← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ابن عمرو فقلت له: أنت من بقية أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد جعل الله عندك علما، وأناس بهذا العراق يطعنون على أمرائهم، ويشهدون عليهم بالضلالة. فقال لي: أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، أتي رسول الله ﷺ بقليد من ذهب وفضة، فجعل يقسمها بين أصحابه، فقام رجل من أهل البادية فقال: يا محمد والله لئن أمرك الله أن تعدل فما أراك أن تعدل. فقال: ويحك من يعدل عليه بعدي. فلما ولّى قال: ردوه رويدا فقال النبي ﷺ : إن في أمتي أخا لهذا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرجوا فاقتلوهم ثلاثا. (١) موقفه من القدرية: - جاء في الإبانة عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: من كان يزعم أن مع الله قاضيا أو رازقا أو يملك لنفسه ضرا أو نفعا؛ فأخرس الله لسانه وجعل صلواته هباء، وقطع به الأسباب، وأكبه على وجهه في النار. وقال: إن الله خلق الخلق وأخذ منهم الميثاق وكان عرشه على الماء. (٢) - وفيها: عن معن بن عبد الرحمن بن سعوة عن أبيه عن جده أنه لقي عبد الله بن عمرو؛ قال: قلت: ما تقول في الناس؟ قال: يعملون لما خلقوا له، قال: وكيف ذاك؟ قال: لا يستطيعون إلا ذاك، كتب عليهم رقع رقع، إن

стр. 387

خيرا؛ فخير، وإن شرا؛ فشر. (١) - وفيها: عن عبد الله بن عمرو قال: إن أول ما يكفأ الدين كما يُكفأ الإناء، قول الناس في القدر. (٢) - وجاء في أصول الاعتقاد: عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: إذا مكثت النطفة في رحم المرأة أربعين ليلة جاءها ملك فاختلجها ثم عرج بها إلى الرحمن ﵎. فيقول: أخلقها يا أحسن الخالقين. فيقضي الله فيها ما يشاء من أمره ثم تدفع إلى الملك فيسال الملك عن ذلك فيقول: يا رب اسقط أم تمام؟ فيبين له. فيقول: أناقص الأجل أم تام الأجل؟ فيبين له ويقول: يا رب أواحد أو توأم؟ فيبين له فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيبين له. ثم يقول: أشقي أم سعيد؟ فيبين له. ثم يقول: يا رب اقطع رزقه فيقطع له رزقه مع خلقه فيهبط بها جميعا. فوالذي نفسي بيده لا ينال من الدنيا إلا ما قسم له فإذا أكل رزقه قبض. (٣) أبو بَرْزَةَ الأَسْلَمِي (٤) (٦٥ هـ) صاحب النبي ﷺ نَضْلَة بن عُبَيْد، أسلم قديما وشهد مع رسول الله ﷺ ست أو سبع غزوات، منها خيبر وفتح مكة. روى عن النبي ﷺ عدة

стр. 388

أحاديث، وروى عنه ابنه المغيرة، وأبو عثمان النهدي، وعبد الله بن بريدة وآخرون. قال أبو نعيم: هو الذي قتل عبد العزى بن خطل تحت أستار الكعبة بإذن النبي ﷺ . سكن المدينة، وشهد مع رسول الله ﷺ فتح مكة، ثم تحول إلى البصرة فنزلها، وحضر مع علي بن أبي طالب قتال الخوارج بالنهروان، وغزا بعد ذلك خراسان فمات بها. عن ثابت البناني أن أبا برزة كان يلبس الصوف، فقيل له: إن أخاك عائذ بن عمرو يلبس الخز، قال: ويحك. ومن مثل عائذ؟ فانصرف الرجل، فأخبر عائذا، فقال: ومن مثل أبي برزة؟ قال الذهبي عقبه: هكذا كان العلماء يوقرون أقرانهم. توفي سنة خمس وستين على الصحيح. موقفه من المبتدعة: - قال البخاري: حدثنا عبد الله بن صباح حدثنا معتمر قال: سمعت عوفا أن أبا المنهال حدثه أنه سمع أبا برزة قال: إن الله يغنيكم أو نعشكم بالإسلام وبمحمد صلى عليه وسلم. (١) - وفيه: قال أبو برزة: إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة، وإن الله أنقذكم بالإسلام وبمحمد ﷺ حتى بلغ بكم ما ترون، وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم. (٢) موقفه من المشركين: قال أبو نعيم: هو الذي قتل عبد العزى بن خطل تحت أستار الكعبة

стр. 389

بإذن النبي ﷺ . (١) موقفه من الجهمية: روى أبو داود في سننه: عن عبد السلام بن أبي حازم أبي طالوت، قال: شهدت أبا برزة دخل على عبد الله بن زياد فحدثني فلان، سماه مسلم، وكان في السماط: فلما رآه عبد الله قال: إن مُحَمَّدِيَّكم هذا الدحداح، ففهمها الشيخ، فقال: ما كنت أحسب أني أبقى في قوم يعيروني بصحبة محمد ﷺ ، فقال له عبد الله، إن صحبة محمد ﷺ لك زين غير شين، ثم قال: إنما بعثت إليك لأسألك عن الحوض، سمعت رسول الله ﷺ يذكر فيه شيئا؟ فقال له أبو برزة: نعم لا مرة ولا ثنتين ولا ثلاثا ولا أربعا ولا خمسا، فمن كذب به فلا سقاه الله منه، ثم خرج مغضبا. (٢) موقفه من الخوارج: - عن الأزرق بن قيس قال: كنا على شاطئ نهر بالأهواز فجاء أبو برزة يقود فرسا، فدخل في صلاة العصر، فقال رجل انظروا إلى هذا الشيخ، وكان انفلت فرسه فاتبعها في القبلة حتى أدركها، فأخذ بالمقود، ثم صلى، قال: فسمع أبو برزة قول الرجل، فجاء فقال: ما عنفني أحد منذ فارقت رسول الله ﷺ غير هذا، إني شيخ كبير، ومنزلي متراخ، ولو أقبلت على صلاتي، وتركت فرسي، ثم ذهبت أطلبها، لم آت أهلي إلا في جنح الليل، لقد صحبت رسول الله ﷺ فرأيت من يسْره، فأقبلنا نعتذر مما قال الرجل.

