يتراجعون في أثناء الليل، فصفهم معقل بن قيس ميمنة وميسرة ورتبهم، وقال: لا تبرحوا على مصافكم حتى نصبح فنحمل عليهم فما أصبحوا حتى هزمت الخوارج فرجعوا من حيث أتوا، فسار معقل فى طلبهم وقدم بين يديه أبا الرواع في ستمائة فالتقوا بهم عند طلوع الشمس، فثار إليهم الخوارج فتبارزوا ساعة، ثم حملوا حملة رجل واحد فصبر لهم أبو الرواع بمن معه وجعل يذمرهم ويعيرهم ويؤنبهم على الفرار ويحثهم على الصبر فصبروا وصدقوا في الثبات حتى ردوا الخوارج إلى أماكنهم، فلما رأت الخوارج ذلك خافوا من هجوم معقل عليهم، فما يكون دون قتلهم شيء فهربوا بين أيديهم حتى قطعوا دجلة في أرض نهزشير، وتبعهم أبو الرواع ولحقه معقل بن قيس، ووصلت الخوارج إلى المدينة العتيقة فركب إليهم شريك بن عبيد نائب المدائن ولحقهم أبو الرواع بمن معه من المقدمة. (١)
جرير بن عبد الله (٢) (٥١ هـ)
هو جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك بن نصر بن ثعلبة بن حُشَم بن عوف. الأمير النبيل أبو عمرو -وقيل أبو عبد الله- البجلي القسري وقسر من قحطان، من أعيان الصحابة. بايع النبي ﷺ على النصح لكل مسلم، كان بديع الحسن كامل الجمال. حدث عنه أنس وقيس بن أبي حازم وأبو وائل
стр. 317
والشعبي وأولاده الأربعة: المنذر، وعبد الله وإبراهيم ولم يدركه، وأيوب، وجماعة. روى الإمام أحمد عن جرير: لما دنوت من المدينة، أنخت راحلتي وحللت عيبتي ولبست حلتي، ثم دخلت المسجد فإذا برسول الله ﷺ يخطب، فرماني الناس بالحدق فقلت لجليسي: يا عبد الله هل ذكر رسول الله ﷺ من أمري شيئا؟ قال: نعم، ذكرك بأحسن الذكر، بينما هو يخطب إذ عرض له في خطبته، فقال: "إنه سيدخل عليكم من هذا الفج من خير ذي يمن ألا وإن على وجهه مسحة ملك". قال: فحمدت الله. (١) وقال أيضا: ما رآني رسول الله ﷺ إلا تبسم في وجهي. جاء مع قومه فأسلموا.
وقال عمر: جرير يوسف هذه الأمة. عن الشعبي: كان على ميمنة سعد بن أبي وقاص يوم القادسية جرير. قال محمد بن عمر: لم يزل جرير معتزلا لعلي ومعاوية بالجزيرة ونواحيها حتى توفي بالشراة في ولاية الضحاك ابن عيسى على الكوفة سنة إحدى وخمسين. ومسنده نحو من مائة حديث.
موقفه من المشركين:
عن جرير أن النبي ﷺ قال له: "ألا تريحني من ذي الخلصة -بيت خثعم- وكان يسمى: الكعبة اليمانية- قال: فخربناه أو حرقناه حتى تركناه كالجمل الأجرب وبعث إلى النبي ﷺ يبشره فبرك على خيل أحمس ورجالها خمس مرات ... قال: وقلت يا رسول الله إني رجل لا أثبت على الخيل فوضع
стр. 318
يده على وجهي -أو على صدري- وقال اللهم اجعله هاديا مهديا". (١)
موقفه من الرافضة:
عن مغيرة قال: تحول جرير بن عبد الله وحنظلة وعدي بن حاتم من الكوفة إلى قرقيسيا وقالوا لا نقيم ببلد يشتم فيه عثمان. (٢)
سعيد بن زيد (٣) (٥١ هـ)
سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيْل بن عبد العُزَّى العدويّ، يكنى أبا الأعور وقيل: أبا ثور والأول أكثر. روى عنه ابن عمر وأبو الطفيل، وعمرو ابن حريث وغيرهم. أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، أسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم، وهاجر وشهد أحدا والمشاهد بعدها، ولم يكن بالمدينة زمان بدر فلذلك لم يشهدها. فكان بالحق قوالا، ولماله بذالا ولهواه قامعا وقتالا، ولم يكن ممن يخاف في الله لومة لائم. وكان مجاب الدعوة، اعتزل الفتنة والشرور المؤدية إلى الضيعة والغرور، عازما على السبقة والعبور، المفضي إلى الرفعة والحبور. كان للولايات قاليا وفي مراتب الدنيا وانيا، وفي العبودية غانيا وعن مساعدة نفسه فانيا. له أحاديث يسيرة. مات بالعقيق سنة إحدى وخمسين وهو ابن بضع وسبعين سنة، فغسله سعد بن أبي وقاص وكفنه وخرج معه، وقبر بالمدينة.
