- وعن زاذان قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: لا تقوم الساعة حتى تكون هذه الأمة على بضع وسبعين ملة كلها في الهاوية وواحدة في الجنة. (١)
- وفيها عن علي ﵁ قال: من فارق الجماعة شبرا فقد نزع ربقة الإسلام من عنقه. (٢)
- وفيها: عن رفيع أبي كثير، قال: قال علي بن أبي طالب ﵁ يوما: سلوني عما شئتم، فقال ابن الكوا: ما السواد الذي في القمر؟ قال: فإن تلك لله، ألا سألت عما ينفعك في دينك وآخرتك ذاك محو الليل. وفيه زيادة من طريق أخرى قال أخبرنا عن قوله: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ (٣)؟ قال: ثكلتك أمك سل تفقها ولا تسل تعنتا سل عما يعنيك ودع ما لا يعنيك. وذكر الحديث. (٤)
" التعليق:
قال ابن بطة عقبه: وهكذا كان العلماء والعقلاء إذا سئلوا عما لا ينفع السائل علمه ولا يضره جهله، وربما كان الجواب أيضا مما لا يضبطه السائل ولا يبلغه فهمه منعوه الجواب وربما زجروه وعنفوه.
стр. 247
- وفيها أيضا: عن الشعبي قال: قال علي بن أبي طالب لرجل رآه يصحب رجلا كرهه له:
ولا تصحب أخا الجهل ... وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى ... حليما حين آخاه
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ماشاه
وللشيء على الشيء ... مقاييس وأشباه
وللروح على الروح ... دليل حين يلقاه
وذو الحزم إذا أبصر ... ما يخشى توقاه
وذو الغفلة مغرور ... وريب الدهر يدهاه
ومن يعرف صروف الدهر ... لا يبطره نعماه
وفي رواية:
إذا أنت لم تسقم وصاحبت مسقما ... وكنت له خدنا فأنت سقيم (١)
- وروى الخطيب عن عبد الله بن لهيعة قال: كتب ابن عباس إلى علي يستحثه فكتب إليه علي مجيبا: إنه ينبغي لك أن يكون أول عملك بما أنت فيه، البصر بهداية الطريق، ولا تستوحش لقلة أهلها، فإن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا، ولم يك من المشركين، لم يستوحش مع الله في طريق الهداية إذ قل أهلها، ولم يأنس بغير الله. (٢)
- وعن أبي عامر إياس بن عامر عن علي بن أبي طالب قال: إنك إن
стр. 248
بقيت فسترى القرآن على ثلاثة أصناف: صنف لله، وصنف للدنيا، وصنف للجدال. (١)
- عن إبراهيم التيمي حدثني أبي قال: خطبنا علي ﵁ على منبر من آجر وعليه سيف فيه صحيفة معلقة فقال: والله ما عندنا من كتاب يقرأ إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة، فنشرها، فإذا فيها أسنان الإبل، وإذا فيها: المدينة حرم من عير إلى كذا، فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. وإذا فيه: ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. وإذا فيها: من والى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. (٢)
- وفي سنن أبي داود عن علي بن أبي طالب قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﵌ يمسح على ظاهر خفيه. (٣)
- وعن الأصبغ بن نباتة عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ما
стр. 249
كان رجل على رأي من البدعة فتركه، إلا إلى ما هو شر منه. (١)
- وعن أبي البختري عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: إياكم والاستنان بالرجال، فإن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة، ثم ينقلب لعلم الله فيه، فيعمل بعمل أهل النار، فيموت وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، فينقلب لعلم الله فيه، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيموت وهو من أهل الجنة، فإن كنتم لابد فاعلين، فبالأموات لا بالأحياء. (٢)
" التعليق:
قال الشاطبي: فهو إشارة إلى الأخذ بالاحتياط في الدين، وأن الإنسان لا ينبغي له أن يعتمد على عمل أحد ألبتة، حتى يتثبت فيه ويسأل عن حكمه، إذ لعل المعتمد على عمله يعمل على خلاف السنة، ولذلك قيل: لا تنظر إلى عمل العالم، ولكن سله يصدقك، وقالوا: ضعف الروية أن يكون رأى فلانا يعمل فيعمل مثله، ولعله فعله ساهيا. (٣)
- وعن كميل بن زياد: أن عليا ﵁، قال: يا كميل، إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها للخير، والناس ثلاثة: فعالم رباني: ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق ... إلى أن قال فيه: أف لحامل حق لا بصيرة له، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، لا يدري أين الحق،
стр. 250
إن قال أخطأ، وإن أخطأ لم يدر، مشغوف بما لا يدري حقيقته، فهو فتنة لمن فتن به، وإن من الخير كله من عَرَّفه الله دينه، وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف دينه. (١)
- وروى البخاري في صحيحه عن عبيدة عن علي ﵁ قال: اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف، حتى يكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي. (٢)
- وقال ﵁: وابردها على كبدي، ثلاث مرات، قالوا: يا أمير المؤمنين وما ذاك؟ قال: أن يسأل الرجل عما لا يعلم فيقول: الله أعلم. (٣)
- وعنه ﵁ قال: خمس إذا سافر فيهن رجل إلى اليمن كن فيه عوضا من سفره: لا يخشى عبد إلا ربه، ولا يخاف إلا ذنبه، ولا يستحي من لا يعلم أن يتعلم، ولا يستحي من يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم، والصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد. (٤)
- وروى ابن وضاح عن أوفى بن دلهم العدوي قال: بلغني عن علي أنه قال: تعلموا العلم تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، فإنه سيأتي من
стр. 251
بعدكم زمان ينكر الحق فيه تسعة أعشارهم لا ينجو فيه إلا كل مؤمن نُوَمَة -قال وكيع: يعني مغفلا- أولئك أئمة الهدى ومصابيح العلم ليسوا بالعجل المذاييع البذر. قال: قيل لعلي ابن أبي طالب: ما النومة؟ قال: الرجل يسكت في الفتنة فلا يبدو منه شيء. (١)
- وجاء في المنهاج لشيخ الإسلام ابن تيمية: قال علي ﵁ في مفاوضة جرت بينه وبين عثمان ﵁: خيرنا أتبعنا لهذا الدين وعثمان يوافقه على ذلك، وسائر الصحابة ﵃ أجمعين. (٢)
- وفي مقدمة ابن ماجه: عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب قال: إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ حديثا فظنوا به الذي هو أهناه وأهداه وأتقاه. (٣)
موقفه من المشركين:
- قال ابن إسحاق: ثم إن علي بن أبي طالب ﵁ جاء بعد ذلك بيوم وهما يصليان (٤)، فقال علي: يا محمد، ما هذا؟ قال: دين الله الذي اصطفى لنفسه وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده لا شريك له وإلى عبادته وأن تكفر باللات والعزى، فقال علي: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاض أمرا حتى أحدث به أبا طالب، فكره رسول الله ﷺ أن يفشي
стр. 252
عليه سره قبل أن يستعلن أمره، فقال له: يا علي إذا لم تسلم فاكتم، فمكث علي تلك الليلة، ثم إن الله أوقع في قلب علي الإسلام، فأصبح غاديا إلى رسول الله ﷺ حتى جاءه فقال: ماذا عرضت علي يا محمد؟ فقال له رسول الله ﷺ : تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتكفر باللات والعزى، وتبرأ من الأنداد، ففعل علي وأسلم. ومكث يأتيه على خوف من أبي طالب، وكتم علي إسلامه ولم يظهره. (١)
- وعن أبي وائل عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته. ولا قبرا مشرفا إلا سويته. (٢)
- روى البخاري بسنده إلى عكرمة قال: أتي علي ﵁ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله ﷺ : لا تعذبوا بعذاب الله. ولقتلتهم، لقول رسول الله ﷺ : من بدل دينه فاقتلوه. (٣)
قال الحافظ في رواية هذا الحديث: (أتي علي) هو ابن أبي طالب تقدم في باب: "لا يعذب بعذاب الله" من كتاب الجهاد من طريق سفيان بن عيينة عن أيوب بهذا السند أن عليا حرق قوما، وذكرت هناك أن الحميدي رواه
стр. 253
عن سفيان بلفظ: "حرق المرتدين" ومن وجه آخر عند ابن أبي شيبة: "كان أناس يعبدون الأصنام في السر"، وعند الطبراني في الأوسط من طريق سويد ابن غفلة: "أن عليا بلغه أن قوما ارتدوا عن الإسلام، فبعث إليهم فأطعمهم ثم دعاهم إلى الإسلام، فأبوا فحفر حفيرة ثم أتى بهم، فضرب أعناقهم ورماهم فيها، ثم ألقى عليهم الحطب فأحرقهم، ثم قال: صدق الله ورسوله"، وزعم أبو المظفر الإسفراييني في الملل والنحل أن الذين أحرقهم علي طائفة من الروافض ادعوا فيه الإلهية، وهم السبائية وكان كبيرهم عبد الله بن سبأ يهوديا، ثم أظهر الإسلام، وابتدع هذه المقالة. وهذا يمكن أن يكون أصله ما رويناه في الجزء الثالث من حديث أبي طاهر المخلص من طريق عبد الله بن شريك العامري عن أبيه قال: قيل لعلي: إن هنا قوما على باب المسجد يدعون أنك ربهم، فدعاهم فقال لهم: ويلكم ما تقولون؟ قالوا: أنت ربنا وخالقنا ورازقنا، فقال: ويلكم إنما أنا عبد مثلكم، آكل الطعام كما تأكلون وأشرب كما تشربون، إن أطعت الله أثابني إن شاء وإن عصيته خشيت أن يعذبني، فاتقوا الله وارجعوا، فأبوا. فلما كان الغد غدوا عليه، فجاء قنبر فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام فقال: أدخلهم فقالوا كذلك. فلما كان الثالث، قال: لئن قلتم ذلك لأقتلنكم بأخبث قتلة، فأبوا إلا ذلك، فقال: يا قنبر، ائتني بفعلة معهم مرورهم فخدَّ لهم أخدودا بين باب المسجد والقصر، وقال: احفروا فأبعدوا في الأرض، وجاء بالحطب فطرحه بالنار في الأخدود، وقال: إني طارحكم فيها أو ترجعوا، فأبوا أن يرجعوا، فقذف بهم فيها حتى إذا احترقوا قال:
стр. 254
إني إذا رأيت أمرا منكرا ... أوقدت ناري ودعوت قنبرا
وهذا سند حسن. (١)
- عن عثمان الشحام، سمعه من الحسن، قال: كان أبو الحسن -يعني علي بن أبي طالب ﵁ يقول: إن كثيرا من هذه التمائم والرقى شرك بالله فاجتنبوها. (٢)
- وفي الإبانة: عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه سمع رجلا يتكلم في الله بشيء لا ينبغي، فأمر بضرب عنقه؛ فضربت عنقه. (٣)
موقفه من الرافضة:
أخرج الخطيب في الكفاية بسنده إلى زيد بن وهب أن سويد بن غفلة الجعفي دخل على علي بن أبي طالب ﵁ في إمارته فقال: يا أمير المؤمنين إني مررت بنفر يذكرون أبا بكر وعمر بغير الذي هما له أهل من الإسلام، لأنهم يرون أنك تضمر لهما على مثل ذلك، وإنهم لم يجترئوا على ذلك إلا وهم يرون أن ذلك موافق لك -وذكر حديث خطبة علي وكلامه في أبي بكر وعمر ﵃ وقوله في آخره ألا ولن يبلغني عن أحد يفضلني عليهما إلا جلدته حد المفتري. (٤)
- عن إبراهيم النخعي عن علقمة قال: وضرب بيده على منبر الكوفة
стр. 255
فقال: خطبنا علي على هذا المنبر فذكر ما شاء أن يذكر ثم قال: ألا إنه بلغني أن ناسا يفضلوني على أبي بكر وعمر ولو كنت تقدمت في ذلك لعاقبت ولكن أكره العقوبة قبل التقدم من أتيت به من بعد مقامي قد قال شيئا من ذلك فهو مفتر، عليه ما على المفتري، ثم قال: إن خير الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما. (١)
- وجاء في الشريعة: عن عبد خير قال: رأيت عليا ﵁ صلى العصر فصف له أهل نجران صفين، فلما صلى أومأ رجل منهم فأخرج كتابا فناوله إياه، فلما قرأه دمعت عيناه، ثم رفع رأسه إليهم، فقال: يا أهل نجران، أو يا أصحابي، هذا والله خطي بيدي وإملاء رسول الله ﷺ ، قالوا: يا أمير المؤمنين أعطنا ما فيه، قال: ودنوت منه، فقلت: إن كان رادا على عمر ﵁ يوما ما فاليوم يرد عليه، فقال: لست براد على عمر اليوم شيئا صنعه، إن عمر كان رجلا رشيد الأمر، وإن عمر أخذ منكم خيرا مما أعطاكم، ولم يجر عمر ﵁ ما أخذ منكم لنفسه، إنما جره لجماعة المسلمين. (٢)
- وفيها عنه أيضا عن علي ﵁ قال: سمعته يقول: رحم الله أبا بكر، هو أول من جمع القرآن بين اللوحين. (٣)
стр. 256
- وفيها عن سويد بن غفلة الجعفي قال: سمعت علي بن أبي طالب ﵁ يقول: أيها الناس؛ الله الله، وإياكم والغلو في عثمان ﵁ وقولكم: خراق المصاحف، فوالله ما خرقها إلا عن ملاء منا أصحاب محمد ﷺ جمعنا فقال: ما تقولون في هذه القراءة التي قد اختلف فيها الناس، يلقى الرجل الرجل فيقول: قراءتي خير من قراءتك، وقراءتي أفضل من قراءتك، وهذا شبيه بالكفر. فقلنا: ما الرأي يا أمير المؤمنين؟ قال: أرى أن أجمع الناس على مصحف واحد، فإنكم إن اختلفتم اليوم كان من بعدكم أشد اختلافا. فقلنا: فنعم ما رأيت. فأرسل إلى زيد بن ثابت وسعيد بن العاص، فقال: يكتب أحدكما ويمل الآخر، فإذا اختلفتما في شيء فارفعاه إلي، فكتب أحدهما وأملى الآخر فما اختلفا في شيء من كتاب الله إلا في حرف في سورة البقرة، فقال: أحدهما التابوت. وقال الآخر: التابوه، فرفعاه إلى عثمان ﵁ فقال: التابوت. قال: وقال علي ﵁: لو وليت مثل الذي ولي لصنعت مثل الذي صنع. قال: فقال القوم لسويد بن غفلة: الله الذي لا إله إلا هو لسمعت هذه من علي ﵁؟ قال: الله الذي لا إله إلا هو لسمعت هذا من علي ﵁. (١)