стр. 390

قال الذهبي: وكذا رواه شعبة عن الأزرق قال: كنت مع أبي برزة بالأهواز، فقام يصلي العصر، وعنان فرسه بيده، فجعلت ترجع، وجعل أبو برزة ينكص معها. قال: ورجل من الخوارج يشتمه، فلما فرغ قال: إني غزوت مع رسول الله ﷺ ستا أو سبعا وشهدت تيسيره. (١) - جاء في السنة لعبد الله بن أحمد: عن الأزرق بن قيس قال: كنا بالأهواز نقاتل الخوارج وفينا أبو برزة الأسلمي، فجاء إلى نهر فتوضأ ثم قام يصلي. (٢) زيد بن أرقم (٣) (٦٦ هـ) زيد بن أرقم بن زيد الأنصاري الخزرجي، نزيل الكوفة، من مشاهير الصحابة. روى عن النبي ﷺ عدة أحاديث. وروى عنه عطاء بن أبي رباح وطاوس وعبد الرحمن بن أبي ليلى وآخرون. كان ممن استصغر يوم أحد. قال أبو المنهال: سألت البراء عن الصرف، فقال: سل زيد ابن أرقم، فإنه خير مني وأعلم. وعن موسى بن عقبة قال حدثني عبد الله بن الفضل أنه سمع أنس بن مالك يقول: "حزنت على من أصيب بالحرة، فكتب إلي زيد بن أرقم -وبلغه شدة حزني- يذكر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار، وشك ابن الفضل في أبناء أبناء الأنصار، فسأل

стр. 391

أنسا بعض من كان عنده فقال: هو الذي يقول رسول الله ﷺ : هذا الذي أوفى الله له بأُذنه" (١) توفي سنة ست وستين. موقفه من المبتدعة: - جاء في ذم الكلام: قال ﵁: من تمسك بالسنة وثبت نجا، ومن أفرط مرق، ومن خالف هلك. (٢) موقفه من المشركين: روى البخاري في صحيحه عن زيد بن أرقم ﵁ قال: كنت مع عمي، فسمعت عبد الله بن أُبَي بن سلول يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا. وقال أيضا: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي، فذكر عمي لرسول الله ﷺ ، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فصدقهم رسول الله ﷺ وكذبني، فأصابني هم لم يصبني مثله، فجلست في بيتي، فأنزل الله : ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ -إلى قوله- هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -إلى قوله- لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (٣) فأرسل إلي رسول الله ﷺ فقرأها علي، ثم قال: إن الله قد صدقك. (٤)

стр. 392

موقف السلف من المختار الكذاب (٦٦ ه ـ) بيان زندقته: لقد فصل الحافظ ابن كثير أخباره وحيله وتقلباته الكاذبة. وأوردته هنا لخطره هو وأمثاله ممن دنسوا العقيدة السلفية بدجلهم وكذبهم، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين. قال الحافظ ابن كثير: ثم زالت دولة المختار كأن لم تكن، وكذلك سائر الدول، وفرح المسلمون بزوالها. وذلك لأن الرجل لم يكن في نفسه صادقا بل كان كاذبا يزعم أن الوحي يأتيه على يد جبريل، قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير حدثنا عيسى القاري أبو عمير بن السدي عن رفاعة الفتياني قال: دخلت على المختار فألقى لي وسادة وقال: لولا أن أخي جبريل قام عن هذه لألقيتها لك. قال: فأردت أن أضرب عنقه قال: فذكرت حديثا حدثنيه أخي عمرو بن الحمق قال: قال رسول الله ﷺ : أيما مؤمن أمن مؤمنا على دمه فقتله فأنا من القاتل بريء (١). ثم ذكر الحافظ روايات الحديث ثم قال: وقد قيل لابن عمر: إن المختار يزعم أن الوحي يأتيه فقال صدق، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشياطين

стр. 393

ليوحون إلى أوليآئهم﴾ (١) وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: قدمت على المختار فأكرمني وأنزلني عنده، وكان يتعاهد مبيتي بالليل قال: فقال لي: اخرج فحدث الناس؟ قال: فخرجت فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي؟ فقلت: الوحي وحيان، قال الله تعالى: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (٣) قال فهموا أن يأخذوني فقلت: مالكم وذاك، إني مفتيكم وضيفكم. فتركوني وإنما أراد عكرمة أن يعرض بالمختار وكذبه في ادعائه أن الوحي ينزل عليه. وروى الطبراني من طريق أنيسة بنت زيد بن الأرقم أن أباها دخل على المختار ابن أبي عبيد فقال له: يا أبا عامر، لو شفت رأى جبريل وميكائيل، فقال له زيد: خسرت وتعست، أنت أهون على الله من ذلك، كذاب مفتر على الله ورسوله. وقال ابن كثير بعد كلام: وكان يظهر التشيع ويبطن الكهانة وأسر إلى أخصائه أنه يوحى إليه ... ولا شك أنه كان ضالا مضلا أراح الله المسلمين منه بعد ما انتقم به من قوم آخرين من الظالمين كما قال تعالى: ﴿وكذلك

стр. 394

نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١). اهـ (٢) عدي بن حاتم (٣) (٦٨ هـ) عدي بن حاتم بن عبد الله، الأمير الشريف أبو وهب وأبو طريف صاحب النبي ﷺ ، وفد على النبي ﷺ في شعبان سنة سبع، فأسلم وكان نصرانيا وحسن إسلامه، ثم رجع إلى بلاد قومه. روى عنه الشعبي وسعيد بن جبير وخيثمة بن عبد الرحمن وغيرهم. قال الخطيب: فلما قبض رسول الله ﷺ وارتدت العرب ثبت عدي وقومه على الإسلام، وجاء بصدقاتهم إلى أبي بكر الصديق وحضر فتح المدائن، وشهد مع علي الجمل وصفين والنهروان. جاء ﵁ إلى عمر فقال: أما تعرفني؟ قال: أعرفك، أقمت إذ كفروا، ووفيت إذ غدروا، وأقبلت إذ أدبروا. وقال سعيد بن عبد الرحمن: فقئت عين عدي بصفين. وقال غير واحد: يوم الجمل. قال المزي: وهو الصحيح. وقال ابن عيينة: حدثت عن الشعبي عن عدي قال: ما دخل وقت صلاة حتى أشتاق إليها. وعنه: ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء.