стр. 319
موقفه من الرافضة:
روى الآجري في الشريعة بسنده إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: جاءت أروى ابنة أوس إلى أبي محمد بن عمرو فقالت: يا أبا عبد الملك: إن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قد بنى ضفيرة وقال ابن سفيان: ضفيرة في حقي، فأته فكلمه، فلينزع عن حقي، فوالله لئن لم يفعل لأصيحن به في مسجد رسول الله ﷺ . فقال لها: لا تؤذي صاحب رسول الله ﷺ فما كان ليظلمك، ولا يأخذ لك حقا، فخرجت فجاءت عمارة بن عمرو وعبد الله بن مسلمة فقالت لهما: ائتيا سعيد بن زيد، فإنه ظلمني وبنى ضفيرة في حقي، فوالله لئن لم ينزع لأصيحن به في مسجد رسول الله ﷺ ، فخرجا حتى أتياه في أرضه بالعقيق، فقال لهما: ما أتى بكما؟ فقالا: جاءتنا أروى ابنة أوس فزعمت أنك بنيت ضفيرة في حقها، وحلفت بالله لئن لم تنزع لتصيحن بك في مسجد رسول الله ﷺ ، زاد ابن بكير: فأحببنا أن نأتيك فنخبرك، ونذكر لك ذلك، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه طوقه الله عزوجل يوم القيامة من سبع أرضين (١) لتأتي فلتأخذ ما كان لها من حق، اللهم إن كانت كذبت علي فلا تمتها حتى تعمي بصرها، وتجعل منيتها فيها، فرجعوا فأخبروها بذلك، فجاءت حتى هدمت الضفيرة، وبنت بنيانا فلم تمكث إلا قليلا حتى عميت، وكانت تقوم من الليل ومعها جارية لها تقودها لتوقظ العمال، فقامت ليلة وتركت الجارية
стр. 320
لم توقظها، فخرجت تمشي حتى سقطت في البئر، فأصبحت ميتة. (١)
موقفه من الخوارج والرافضة:
- عن عبد الرحمن بن الأخنس أنه كان في المسجد فذكر رجل عليا ﵁، فقام سعيد بن زيد فقال: أشهد على رسول الله ﷺ أني سمعته وهو يقول: عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة ولو شئت لسميت العاشر، قال: فقالوا: من هو؟ فسكت، فقالوا: من هو؟ فقال: هو سعيد بن زيد. (٢)
- وعن رياح بن الحارث، قال: كنت قاعدا عند فلان في مسجد الكوفة وعنده أهل الكوفة، فجاء سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، فرحب به وحياه وأقعده عند رجله على السرير فجاءه رجل من أهل الكوفة يقال له قيس بن علقمة فاستقبله فسب وسب، فقال سعيد: من يسب هذا الرجل؟ فقال: يسب عليا، قال: ألا أرى أصحاب رسول الله ﷺ يسبون عندك ثم لا تنكر ولا تغير، أنا سمعت رسول الله ﷺ يقول وإني لغني أن أقول عليه ما لم يقل فيسألني عنه غدا إذا لقيته: أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وساق
стр. 321
معناه، ثم قال: لمشهد رجل منهم مع رسول الله ﷺ يغبر فيه وجهه خير من عمل أحدكم عمره ولو عمر عمر نوح. (١)
أبو بَكْرَة الثَّقَفِي (٢) (٥٢ هـ)
نُفَيْع بن الحارث وقيل بن مَسْرُوح بن كَلَدَة بن عمرو الثقفي صحابي جليل كبير القدر تدلى إلى النبي ﷺ ببكرة من حصن الطائف، فلذا كني أبا بكرة. روى عن النبي ﷺ وروى عنه أولاده: عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد العزيز، وغيرهم. كان من فضلاء الصحابة وصالحيهم كثير العبادة، وكان ممن اعتزل يوم الجمل، ولم يقاتل مع واحد من الفريقين. مات في خلافة معاوية بن أبي سفيان بالبصرة، سنة اثنتين وخمسين وقيل سنة إحدى وخمسين وصلى عليه أبو برزة الأسلمي الصحابي وكان قد آخى بينهما رسول الله ﷺ .
موقفه من المبتدعة:
روى الإمام أحمد عن عيينة بن عبد الرحمن بن يونس قال: حدثني أبي قال: شهدت جنازة عبد الرحمن بن سمرة وخرج زياد يمشي بين يدي السرير، فجعل رجال من أهل عبد الرحمن ومواليهم يستقبلون السرير ويمشون على أعقابهم
стр. 322
ويقولون: رويدا رويدا بارك الله فيكم، فكانوا يدبون دبيبا حتى إذا كنا ببعض طريق المربد لحقنا أبو بكرة على بغلة، فلما رأى الذي يصنعون حمل عليهم ببغلته وأهوى إليهم بالسوط وقال: خلوا فوالذي أكرم وجه أبي القاسم ﷺ ، لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ وإنا لنكاد نرمل بها رملا، فانبسط القوم. (١)
موقفه من الخوارج:
- عن زياد بن كسيب العدوي قال: كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر وهو يخطب وعليه ثياب رقاق فقال أبو بلال: انظروا إلى أميرنا يلبس ثياب الفساق. فقال أبو بكرة: اسكت سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله. (٢)
أورده الذهبي في سيره وقال عقبه: أبو بلال هذا هو مرداس ابن أدية، خارجي ومن جهله عد ثياب الرجال الرقاق لباس الفساق. (٣)
عمران بن حصين (٤) (٥٢ هـ)
عِمْرَان بن حُصَيْن بن عبيد بن خَلَف أبو نُجَيد الخزاعي. القدوة الإمام
стр. 323
صاحب رسول الله ﷺ أسلم عام خيبر. وغزا مع رسول الله ﷺ غزوات، بعثه عمر بن الخطاب إلى البصرة ليفقه أهلها، وكان من فضلاء الصحابة. روى عن النبي ﷺ وعن معقل ابن يسار. وروى عنه بشير بن كعب العدوي، والحسن البصري وحفص الليثي وعبد الله بن بريدة ومطرف بن عبد الله بن الشخير وغيرهم. كان الحسن يحلف ويقول: ما قدم عليهم البصرة خير لهم من عمران بن الحصين. وقال محمد بن سيرين: ما قدم البصرة أحد يفضل على عمران بن حصين. وقال معاوية بن قرة: كان عمران بن الحصين من أشد أصحاب رسول الله ﷺ اجتهادا في العبادة. وعن رافع بن سحبان أن رجلا أتى عمران بن حصين وهو في المسجد فقال: رجل طلق امرأته وهو في مجلس ثلاثا فقال: إثم لزمه وحرمت عليه امرأته فانطلق فذكر ذلك لأبي موسى يريد عيبه، فقال أبو موسى: أكثر الله فينا مثل أبي نجيد. قال عمران: "وقد كان يسلم علي (يعني من طرف الملائكة) حتى اكتويت، فَتُرِكْتُ، ثم تَرَكْتُ الكيّ فعاد" (١). توفي سنة اثنتين وخمسين ﵁.
موقفه من المبتدعة:
- روى البخاري عن أبي السوار العدوي قال: سمعت عمران بن حصين قال: قال النبي ﷺ : الحياء لا يأتي إلا بخير. فقال بشير بن كعب: مكتوب في الحكمة: إن من الحياء وقارا وإن من الحياء سكينة. فقال له عمران: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتحدثني عن صحيفتك؟ (٢)
стр. 324
- وجاء في الإبانة: عن حبيب بن أبي نضلة المالكي، قال: لما بني هذا المسجد مسجد الجامع، قال: وعمران بن حصين جالس فذكروا عنده الشفاعة (١)، فقال رجل من القوم: يا أبا نجيد إنكم لتحدثوننا أحاديث ما نجد لها أصلا في القرآن، قال: فغضب عمران بن حصين، وقال للرجل: قرأت القرآن؟ قال: نعم. قال: فهل وجدت فيه صلاة المغرب ثلاثا وصلاة العشاء أربعا والغداة ركعتين والأولى أربعا والعصر أربعا؟ قال: فممن أخذتم هذا الشأن ألستم عنا أخذتموه وأخذناه عن نبي الله ﷺ وعنا أخذتموه، أو عن من أخذتم في كل أربعين درهما درهم، وفي كذا وكذا شاة كذا وكذا، ومن كذا وكذا بعيرا كذا وكذا، أوجدتم هذا في القرآن؟ قال: لا. قال: فعمن أخذتم هذا ألستم عنا أخذتموه؟ وأخذناه عن نبي الله ﷺ وأخذتموه عنا؟ قال: فهل وجدتم في القرآن وليطوفوا بالبيت العتيق، وجدتم طوفوا سبعا واركعوا خلف المقام ركعتين، هل وجدتم هذا في القرآن؟ عمن أخذتموه ألستم أخذتموه عنا وأخذناه عن رسول الله ﷺ وأخذتموه عنا؟ قالوا: بلى. قال: فوجدتم في القرآن لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام، أوجدتم هذا في القرآن؟ قالوا: لا. قال عمران: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام (٢). قال: أو ما سمعتم الله تعالى قال لأقوام في كتابه: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ
стр. 325
نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾. حتى بلغ ﴿شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (٤٨)(١).