- وفيها عن محمد بن حاطب قال: ذكروا عثمان ﵁ عند الحسن بن علي ﵁ فقال الحسن: هذا أمير المؤمنين علي ﵁ يأتيكم الآن فاسألوه عنه، فجاء علي ﵁ فسألوه عن عثمان
стр. 257
رضي الله عنه فتلا هذه الآية (١): ﴿ليس على الذين آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ كلما مر بحرف من الآية قال: كان عثمان من الذين آمنوا، كان عثمان من الذين اتقوا ثم قرأ إلى قوله : ﴿وَاللَّهُ يحب الْمُحْسِنِينَ﴾. (٢)
- وفيها عن أبي عبد الرحمن قال: دخل علي ﵁ على عمر ﵁ وقد سجي بثوبه فقال: ما أحد أحب إلي أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجي بينكم، ثم قال: رحمك الله ابن الخطاب إن كنت بذات الله لعليما، وإن كان الله في صدرك لعظيما، وإن كنت لتخشى الله في الناس، ولا تخشى الناس في الله كنت جوادا بالحق، بخيلا بالباطل، خميصا من الدنيا، بطينا من الآخرة، لم تكن عيابا ولا مداحا. (٣)
- وعن عبد الله بن أبي مليكة عن ابن عباس قال: كنت في ناس نترحم على عمر حين وضع على سريره فجاء رجل من خلفي فوضع يده على منكبي فترحم عليه وقال: ما من أحد أحب أن ألقى الله بمثل عمله أحب إلي منه وإن كنت لأظن ليجعلنك الله مع صاحبيك فإني كنت كثيرا أسمع رسول الله ﷺ يقول: كنت أنا وأبو بكر وعمر وفعلت أنا وأبو بكر وعمر فظننت
стр. 258
أن يجعلك الله معهما فإذا هو علي بن أبي طالب. (١)
- وفيها: قال علي ﵁: يهلك فيّ رجلان: محب مطر يقرظني بما ليس في، ومبغض مفتر يحمله شنآني على أن يبهتني. (٢)
- وعنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها ﵌ أبو بكر وعمر. (٣)
- وفي أصول الاعتقاد: عن إبراهيم: بلغ علي بن أبي طالب أن عبد الله ابن الأسود ينتقص أبا بكر وعمر فهم بقتله فقيل له تقتل رجلا يدعو إلى حبكم أهل البيت فقال: لا يساكني في دار أبدا. (٤)
- وعن النزال بن سبرة قال: وافقنا من علي ذات يوم طيب نفس ومزاح فقلنا له: يا أمير المؤمنين حدثنا عن أصحابك خاصة قال: كل أصحاب رسول الله ﷺ أصحابي قالوا: حدثنا عن أبي بكر الصديق قال: ذاك امرؤ أسماه الله صديقا على لسان جبريل ولسان محمد كان خليفة رسول الله على الصلاة رضيه لديننا ورضيناه لدنيانا. (٥)
- وعن مسروق بن الضحاك مولى رسول الله ﷺ قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي بن حسين يذكر عن أبيه قال: قال فتى من بني هاشم لعلي بن أبي طالب حين انصرف: سمعتك تخطب يا أمير المؤمنين في الجمعة
стр. 259
تقول: اللهم أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين فمن هم؟ قال: فاغرورقت عيناه يعني ثم انهملت على لحيته ثم قال: أبو بكر وعمر. إمامي الهدى وشيخي الإسلام والمقتدى بهما بعد رسول الله ﷺ ، من اتبعهما هدي إلى صراط مستقيم ومن اقتدى بهما رشد، ومن تمسك بهما فهو من حزب الله وحزب الله هم المفلحون. (١)
- وعن سعيد بن عمرو بن سفيان عن أبيه: أن عليا خطب فقال: إن رسول الله ﷺ لم يعهد إلينا في الإمارة عهدا ولكنه رأي رأيناه فاستخلف أبو بكر رحمة الله عليه فقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه، ثم استخلف عمر ﵀ فقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه، ثم إن قوما طلبوا الدنيا يعفو الله عن من يشاء ويعذب من يشاء. (٢)
- وعن الحكم قال: سمعت أبا جحيفة وكان سيد الناس استعمله علي ﵁ على الكوفة زمن الجمل فقال: سمعت عليا يقول: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيها؟ أبو بكر، ألا أخبركم بخيرها بعد أبي بكر؟ عمر، ألا أخبركم بخيرها بعد عمر؟ ثم سكت. (٣)
- وعن ميمون بن مهران عن عبد الله بن عمر: أن عليا أتى عثمان وهو محصور فأرسل إليه أني قد جئت لأنصرك فأرسل إليه بالسلام وقال: لا حاجة لي فأخذ علي عمامته من رأسه فألقاها في الدار التي فيها عثمان وهو
стр. 260
يقول ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب. (١)
- وعن أبي حصين أن عليا قال: لو أعلم أن بني أمية يذهب ما في نفسها لحلفت خمسين يمينا مرددة بين الركن والمقام أني لم أقتل عثمان ولم أماليء على قتله. (٢)
- وعن منصور عن إبراهيم قال: جاء بشر بن جرموز إلى علي بن أبي طالب فجافاه وقال: هكذا يصنع بأهل البلاء فقال علي: بفيك الحجر: إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله : ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. اهـ (٤)
- وعن عبد الرحمن بن الشريد عن علي أنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان من الذين قال الله : ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. (٥)
- وعن قتادة عن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: لقيت علي بن أبي طالب بالبصرة يوم الجمل بالجزيرة فقال لي: ما الذي بطأك عنا؟ أحب عثمان بطأ بك عنا؟ قال: ثم حرك دابته وحركت دابتي أعتذر إليه قال: قال لي إن تحبه فقد كان خيرنا وأوصلنا للرحم. (٦)
стр. 261
- وعن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر. وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين. (١)
- وعنه ﵁ قال: لو سيرني عثمان إلى ضرار لسمعت وأطعت. (٢)
- وعن أبي الجلاس قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول لعبد الله السباي: والله ما أفضى إلي رسول الله ﷺ شيئا ولقد سمعته يقول إن بين يدي الساعة ثلاثين كذابا، وإنك لأحدهم. (٣)
موقفه من الجهمية:
قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: روى عبد الرحمن بن أبي حاتم بسنده إلى علي، قال: حدثنا محمد بن حجاج الحضرمي المضري حدثنا يعلى ابن عبد العزيز حدثنا عتبة بن السكن الفزاري حدثنا الفرج بن يزيد الكلاعي قال: قالوا لعلي يوم صفين: حكمت كافرا أو منافقا، قال: ما حكمت مخلوقا، ما حكمت إلا القرآن. (٤)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا السياق يبطل تأويل من يفسر كلام
стр. 262
السلف بأن المخلوق هو المفتري المكذوب. والقرآن غير مفترى ولا مكذوب، فانهم لما قالوا: (حكمت مخلوقا) إنما أرادوا مربوبا مصنوعا خلقه الله، لم يريدوا مكذوبا، فقوله: (ما حكمت مخلوقا) نفي لما ادعوه. وقوله: (ما حكمت إلا القرآن) نفي لهذا الخلق عنه.
