← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أشيء تملكه مع الله أم شيء تملكه من دونه؟ قال: فارتج الرجل فقال علي ﵁: ما لك لا تتكلم؟ أما لئن زعمت أن ذلك شيء تملكه مع الله ؛ فقد جعلت مع الله مالكا وشريكا، ولئن كان شيئا تملكه من دون الله؛ لقد جعلت من دون الله مالكا، قال الرجل: قد كان هذا من رأيي وأنا أتوب إلى الله منه توبة نصوحا لا أرجع إليه أبدا. (١) - وفيها: قال شيخ لعلي بن أبي طالب ﵁ عند منصرفه من الشام، أخبرنا يا أمير المؤمنين عن مسيرنا إلى الشام؛ أبقضاء من الله وقدر أم غيرهما؟ قال علي ﵀: والذي خلق الحبة وبرأ النسمة؛ ما علوتم تلة ولا هبطتم واديا إلا بقضاء من الله وقدره، قال الشيخ: عند الله أحتسب عنائي وإليه أشكو خيبة رجائي، ما أجد لي من الأجر شيئا؟ قال: بلى؛ قد أعظم الله لكم الأجر على مسيركم وأنتم سائرون، وعلى مقامكم وأنتم مقيمون، وما وضعتم قدما، ولا رفعتم أخرى؛ إلا وقد كتب الله لكم أجرا عظيما. قال الشيخ: كيف يا أمير المؤمنين والقضاء والقدر ساقانا وعنهما وردنا وصدرنا؟ فقال علي ﵁: أيها الشيخ! لعلك ظننته قضاء جبرا وقدرا قسرا، لو كان ذلك كذلك؛ لبطل الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وبطل الثواب والعقاب، ولم يكن المحسن أولى بمثوبة الإحسان من المسيء، ولا المسيء أولى بعقوبة الإساءة من المحسن. قال الشيخ: فما القضاء والقدر؟ قال علي: العلم السابق في اللوح المحفوظ والرق المنثور بكل ما كان وبما هو كائن، وبتوفيق الله ومعونته لمن اجتباه بولايته وطاعته وبخذلان الله وتخليته لمن

стр. 282

أراد له وأحب شقاه بمعصيته ومخالفته، فلا تحسبن غير ذلك؛ فتوافق مقالة الشيطان وعبدة الأوثان وقدرية هذه الأمة ومجوسها، ثم إن الله أمر تحذيرا ونهى تخبيرا ولم يطع غالبا ولم يعص مغلوبا، ولم يك في الخلق شيء حدث في علمه، فمن أحسن؛ فبتوفيق الله ورحمته، ومن أساء؛ فبخذلان الله وإساءته هلك، لا الذي أحسن استغنى عن توفيق الله، ولا الذي أساء عليه ولا استبد بشيء يخرج به عن قدرته، ثم لم يرسل الرسل باطلا، ولم ير الآيات والعزائم عبثا، ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾. اهـ (٢) - وجاء في أصول الاعتقاد: عن أبي علقمة -أو غيره- أن علي بن أبي طالب قال: إن القدر لا يرد القضاء، ولكن الدعاء يرد القضاء. قال الله لقوم يونس: ﴿لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (٣).اهـ (٤) - وفيه أيضا: عن علي بن أبي طالب قال: ذكر عنده القدر يوما فأدخل أصبعيه -السبابة والوسطى- في فيه فرقم بهما في باطن يده فقال:

стр. 283

أشهد أن هاتين الرقمتين كانتا في أم الكتاب. (١) - وفيه أيضا: عن علي قال: إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستيقن يقينا غير ظن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ويقر بالقدر كله. (٢) مُجَالِد بن مَسْعُود (٣) (٤٠ هـ) مجالد بن مسعود السُّلَمِي، أخو مُجَاشِع بن مسعود، يكنى أبا معبد. قال البخاري وابن حبان له صحبة، كان إسلامه بعد أخيه مجاشع بعد الفتح. روى عنه أبو عثمان النهدي. وفد على النبي ﷺ مع أخيه سنة تسع. قال ابن حبان: قتل يوم الجمل سنة ست وثلاثين. قال ابن حجر: هذا فيه نظر، فإن الميت في هذا أخوه مجاشع وأما هذا فذكر أبو القاسم البغوي ما يدل على أنه بقي إلى حدود الأربعين. موقفه من المبتدعة: ذكر ابن وضاح عن عبد الرحمن بن بكرة قال: كنت جالسا عند الأسود بن سريع، وكان مجلسه في مؤخر المسجد الجامع، فافتتح سورة بني

стр. 284

إسرائيل حتى بلغ ﴿وكبره تكبيرًا﴾ (١) فرفع أصواتهم الذين كانوا حوله جلوسا. فجاء مجالد بن مسعود يتوكأ على عصا فلما رآه القوم قالوا: مرحبا مرحبا، اجلس. قال: ما كنت لأجلس إليكم وإن كان مجلسكم حسنا، ولكنكم صنعتم قبيل شيئا أنكره المسلمون، فإياكم وما أنكر المسلمون. (٢) أبو مسعود البدري (٣) (٤٠ هـ) واسمه عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري، قيل لم يشهد بدرا وجزم البخاري بأنه شهدها لأحاديث صحيحة في بعضها التصريح بذلك. وكان ممن شهد العقبة وهو شاب. واتفقوا على أنه شهد أحدا وما بعدها. وهو معدود في علماء الصحابة. روى عن النبي ﷺ . وروى عنه أوس بن ضمعج وابنه بشير وثعلبة بن زهدم وحكيم بن أفلح وربعي بن حراش وغيرهم. توفي سنة أربعين أو بعدها. موقفه من المبتدعة: - جاء في أصول الاعتقاد عن المسيب بن رافع قال: سمعت أبا مسعود حين خرج فنزل في طريق القادسية فقلنا: اعهد إلينا فإن الناس قد وقعوا في الفتنة فلا ندري أنلقاك بعد اليوم أم لا؟ فقال: اتقوا الله واصبروا حتى يستريح

стр. 285

بر أو يستراح من فاجر وعليكم بالجماعة فإن الله لا يجمع أمته على الضلالة. (١) - وفي ذم الكلام عن نعيم بن أبي هند قال: خرج أبو مسعود الأنصاري يريد الحج فشيعناه فقلنا له: أوصنا يا أبا مسعود، فقال: اتهموا الرأي، فلقد رأيتني تدعوني نفسي إلى أن أخرج بسيفي فأضرب به فأدخل النار. (٢) موقفه من الخوارج: عن أبي وائل عن أبي مسعود البدري قال: خرج معه أصحابه يشيعونه حتى بلغ القادسية، فلما ذهبوا يفارقونه قالوا: رحمك الله إنك قد رأيت خيرا وشهدت خيرا، حدثنا بحديث عسى أن ينفعنا الله به. قال: أجل! رأيت خيرا وشهدت خيرا، وقد خشيت أن أكون أخرت لهذا الزمان لشر يراد بي، فاتقوا الله وعليكم بالجماعة، فإن الله لن يجمع أمة محمد على ضلالة، واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر. (٣) حنظلة الكاتب (٤) (مات بعد علي) حنظلة بن الربيع بن صيفي الأسيدي المعروف بحنظلة الكاتب له صحبة. روى عن النبي ﷺ ، وعنه الحسن البصري وقيس بن زهير والهيثم بن

