، رأيت في هذه الليلة كأني دخلت البيت الذي نحن فيه، فوجدت رائحة مسك، فجعلت أتتبع الرائحة حتى وجدته يفوح من المحبرة! فقلت: إن الخير في الحديث. (١) بكر بن محمد القُشَيْرِي البصري (٢) (٣٤٤ هـ) العلامة أبو الفضل، بكر بن محمد بن العلاء القشيري البصري المالكي. ولي القضاء بناحية العراق، وصنف في المذهب كتباً جليلة. وسمع من أبي مسلم الكجي، وحكى عن سهل التستري. وروى عنه الحسن بن رشيق وعبد الله بن محمد بن أسد الأندلسي. قال الفرغاني: كان بكر من كبار الفقهاء المالكيين بمصر، وتقلد أعمالاً للقضاء، وكان راوية للحديث، وأوله

стр. 2315

من البصرة، ثم خرج من العراق لأمر اضطره، فنزل مصر قبل الثلاثين والثلاثمائة، وأدرك فيها رياسة عظيمة وكان قد ولي القضاء ببعض نواحي العراق. توفي ﵀ سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وقد جاوز الثمانين، ودفن بالمقطم. موقفه من القدرية: له مؤلف في الرد على القدرية. ذكره الذهبي في السير (١) والصفدي في الوافي بالوفيات. (٢) محمد بن عبد الواحد أبو عمر (٣) (٣٤٥ هـ) الإمام محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم البغدادي أبو عمر الزاهد غلام ثعلب اللغوي المشهور. سمع أحمد بن سعيد الجمال، وأحمد بن عبيد الله النرسي والحارث بن أبي أسامة وإبراهيم بن الهيثم البلدي، ولازم ثعلباً فأكثر عنه. وحدث عنه ابن منده، وأبو عبد الله الحاكم، وأبو علي بن شاذان وأبو الحسن بن رزقويه، وجماعة. قال أبو علي التنوخي: من الرواة الذين لم ير قط أحفظ منهم أبو عمر غلام ثعلب، أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة فيما بلغني، حتى اتهموه لسعة حفظه. وقال عبد الواحد بن علي بن برهان: لم
следующие страницы →