- جاء في أصول الاعتقاد: عن الحارث بن سويد قال: قال علي: يذهب الناس حتى لا يبقى أحد يقول لا إله إلا الله، فإذا فعلوا ذلك ضرب يعسوب الدين ذنبه فيجتمعون إليه من أطراف الأرض كما يجتمع قرع الخريف، ثم قال علي: إني لأعرف أميرهم ومناخ ركابهم يقولون: القرآن مخلوق وليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله منه بدأ وإليه يعود. (١)
- وفيه عن عمارة بن عبد يقول: سمعت عليا يقول: من تمام النعمة دخول الجنة والنظر إلى وجه الله ﵎ في جنته. (٢)
موقفه من الخوارج:
عن عبيدة عن علي. قال: ذكر الخوارج فقال: فيهم رجل مُخْدَج اليد، أو مُودَن اليد، أو مَثْدُون اليد (٣)، لولا أن تَبْطَرُوا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم، على لسان محمد ﷺ . قال قلت: آنت سمعته من محمد ﷺ ؟ قال: إي، ورب الكعبة إي ورب الكعبة، إي ورب الكعبة. (٤)
стр. 263
" التعليق:
قال ابن هبيرة: فيه من الفقه توفر الثواب في قتل الخوارج، وأنه بلغ إلى أن خاف علي ﵁ أن يبطر أصحابه إذا أخبرهم بثوابهم في قتلهم، وإنما ذكر هذه لئلا يرى أحد في وقت ظهور مثلهم أن قتال المشركين أولى من قتالهم، بل قتالهم على هذا الكلام أولى من قتال المشركين لأن في ذلك حفظ رأس مال الإسلام، وقتال المشركين هو طلب ربح في الإسلام. (١)
- عن سلمة بن كهيل قال: أخبرني زيد بن وهب الجهني، أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي ﵁ الذين ساروا إلى الخوارج، فقال علي ﵁: أيها الناس، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليست قراءتكم إلى قراءتهم شيئا، ولا صلاتكم إلى صلاتهم شيئا، ولا صيامكم إلى صيامهم شيئا يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، ويمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الجيش يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم ﷺ لنكلوا عن العمل، وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد وليست له ذراع، على عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض أفتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم؟ والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس، فسيروا على اسم الله، قال سلمة بن كهيل: فنزلني زيد بن وهب منزلا، حتى مر بنا
стр. 264
على قنطرة، قال: فلما التقينا وعلى الخوارج عبد الله بن وهب الراسبي فقال لهم: ألقوا الرماح وسلوا السيوف من جفونها، فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء، قال: فوحشوا برماحهم، واستلوا السيوف، وشجرهم الناس برماحهم، قال: وقتلوا بعضهم على بعض، قال: وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان، فقال علي ﵁: التمسوا فيهم المخدج، فلم يجدوا، قال: فقام علي ﵁ بنفسه، حتى أتى ناسا قد قتل بعضهم على بعض، فقال: أخرجوهم، فوجدوه مما يلي الأرض، فكبر، وقال: صدق الله، وبلغ رسوله، فقام إليه عبيدة السلماني فقال: يا أمير المؤمنين،) و (الله الذي لا إله إلا هو لقد سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ فقال: إي والله الذي لا إله إلا هو، حتى استحلفه ثلاثا (١)،
وهو يحلف. (٢)
- جاء في البداية والنهاية: لما بعث علي أبا موسى ومن معه من الجيش إلى دومة الجندل اشتد أمر الخوارج وبالغوا في النكير على علي وصرحوا بكفره، فجاء إليه رجلان منهم، وهما زرعة بن البرج الطائي، وحرقوص بن زهير السعدي فقالا: لا حكم إلا لله، فقال علي: لا حكم إلا لله، فقال له حرقوص: تب من خطيئتك واذهب بنا إلى عدونا حتى نقاتلهم حتى نلقى ربنا. فقال علي: فقد أردتكم على ذلك فأبيتم، وقد كتبنا بيننا وبين القوم
стр. 265
عهودا وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ الآية (١) فقال له حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه، فقال علي: ما هو بذنب ولكنه عجز من الرأي، وقد تقدمت إليكم فيما كان منه، ونهيتكم عنه، فقال له زرعة بن البرج: أما والله يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله لأقاتلنك أطلب بذلك رحمة الله ورضوانه، فقال علي: تبا لك ما أشقاك كأني بك قتيلا تسفي عليك الريح، فقال: وددت أن قد كان ذلك، فقال له علي: إنك لو كنت محقا كان في الموت تعزية عن الدنيا، ولكن الشيطان قد استهواكم. فخرجا من عنده يحكمان وفشا فيهم ذلك، وجاهروا به الناس، وتعرضوا لعلي في خطبه وأسمعوه السب والشتم والتعريض بآيات من القرآن، وذلك أن عليا قام خطيبا في بعض الجمع فذكر أمر الخوارج فذمه وعابه. فقام جماعة منهم كل يقول لا حكم إلا لله، وقام رجل منهم وهو واضع إصبعه في أذنيه يقول: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٦٥)(٢) فجعل علي يقلب يديه هكذا وهكذا وهو على المنبر ويقول: حكم الله ننتظر فيكم.
ثم قال: إن لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا ما لم تخرجوا علينا، ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا. وقال أبو مخنف عن عبد الملك عن أبي حرة؛ أن عليا لما بعث أبا موسى لإنفاذ
стр. 266
الحكومة اجتمع الخوارج في منزل عبد الله بن وهب الراسبي فخطبهم خطبة بليغة زهدهم في هذه الدنيا ورغبهم في الآخرة والجنة، وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم قال: فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها، إلى جانب هذا السواد إلى بعض كور الجبال، أو بعض هذه المدائن، منكرين لهذه الأحكام الجائرة. ثم قام حرقوص بن زهير فقال بعد حمد الله والثناء عليه: إن المتاع بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك، فلا يدعونكم زينتها أو بهجتها إلى المقام بها، ولا تلتفت بكم عن طلب الحق وإنكار الظلم ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ محسنون﴾ (١) فقال سنان بن حمزة الأسدي: يا قوم إن الرأي ما رأيتم، وإن الحق ما ذكرتم، فولوا أمركم رجلا منكم، فإنه لا بد لكم من عماد وسناد، ومن راية تحفون بها وترجعون إليها، فبعثوا إلى زيد بن حصن الطائي -وكان من رؤوسهم- فعرضوا عليه الإمارة فأبى، ثم عرضوها على حرقوص بن زهير فأبى وعرضوها على حمزة بن سنان فأبى، وعرضوها على شريح بن أبي أوفى العبسي فأبى وعرضوها على عبد الله بن وهب الراسبي فقبلها وقال: أما والله لا أقبلها رغبة في الدنيا ولا أدعها فرقا من الموت. واجتمعوا أيضا في بيت زيد بن حصن الطائي السنبسي فخطبهم وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتلا عليهم آيات من القرآن منها قوله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى
стр. 267
فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١)
الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) وكذا التي بعدها وبعدها الظالمون الفاسقون ثم قال: فأشهد على أهل دعوتنا من أهل قبلتنا أنهم قد اتبعوا الهوى، ونبذوا حكم الكتاب، وجاروا في القول والأعمال، وأن جهادهم حق على المؤمنين، فبكى رجل منهم يقال له عبد الله بن سخبرة السلمي، ثم حرض أولئك على الخروج على الناس، وقال في كلامه: اضربوا وجوههم وجباههم بالسيوف حتى يطاع الرحمن الرحيم، فإن أنتم ظفرتم وأطيع الله كما أردتم أثابكم ثواب المطيعين له العاملين بأمره وإن قتلتم فأي شيء أفضل من المصير إلى رضوان الله وجنته.
" التعليق:
قال الحافظ ابن كثير: وهذا الضرب من الناس من أغرب أشكال بني آدم، فسبحان من نوع خلقه كما أراد، وسبق في قدره العظيم. وما أحسن ما قال بعض السلف في الخوارج: إنهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ
стр. 268
وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (١) والمقصود أن هؤلاء الجهلة الضلال، والأشقياء في الأقوال والأفعال، اجتمع رأيهم على الخروج من بين أظهر المسلمين، وتواطئوا على المسير إلى المدائن ليملكوها على الناس ويتحصنوا بها ويبعثوا إلى إخوانهم وأضرابهم -ممن هو على رأيهم ومذهبهم، من أهل البصرة وغيرها- فيوافوهم إليها. ويكون اجتماعهم عليها.
