أبو الحسن ابن الزَّاغُونِي (١) (٥٢٧ هـ)
الإمام العلامة، شيخ الحنابلة، ذو الفنون، أبو الحسن علي بن عبيد الله ابن نصر بن عبيد الله بن سهل بن الزاغوني البغدادي، صاحب التصانيف. ولد سنة خمس وخمسين وأربعمائة. وسمع من أبي جعفر بن المسلمة، وعبد الصمد بن المأمون، وابن النقور، وعدد كثير. وعني بالحديث وقرأ الكثير. حدث عنه السلفي، وابن ناصر وابن عساكر، وابن الجوزي وعدة. وكان من بحور العلم، كثير التصانيف، يرجع إلى دين وتقوى وزهد وعبادة. قال الذهبي: كان إماما فقيها، متبحرا في الأصول والفروع، متفننا، واعظا، مناظرا، ثقة، مشهورا بالصلاح. قال ابن الجوزي: مات في سابع عشر المحرم سنة سبع وعشرين وخمسمائة.
موقفه من الجهمية:
قال ابن الزاغوني في قصيدة له:
إني سأذكر عقد ديني صادقا ... نهج ابن حنبل الإمام الأوحد
منها:
عال على العرش الرفيع بذاته ... سبحانه عن قول غاو ملحد (٢)
стр. 3187
مَرْدَنِيش المغربي (١) (٥٢٧ هـ)
محمد الجذامي أبو عبد الله مردنيش المغربي الزاهد المجاهد، ولمردنيش مغازي ومواقف مشهودة وفضائل، وهو جد الملك محمد بن سعد بن محمد صاحب شرق الأندلس. كان معه عدة رجال أبطال يغير بهم يمنة ويسرة وكانوا يحرثون على خيلهم كما يحرث أهل الثغر، وكان أمير المسلمين ابن تاشفين يمدهم بالمال والآلات ويبرهم. توفي سنة سبع وعشرين وخمسمائة.
موقفه من المشركين:
جاء في السير: فمن عجيب ما صح عندي من مغازيه -يقول ذلك اليسع بن حزم- أنه أغار يوما، فغنم غنيمة كثيرة، واجتمع عليه من الروم أكثر من ألف فارس، فقال لأصحابه وكانوا ثلاث مئة فارس: ما ترون؟ فقالوا: نشغلهم بترك الغنيمة. فقال: ألم يقل القائل: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٢) فقال له ابن مورين: يا رئيس، الله قال هذا. فقال: الله يقول هذا وتقعدون عن لقائهم؟ قال: فثبتوا، فهزموا الروم. (٣)
стр. 3188
المسترشد بالله (١) (٥٢٩ هـ)
المسترشد بالله الفضل بن المستظهر بالله أبو منصور أمير المؤمنين. ولد في شعبان سنة ست وثمانين وأربعمائة في أيام المقتدي. سمع في سنة أربع وتسعين من أبي الحسن ابن العلاف وسمع من أبي القاسم بن بيان ومن مؤدبه أبي البركات ابن السيبي. روى عنه وزيره علي بن طراد وحمزة ابن علي الرازي وإسماعيل بن الملقب. له خط بديع ونثر صنيع ونظم جيد مع دين ورأي وشهامة وشجاعة، وكان خليقا للإمامة قليل النظير. كان يتنسك في أول زمنه، وختم القرآن وتفقه. لم يكن في الخلفاء من كتب أحسن منه وكان يستدرك على كتابه، ويصلح أغاليط في كتبهم. ألب عليه الباطنية جماعة من الملاحدة فقتلوه في يوم الخميس سادس عشر ذي القعدة سنة تسع وعشرين وخمسمائة.
موقفه من المشركين:
- قال ابن النجار: أنشدنا هبة الله بن الحسن بن السبط حفظا للمسترشد بالله:
قالوا تقيم وقد أحا ... ط بك العدو ولا تفر
فأجبتهم المرء ما لم ... يتعظ بالوعظ غر
لا نلت خيرا ما حييت ... ولا عداني الدهر شر
إن كنت أعلم أن غير ... الله ينفع أو يضر
стр. 3189
وله:
أنا الأشقر الموعود بي في الملاحم ... ومن يملك الدنيا بغير مزاحم
ستبلغ أرض الروم خيلي وتنتضى ... بأقصى بلاد الصين بيض صوارمي
وقيل: إنه قال لما أسر مستشهدا:
ولا عجبا للأسد إن ظفرت بها ... كلاب الأعادي من فصيح وأعجم
فحربة وحشي سقت حمزة الردى ... وموت علي من حسام ابن ملجم (١)
- قتل الباطنية له:
نقل ابن كثير ما حدث بين الخليفة المسترشد بالله والسلطان مسعود ثم قال: فلما كان مستهل ذي الحجة جاءت الرسل من جهة الملك سنجر إلى ابن أخيه يستحثه على الإحسان إلى الخليفة، وأن يبادر إلى سرعة رده إلى وطنه، وأرسل مع الرسل جيشا ليكونوا في خدمة الخليفة إلى بغداد فصحب الجيش عشرة من الباطنية، فلما وصل الجيش حملوا على الخليفة فقتلوه في خيمته وقطعوه قطعا، ولم يلحق الناس منه إلا الرسوم، وقتلوا معه أصحابه منهم عبيد الله بن سكينة، ثم أخذ أولئك الباطنية فأحرقوا قبحهم الله، وقيل: إنهم كانوا مجهزين لقتله فالله أعلم. (٢)
стр. 3190
أبو جعفر الهَمذَانِي (١) (٥٣١ هـ)
أبو جعفر محمد بن أبي علي الحسن بن محمد الهمذاني، الحافظ الصدوق، رحل وروى عن ابن النقور وأبي صالح المؤذن، والفضل بن المحب وطبقتهم بخراسان والعراق والحجاز والنواحي. قال ابن السمعاني: ما أعرف أن أحدا في عصره سمع أكثر منه. توفي في ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة.
موقفه من الجهمية:
نقل الذهبي في العلو عن أبي جعفر بن أبي علي قال: سمعت أبا المعالي الجويني وقد سئل عن قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٢) فقال: كان الله ولا عرش -وجعل يتخبط في الكلام- فقلت: قد علمنا ما أشرت إليه، فهل عندك للضرورات من حيلة؟ فقال: ما نريد بهذا القول، وما تعني بهذه الإشارة؟ فقلت: ما قال عارف قط يا رباه إلا قبل أن يتحرك لسانه، قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة يقصد الفوق، فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة؟ فنبئنا نتخلص من الفوق ومن التحت، وبكيت وبكى الخلق، فضرب الأستاذ بكمه على السرير وصاح: يا للحيرة، وخرق ما كان عليه وانخلع، وصارت قيامة في المسجد، ونزل، ولم يجبني إلا: يا حبيبي الحيرة الحيرة، والدهشة الدهشة. فسمعت بعد ذلك أصحابه يقولون:
стр. 3191
سمعناه يقول: حيرني الهمذاني. (١)
محمد بن عبد الملك الكَرَجِي (٢) (٥٣٢ هـ)
محمد بن عبد الملك بن محمد أبو الحسن الكرجي، فقيه، محدث، مفسر أديب، شاعر، ولد سنة ثمان وخمسين وأربعمائة بالكرج، وسمع بها، وبهمذان وأصبهان وبغداد، ومن شيوخه في الحديث مكي بن علان الكرجي وأبو القاسم علي بن أحمد الرزازة، وأبو علي محمد بن سعيد بن نبهان وغيرهم. وروى عنه ابن السمعاني وأبو موسى المدني وجماعة، وصنف تصانيف كثيرة، منها: الفصول في اعتقاد الأئمة الفحول، وتفسير ومؤلف في الفقه الشافعي، وكان لا يقنت في الفجر، ويقول: لم يصح في ذلك حديث، وقد كان إمامنا الشافعي، يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي، واضربوا بقولي الحائط. وقد كان حسن الصورة، جميل المعاشرة، قال ابن السمعاني: رأيته بالكرج، إمام، ورع، فقيه، مفت، محدث، خير، أديب شاعر. أفنى عمره في جمع العلم ونشره. توفي سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة.