стр. 286

حنش وأبو عثمان النهدي وغيرهم. شهد مع خالد بن الوليد حروبه بالعراق وغيرها، وجهه خالد بالأخماس إلى أبي بكر الصديق. خرج حنظلة وجرير بن عبد الله وعدي بن حاتم من الكوفة فنزلوا قرقيسيا وقالوا: لا نقيم ببلد يشتم فيه عثمان. بعثه النبي ﷺ يوم الطائف عينا. روى له مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة. مات بعد علي بن أبي طالب ﵄. موقفه من الرافضة: عن مغيرة قال: خرج عدي، وجرير البجلي وحنظلة الكاتب من الكوفة، فنزلوا قرقيسياء، وقالوا: لا نقيم ببلد يشتم فيه عثمان. (١) موقفه من المرجئة: عن أبي عثمان النهدي، عن حنظلة الأسيدي قال: (وكان من كتاب رسول الله ﷺ ) قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة. قال: سبحان الله! ما تقول: قال: قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين. فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ ، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات. فنسينا كثيرا. قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر، حتى دخلنا على رسول الله ﷺ ، قلت: نافق حنظلة، يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين. فإذا

стр. 287

خرجنا من عندك، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات. نسينا كثيرا. فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم؛ ولكن يا حنظلة! ساعة وساعة. ثلاث مرات. (١) " التعليق: قال أبو بكر بن العربي: إن القلب لا يثبت على حال، وإن العبد ليؤمن وتتواتر عنده الآيات حتى يتمكن من قلبه ويواظب العمل الصالح حتى تتمرن عليه جوارحه، ويواصل الذكرى حتى تطمئن نفسه ثم تعروه حالة أو تطرأ عليه غفلة، فإذا به زل عن هذه المرتبة، فلا يزال يعود إلى ذكراه وعمله الصالح حتى يرجع إلى ما كان عليه ... (٢) عُبَادة بن قُرْص الليثي (٣) (٤١ هـ) عُبَادَة بن قُرْص اللَّيْثِي، وقيل: ابن قُرْط والأول أصح، وهو عبادة بن قرص بن عروة بن بجير الكناني الليثي. روى عنه أبو قتادة العدوي، وحميد بن هلال عداده في أهل البصرة، قال ابن حبان: له صحبة. قال رحمه الله تعالى: إنكم لتأتون أمورا هي أدق في أعينكم من الشعر،

стр. 288

كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات. فلما كان بالأهواز سمع أذانا فقصده ليصلي جماعة فأخذه الخوارج فقتلوه. قال أبو عبيدة والمدائني: سنة إحدى وأربعين. موقفه من الخوارج: عن حميد بن هلال عن عبادة بن قرص الليثي أنه قال للخوارج حين أخذوه بالأهواز: ارضوا مني بما رضي رسول الله ﷺ حين أسلمت قالوا: وما رضي به منك رسول الله ﷺ ؟ قال: أتيته فشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قال: فقبل ذلك مني قال: فأبوا فقتلوه. (١) لبيد بن ربيعة العامري (٢) (٤١ هـ) لبيد بن ربيعة بن عامر الكلابي ثم الجعفري الصحابي. كان شاعرا من فحول الشعراء، وفد على النبي ﷺ سنة وفد قومه بنو جعفر فأسلم وحسن إسلامه، فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل" (٣). قال أبو عمر بن عبد البر: وهو شعر حسن وفي هذه القصيدة ما يدل على أنه قالها في الإسلام، والله أعلم وذلك قوله:

стр. 289

كل امرئ يوما سيعلم سعيه ... إذا كشفت عند الإله المحاصل وقد قال أكثر أهل الأخبار: إن لبيدا لم يقل شعرا منذ أسلم، وقال بعضهم: لم يقل في الإسلام إلا قوله: الحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتى اكتسيت من الإسلام سربالا وقد قيل: إن هذا البيت لقردة بن نفاثة السلولي، وهو أصح عندي. وقال غيره: بل البيت الذي قاله في الإسلام قوله: ما عاتب الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه القرين الصالح مات سنة إحدى وأربعين. موقفه من المبتدعة: جاء في الإبانة عن المدائني قال: قيل للبيد بعدما أسلم: ما لك لا تقول الشعر؟ فقال: إن في البقرة وآل عمران شغلا عن الشعر إلا أني قد قلت بيتا واحدا: ما عاتب الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصالح (١) محمد بن مسلمة (٢) (٤٣ هـ) محمد بن مَسْلَمة بن سلمة بن خالد، أبو عبد الله وأبو عبد الرحمن الأنصاري الأوسيّ، من نجباء الصحابة، شهد بدرا والمشاهد، وهو أحد الذين

стр. 290

قتلوا كعب بن الأشرف. واستخلفه رسول الله ﷺ في بعض غزواته، واستعمله عمر بن الخطاب على صدقات جهينة، وكان عمر إذا شكي إليه عامل، أرسل محمدا يكشف الحال. وكان ﵁ ممن اعتزل الفتنة، واتخذ سيفا من خشب، وقال: بذلك أمرني رسول الله ﷺ . روى عنه المسور ابن مخرمة، وسهل بن أبي حثمة، وقبيصة بن ذؤيب. توفي سنة ثلاث وأربعين. موقفه من المشركين: قال مروان بن الحكم وهو على المدينة وعنده ابن يامين النضيري: كيف كان قتل ابن الأشرف؟ قال ابن يامين: كان غدرا، ومحمد بن مسلمة جالس شيخ كبير، فقال: يا مروان أيغدر رسول الله ﷺ عندك؟ والله ما قتلناه إلا بأمر رسول الله ﷺ ، والله لا يؤويني وإياك سقف بيت إلا المسجد، وأما أنت يا ابن يامين فلله علي إن أفلت وقدرت عليك وفي يدي سيف إلا ضربت به رأسك، فكان ابن يامين لا ينزل من بني قريظة حتى يبعث له رسولا ينظر محمد بن مسلمة، فإن كان في بعض ضياعه نزل فقضى حاجته ثم صدر، وإلا لم ينزل، فبينا محمد في جنازة وابن يامين بالبقيع فرأى محمد نعشا عليه جرائد وطبة لامرأة جاء فحله فقام إليه الناس، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن ما تصنع؟ نحن نكفيك، فقام إليه فلم يزل يضربه بها جريدة جريدة حتى كسر ذلك الجريد على وجهه ورأسه حتى لم يترك به مصحا، ثم أرسله ولا طباخ به، ثم قال: والله لو قدرت على السيف لضربتك به. (١)

стр. 291

عمرو بن العاص (١) (٤٣ هـ) عمرو بن العاص بن وائل أبو عبد الله ويقال أبو محمد، السهمي، داهية قريش، ورجل العالم ومن يضرب به المثل في الفطنة والدهاء والحزم. أسلم قبل الفتح سنة ثمان وهاجر إلى النبي ﷺ . فعن إبراهيم النخعي قال: عقد رسول الله ﷺ لواء لعمرو على أبي بكر وعمر وسراة أصحابه. قال الثوري: أراه قال: في غزوة ذات السلاسل. وروي عنه أنه قال: فوالله إني لأشد الناس حياء من رسول الله ﷺ فما ملأت عيني منه ولا راجعته. وقال: بعث إلي رسول الله ﷺ فقال: "خذ عليك ثيابك وسلاحك، ثم ائتني، فأتيته وهو يتوضأ فصعد فيَّ البصر، وصوبه فقال: إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك رغبة صالحة من المال" قلت: يا رسول الله. ما أسلمت من أجل المال، ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، ولأن أكون مع رسول الله ﷺ ، قال: يا عمرو، نعما بالمال الصالح للرجل الصالح" (٢). وقال ﵁: ليس العاقل من يعرف الخير من الشر، ولكن هو الذي يعرف خير الشرين. وكان يقول ﵁ حين وفاته: اللهم لا بريء فأعتذر ولا عزيز فأنتصر، وإن لا تدركني منك رحمة، أكن من الهالكين. توفي ﵁ عام ثلاث وأربعين.

