والعليمي في الدر المنضد (١) وابن رجب في ذيل الطبقات (٢). وعلى عادة ابن رجب ﵀، أن من كان فيه اعتزال أو أي انحراف يذكره له وينبه عليه، ومن كان موافقا لعقيدة السلف يترجم له ويطريه أو يذكره ذكرا عاديا. وهذا الإمام منهم. ويؤكد أنه كان على عقيدة السلف كتابه الآتي:
٢ - 'رسالة في الرد على الأشعرية' ذكرها في ذيل طبقات الحنابلة. (٣)
المازري (٤) (٥٣٦ هـ)
الشيخ الإمام الفقيه محمد بن علي بن عمر التيمي، أبو عبد الله المازري، الفقيه المالكي، أحد الأعلام. ومازر بليدة بجزيرة صقلية. كان من كبار أئمة زمانه وآخر المشتغلين من شيوخ إفريقية بتحقيق الفقه ورتبة الاجتهاد ودقة النظر. أخذ عن أبي الحسن اللخمي وعبد الحميد الصائغ وغيرهما. وأخذ عنه أبو حفص الميانشي وأبو محمد البرجيني وابن الحداد المهدوي وأبو عبد الله الشلبي وأبو الحسن صالح بن أبي القاسم وأبو الحسن ابن المقرئ وغيرهم.
وممن أخذ عنه بالإجازة القاضي عياض وأبو بكر بن أبي جمرة وأبو بكر بن الخير وابن رشد الحفيد. كان ﵀ واسع الباع في العلم والاطلاع، حسن الخلق، مليح المجلس، كثير الحكايات وإنشاد قطع الشعر،
стр. 3222
مع علم بالطب.
قال الصفدي: أخبرني من أنسيته عن الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى أنه كان يقول: ما رأيت أعجب من هذا -يعني المازري- لأي شيء ما ادعى الاجتهاد.
له تآليف تدل على إمامته منها: كتاب المعلم بفوائد مسلم، وكتاب الرد على الإحياء للغزالي سماه الكشف والإنباء عن كتاب الإحياء، وكتاب التعليقة على المدونة، وكتاب إيضاح المحصول من برهان الأصول لأبي المعالي الجويني، وكتاب الواضح في قطع لسان الكلب النابح وغيرها.
إلا أن مما يؤاخذ على المازري أشعريته الواضحة، وكتابه المعلم خير دليل على ذلك، فكلما مر فيه على صفة من صفات الله تعالى إلا وجنح فيها إلى التأويل المذموم. توفي رحمه الله تعالى سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وقد نيف على الثمانين.
موقفه من الصوفية:
قال ﵀ في كتابه الكشف والإنباء من كتاب الإحياء: ولقد أعجب من قوم مالكية يرون مالكا الإمام يهرب من التحديد، ويجانب أن يرسم رسما وإن كان فيه أثر ما أو قياس ما تورعا وتحفظا من الفتوى فيما يحمل الناس عليه، ثم يستحسنون من رجل فتاوى مبناها على مالا حقيقة له، وفيه كثير من الآثار عن النبي ﷺ لفق فيه الثابت بغير الثابت، وكذا ما أورد عن السلف لا يمكن ثبوته كله، وأورد من نزغات الأولياء ونفثات الأصفياء ما يجل موقعه، لكن مزج فيه النافع بالضار كإطلاقات يحكيها عن بعضهم لا
стр. 3223
يجوز إطلاقها لشناعتها وإن أخذت معانيها على ظواهرها كانت كالرموز إلى قدح الملحدين، ولا تنصرف معانيها إلى الحق إلا بتعسف على اللفظ مما لا يتكلف العلماء مثله إلا في كلام صاحب الشرع الذي اضطرت المعجزات الدالة على صدقه المانعة من جهله وكذبه إلى طلب التأويل. (١)
الأمير علي بن يوسف بن تاشفين (٢) (٥٣٧ هـ)
السلطان، صاحب المغرب، أمير المسلمين، أبو الحسن، علي بن يوسف ابن تاشفين. تولى بعد أبيه سنة خمسمائة. وكان حسن السيرة، جيد الطوية، عادلا، نزها، حتى كان إلى أن يعد من الزهاد المتبتلين أقرب، وأدخل من أن يعد من الملوك. واشتد إيثاره لأهل العلم والدين، وكان إذا ولى أحدا من قضاته، كان فيما يعهد إليه أن لا يقطع أمرا دون أن يكون بمحضر أربعة من أعيان الفقهاء، يشاورهم في ذلك الأمر، وإن صغر، فبلغ الفقهاء في أيامه مبلغا عظيما. وكان إذا وعظه أحدهم خشع عند استماع الموعظة، ولان قلبه لها، وظهر ذلك عليه. ودان أهل زمانه بعدم الخوض في علم الكلام وأنه بدعة، واعتنى بعلم الرسائل والإنشاء، وعمر. وابتلي بنواب ظلمة، ثم خرج عليه ابن تومرت وحاربه وقوي عليه وأخذ البلاد، ومات رحمة الله عليه سنة سبع وثلاثين وخمسمائة.
стр. 3224
موقفه من الصوفية:
تقدم ما ذكره الذهبي في أمره بإحراق كتب أبي حامد، وهذا أمر قد أجمع عليه المؤرخون، بل قد ذكر في المغرب أنه أمر بإحراق كتاب كل بدعة، ولم يقتصر على إحراق الإحياء فقط. وهذا الأمر شكره عليه الأولون والآخرون، ولكن كما تقدم في موقف البربهاري: مثل أصحاب البدع مثل العقارب، يدفنون رؤوسهم وأبدانهم في التراب، ويخرجون أذنابهم، فإذا تمكنوا لدغوا، وكذلك أهل البدع هم مختفون بين الناس، فإذا تمكنوا بلغوا ما يريدون، فرغم المجهودات التي بذلها علماء السلف في دحض البدع، ما تزال إلى الآن بادية أعناقها، فاتحة فمها تريد ابتلاع كل من يدعو الناس إلى الرجوع إلى مذهب السلف، ولعل الله ييسر لها سيفا مهندا فيكسر الفم ويقطعه شقين، ويرميه إلى الكلاب تتناحر عليه. والله المستعان.
جاء في الفكر السامي: وكان علي بن يوسف واقفا كأبيه عند إشارة الفقهاء وأهل العلم قد رد جميع الأحكام إليهم، فلما أفتوه بإحراق كتاب الإحياء كتب إلى أهل مملكته في سائر الأمصار والأقطار بأن يبحث عن نسخ الإحياء بحثا أكيدا، ويحرق ما عثر عليه منها، فجمع من نسخها عدد كثير ببلاد الأندلس، ووضعت بصحن جامع قرطبة، وصب عليها الزيت ثم أوقد عليها بالنار. وكذا فعل بما ألفي من نسخها بمراكش، وتوالى الإحراق عليها في سائر بلاد المغرب.
وفي سنة ست وثلاثين وخمسمائة توفي الشيخ الفقيه أبو العباس أحمد ابن محمد ... وسعي به إلى أمير المسلمين علي بن يوسف فأمر بإشخاصه إلى
стр. 3225
حضرة مراكش. (١)
التعليق:
هكذا كان هذا الملك الصالح مع مبتدعة الصوفية وغيرهم، فما فعله مع أبي العباس أحمد بن محمد بن العريف، ينبغي أن يفعل بكل مبتدع حتى يقف عند حده.