قال حبيب: أنا سمعت عمران يقول: الشفاعة نافعة دون من يسبحون. (٢)
- وروى الخطيب في الفقيه والمتفقه عن الحسن أن رجلا قال لعمران ابن حصين: يا أبا نجيد إنكم لتحدثونا بأحاديث، الله تعالى أعلم بها، حدثونا بالقرآن. قال: القرآن والله نعم، أرأيت لو رفعنا إليه، وقد وجدت في القرآن ﴿أقيموا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزكاة﴾ ثم لم نر رسول الله ﷺ ، كيف سن لنا كيف نركع، كيف كنا نسجد، كيف كنا نعطي زكاة أموالنا. قال: فأفحم الرجل. (٣)
- عن الحسن أن عمران بن حصين أوصى لأمهات أولاده بوصايا، وقال: من صرخت علي، فلا وصية لها. (٤)
موقفه من المشركين:
- عن الحسن عن عمران بن حصين أنه رأى في يد رجل حلقة من صفر، فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة، قال: أما إنها لن تزيدك إلا وهنا ولو مت وأنت ترى أنها نافعتك لمت على غير الفطرة. (٥)
стр. 326
موقفه من الخوارج:
عن عمران بن الحصين قال: أتى نافع بن الأزرق وأصحابه فقالوا: هلكت يا عمران قال: ما هلكت قالوا: بلى، قال: ما الذي أهلكني؟ قالوا: قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (١). قال: قد قاتلناهم حتى نفيناهم، فكان الدين كله لله. إن شئتم حدثتكم حديثا سمعته من رسول الله ﷺ قالوا: وأنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. شهدت رسول الله ﷺ وقد بعث جيشا من المسلمين إلى المشركين. فلما لقوهم قاتلوهم قتالا شديدا. فمنحوهم أكتافهم. فحمل رجل من لحمتي على رجل من المشركين بالرمح. فلما غشيه قال: أشهد أن لا إله إلا الله إني مسلم، فطعنه فقتله. فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هلكت. قال: وما الذي صنعت مرة أو مرتين، فأخبره بالذي صنع فقال له رسول الله ﷺ : فهلا شققت عن بطنه فعلمت ما في قلبه؟! قال: يا رسول الله لو شققت بطنه لكنت أعلم ما في قلبه. قال: فلا أنت قبلت ما تكلم به، ولا أنت تعلم ما في قلبه. قال: فسكت عنه رسول الله ﷺ فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات. فدفناه فأصبح على ظهر الأرض. فقالوا: لعل عدوا نبشه. فدفناه. ثم أمرنا غلماننا يحرسونه. فأصبح على ظهر الأرض. فقلنا: لعل الغلمان نعسوا. فدفناه. ثم حرسناه بأنفسنا فأصبح على ظهر الأرض. فألقيناه في
стр. 327
بعض تلك الشعاب. (١)
موقفه من القدرية:
- عن أبي الأسود الدؤلي قال: سألت عمران بن حصين عن باب القدر، فقال لو أن الله عذب أهل السماوات والأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو أنه رحم أهل السماوات والأرض لكانت رحمته أوسع من ذلك، ولو أن رجلا له مثل أحد ذهبا ينفقه في سبيل الله لا يؤمن بالقدر خيره وشره ما تقبل منه. (٢)
- وعنه قال: قال لي عمران بن الحصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر ما سبق؟ أو في ما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم، وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت: بل شيء قضي عليهم، ومضى عليهم. قال فقال: أفلا يكون ظلما؟ قال: ففزعت من ذلك فزعا شديدا. وقلت: كل شيء خلق الله وملك يده. فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون. فقال لي: يرحمك الله، إني لم أرد بما سألتك إلا لأحزر عقلك. إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله ﷺ . فقالا: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه، أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد
стр. 328
سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم، وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: "لا. بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم. وتصديق ذلك في كتاب الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (١) ". (٢)
فَضَالة بن عبيد (٣) (٥٣ هـ)
فَضَالة بن عُبَيْد بن نَافِذ أبو محمد الأنصاري الأوسي. القاضي الفقيه، صاحب رسول الله ﷺ ، من أهل بيعة الرضوان قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٤) شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وكان أصغر من شهد بيعة الرضوان. قال الذهبي: إن ثبت شهوده أحدا، فما كان يوم الشجرة صغيرا. وعن ابن محيريز قال: سمعت فضالة بن عبيد، فقلت له: أوصني قال: خصال ينفعك الله بهن، إن استطعت أن تعرف ولا تعرف فافعل، وإن استطعت أن تسمع ولا تكلم، فافعل، وإن استطعت أن تجلس ولا يجلس إليك، فافعل. وعنه قال: ثلاث من الفواقر: إمام إن أحسنت لم يشكر وإن أسأت لم يغفر، وجار إن رأى حسنة دفنها، وإن رأى سيئة أفشاها، وزوجة إن حضرت آذتك، وإن غبت خانتك في
стр. 329
نفسها وفي مالك. مات ﵁ عام ثلاث وخمسين للهجرة.
موقفه من المشركين:
عن ثمامة بن شفي قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بن عبيد بقبره فسوي، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها. (١)
موقفه من المرجئة:
وجاء في السير: عن فضالة، قال: لأن أعلم أن الله تقبل مني مثقال حبة، أحب إلي من الدنيا وما فيها، لأنه تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢). (٣)
حسان بن ثابت (٤) (٥٤ هـ)
حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو الوليد، ويقال: أبو الحسام المدني، شاعر رسول الله ﷺ . حدث عنه ابنه عبد الرحمن والبراء بن عازب، وسعيد بن المسيب وأبو سلمة وآخرون. وحديثه قليل. كان قديم الإسلام ولم يشهد مع النبي ﷺ مشهدا وكان يجبن. قال ابن سعد:
стр. 330
عاش ستين سنة في الجاهلية وستين في الإسلام. قال أبو عبيدة: فضل حسان ابن ثابت على الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي ﷺ في أيام النبوة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام. وقد أعطاه رسول الله ﷺ سيرين أخت مارية أمة قبطية فولدت له عبد الرحمن بن حسان وذلك لذبه بلسانه عن النبي ﷺ في هجاء المشركين له. توفي حسان ﵀ سنة أربع وخمسين وهو ابن مائة وعشرين سنة، وكذلك عاش أبوه ثابت، وجده المنذر، وأبو جده حرام ولا يعرف في العرب أربعة تناسلوا من صلب واحد عاش كل منهم مائة وعشرين سنة غيرهم.