موقفه من المبتدعة:
- قال شيخ الإسلام ﵀ في مجموع الفتاوى: ومن ذلك: ما ذكره شيخ الحرمين: أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي في كتابه الذي سماه
стр. 3192
'الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول إلزاما لذوي البدع والفضول' وكان من أئمة الشافعية -ذكر فيه من كلام الشافعي، ومالك، والثوري، وأحمد بن حنبل، والبخاري -صاحب الصحيح- وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، والأوزاعي، والليث بن سعد، وإسحق بن راهويه في أصول السنة ما يعرف به اعتقادهم. وذكر في تراجمهم ما فيه تنبيه على مراتبهم ومكانتهم في الإسلام، وذكر أنه اقتصر في النقل عنهم -دون غيرهم- لأنهم هم المقتدى بهم والمرجوع شرقا وغربا إلى مذاهبهم، ولأنهم أجمع لشرائط القدوة والإمامة من غيرهم، وأكثر لتحصيل أسبابها وأدواتها: من جودة الحفظ والبصيرة، والفطنة والمعرفة بالكتاب والسنة، والإجماع والسند والرجال، والأحوال، ولغات العرب، ومواضعها، والتاريخ، والناسخ والمنسوخ، والمنقول والمعقول، والصحيح، والمدخول في الصدق، والصلابة، وظهور الأمانة، والديانة ممن سواهم.
قال: وإن قصر واحد منهم في سبب منها جبر تقصيره قرب عصره من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، باينوا هؤلاء بهذا المعنى من سواهم، فإن غيرهم من الأئمة -وإن كانوا في منصب الإمامة- لكن أخلوا ببعض ما أشرت إليه مجملا من شرائطها، إذ ليس هذا موضعا لبيانها. قال: ووجه ثالث لا بد من أن نبين فيه، فنقول: إن في النقل عن هؤلاء إلزاما للحجة على كل من ينتحل مذهب إمام يخالفه في العقيدة، فإن أحدهما لا محالة يضلل صاحبه، أو يبدعه، أو يكفره، فانتحال مذهبه -مع مخالفته له في العقيدة- مستنكر، والله شرعا وطبعا، فمن قال: أنا شافعي الشرع، أشعري الاعتقاد،
стр. 3193
قلنا له: هذا من الأضداد، لا بل من الارتداد، إذ لم يكن الشافعي أشعري الاعتقاد. ومن قال: أنا حنبلي في الفروع، معتزلي في الأصول، قلنا: قد ضللت إذا عن سواء السبيل فيما تزعمه، إذ لم يكن أحمد معتزلي الدين والاجتهاد.
قال: وقد افتتن أيضا خلق من المالكية بمذاهب الأشعرية، وهذه والله سبة وعار، وفلتة تعود بالوبال والنكال وسوء الدار، على منتحل مذاهب هؤلاء الأئمة الكبار، فإن مذهبهم ما رويناه من تكفيرهم: الجهمية، والمعتزلة والقدرية والواقفية، وتكفيرهم اللفظية. وبسط الكلام في مسألة اللفظ، إلى أن قال: فأما غير ما ذكرناه من الأئمة: فلم ينتحل أحد مذهبهم، فلذلك لم نتعرض للنقل عنهم. قال: فإن قيل: فهلا اقتصرتم إذا على النقل عمن شاع مذهبه وانتحل اختياره من أصحاب الحديث، وهم الأئمة: الشافعي، ومالك، والثوري، وأحمد، إذ لا نرى أحدا ينتحل مذهب الأوزاعي والليث وسائرهم؟
قلنا: لأن من ذكرناه من الأئمة -سوى هؤلاء- أرباب المذاهب في الجملة، إذ كانوا قدوة في عصرهم، ثم اندرجت مذاهبهم الآخرة تحت مذاهب الأئمة المعتبرة. وذلك أن ابن عيينة كان قدوة، ولكن لم يصنف في الذي كان يختاره من الأحكام، وإنما صنف أصحابه، وهم الشافعي، وأحمد وإسحق، فاندرج مذهبه تحت مذاهبهم. وأما الليث بن سعد فلم يقم أصحابه بمذهبه، قال الشافعي: لم يرزق الأصحاب إلا أن قوله يوافق قول مالك أو قول الثوري لا يخطئهما، فاندرج مذهبه تحت مذهبهما. وأما الأوزاعي فلا نرى له في أعم المسائل قولا إلا ويوافق قول مالك أو قول
стр. 3194
الثوري، أو قول الشافعي: فاندرج اختياره أيضا تحت اختيار هؤلاء، وكذلك اختيار إسحق يندرج تحت مذهب أحمد لتوافقهما.
قال: فإن قيل: فمن أين وقعت على هذا التفصيل والبيان في اندراج مذاهب هؤلاء تحت مذاهب الأئمة؟ قلت: من التعليقة للشيخ أبي حامد الاسفرائيني، التي هي ديوان الشرائع، وأم البدائع: في بيان الأحكام، ومذاهب العلماء الأعلام، وأصول الحجج العظام، في المختلف والمؤتلف.
قال: وأما اختيار أبي زرعة، وأبي حاتم في الصلاة والأحكام -مما قرأته وسمعته من مجموعيهما- فهو موافق لقول أحمد ومندرج تحته وذلك مشهور. وأما البخاري فلم أر له اختيارا، ولكن سمعت محمد بن طاهر الحافظ يقول: استنبط البخاري في الاختيارات مسائل موافقة لمذهب أحمد وإسحاق. فلهذه المعاني نقلنا عن الجماعة الذين سميناهم دون غيرهم، إذ هم أرباب المذاهب في الجملة، ولهم أهلية الاقتداء بهم لحيازتهم شرائط الإمامة، وليس من سواهم في درجتهم، وإن كانوا أئمة كبراء قد ساروا بسيرهم.
ثم ذكر بعد ذلك الفصل الثاني عشر: في ذكر خلاصة تحوي مناصيص الأئمة بعد أن أفرد لكل منهم فصلا- قال: لما تتبعت أصول ما صح لي روايته، فعثرت فيها بما قد ذكرت من عقائد الأئمة، فرتبتها عند ذلك على ترتيب الفصول التي أثبتها، وافتتحت كل فصل بنيف من المحامد، يكون لإمامتهم إحدى الشواهد، داعية إلى اتباعهم، ووجوب وفاقهم، وتحريم خلافهم وشقاقهم، فإن اتباع من ذكرناه من الأئمة في الأصول في زماننا بمنزلة اتباع الإجماع الذي يبلغنا عن الصحابة والتابعين، إذ لا يسع مسلما
стр. 3195
خلافه، ولا يعذر فيه فإن الحق لا يخرج عنهم، لأنهم الأدلاء، وأرباب مذاهب هذه الأمة، والصدور والسادة، والعلماء القادة، أولوا الدين والديانة، والصدق والأمانة، والعلم الوافر، والاجتهاد الظاهر، ولهذا المعنى اقتدوا بهم في الفروع، فجعلوهم فيها وسائل بينهم وبين الله، حتى صاروا أرباب المذاهب في المشارق والمغارب، فليرضوا كذلك بهم في الأصول فيما بينهم وبين ربهم وبما نصوا عليه ودعوا إليه.
قال: فإنا نعلم قطعا أنهم أعرف قطعا بما صح من معتقد رسول الله ﷺ وأصحابه من بعده، لجودة معارفهم وحيازتهم شرائط الإمامة ولقرب عصرهم من الرسول ﷺ وأصحابه، كما بيناه في أول الكتاب.