стр. 395

قال ابن سعد وغيره: مات عدي ﵁ سنة ثمان وستين، وهو ابن مائة وعشرين سنة. موقفه من المبتدعة: جاء في الإبانة: عن محمد بن سيرين، قال: قال عدي بن حاتم: إنكم لن تزالوا بخير ما لم تعرفوا ما كنتم تنكرون، وتنكروا ما كنتم تعرفون، وما دام عالمكم يتكلم بينكم غير خائف. (١) موقفه من الرافضة: عن مغيرة قال: خرج عدي، وجرير البجلي وحنظلة الكاتب من الكوفة، فنزلوا قرقيسياء، وقالوا: لا نقيم ببلد يشتم فيه عثمان. (٢) موقفه من الخوارج: - قاتل هو وابنه مع علي ﵁ يوم النهراوان. جاء في تاريخ الطبري (٣): طلب عدي بن حاتم ابنه طرفة فوجده، فدفنه، ثم قال: الحمد لله الذي ابتلاني بيومك على حاجتي إليك اهـ. - وفيه أيضا: أنه قال لما حثهم المغيرة بن شعبة ﵁ على قتال الخوارج: فقام إليه عدي بن حاتم فقال: كلنا لهم عدو، ولرأيهم مسفه، وبطاعتك مستمسك، فأينا شئت سار إليهم. (٤)

стр. 396

- وقال ابن عبد البر: روينا عن خليفة الطائي قال: لما رجعنا من النهراوان، لقينا العزار الطائي قبل أن ينتهي إلى المدائن، فقال لعدي بن حاتم: يا أبا طريف أغانم سالم، أم ظالم آثم؟ قال: بل غانم سالم -إن شاء الله- قال: فالحكم والأمر إذا إليك؟ فقال الأسود بن يزيد والأسود بن قيس المراديان: ما أخرج هذا الكلام منك إلا شر. وإنا لنعرفك برأي القوم، فأتيا به عليا فقالا: إن هذا يرى رأي الخوارج، وقد قال كذا وكذا قال: فما أصنع به؟ قال: تقتله، قال: لا أقتل من لا يخرج علي، قال: فتحبسه، قال: ولا أحبس من ليست له جناية، خليا سبيل الرجل. (١) ابن عباس (٢) (٦٨ هـ) حبر الأمة، وفقيه العصر، وترجمان القرآن، وإمام التفسير، أبو العباس عبد الله ابن عم رسول الله ﷺ العباس بن عبد المطلب. قال الواقدي: لا خلاف أنه ولد في الشعب، وبنو هاشم محصورون فولد قبل خروجهم منه بيسير، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين. وحدث عنه بجملة صالحة وعن عمر وعلي ومعاذ، ووالده، وابن عوف وغيرهم. وعنه ابنه علي وعكرمة ومقسم، وأنس بن مالك، وأبو الطفيل وأبو أمامة بن سهل وغيرهم كثير. له مفردات ليست لغيره من الصحابة لاتساع علمه وكثرة فهمه وكمال عقله وسعة

стр. 397

فضله ونبل أصله ﵁ وأرضاه. دعا له النبي ﷺ بقوله: "اللهم علمه الكتاب" (١). وفي رواية أحمد والحاكم: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل". (٢) عن ابن عباس قال: لما توفي رسول الله ﷺ ، قلت لرجل من الأنصار هلم نسأل أصحاب رسول الله ﷺ فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجباً لك يا ابن عباس، أترى الناس يحتاجون إليك، وفي الناس من أصحاب النبي ﷺ من ترى؟ فترك ذلك. وأقبلت على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل، فآتيه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، فتسفي الريح علي التراب فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله، ألا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: أنا أحق أن آتيك، فأسألك، قال: فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس علي، فقال: هذا الفتى أعقل مني. وعنه قال: "كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم، فدعا ذات يوم فأدخله معهم فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إذا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (٣) فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما

стр. 398

تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له، قال: ﴿إذا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (١) وذلك علامة أجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (٢)، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول". (٣) وقال ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. وقال أيضا: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منا رجل. وقال طاووس: ما رأيت أحدا أشد تعظيما لحرمات الله من ابن عباس. وقال سعد بن أبي وقاص: ما رأيت أحدا أحضر فهما، ولا ألب لبا، ولا أكثر علما، ولا أوسع حلما من ابن عباس، لقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات فيقول: قد جاءت معضلة، ثم لا يجاوز قوله: وإن حوله لأهل بدر. وقال القاسم بن محمد: ما رأيت في مجلس ابن عباس باطلا قط. توفي سنة ثمان وستين للهجرة ﵁. موقفه من المبتدعة: - جاء في أصول الاعتقاد: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: النظر إلى الرجل من أهل السنة -يدعو إلى السنة، وينهى عن البدعة- عبادة. (٤)

стр. 399

- وعنه ﵁ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (١) قال: تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف وتسود وجوه أهل البدعة والتفرق. (٢) - وعنه ﵁: ما كان في القرآن من حلال أو حرام فهو كذلك، وما سكت عنه فهو مما عفي عنه. (٣) - وروى الدارمي عن هشام بن جحير قال: كان طاووس يصلي ركعتين بعد العصر، فقال له ابن العباس: اتركها. قال: إنما نهي عنها أن تتخذ سلما. قال ابن عباس: فإنه قد نهي عن صلاة بعد العصر فلا أدري أتعذب عليها أم تؤجر لأن الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٤) قال سفيان: تتخذ سلما يقول: يصلي بعد العصر إلى الليل. (٥) " التعليق: فماذا يقول المبتدعة في هذا النص: هل ابن عباس لا يعرف البدعة

стр. 400

الحسنة والسيئة؟ وهل ابن عباس لا يعرف المتروكات التي لم ينص على فعلها أو تركها؟ ولكن تلبيسات المبتدعة لا تنتهي. - جاء في الإبانة: قال ابن عباس: إياكم والرأي فإن الله رد الرأي على الملائكة وذلك أن الله تعالى قال للملائكة: ﴿إني جَاعِلٌ في الأرض خليفةً﴾ فقالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فيها من يفسد فيها﴾ إلى آخر الآية فقال: ﴿إني أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (١) وقال للنبي ﷺ : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أنزل اللَّهُ﴾ (٢) ولم يقل احكم بينهم بما رأيت. (٣) - وفي ذم الكلام: قال ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ (٤) قال: هم أصحاب الخصومات والمراء في دين الله. (٥) - وجاء في الشريعة: عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دينهم وَكَانُوا شيعًا﴾ (٦) وقوله: ﴿ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا

стр. 401

وَاخْتَلَفُوا﴾ (١) وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٤) وقوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٥) الآية. قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله تعالى. (٦) - روى الدارمي عن عثمان بن حاضر الأزدي قال: دخلت على ابن عباس فقلت أوصني. فقال: نعم، عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع. (٧) - وجاء في أصول الاعتقاد: عن عكرمة عن ابن عباس قال: والله ما أظن على ظهر الأرض اليوم أحدا أحب إلى الشيطان هلاكا مني. فقيل وكيف؟ فقال: والله إنه ليحدث البدعة في مشرق أو مغرب، فيحملها الرجل

стр. 402

إلي فإذا انتهت إلي قمعتها بالسنة فترد عليه. (١) - وفيه: عن عكرمة عن ابن عباس قال: ما يأتي على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا سنة حتى تحيى البدع وتموت السنن، وسمعته يقول: حتى تظهر البدع. (٢) " التعليق: وقد وقع ما أخبر به ابن عباس، فقد غطت البدع الأرض، وصارت السنة نادرة الوجود وأصبح دعاتها من الغرباء. - وفيه: عن طاوس عن ابن عباس: أن معاوية قال له: أنت على ملة علي؟ قال: لا ولا على ملة عثمان، ولكني على ملة النبي ﷺ . (٣) - وفيه: عن ابن طاوس عن أبيه قال: قال رجل لابن عباس: الحمد لله الذي جعل هوانا على هواكم. فقال: كل هوى ضلالة. (٤) - وفيه: عن التميمي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ ِشرعةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٥) قال: سبيل وسنة. (٦)

стр. 403

- وفيه أيضا: عن ابن عباس في قوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ وهو الإسلام ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) قال: أخبر الله نبيه والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان ولا يحتاجون إلى زيادة أبدا، وقد أتمه الله فلا ينقص أبدا، وقد رضيه الله فلا يسخطه أبدا. (٢) - وجاء في الإبانة: عن أبي العالية، عن ابن عباس، قال: من أقر باسم من هذه الأسماء المحدثة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. (٣) - وفيها: عن القاسم بن محمد أن رجلا جاء إلى ابن عباس فسأله عن الأنفال، فقال ابن عباس: كان الرجل ينفل الفرس وسرجه، فأعاد عليه، فقال مثل ذلك، ثم أعاد عليه، فقال مثل ذلك فقال ابن عباس: تدرون ما مثل هذا؟ هذا مثل صبيغ الذي ضربه عمر ﵁، أما لو عاش عمر لما سأل أحد عما لا يعنيه. (٤) - وفيها: عن أبي اليقظان قال: خرج رجل من أسلاف المسلمين يطلب علم السماء ومبتدأ الأشياء ومجاري القضاء وموقع القدر المجلوب وما قد احتجبه الله من علم الغيوب التي لم ينزل الكتاب بها ولم تتسع العقول لها. وما طلبه حتى انتهى إلى بحر العلوم ومعدن الفقه وينبوع الحكمة عبد الله بن العباس ﵀ فلما انتهى بالأمر الذي ارتحله إليه وأقدمه عليه

стр. 404

قال له: اقرأ آية الكرسي، فلما بلغ: ﴿ولا يحيطون بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلًّا بِمَا شَاءَ﴾. قال: أمسك يا ابن أخي فقد بلغت ما تريد، فقد أنبأك الله أنه لا يحاط بشيء من علمه، قال له الرجل: يرحمك الله إن الله قد استثنى، فقال: ﴿إِلًّا بِمَا شَاءَ﴾. فقال عبد الله: صدقت ولكن أخبرني عن الأمر الذي استثناه من علمه وشاء أن يظهره لخلقه أين يوجد ومن أين يعلم؟ قال: لا يوجد إلا في وحي ولا يعلم إلا من نبي، قال: فأخبرني عن الذي لا يوجد في حديث مأثور ولا كتاب مسطور أليس هو الذي نبأ الله لا يدركه عقل ولا يحيط به علم؟ قال: بلى فإن الذي تسأل عنه ليس محفوظا في الكتب ولا محفوظا عن الرسل، فقام الرجل وهو يقول: لقد جمع الله لي علم الدنيا والآخرة، فانصرف شاكرا. (١) - وفي الإبانة: أن رجلا من المسلمين أتى عبد الله بن العباس رحمة الله عليه بابن له فقال: لقد حيرت الخصومة عقله، وأذهبت المنازعة قلبه، وذهبت به الكلفة عن ربه. فقال عبد الله: امدد بصرك يا ابن أخي ما السواد الذي ترى؟ قال: فلان، قال: صدقت، قال: فما الخيال المسرف من خلفه؟ قال: لا أدري، قال عبد الله: يا ابن أخي فكما جعل الله لأبصار العيون حدا محدودا من دونها حجابا مستورا فكذلك جعل لأبصار القلوب غاية لا يجاوزها وحدودا لا يتعداها، قال: فرد الله عليه غارب عقله وانتهى عن المسألة عما

стр. 405

لا يعنيه والنظر فيما لا ينفعه والتفكر فيما يحيره. (١) " التعليق: قال ابن بطة عقبه: الله الله إخواني يا أهل القرآن ويا حملة الحديث، لا تنظروا فيما لا سبيل لعقولكم إليه ولا تسألوا عما لم يتقدمكم السلف الصالح من علمائكم إليه، ولا تكلفوا أنفسكم ما لا قوة بأبدانكم الضعيفة، ولا تنقروا ولا تبحثوا عن مصون الغيب ومكنون العلوم، فإن الله جعل للعقول غاية تنتهي إليها، ونهاية تقصر عندها، فما نطق به الكتاب وجاء به الأثر فقولوه، وما أشكل عليكم فكلوه إلى عالمه، ولا تحيطوا الأمور بحيط العشوا حنادس الظلماء بلا دليل هاد ولا ناقد بصير. أتراكم أرجح أحلاما وأوفر عقولا من الملائكة المقربين حين قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢). إخواني: فمن كان بالله مؤمنا فليردد إلى الله العلم بغيوبه، وليجعل الحكم إليه في أمره، فيسلك العافية ويأخذ بالمندوحة الواسعة، ويلزم المحجة الواضحة والجادة السابلة والطريق الآنسة، فمن خالف ذلك وتجاوزه إلى الغمط بما أمر به، والمخالفة إلى ما نهى عنه، يقع والله في بحور المنازعة وأمواج المجادلة، ويفتح على نفسه أبواب الكفر بربه والمخالفة لأمره والتعدي لحدوده. والعجب لمن خلق من نطفة من ماء مهين، فإذا هو خصيم مبين،