فقال لهم زيد بن حصن الطائي: إن المدائن لا تقدرون عليها، فإن بها جيشا لا تطيقونه وسيمنعوها منكم، ولكن واعدوا إخوانكم إلى جسر نهر جوخى، ولا تخرجوا من الكوفة جماعات، ولكن اخرجوا وحدانا لئلا يفطن بكم، فكتبوا كتابا عاما إلى من هو على مذهبهم ومسلكهم من أهل البصرة وغيرها وبعثوا به إليهم ليوافوهم إلى النهر ليكونوا يدا واحدة على الناس، ثم خرجوا يتسللون وحدانا لئلا يعلم أحد بهم فيمنعوهم من الخروج فخرجوا من بين الآباء والأمهات والأخوال والخالات وفارقوا سائر القرابات، يعتقدون بجهلهم وقلة علمهم وعقلهم أن هذا الأمر يرضي رب الأرض والسماوات، ولم يعلموا أنه من أكبر الكبائر الموبقات، والعظائم والخطيئات، وأنه مما زينه لهم إبليس الشيطان الرجيم المطرود عن السماوات الذي نصب العداوة لأبينا آدم ثم لذريته ما دامت أرواحهم في أجسادهم مترددات، والله المسئول أن يعصمنا منه بحوله وقوته إنه مجيب الدعوات، وقد تدارك جماعة من الناس بعض أولادهم وإخوانهم فردوهم
стр. 269
وأنبوهم ووبخوهم فمنهم من استمر على الاستقامة، ومنهم من فر بعد ذلك فلحق بالخوارج فخسر إلى يوم القيامة، وذهب الباقون إلى ذلك الموضع ووافى إليهم من كانوا كتبوا إليه من أهل البصرة وغيرها، واجتمع الجميع بالنهروان وصارت لهم شوكة ومنعة، وهم جند مستقلون وفيهم شجاعة وعندهم أنهم متقربون بذلك؟ فهم لا يصطلى لهم بنار، ولا يطمع في أن يؤخذ منهم بثأر، وبالله المستعان.
قال الحافظ ابن كثير: وقال أبو مخنف عن أبي روق عن الشعبي أن عليا لما خرجت الخوارج إلى النهروان وهرب أبو موسى إلى مكة، ورد ابن عباس إلى البصرة، قام في الناس بالكوفة خطيبا فقال: الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدثان الجليل الكادح، وأشهد أن لا إله غيره وأن محمدا رسول الله، أما بعد فإن المعصية تشين وتسوء وتورث الحسرة، وتعقب الندم، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وفي هذه الحكومة بأمري، ونحلتكم رأيي، فأبيتم إلا ما أردتم، فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن:
بذلت لهم نصحي بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد
ثم تكلم فيما فعله الحكمان فرد عليهما ما حكما به وأنبهما، وقال ما فيه حط عليهما، ثم ندب الناس إلى الخروج إلى الجهاد في أهل الشام، وعين لهم يوم الاثنين يخرجون فيه، وندب إلى ابن عباس والي البصرة يستنفر له الناس إلى الخروج إلى أهل الشام، وكتب إلى الخوارج يعلمهم أن الذي حكم به الحكمان مردود عليهما، وأنه قد عزم على الذهاب إلى الشام، فهلموا حتى نجتمع على قتالهم. فكتبوا إليه: أما بعد فإنك لم تغضب لربك، وإنما غضبت
стр. 270
لنفسك وإن شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلا فقد نابذناك على سواء ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (١)، فلما قرأ علي كتابهم يئس منهم وعزم على الذهاب إلى أهل الشام ليناجزهم، وخرج من الكوفة إلى النخيلة في عسكر كثيف -خمسة وستين ألفا- وبعث إليه ابن عباس بثلاثة آلاف ومائتي فارس من أهل البصرة مع جارية بن قدامة ألف وخمسمائة، ومع أبي الأسود الدؤلي ألف وسبعمائة، فكمل جيش علي في ثمانية وستين ألف فارس ومائتي فارس، وقام علي أمير المؤمنين خطيبا فحثهم على الجهاد والصبر عند لقاء العدو، وهو عازم على الشام، فبينما هو كذلك إذ بلغه أن الخوارج قد عاثوا في الأرض فسادا وسفكوا الدماء وقطعوا السبل واستحلوا المحارم، وكان من جملة من قتلوه عبد الله بن خباب صاحب رسول الله ﷺ ، أسروه وامرأته معه وهي حامل فقالوا: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله ﷺ وإنكم قد روعتموني فقالوا: لا بأس عليك، حدثنا ما سمعت من أبيك فقال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي" (٢)
فاقتادوه بيده فبينما هو يسير معهم إذ لقي بعضهم خنزيرا لبعض أهل الذمة فضربه بعضهم فشق جلده فقال له آخر: لم فعلت هذا وهو لذمي؟ فذهب إلى ذلك الذمي فاستحله وأرضاه وبينا هو معهم إذ سقطت تمرة من نخلة فأخذها أحدهم فألقاها في فمه، فقال له آخر:
стр. 271
بغير إذن ولا ثمن؟ فألقاها ذاك من فمه، ومع هذا قدموا عبد الله بن خباب فذبحوه، وجاءوا إلى امرأته فقالت: إني امرأة حبلى، ألا تتقون الله، فذبحوها وبقروا بطنها عن ولدها، فلما بلغ الناس هذا من صنيعهم خافوا إن هم ذهبوا إلى الشام واشتغلوا بقتال أهله أن يخلفهم هؤلاء في ذراريهم وديارهم بهذا الصنع، فخافوا غائلتهم، وأشاروا على علي بأن يبدأ بهؤلاء، ثم إذا فرغ منهم ذهب إلى أهل الشام بعد ذلك والناس آمنون من شر هؤلاء فاجتمع الرأي على هذا وفيه خيرة عظيمة لهم ولأهل الشام أيضا، فأرسل علي إلى الخوارج رسولا من جهته وهو الحرب بن مرة العبدي، فقال: اخبر لي خبرهم، واعلم لي أمرهم واكتب إلي به على الجلية، فلما قدم عليهم قتلوه ولم ينظروه، فلما بلغ ذلك عليا عزم على الذهاب إليهم أولا قبل أهل الشام.