قال: ثم أردت -ووافق مرادي سؤال بعض الإخوان- أن أذكر خلاصة مناصيصهم متضمنة بعض ألفاظهم. فإنها أقرب إلى الحفظ، وهي اللباب لما ينطوي عليه الكتاب، فاستعنت بمن عليه التكلان، وقلت: إن الذي آثرناه من مناصيصهم يجمعه فصلان:
أحدهما: في بيان السنة وفضلها.
والثاني: في هجران البدعة وأهلها.
أما الفصل الأول: فاعلم أن السنة طريقة رسول الله ﷺ ، والتسنن بسلوكها وإصابتها، وهي أقسام ثلاثة: أقوال، وأعمال، وعقائد. فالأقوال: نحو الأذكار والتسبيحات المأثورة. والأفعال: مثل سنن الصلاة والصيام والصدقات المذكورة، ونحو السير المرضية، والآداب المحكية، فهذان القسمان في عداد التأكيد والاستحباب، واكتساب الأجر والثواب. والقسم الثالث:
стр. 3196
سنة العقائد، وهي من الإيمان إحدى القواعد.
قال: وهاأنذا أذكر بعون الله خلاصة ما نقلته عنهم مفرقا، وأضيف إليه ما دون في كتب الأصول مما لم يبلغني عنهم مطلقا، وأرتبها مرشحة، وببعض مناصيصهم موشحة، بأوجز لفظ على قدر وسعي، ليسهل حفظه على من يريد أن يعي، فأقول: ليعلم المستن أن سنة العقائد على ثلاثة أضرب: ضرب يتعلق بأسماء الله، وذاته، وصفاته. وضرب يتعلق برسول الله ﷺ وصحبه ومعجزاته، وضرب يتعلق بأهل الإسلام في أولاهم وأخراهم.
أما الضرب الأول: فلنعتقد أن لله أسماء وصفات قديمة غير مخلوقة، جاء بها كتابه، وأخبر بها الرسول أصحابه، فيما رواه الثقات، وصححه النقاد الأثبات، ودل القرآن المبين والحديث الصحيح المتين على ثبوتها. قال رحمه الله تعالى: وهي أن الله تعالى أول لم يزل، وآخر لا يزال، أحد قديم وصمد كريم، عليم حليم علي عظيم، رفيع مجيد، وله بطش شديد، وهو يبدئ ويعيد، فعال لما يريد، قوي قدير، منيع نصير، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (١) إلى سائر أسمائه وصفاته من النفس، والوجه، والعين، والقدم، واليدين، والعلم، والنظر، والسمع، والبصر، والإرادة، والمشيئة، والرضى، والغضب، والمحبة، والضحك، والعجب، والاستحياء، والغيرة، والكراهة، والسخط، والقبض، والبسط، والقرب، والدنو، والفوقية والعلو والكلام، والسلام، والقول، والنداء والتجلي واللقاء والنزول،
стр. 3197
والصعود والاستواء، وأنه تعالى في السماء، وأنه على عرشه بائن من خلقه. قال مالك: إن الله في السماء وعلمه في كل مكان، وقال عبد الله بن المبارك: نعرف ربنا فوق سبع سمواته على العرش بائنا من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه ههنا- وأشار إلى الأرض وقال سفيان الثوري: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) قال: علمه. قال الشافعي: إنه على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء، قال أحمد: إنه مستو على العرش عالم بكل مكان، وإنه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء، وإنه يأتي يوم القيامة كيف شاء، وإنه يعلو على كرسيه، والإيمان بالعرش والكرسي وما ورد فيهما من الآيات والأخبار.
ثم ذكر الأدلة من السنة على ذلك ثم قال: إلى غيرها من الأحاديث، هالتنا أو لم تهلنا، بلغتنا أو لم تبلغنا، اعتقادنا فيها وفي الآي الواردة في الصفات: أنا نقبلها ولا نحرفها ولا نكيفها، ولا نعطلها ولا نتأولها، وعلى العقول لا نحملها، وبصفات الخلق لا نشبهها، ولا نعمل رأينا وفكرنا فيها، ولا نزيد عليها ولا ننقص منها بل نؤمن بها ونكل علمها إلى عالمها، كما فعل ذلك السلف الصالح، وهم القدوة لنا في كل علم. روينا عن إسحاق أنه قال: لا نزيل صفة مما وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها الرسول عن جهتها، لا بكلام ولا بإرادة، إنما يلزم المسلم الأداء ويوقن بقلبه أن ما وصف الله به نفسه في القرآن إنما هي صفاته، ولا يعقل نبي مرسل، ولا ملك مقرب تلك
стр. 3198
الصفات إلا بالأسماء التي عرفهم الرب . فأما أن يدرك أحد من بني آدم تلك الصفات فلا يدركه أحد. وكما روينا عن مالك، والأوزاعي وسفيان، والليث وأحمد بن حنبل أنهم قالوا في الأحاديث في الرؤية والنزول: أمروها كما جاءت وكما روي عن محمد بن الحسن -صاحب أبي حنيفة- أنه قال في الأحاديث التي جاءت: «إن الله يهبط إلى السماء الدنيا» (١) ونحو هذا من الأحاديث: إن هذه الأحاديث قد رواها الثقات، فنحن نرويها ونؤمن بها. ولا نفسرها انتهى كلام الكرجي ﵀. (٢)
موقفه من الجهمية:
هذا الإمام كان من كبار سيوف السنة المهندين، أعطاه الله قوة البيان وفصاحة اللسان وقوة البلاغة، يعرف ذلك من قرأ له الأبيات التي سنذكرها إن شاء الله، وهذا الإمام من الأئمة الذين أغضبوا الشيخ النجدي -الكوثري- وحمل عليهم، فذكره في السيف الصقيل بأبشع الألقاب، وأما ابن السبكي فلا تسأل عن حماقته وتأويله البارد ورده السمج على القصيدة الرائعة التي تسمى عروس القصائد. وهي من خيرة الآثار التي خلفها الشيخ. وهاك نزرا يسيرا منها:
جاء في طبقات الشافعية: ثم قال ابن السمعاني وله قصيدة تائية في السنة شرح فيها اعتقاده واعتقاد السلف تزيد على مائتي بيت، قرأتها عليه في داره بالكرج.
стр. 3199
ثم قال السبكي: فاعلم أنا وقفنا على قصيدة تعزى إلى هذا الشيخ وتلقب بـ: عروس القصائد في شموس العقائد.
منها:
عقائدهم أن الإله بذاته ... على عرشه مع علمه بالغوائب
ومنها:
ففي كرج والله من خوف أهلها ... يذوب بها البدعي يا شر ذائب
يموت ولا يقوى لإظهار بدعة ... مخافة جز الرأس من كل جانب
ومنها:
طرائق تجسيم وطرق تجهم ... وسبل اعتزال مثل نسج العناكب
وفي قدر والرفض طرق عمية ... وما قيل في الإرجاء من نعب ناعب
وخبث مقال الأشعري تخنث ... يضاهي تلويه تلوى الشغازب
يزين هذا الأشعري مقاله ... ويشبه بالسم يا شر آشب
فينفي تفاصيلا ويثبت جملة ... كناقضة من بعد شد الذوائب
يؤول آيات الصفات برأيه ... فجرأته في الدين جرأة خارب
ويجزم بالتأويل في سنن الهدى ... ويخلب أغمارا فاسئم بخالب
ومنها:
ولم يك ذا علم ودين وإنما ... بضاعته كانت مخوق مداعب
وكان كلاميا بالأحشاء موته ... تأسوا بموت ماته ذو السوائب
стр. 3200
ومنها:
كذا كل رأس للضلالة قد مضى ... بقتل وصلب باللحى والشوارب
كجعد وجهم والمريسي بعده ... وذا الأشعري المبتلى شر دائب
ومنها:
معايبهم توفي على مدح غيرهم ... وذا المبتلى المفتون عيب المعايب (١)
التعليق:
انظر رحمك الله إلى هذا النفس السلفي القوي في هذه الأبيات، ثم انظر إلى أول الأبيات، كيف يعبر الشيخ عن حالة السلفيين في بلاده كرج، وأنهم أهل البلاد، وأن المبتدعة أذلة خاسئون، وأنه بمجرد ظهورهم تجز رؤوسهم، فكانت البدع مقموعة، وانقلب الحال والله المستعان.