стр. 292

موقفه من المشركين: - قال الذهبي في السير: عن محمد بن عمرو عن أبيه عن جده قال: قال عمرو بن العاص: خرج جيش من المسلمين أنا أميرهم، حتى نزلنا الإسكندرية، فقال عظيم منهم: أخرجوا إلي رجلا أكلمه ويكلمني، فقلت: لا يخرج إليه غيري. فخرجت معي ترجماني ومعه ترجمان حتى وضع لنا منبران. فقال: ما أنتم؟ قلت: نحن العرب ومن أهل الشوك والقرظ، ونحن أهل بيت الله كنا أضيق الناس أرضا وشره عيشا. نأكل الميتة والدم ويغير بعضنا على بعض. كنا بشر عيش عاش به الناس حتى خرج فينا رجل ليس بأعظمنا يومئذ شرفا، ولا أكثرنا مالا، قال: أنا رسول الله إليكم يأمرنا بما لا نعرف وينهانا عما كنا عليه. فشنفنا له وكذبناه ورددنا عليه حتى خرج إليه قوم من غيرنا فقالوا: نحن نصدقك ونقاتل من قاتلك. فخرج إليهم وخرجنا إليه وقاتلناه، فظهر علينا وقاتل من يليه من العرب، فظهر عليهم. فلو تعلم ما ورائي من العرب ما أنتم فيه من العيش لم يبق أحد إلا جاءكم. فضحك ثم قال: إن رسولكم قد صدق، وقد جاءتنا رسل بمثل ذلك وكنا عليه حتى ظهرت فينا ملوك، فعملوا فينا بأهوائهم وتركوا أمر الأنبياء، فإن أنتم أخذتم بأمر نبيكم لم يقاتلكم أحد إلا غلبتموه، وإذا فعلتم مثل الذي فعلنا فتركتم أمر نبيكم لم تكونوا أكثر عددا منا ولا أشد منا قوة. (١)

стр. 293

" التعليق: صدق هذا العظيم، القوة في اتباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، بهما تقوى الأمة وتعلو مكانتها، وبالتفريط فيهما تندحر وتتولى. وقد كان كذلك، والله المستعان. - عن سعيد بن نشيط، أن قرة بن هبيرة قدم على رسول الله ﷺ ، فأسلم ... الحديث، وفيه: فبعث عمرا على البحرين، فتوفي وهو ثم. قال عمرو: فأقبلت حتى مررت على مسيلمة، فأعطاني الأمان، ثم قال: إن محمدا أرسل في جسيم الأمور، وأرسلت في المحقرات. قلت: أعرض علي ما تقول: فقال: يا ضفدع نقي فإنك نعم ما تنقين، لا زادا تنقرين، ولا ماء تكدرين، ثم قال: يا وبر يا وبر، ويدان وصدر، وبيان خلقه حفر. ثم أتي بأناس يختصمون في نخلات قطعها بعضهم لبعض. فتسجى قطيفة، ثم كشف رأسه، ثم قال: والليل الأدهم، والذئب الأسحم، ما جاء ابن أبي مسلم من مجرم، ثم تسجى الثانية، فقال: والليل الدامس، والذئب الهامس، ما حرمته رطبا إلا كحرمته يابس، قوموا فلا أرى عليكم فيما صنعتم بأسا. قال عمرو: أما والله إنك كاذب، وإنك لتعلم إنك لمن الكاذبين، فتوعدني. (١) موقفه من القدرية: قال عمرو بن العاص: انتهى عجبي إلى ثلاث: المرء يفر من القدر وهو لاقيه، ويرى في عين أخيه القذى فيعيبها، ويكون في عينه مثل الجذع فلا

стр. 294

يعيبها، ويكون في دابته الصعر ويقومها جهده ويكون في نفسه الصعر فلا يقومها. (١) عبد الله بن سَلاَم (٢) (٤٣ هـ) عبد الله بن سلام بن الحارث، أبو يوسف الإسرائيلي الأنصاري، من ذرية يوسف النبي ﵇، أسلم وصحب النبي ﷺ ، وشهد له بالجنة. قيل: كان اسمه الحصين، فسماه رسول الله ﷺ عبد الله. روى عن النبي ﷺ ، وروى عنه أبو هريرة وأنس بن مالك وعبد الله بن حنظلة بن الغسيل وابناه يوسف ومحمد وأبو بردة بن أبي موسى وقيس بن عباد وآخرون. وفي صحيح البخاري عن سعد بن أبي وقاص قال: ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض: "إنه من أهل الجنة، إلا لعبد الله بن سلام". (٣) وفيه أيضا عن محمد بن سيرين قال: قال قيس بن عباد: كنت في حلقة فيها سعد بن مالك وابن عمر، فمر عبد الله بن سلام، فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، فقلت له: إنهم قالوا كذا وكذا، قال: سبحان الله، ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم، إنما رأيت كأنما عمود وضع في روضة خضراء فنصب فيها وفي رأسها عروة وفي أسفلها منصف، فقيل: ارقه، فرقيت حتى أخذت بالعروة، فقصصتها على رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله

стр. 295

- ﷺ : "يموت عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى". (١) ومناقبه كثيرة ﵁، توفي سنة ثلاث وأربعين. موقفه من المشركين: عن أنس قال: سمع عبد الله بن سلام بقدوم رسول الله ﷺ وهو في أرض يخترف، فأتى النبي ﷺ فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: فما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرني بهن جبريل آنفا. قال: جبريل؟ قال: نعم. قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة. فقرأ هذه الآية: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ (٢)، أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت. قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله. يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني. فجاءت اليهود، فقال النبي ﷺ : أي رجل عبد الله فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله ابن سلام؟ فقالوا: أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. فقالوا: شرنا وابن شرنا، وانتقصوه. قال: فهذا الذي كنت أخاف يا رسول الله. (٣)

стр. 296

معقل بن قيس (١) (٤٣ هـ) معقل بن قيس الرياحي، من أهل الكوفة من بني رياح بن يربوع بن حنظلة بن مالك. أوفده عمار بن ياسر إلى عمر يفتح تستر، وبعثه علي إلى بني ناجية حين ارتدوا فقاتلهم، ووجهه علي لمحاربة يزيد بن شجرة الرهاوي. قال ابن عياش: كان صاحب شرطة علي معقل بن قيس. وذكره يعقوب بن سفيان في أمراء علي يوم الجمل. وقال علي بن مجاهد: كان أول من خرج بعد أهل النخيلة المستورد بن علفة اليربوعي، فسار إليه معقل بن قيس الرياحي، فلقيه بشط دجلة فاختلفا ضربتين، فقتل كل واحد منهما صاحبه. ذكر أبو جعفر الطبري أن ذلك كان في سنة ثلاث وأربعين، وأرخه أبو عبيدة سنة تسع وثلاثين في خلافة علي. قال ابن عساكر: ولا شك أن ذلك كان في أيام معاوية وإمارة المغيرة ابن شعبة على الكوفة. موقفه من الخوارج: - قال حين أنذر المغيرة بن شعبة رؤساء الناس في أمر الخوارج: فقام إليه معقل بن قيس الرياحي فقال: أيها الأمير هل سمي لك أحد من هؤلاء القوم؟ فإن كانوا سموا لك فأعلمنا من هم؟ فإن كانوا منا كفيناكهم، وإن كانوا من غيرنا أمرت أهل الطاعة من أهل مصرنا فأتتك كل قبيلة بسفهائها