стр. 406

كيف لا يفكر في عجزه عن معرفة خلقه؟! أما تعلمون أن الله قد أخذ عليكم ميثاق الكتاب أن لا تقولوا على الله إلا الحق، فسبحان الله أنى تؤفكون!! - وفيها: عن عطاء عن ابن عباس قال: ما اجتمع رجلان يختصمان فافترقا حتى يفتريا على الله . (١) - وفيها: عن أبي صالح عن ابن عباس قال: لا تجالسوا أصحاب الأهواء، فإن مجالستهم ممرضة للقلوب. (٢) - وفيها: عن ابن عباس أنه كان يتمثل بهذا البيت: فما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعرف (٣) - وفيها أيضا: عن ابن عباس في قوله : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٤): فالمحكمات ناسخه وحلاله وحرامه، وحدوده وفرائضه، وما يؤمن به ويعمل به، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زيغٌ﴾ من أهل الشك، فيحملون المحكم على المتشابه والمتشابه على المحكم، ويلبسون فلبس الله عليهم. فأما المؤمنون فيقولون: ﴿آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ

стр. 407

مِنْ عند ربنا﴾ محكمه ومتشابهه. (١) - ونقل الخطيب عن سليمان بن علي: أخبرنا أبو الجوزاء غير مرة، قال: سألت ابن عباس عن الصرف، فقال: يدا بيد لا بأس به، ثم حججت مرة أخرى، والشيخ حي، فأتيته فسألته عن الصرف قال: وزنا بوزن، قلت له: إنك كنت أفتيتني اثنين بواحد، فلم أزل أفتي به منذ أفتيتني، قال: كان ذلك عن رأي، وهذا أبو سعيد الخدري يحدث عن النبي ﷺ ، فتركت رأيي لحديث رسول الله ﷺ . (٢) - ونقل الخطيب: عن ابن عبد الله العدوي قال: سئل لاحق بن حميد أبو مجلز، وأنا شاهد عن الصرف، فقال: كان ابن عباس لا يرى به بأسا زمانا من عمره، حتى لقيه أبو سعيد الخدري، فقال له: يا ابن عباس ألا تتقي الله حتى متى توكل الناس الربا؟ .. أما بلغك أن رسول الله ﷺ ، قال ذات يوم وهو عند أم سلمة زوجته: إني أشتهي تمر عجوة، وأنها بعثت بصاعين من تمر عتيق إلى منزل رجل من الأنصار، فأوتيت بدلهما تمر عجوة، فقدمته إلى رسول الله ﷺ فأعجبه، فتناول تمرة ثم أمسك فقال: من أين لكم هذا؟ قالت: بعثت بصاعين من تمر عتيق إلى منزل فلان، فأتينا بدلهما من هذا الصاع الواحد، فألقى التمرة من يده، وقال: ردوه ردوه، لا حاجة فيه، التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يدا بيد مثلا بمثل ليس فيه زيادة ولا نقصان، فمن زاد أو نقص فقد

стр. 408

أربى، فكل ما يكال أو يوزن. فقال: ذكرتني يا أبا سعيد أمرا نسيته، أستغفر الله وأتوب إليه، وكان ينهى بعد ذلك يعني: عنه أشد النهي. (١) - ونقل أيضا: عن ابن عباس قال: تمتع النبي ﷺ ، فقال عروة بن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة فقال ابن عباس: ما يقول عُرَيّة يريد؟ قال: يقول: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة. قال ابن عباس: أراهم سيهلكون، أقول: قال النبي ﷺ ، ويقولون: نهى أبو بكر وعمر. (٢) - وجاء في شرح السنة: قال ابن عباس: أما تخافون أن تعذبوا أو يخسف بكم أن تقولوا: قال رسول الله ﷺ ، وقال فلان. (٣) - وفي الفقيه والمتفقه: عن ابن عباس: قال: من أحدث رأيا ليس في كتاب الله، ولم تمض به سنة رسول الله ﷺ ؛ لم يدر على ما هو منه إذا لقي الله . (٤) - وفيه: قال الأوزاعي: خاصم نفر من أهل الأهواء علي بن أبي طالب، فقال له ابن عباس: يا أبا الحسن: إن القرآن ذلول حمول ذو وجوه، تقول ويقولون، خاصمهم بالسنة، فإنهم لا يستطيعون أن يكذبوا على السنة. (٥)

стр. 409

- وجاء في ذم الكلام: عن عبيد بن سعد قال: خرج ابن عباس على رجلين يمتريان في آية فقال: ما امترى رجلان في آية إلا جحدها أحدهما. (١) - وفيه: عن ابن عباس قال: آفة الرأي الهوى. (٢) - وجاء في الشريعة عنه أيضا: أنه بلغه عن مجلس في ناحية بني سهم فيه شباب من قريش يختصمون، ويرتفع أصواتهم. فقال ابن عباس لوهب بن منبه: انطلق بنا إليهم. قال: فانطلقنا حتى وقفنا عليهم، فقال ابن عباس لوهب بن منبه: أخبر القوم عن كلام الفتى الذي كلم به أيوب ﵇ وهو في بلائه. فقال وهب: قال الفتى: لقد كان في عظمة الله ، وذكر الموت، ما يكل لسانك، ويقطع قلبك، ويكسر حجتك؟ أفلم تعلم يا أيوب: أن لله عبادا، أسكتتهم خشية الله من غير عي ولا بكم، وإنهم لهم الفصحاء الطلقاء، العالمون بالله وأيامه، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله تعالى تقطعت قلوبهم، وكلت ألسنتهم، وكلت أحلامهم فرقا من الله تعالى وهيبة له، حتى إذا استفاقوا من ذلك ابتدروا إلى الله تعالى بالأعمال الزاكية، لا يستكثرون لله الكثير، ولا يرضون له بالقليل، ناحلون ذائبون، يراهم الجاهل فيقول: مرضى، وقد خولطوا، وقد خالط القوم أمر عظيم. (٣) - وعن ابن عباس في قوله: ﴿وَاجْعَلْنَا للمتقين إِمَامًا﴾ (٤): أئمة