وذكر رؤوس المبتدعة وأوصافهم وعاقبة أمرهم، غير أن ذكر الشيخ للأشعري بتلك الأوصاف التي لا يحق أن يرمى بها بعد أن نبذ التأويل ورجع إلى مذهب السلف، فلعل الشيخ لم تبلغه توبته فقال فيه ما قال.
وللشيخ كتاب مهم بين فيه عقيدة السلف ومذاهبهم سماه الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول إلزاما لذوي البدع والفضول، ذكره شيخ الإسلام في غير ما موضع من كتبه، ونقل منه جملة كبيرة. انظر مجموع الفتاوى. (٢)
وكذلك الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية قال ﵀: وله
стр. 3201
مصنفات كثيرة منها 'الفصول في اعتقاد الأئمة الفحول'، يذكر فيه مذاهب السلف في باب الاعتقاد. (١)
إسماعيل بن محمد بن الفضل التَّيْمِي الأصبهاني (٢) (٥٣٥ هـ)
الملقب بـ 'قوام السنة'
الإمام، العلامة، الحافظ، شيخ الإسلام، أبو القاسم، إسماعيل بن محمد ابن الفضل التيمي الأصبهاني الملقب بقوام السنة، مصنف الترغيب والترهيب. ولد سنة سبع وخمسين وأربعمائة. سمع: أبا عمرو عبد الوهاب بن أبي عبد الله ابن منده، وعائشة بنت الحسن، وسليمان بن إبراهيم الحافظ، وغيرهم بأصبهان، وخلقا ببغداد وبنيسابور وسمع بمكة، وجاور سنة، وأملى وصنف وجرح وعدل. حدث عنه أبو سعد السمعاني، وأبو العلاء الهمذاني، وأبو طاهر السلفي، وأبو القاسم ابن عساكر، وأبو موسى المديني وغيرهم. قال أبو موسى المديني: أبو القاسم إسماعيل الحافظ، إمام أئمة وقته وأستاذ علماء عصره، وقدوة أهل السنة في زمانه، وكان أبوه صالحا ورعا، وأمه كانت من ذرية طلحة بن عبيد الله التيمي، أحد العشرة ﵃. وقال أيضا: ولا أعلم أحدا عاب عليه قولا ولا فعلا، ولا عانده أحد إلا نصره الله. وكان نزه النفس عن المطامع، لا يدخل على السلاطين، ولا على من اتصل بهم، قد
стр. 3202
أخلى دارا من ملكه لأهل العلم مع خفة ذات يده، ولو أعطاه الرجل الدنيا بأسرها لم يرتفع عنده، وقال الحافظ يحيى بن منده: كان أبو القاسم حسن الاعتقاد، جميل الطريقة، قليل الكلام، ليس في وقته مثله. توفي سنة خمس وثلاثين وخمسمائة.
موقفه من المبتدعة:
- قال ﵀: وحين رأيت قوام الإسلام بالتمسك بالسنة، ورأيت البدعة قد كثرت، والوقيعة في أهل السنة قد فشت، ورأيت اتباع السنة عند قوم نقيصة، والخوض في الكلام درجة رفيعة، رأيت أن أملي كتابا في السنة يعتمد عليه من قصد الاتباع وجانب الابتداع، وأبين فيه اعتقاد أئمة السلف وأهل السنة في الأمصار، والراسخين في العلم في الأقطار، ليلزم المرء اتباع الأئمة الماضين، ويجانب طريقة المبتدعين، ويكون من صالحي الخلف لصالحي السلف، وسميته كتاب 'الحجة في بيان المحجة وشرح التوحيد ومذهب أهل السنة'. أعاذنا الله من مخالفة السنة ولزوم الابتداع، وجعلنا ممن يلزم طريق الاتباع وصلى الله على محمد أفضل صلاة وأزكاها وأطيبها وأنماها، وأحيانا على ملته، وأماتنا على سنته، وحشرنا في زمرته، إنه المنعم الوهاب. (١)
- وقال ﵀: قوله: ما أنا عليه وأصحابي (٢) الذي كان عليه ﷺ وأصحابه ما مضى عليه أئمة الدين المشهورون في الآفاق. (٣)
стр. 3203
- وقال: ثم من السنة ترك الرأي والقياس في الدين، وترك الجدال والخصومات، وترك مفاتحة القدرية وأصحاب الكلام، وترك النظر في كتب الكلام وكتب النجوم، فهذه السنة التي اجتمعت عليها الأئمة، وهي مأخوذة عن رسول الله ﷺ بأمر الله ﵎ قال الله : ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (١) وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣). فأمر الله رسوله بالبلاغ فقال: ﴿* يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٤) فبلغ رسول الله ﷺ الرسالة، ودعا إلى الله بالكتاب والسنة، فأمر الناس باتباع الصحابة العالمين بالله، وأولي الأمر من العلماء من بعدهم لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٥). فأفضل العلماء بعد رسول الله ﷺ من أولي الأمر: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃، ثم الأكابر فالأكابر من العشرة وغيرهم من الصحابة الذين أبان رسول الله ﷺ فضائلهم، وأمر
стр. 3204
بالاقتداء بهم، فقال ﵇: «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر». (١)
وقال ﵇: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم». (٢)
فأخذ رسول الله ﷺ السنة عن الله ، وأخذ الصحابة عن رسول الله ﷺ ، وأخذ التابعون عن الصحابة وهؤلاء الصحابة الذين أشار إليهم رسول الله ﷺ بالاقتداء بهم، ثم أشار الصحابة إلى التابعين بعدهم. (٣)
- وقال: فمن نظر بعين الإنصاف، علم أنه لا يكون أحد أسوأ مذهبا ممن يدع قول الله وقول رسول الله ﷺ ، وقول الصحابة رضوان الله عليهم، وقول العلماء والفقهاء بعدهم، ممن يبني مذهبه ودينه على كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، وتبع من ليس بعالم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، كيف لا يأمن أن يكون متبعا للشيطان أعاذنا الله من متابعة الشيطان. (٤)
- وقال: ولا يجوز مجالسة أهل المعاصي الذين ظهر فسقهم، ولا مجالسة أهل البدع الذين ظهرت بدعهم، ولا يجوز دخول الحمام إلا بمئزر، والحب في الله والبغض في الله من الإيمان. (٥)
- وقال: ومن صفة أهل السنة الأخذ بكتاب الله ، وبأحاديث
стр. 3205
رسول الله ﷺ ، وبأحاديث أصحاب رسول الله ﷺ ، وترك الرأي والابتداع. (١)
- وقال: قال أهل اللغة: السنة: السيرة والطريقة. فقولهم فلان على السنة ومن أهل السنة، أي هو موافق للتنزيل والأثر في الفعل والقول، ولأن السنة لا تكون مع مخالفة الله ومخالفة رسوله. فإن قيل كل فرقة تنتحل اتباع السنة، وتنسب مخالفيها إلى خلاف الحق، فما الدليل على أنكم أهلها دون من خالفكم؟
قلنا: الدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢). فأمر باتباعه وطاعته فيما أمر ونهى.