стр. 297

فقال: ما سمي لي أحد منهم. ولكن قد قيل لي إن جماعة يريدون أن يخرجوا بالمصر، فقال له معقل: أصلحك الله! فإني أسير في قومي وأكفيك ما هم فيه، فليكفك كل امرئ من الرؤساء قومه ... (١) - وفيه أيضا: فقام معقل بن قيس فقال: إنك لا تبعث إليهم أحدا ممن ترى حولك من أشراف المصر إلا وجدته سامعا مطيعا ولهم مفارقا ولهلاكهم محبا، ولا أرى أصلحك الله أن تبعث إليهم أحدا من الناس أعدى لهم ولا أشد عليهم مني، فابعثي إليهم فإني أكفيكهم بإذن الله. فقال: اخرج على اسم الله فجهز معه ثلاثة آلاف رجل. (٢) - عن سالم بن ربيعة قال: إني جالس عند المغيرة بن شعبة حين أتاه معقل بن قيس يسلم عليه ويودعه، فقال له المغيرة: يا معقل بن قيس، إني قد بعثت معك فرسان أهل البصرة، أمرت بهم فانتخبوا انتخابا، فسر إلى هذه العصابة المارقة، الذين فارقوا جماعتنا وشهدوا عليها بالكفر، فادعهم إلى التوبة، وإلى الدخول في الجماعة، فإن فعلوا فاقبل منهم، واكفف عنهم، وإن هم لم يفعلوا فناجزهم واستعن بالله عليهم. فقال معقل بن قيس: سندعوهم ونعذر، وايم الله ما أرى أن يقبلوا، ولئن لم يقبلوا الحق لا نقبل منهم الباطل، هل بلغك -أصلحك الله- أين منزل القوم؟ (٣) ثم سار في آثرهم وناجزهم وطردهم من كل مصر حلوا به، إلى أن انتهى إلى منازلة رأسهم

стр. 298

المسورة بن علفة فقتل أحدهما الآخر، وأبيد هؤلاء المارقون عن آخرهم. (١) - قال الحافظ ابن كثير: وقد كانت في هذه السنة -أعنى سنة ثلاث وأربعين- وقعة عظيمة بين الخوارج وجند الكوفة، وذلك أنهم صمموا- كما قدمنا- على الخروج على الناس في هذا الحين، فاجتمعوا في قريب من ثلاثمائة عليهم المستورد بن علقمة، فجهز عليهم المغيرة بن شعبة جندا عليهم معقل ابن قيس في ثلاثة آلاف، فصار إليهم وقدم بين يديه أبا الرواع في طليعة هي ثلاثمائة على عدة الخوارج، فلقيهم أبو الرواع بمكان يقال له المذار. فاقتتلوا معهم فهزمهم الخوارج، ثم كروا عليهم فهزمتهم الخوارج، ولكن لم يقتل أحد منهم، فلزموا مكانهم في مقاتلتهم ينتظرون قدوم أمير الجيش معقل بن قيس عليهم، فما قدم عليهم إلا في آخر نهار غربت فيه الشمس، فنزل وصلى بأصحابه، ثم شرع في مدح أبى الرواع، فقال له: أيها الأمير إن لهم شدات منكرة، فكن أنت ردأ الناس ومر الفرسان فليقاتلوا بين يديك. فقال معقل بن قيس: نعم ما رأيت، فما كان إلا ريثما قال له ذلك حتى حملت الخوارج على معقل وأصحابه، فانجفل عنه عامة أصحابه، فترجل عند ذلك معقل بن قيس وقال: يا معشر المسلمين الأرض الأرض، فترجل معه جماعة من الفرسان والشجعان قريب من مائتي فارس، منهم أبو الرواع الشاكري، فحمل عليهم المستورد بن علقمة بأصحابه فاستقبلوهم بالرماح والسيوف، ولحق بقية الجيش بعض الفرسان فذمرهم وعيرهم وأنبهم على الفرار، فرجع الناس إلى معقل وهو يقاتل الخوارج بمن معه من الأنصار قتالا شديدا، والناس

стр. 299

يتراجعون في أثناء الليل، فصفهم معقل بن قيس ميمنة وميسرة ورتبهم، وقال: لا تبرحوا على مصافكم حتى نصبح فنحمل عليهم فما أصبحوا حتى هزمت الخوارج فرجعوا من حيث أتوا، فسار معقل في طلبهم وقدم بين يديه أبا الرواع في ستمائة فالتقوا بهم عند طلوع الشمس، فثار إليهم الخوارج فتبارزوا ساعة، ثم حملوا حملة رجل واحد فصبر لهم أبو الرواع بمن معه وجعل يذمرهم ويعيرهم ويؤنبهم على الفرار ويحثهم على الصبر فصبروا وصدقوا فى الثبات حتى ردوا الخوارج إلى أماكنهم، فلما رأت الخوارج ذلك خافوا من هجوم معقل عليهم، فما يكون دون قتلهم شيء فهربوا بين أيديهم حتى قطعوا دجلة في أرض نهزشير، وتبعهم أبو الرواع ولحقه معقل بن قيس، ووصلت الخوارج إلى المدينة العتيقة فركب إليهم شريك بن عبيد نائب المدائن ولحقهم أبو الرواع بمن معه من المقدمة. (١) أبو موسى الأشعري (٢) (٤٤ هـ) هو عبد الله بن قيس بن سُلَيم، صاحب رسول الله ﷺ . أبو موسى الأشعري التميميّ، الفقيه المقرئ، وهو معدود فيمن قرأ على النبي ﷺ . أقرأَ أهل البصرة وفقّههم في الدين، حدث عنه بريدة بن الحصيب، وأبو أمامة الباهلي، وأبو سعيد الخدري. وقد استعمله النبي ومعاذا على زبيد، وعدن،

стр. 300

وولي إمرة الكوفة لعمر، وإمرة البصرة، وقدم ليالي فتح خيبر، وغزا، وجاهد مع النبي ﷺ ، وحمل عنه علما كثيرا. عن أبي موسى أن نبي الله ﷺ قال له: "يا أبا موسى لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود" (١). قال مسروق: كان القضاء في الصحابة في ستة: وذكر منهم أبا موسى. توفي ﵀ سنة أربع وأربعين على الصحيح. موقفه من المبتدعة: روى ابن بطة في الإبانة بسنده إلى أبي موسى قال: لأن أجاور يهوديا ونصرانيا وقردة وخنازير أحب إلي من أن يجاورني صاحب هوى يمرض قلبي. (٢) موقفه من الرافضة: عن أبي موسى قال: لو كان قتل عثمان هدى لاجتلبت به الأمة لبنا ولكنه كان ضلالا فاجتلبت به الأمة دما. (٣) موقفه من الجهمية: - جاء في السنة لعبد الله عن أبي موسى -وكان يعلمهم من سنتهم- قال فبينا يحدثهم إذ شخصت أبصارهم قال ما أشخص أبصاركم عني؟ قالوا القمر قال فكيف إذا رأيتم الله جهرة؟ (٤)

стр. 301

- عن أبي تميمة الهجيمي قال: سمعت أبا موسى الأشعري في قول الله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وزيادة﴾ (١) قال: النظر إلى وجه ربهم. (٢) موقفه من القدرية: جاء في الإبانة عن معمر قال: بلغني أن عمرو بن العاصي قال لأبي موسى: وددت أني وجدت من أخاصم إليه ربي؛ فقال أبو موسى: أنا، فقال عمرو: فقدر علي شيئا ويعذبني عليه؟ فقال أبو موسى: نعم، قال: لم؟ قال: لأنه لا يظلمك، قال: صدقت. (٣) أم حبيبة أم المؤمنين (٤) (٤٤ هـ) هي رَمْلَة بنت أبي سفيان صَخْر بن حَرب، بن أُمية، بن عبد شَمس، الأموية زوج النبي ﷺ ، تكنى أم حبيية، وقيل اسمها هند، ورملة أصح. وقد تزوجها أولا عبد الله بن جحش بن رباب الأسدي، فولدت منه حبيبة بأرض الحبشة في الهجرة، ثم توفي عبد الله متنصرا مرتدا، فكاتب النبي ﷺ النجاشي، فزوجها به، وأصدق عنه أربعة آلاف درهم، وبعث بها إلى