موقفه من المشركين:
جاء في السير: قالت عائشة: والله إني لأرجو أن يدخله الله الجنة بكلمات قالهن لأبي سفيان بن الحارث:
هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء (١)
موقفه من الرافضة:
- جاء في أصول الاعتقاد: عن الزهري قال: قال رسول الله لحسان: هل قلت في أبي بكر؟ قال: نعم، قال: قل: وأنا أسمع فقال:
وثاني اثنين في الغار وقد ... طاف العدو بهم إذ صعدوا الجبلا
стр. 331
وكان حب رسول الله قد علموا ... من البرية لم يعدل به رجلا
قال: فتبسم رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه وقال صدقت يا حسان. (١)
- وفيه: عن الشعبي أن حسان قال في النبي ﷺ وفي أبي بكر وعمر:
ثلاثة برزوا بفضلهم ... نضرهم ربهم إذا نشروا
فليس من مؤمن له بصر ... ينكر تفضيلهم إذا ذكروا
عاشوا بلا فرقة ثلاثتهم ... واجتمعوا في الممات إذ قبروا (٢)
- وفيه (٣): عن أسماء بنت أبي بكر قالت: مر الزبير بن العوام بمجلس من أصحاب رسول الله ﷺ وحسان ينشدهم شعره وهم غير نشاط لما يسمعون منه فجلس معهم الزبير ثم قال: مالي أراكم غير آذنين لما تسمعون من شعر ابن الفريعة؟ فلقد كان يعرض به لرسول الله ﷺ ، فيحسن استماعه ويحرك عنده ثوبه ولا يشغل عنه بشيء. فقال حسان:
أقام على عهد النبي وهديه ... حواريه والقول بالفعل يعدل
أقام على منهاجه وطريقه ... يوالي ولي الحق والحق أعدل
стр. 332
هو الفارس المشهور والبطل الذي ... يصول إذا ما كان يوم محجل
إذا كشفت عن ساقها الحرب حشها ... بأبيض سباق إلى الموت يرفل
وإن امرؤ كانت صفية أمه ... ومن أسد في بيتها لمرفل
له من رسول الله قربى قريبة ... ومن نصرة الإسلام مجد مؤثل
وكم كربة ذب الزبير بسيفه ... عن المصطفى والله يعطي ويجزل
ثناؤك خير من فعال معاشر ... وفعلك يا ابن الهاشمية أفضل
- جاء في سير أعلام النبلاء (١): قال ابن إسحاق: وقال حسان في عائشة:
رأيتك -وليغفر لك الله- حرة ... من المحصنات غير ذات غوائل
حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
وإن الذي قد قيل ليس بلائق ... بك الدهر بل قيل امرئ متماحل
فإن كنت أهجوكم كما بلغوكم ... فلا رفعت سوطي إليَّ أناملي
وكيف وودي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل
وإن لهم عزا يرى الناس دونه ... قصارا وطال العز كل التطاول
عقيلة حي من لؤي بن غالب ... كرام المساعي مجدهم غير زائل
مهذبة قد طيب الله خيمها ... وطهرها من كل سوء وباطل
- وفي الشريعة (٢): عن الشعبي قال: سئل ابن عباس ﵄ من أول من أسلم؟ فقال: أبو بكر ﵁، أما سمعت قول حسان بن
стр. 333
ثابت ﵁:
إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأفضلها ... إلا النبي وأولاها بما حملا
والثاني التالي المحمود شيمته ... وأول الناس منهم صدق الرسلا
موقفه من الجهمية:
قال ابن تيمية في المنهاج: ومن هذا قول حسان بن ثابت ﵁:
تعالى علوا فوق العرش إلهنا ... وكان مكان الله أعلى وأعظما
مع علم حسان وغيره من أصحاب رسول الله ﷺ أن الله غني عن كل ما سواه، وما سواه من عرش وغيره محتاج إليه، وهو لا يحتاج إلى شيء، وقد أثبت له مكانا. (١)
الأَرْقَم بن أبي الأرقم (٢) (٥٥ هـ)
الأرقم بن أبي الأرقم عبد مناف بن أسد بن عبد الله بن عمر، أبو عبد الله المخزومي صاحب النبي ﷺ . من السابقين الأولين كان أحد من شهد بدرا، وكان من عقلاء قريش، وهو صاحب حلف الفضول. وقد استخفى النبي ﷺ في داره وهي عند الصفا وكانت تدعى دار الإسلام لإسلام كثير
стр. 334
من الناس بها، ولاجتماع الرسول ﷺ بأصحابه بها. وعن الأرقم أنه تجهز يريد بيت المقدس، فلما فرغ من جهازه، جاء إلى النبي ﷺ يودعه، فقال: ما يخرجك؟ حاجة أو تجارة؟ قال: لا والله يا نبي الله، ولكن أردت الصلاة في بيت المقدس. فقال النبي ﷺ : "الصلاة في مسجدي خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" (١) فجلس الأرقم ولم يخرج. توفي بالمدينة سنة خمس وخمسين وصلى عليه سعد بن أبي وقاص بوصيته إليه.
موقفه من المشركين:
عن يحيى بن عمران بن عثمان بن الأرقم قال: سمعت جدي عثمان بن الأرقم يقول: أنا ابن سبعة في الإسلام أسلم أبي سابع سبعة وكانت داره بمكة على الصفا وهي الدار التي كان النبي ﷺ يكون فيها في أول الإسلام، وفيها دعا الناس إلى الإسلام، وأسلم فيها قوم كثير، وقال ليلة الاثنين فيها: "اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام" (٢)، فجاء عمر بن الخطاب من الغد بكرة فأسلم في دار الأرقم وخرجوا منها فكبروا وطافوا البيت ظاهرين، ودعيت دار الأرقم دار الإسلام. (٣)
стр. 335
سعد بن أبي وقاص (١) (٥٥ هـ)
سعد بن مالك بن أُهَيْب ويقال وُهَيْب بن عبد مناف بن زُهْرَة بن كِلاَب القرشي الزهري أبو إسحاق بن أبي وقاص، أحد السابقين الأولين وأحد العشرة وآخرهم موتا. قال سعيد بن المسيب: سمعت سعدا يقول: مكثت سبع ليال، وإني لثلث الإسلام. روى عن النبي ﷺ كثيرا، روى عنه بنوه: إبراهيم وعامر ومصعب، ومن الصحابة: عائشة وابن عباس وابن عمر وآخرون. كان أحد الفرسان ومقدم الجيوش في فتح العراق، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وأحد الستة أهل الشورى، وكان مجاب الدعوة مشهورا بذلك، ولما قتل عثمان اعتزل الفتنة ولزم بيته. توفي ﵀ ورضي عنه سنة خمس وخمسين على الأصح.