وقال النبي ﷺ : «عليكم بسنتي» (٣)، و «من رغب عن سنتي فليس مني». (٤)
وعرفنا سنته بالآثار المروية بالأسانيد الصحيحة، وهذه الفرقة الذين هم أصحاب الحديث لها أطلب، وفيها أرغب ولصحاحها أتبع. فعلمنا بالكتاب والسنة أنهم أهلها دون سائر الفرق لأن مدعي كل صناعة إذا لم يكن معه دلالة من صناعته يكون مبطلا في دعواه، وإنما يستدل على صناعته كل صاحب صنعة بآلته فإذا رأيت الرجل فتح باب دكانه، وبين يديه الكير،
стр. 3206
والمطرقة، والسندان، علمت أنه حداد، وإذا رأيت بين يديه الإبرة، والمقراض علمته أنه خياط، وكذلك ما أشبه هذا، ومتى قال صاحب التمر لصاحب العطر: أنا عطار. قال له: كذبت، أنا هو وشهد له بذلك كل من أبصره من العامة. وقد وجدنا أصحابنا دخلوا في طلب الآثار التي تدل على سنن النبي ﷺ فأخذوها من معادنها وجمعوها من مظانها وحفظوها، ودعوا إلى اتباعها. وعابوا من خالفها وكثرت عندهم وفي أيديهم، حتى اشتهروا بها كما اشتهر البزاز ببزه، والتمار بتمره والعطار بعطره، ورأينا قوما تنكبوا معرفتها واتباعها، وطعنوا فيها وزهدوا الناس في جمعها ونشرها، وضربوا لها ولأهلها أسوأ الأمثال، فعلمنا بهذه الدلائل أن هؤلاء الراغبين فيها، وفي جمعها، وحفظها، واتباعها أولى بها من سائر الفرق الذين تنكبوها لأن الإتباع عند العلماء هو الأخذ بسنن النبي ﷺ التي صحت عنه التي أمر بالأخذ بما أمر، والانتهاء عما نهى وهذه دلالة ظاهرة لأهل السنة باستحقاقهم هذا الاسم دون من اتبع الرأي والهوى.
فإن قيل: الأمر كما قلت، غير أن كل فرقة تحتج لمذهبها بحجة، قيل: من احتج بحديث ضعيف في معارضة حديث صحيح، أو حديث مرسل في معارضة حديث مسند، أو احتج بقول تابعي في معارضة قول النبي ﷺ لا يتساويان. فإن من اتبع قول الرسول ﷺ فقد استمسك بما هو الحجة قطعا، ومن احتج بالثابت القوي أحسن حالا ممن احتج بالواهي الضعيف، وبهذا استبان الاتباع من غيره، لأن صاحب السنة لا يتبع إلا ما هو الأقوى،
стр. 3207
وأصحاب الأهواء وصاحب الهوى يتبع ما يهوى. (١)
- وقال: قال بعض علماء السنة: كل من صح عنده شيء من أمر رسول الله ﷺ ونهيه، صغيره وكبيره، بلا معارض له يعرفه من حديثه أو ناسخ له، ثم قال: قال رسول الله ﷺ كذا، وأنا أقول بخلافه؛ فقد تكلم بعظيم، وإن كان ذلك الشيء مما لا يضل الرجل بتركه؛ لأن أدنى معاندة النبي ﷺ في أدنى شيء من أمره ونهيه عظيم، فمن قبل عن النبي ﷺ ؛ فإنما يقبل عن الله، ومن رد عليه؛ فإنما يرد على الله، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢).
وقول من قال: تعرض السنة على القرآن؛ فإن وافقت ظاهره وإلا استعملنا ظاهر القرآن وتركنا الحديث، فهذا جهل؛ لأن سنة رسول الله ﷺ مع كتاب الله عزوجل تقام مقام البيان عن الله عزوجل، ليس شيء من سنن رسول الله ﷺ يخالف كتاب الله؛ لأن الله عزوجل أعلم خلقه أن رسول الله ﷺ يهدي إلى صراط مستقيم فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ (٣)؛ وليس لنا مع سنة رسول الله ﷺ من الأمر شيء إلا الاتباع والتسليم، ولا يعرض على قياس، ولا غيره، وكل ما سواها من قول الآدميين تبع لها، ولا عذر لأحد يتعمد ترك السنة، ويذهب إلى غيرها؛ لأنه لا حجة لقول أحد مع قول
стр. 3208
رسول الله ﷺ إذا صح.
فإذا لم يوجد في الحادثة عن رسول الله ﷺ شيء ووجد فيها عن أصحابه ﵃ شيء فهم الأئمة بعده والحجة، اعتبارا بكتاب الله وبأخبار رسول الله ﷺ لما وصفهم في كتابه من الخير والصدق والأمانة، وأنه ﵃ وعن من اتبعهم بإحسان وقال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) واختلف المفسرون في أولي الأمر فقال بعضهم: هم العلماء، وقال بعضهم: هم الأمراء، وكل هذا قد اجتمع في أصحاب رسول الله ﷺ كان فيهم الأمراء، والخلفاء، والعلماء والفقهاء. قال الله : ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٢) أخبر الله عزوجل أنه ﵃ ورضي أعمالهم ورضي عمن اتبعهم بإحسان، فهم القدوة في الدين بعد رسول الله ﷺ بإصابة الحق وأقربهم إلى التوفيق لما يقرب إلى رضاه، وكذلك وصفهم الرسول الله ﷺ فقال: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (٣).اهـ (٤)
- وقال: وينبغي للمرء أن يحذر محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة،
стр. 3209
والسنة إنما هي التصديق لآثار رسول الله ﷺ ، وترك معارضتها بكيف، ولم، والكلام والخصومات في الدين، والجدال محدث وهو يوقع الشك في القلوب، ويمنع من معرفة الحق والصواب، وليس العلم بكثرة الرواية، وإنما هو الاتباع، والاستعمال. يقتدى بالصحابة، والتابعين وإن كان قليل العلم، ومن خالف الصحابة والتابعين فهو ضال وإن كان كثير العلم. (١)
- وقال: قال بعض علماء أهل السنة: نحن لا نرى الكلام، والخوض في الدين والمراء والخصومات، فمهما وقع الخلاف في مسألة رجعنا إلى كتاب الله عزوجل، وإلى سنة رسوله ﷺ ، وإلى قول الأئمة، فإن لم نجد ذلك في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ ، ولم يقله الصحابة والتابعون، سكتنا عن ذلك ووكلنا علمه إلى الله تعالى، لأن الله تعالى أمرنا بذلك فقال عز من قائل: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢).اهـ (٣)
- وقال: وعلى المرء محبة أهل السنة، أي موضع كانوا رجاء محبة الله له، كما قال رسول الله ﷺ : «وجبت محبتي للمتاحبين فيّ والمتجالسين فيّ والمتلاقين فيّ» (٤)، وعليه بغض أهل البدع أي موضع كانوا حتى يكون ممن
стр. 3210
أحب في الله وأبغض في الله، ولمحبة أهل السنة علامة، ولبغض أهل البدعة علامة. فإذا رأيت الرجل يذكر مالك بن أنس، وسفيان بن سعيد الثوري، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، ومحمد بن إدريس الشافعي، والأئمة المرضيين بخير، فاعلم أنه من أهل السنة. وإذا رأيت الرجل يخاصم في دين الله ويجادل في كتاب الله فإذا قيل له: قال رسول الله ﷺ ، قال: حسبنا كتاب الله، فاعلم أنه صاحب بدعة، وإذا رأيت الرجل إذا قيل له لم لا تكتب الحديث؟ يقول: العقل أولى، فاعلم أنه صاحب بدعة، وإذا رأيته يمدح الفلسفة والهندسة ويمدح الذين ألفوا الكتب فيها فاعلم أنه ضال، وإذا رأيت الرجل يسمي أهل الحديث حشوية، أو مشبهة، أو ناصبة فاعلم أنه مبتدع، وإذا رأيت الرجل ينفي صفات الله، أو يشبهها بصفات المخلوقين فاعلم أنه ضال.