موقفه من الجهمية:
كان ملوك المرابطين من خيرة الناس في عقائدهم، لم يبتلوا بما ابتلي به غيرهم من رفض أو كلام. وكانوا سدا منيعا في وجوه الفلاسفة والمتكلمين وزنادقة المتصوفة، لولا غلوهم في التمسك بالمذهب المالكي. وسنرى إن شاء الله مواقفهم المشرفة التي تبعث على السرور.
- جاء في المعجب لعبد الواحد المراكشي: ... ودان أهل ذلك الزمان بتكفير كل من ظهر منه الخوض في شيء من علوم الكلام، وقرر الفقهاء عند أمير المسلمين -أي علي بن يوسف- تقبيح علم الكلام وكراهة السلف له وهجرهم من ظهر عليه شيء منه، وأنه بدعة في الدين. وربما أدى أكثره إلى اختلال في العقائد في أشباه لهذه الأقوال، حتى استحكم في نفسه بغض علم الكلام وأهله. (٢)
- وجاء في السير: ... وأهينت الفلسفة ومج الكلام ومقت، واستحكم في ذهن علي أن الكلام بدعة ما عرفه السلف، فأسرف في ذلك،
стр. 3226
وكتب يتهدد ويأمر بإحراق الكتب وكتب يأمر بإحراق تواليف الشيخ أبي حامد وتوعد بالقتل من كتمها. (١)
عباس صاحب الري (٢) (٥٤١ هـ)
كان عباس من غلمان السلطان محمود، حسن السيرة، عادلا في رعيته، كثير الجهاد للباطنية، قتل منهم خلقا كثيرا، وحكي أنه ما شرب الخمر قط ولا زنى. قتله السلطان مسعود سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وتأسف الناس عليه.
موقفه من المشركين:
قال ابن كثير: وقد كان عباس من الشجعان المشهورين، قاتل الباطنية مع مخدومه جوهر، فلم يزل يقتل منهم حتى بنى مئذنة من رؤوسهم بمدينة الري. (٣)
عبد الله بن علي سبط الخياط (٤) (٥٤١ هـ)
هو أبو محمد عبد الله بن علي بن أحمد الإمام العلامة مقرئ العراق النحوي، سبط الإمام الزاهد أبي منصور الخياط. ولد سنة أربع وستين
стр. 3227
وأربعمائة. تلقى القرآن من أبي الحسن بن الفاعوس. وسمع من أبي الحسين ابن النقور وأبي منصور محمد العكبري ورزق الله التميمي وعدة. وتلا بالروايات على جده أبي منصور الخياط، وأبي الخطاب بن الجراح، وثابت بن بندار وأبي العز القلانسي وغيرهم. وتصدر للإقراء وصنف الكتب الشهيرة كالمبهج والإيجاز والكفاية وغيرها.
حدث عنه ابن عساكر والسمعاني وابن الجوزي وخلق. توفي ﵀ في الثاني والعشرين من ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. قال فيه الإمام الذهبي: كان إماما محققا، واسع العلم، متين الديانة، قليل المثل، وكان أطيب أهل زمانه صوتا بالقرآن على كبر السن.
ومن شعره:
كتبت علوما ثم أيقنت أنني فإن كنت عند الله فيها مخلصا وإن كانت الأخرى فبالله فاسألوا ... سأبلى ويبقى ما كتبت من العلم
فذاك لعمر الله قصدي في الحكم
إلهي غفرانا من الذنب والجرم
موقفه من الجهمية:
- جاء في ذيل الطبقات عنه قال:
الفقه علم به الأديان ترتفع ... ثم الحديث إذا ما رمته فرج ... ثم الكلام فذره، فهو زندقة ... والنحو عز به الإنسان ينتفع
من كل معنى به الإنسان يبتدع
وخرقه فهو خرق ليس يرتفع (١)
стр. 3228
- وله أيضا:
ظهرت في الأنام بدعة قوم عطلوا وصفه، وحادوا عن الحق ... جحدوا الله والقرآن المبينا
جميعا، وخالفوه يقينا (١)
أبو الحسن الآبَنُوسِي (٢) (٥٤٢ هـ)
الفقيه المفتي العابد، أبو الحسن أحمد بن الإمام المحدث أبي محمد عبد الله ابن علي بن الآبنوسي، البغدادي الشافعي الوكيل. ولد سنة ست وستين وأربعمائة. سمع أبا القاسم ابن البسري، وإسماعيل بن مسعدة، وأبا نصر الزينبي وعدة، وتفقه على القاضي الحموي (أبي بكر ابن المظفر). روى عنه السمعاني وابن عساكر والكندي وسليمان الموصلي وآخر من روى عنه بنته شرف النساء. وكان ثقة مصنفا على سنن السلف، والتقشف وسبيل أهل السنة في الاعتقاد، وكان يخلو بالأذكار والأوراد من بكرة إلى وقت الظهر ثم يقرأ عليه بعد الظهر، وكان عالي السند. توفي ثامن ذي الحجة سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة.
موقفه من الجهمية:
- قال الذهبي: ونظر في الاعتزال، ثم أنقذه الله وتسنن. ثم قال: جمع
стр. 3229
وصنف، ودعا إلى السنة. (١)
- قال ابن الجوزي في المنتظم: وصحب شيخنا أبا الحسن ابن الزاغوني، فحمله على السنة بعد أن كان معتزليا، وكانت له اليد الحسنة في المذهب والخلاف والفرائض والحساب والشروط، وكان ثقة مصنفا على سنن السلف والتقشف وسبيل أهل السنة في الاعتقاد، وكان ينابذ من أصحاب الشافعي من يخالف ذلك من المتكلمين. (٢)
ابن عياض المجاهد (٣) (٥٤٢ هـ)
عبد الله وقيل عبد الرحمن أبو محمد بن عياض المجاهد في
стр. 3230
سبيل الله، فارس الأندلس، وبطلها المشهور، اتفق عليه أهل شرق الأندلس. قال عبد الواحد المراكشي: كان من الصالحين الكبار، فإذا ركب الخيل لا يقوم له أحد. كان النصارى يعدونه بمائة فارس، فحمى الله به الناحية مدة إلى أن توفي. وله مواقف مشهودة، وكان فارس الإسلام في زمانه. قال عنه اليسع ابن حزم: أشجع من ركب الخيل وأفرس من سام الروم الويل. توفي سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة بسبب سهم أصابه في النخاع.