موقفه من المبتدعة:
جاء في تلبيس إبليس: عن عبد الله بن أبي سلمة، أن سعد بن مالك سمع رجلا يقول: لبيك ذا المعارج فقال: ما كنا نقول هذا على عهد رسول الله ﷺ . (٢)
стр. 336
موقفه من المشركين:
- قال ابن كثير: قال ابن إسحاق: ثم أمر الله رسوله ﷺ بعد ثلاث سنين من البعثة بأن يصدع بما أمر، وأن يصبر على أذى المشركين. قال: وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا صلوا ذهبوا في الشعاب واستخفوا بصلاتهم من قومهم فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر يصلون بشعاب مكة إذ ظهر عليهم بعض المشركين فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون، حتى قاتلوهم، فضرب سعد رجلا من المشركين بلحى جمل فشجه، فكان أول دم أهريق في الإسلام.
وروى الأموي في مغازيه من طريق الوقاصي عن الزهري عن عامر ابن سعد عن أبيه فذكر القصة بطولها وفيه أن المشجوج هو عبد الله بن خطل لعنه الله. (١)
- وعن سعد قال: نزلت هذه الآية فيَّ: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ (٢). قال كنت برا بأمي فلما أسلمت قالت: يا سعد ما هذا الدين الذي قد أحدثت؟ لتدعن دينك هذا أَو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعيربي فيقال: يا قاتل أمه، قلت: لا تفعلي يا أمه، إني لا أدع ديني هذا لشيء. فمكثت يوما لا تأكل ولا تشرب وليلة وأصبحت وقد جهدت. فلما رأيت ذلك قلت: يا أمه تعلمين
стр. 337
والله لو كان لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني، إن شئت فكلي أو لا تأكلي. فلما رأت ذلك أكلت. (١)
- وعن عامر بن سعد، عن أبيه، أن النبي ﷺ جمع له أبويه يوم أحد. قال: كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين. فقال له النبي ﷺ ارم، فداك أبي وأمي قال: فنزعت له بسهم ليس فيه نصل. فأصبت جنبه فسقط. فانكشفت عورته. فضحك رسول الله ﷺ . حتى نظرت إلى نواجذه. (٢)
موقفه من الرافضة:
- جاء في سير أعلام النبلاء: عن مصعب بن سعد أن رجلا نال من علي فنهاه سعد، فلم ينته، فدعا عليه. فما برح حتى جاء بعير ناد فخبطه حتى مات. (٣)
- وعن عامر بن سعد قال: أقبل سعد من أرض له فإذا الناس عكوف على رجل فاطلع فإذا هو يسب طلحة والزبير وعليا، فنهاه فكأنما زاده إغراء، فقال: ويلك ما تريد إلى أن تسب أقواما هم خير منك لتنتهين أو لأدعون عليك. فقال: هيه فكأنما تخوفني نبيا من الأنبياء، فانطلق فدخل دارا فتوضأ ودخل المسجد ثم قال: اللهم إن كان هذا قد سب أقواما قد سبق لهم منك خير أسخطك سبه إياهم فأرني اليوم به آية تكون آية للمؤمنين. قال: وتخرج بختية من دار بني فلان نادة لا يردها شيء حتى تنتهي إليه ويتفرق الناس عنه
стр. 338
فتجعله بين قوائمها فتطؤه حتى طفئ قال: فأنا رأيته يتبعه الناس ويقولون: استجاب الله لك أبا إسحاق استجاب الله لك أبا إسحاق. (١)
- عن جابر بن سمرة قال شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر ﵁، فعزله، واستعمل عليهم عمارا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي. فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي. قال أبو إسحاق: أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ ما أخرم عنها، أصلي صلاة العشاء فأركد في الأوليين وأخف في الأخريين. قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق. فأرسل معه رجلا -أو رجالا- إلى الكوفة فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدع مسجدا إلا سأل عنه، ويثنون عليه معروفا، حتى دخل مسجدا لبني عبس، فقام رجل منهم يقال له أسامة ابن قتادة يكنى أبا سعدة قال: أما إذ نشدتنا فإن سعدا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية. قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبا قام رياء وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه بالفتن قال: وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد. قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطريق يغمزهن. (٢)
موقفه من الصوفية:
قال سعد بن أبي وقاص وغيره من السلف في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ
стр. 339
نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (١) نزلت في أصحاب الصوامع والديارات. (٢)
موقفه من الخوارج:
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وممن فسق من السلف الخوارج ونحوهم سعد بن أبي وقاص فاعتبرهم داخلين تحت قوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٣).اهـ (٤)
- عن مصعب قال: سألت أبي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ أَعْمَالًا هم الحرورية؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمدا ﷺ ، وأما النصارى كفروا بالجنة وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾، وكان سعد يسميهم الفاسقين. (٥)
стр. 340
- عن مصعب بن سعد عن سعد في قوله ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (١) قال قلت له أهم الخوارج؟ قال: لا ولكنهم أصحاب الصوامع والخوارج الذين زاغوا فأزاغ الله قلوبهم. (٢)
موقفه من القدرية:
جاء في الإبانة: عن كثير بن مرة عن ابن الديلمي يعني عبد الله الديلمي أنه لقي سعد بن أبي وقاص فقال له: إني شككت في بعض أمر القدر؛ فحدثني لعل الله يجعل لي عندك فرجا؟ قال: نعم يا ابن أخي، إن الله لو عذب أهل السماوات وأهل الأرض؛ عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم، كانت رحمته إياهم خيرا لهم من أعمالهم، ولو أن لامرئ مثل أحد ذهبا ينفقه في سبيل الله حتى ينفذه ولم يؤمن بالقدر خيره وشره، ما تقبل منه؛ ولا عليك أن تأتي عبد الله بن مسعود. فذهب ابن الديلمي إلى عبد الله ابن مسعود، فقال له مثل مقالته لسعد، فقال له مثل ما قال له سعد، وقال ابن مسعود: ولا عليك أن تلقى أبي بن كعب. فذهب ابن الديلمي إلى أبي ابن كعب، فقال له مثل مقالته لابن مسعود، فقال له أبي مثل مقالة صاحبيه، فقال له أبي: ولا عليك أن تلقى زيد بن ثابت. فذهب ابن الديلمي إلى زيد ابن ثابت فقال له: إني شككت في بعض القدر؛ فحدث لعل الله أن يجعل لي عندك فرجا، قال زيد: نعم يا ابن أخي، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن
стр. 341
الله لو عذب أهل السماء وأهل الأرض عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم، كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أن لامرئ مثل أحد ذهبا ينفقه في سبيل الله حتى ينفذه ولا يؤمن بالقدر خيره وشره؛ دخل النار". (١)
عبد الله بن مُغَفَّل (٢) (٥٧ هـ)
عبد الله بن مغفل بن عبد غَنْم المزني، أبو سعيد وأبو زياد، كان من أصحاب الشجرة سكن المدينة ثم تحول إلى البصرة، كان يقول: إني لآخذ بغصن من أغصان الشجرة أظل به النبي ﷺ وهم يبايعونه فقالوا: نبايعك على الموت؟ قال: "لا ولكن لا تفروا" (٣). وكان أحد العشرة الذين بعثهم عمر بن الخطاب يفقهون الناس. كان أول من دخل من باب مدينة تُستر يوم فتحها. وهو أحد البكائين في غزوة تبوك. روى عن النبي ﷺ وأبي بكر وعثمان وعبد الله بن سلام وروى عنه ثابت البناني والحسن البصري ومطرف وسعيد ابن جبير وغيرهم. مات سنة سبع وخمسين وصلى عليه أبو برزة الأسلمي لوصيته.