مسير أمير المؤمنين علي إلى الخوارج:
لما عزم علي ومن معه من الجيش على البداءة بالخوارج، نادى مناديه في الناس بالرحيل فعبر الجسر فصلى ركعتين عنده ثم سلك علي دير عبد الرحمن ثم دير أبي موسى ثم على شاطئ الفرات، فلقيه هنالك منجم فأشار عليه بوقت من النهار يسير فيه ولا يسير في غيره، فإنه يخشى عليه فخالفه علي فسار على خلاف ما قال فأظفره الله، وقال علي: إنما أردت أن أبين للناس خطأه وخشيت أن يقول جاهل: إنما ظفر لكونه وافقه. وسلك علي ناحية الأنبار وبعث بين يديه قيس بن سعد، وأمره أن يأتي المدائن وأن يتلقاه بنائبها سعد بن مسعود، وهو أخو عبد الله بن مسعود الثقفي -في جيش المدائن فاجتمع الناس هنالك على علي، وبعث إلى الخوارج: أن ادفعوا
стр. 272
إلينا قتلة إخواننا منكم حتى أقتلهم ثم أنا تارككم وذاهب إلى العرب- يعني أهل الشام- ثم لعل الله أن يقبل بقلوبكم ويردكم إلى خير مما أنتم عليه. فبعثوا إلى علي يقولون: كلنا قتل إخوانكم ونحن مستحلون دماءهم ودماءكم، فتقدم إليهم قيس بن سعد بن عبادة فوعظهم فيما ارتكبوه من الأمر العظيم، والخطب الجسيم، فلم ينفع وكذلك أبو أيوب الأنصاري أنبهم ووبخهم فلم ينجح، وتقدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إليهم فوعظهم وخوفهم وحذرهم وأنذرهم وتوعدهم وقال: إنكم أنكرتم علي أمرا أنتم دعوتموني إليه فنهيتكم عنه فلم تقبلوا وها أنا وأنتم فارجعوا إلى ما خرجتم منه ولا ترتكبوا محارم الله فإنكم قد سولت لكم أنفسكم أمرا تقتلون عليه المسلمين، والله لو قتلتم عليه دجاجة لكان عظيما عند الله، فكيف بدماء المسلمين؟ فلم يكن لهم جواب إلا أن تنادوا فيما بينهم أن لا تخاطبوهم ولا تكلموهم وتهيئوا للقاء الرب ، الرواح الرواح إلى الجنة. وتقدموا فاصطفوا للقتال وتأهبوا للنزال فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حصن الطائي السنبسي، وعلى الميسرة شريح بن أوفى، وعلى خيالتهم حمزة بن سنان، وعلى الرجالة حرقوص بن زهير السعدي. ووقفوا مقاتلين لعلي وأصحابه.
وجعل علي على ميمنته حجر بن عدي، وعلى الميسرة شبيث بن ربعي ومعقل بن قيس الرياحي، وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري، وعلى الرجالة أبا قتادة الأنصاري، وعلى أهل المدينة -وكانوا في سبعمائة- قيس بن سعد بن عبادة، وأمر علي أبا أيوب الأنصاري أن يرفع راية أمان للخوارج ويقول لهم: من جاء إلى هذه الراية فهو آمن، ومن انصرف إلى الكوفة والمدائن فهو
стр. 273
آمن، إنه لا حاجة لنا فيكم إلا فيمن قتل إخواننا، فانصرف منهم طوائف كثيرون -وكانوا في أربعة آلاف- فلم يبق منهم إلا ألف أو أقل مع عبد الله ابن وهب الراسبي، فزحفوا إلى علي فقدم علي بين يديه الخيل وقدم منهم الرماة وصف الرجالة وراء الخيالة، وقال لأصحابه: كفوا عنهم حتى يبدؤوكم، وأقبلت الخوارج يقولون: لا حكم إلا لله، الرواح الرواح إلى الجنة، فحملوا على الخيالة الذين قدمهم علي، ففرقوهم حتى أخذت طائفة من الخيالة إلى الميمنة، وأخرى إلى الميسرة، فاستقبلهم الرماة بالنبل، فرموا وجوههم، وعطفت عليهم الخيالة من الميمنة والميسرة ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف فأناموا الخوارج فصاروا صرعى تحت سنابك الخيول، وقتل أمراؤهم عبد الله ابن وهب، وحرقوص بن زهير، وشريح بن أوفى، وعبد الله بن سخبرة السلمي، قبحهم الله. قال أبو أيوب: وطعنت رجلا من الخوارج بالرمح فأنفذته من ظهره وقلت له: أبشر يا عدو الله بالنار، فقال: ستعلم أينا أولى بها صليا، قالوا: ولم يقتل من أصحاب علي إلا سبعة نفر وجعل علي يمشي بين القتلى منهم ويقول: بؤسا لكم فقد ضركم من غركم، فقالوا: يا أمير المؤمنين ومن غرهم؟ قال: الشيطان وأنفس بالسوء أمارة، غرتهم بالأماني وزينت لهم المعاصي، ونبأتهم أنهم ظاهرون ثم أمر بالجرحى من بينهم فإذا هم أربعمائة، فسلمهم إلى قبائلهم ليداووهم، وقسم ما وجد من سلاح ومتاع لهم.
وقال الهيثم بن عدي في كتاب الخوارج: وحدثنا محمد بن قيس الأسدي ومنصور بن دينار عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة أن
стр. 274
عليا لم يخمس ما أصاب من الخوارج يوم النهروان ولكن رده إلى أهله كله حتى كان آخر ذلك مرجل أتى به فرده.
وقال أبو مخنف: حدثني عبد الملك بن أبي حرة أن عليا خرج في طلب ذي الثدية ومعه سليمان بن ثمامة الحنفي أبو حرة والريان بن صبرة بن هوذة فوجده الرياني في حفرة على جانب النهر في أربعين أو خمسين قتيلا، قال: فلما استخرج نظر إلى عضده فإذا لحم مجتمع على منكبه كثدي المرأة له حلمة عليها شعرات سود، فإذا مدت امتدت حتى تحاذي يده الأخرى ثم تنزل فتعود إلى منكبه كثدي المرأة، فلما رآه علي قال: أما والله وما كذبت لولا أن تتكلوا على العمل لأخبرتكم بما قضى الله في قتالهم عارفا للحق.
وقال الهيثم بن عدي في كتابه في الخوارج: وحدثني محمد بن ربيعة الأخنسي عن نافع بن مسلمة الأخنسي قال كان ذو الثدية رجلا من عرنة من بجيلة، وكان أسود شديد السواد، له ريح منتنة، معروف في العسكر، وكان يرافقنا قبل ذلك وينازلنا وننازله.
وحدثني أبو إسماعيل الحنفي عن الريان بن صبرة الحنفي. قال: شهدنا النهروان مع علي، فلما وجد المخدج سجد سجدة طويلة.
وحدثني سفيان الثوري عن محمد بن قيس الهمداني عن رجل من قومه يكنى أبا موسى أن عليا لما وجد المخدج سجد سجدة طويلة.
وحدثني يونس بن أبي إسحاق حدثني إسماعيل عن حبة العرني، قال: لما أقبل أهل النهروان جعل الناس يقولون: الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي قطع دابرهم. فقال علي: كلا والله إنهم لفي أصلاب الرجال وأرحام النساء، فإذا
стр. 275
خرجوا من بين الشرايين فقل ما يلقون أحدا إلا ألبوا أن يظهروا عليه، قال: وكان عبد الله بن وهب الراسبي قد قحلت مواضع السجود منه من شدة اجتهاده وكثرة السجود، وكان يقال له: ذو البينات. وروى الهيثم عن بعض الخوارج أنه قال: ما كان عبد الله بن وهب من بغضه عليا يسميه إلا الجاحد.
وقال الهيثم بن عدي: ثنا إسماعيل عن خالد عن علقمة بن عامر قال: سئل علي عن أهل النهروان أمشركون هم؟ فقال: من الشرك فروا، قيل أفمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا: فقيل فما هم يا أمير المؤمنين؟ قال: إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم ببغيهم علينا.