موقفه من المشركين:
وقال اليسع بن حزم في أخبار المغرب: حدثني الأمير الملك المجاهد في سبيل الله أبو محمد عبد الله بن عياض أشجع من ركب الخيل، وأفرس من سام الروم الويل، قال: نزلت محلة الفرنج علينا، فكانوا إذا رمونا بالنبل صار حائلا بيننا وبين الشمس كالجراد، والذي صح عندنا أن عدد خيلهم مئة ألف فارس، ومن الرجل مئتا ألف أو أزيد، وكنا نعد على مقربة من سورنا أربع مئة خيمة ديباج أو نحوها نحقق هذا، فاشتد علينا الحصار، فخرجنا في مئتي فارس، فشققنا الروم نقتل فيهم، ولجأنا إلى حصن الزيتونة قاصدين بلنسية، قال اليسع: قال لي مسعود بن عز الناس: أبصرت ابن عياض وهو شاب حدث، وقد صارع روميا غلب جميع من في بلاد الأندلس، فجاءه الرومي، فدفعه ابن عياض عن نفسه دفعة حسبت أن الرومي انتفضت أوصاله، ثم أمسك بخاصرة الرومي حتى رأيت الدم تحت أصابع ابن عياض، ثم رفعه، وألقى به الأرض، فطار دماغه. وله قصة أخرى: وذلك أنه وقف فارس من جملة خيالة الروم على لارِدَة، وطلب المبارزة، فخرج ابن عياض عليه قميص طويل الكم قد أدخل فيه حجرا مدحرجا، وربط رأس الكم، وتقلد سيفه، والرومي شاك في سلاحه، فحمل عليه ابن عياض، فطعنه الرومي في الطارقة، فنشب الرمح، فأطلقها ابن عياض من يده، وبادر فضرب الرومي بكمه، فنثر دماغه، فعجبنا وكبرنا، فاشتهر ذكره على صغر سنه، وأما أنا فحضرت معه أيام مملكته حروبا، كان حجر لا يؤثر فيه، وكان في هيئته كأنه برج غريب الخلقة. قال مسعود: ولما وصلنا الزيتونة بعد قضاء حوائجنا، جئنا لاردة في السحر، فوقعنا في خيام العدو المحيط بالبلد، فجعلنا نضرب على الطوارق ونصيح، فنفرت الخيل، ونحن نقتل من
стр. 3231
لقيناه، فدخلنا البلد سالمين. قلت: ولابن عياض مواقف مشهودة، وكان فارس الإسلام في زمانه، لعله بقي إلى بعد الأربعين وخمس مئة، وقام بعده خادمه محمد بن سعد بن مردنيش، استخلفه عند موته على الناس، فدامت أيامه إلى سنة ثمان وستين وخمس مئة.
قال اليسع في تاريخ المغرب -وقد خدم ابن عياض، وصار كاتبا له- فذكر أن ابن عياض التقى البرشلوني، وانتصر المسلمون، فلما انفصل المصاف، قصد المسلمون الماء ليشربوا، وتجرد ابن عياض من درعه، ونحو الخمس مئة من الروم في غابة عند الماء، فالتفت ابن عياض إلى أصحابه أن ارموا الروم بالنبل، فجاءه سهم في فقار ظهره، فأخرج منه بعد قتل أولئك الخمس مئة، وإذا بالسهم قد أصاب النخاع، فوصل مرسية، وتوفي بعد ولايته إياها أربع سنين، ووجد المسلمون لفقده. (١)
الحسين بن إبراهيم الجَوْزَقَانِي (٢) (٥٤٣ هـ)
الإمام الحافظ أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم بن حسين بن جعفر الهمذاني الجوزقاني، مصنف كتاب الأباطيل. روى عن أبي الغنائم شيرويه الديلمي وابن طاهر المقدسي وحمد بن نصر ويحيى بن مندة وجماعة. حدث عنه عبد الرزاق الجيلي وابن أخته نجيب بن غانم الطيان وغيرهما. قال ابن النجار: كتب وحصل وصنف عدة كتب في علم الحديث، منها كتاب
стр. 3232
الموضوعات، أجاد تصنيفه، روى لنا عنه عبد الرزاق الجيلي. توفي ﵀ في سادس عشر رجب سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وهو في السفر.
موقفه من المرجئة:
- له كتاب الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير، قال فيه عن محمد ابن كرام وضلالاته:
واعلم يا أخي، وفقك الله للخيرات، أن أبا عبد الله ابن كرام كان من نواحي سجستان من قرية يقال لها الحروي، وكان يتعبد ويظهر الزهد والتقشف والتخلي والتقلل، وذلك في أصحابه إلى اليوم حيث كانوا من أرض خراسان وغيرها من البلاد. وأكثر ظهورهم بنيسابور وأعمالها، وببيت المقدس منهم طائفة قد عكفوا على قبره، مال إليهم كثير من العامة لاجتهادهم وظلف عيشهم. وكان يقول: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، والمعرفة ليست من الإيمان، والإيمان باللسان مجرد عن عقد القلب، وعمل الأركان، فمن أقر بلسانه بكلمة التوحيد، فهو مؤمن حقا، وإن اعتقد بقلبه الكفر والتثليث وضيع جميع قوانين الشريعة وتركها، وأتى كل فاحشة وكبيرة وارتكبها، إلا أنه مقر بلسانه بكلمة التوحيد، فهو مؤمن موحد ولي الله من أهل الجنة، وأنه لا تضره سيئة، مع إقراره بالوحدانية كما لا تنفعه حسنة مع إظهار الشرك بالله عزوجل. فلزمهم من هذا القول أن المنافقين مؤمنون حقا، وقد أكذبهم الله تعالى في غير موضوع من كتابه، وحقق أنه جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا. وذكر ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ
стр. 3233
النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ (١). وغير ذلك من الآيات المنصوص الوارد فيهم. (٢)
أبو بكر ابن العربي (٣) (٥٤٣ هـ)
محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله أبو بكر ابن العربي الإمام العلامة الحافظ القاضي الأندلسي صاحب التصانيف، سأله ابن بشكوال عن مولده فقال: في سنة ثمان وستين وأربعمائة. سمع من خاله الحسن بن عمر الهوزني وطائفة بالأندلس، ارتحل مع أبيه وسمعا ببغداد من طراد بن محمد الزينبي وأبي عبد الله النعالي وأبي الخطاب ابن البطر وغيرهم. وتفقه بأبي حامد الغزالي وأبي بكر الشاشي والتبريزي وجماعة. رجع إلى الأندلس بعد أن دفن أباه في رحلته، وصنف وجمع، وفي فنون العلم برع وكان فصيحا خطيبا بليغا. حدث عنه عبد الخالق بن أحمد اليوسفي وأحمد بن خلف الإشبيلي والحسن ابن علي القرطبي وعدد كثير. وتخرج به أئمة، وكان ثاقب الذهن عذب المنطق كريم الشمائل كامل السؤدد، ولي قضاء إشبيلية فحمدت سياسته ثم عزل، وأقبل على نشر العلم وتدوينه. كان ممن يقال: إنه بلغ رتبة الاجتهاد. توفي بفاس في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة.
стр. 3234
موقفه من الرافضة:
- جاء في الاعتصام عنه: خرجت من بلادي على الفطرة، فلم ألق في طريقي إلا مهتديا، حتى بلغت هذه الطائفة -يعني: الإمامية والباطنية من فرق الشيعة-، فهي أول بدعة لقيت، فلو فجأتني بدعة مشبهة، كالقول بالمخلوق، أو نفي الصفات، أو الإرجاء، لم آمن. فلما رأيت حماقاتهم، أقمت على حذر، وترددت فيها على أقوام أهل عقائد سليمة، ولبثت بينهم ثمانية أشهر.
ثم خرجت إلى الشام، فوردت بيت المقدس، فألفيت فيها ثماني وعشرين حلقة ومدرستين -مدرسة الشافعية بباب الأسباط، وأخرى للحنفية-، وكان فيها من رؤوس العلماء ورؤوس المبتدعة ومن أحبار اليهود والنصارى كثير، فوعيت العلم، وناظرت كل طائفة بحضرة شيخنا أبي بكر الفهري وغيره من أهل السنة.
ثم نزلت إلى الساحل لأغراض، وكان مملوءا من هذه النحل الباطنية والإمامية، فطفت في مدن الساحل لتلك الأغراض نحوا من خمسة أشهر، ونزلت عكا، وكان رأس الإمامية بها حينئذ أبو الفتح العكي، وبها من أهل السنة شيخ يقال له الفقيه الديبقي.