стр. 342
موقفه من المبتدعة:
روى مسلم عن ابن بريدة قال: رأى عبد الله بن المغفل رجلا من أصحابه يخذف. فقال له: لا تخذف. فإن رسول الله ﷺ كان يكره -أو قال- ينهى عن الخذف، فإنه لا يصطاد به الصيد، ولا ينكأ به العدو. ولكنه يكسر السن ويفقأ العين (١). ثم رآه بعد ذلك يخذف. فقال له: أخبرك أن رسول الله ﷺ كان يكره، أو ينهى عن الخذف، ثم أراك تخذف، لا أكلمك كلمة، كذا وكذا. (٢)
موقفه من الرافضة:
جاء في سير أعلام النبلاء: روى السري بن يحيى، عن الحسن قال: قدم علينا عبد الله، أمره معاوية -غلاما سفيها سفك الدماء سفكا شديدا- فدخل عليه عبد الله بن مغفل فقال: انته عما أراك تصنع فإن شر الرعاء الحطمة. قال: ما أنت وذاك؟ إنما أنت من حثالة أصحاب محمد ﷺ . قال: وهل كان فيهم حثالة لا أم لك. قال: فمرض ابن مغفل، فجاءه الأمير عبد الله عائدا فقال: أتعهد إلينا شيئا؟ قال: لا تصل علي، ولا تقم على قبري. (٣)
стр. 343
موقفه من المرجئة:
عن الشيباني قال: لقيت عبد الله بن مغفل فقلت له: إن أناسا من أهل الصلاح يعيبون علي أن أقول: أنا مؤمن، فقال عبد الله: لقد خبت وخسرت إن لم تكن مؤمنا. (١)
أم المؤمنين عائشة (٢) (٥٧ هـ)
عائشة أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق، العتيقة بنت العتيق، حبيبة الحبيب، وأليفة القريب، بنت خليفة رسول الله ﷺ أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر، القرشية التيمية، المكية، النبوية زوجة النبي ﷺ ، أفقه نساء الأمة على الإطلاق. روت عن النبي ﷺ الكثير الطيب، وروت أيضا عن أبيها وعن عمر وفاطمة، وسعد. روى عنها عمر، وابنه عبد الله، وأبو هريرة، وأبو موسى، وابن عباس، وسعيد بن المسيب ومسروق.
عن أبي موسى مرفوعا: "كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" (٣). وعن الزهري، حدثني أبو سلمة أن عائشة قالت:
стр. 344
قال رسول الله ﷺ : "يا عائش، هذا جبريل وهو يقرأ عليك السلام، قالت وعليه السلام ورحمة الله" (١). وعن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ استعمله على جيش ذات السلاسل، قال: "فأتيته، فقلت: يا رسول الله، أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قال: من الرجال؟ قال أبوها" (٢). وعن مسروق أنه كان إذا حدث عن عائشة رحمها الله قال: حدثتني المبرأة الصديقة ابنة الصديق حبيبة رسول الله ﷺ . (٣)
وعن هشام عن أبيه: قال: لقد صحبت عائشة، فما رأيت أحدا قط كان أعلم بآية أنزلت ولا بفريضة، ولا بسنة، ولا بشعر، ولا أروى له، ولا بيوم من أيام العرب، ولا بنسب ولا بكذا، ولا بقضاء، ولا بطب منها، فقلت لها يا خالة: الطب من أين علمته؟ فقالت: كنت أمرض فينعت لي الشيء، ويمرض المريض فينعت له، وأسمع الناس ينعت بعضهم لبعض فأحفظه.
وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس، وأحسن الناس رأيا في العامة. وقال الزهري: لو جمع علم عائشة إلى جميع النساء، لكان علم عائشة أفضل.
стр. 345
وعن عروة عن عائشة أنها تصدقت بسبعين ألفا، وأنها لترقع جانب درعها ﵂.
وعن ابن المنكدر عن أم ذرة قالت: بعث ابن الزبير إلى عائشة بمال في غرارتين، يكون مائة ألف، فدعت بطبق، فجعلت تقسم في الناس، فلما أمست قالت: هاتي يا جارية فطوري، فقالت أم ذرة يا أم المؤمنين، أما استطعت أن تشتري لنا لحما بدرهم؟ قالت: لا تعنفيني لو أذكرتيني لفعلت.
توفيت ﵂ سنة سبع وخمسين.
موقفها من الرافضة:
- جاء في السير عن موسى بن طلحة قال: ما رأيت أخطب من عائشة ولا أعرب، لقد رأيتها يوم الجمل، وثار إليها الناس، فقالوا: يا أم المؤمنين، حدثينا عن عثمان وقتله. فاستجلست الناس، ثم حمدت الله، وأثنت عليه، ثم قالت: أما بعد ... فإنكم نقمتم على عثمان خصالا ثلاثا: إمرة الفتى، وضربة السوط، وموقع الغمامة المحماة، فلما أعتبنا منهن، مصتموه موص الثوب بالصابون، عدوتم به الفقر الثلاث: حرمة الشهر الحرام، وحرمة البلد الحرام، وحرمة الخلافة، والله لعثمان كان أتقاكم للرب، وأوصلكم للرحم، وأحصنكم فرجا. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. (١)
- وجاء في أصول الاعتقاد: عن محمد بن القاسم مولى هاشم قال: بلغ عائشة أن أناسا يتناولون أبا بكر فبعثت إلى أزفلة منهم فلما حضروا سدلت أستارها ثم دنت فحمدت الله وأثنت عليه وصلت على نبيها ﷺ وعذلت
стр. 346
وقرعت وقالت: أبي وما أبيه أبي والله لا تعطوه الأيدي ذاك طود منيف وفرع مديد، هيهات كذبت الظنون، أنجح إذ كذبتم، وسبق إذ ونيتم سبق الجواد إذا استولى على الأمد، فتى قريش ناشيا وكهفها كهلا، يفك عانيها ويريش مملقها ويرأب شعثها حتى حلته قلوبها. ثم استشرى في دينه فما برحت شكيمته في ذات الله حتى اتخذ بفنائه مسجدا يحيى فيه ما أماته المبطلون، فكان رحمة الله عليه غزير الدمعة، وقيذ الجوارح شجي النشيج، فانقصفت إليه نسوان مكة وولدانها يسخرون منه ويستهزؤون به ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، فأكبرت ذلك رجالات قريش فحنت له قسيها وفوقت له سهامها، وامتثلوه غرضا فما فلوا له سيفا ولا وضعوا له قناة، ومر على سيسبائه حتى إذا ضرب الدين بجرانه، وألقى بركته، وأرسيت أوتاده، ودخل الناس فيه أفواجا ومن كل فرقة أشتاتا وأرسالا، اختار الله لنبيه ما عنده، فلما قبض الله نبيه ﷺ نصب الشيطان رواقه ومد طنبه ونصب حبائله، وأجلب عليهم بخيله ورجله، فظن رجال أن قد تحققت أطماعهم ولات حين يرجون، وأنى والصديق بين أظهرهم، فقام حسرا مشمرا، فجمع حاشيته فرد بشيز الإسلام على غربه، ولم شعثه بطيه ...