فهذا ما أورده ابن جرير وغيره في هذا المقام. (١)
- وجاء في الشريعة عن جندب قال: لما كان يوم قتل علي ﵁ الخوارج نظرت إلى وجوههم وإلى شمائلهم، فشككت في قتالهم، فتنحيت عن العسكر غير بعيد، فنزلت عن دابتي، وركزت رمحي، ووضعت درعي تحتي، وعلقت برنسي مستترا به من الشمس، وأنا معتزل من العسكر ناحية، إذ طلع أمير المؤمنين ﵁ على بغلة رسول الله ﷺ ، فقلت في نفسي: ما لي وله؟ أنا أفر منه، وهو يجيء إلي، فقال لي: يا جندب؛ مالك في هذا المكان، تنحيت عن العسكر؟ فقلت: يا أمير المؤمنين؛ أصابني وعك، فشق علي الغبار، فلم أستطع الوقوف؛ قال فقال: أما بلغك ما للعبد في غبار العسكر من الأجر؟ ثم ثنى رحله، فنزل، فأخذت برأس دابته، وقعد فقعدت، فأخذت البرنس بيدي فسترته من الشمس، فقال: فوالله إني لقاعد إذ جاء
стр. 276
فارس يركض، فقال: يا أمير المؤمنين، إن القوم قد قطعوا الجسر ذاهبين؛ قال: فالتفت إلي، فقال: إن مصارعهم دون النهر. قال وإن الرجل الذي أخبره عنده واقف، إذ جاء رجل آخر، فقال: يا أمير المؤمنين، قد والله عبروا، فما بقي منهم أحد؛ قال: ويحك، إن مصارعهم دون النهر. قال: فجاء فارس آخر يركض. فقال: يا أمير المؤمنين، والذي بعث نبيه محمدا ﷺ بالحق لقد رجعوا، ثم جاء الناس، فقالوا: قد رجعوا، حتى إنهم ليتساقطون في الماء زحاما على العبور؛ قال: ثم إن رجلا جاء، فقال: يا أمير المؤمنين إن القوم قد صفوا الصفوف، ورموا فينا، وقد جرحوا فلانا، فقال علي ﵁: هذا حين طاب القتال. قال: فوثب فقعد على بغلته، فقمت إلى سلاحي فلبسته، ثم شددته علي، ثم قعدت على فرسي، وأخذت رمحي، ثم خرجت، فلا والله يا عبد الله بن شريك، ما صليت العصر. قال أبو جعفر لوين: أو قال: الظهر -حتى قتلت بيدي سبعين. (١)
- وجاء في السنة لعبد الله عن زر بن حبيش أنه سمع عليا يقول: أنا فقأت عين الفتنة، ولولا أنا ما قوتل أهل النهر ولا أهل الجمل، ولولا أني أخشى أن تتركوا العمل لأخبرتكم بالذي قضى الله على لسان نبيكم لمن قاتلهم مبصرا لضلالتهم عارفا للهدى الذي نحن فيه. (٢)
- وعن أبي الطفيل قال: سأل ابن الكواء عليا ﵁ عن
стр. 277
﴿الأخسرين أَعْمَالًا﴾ قال: منهم أهل حروراء. (١)
موقفه من المرجئة:
- جاء في السنة لعبد الله: عن علي قال: الإرجاء بدعة والشهادة (٢) بدعة والبراءة (٣) بدعة. (٤)
- وفيها أيضا: عن محمد بن علي عن أبيه أنه كان يقول: ما الليل بالليل، ولا النهار بالنهار بأشبه من القدرية بالنصرانية، ومن المرجئة باليهودية. (٥)
- عن أبي صادق عن علي قال: إن الإسلام ثلاث أثافي: الإيمان والصلاة والجماعة، فلا تقبل صلاة إلا بإيمان، ومن آمن صلى ومن صلى جامع، ومن فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. (٦)
- وفي الإبانة: عن عبد الله بن عمرو بن هند الجملي، قال: كان علي ابن أبي طالب ﵁ يقول: إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب كلما زاد الإيمان زاد البياض، فإذا استكمل الإيمان ابيض القلب، وإن النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب كلما زاد النفاق زاد ذلك السواد فإذا استكمل
стр. 278
النفاق اسود القلب كله، وايم الله لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض، ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود. (١)
- وفيها أيضا: عن عبد الكريم الجزيري، عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود، قالا: لا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بقول، ولا قول وعمل إلا بنية، ولا نية إلا بموافقة السنة. (٢)
- وفي أصول الاعتقاد: عن ميمون بن مهران: عن علي قال: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. من لا صبر له، لا إيمان له. (٣)
موقفه من القدرية:
- جاء في أصول الاعتقاد: قيل لعلي بن أبي طالب: إن ها هنا رجلا يتكلم في المشيئة قال: فقال له: يا عبد الله خلقك الله لما شاء أولما شئت؟ قال: بل لما شاء. قال: فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء، قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: إذا شاء. قال: فيميتك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: إذا شاء. قال: فيدخلك حيث شاء أو شئت؟ قال: حيث شاء. قال: والله لو قلت غير هذا لضربت الذي فيه عيناك بالسيف، قال: ثم تلا: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾.اهـ (٥)
стр. 279
- وفيه أيضا: عن أبي عبد الرحمن رفع الحديث إلى علي أنه سأله فقال: يا أبا الحسن ما تقول في القدر؟ فقال: طريق مظلم فلا تسلكه. فقال: يا أبا الحسن ما تقول في القدر؟ فقال: بحر عظيم فلا تلجه. فقال: يا أبا الحسن ما تقول في القدر؟ فقال: سر الله فلا تكلفه. (١)
- وفي الإبانة: عن علي ﵁: لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر (ووضع يده على فيه). (٢)
- وفيها أيضا: عن يعلى بن مرة أن أصحاب علي قالوا: إن هذا الرجل في حرب وإلى جنب عدو، وإنا لا نأمن أن يغتال، فلو حرسه منا كل ليلة عشرة، قال: وكان علي إذا صلى العشاء لزق بالقبلة؛ فصلى ما شاء الله أن يصلي، ثم انصرف إلى أهله؛ فصلى ذات ليلة؛ ثم انصرف فأتى عليهم؛ فقال: ما يجلسكم هذه الساعة؟ قالوا: جلسنا نتحدث، قال: لتخبرونني. فأخبروه، فقال: من أهل السماء تحرسوني أو من أهل الأرض؟ قالوا: نحن أهون على الله من أن نحرسك من أهل السماء، لا بل نحن نحرسك من أهل الأرض، قال: فلا تفعلوا، إنه إذا قضي أمر من السماء، عمله أهل الأرض، وإن علي من الله جنة حصينة إلى يومي هذا، ثم تذهب، وإنه لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يستيقن غير ظان أنه ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. (٣)
стр. 280
- وفيها: عن أنيس بن جابر عن علي؛ قال: ما آدمي إلا معه ملك يقيه ما لم يقدر عليه، فإن جاء القدر؛ خلاه وإياه. (١)
- وفيها أيضا: عن أبي البحتري أن عليا كان يقول: إياكم والاستنان بالرجال؛ فإن كنتم مستنين لا محالة فعليكم بالأموات؛ لأن الرجل قد يعمل الزمن من عمره بالعمل الذي لو مات عليه دخل الجنة، فإن كان قبل موته تحول فعمل بعمل أهل النار فمات؛ فدخل النار، وأن الرجل ليعمل الزمن من عمره بعمل أهل النار، فإذا كان قبل موته بعام فعمل بعمل أهل الجنة فمات؛ فدخل الجنة. (٢)