فاجتمعت بأبي الفتح في مجلسه وأنا ابن العشرين، فلما رآني صغير السن كثير العلم متدربا؛ ولع بي، وفيهم -لعمر الله، وإن كانوا على باطل- انطباع وإنصاف وإقرار بالفضل إذا ظهر، فكان لا يفارقني، ويساومني الجدال، ولا يفاترني، فتكلمت على مذهب الإمامية والقول بالتعميم من
стр. 3235
المعصوم بما يطول ذكره. ومن جملة ذلك أنهم يقولون: إن لله في عباده أسرارا وأحكاما، والعقل لا يستقل بدركها، فلا يعرف ذلك إلا من قبل إمام معصوم. فقلت لهم: أمات الإمام المبلغ عن الله لأول ما أمره بالتبليغ أم هو مخلد؟ فقال لي: مات -وليس هذا بمذهبه، ولكنه تستر معي-. فقلت: هل خلفه أحد؟ فقال: خلفه وصيه علي. قلت: فهل قضى بالحق وأنفذه؟ قال: لم يتمكن لغلبة المعاند. قلت: فهل أنفذه حين قدر؟ قال: منعته التقية ولم تفارقه إلى الموت؛ إلا أنها كانت تقوى تارة وتضعف أخرى، فلم يمكن إلا المداراة؛ لئلا ينفتح عليه أبواب الاختلال. قلت: وهذه المداراة حق أم لا؟ فقال: باطل أباحته الضرورة. قلت: فأين العصمة؟ قال: إنما تغني العصمة مع القدرة. قلت: فمن بعده إلى الآن وجدوا القدرة أم لا؟ قال: لا. قلت: فالدين مهمل، والحق مجهول مخمل؟ قال: سيظهر. قلت: بمن؟ قال: بالإمام المنتظر. قلت: لعله الدجال؟ فما بقي أحد إلا ضحك. وقطعنا الكلام على غرض مني؛ لأني خفت أن ألجمه فينتقم مني في بلاده.
ثم قلت: ومن أعجب ما في هذا الكلام: أن الإمام إذا أوعز إلى من لا قدرة له؛ فقد ضيع، فلا عصمة له! وأعجب منه أن الباري تعالى -على مذهبه- إذا علم أنه لا علم إلا بمعلم، وأرسله عاجزا مضطربا لا يمكنه أن يقول ما علم؛ فكأنه ما علمه وما بعثه، وهذا عجز منه وجور، لاسيما على مذهبهم! فرأوا من الكلام ما لم يمكنهم أن يقوموا معه بقائمة. وشاع الحديث، فرأى رئيس الباطنية المسمين بالإسماعيلية أن يجتمع معي، فجاءني أبو الفتح إلى مجلس الفقيه الديبقي، وقال: إن رئيس الإسماعيلية رغب في الكلام معك. فقلت: أنا مشغول.
стр. 3236
فقال: هنا موضع مرتب قد جاء إليه، وهو محرس الطبرانيين، مسجد في قصر على البحر، وتحامل علي، فقمت ما بين حشمة وحسبة، ودخلت قصر المحرس، وطلعنا إليه، فوجدتهم قد اجتمعوا في زاوية المحرس الشرقية، فرأيت النكر في وجوههم، فسلمت، ثم قصدت جهة المحراب، فركعت عنده ركعتين لا عمل لي فيهما إلا تدبير القول معهم والخلاص منهم. فلعمر الذي قضى علي بالإقبال إلى أن أحدثكم؛ إن كنت رجوت الخروج عن ذلك المجلس أبدا، ولقد كنت أنظر في البحر يضرب في حجارة سود محددة تحت طاقات المحرس، فأقول: هذا قبري الذي يدفنوني فيه، وأنشد في سري:
ألا هل إلى الدنيا معاد وهل لنا ... سوى البحر قبر أو سوى الماء أكفان؟
وهي كانت الشدة الرابعة من شدائد عمري التي أنقدني الله منها.
فلما سلمت؛ استقبلتهم، وسألتهم عن أحوالهم عادة، وقد اجتمعت إلي نفسي، وقلت: أشرف ميتة في أشرف موطن أناضل فيه عن الدين. فقال لي أبو الفتح -وأشار إلى فتى حسن الوجه-: هذا سيد الطائفة ومقدمها، فدعوت له، فسكت، فبدرني وقال: قد بلغتني مجالستك وانتهى إِليَّ كلامك، وأنت تقول: قال الله وفعل! فأي شيء هو الله الذي تدعو إليه؟! أخبرني واخرج عن هذه المخرقة التي جازت لك على هذه الطائفة الضعيفة -وقد احتد نفسا، وامتلأ غيظا، وجثا على ركبتيه، ولم أشك أنه لا يتم الكلام إلا وقد اختطفني أصحابه قبل الجواب. فعمدت -بتوفيق الله- إلى كنانتي،
стр. 3237
واستخرجت منها سهما أصاب حبة قلبه، فسقط لليدين والفم. (١)
وانظر بقية المناظرة في المرجع نفسه فهي شيقة تبرز عمق علم السلف ﵏ وتوقد ذكائهم.
- وجاء في العواصم: وهذه حقيقة مذهبهم (أي الروافض)، أن الكل منهم (أي الصحابة) كفرة، لأن من مذهبهم التكفير بالذنوب. وكذلك تقول هذه الطائفة التي تسمى بالإمامية: إن كل عاص بكبيرة كافر، على رسم القدرية، ولا أعصى من الخلفاء المذكورين (وهم أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ ومن ساعدهم على أمرهم، وأصحاب محمد ﵌ أحرص الناس على دنيا، وأقلهم حماية على دين، وأهدمهم لقاعدة وشريعة.
قال القاضي أبو بكر: يكفيك من شر سماعه، فكيف التململ به. خمسمائة عام عدا إلى يوم مقالي هذا -لا ينقص منها يوما ولا يزيد يوما- وهو مهل شعبان سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وماذا يرجى بعد التمام إلا النقص؟
ما رضيت النصارى واليهود في أصحاب موسى وعيسى ما رضيت الروافض في أصحاب محمد ﵌ حين حكموا عليهم بأنهم قد اتفقوا على الكفر والباطل. فما يرجى من هؤلاء، وما يستبقى منهم؟ وقد قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
стр. 3238
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (١)، وهذا قول صدق، ووعد حق. وقد انقرض عصرهم ولا خليفة فيهم ولا تمكين، ولا أمن ولا سكون، إلا في ظلم وتعد وغصب وهرج وتشتيت وإثارة ثائرة. (٢)
القاضي عياض (٣) (٥٤٤ هـ)
الإمام العلامة الحافظ الأوحد، شيخ الإسلام، القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض اليحصبي الأندلسي، ثم السبتي المالكي. ولد سنة ست وسبعين وأربعمائة. رحل إلى الأندلس وروى عن القاضي أبي علي ابن سكرة الصدفي ولازمه، وعن أبي بحر بن العاص وعدة. وتفقه بأبي عبد الله محمد بن عيسى التميمي والقاضي محمد المسيلي. واستبحر من العلوم، وجمع وألف، وسارت بتصانيفه الركبان، واشتهر اسمه في الآفاق. ولي القاضي عياض القضاء مرارا، في سبتة أولا، ثم في غرناطة، ثم في سبتة مرة أخرى، ثم بقرية داي ببادية تادلا في الشمال
стр. 3239
الغربي من مراكش. قال ابن بشكوال: هو من أهل العلم والتفنن والذكاء والفهم. ومن مؤلفاته: الشفا في شرف المصطفى وترتيب المدارك والعقيدة وشرح حديث أم زرع ومشارق الأنوار في اقتفاء صحيح الآثار، والإكمال في شرح صحيح مسلم. قال ابن خلكان: هو إمام الحديث في وقته، وأعرف الناس بعلومه، وبالنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم. وقال صاحب النجوم الزاهرة: كان إماما، حافظا، محدثا، فقيها، متبحرا، صنف التصانيف المفيدة، وانتشر اسمه في الآفاق وبعد صيته. حدث عنه ابن بشكوال وولده محمد وأبو جعفر بن القصير وعدة. توفي رحمه الله تعالى في ليلة الجمعة نصف الليلة التاسعة من جمادى الآخر ودفن بمراكش سنة أربع وأربعين وخمسمائة.