стр. 410

التقوى ولأهله يقتدى بنا. (١) رواه ابن جرير وفي رواية ابن أبي حاتم: أئمة هدى ليهتدى بنا، ولا تجعلنا أئمة ضلالة. (٢) - وجاء في أعلام الموقعين: قال ابن عباس: إنما هو كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فمن قال بعد ذلك برأيه فلا أدري أفي حسناته يجد ذلك أم في سيئاته. - وقال: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار. (٣) - وعن أبي العالية قال: قال ابن عباس: ويل للأتباع من عثرات العالم، قيل: وكيف ذاك يا أبا العباس؟ قال: يقول العالم من قبل رأيه، ثم يسمع الحديث عن النبي ﷺ فيدع ما كان عليه، وفي لفظ: فيلقى من هو أعلم برسول الله ﷺ منه فيخبره فيرجع ويقضي الأتباع بما حكم. (٤) - وجاء في مقدمة مسلم: عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس؛ قال: إنما كنا نحفظ الحديث، والحديث يحفظ عن رسول الله ﷺ ، فأما إذ ركبتم كل صعب وذلول؛ فهيهات. (٥) - وفيها: عن مجاهد قال: جاء بشير العدوي إلى ابن عباس. فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ ، فجعل ابن عباس لا

стр. 411

يأذن لحديثه ولا ينظر إليه. فقال: يا ابن عباس! مالي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع. فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول؛ لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف. (١) - وجاء في السنة لعبد الله: عن عطاء عن ابن عباس قال: لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، فإن ذلك يوقع الشك في قلوبكم. (٢) - وفي السنة للخلال: وعنه ﵁ قال: من فارق الجماعة شبرا فمات فميتة جاهلية. (٣) موقفه من المشركين: - عن الزهري أخبرني عبد الله بن عبد الله أن عبد الله بن عباس قال: يا معشر المسلمين! كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على نبيكم ﷺ أحدث الأخبار بالله، محضا لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتب الله وغيروا فكتبوا بأيديهم، قالوا: هو من عند الله ليشتروا بذلك ثمنا قليلا. أو لا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟! فلا والله ما رأينا رجلا منهم يسألكم عن الذي أنزل عليكم. (٤)

стр. 412

- وقال عكرمة: كنا جلوسا عند ابن عباس، فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم خير خير. فقال ابن عباس: لا خير ولا شر. (١) - عن ابن عباس ﵄: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ. وأما يعوق فكانت لهمدان. وأما نسر فكانت لحمير، لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت. (٢) موقفه من الرافضة: - عن ابن أبي مليكة أن ذكوان أبا عمرو حدثه قال: جاء ابن عباس ﵄ يستأذن على عائشة، وهي في الموت. قال: فجئت وعند رأسها عبد الله ابن أخيها عبد الرحمن، فقلت: هذا ابن عباس يستأذن. قالت: دعني من ابن عباس، لا حاجة لي به، ولا بتزكيته. فقال عبد الله: يا أمه، إن ابن عباس من صالحي بنيك، يودعك ويسلم عليك. قالت: فائذن له إن شئت. قال: فجاء ابن عباس، فلما قعد، قال: أبشري، فوالله ما بينك وبين أن تفارقي كل نصب، وتلقي محمدا ﷺ والأحبة، إلا أن تفارق روحك جسدك.

стр. 413

قالت: إيها، يا ابن عباس، قال: كنت أحب نساء رسول الله ﷺ ... -يعني: إليه- ولم يكن يحب إلا طيبا، سقطت قلادتك ليلة الأبواء، وأصبح رسول الله ﷺ ليلقطها، فأصبح الناس ليس معهم ماء، فأنزل الله ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ (١). فكان ذلك من سببك، وما أنزل الله بهذه الأمة من الرخصة. ثم أنزل الله تعالى براءتك من فوق سبع سماوات، فأصبح ليس مسجد من مساجد يذكر فيها الله إلا براءتك تتلى فيه آناء الليل والنهار. قالت: دعني عنك يا ابن عباس، فوالله لوددت أني كنت نسيا منسيا. (٢) - وعن ميمون بن مهران قال: قلت لابن عباس: أوصني، قال: إياك والنجوم، فإنها تدعو إلى الكهانة، ولا تسبن أحدا من أصحاب نبيك ﷺ ، وإذا حضرت الصلاة فلا تؤخرها. (٣) - وعن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: أتيت ابن عباس فقال لي: ألا أعجبك؟ قلت: وما ذاك؛ قال: إني في المنزل قد أخذت مضجعي للقيلولة فجاءني الغلام فقال: بالباب رجل يستأذن، فقلت: ما جاء في هذه الساعة إلا وله حاجة؛ أدخله، فدخل فقلت: ما حاجتك؟ قال: متى يبعث ذاك الرجل؟ قلت: أي رجل؟ قال: علي بن أبي طالب، قلت: لا يبعث حتى يبعث من في القبور؛ قال: ألا أراك تقول كما يقول هؤلاء الحمقاء؟! قال: قلت: أخرجوا

стр. 414

هذا عني لا يدخل علي هو ولا ضربه من الناس. (١) - عن ابن عباس أنه كان يقول: كلام الحرورية ضلالة، وكلام الشيعة هلكة. (٢) - وفي الصحيح عن ابن أبي مليكة: قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية؟ فإنه ما أوتر إلا بواحدة؟ قال: أصاب، إنه فقيه. (٣) - وأخرج اللالكائي بسنده إلى مجاهد عن ابن عباس قال: لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ فإن الله قد أمرنا بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتتلون. (٤) - وبسنده إلى ميمون بن مهران قال: قال لي ابن عباس: يا ميمون، لا تسب السلف، وادخل الجنة بسلام. (٥) - وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله ﷺ ، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن: ﴿يسألونك عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ (٦) ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ (٧) ﴿يسألونك عن اليتامى﴾ (٨) ﴿ويسألونك عن