- وفيها أيضا: عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه كان يقول في أهل القدر: هم طرف من النصرانية. (٣)
- وفيها أيضا: عن محمد بن علي عن أبيه أنه كان يقول: ما الليل بالليل، ولا النهار بالنهار بأشبه من القدرية بالنصرانية، ومن المرجئة باليهودية. (٤)
- وفيها: عن إسحاق بن الحارث من بني هاشم وذكر عنده القدرية؛ فقال الهاشمي: أعظك بما وعظ به علي بن أبي طالب ﵁ صاحبا له؛ فقال: إنه قد بلغني أنك تقول بقول أهل القدر، قال: إنما أقول: إني أقدر على أن أصلي وأصوم وأحج وأعتمر، قال علي: أرأيت الذي تقدر عليه؛
стр. 281
أشيء تملكه مع الله أم شيء تملكه من دونه؟ قال: فارتج الرجل فقال علي ﵁: ما لك لا تتكلم؟ أما لئن زعمت أن ذلك شيء تملكه مع الله ؛ فقد جعلت مع الله مالكا وشريكا، ولئن كان شيئا تملكه من دون الله؛ لقد جعلت من دون الله مالكا، قال الرجل: قد كان هذا من رأيي وأنا أتوب إلى الله منه توبة نصوحا لا أرجع إليه أبدا. (١)
- وفيها: قال شيخ لعلي بن أبي طالب ﵁ عند منصرفه من الشام، أخبرنا يا أمير المؤمنين عن مسيرنا إلى الشام؛ أبقضاء من الله وقدر أم غيرهما؟ قال علي ﵀: والذي خلق الحبة وبرأ النسمة؛ ما علوتم تلة ولا هبطتم واديا إلا بقضاء من الله وقدره، قال الشيخ: عند الله أحتسب عنائي وإليه أشكو خيبة رجائي، ما أجد لي من الأجر شيئا؟ قال: بلى؛ قد أعظم الله لكم الأجر على مسيركم وأنتم سائرون، وعلى مقامكم وأنتم مقيمون، وما وضعتم قدما، ولا رفعتم أخرى؛ إلا وقد كتب الله لكم أجرا عظيما. قال الشيخ: كيف يا أمير المؤمنين والقضاء والقدر ساقانا وعنهما وردنا وصدرنا؟ فقال علي ﵁: أيها الشيخ! لعلك ظننته قضاء جبرا وقدرا قسرا، لو كان ذلك كذلك؛ لبطل الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وبطل الثواب والعقاب، ولم يكن المحسن أولى بمثوبة الإحسان من المسيء، ولا المسيء أولى بعقوبة الإساءة من المحسن. قال الشيخ: فما القضاء والقدر؟ قال علي: العلم السابق في اللوح المحفوظ والرق المنثور بكل ما كان وبما هو كائن، وبتوفيق الله ومعونته لمن اجتباه بولايته وطاعته وبخذلان الله وتخليته لمن
стр. 282
أراد له وأحب شقاه بمعصيته ومخالفته، فلا تحسبن غير ذلك؛ فتوافق مقالة الشيطان وعبدة الأوثان وقدرية هذه الأمة ومجوسها، ثم إن الله أمر تحذيرا ونهى تخبيرا ولم يطع غالبا ولم يعص مغلوبا، ولم يك في الخلق شيء حدث في علمه، فمن أحسن؛ فبتوفيق الله ورحمته، ومن أساء؛ فبخذلان الله وإساءته هلك، لا الذي أحسن استغنى عن توفيق الله، ولا الذي أساء عليه ولا استبد بشيء يخرج به عن قدرته، ثم لم يرسل الرسل باطلا، ولم ير الآيات والعزائم عبثا، ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾. اهـ (٢)
- وجاء في أصول الاعتقاد: عن أبي علقمة -أو غيره- أن علي بن أبي طالب قال: إن القدر لا يرد القضاء، ولكن الدعاء يرد القضاء. قال الله لقوم يونس: ﴿لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (٣).اهـ (٤)
- وفيه أيضا: عن علي بن أبي طالب قال: ذكر عنده القدر يوما فأدخل أصبعيه -السبابة والوسطى- في فيه فرقم بهما في باطن يده فقال:
стр. 283
أشهد أن هاتين الرقمتين كانتا في أم الكتاب. (١)
- وفيه أيضا: عن علي قال: إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستيقن يقينا غير ظن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ويقر بالقدر كله. (٢)
مُجَالِد بن مَسْعُود (٣) (٤٠ هـ)
مجالد بن مسعود السُّلَمِي، أخو مُجَاشِع بن مسعود، يكنى أبا معبد. قال البخاري وابن حبان له صحبة، كان إسلامه بعد أخيه مجاشع بعد الفتح. روى عنه أبو عثمان النهدي. وفد على النبي ﷺ مع أخيه سنة تسع. قال ابن حبان: قتل يوم الجمل سنة ست وثلاثين. قال ابن حجر: هذا فيه نظر، فإن الميت في هذا أخوه مجاشع وأما هذا فذكر أبو القاسم البغوي ما يدل على أنه بقي إلى حدود الأربعين.
موقفه من المبتدعة:
ذكر ابن وضاح عن عبد الرحمن بن بكرة قال: كنت جالسا عند الأسود بن سريع، وكان مجلسه في مؤخر المسجد الجامع، فافتتح سورة بني
стр. 284
إسرائيل حتى بلغ ﴿وكبره تكبيرًا﴾ (١) فرفع أصواتهم الذين كانوا حوله جلوسا. فجاء مجالد بن مسعود يتوكأ على عصا فلما رآه القوم قالوا: مرحبا مرحبا، اجلس. قال: ما كنت لأجلس إليكم وإن كان مجلسكم حسنا، ولكنكم صنعتم قبيل شيئا أنكره المسلمون، فإياكم وما أنكر المسلمون. (٢)
أبو مسعود البدري (٣) (٤٠ هـ)
واسمه عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري، قيل لم يشهد بدرا وجزم البخاري بأنه شهدها لأحاديث صحيحة في بعضها التصريح بذلك. وكان ممن شهد العقبة وهو شاب. واتفقوا على أنه شهد أحدا وما بعدها. وهو معدود في علماء الصحابة. روى عن النبي ﷺ . وروى عنه أوس بن ضمعج وابنه بشير وثعلبة بن زهدم وحكيم بن أفلح وربعي بن حراش وغيرهم. توفي سنة أربعين أو بعدها.
موقفه من المبتدعة:
- جاء في أصول الاعتقاد عن المسيب بن رافع قال: سمعت أبا مسعود حين خرج فنزل في طريق القادسية فقلنا: اعهد إلينا فإن الناس قد وقعوا في الفتنة فلا ندري أنلقاك بعد اليوم أم لا؟ فقال: اتقوا الله واصبروا حتى يستريح
стр. 285
بر أو يستراح من فاجر وعليكم بالجماعة فإن الله لا يجمع أمته على الضلالة. (١)
- وفي ذم الكلام عن نعيم بن أبي هند قال: خرج أبو مسعود الأنصاري يريد الحج فشيعناه فقلنا له: أوصنا يا أبا مسعود، فقال: اتهموا الرأي، فلقد رأيتني تدعوني نفسي إلى أن أخرج بسيفي فأضرب به فأدخل النار. (٢)
موقفه من الخوارج:
عن أبي وائل عن أبي مسعود البدري قال: خرج معه أصحابه يشيعونه حتى بلغ القادسية، فلما ذهبوا يفارقونه قالوا: رحمك الله إنك قد رأيت خيرا وشهدت خيرا، حدثنا بحديث عسى أن ينفعنا الله به. قال: أجل! رأيت خيرا وشهدت خيرا، وقد خشيت أن أكون أخرت لهذا الزمان لشر يراد بي، فاتقوا الله وعليكم بالجماعة، فإن الله لن يجمع أمة محمد على ضلالة، واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر. (٣)
حنظلة الكاتب (٤) (مات بعد علي)
حنظلة بن الربيع بن صيفي الأسيدي المعروف بحنظلة الكاتب له صحبة. روى عن النبي ﷺ ، وعنه الحسن البصري وقيس بن زهير والهيثم بن