موقفه من المبتدعة:
- قال في الشفا (١): فصل [في وجوب اتباعه، وامتثال أمره، والاقتداء بهديه].
وأما وجوب اتباعه وامتثال سنته والاقتداء بهديه، فقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٢)، وقال: ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
стр. 3240
وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ (١)، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٢)، أي ينقادون لحكمك يقال: سلم، واستسلم، إذا انقاد. وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦)﴾ (٣). قال محمد بن علي الترمذي: الأسوة في الرسول الاقتداء به، والاتباع لسنته، وترك مخالفته في قول وفعل. وقال غير واحد من المفسرين بمعناه. وقيل: هو عتاب للمتخلفين عنه.
وقال سهل في قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (٤) قال: بمتابعة السنة، فأمرهم تعالى بذلك، ووعدهم الاهتداء باتباعه، لأن الله تعالى أرسله بالهدى ودين الحق ليزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويهديهم إلى صراط مستقيم، ووعدهم محبته تعالى في الآية الأخرى ومغفرته إذا اتبعوه، وآثروه على أهوائهم، وما تجنح إليه نفوسهم، وأن صحة إيمانهم بانقيادهم له، ورضاهم بحكمه، وترك الاعتراض عليه. وروي عن الحسن أن أقواما قالوا: يا
стр. 3241
رسول الله، إنا نحب الله. فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ (١). وروي أن الآية نزلت في كعب بن الأشرف وغيره، وأنهم قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، ونحن أشد حبا لله، فأنزل الله الآية. وقال الزجاج: معناه إن كنتم تحبون الله أن تقصدوا طاعته، فافعلوا ما أمركم به، إذ محبة العبد لله والرسول طاعته لهما، ورضاه بما أمرا، ومحبة الله لهم عفوه عنهم، وإنعامه عليهم برحمته. (٢)
ويقال: الحب من الله عصمة وتوفيق، ومن العباد طاعة، كما قال القائل:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... لو كان حبك صادقا لأطعته ... هذا لعمري في القياس بديع
إن المحب لمن يحب مطيع
-ثم ساق بسنده- عن العرباض بن سارية في حديثه في موعظة النبي ﷺ أنه قال: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجد، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (٣). زاد في حديث جابر بمعناه: «وكل ضلالة في النار» (٤). وفي حديث أبي رافع عنه ﷺ : «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري، مما أمرت به، أو
стр. 3242
نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه». (١)
وفي حديث عائشة ﵂: صنع رسول الله ﷺ شيئا ترخص فيه فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فحمد الله، ثم قال: «ما بال قوم يتنزهون عن الشيء أصنعه، فوالله إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية». (٢)
- وقال (٣): فصل [في أن مخالفة أمره وتبديل سنته ضلال]
ومخالفة أمره وتبديل سنته ضلال وبدعة متوعد من الله تعالى عليه بالخذلان والعذاب، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ (٤)، وقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (٥).
-ثم ساق بسنده- عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة .. وذكر الحديث في صفة أمته، وفيه: «فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، فأناديهم: ألا هلم، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك. فأقول:
стр. 3243
فسحقا، فسحقا، فسحقا» (١). وروى أنس أن النبي ﷺ قال: «من رغب عن سنتي فليس مني» (٢)، وقال: «من أدخل في أمرنا ما ليس منه فهو رد» (٣)، وروى ابن أبي رافع عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» (٤). زاد في حديث المقدام: «ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله» (٥) ...
وقال ﷺ : «هلك المتنطعون» (٦). وقال أبو بكر الصديق ﵁: (لست تاركا شيئا كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ). (٧)
موقفه من الرافضة:
- جاء في الشفا: وكذلك نقطع بتكفير كل قائل قال قولا يتوصل به إلى تضليل الأمة وتكفير جميع الصحابة، كقول الكميلية من الرافضة بتكفير جميع الأمة بعد النبي ﷺ ، إذ لم تقدم عليا. وكفرت عليا، إذ لم يتقدم ويطلب
стр. 3244
حقه في التقديم، فهؤلاء قد كفروا من وجوه، لأنهم أبطلوا الشريعة بأسرها، إذ قد انقطع نقلها ونقل القرآن، إذ ناقلوه كفرة على زعمهم، وإلى هذا -والله أعلم- أشار مالك في أحد قوليه بقتل من كفر الصحابة. ثم كفروا من وجه آخر بسبهم النبي ﷺ على مقتضى قولهم وزعمهم أنه عهد إلى علي ﵁، وهو يعلم أنه يكفر بعده على قولهم، لعنة الله عليهم، وصلى الله على رسوله وآله. (١)
- وفيه: وكذلك نقطع بتكفير غلاة الرافضة في قولهم: إن الأئمة أفضل من الأنبياء. (٢)
- قال الذهبي: بلغني أنه -أي القاضي عياض- قتل بالرماح لكونه أنكر عصمة ابن تومرت. (٣)
موقفه من الجهمية:
قال الحافظ في الفتح: وقال القاضي عياض -معلقا على أحاديث خروج الدجال-: في هذه الأحاديث حجة لأهل السنة في صحة وجود الدجال، وأنه شخص معين يبتلي الله به العباد ويقدره على أشياء كإحياء الميت الذي يقتله، وظهور الخصب والأنهار، والجنة والنار، واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء فتمطر، والأرض فتنبت، وكل ذلك بمشيئة الله، ثم يعجزه الله فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره، ثم يبطل أمره ويقتله
стр. 3245
عيسى بن مريم. وقد خالف في ذلك بعض الخوارج والمعتزلة والجهمية فأنكروا وجوده وردوا الأحاديث الصحيحة، وذهب طوائف منهم كالجبائي إلى أنه صحيح الوجود، لكن كل الذي معه مخاريق وخيالات لا حقيقة لها، وألجأهم إلى ذلك أنه لو كان ما معه بطريق الحقيقة لم يوثق بمعجزات الأنبياء، وهو غلط منهم، لأنه لم يدع النبوة فتكون الخوارق تدل على صدقه، وإنما ادعى الالهية وصورة حاله تكذبه لعجزه ونقصه، فلا يغتر به إلا رعاع الناس إما لشدة الحاجة والفاقة، وإما تقية وخوفا من أذاه وشره مع سرعة مروره في الأرض، فلا يمكث حتى يتأمل الضعفاء حاله، فمن صدقه في تلك الحال لم يلزم منه بطلان معجزات الأنبياء، ولهذا يقول له الذي يحييه بعد أن يقتله، ما ازددت فيك إلا بصيرة. (١)
قلت -أي ابن حجر-: ولا يعكر على ذلك ما ورد في حديث أبي أمامة عند ابن ماجه أنه يبدأ فيقول أنا نبي، ثم يثني فيقول أنا ربكم (٢) فإنه يحمل على أنه إنما يظهر الخوارق بعد قوله الثاني. (٣)
стр. 3246
الشهرستاني (١) (٥٤٩ هـ)
محمد بن عبد الكريم بن أحمد أبو الفتح الشهرستاني، شيخ أهل الكلام والحكمة. برع في الفقه على الإمام أحمد الخوافي، وأخذ الكلام عن أبي نصر ابن القشيري. صنف كتاب نهاية الإقدام في علم الكلام وكتاب الملل والنحل وغيرها. كان متهما بالميل إلى أهل البدع -يعني الإسماعيلية- والدعوة إليهم ولضلالاتهم. وقال الخوارزمي صاحب الكافي: لولا تخليطه في الاعتقاد وميله إلى أهل الزيغ والإلحاد لكان هو الإمام في الإسلام. وقد حكى شيخ الإسلام توبته في منهاج السنة. مات بشهرستان سنة تسع وأربعين وخمسمائة.