قال علماء أهل السنة: ليس في الدنيا مبتدع إلا وقد نزع حلاوة الحديث من قلبه. (١)
موقفه من الرافضة:
عقد ﵀ في كتابه 'الحجة' فصولا في فضل الصحابة ﵃ خصوصا الخلفاء الأربعة، ومعاوية وعائشة، وحث على حبهم رضوان الله عليهم ونشر محاسنهم والترحم عليهم والاستغفار لهم والكف عن مساوئهم. (٢)
стр. 3211
موقفه من الجهمية:
- جاء في الحجة في بيان المحجة: قال بعض علماء أهل السنة: ويجب الإيمان بصفات الله تعالى كقوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (١)، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢) وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ (٣)، وقوله: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ﴾ (٤)، وقوله: ﴿﵃﴾ (٥). وقول النبي ﷺ : «ينزل الله كل ليلة إلى سماء الدنيا» (٦) رواه ثلاثة وعشرون من الصحابة، سبعة عشر رجلا وست نساء. وكقوله ﷺ : «ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن». (٧) فهذا وأمثاله مما صح نقله عن رسول الله ﷺ ؛ فإن مذهبنا فيه ومذهب السلف إثباته وإجراؤه على ظاهره ونفي الكيفية والتشبيه عنه، وقد نفى قوم الصفات فأبطلوا ما أثبته الله تعالى، وتأولها قوم على خلاف الظاهر، فخرجوا من ذلك إلى ضرب من التعطيل والتشبيه، والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين؛ لأن دين الله تعالى بين الغالي والمقصر عنه.
والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات،
стр. 3212
وإثبات الله تعالى إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فإذا قلنا يد، وسمع، وبصر، ونحوها؛ فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه ولم يقل: معنى اليد القوة، ولا معنى السمع والبصر: العلم والإدراك، ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار، ونقول إنما وجب إثباتها؛ لأن الشرع ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (١)، كذلك قال علماء السلف في أخبار الصفات: أمروها كما جاءت. فإن قيل: فكيف يصح الإيمان بما لا يحيط علمنا بحقيقته؟ أو كيف يتعاطى وصف شيء لا درك له في عقولنا؟
فالجواب، أن إيماننا صحيح بحق ما كلفنا منها، وعلمنا محيط بالأمر الذي ألزمناه فيها وإن لم نعرف لما تحتها حقيقة كافية، كما قد أمرنا أن نؤمن بملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر، والجنة ونعيمها، والنار وأليم عذابها، ومعلوم أنا لا نحيط علما بكل شيء منها على التفصيل، وإنما كلفنا الإيمان بها جملة واحدة، ألا ترى أنا لا نعرف أسماء عدة من الأنبياء وكثير من الملائكة، ولا يمكننا أن نحصي عددهم، ولا أن نحيط بصفاتهم، ولا نعلم خواص معانيهم، ثم لم يكن ذلك قادحا في إيماننا بما أمرنا أن نؤمن به من أمرهم.
وقد قال النبي ﷺ في صفة الجنة: يقول الله تعالى: «أعددت لعبادي
стр. 3213
الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (١).اهـ (٢)
- وفيها: قال بعض علماء أهل السنة: أما بعد فإني وجدت جماعة من مشائخ السلف وكثيرا ممن تبعهم من الخلف ممن عليهم المعتمد في أبواب الديانة، وبهم القدوة في استعمال السنة قد أظهروا
стр. 3214
اعتقادهم، وما انطوت عليه ضمائرهم في معاني السنن ليقتدي بهم المقتفي، وذلك حين فشت البدع في البلدان وكثرت دواعيها في الزمان، فحينئذ وقع الاضطرار إلى الكشف والبيان ليهتدي بها المسترشد في الخلف، كما فاز لها من مضى من السلف، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتقين، وأن يعصمنا من اختراع المبتدعين، وأنا أذكر بتوفيق الله تعالى جماعة من أئمتنا من السلف ممن شرعوا في هذه المعاني فمنهم أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري فإنه قد أظهر اعتقاده، ومذهبه في السنة في غير موضع، وقد أملاه على شعيب بن حرب.
ومنهم أبو محمد سفيان بن عيينة الهلالي فإنه قد أجاب في اعتقاده حين سئل عنه كما رواه محمد بن إسحاق الثقفي، ومنهم أبو عمرو عبد الرحمن ابن عمرو الأوزاعي إمام أهل الشام فإنه قد أظهر اعتقاده في زمانه، ورواه ابن إسحاق الفزاري. ومنهم أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك إمام خراسان، والفضيل بن عياض، ووكيع بن الجراح، ويوسف بن أسباط، قد أظهروا اعتقادهم، ومذاهبهم بالسنن، ومنهم شريك بن عبد الله النخعي، ويحيى بن سعيد القطان، وأبو إسحاق الفزاري، ومنهم أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي المديني إمام دار الهجرة وفقيه الحرمين فانه قد أظهر اعتقاده في باب الإيمان والقرآن، ومنهم أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المطلبي سيد الفقهاء في زمانه، ومنهم أبو عبيد القاسم بن سلام، والنضر بن شميل، وأبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي من تلاميذ الشافعي، أظهر اعتقاده حين ظهرت المحنة في باب القرآن، ومنهم أبو عبد الله أحمد بن حنبل سيد أهل الحديث في زمانه، وأفضل من تورع في عصره وأوانه، قد أظهر اعتقاده ودعا الناس إليه وثبت في المحنة، وبالغ فيه غاية المبالغة، ومنهم الشيخ الزاهد الفاضل زهير بن نعيم البابي السجستاني، له اعتقاد في رسالة كتبها إلى بعض إخوانه.
ثم ذكر طائفة من العلماء ممن ألف في الاعتقاد، إلى أن قال ﵀: وكان أبو أحمد بن أبي أسامة القرشي الهروي من أفاضل من بخراسان من العلماء والفقهاء أملى اعتقادا له قال: وينبغي لمن من الله بعلم الهداية والكرامة بالسنة ممن بقي من الخلف القدوة ممن مضى من السلف، وأن مذهبنا ومذهب أئمتنا من أهل الأثر: أن نقول أن الله أحد لا شريك له، ولا ضد له ولا ند له ولا شبيه له، إلها واحدا أحدا صمدا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يشرك في حكمه أحدا.
قال: ونؤمن بصفاته أنه كما وصف نفسه في كتابه المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، ونؤمن بما ثبت عن رسول الله ﷺ من صفاته ﷻ بنقل العدول، والأسانيد المتصلة التي
стр. 3215
اجتمع عليها أهل المعرفة بالنقل أنها صحيحة ثابتة عن نبي الله ﷺ ، ونطلقها بألفاظها كما أطلقها، وتعتقد عليها ضمائرنا بصدق وإخلاص أنها كما قال ﷺ ، ولا نكيف صفات الله ، ولا نفسرها تفسير أهل التكييف والتشبيه، ولا نضرب لها الأمثال، بل نتلقاها بحسن القبول تصديقا، ونطلق ألفاظها تصريحا، كما قال الله في كتابه، وكما قال رسول الله ﷺ ، ونقول: إن صفات الله كلها غير مخلوقة، ليس من كلامه وعلمه وصفاته شيء مخلوق، جل الله تعالى عن صفات المخلوقين. والكيف عن صفات الله مرفوع.
ونقول كما قال السلف من أهل العلم الزهري وغيره: على الله البيان، وعلى رسول الله البلاغ، وعلينا التسليم، ونؤدي أحاديث رسول الله ﷺ كما سمعنا، ولا نقول في صفات الله كما قالت الجهمية والمعطلة، بل نثبت صفات الله تعالى بإيمان وتصديق.
قال الأوزاعي: أقروا أحاديث رسول الله ﷺ ، وأمروها كما جاءت.