стр. 302

رسول الله ﷺ مع شرحبيل بن حسنة، وذلك سنة سبع، وعمرها يومئذ بضع وثلاثون سنة. روت عدة أحاديث، وروى عنها أخواها: الخليفة معاوية، وعنبسة وابن أخيها عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان، وعروة بن الزبير وأبو صالح السمان وصفية بنت شيبة وجماعة. وأخرج ابن سعد عن عائشة قالت: دعتني أم حبيبة عند موتها، فقالت: قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر، فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك، فقلت: غفر الله لك ذلك كله وحللك من ذلك، فقالت: سررتني سرك الله، وأرسلت إلى أم سلمة، فقالت لها مثل ذلك. توفيت ﵂ سنة أربع وأربعين، وقيل سنة اثنتين. موقفها من المشركين: عن الزهري قال: لما قدم أبو سفيان بن حرب المدينة جاء إلى رسول الله، ﷺ ، وهو يريد غزو مكة فكلمه أن يزيد في هدنة الحديبية فلم يقبل عليه رسول الله، فقام فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش النبي ﷺ ، طوته دونه فقال: يا بنية أرغبت بهذا الفراش عني أم بي عنه؟ فقالت: بل هو فراش رسول الله وأنت امرؤ نجس مشرك. فقال: يا بنية لقد أصابك بعدي شر. (١)

стр. 303

سلمة بن سلامة بن وَقْش (١) (٤٥ هـ) سَلَمَة بن سَلاَمَة بن وَقْش بن زُغْبَة بن زَعُورَاء بن عبد الأَشْهل الأنصاري الأشهلي يكنى أبا عوف. شهد العقبتين: في قول الجميع، ثم شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، استعمله عمر على اليمامة. روى عنه محمود بن لبيد وجبيرة والد زيد بن جبيرة. آخى النبي ﷺ بينه وبين أبي سبرة بن أبي رهم العامري. وقيل: بينه وبين الزبير بن العوام. توفي سنة خمس وأربعين بالمدينة وهو ابن سبعين سنة. موقفه من المشركين: عن محمود بن لبيد، عن سلمة بن سلامة بن وقش؛ قال: كان بين أبياتنا رجل يهودي، فخرج علينا ذات غداة ضحى. حتى جلس إلى بني عبد الأشهل في ناديهم، وأنا يومئذ غلام شاب، علي بردة لي، مضطجع بفناء أهلي، فأقبل اليهودي. فذكر البعث والقيامة، والجنة والنار، وكان القوم أصحاب وثن لا يرون حياة تكون بعد الموت، فقالوا: ويحك يا فلان، أترى هذا كائنا: أن الله يبعث العباد بعد موتهم، إذا صاروا ترابا وعظاما؟ وأن غير هذه الدار يجزون فيها بحسن أعمالهم، ثم يصيرون إلى جنة ونار؟؛ قال: نعم، والذي نفسي بيده. وايم الله لوددت أن حظي من تلك النار أن أنجو منها: أن يسجر لي تنور في داركم. ثم أجعل فيه. ثم يطبق علي، قالوا له: وما علامة ذلك؟ قال: نبي يبعث الآن. قد أظلكم زمانه. ويخرج من هذه

стр. 304

البلاد. وأشار إلى مكة، قالوا: ومتى يكون ذلك الزمان؟ قال: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه، قال سلمة: فما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله ﷺ وإن اليهودي لحي بين أظهرنا، فآمنا برسول الله ﷺ وصدقناه، وكفر به اليهودي وكذبه، فكنا نقول له: ويلك يا فلان أين ما كنت تقول؟ فيقول: إنه ليس به، بغيا وحسدا. (١) زيد بن ثابت (٢) (٤٥ هـ) زيد بن ثابت بن الضحاك، أبو سعيد وأبو خارجة الأنصاري الخزرجي النجاري المدني الصحابي، كاتب الوحي للنبي ﷺ . حدث عن رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان. وروى عنه أبو هريرة وابن عمر وابن عباس وأنس ابن مالك وسهل بن سعد وأبو أمامة بن سهل وخلق كثير. عن مسروق قال: كان أصحاب الفتوى من أصحاب رسول الله ﷺ : عمر وعلي وابن مسعود وزيد وأبيّ وأبو موسى. وعن سليمان بن يسار قال: ما كان عمر وعثمان يقدمان على زيد أحدا في الفرائض والفتوى والقراءة والقضاء. وعن مسروق قال: قدمت المدينة فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم.

стр. 305

وعن الشعبي قال: أمسك ابن عباس بركاب زيد بن ثابت، فقال: أتمسك فيَّ وأنت ابن عم رسول الله ﷺ ؟ قال: إنا هكذا نصنع بالعلماء. وعن سعيد بن المسيب قال: شهدت جنازة زيد بن ثابت، فلما دلي في قبره، قال ابن عباس: من سره أن يعلم كيف ذهاب العلم فهكذا ذهاب العلم، والله لقد دفن اليوم علم كثير. توفي ﵁ سنة خمس وأربعين وهو ابن ست وخمسين، وقيل غير ذلك. موقفه من المبتدعة: - جاء في السير عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري: بلغنا أن زيد بن ثابت كان يقول إذا سئل عن الأمر: أكان هذا؟ فإن قالوا: نعم. حدث فيه بالذي يعلم. وإن قالوا: لم يكن. قال: فذروه حتى يكون. - وفيها: كان زيد بن ثابت إذا سأله رجل عن شيء، قال: آلله كان هذا؟ فإن قال: نعم، تكلم فيه، وإلا لم يتكلم. (١) هَرِم بن حَيَّان (٢) (٤٦ هـ) هَرِم بن حَيَّان العَبْدي الربعيّ، ويقال الأزديّ، البصريّ، أحد العابدين. روى عن عمر. وروى عنه الحسن البصري وغيره. قال ابن سعد: كان ثقة

стр. 306

وله فضل وعبادة، وكان عاملا لعمر. وقال الحسن البصري: خرج هرم وعبد الله بن عامر بن كريز، فبينما رواحلهما ترعى إذ قال هرم: أيسرك أنك كنت هذه الشجرة؟ قال: لا والله، لقد رزقني الله الإسلام، وإني لأرجو من ربي، فقال هرم: لكني والله لوددت أني كنت هذه الشجرة، فأكلتني هذه الناقة، ثم بعرتني، فاتخذت جلة، ولم أكابد الحساب، ويحك يا ابن عامر إني أخاف الداهية الكبرى. قال الحسن: كان والله أفقههما وأعلمهما بالله. أرخ لوفاته ابن الجوزي وابن تغري بردي سنة ست وأربعين. موقفه من الجهمية: جاء في أصول الاعتقاد: قال هرم بن حيان: صاحب الكلام على إحدى المنزلتين إن قصر فيه خصم وإن أعرق (١) فيه أثم. (٢) الحسن بن علي بن أبي طالب (٣) (٤٩ هـ) الحسن بن علي بن أبي طالب، الإمام السيد، ريحانة رسول الله ﷺ وسبطه، وسيد شباب أهل الجنة، أبو محمد القرشي الهاشمي المدني الشهيد. ولد سنة ثلاث للهجرة. قال أسامة: كان النبي ﷺ يأخذني والحسن، ويقول:

стр. 307

"اللهم إني أحبهما فأحبهما" (١). قال الذهبي: وقد كان هذا الإمام سيدا، وسيما، جميلا، عاقلا، ورزينا، جوادا ممدحا، خيرا، دينا، ورعا، محتشما، كبير الشأن وكان منكاحا مطلاقا، تزوج نحوا من سبعين امرأة، وقلما كان يفارقه أربع ضرائر. وفيه قال النبي ﷺ : "إن ابني هذا سيد يصلح به الله فئتين من المسلمين" (٢). وقيل للحسن بن علي: إن أبا ذر يقول: الفقر أحب إلي من الغنى، والسقم أحب إلي من الصحة، فقال: رحم الله أبا ذر، أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله له، لم يتمن شيئا، وهذا حد الوقوف على الرضى بما تصرف به القضاء. ولما احتضر الحسن ﵁ قال: اللهم إني أحتسب نفسي عندك، فإنها أعز الأنفس علي. مات سنة تسع وأربعين ﵁ وأرضاه. موقفه من المبتدعة: نقل الذهبي في السير عن الحرمازي: خطب الحسن بن علي بالكوفة، فقال: إن الحلم زينة، والوقار مروءة، والعجلة سفه، والسفه ضعف، ومجالسة أهل الدنائة شين، ومخالطة الفساق ريبة. (٣)

стр. 308

موقفه من الرافضة: جاء في السير: عن عمرو بن الأصم، قلت للحسن: إن الشيعة تزعم أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، قال: كذبوا والله، ما هؤلاء بالشيعة، لوعلمنا أنه مبعوث ما زوجنا نساءه، ولا اقتسمنا ماله. (١) موقفه من القدرية: قال الحسن بن علي: قضي القضاء وجف القلم وأمور بقضاء في كتاب قد خلا. (٢) كعب بن مالك (٣) (٥٠ هـ) هو كعب بن مالك بن أبي كعب، عمرو بن القَيْن الأنصاري الخزرجي العقبي الأحدي. شاعر رسول الله ﷺ وصاحبه وأحد الثلاثة الذين خلفوا فتاب الله عليهم، شهد العقبة وله عدة أحاديث تبلغ الثلاثين. روى عنه: عبد الله وعبد الله وعبد الرحمن ومحمد ومعبد بنوه، وجابر وابن عباس وأبو أمامة وآخرون. كانت كنيته: أبا بشير آخى النبي ﷺ بينه وبين الزبير. قال

стр. 309

كعب: يا رسول الله: قد أنزل في الشعراء ما أنزل، قال: "إن المجاهد مجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما ترمونهم به نضح النبل" (١). نزلت فيه وفي صاحبيه مرارة بن الربيع وهلال بن أمية، آية التوبة ﴿لقد تاب الله علي النبي ... ﴾ الآيات. توفي ﵁ سنة خمسين. موقفه من المشركين: قال ابن سيرين: أما كعب، فكان يذكر الحرب، يقول: فعلنا ونفعل، ويتهددهم. وأما حسان، فكان يذكر عيوبهم وأيامهم. وأما ابن رواحة، فكان يعيرهم بالكفر. وقد أسلمت دوس فرقا من بيت قاله كعب: نخيرها ولو نطقت لقالت ... قواطعهن دوسا أو ثقيفا (٢) موقفه من الرافضة: عن الشعبي قال: لما قتل عثمان بن عفان ﵁ رثاه كعب بن مالك الأنصاري ﵀ فقال (٣): عجبت لقوم أسلموا بعد عزهم ... إمامهم للمنكرات وللغدر فلو أنهم سيموا من الضيم خطة ... لجاد لهم عثمان بالأيد والنصر فما كان في دين الإله بخائن ... ولا كان في الأقسام بالضيق الصدر

стр. 310

ولا كان نكاثا بعهد محمد ... ولا تاركا للحق في النهي والأمر فإن أبكه أعذر لفقدي عدله ... ومالي عنه من عزاء ولا صبر وهل لامرئ يبكي لعظم مصيبة ... أصيب بها بعد ابن عفان من عذر فلم أر يوما كان أعظم فتنة ... وأهتك منه للمحارم والستر غداة أصيب المسلمون بخيرهم ... ومولاهم في إله العسر واليسر المغيرة بن شعبة (١) (٥٠ هـ) المُغيرَة بن شُعْبَة بن أبي عامر بن مسعود، أبو عيسى وقيل أبو عبد الله، الثقفي صاحب رسول الله ﷺ . أسلم عام الخندق، وأول مشاهده الحديبية. روى عن النبي ﷺ وروى عنه أبو أمامة الباهلي، والمسور بن مخرمة وقرة المزني وأولاده عروة وحمزة وعقار. كان موصوفا بالدهاء، قال الشعبي: القضاة أربعة: عمر وعلي وابن مسعود وأبو موسى الأشعري، والدهاة أربعة: معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد، فأما معاوية فللأناة، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهة، وأما زياد فللصغير والكبير. وكان ﵁ نكّاحا للنساء، أحصن ثمانين امرأة. ولاه عمر بن الخطاب البصرة، ولم يزل عليها حتى قتل عمر، فأقره عثمان عليها، ثم عزله،

стр. 311

وشهد اليمامة وفتوح الشام، وذهبت عينه باليرموك، وشهد القادسية وشهد فتح نهاوند، وكان على ميسرة النعمان بن مقرن، وشهد فتح همدان وغيرها. اعتزل الفتنة بعد مقتل عثمان، فلما قتل علي، وصالح معاوية الحسن ودخل الكوفة، ولاه عليها. توفي ﵁ بالكوفة سنة خمسين. موقفه من المشركين: جاء في السير: عن حجاج الصواف حدثني إياس بن معاوية عن أبيه قال: لما كان يوم القادسية، ذهب المغيرة بن شعبة في عشرة إلى صاحب فارس، فقال: إنا قوم مجوس، وإنا نكره قتلكم لأنكم تنجسون علينا أرضنا. فقال: إنا كنا نعبد الحجارة حتى بعث الله إلينا رسولا، فاتبعناه، ولم نجيء لطعام، بل أمرنا بقتال عدونا، فجئنا لنقتل مقاتلتكم، ونسبي ذراريكم. وأما ما ذكرت من الطعام فما نجد ما نشبع منه، فجئنا فوجدنا في أرضكم طعاما كثيرا وماء، فلا نبرح حتى يكون لنا ولكم. فقال العلج: صدق. قال: وأنت تفقأ عينك غدا، ففقئت عينه بسهم. (١) موقفه من الخوارج: - قال خليفة بن خياط في تاريخه: وفي ولاية المغيرة بن شعبة على الكوفة خرج شبيب بن بجرة الأشجعي، فوجه إليه المغيرة كثير بن شهاب الحارثي فقتله بأذربيجان. قال أبو عبيدة: خرج شبيب بن بجرة -وكان ممن