موقفه من الجهمية:
توبته من الكلام وتعليق ابن تيمية عليه: وكذلك الشهرستاني، مع أنه كان من أخبر هؤلاء المتكلمين بالمقالات والاختلاف، وصنف فيها كتابه المعروف بنهاية الإقدام في علم الكلام وقال: قد أشار علي من إشارته غنم، وطاعته حتم، أن أذكر له من مشكلات الأصول ما أشكل على ذوي العقول، ولعله استسمن ذا ورم، ونفخ في غير صرم، لعمري:
لقد طفت المعاهد كلها فلم أر إلا واضعا كف حائر ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم
على ذقن أو قارعا سن نادم
فأخبر أنه لم يجد إلا حائرا شاكا مرتابا، أو من اعتقد ثم ندم لما تبين له خطؤه. فالأول في الجهل البسيط: كظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده
стр. 3247
لم يكد يراها وهذا دخل في الجهل المركب، ثم تبين له أنه جهل فندم ولهذا تجده في المسائل يذكر أقوال الفرق وحججهم ولا يكاد يرجح شيئا للحيرة. (١)
أبو الفضل ابن ناصر (٢) (٥٥٠ هـ)
محمد بن ناصر بن علي بن عمر السلامي أبو الفضل الإمام المحدث الحافظ. ولد سنة سبع وستين وأربعمائة. وربي يتيما في كفالة جده لأمه الفقيه أبي حكيم الخبري، لقنه القرآن، وسمعه من أبي القاسم علي بن أحمد البسري وأبي طاهر الأنباري، ثم طلب وسمع من عاصم بن الحسن ومالك بن أحمد البانياسي وأبي الغنائم بن أبي عثمان ورزق الله التميمي وخلق كثير، وقرأ ما لا يوصف كثرة وحصل الأصول وجمع وألف وبعد صيته وكان فصيحا مليح القراءة قوي العربية جم الفضائل. تفرد بإجازات عالية. روى عنه ابن طاهر وأبو عامر العبدري وأبو الفرج ابن الجوزي وآخرون. قال ابن الجوزي: كان شيخنا ثقة حافظا ضابطا من أهل السنة لا مغمز فيه. وقال ابن النجار: كان ثقة ثبتا حسن الطريقة متدينا فقيرا متعففا نظيفا نزها وقف كتبه. ورجع عن الأشعرية.
توفي في ثامن عشر شعبان سنة خمسين وخمسمائة.
стр. 3248
موقفه من الجهمية:
رجوعه عن الأشعرية:
قال ابن النجار: قرأت بخط ابن ناصر وأخبرنيه عنه سماعا يحيى بن الحسين قال: بقيت سنين لا أدخل مسجد أبي منصور الخياط، واشتغلت بالأدب على التبريزي، فجئت يوما لأقرأ الحديث على الخياط، فقال: يا بني، تركت قراءة القرآن، واشتغلت بغيره؟ عد، واقرأ علي ليكون لك إسناد، فعدت إليه في سنة اثنتين وتسعين، وكنت أقول كثيرا: اللهم بين لي أي المذاهب خير. وكنت مرارا قد مضيت إلى القيرواني المتكلم في كتاب التمهيد للباقلاني، وكأن من يردني عن ذلك. قال: فرأيت في المنام كأني قد دخلت المسجد إلى الشيخ أبي منصور، وبجنبه رجل عليه ثياب بيض ورداء على عمامته يشبه الثياب الريفية، دري اللون، عليه نور وبهاء، فسلمت، وجلست بين أيديهما، ووقع في نفسي للرجل هيبة وأنه رسول الله ﷺ ، فلما جلست التفت إلي، فقال لي: عليك بمذهب هذا الشيخ، عليك بمذهب هذا الشيخ. ثلاث مرات، فانتبهت مرعوبا، وجسمي يرجف، فقصصت ذلك على والدتي، وبكرت إلى الشيخ لأقرأ عليه، فقصصت عليه الرؤيا، فقال: يا ولدي، ما مذهب الشافعي إلا حسن، ولا أقول لك: اتركه، ولكن لا تعتقد اعتقاد الأشعري. فقلت: ما أريد أن أكون نصفين، وأنا أشهدك، وأشهد الجماعة أني منذ اليوم على مذهب أحمد بن حنبل في الأصول والفروع. فقال لي: وفقك الله. ثم أخذت في سماع كتب أحمد ومسائله والتفقه على مذهبه،
стр. 3249
وذلك في رمضان سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة. (١)
موقف السلف من أبي مسعود عبد الجليل بن محمد كوتاه الجهمي (٥٥٣ ه ـ)
موقف شيخه أبي القاسم إسماعيل بن محمد منه:
قال السمعاني: لما وردت أصبهان كان ما يخرج من داره إلا لحاجة مهمة، كان شيخه إسماعيل الحافظ هجره، ومنعه من حضور مجلسه لمسألة جرت في النزول، وكان كوتاه يقول: النزول بالذات، فأنكر إسماعيل هذا، وأمره بالرجوع عنه، فما فعل. (٢)
تعليق الإمام الذهبي:
ومسألة النزول فالإيمان به واجب، وترك الخوض في لوازمه أولى، وهو سبيل السلف، فما قال هذا: نزوله بذاته، إلا إرغاما لمن تأوله، وقال: نزوله إلى السماء بالعلم فقط. نعوذ بالله من المراء في الدين. وكذا قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ (٣) ونحوه، فنقول: جاء، وينزل، وننهى عن القول: ينزل بذاته، كما لا نقول: ينزل بعلمه، بل نسكت ولا نتفاصح على الرسول ﷺ بعبارات مبتدعة والله أعلم. (٤)
стр. 3250
ابن نَاجِيَة أحمد بن أبي المعالي (١) (٥٥٤ هـ)
العلامة أبو القاسم أحمد بن أبي المعالي المعروف بابن ناجية. سمع أبا عبد الله بن البسري، وأبا الحسين بن الطيوري. روى عنه ابن سكينة وابن الأخضر. كان فقيها فاضلا دينا حسن الكلام في المسائل، حلو المنطق في الوعظ، تفقه على أبي الخطاب الكلوذاني وبرع في الفقه. وقال صدقة بن الحسين: كان شيخا كبيرا قد نيف على الثمانين، فقيها مناظرا عارفا، له مخالطة بالفقهاء. توفي سنة أربع وخمسين وخمسمائة.