وقال سفيان الثوري: إني لآخذ الحديث على ثلاثة أوجه: آخذ الحديث على وجه أتخذه دينا، ومن وجه آخر لا أتركه وأتحرج أن أتخذه دينا أو فقها، وآخذه من وجه لا أتخذه دينا، وإنما آخذه لأعرفه. (١)
- وقال ﵀ أيضا: أجمع المسلمون أن القرآن كلام الله، وإذا صح أنه كلام الله صح أنه صفة لله تعالى، وأنه موصوف به، وهذه الصفة لازمة لذاته. تقول العرب: زيد متكلم، فالمتكلم صفة له، إلا أن
стр. 3216
حقيقة هذه الصفة الكلام، وإذا كان كذلك، كان القرآن كلام الله وكانت هذه الصفة لازمة له أزلية. والدليل على أن الكلام لا يفارق المتكلم، أنه لو كان يفارقه لم يكن للمتكلم إلا كلمة واحدة، فإذا تكلم بها لم يبق له كلام، فلما كان المتكلم قادرا على كلمات كثيرة بعد كلمة، دل على أن تلك الكلمات فروع لكلامه الذي هو صفة له ملازمة. والدليل على أن القرآن غير مخلوق: أنه كلام الله، وكلام الله سبب إلى خلق الأشياء. قال الله : ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ (١). أي أردنا خلقه، وإيجاده، وإظهاره.
فقوله: كن، كلام الله وصفته، والصفة التي منها يتفرع الخلق والفعل وبها يتكون المخلوق لا تكون مخلوقة، ولا يكون مثلها للمخلوق. (٢)
موقفه من المرجئة:
- قال ﵀: ويجوز الزيادة والنقصان في الإيمان، وزيادته بفعل الطاعات، ونقصانه بتركها، وفعل المعاصي، خلافا لمن قال: الإيمان معرفة القلب وتصديقه، وهما عرضان من الأعراض، والزيادة والنقصان لا تجوز على الأعراض. (٣)
- وقال: ولا يتساوى إيمان جميع المكلفين من الملائكة والأنبياء ومن دونهم من الشهداء والصديقين، بل يتفاضلون بقدر رتبهم في الطاعات خلافا
стр. 3217
لمن قال: الإيمان هو التصديق بالقلب، وإنما يقع التفاضل في العلم بأصناف أدلته، وقد ذكرنا أن الطاعات من الإيمان. (١)
- ثم قال: ويكره لمن حصل منه الإيمان أن يقول: أنا مؤمن حقا ومؤمن عند الله، ولكن يقول: أنا مؤمن أرجو أو مؤمن إن شاء الله، أو يقول: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله، وليس هذا على طريق الشك في إيمانه، لكنه على معنى أنه لا يضبط أنه قد أتى بجميع ما أمر به، وترك جميع ما نهي عنه، خلافا لقول من قال: إذا علم من نفسه أنه مؤمن جاز أن يقول: أنا مؤمن حقا. (٢)
موقفه من القدرية:
- قال مبينا وهاء حجج القدرية: قد تمسك أهل القدر بآيات جهلوا معانيها، وحملوها على غير وجوهها، وجعلوها ذريعة لبدعتهم، وأهوائهم، ومعانيها عند أهل الحق ظاهرة على ما يوافق العقائد الصحيحة، منها قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (٣).
وفي قراءة عبد الله: (وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك) وقيل في التفسير: القول هنا مضمر كأنه قال: (ويقولون ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك).
ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ
стр. 3218
الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ (١).
وقيل نزلت على سبب: وهو ما فعل الرماة يوم أحد من إخلالهم بالمكان الذي أمرهم رسول الله ﷺ بملازمته. فالحسنة ما أصابوا من القتل والسبي والغنائم من الكفار. والسيئة ما أصيب منهم من القتل والجرح.
ونحن إن جعلنا أفعال العباد من الله خلقا ومشيئة وتقديرا، فهي من العباد فعل وكسب. وبهذا المعنى صحت إضافة الأفعال إلى العباد وتحققت منهم الأعمال.
وقد ورد في الكتاب الدلائل على كل واحد من هذين، فاتبعنا القرآن وجرينا معه بما دل عليه من أن الأعمال مخلوقة لله تعالى مكتسبة من العباد.
فالآية الأولى وهي قوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ دلت على أنها من الله خلقا وتقديرا وقضاء. والآية الثانية دلت على أنها من العباد كسبا وفعلا. وعلى هذا يحمل جميع ما ورد في القرآن من تحقيق أعمال العباد، وإثبات أفعالهم، وإضافتهم إليهم. (٢)
محمد بن عبد الباقي البغدادي (٣) (٥٣٥ هـ)
الشيخ الإمام محمد بن عبد الباقي بن محمد، أبو بكر الأنصاري الكعبي
стр. 3219
البغدادي البصري البزاز، قاضي المرستان. كان أبوه يعرف بصهر هبة المقرئ، وكان شيخا صالحا محدثا. ولد الشيخ أبو بكر سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة. سمعه أبوه من أبي إسحاق البرمكي وعلي بن عيسى الباقلاني وغيرهما وسمع بمصر من أبي إسحاق الحبال، وأجاز له أبو القاسم التنوخي وأبو الفتح بن شيطا المقرئ وأبو عبد الله القضاعي. وروى عنه أبو القاسم ابن عساكر وأبو سعد السمعاني وابن الجوزي وأبو موسى المديني وغيرهم.
قال ابن الجوزي: وكان حسن الصورة، حلو المنطق، مليح المعاشرة. وقال أيضا: وكان ثقة فهما ثبتا حجة متفننا في علوم كثيرة، متفردا في علم الفرائض.
وقال ابن السمعاني: كان أسند شيخ بقي على وجه الأرض، وكانت إليه الرحلة من الأقطار. عارفا بالعلوم، متقنا حسن الكلام، ما رأيت أجمع للفنون منه، نظر في كل علم، وبرع في الحساب والفرائض. توفي ﵀ سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، وله بضع وتسعون سنة.
موقفه من المشركين:
جاء في ذيل طبقات الحنابلة: قال ابن السمعاني: وسمعته يقول: أسرتني الروم، وبقيت في الأسر سنة ونصفا، وكان خمسة أشهر الغل في عنقي، والسلاسل على يدي ورجلي. وكانوا يقولون لي: قل المسيح ابن الله، حتى نفعل ونصنع في حقك، فامتنعت وما قلت. (١)
стр. 3220
عبد الوهاب بن عبد الواحد الشيرازي (١) (٥٣٦ هـ)
الشيخ الإمام، العلامة، الواعظ، شيخ الحنابلة بدمشق، أبو القاسم، عبد الوهاب بن أجل الحنابلة الشيخ أبي الفرج عبد الواحد بن محمد، الأنصاري الشيرازي الأصل الدمشقي، تفقه على أبيه، وحدث بالإجازة عن أبي طالب بن يوسف، وصار له القبول الزائد في الوعظ، وزادت حشمته ورئاسته، وبعثه الملك بوري رسولا إلى المسترشد بالله يستصرخ به على غزو الفرنج وأنهم أخذوا كثيرا من الشام، وقف المدرسة الكبرى شمالي جامع دمشق، وكان ذا لسن وفصاحة وصورة كبيرة. أثنى عليه السلفي ووثقه، سمع من أبيه.
وقال أبو يعلى حمزة القلانسي: كان على الطريقة المرضية، والخلال الرضية ووفور العلم، وحسن الوعظ، وقوة الدين، وكان يوم دفنه يوما مشهودا من كثرة المشيعين له والباكين عليه، مات في صفر سنة ست وثلاثين وخمسمائة. وكان يناظر على قواعد عقائد الحنابلة، جرى بينه وبين الفقيه الغندلاوي بحوث وسب، وكان الغندلاوي أشعريا.
موقفه من الجهمية:
له من الآثار السلفية:
١ - 'البرهان في أصول الدين' ذكره ابن مفلح في المقصد الأرشد (٢)
стр. 3221
والعليمي في الدر المنضد (١) وابن رجب في ذيل الطبقات (٢). وعلى عادة ابن رجب ﵀، أن من كان فيه اعتزال أو أي انحراف يذكره له وينبه عليه، ومن كان موافقا لعقيدة السلف يترجم له ويطريه أو يذكره ذكرا عاديا. وهذا الإمام منهم. ويؤكد أنه كان على عقيدة السلف كتابه الآتي:
٢ - 'رسالة في الرد على الأشعرية' ذكرها في ذيل طبقات الحنابلة. (٣)
المازري (٤) (٥٣٦ هـ)
الشيخ الإمام الفقيه محمد بن علي بن عمر التيمي، أبو عبد الله المازري، الفقيه المالكي، أحد الأعلام. ومازر بليدة بجزيرة صقلية. كان من كبار أئمة زمانه وآخر المشتغلين من شيوخ إفريقية بتحقيق الفقه ورتبة الاجتهاد ودقة النظر. أخذ عن أبي الحسن اللخمي وعبد الحميد الصائغ وغيرهما. وأخذ عنه أبو حفص الميانشي وأبو محمد البرجيني وابن الحداد المهدوي وأبو عبد الله الشلبي وأبو الحسن صالح بن أبي القاسم وأبو الحسن ابن المقرئ وغيرهم.