وأقام اوده بثقافه، فابذعر النفاق بوطأته، وانتاش الدين فنعشه، فلما راح الحق على أهله وقرر الرؤوس على كواهلها، وحقن الدماء في أهبها، أتته منيته فسد ثلمته بنظيره في الرحمة، وشقيقه في السيرة والمعدلة، ذاك ابن
стр. 347
الخطاب لله أم حفلت له ودرت عليه أو حدت به ففنخ الكفرة وذيحها، وشرد الشرك شذر مذر، وبعج الأرض وبخعها، فقاءت أكلها ولفظت خبيئها، ترأمه ويصدف عنها وتصدى له ويأباها، ثم وزع فيها فيئها وودعها كما صحبها، فأروني ماذا يرثون، وأي يومي أبي تنقمون يوم مقامه إذ عدل فيكم أو يوم ظعنه وقد نظر لكم. وأستغفر الله لي ولكم. (١)
- وعن أبي عبد الرحمن الأزدي قال: لما انقضى الجمل قامت عائشة فتكلمت فقالت: أيها الناس إن لي عليكم حرمة الأمومة وحق الموعظة، لا يهمني إلا من عصى ربه، قبض رسول الله ﷺ بين سحري ونحري وأنا إحدى نسائه في الجنة، له ادخرني ربي وخصني من كل بضاعة (والصواب بضع) ميز بي مؤمنكم من منافقكم، وفي رخص لكم في صعيد ... وأبي رابع أربعة من المسلمين وأول مسمى صديقا، قبض رسول الله ﷺ وهو عنه راض مطوقه ... ثم اضطرب حبل الدين فأخذ بطرفيه وربق لكم اثناه، فوقذ النفاق وأغاض نبع الردة وأطفأ ما خبأت يهود وأنتم حينئذ جحظ تنتظرون الغدوة وتستمعون الصيحة، فرأب الثأي وأودم العطلة، وامتاح من المهواة واجتهد دفن الزواء، فقبض والله واطيا على هامة النفاق مذكيا نار الحرب للمشركين، يقظان في نصرة الإسلام صفوحا عن الجاهلين. (٢)
- وعن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: قلت لعائشة أي أصحاب رسول الله ﷺ كان أحب إليه؟ قالت: أبو بكر قلت: فمن بعد؟ قالت: عمر
стр. 348
قلت: فمن بعده؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح قلت: فمن الرابع؟ فسكتت. (١)
- وفيه: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: ما رأيت أحدا ألزم للأمر الأول من عبد الله بن عمر. (٢)
- وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: أمروا بالاستغفار لأصحاب محمد ﷺ فسبوهم. (٣)
- وعن فاطمة بنت عبد الرحمن اليشكرية عن أمها قالت: دخلت على عائشة أرسلتني عمتي فقلت: يا أم المؤمنين ما ترين في الناس أكثروا في عثمان وشتموه ولعنوه؟ فقالت: لعن الله من لعنه، لقد رأيت رسول الله ﷺ مسندا ظهره إلى صدري وجبريل يوحي إليه وعثمان عن يمينه وهو يقول: اكتب عثمان، فما نزل تلك المنزلة من رسول الله ﷺ إلا كريم على الله وعلى نبيه ﷺ . (٤)
- وفيه: عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أنها ذكرت عند رجل فسبها فقيل: أتسب أمك؟ قال: ما هي أمي! فبلغها فقالت: صدق أنا أم المؤمنين وأما الكافرون فلست لهم بأم. (٥)
- وفيه: عن سعيد بن يحيى بن عيسى عن أبيه عن عائشة أنها قالت: لا
стр. 349
ينتقصني أحد في الدنيا إلا تبرأت منه في الآخرة. (١)
- عن القاسم بن محمد أن معاوية بن أبي سفيان ﵀، حين قدم المدينة يريد الحج دخل على عائشة رحمها الله فكلمها خاليين لم يشهد كلامهما إلا ذكوان أبو عمرو ومولى عائشة، رحمها الله، فكلمها معاوية فلما قضى كلامه تشهدت عائشة، رحمها الله، ثم ذكرت ما بعث الله به نبيه ﷺ من الهدى ودين الحق والذي سن الخلفاء بعده، وحضت معاوية على اتباع أمرهم، فقالت في ذلك فلم تترك، فلما قضت مقالتها، قال لها معاوية: أنت والله العالمة بالله وبأمر رسوله الناصحة المشفقة البليغة الموعظة حضضت على الخير وأمرت به ولم تأمرينا إلا بالذي هو خير لنا وأنت أهل أن تطاعي. فتكلمت هي ومعاوية كلاما كثيرا، فلما قام معاوية اتكأ على ذكوان ثم قال: والله ما سمعت خطيبا قط ليس رسول الله ﷺ أبلغ من عائشة ﵂. (٢)
موقفها من الصوفية:
عن هشام بن حسان قال: قيل لعائشة ﵂: إن قوما إذا سمعوا القرآن يغشى عليهم، فقالت: إن القرآن أكرم من أن تنزف عنه عقول الرجال ولكنه كما قال الله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٣). (٤)
стр. 350
موقفها من الجهمية:
- روى البخاري في صحيحه: عن عائشة ﵂ قالت: والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحياً يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى. (١)
- وعنها قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت خولة إلى رسول الله ﷺ تشكو زوجها، فكان يخفى علي كلامها، فأنزل الله ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ (٢) الآية. (٣)
موقفها من الخوارج:
- جاء في الفتح: وإنما وقع هذا -يعني قول عائشة ﵂: إذا أعجبك حسن عمل امرئ ... - في قصة ذكرها البخاري في كتاب خلق أفعال العباد (٤) من رواية عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت ... -وذكرت الذي كان من شأن عثمان-: وددت أني كنت نسيا منسيا فوالله ما أحببت أن ينتهك من عثمان أمر قط إلا انتهك مني مثله حتى والله لو أحببت قتله لقتلت، يا عبد الله بن عدي لا يغرنك أحد بعد الذين تعلم، فوالله
стр. 351