موقفه من المبتدعة:
جاء في السير: قال السمعاني: فقيه دين، حلو الوعظ، تفقه على أبي الخطاب، ثم تحول حنفيا، ثم شافعيا وقال لي: أنا اليوم متبع للدليل، ما أقلد أحدا. (٢)
موقف السلف من علي بن المهدي الخارجي (٥٥٤ ه ـ)
قال عمارة اليمني: لازمته سنة، وتركت التفقه، ونسكت، فأعادني أبي إلى المدرسة، فكنت أزوره في الشهر، فلما استفحل أمره تركته، ولم يزل من سنة ٥٣٠هـ يعظ ويخوف في القرى، ويحج على نجيب، وأطلقت له السيدة أم فاتك ولأقاربه خراج أملاكهم، فتمولوا إلى أن صار جمعه نحو أربعين ألف
стр. 3251
مقاتل، وحارب، وكان يقول: دنا الوقت، أزف الأمر، كأنكم بما أقول لكم عيانا، ثم ثار ببلاد خولان، وعاث وسبى، وأهلك الناس، ثم لقيته عند الداعي بجبلة سنة تسع وأربعين يستنجد به، فأبى، ثم دبر على قتل وزير آل فاتك، ثم زحف إلى زبيد، فقاتله أهلها نيفا وسبعين زحفا، وقتل خلائق من الفريقين، ثم قتل فاتك متولي زبيد، وأخذها ابن مهدي في رجب سنة أربع وخمسين وخمس مائة، فما متع، وهلك بعد ثلاثة أشهر، وقام بعده ابنه عبد النبي، وعظم، حتى استولى على سائر اليمن، وجمع أموالا لا تحصى، وكان حنفي المذهب -أعني الأب- يرى التكفير بالمعاصي، ويستحل وطء سبايا من خالفه، ويعتقد فيه قومه فوق اعتقاد الخلق في نبيهم. قال وحكي لي عنه أنه لم يثق بيمين من يصحبه حتى يذبح ولده أو أخاه، وكان يقتل بالتعذيب في الشمس، ولا يشفع أحد عنده، وليس لأحد من عسكره فرس يملكه ولا سلاح، بل الكل عنده إلى وقت الحرب، والمنهزم منهم يقتل جزما، والسكران يقتل، ومن زنى أو سمع غناء يقتل، ومن تأخر عن صلاة الجماعة قتل. (١)
موقف السلف من وزير مصر الملك أبي الغارات الرافضي (٥٥٦ ه ـ)
جاء في السير: قال الشريف الجواني: كان في نصر المذهب كالسكة المحماة لا يفرى فريه، ولا يبارى عبقريه، وكان يجمع العلماء، ويناظرهم على
стр. 3252
الإمامة.
قال الذهبي: صنف في الرفض والقدر.
ولقد قال لعلي بن الزبد لما ضجت الغوغاء يوم خلافة العاضد وهو حدث: يا علي، ترى هؤلاء القوادين دعاة الإسماعيلية يقولون: ما يموت الإمام حتى ينصها في آخر، وما علموا أني من ساعة كنت أستعرض لهم خليفة كما أستعرض الغنم. (١)
يحيى بن سالم العمراني (٢) (٥٥٨ هـ)
يحيى بن سالم بن سعد ين يحيى الفقيه أبو الخير العمراني، صاحب كتاب البيان، وله تصانيف مفيدة، نشر العلم باليمن، ورحل الناس إليه وتفقهوا عليه، وكان إماما زاهدا ورعا عالما خيرا مشهور الاسم بعيد الصيت عارفا بالفقه وأصوله، له رد على القدرية والأشعرية. توفي سنة ثمان وخمسين وخمسمائة.
موقفه من الرافضة:
قال ﵀ في الانتصار: اختلف الناس في الإمامة بعد رسول الله ﷺ ، فذهب أهل الحديث وعلماء السلف أن الإمام الحق بعد رسول الله ﷺ هو أبو بكر الصديق ﵁، وأن إمامته ثبتت بعقد الصحابة رضي الله
стр. 3253
عنهم الإمامة له بظواهر أدلة استنبطوها من قول النبي ﷺ ، ولم ينص النبي صلى عليه وسلم على إمامته ولا عهد بها إليه ولا إلى أحد من الصحابة، وأنه هو أحق الناس بالإمامة في وقته، وأن الإمام الحق بعده هو عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب ﵃، ودرجاتهم في الفضل على درجاتهم في الإمامة.
وقالت الخوارج بإمامة أبي بكر وعمر وبإمامة عثمان إلى الوقت الذي ادعوا أنه أحدث، وبإمامة علي بن أبي طالب إلى أن حكم وتبرءوا منهما بعد ذلك.
وادعت فرقة منهم يقال لهم البكرية منسوبة إلى شيخ لهم يسمى بكرا أن النبي ﷺ وصى بالإمامة إلى أبي بكر ﵁ ونص عليه.
وقالت المعتزلة بإمامة أبي بكر وعمر وفسقوا عثمان وعليا وقاتلي عثمان وخاذليه وطلحة والزبير وعائشة ومعاوية وأبا موسى الأشعري. وقال أستاذهم عمرو بن عبيد: لو شهد عندي علي بن أبي طالب على شراك نعل ما قبلت شهادته.
وذهب فرقة الراوندية إلى أن الإمامة للعباس بن عبد المطلب، وقد نص عليه النبي ﷺ .
وقالت الروافض والشيعة بإمامة علي بن أبي طالب، فادعوا أن النبي ﷺ نص على إمامته نصا لا يحتمل التأويل، ورفضوا إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وكفروا الصحابة كلهم إلا أربعة: علي بن أبي طالب وأبا ذر والمقداد وسلمان الفارسي.
ثم افترقت الرافضة والشيعة في الإمامة بعد علي ﵁ على
стр. 3254
ثلاث فرق. (١)
موقفه من الجهمية:
- قال ﵀ موضحا اعتقاده في القرآن: فإن كلام الله هو القرآن، وهو هذه السور التي هي آيات لها أول وآخر، وهو القرآن المنزل بلسان العرب تكلم الله به بحروف لا كحروفنا وصوت يسمع لا كأصواتنا، وهو صفة لله قديم بقدمه غير مخلوق.
وقال جهم والمعتزلة والقدرية: هو مخلوق ولا يتصور على أصلهم أن ما يتلونه من القرآن يصفونه بأنه مخلوق لله كسائر مخلوقاته من السماء والأرض، وهما من الأجسام، بل هو خلق لهم كخلقهم لجميع أقوالهم التي ينطقون بها من الشعر والنثر وسائر الكلام.
وقالت الكلابية والأشعرية: كلام الله الذي ليس بمخلوق هو معنى قائم بنفسه لا يفارق ذاته، وهذا القرآن المتلو المسموع عبارة وحكاية عن الكلام القائم بنفسه، وكذلك القول عندهم في كلام البشر هو معنى قائم بذات المتكلم. وهذه الحروف والأصوات المسموعة منهم عبارة عن المعنى القائم بالذات لا تسمى كلاما حقيقة بل مجازا أو توسعا. والأشعرية موافقة للمعتزلة في أن هذا القرآن المتلو المسموع مخلوق.