وممن أخذ عنه بالإجازة القاضي عياض وأبو بكر بن أبي جمرة وأبو بكر بن الخير وابن رشد الحفيد. كان ﵀ واسع الباع في العلم والاطلاع، حسن الخلق، مليح المجلس، كثير الحكايات وإنشاد قطع الشعر،
стр. 3222
مع علم بالطب.
قال الصفدي: أخبرني من أنسيته عن الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى أنه كان يقول: ما رأيت أعجب من هذا -يعني المازري- لأي شيء ما ادعى الاجتهاد.
له تآليف تدل على إمامته منها: كتاب المعلم بفوائد مسلم، وكتاب الرد على الإحياء للغزالي سماه الكشف والإنباء عن كتاب الإحياء، وكتاب التعليقة على المدونة، وكتاب إيضاح المحصول من برهان الأصول لأبي المعالي الجويني، وكتاب الواضح في قطع لسان الكلب النابح وغيرها.
إلا أن مما يؤاخذ على المازري أشعريته الواضحة، وكتابه المعلم خير دليل على ذلك، فكلما مر فيه على صفة من صفات الله تعالى إلا وجنح فيها إلى التأويل المذموم. توفي رحمه الله تعالى سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وقد نيف على الثمانين.
موقفه من الصوفية:
قال ﵀ في كتابه الكشف والإنباء من كتاب الإحياء: ولقد أعجب من قوم مالكية يرون مالكا الإمام يهرب من التحديد، ويجانب أن يرسم رسما وإن كان فيه أثر ما أو قياس ما تورعا وتحفظا من الفتوى فيما يحمل الناس عليه، ثم يستحسنون من رجل فتاوى مبناها على مالا حقيقة له، وفيه كثير من الآثار عن النبي ﷺ لفق فيه الثابت بغير الثابت، وكذا ما أورد عن السلف لا يمكن ثبوته كله، وأورد من نزغات الأولياء ونفثات الأصفياء ما يجل موقعه، لكن مزج فيه النافع بالضار كإطلاقات يحكيها عن بعضهم لا
стр. 3223
يجوز إطلاقها لشناعتها وإن أخذت معانيها على ظواهرها كانت كالرموز إلى قدح الملحدين، ولا تنصرف معانيها إلى الحق إلا بتعسف على اللفظ مما لا يتكلف العلماء مثله إلا في كلام صاحب الشرع الذي اضطرت المعجزات الدالة على صدقه المانعة من جهله وكذبه إلى طلب التأويل. (١)
الأمير علي بن يوسف بن تاشفين (٢) (٥٣٧ هـ)
السلطان، صاحب المغرب، أمير المسلمين، أبو الحسن، علي بن يوسف ابن تاشفين. تولى بعد أبيه سنة خمسمائة. وكان حسن السيرة، جيد الطوية، عادلا، نزها، حتى كان إلى أن يعد من الزهاد المتبتلين أقرب، وأدخل من أن يعد من الملوك. واشتد إيثاره لأهل العلم والدين، وكان إذا ولى أحدا من قضاته، كان فيما يعهد إليه أن لا يقطع أمرا دون أن يكون بمحضر أربعة من أعيان الفقهاء، يشاورهم في ذلك الأمر، وإن صغر، فبلغ الفقهاء في أيامه مبلغا عظيما. وكان إذا وعظه أحدهم خشع عند استماع الموعظة، ولان قلبه لها، وظهر ذلك عليه. ودان أهل زمانه بعدم الخوض في علم الكلام وأنه بدعة، واعتنى بعلم الرسائل والإنشاء، وعمر. وابتلي بنواب ظلمة، ثم خرج عليه ابن تومرت وحاربه وقوي عليه وأخذ البلاد، ومات رحمة الله عليه سنة سبع وثلاثين وخمسمائة.
стр. 3224
موقفه من الصوفية:
تقدم ما ذكره الذهبي في أمره بإحراق كتب أبي حامد، وهذا أمر قد أجمع عليه المؤرخون، بل قد ذكر في المغرب أنه أمر بإحراق كتاب كل بدعة، ولم يقتصر على إحراق الإحياء فقط. وهذا الأمر شكره عليه الأولون والآخرون، ولكن كما تقدم في موقف البربهاري: مثل أصحاب البدع مثل العقارب، يدفنون رؤوسهم وأبدانهم في التراب، ويخرجون أذنابهم، فإذا تمكنوا لدغوا، وكذلك أهل البدع هم مختفون بين الناس، فإذا تمكنوا بلغوا ما يريدون، فرغم المجهودات التي بذلها علماء السلف في دحض البدع، ما تزال إلى الآن بادية أعناقها، فاتحة فمها تريد ابتلاع كل من يدعو الناس إلى الرجوع إلى مذهب السلف، ولعل الله ييسر لها سيفا مهندا فيكسر الفم ويقطعه شقين، ويرميه إلى الكلاب تتناحر عليه. والله المستعان.
جاء في الفكر السامي: وكان علي بن يوسف واقفا كأبيه عند إشارة الفقهاء وأهل العلم قد رد جميع الأحكام إليهم، فلما أفتوه بإحراق كتاب الإحياء كتب إلى أهل مملكته في سائر الأمصار والأقطار بأن يبحث عن نسخ الإحياء بحثا أكيدا، ويحرق ما عثر عليه منها، فجمع من نسخها عدد كثير ببلاد الأندلس، ووضعت بصحن جامع قرطبة، وصب عليها الزيت ثم أوقد عليها بالنار. وكذا فعل بما ألفي من نسخها بمراكش، وتوالى الإحراق عليها في سائر بلاد المغرب.
وفي سنة ست وثلاثين وخمسمائة توفي الشيخ الفقيه أبو العباس أحمد ابن محمد ... وسعي به إلى أمير المسلمين علي بن يوسف فأمر بإشخاصه إلى
стр. 3225
حضرة مراكش. (١)
التعليق:
هكذا كان هذا الملك الصالح مع مبتدعة الصوفية وغيرهم، فما فعله مع أبي العباس أحمد بن محمد بن العريف، ينبغي أن يفعل بكل مبتدع حتى يقف عند حده.
موقفه من الجهمية:
كان ملوك المرابطين من خيرة الناس في عقائدهم، لم يبتلوا بما ابتلي به غيرهم من رفض أو كلام. وكانوا سدا منيعا في وجوه الفلاسفة والمتكلمين وزنادقة المتصوفة، لولا غلوهم في التمسك بالمذهب المالكي. وسنرى إن شاء الله مواقفهم المشرفة التي تبعث على السرور.
- جاء في المعجب لعبد الواحد المراكشي: ... ودان أهل ذلك الزمان بتكفير كل من ظهر منه الخوض في شيء من علوم الكلام، وقرر الفقهاء عند أمير المسلمين -أي علي بن يوسف- تقبيح علم الكلام وكراهة السلف له وهجرهم من ظهر عليه شيء منه، وأنه بدعة في الدين. وربما أدى أكثره إلى اختلال في العقائد في أشباه لهذه الأقوال، حتى استحكم في نفسه بغض علم الكلام وأهله. (٢)
- وجاء في السير: ... وأهينت الفلسفة ومج الكلام ومقت، واستحكم في ذهن علي أن الكلام بدعة ما عرفه السلف، فأسرف في ذلك،