стр. 312

شهد النهروان بالكوفة- على المغيرة بن شعبة عند دار الرزق فقتل. (١) - قال الطبري: إن قبيصة بن الدمون أتى المغيرة بن شعبة -وكان على شرطته- فقال إن شمر بن جعونة الكلابي جاءني فخبرني أن الخوارج قد اجتمعوا في منزل حيان بن ظبيان السلمي، وقد اتعدوا أن يخرجوا إليك في غرة شعبان. فقال المغيرة بن شعبة لقبيصة بن الدمون -وهو حليف لثقيف وزعموا أن أصله كان من حضرموت من الصدف- سر بالشرطة حتى تحيط بدار حيان بن ظبيان فأتني به؟ وهم إلا أنه أمير تلك الخوارج. فسار قبيصة في الشرطة وفي كثير من الناس فلم يشعر حيان بن ظبيان إلا والرجال معه في داره نصف النهار، وإذا معه معاذ بن جوين ونحو من عشرين رجلا من أصحابهما، وثارت امرأته أم ولد له فأخذت سيوفا كانت لهم فألقتها تحت الفراش، وفزع بعض القوم إلى سيوفهم فلم يجدوها فاستسلموا، فانطلق بهم إلى المغيرة بن شعبة. فقال لهم المغيرة: ما حملكم على ما أردتم من شق عصا المسلمين؟ فقالوا: ما أردنا من ذلك شيئا. قال: بلى قد بلغني ذلك عنكم ثم قد صدق ذلك عندي جماعتكم، قالوا له: أما اجتماعنا في هذا المنزل فإن حيان بن ظبيان أقرأنا القرآن، فنحن نجتمع عنده في منزله فنقرأ القرآن عليه. فقال: اذهبوا بهم إلى السجن، فلم يزالوا فيه نحوا من سنة وسمع إخوانهم بأخذهم فحذروا. (٢) - وقال: فبلغ الخبر المغيرة بن شعبة أن الخوارج خارجة عليه في أيامه

стр. 313

تلك، وأنهم قد اجتمعوا على رجل منهم. فقام المغيرة بن شعبة في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فقد علمتم أيها الناس أني لم أزل أحب لجماعتكم العافية، وأكف عنكم الأذى، وأني والله لقد خشيت أن يكون ذلك أدب سوء لسفهائكم، فأما الحلماء الأتقياء فلا، وايم الله لقد خشيت ألا أجد بدا من أن يعصب الحليم التقي بذنب السفيه الجاهل، فكفوا أيها الناس سفهاءكم قبل أن يشمل البلاء عوامكم. وقد ذكر لي أن رجالا منكم يريدون أن يظهروا في المصر بالشقاق والخلاف، وايم الله لا يخرجون في حي من أحياء العرب في هذا المصر إلا أبدتهم وجعلتهم نكالا لمن بعدهم، فنظر قوم لأنفسهم قبل الندم، فقد قمت هذا المقام إرادة الحجة والإعذار. فقام إليه معقل بن قيس الرياحي فقال: أيها الأمير هل سمي لك أحد من هؤلاء القوم؟ فإن كانوا سموا لك فأعلمنا من هم؟ فإن كانوا منا كفيناكم، وإن كانوا من غيرنا أمرت أهل الطاعة من أهل مصرنا فأتتك كل قبيلة بسفهائها فقال: ما سمي لي أحد منهم. ولكن قد قيل لي إن جماعة يريدون أن يخرجوا بالمصر، فقال له معقل: أصلحك الله! فإني أسير في قومي وأكفيك ما هم فيه، فليكفك كل امرئ من الرؤساء قومه. فنزل المغيرة بن شعبة وبعث إلى رؤساء الناس فدعاهم، ثم قال لهم: إنه قد كان من الأمر ما قد علمتم، وقد قلت ما قد سمعتم، فليكفني كل امرئ من الرؤساء قومه، وإلا فو الذي لا إله غيره لأتحولن عما كنتم تعرفون إلى ما تنكرون، وعما تحبون إلى ما تكرهون، فلا يلم لائم إلا نفسه وقد أعذر من أنذر. فخرجت الرؤساء إلى عشائرهم، فناشدوهم الله والإسلام إلا دلوهم على من يرون أنه

стр. 314

يريد أن يهيج فتنة، أو يفارق جماعة ... (١) إلى أن قال: ثم إن المغيرة بن شعبة أخبر خبرهم، فدعا رؤساء الناس. فقال: إن هؤلاء الأشقياء قد أخرجهم الحين وسوء الرأي، فمن ترون أبعث إليهم؟ قال: فقام إليه عدي بن حاتم، فقال كلنا لهم عدو، ولرأيهم مسفه، وبطاعتك مستمسك، فأينا شئت سار إليهم: فقام معقل بن قيس، فقال: إنك لا تبعث إليهم أحدا ممن ترى حولك من أشراف المصر إلا وجدته سامعا مطيعا، ولهم مفارقا ولهلاكهم محبا، ولا أرى أصلحك الله أن تبعث إليهم أحدا من الناس أعدى لهم ولا أشد عليهم مني فابعثني إليهم فإني أكفيكهم بإذن الله، فقال: اخرج على اسم الله؛ فجهز معه ثلاثة آلاف رجل. (٢) - عن سالم بن ربيعة قال: إني جالس عند المغيرة بن شعبة حين أتاه معقل بن قيس يسلم عليه ويودعه، فقال له المغيرة: يا معقل بن قيس، إني قد بعثت معك فرسان أهل البصرة، أمرت بهم فانتخبوا انتخابا، فسر إلى هذه العصابة المارقة، الذين فارقوا جماعتنا وشهدوا عليها بالكفر، فادعهم إلى التوبة، وإلى الدخول في الجماعة، فإن فعلوا فاقبل منهم، واكفف عنهم، وإن هم لم يفعلوا فناجزهم واستعن بالله عليهم. فقال معقل بن قيس: سندعوهم ونعذر، وايم الله ما أرى أن يقبلوا، ولئن لم يقبلوا الحق لا نقبل منهم الباطل،

стр. 315

هل بلغك -أصلحك الله- أين منزل القوم؟ (١) وقال ابن كثير: وقد كانت في هذه السنة -أعنى سنة ثلاث وأربعين- وقعة عظيمة بين الخوارج وجند الكوفة، وذلك أنهم صمموا -كما قدمنا- على الخروج على الناس في هذا الحين، فاجتمعوا في قريب من ثلاثمائة عليهم المستورد بن علقمة، فجهز عليهم المغيرة بن شعبة جندا عليهم معقل بن قيس في ثلاثة آلاف، فصار إليهم وقدم بين يديه أبا الرواع في طليعة هي ثلاثمائة على عدة الخوارج، فلقيهم أبو الرواع بمكان يقال له المذار. فاقتتلوا معهم فهزمهم الخوارج، ثم كروا عليهم فهزمتهم الخوارج، ولكن لم يقتل أحد منهم، فلزموا مكانهم في مقاتلتهم ينتظرون قدوم أمير الجيش معقل بن قيس عليهم، فما قدم عليهم إلا في آخر نهار غربت فيه الشمس، فنزل وصلى بأصحابه، ثم شرع في مدح أبى الرواع، فقال له: أيها الأمير إن لهم شدات منكرة، فكن أنت ردأ الناس ومر الفرسان فليقاتلوا بين يديك. فقال معقل ابن قيس: نعم ما رأيت، فما كان إلا ريثما قال له ذلك حتى حملت الخوارج على معقل وأصحابه، فانجفل عنه عامة أصحابه، فترجل عند ذلك معقل بن قيس وقال: يا معشر المسلمين الأرض الأرض، فترجل معه جماعة من الفرسان والشجعان قريب من مائتي فارس، منهم أبو الرواع الشاكري، فحمل عليهم المستورد بن علقمة بأصحابه فاستقبلوهم بالرماح والسيوف، ولحق بقية الجيش بعض الفرسان فذمرهم وعيرهم وأنبهم على الفرار، فرجع الناس إلى معقل وهو يقاتل الخوارج بمن معه من الأنصار قتالا شديدا، والناس