وزعم قوم أن هذا القرآن كلام الله ووقفوا، وقالوا: لا نقول مخلوق ولا غير مخلوق، وهم الواقفة. (٢)
стр. 3255
- ثم قال ﵀: إذا تقرر ما ذكرنا أن القرآن غير مخلوق، وأن القرآن عند أصحاب الحديث هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد ﷺ ، وهو القرآن العربي، السور والآيات المتلو باللسان والمسموع بالآذان المعقول بالأذهان المحفوظ في الصدور المكتوب بالمصاحف بالسطور له أول وآخر وبعض، فمن قال بخلقه فهو كافر كفرا يخرجه عن الملة، لما تقدم ذكره في الفصل قبل هذا، وقد وافقنا الأشعرية على أن القرآن غير مخلوق، ومن قال بخلقه فهو كافر، وردوا على قولة المعتزلة والقدرية إنه مخلوق.
إلا أن الأشعرية قالوا: كلام الله الحقيقي هو معنى قائم في نفسه لا يفارقه، لا يدخل كلامه النظم والتأليف والتعاقب، ولا يكون بحرف وصوت ولا يتكلم الله بالعربية ولا بغيرها من اللغات، وليس له أول ولا آخر ولا بعض، بل هو شيء واحد لم ينزله الله على نبينا محمد ﷺ ، ولا على أحد من الأنبياء، ولا يتلى ولا يكتب، ولم يسمعه أحد إلا موسى ﵇، وهذه السور والآيات عبارة وحكاية عن كلام الله وتسمى قرآنا، وكذلك التوراة عبارة عن كلام الله بلغة موسى وقومه، والإنجيل عبارة عن كلام الله بلغة عيسى وقومه. فادعوا أن كلام الله غير القرآن وأن القرآن غير كلام الله. فقولهم إن القرآن غير مخلوق تلاعب وخلف من الكلام. (١)
- ثم تحدث عن مسألة الاستواء فقال: عند أصحاب الحديث والسنة أن الله سبحانه بذاته، بائن عن خلقه، على العرش استوى فوق السموات، غير مماس له، وعلمه محيط بالأشياء كلها.
стр. 3256
وقالت الكرامية: إنه مماس للعرش.
وقالت المعتزلة: إن ذات الله بكل مكان حتى بالحشوش وأجواف الحيوان.
قيل لبشر المريسي فهو في جوف حمارك هذا؟ قال: نعم، وهذا قول الحلولية وهو كفر صريح لا إشكال فيه.
وقالت الأشعرية: لا يجوز وصفه بأنه على العرش ولا في السماء. (١)
موقفه من الخوارج:
قال في الانتصار: ومذهب أهل السنة أن الموحدين لا يكفرون بفعل شيء من المعاصي الصغائر والكبائر، وإذا عملوا الكبائر وتابوا لم تضرهم، وإن ماتوا قبل التوبة منها فأمرهم إلى الله، إن شاء عذبهم عليها وإن شاء غفرها لهم، وإن عذب العباد على الصغائر لم يكن ظالما لهم بذلك.
وقالت المرجئة: لا يوصف الله بأنه يعذب عباده على ذنب غير الكفر.
وقالت الخوارج: من أذنب متعمدا كفر بالله سواء فعل صغيرة أو كبيرة. (٢)
موقفه من المرجئة:
- قال ﵀ في كتابه الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار: وعند أهل السنة والحديث أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية،
стр. 3257
وأهل الإيمان على مراتب. (١)
- وقال: وقالت المرجئة والكرامية وأهل الزيغ من القدرية وغيرهم: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وإن إيمان الأنبياء كإيمان سائر العصاة من الخلق. (٢)
- وقال: ويلزم المرجئة الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل أن إبليس مؤمن لأن الله أخبر أنه قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ (٣) وقال: ﴿رب فَأَنْظِرْنِي﴾ (٤) فأخبر الله أنه قال بلسانه أن له ربا، ويلزم الجهمية الذين يقولون: إن الإيمان معرفة بلا قول ولا عمل أن اليهود مؤمنون لأن الله تعالى أخبر عنهم بقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (٥) وقد علمنا أن الكفار عرفوا بعقولهم أن الله خلقهم وأنه خلق السماوات والأرض، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٦) ويعرفون أيضا أنه لا ينجيهم من ظلمات البر والبحر إلا الله، ويدعون إلى الله أن ينجيهم وبذلك أخبر الله عنهم. (٧)
- وقال: واحتجت الأشعرية ومن قال إن الإيمان هو التصديق
стр. 3258
بالقلب لا غير بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (١) أي بمصدق لنا، وبقول الناس: فلا يؤمن بعذاب القبر وبالشفاعة وما أشبهها، وأراد به التصديق.
والجواب: أنا لا ننكر أن هذا حد الإيمان في اللغة. وأما في الشرع فهو أشرف خصال الإيمان، ولا يمتنع أن يكون للشيء اسم في اللغة واسم في الشرع، وإذا ورد الشرع به فإنه يجب حمله على ما تقرر اسمه في الشرع كالصلاة فإنها في اللغة المراد بها الدعاء، وهي في الشرع عبارة عن هذه الأفعال المشروعة في الصلاة، وكذلك الصيام فهو في اللغة اسم للإمساك عن جميع الأشياء، وهو في الشرع اسم للإمساك عن أشياء مخصوصة، والزكاة في اللغة اسم للزيادة، وهي في الشرع اسم لأخذ شيء من المال، والحج في اللغة القصد، وهو في الشرع اسم لهذه الأفعال المشروعة، والغائط في اللغة اسم للموضع المطمئن، وفي الشرع اسم لما يخرج من الإنسان، وإذا ورد الشرع بشيء من هذه الأشياء، فإنما يحمل على ما تقرر في الشرع لا على مقتضاه في اللغة.
واحتجت المرجئة ومن قال إن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب دون الأعمال بالأخبار المشهورة عن النبي ﷺ أنه قال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل الجنة». (٢)
وبما روى عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: «من شهد أن لا إله إلا
стр. 3259
الله وأن محمدا رسول الله حرم على النار». (١)
والجواب عن هذه الأخبار من وجهين: أحدهما: أن نقول كما قال الزهري: (الأخبار كانت قبل نزول الفرائض والأمر والنهي). والثاني: أن نقول هذا خبر عما يؤول إليه أمر الموحدين بأن الله سيدخل الموحدين الجنة، وإن عذبهم فبذنوبهم، ولا يخلدون في النار كما قالت الخوارج والمعتزلة والقدرية. وقد أخبر الله سبحانه في القرآن أنه إنما يدخل العباد الجنة بالإيمان والعمل في آيات كثيرة منها في البقرة، قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٣)، وقوله تعالى في آل عمران: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ (٤)، وفي النساء قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا
стр. 3260
الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١)، وفي المائدة قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩)﴾ (٢)، وفي الأنعام قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨)﴾ (٣)،
وفي الأعراف قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ (٤)، وهذا كثير في القرآن وآخره قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ (٥)، ولم يذكر الله في القرآن دخول الجنة بغير عمل، بل أخبر أنه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وأخبر أنه لا يغفر الشرك، فالقرآن لا يتناقض وإنما يؤيد بعضه بعضا. (٦)