стр. 415

المحيض﴾ (١) ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم. (٢) موقفه من الجهمية: - جاء في الفتاوى الكبرى لابن تيمية: قال الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا ابن صالح بن جابر الأنماطي، حدثنا علي بن عاصم عن عمران بن حدير عن عكرمة قال: كان ابن عباس في جنازة، فلما وضع الميت في لحده، قام رجل فقال: اللهم رب القرآن اغفر له. فوثب إليه ابن عباس فقال: مه؟ القرآن منه. زاد الصهيبي في حديثه فقال ابن عباس: القرآن كلام الله وليس بمربوب، منه خرج وإليه يعود. (٣) - وفي الإبانة عنه في قول الله : ﴿قُرْآَنًا عربيًا غير ذي عِوَجٍ﴾ (٤)؛ قال: غير مخلوق. (٥) - وقال ابن عباس: لولا أن يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد أن يتكلم بكلام الله. (٦) - وعنه قال: إن الكرسي الذي وسع السماوات والأرض لموضع

стр. 416

قدميه، وما يقدر قدر العرش إلا الذي خلقه، وإن السماوات في خلق الرحمن مثل قبة في صحراء. (١) - عن ابن عباس ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٢) قال: عالم بكم أينما كنتم. (٣) - جاء في أصول الاعتقاد عنه في قوله : ﴿تجري بأعيننا﴾ (٤) قال: أشار بيده إلى عينيه. (٥) - وفيه عنه قال: إن الله يمهل في شهر رمضان كل ليلة إذا ذهب الثلث الأول من الليل هبط إلى سماء الدنيا ثم قال هل من سائل فيعطى؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ هل من تائب فيتاب عليه. (٦) - وفيه عنه في قوله : ﴿وُجُوهٌ يومئذٍ ناضرةٌ﴾ قال: حسنها. ﴿إلى ربها نَاظِرَةٌ﴾ قال: نظرت إلى الخالق. (٨) - وفيه عنه قال: هل تنكرون أن تكون الخلة لإبراهيم؟ والكلام

стр. 417

لموسى؟ والرؤية لمحمد ﷺ ؟ (١) - وقيل لابن عباس: بماذا عرفت ربك؟ فقال: من طلب دينه بالقياس، لم يزل دهره في التباس، خارجا عن المنهاج، ظاعنا في الاعوجاج، عرفته بما عرف به نفسه، ووصفته بما وصف به نفسه. (٢) موقفه من الخوارج: مناظرته لهم: عن أبي زميل سماك الحنفي عن ابن عباس قال: لما اجتمعت الحرورية يخرجون على علي قال: جعل يأتيه الرجل يقول يا أمير المؤمنين، القوم خارجون عليك، قال: دعهم حتى يخرجوا، فلما كان ذات يوم قلت: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة، فلا تفتني حتى آتي القوم. قال: فدخلت عليهم وهم قائلون، فإذا هم مسهمة وجوههم من السهر قد أثر السجود في جباههم، كأن أيديهم ثفن الإبل، عليهم قمص مرحضة (٣). فقالوا: ما جاء بك يا ابن عباس، وما هذه الحلة عليك؟ قال: قلت: ما تعيبون من هذه، فلقد رأيت على رسول الله ﷺ أحسن ما يكون من ثياب اليمنية. قال: ثم قرأت هذه الآية ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٤) فقالوا: ما جاء بك؟ قلت: جئتكم من عند أصحاب رسول الله ﷺ وليس

стр. 418

فيكم منهم أحد، ومن عند ابن عم رسول الله ﷺ ، وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله، جئت لأبلغكم عنهم وأبلغهم عنكم. فقال بعضهم: لا تخاصموا قريشا، فإن الله تعالى يقول: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (١) فقال بعضهم: بلى فلنكلمنه. قال: فكلمني منهم رجلان أو ثلاثة قال: قلت: ماذا نقمتم عليه؟ قالوا: ثلاثا، فقلت: ما هن؟ قالوا: حكم الرجال في أمر الله، وقال الله : ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلًّا لِلَّهِ﴾ (٢) قال: قلت هذه واحدة وماذا أيضا؟ قالوا: فإنه قاتل فلم يسب ولم يغنم، فلئن كانوا مؤمنين، ما حل قتالهم، ولئن كانوا كافرين، لقد حل قتالهم وسباهم. قال: قلت: وماذا أيضا؟ قالوا: ومحا نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين. قال: قلت: أرأيتم إن أتيتكم من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، ما ينقض قولكم هذا، أترجعون؟ قالوا: وما لنا لا نرجع؟ قلت: أما قولكم حكم الرجال في أمر الله فإن الله قال في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣). وقال في المرأة وزوجها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٤). فصير الله

стр. 419

ذلك إلى حكم الرجال فنشدتكم الله، أتعلمون حكم الرجال في دماء المسلمين وفي إصلاح ذات بينهم، أفضل، أو في دم أرنب ثمن ربع درهم وفي بضع امرأة؟ قالوا: بلى، هذا أفضل. قال: أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم، قال: وأما قولكم قاتل فلم يسب ولم يغنم، أفتسبون أمكم عائشة ﵂؟! فان قلتم: نسبيها فنستحل منها ما نستحل من غيرها، فقد كفرتم، وإن قلتم ليست بأمنا فقد كفرتم، فأنتم ترددون بين ضلالتين، أخرجت من هذه؟ قالوا: بلى، قال: وأما قولكم محا نفسه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بمن ترضون، إن نبي الله ﷺ يوم الحديبية حين صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو قال رسول الله ﷺ : أكتب يا علي هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ... ، فقال أبو سفيان وسهيل بن عمرو: ما نعلم أنك رسول الله، ولو نعلم أنك رسول الله، ما قاتلناك. قال رسول الله ﷺ : اللهم إنك تعلم أنى رسولك، امح يا علي واكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وأبو سفيان وسهيل بن عمرو (١). قال: فرجع منهم ألفان وبقي بقيتهم فخرجوا فقتلوا أجمعين. (٢) - وعن عبد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس أنه ذكر عنده الخوارج وما يلقون عند تلاوة القرآن، فقال: ليسوا بأشد اجتهادا من اليهود والنصارى ثم

стр. 420

هم يضلون (١).اهـ (٢) - وعن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: ذكر لابن عباس الخوارج وما يصيبهم عند قراءة القرآن، قال: يؤمنون بمحكمه، ويضلون عن متشابهه، وقرأ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ (٣).اهـ (٤) - وعن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس: ﴿وَمَنْ لَمْ يحكم بِمَا أنزل اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٥) قال: هي به كفر وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله. (٦) - روى البخاري في صحيحه في التفسير بسنده إلى المنهال عن سعيد قال: قال رجل لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي، قال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يومئذٍ ولا يتساءلون﴾ (٧)، ﴿وأقبل بعضهم على