стр. 316

يتراجعون في أثناء الليل، فصفهم معقل بن قيس ميمنة وميسرة ورتبهم، وقال: لا تبرحوا على مصافكم حتى نصبح فنحمل عليهم فما أصبحوا حتى هزمت الخوارج فرجعوا من حيث أتوا، فسار معقل فى طلبهم وقدم بين يديه أبا الرواع في ستمائة فالتقوا بهم عند طلوع الشمس، فثار إليهم الخوارج فتبارزوا ساعة، ثم حملوا حملة رجل واحد فصبر لهم أبو الرواع بمن معه وجعل يذمرهم ويعيرهم ويؤنبهم على الفرار ويحثهم على الصبر فصبروا وصدقوا في الثبات حتى ردوا الخوارج إلى أماكنهم، فلما رأت الخوارج ذلك خافوا من هجوم معقل عليهم، فما يكون دون قتلهم شيء فهربوا بين أيديهم حتى قطعوا دجلة في أرض نهزشير، وتبعهم أبو الرواع ولحقه معقل بن قيس، ووصلت الخوارج إلى المدينة العتيقة فركب إليهم شريك بن عبيد نائب المدائن ولحقهم أبو الرواع بمن معه من المقدمة. (١) جرير بن عبد الله (٢) (٥١ هـ) هو جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك بن نصر بن ثعلبة بن حُشَم بن عوف. الأمير النبيل أبو عمرو -وقيل أبو عبد الله- البجلي القسري وقسر من قحطان، من أعيان الصحابة. بايع النبي ﷺ على النصح لكل مسلم، كان بديع الحسن كامل الجمال. حدث عنه أنس وقيس بن أبي حازم وأبو وائل

стр. 317

والشعبي وأولاده الأربعة: المنذر، وعبد الله وإبراهيم ولم يدركه، وأيوب، وجماعة. روى الإمام أحمد عن جرير: لما دنوت من المدينة، أنخت راحلتي وحللت عيبتي ولبست حلتي، ثم دخلت المسجد فإذا برسول الله ﷺ يخطب، فرماني الناس بالحدق فقلت لجليسي: يا عبد الله هل ذكر رسول الله ﷺ من أمري شيئا؟ قال: نعم، ذكرك بأحسن الذكر، بينما هو يخطب إذ عرض له في خطبته، فقال: "إنه سيدخل عليكم من هذا الفج من خير ذي يمن ألا وإن على وجهه مسحة ملك". قال: فحمدت الله. (١) وقال أيضا: ما رآني رسول الله ﷺ إلا تبسم في وجهي. جاء مع قومه فأسلموا. وقال عمر: جرير يوسف هذه الأمة. عن الشعبي: كان على ميمنة سعد بن أبي وقاص يوم القادسية جرير. قال محمد بن عمر: لم يزل جرير معتزلا لعلي ومعاوية بالجزيرة ونواحيها حتى توفي بالشراة في ولاية الضحاك ابن عيسى على الكوفة سنة إحدى وخمسين. ومسنده نحو من مائة حديث. موقفه من المشركين: عن جرير أن النبي ﷺ قال له: "ألا تريحني من ذي الخلصة -بيت خثعم- وكان يسمى: الكعبة اليمانية- قال: فخربناه أو حرقناه حتى تركناه كالجمل الأجرب وبعث إلى النبي ﷺ يبشره فبرك على خيل أحمس ورجالها خمس مرات ... قال: وقلت يا رسول الله إني رجل لا أثبت على الخيل فوضع

стр. 318

يده على وجهي -أو على صدري- وقال اللهم اجعله هاديا مهديا". (١) موقفه من الرافضة: عن مغيرة قال: تحول جرير بن عبد الله وحنظلة وعدي بن حاتم من الكوفة إلى قرقيسيا وقالوا لا نقيم ببلد يشتم فيه عثمان. (٢) سعيد بن زيد (٣) (٥١ هـ) سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيْل بن عبد العُزَّى العدويّ، يكنى أبا الأعور وقيل: أبا ثور والأول أكثر. روى عنه ابن عمر وأبو الطفيل، وعمرو ابن حريث وغيرهم. أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، أسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم، وهاجر وشهد أحدا والمشاهد بعدها، ولم يكن بالمدينة زمان بدر فلذلك لم يشهدها. فكان بالحق قوالا، ولماله بذالا ولهواه قامعا وقتالا، ولم يكن ممن يخاف في الله لومة لائم. وكان مجاب الدعوة، اعتزل الفتنة والشرور المؤدية إلى الضيعة والغرور، عازما على السبقة والعبور، المفضي إلى الرفعة والحبور. كان للولايات قاليا وفي مراتب الدنيا وانيا، وفي العبودية غانيا وعن مساعدة نفسه فانيا. له أحاديث يسيرة. مات بالعقيق سنة إحدى وخمسين وهو ابن بضع وسبعين سنة، فغسله سعد بن أبي وقاص وكفنه وخرج معه، وقبر بالمدينة.

стр. 319

موقفه من الرافضة: روى الآجري في الشريعة بسنده إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: جاءت أروى ابنة أوس إلى أبي محمد بن عمرو فقالت: يا أبا عبد الملك: إن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قد بنى ضفيرة وقال ابن سفيان: ضفيرة في حقي، فأته فكلمه، فلينزع عن حقي، فوالله لئن لم يفعل لأصيحن به في مسجد رسول الله ﷺ . فقال لها: لا تؤذي صاحب رسول الله ﷺ فما كان ليظلمك، ولا يأخذ لك حقا، فخرجت فجاءت عمارة بن عمرو وعبد الله بن مسلمة فقالت لهما: ائتيا سعيد بن زيد، فإنه ظلمني وبنى ضفيرة في حقي، فوالله لئن لم ينزع لأصيحن به في مسجد رسول الله ﷺ ، فخرجا حتى أتياه في أرضه بالعقيق، فقال لهما: ما أتى بكما؟ فقالا: جاءتنا أروى ابنة أوس فزعمت أنك بنيت ضفيرة في حقها، وحلفت بالله لئن لم تنزع لتصيحن بك في مسجد رسول الله ﷺ ، زاد ابن بكير: فأحببنا أن نأتيك فنخبرك، ونذكر لك ذلك، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه طوقه الله عزوجل يوم القيامة من سبع أرضين (١) لتأتي فلتأخذ ما كان لها من حق، اللهم إن كانت كذبت علي فلا تمتها حتى تعمي بصرها، وتجعل منيتها فيها، فرجعوا فأخبروها بذلك، فجاءت حتى هدمت الضفيرة، وبنت بنيانا فلم تمكث إلا قليلا حتى عميت، وكانت تقوم من الليل ومعها جارية لها تقودها لتوقظ العمال، فقامت ليلة وتركت الجارية

стр. 320

لم توقظها، فخرجت تمشي حتى سقطت في البئر، فأصبحت ميتة. (١) موقفه من الخوارج والرافضة: - عن عبد الرحمن بن الأخنس أنه كان في المسجد فذكر رجل عليا ﵁، فقام سعيد بن زيد فقال: أشهد على رسول الله ﷺ أني سمعته وهو يقول: عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة ولو شئت لسميت العاشر، قال: فقالوا: من هو؟ فسكت، فقالوا: من هو؟ فقال: هو سعيد بن زيد. (٢) - وعن رياح بن الحارث، قال: كنت قاعدا عند فلان في مسجد الكوفة وعنده أهل الكوفة، فجاء سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، فرحب به وحياه وأقعده عند رجله على السرير فجاءه رجل من أهل الكوفة يقال له قيس بن علقمة فاستقبله فسب وسب، فقال سعيد: من يسب هذا الرجل؟ فقال: يسب عليا، قال: ألا أرى أصحاب رسول الله ﷺ يسبون عندك ثم لا تنكر ولا تغير، أنا سمعت رسول الله ﷺ يقول وإني لغني أن أقول عليه ما لم يقل فيسألني عنه غدا إذا لقيته: أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وساق
следующие страницы →