ما احتقرت أعمال أصحاب رسول الله ﷺ حتى نجم النفر الذين طعنوا في عثمان فقالوا قولا لا يحسن مثله، وقرءوا قراءة لا يحسن مثلها، وصلوا صلاة لا يصلى مثلها، فلما تدبرت الصنيع إذا هم والله ما يقاربون أصحاب رسول الله ﷺ ، فإذا أعجبك حسن قول امرئ فقل: ﴿اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (١) ولا يستخفنك أحد. وأخرجه ابن أبي حاتم من رواية يونس بن يزيد عن الزهري أخبرني عروة أن عائشة كانت تقول: احتقرت أعمال أصحاب رسول الله ﷺ حين نجم القراء الذين طعنوا على عثمان. فذكر نحوه وفيه: فوالله ما يقاربون عمل أصحاب رسول الله ﷺ ، فإذا أعجبك حسن عمل امرئ منهم فقل اعملوا الخ والمراد بالقراء المذكورين الذين قاموا على عثمان وأنكروا عليه أشياء اعتذر عن فعلها، ثم كانوا مع علي ثم خرجوا بعد ذلك على علي. (٢)
- وجاء في الشريعة: عن يزيد بن أبي زياد؛ قال: سألت سعيد بن جبير، عن أصحاب النهر؟ فقال: حدثني مسروق؛ قال: سألتني عائشة ﵂ فقالت: هل أبصرت أنت الرجل الذي يذكرون ذا الثدية؟ قال: قلت: لم أره، ولكن قد شهد عندي من قد رآه، قالت: فإذا قدمت الأرض فاكتب إلي بشهادة نفر قد رأوه أمناء. فجئت والناس أشياع؛ قال: فكلمت من كل سبع عشرة ممن قد رآه؛ قال: فقلت: كل هؤلاء عدل رضى،
стр. 352
فقالت: قاتل الله فلانا، فإنه كتب إلي: أنه أصابه بمصر. (١)
- وعن عاصم بن كليب عن أبيه قال كنت جالسا عند علي إذ جاء رجل عليه ثياب السفر فاستأذن على علي وهو يكلم الناس فشغل عنه فأقبلنا فسألناه من أين قدمت؟ ما خبرك؟ قال خرجت معتمرا فلقيت عائشة فقالت: ما هؤلاء الذين خرجوا من بلادكم يسمون حرورا؟ قال: قلت خرجوا من أرضنا إلى مكان يسمى حروراء به يدعون. قالت: طوبى لمن قتلهم أما والله لو شاء ابن أبي طالب لخبرهم خبرهم. قال فأهل علي وكبر ثم أهل وكبر ثم أهل وكبر فقال: إني دخلت على رسول الله ﷺ وعنده عائشة فقال لي: كيف أنت وقوم كذا وكذا، قال عبد الله بن إدريس وصف صفتهم، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: قوم يخرجون من قبل المشرق يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فيهم رجل مخدج اليد كأن يده ثدي حبشية، أنشدكم الله هل أخبرتكم أنه فيهم فأتيتموني فأخبرتموني أنه ليس فيهم فحلفت بالله لكم إنه فيهم، فأتيتموني تسحبونه كما نعت لكم. قالوا: اللهم نعم، قال: فأهل علي وكبر. (٢)
- وقال الإمام مسلم: وحدثنا عبد بن حميد، أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عاصم عن معاذة قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست
стр. 353
بحرورية، ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة. (١)
موقفها من المرجئة:
جاء عن عبد الرحمن بن عصمة قال: كنت عند عائشة فأتاها رسول معاوية بهدية فقال: أرسل بها إليك أمير المؤمنين. فقالت: أنتم المؤمنون إن شاء الله وهو أميركم. وقد قبلت هديته. (٢)
موقفها من القدرية:
- جاء في أصول الاعتقاد عن عائشة: إن العبد ليعمل الزمان بعمل أهل الجنة وإنه عند الله لمكتوب من أهل النار. (٣)
- وروى الآجري عن مسروق قال: دخلت أنا وأبو عطية على عائشة ﵂. فقلنا لها: يا أم المؤمنين، إن أبا عبد الرحمن يعني ابن مسعود يقول: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، فأينا يحب الموت؟ فقالت: يرحم الله ابن أم عبد، حدث أول الحديث وأمسك عن آخره، ثم أنشأت تحدث. فقالت: إذا أراد الله بعبد خيرا بعث إليه ملكا قبل موته بعام يسدده ويوفقه، حتى يموت على خير أحايينه، فيقول الناس: مات فلان على خير أحايينه، فإذا حضر ورأى ما أعد له، جعل
стр. 354
يتهوع نفسه من الحرص على أن يخرج؛ هناك: أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإذا أراد الله بعبد غير ذلك، قيض له شيطانا قبل موته بعام يغويه ويصده حتى يموت على شر أحايينه؛ فيقول الناس: مات فلان على شر أحايينه، فإذا حضر ورأى ما أعد له حتى يبتلع نفسه، كراهية أن تخرج، هناك: كره لقاء الله، وكره الله لقاءه. (١)
أبو هريرة (٢) (٥٨ هـ)
الإمام الفقيه، المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله ﷺ أبو هريرة بن عامر الدوسي اليماني، سيد الحفاظ، الأثبات. اختلف في اسمه على أقوال
стр. 355
جمة، أرجحها: عبد الرحمن بن صخر والمشهور عنه أنه كني بأولاد هرة برية، قال وجدتها فأخذتها في كمي فكنيت بذلك. حمل عن النبي ﷺ علما كثيرا طيبا مباركا فيه، ولم يلحق في كثرته، وحمل عن أُبَيّ وأبي بكر وعمر وأسامة وعائشة وغيرهم. وحدث عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين. صحب النبي ﷺ أربعة أعوام. وقد جاع أبو هريرة واحتاج، ولزم المسجد، وقال ﵁: لقد رأيتني أصرع بين القبر والمنبر من الجوع، حتى يقولوا مجنون. وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في حديث يحدثه: "إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمع إليه ثوبه إلا وعى ما أقول، فبسطت نمرة علي، حتى إذا قضى رسول الله ﷺ مقالته جمعتها إلى صدري، فما نسيت من مقالة رسول الله ﷺ تلك من شيء" (١). قال الذهبي: وأبو هريرة إليه المنتهى في حفظ ما سمعه من الرسول ﵇ وأدائه بحروفه. وقد ولي أبو هريرة البحرين لعمر. توفي ﵁ سنة ثمان وخمسين للهجرة.
موقفه من المبتدعة:
- جاء في الإبانة: عن نافع بن سرجس عن أبي هريرة قال: يا أيها الناس أظلتكم فتن كأنها قطع الليل المظلم أنجى الناس منها -أو قال فيها- صاحب شياه يأكل من غنمه أو رجل من وراء الدرب آخذ بعنان فرسه