стр. 421

بعضٍ يتساءلون﴾ (١)، ﴿ولا يكتمون الله حديثًا﴾ (٢) ﴿ربنا ما كنا مشركين﴾ (٣) فقد كتموا في هذه الآية. وقال: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) -إلى قوله- دحاها﴾ (٤) فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ -إلى - طائعين﴾ (٥) فذكر في هذه خلق الأرض قبل السماء، وقال تعالى: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ ﴿عزيزًا حكيمًا﴾ ﴿سميعًا بصيرًا﴾ فكأنه كان ثم مضى، فقال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ (٦) في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور ﴿فَصَعِقَ مَنْ من السَّمَاوَاتِ وَمَنْ في الأرض إِلًّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (٧) فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون ثم في النفخة الآخرة ﴿أقبل بَعْضُهُمْ على بعضٍ يتساءلون﴾ (٨) وأما قوله: ﴿ما كنا مشركين﴾ (٩) ﴿ولا

стр. 422

يكتمون الله حديثًا﴾ (١) فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم. وقال المشركون: تعالوا نقول لم نكن مشركين، فختم على أفواههم فتنطق أيديهم. فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثا، وعنده ﴿يود الذين كفروا﴾ الآية. (٢) وخلق الأرض في يومين ثم خلق السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين، ثم دحا الأرض، ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والجمال والآكام وما بينهما في يومين آخرين فذلك قوله: ﴿دحاها﴾ وقوله: ﴿خَلَقَ الأرض في يومين﴾ (٣) فجعلت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخلقت السماوات في يومين، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غفورًا رحيمًا﴾ (٤) سمى نفسه ذلك، وذلك قوله، أي لم يزل كذلك، فإن الله لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد. فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلا من عند الله. (٥) قال الحافظ عقبه: كان هذا الرجل هو نافع بن الأزرق الذي صار بعد ذلك رأس الأزارقة من الخوارج، وكان يجالس ابن عباس بمكة ويسأله ويعارضه. (٦) - وأورد ابن كثير في تفسيره من سورة النمل عند قوله تعالى:

стр. 423

﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ (١)، قال مجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما عن ابن عباس وغيره: كان الهدهد مهندسا، يدل سليمان ﵇ على الماء، إذا كان بأرض فلاة طلبه فنظر له الماء في تخوم الأرض، كما يرى الإنسان الشيء الظاهر على وجه الأرض، ويعرف كم مساحة بعده من وجه الأرض، فإذا دلهم عليه أمر سليمان ﵇ الجان فحفروا له ذلك المكان حتى يستنبط الماء من قراره، فنزل سليمان ﵇ بفلاة من الأرض، فتفقد الطير ليرى الهدهد، فلم يره، فَقَالَ ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ (٢). حدث يوما عبد الله بن عباس بنحو هذا، وفي القوم رجل من الخوارج، يقال له (نافع بن الأزرق)، وكان كثير الاعتراض على ابن عباس، فقال له: قف يا ابن عباس، غلبت اليوم، قال: ولم؟ قال: إنك تخبر عن الهدهد أنه يرى الماء في تخوم الأرض، وإن الصبي ليضع له الحبة في الفخ، ويحثو على الفخ ترابا، فيجيء الهدهد ليأخذها فيقع في الفخ، فيصيده الصبي. فقال ابن عباس: لولا أن يذهب هذا فيقول: رددت على ابن عباس، لما أجبته: فقال له: ويحك، إنه إذا نزل القدر عمى البصر، وذهب الحذر، فقال له نافع: والله لا أجادلك في شيء من القرآن أبدا. (٣)

стр. 424

موقفه من المرجئة: - جاء في السنة لعبد الله: عن عكرمة عن ابن عباس قال: صنفان من هذه الأمة ليس لهم في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية. (١) - وفي الإبانة: عن مجاهد عن ابن عباس وأبي هريرة قالا: الإيمان يزيد وينقص. (٢) - وفي أصول الاعتقاد: عن عكرمة، عن ابن عباس قال: اتقوا الإرجاء، فإنها شعبة من النصرانية. (٣) - عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال لغلمانه: ومن أراد منكم الباءة زوجناه، لا يزني منكم زان إلا نزع منه الإيمان، فإن شاء أن يرده عليه رده، وإن شاء أن يمنعه منعه. (٤) - عن مورق العجلي عن ابن عباس قال: الحياء والإيمان يعني في قرن واحد، فإذا انتزع أحدهما من العبد اتبعه الآخر. (٥) قلت: ثبت في المرفوع: الحياء والإيمان قرنا جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر. (٦)

стр. 425

موقفه من القدرية: - عن عبد الله بن الحارث قال: سمعت ابن عباس يقول: إن بني إسرائيل كانوا على شريعة ومنهاج ظاهرين على من ناوأهم حتى تنازعوا في القدر، فلما تنازعوا اختلفوا وتباغضوا وتلاعنوا واستحل بعضهم حرمات بعض، فسلط عليهم عدوهم فمزقهم كل ممزق. (١) - وعن عطاء بن أبي رباح: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: يا أبا العباس أرأيت من صدني عن الهدى، وأوردني الضلالة والردى، ألا تراه قد ظلمني؟ قال: إن كان الهدى كان شيئا لك عنده فمنعكه فقد ظلمك، وإن كان هو له يؤتيه من يشاء فلم يظلمك، قم لا تجالسني. (٢) - جاء في السنة لعبد الله عن يحيى بن سعيد: أن أبا الزبير أخبره أنه كان يطوف مع طاووس بالبيت. فمر بمعبد الجهني. فقال قائل لطاووس: هذا معبد الجهني، الذي يقول في القدر فعدل إليه طاووس حتى وقف عليه، فقال: أنت المفتري على الله القائل ما لا تعلم؟ قال معبد: يكذب علي. قال أبو الزبير: فعدلت مع طاووس حتى دخلنا على ابن عباس فقال له طاووس: يا أبا عباس، الذين يقولون في القدر؟ فقال ابن عباس: أروني بعضهم قال: قلنا: صانع ماذا؟ قال إذن أجعل يدي في رأسه ثم أدق عنقه. (٣)
следующие страницы →