← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

الهواء. وغالب نظمي في التحريض على اتباع الكتاب والسنة لأنهما يكشفان عن كل مدلهمة ودجنة، وفي ذم التقليد الشؤوم، والابتداع المذموم. حسبي بسنة أحمد متمسكا ... عن كل قول في الجدال ملفق أورد أدلتها على أهل الهوى ... إن شئت أن تلهو بلحية أحمق واترك مقالا حادثا متجددا ... من محدث متشدق متفيهق ودع اللطيف وما به قد لفقوا ... فهو الكثيف لدى الخبير المتقي ودع الملقب حكمة فحكيمها ... أبدا إلى طرق الضلالة يرتقي من مؤلفاته: 'فتح البيان في مقاصد القرآن' و'الدين الخالص' و'قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر' و'الإقليد لأدلة الاجتهاد والتقليد' و'الروضة الندية شرح الدرر البهية للشوكاني' وغيرها كثير. توفي ﵀ سنة سبع وثلاثمائة وألف. موقفه من المبتدعة: - هذا الإمام كان من ملوك الهند الذين من الله عليهم بالهداية إلى الإسلام عموما، وإلى السلفية خصوصا. يقول الشيخ عاصم في مقدمة كتاب قطف الثمر: كان الشيخ حريصا أشد الحرص على العقيدة الصافية والدعوة إلى الكتاب والسنة وذم التقليد والجمود، كما تدل على ذلك سيرته ومؤلفاته. وكتابه العظيم 'الدين الخالص' يشهد له بذلك. والمصنف ﵀ كان أشعريا كما هو معروف لدى أهل العلم، وكتابه 'فتح البيان في مقاصد القرآن' يدل على ذلك، ولقد يسر الله له الحج عام خمس وثمانين ومائتين وألف. ولابد أنه التقى بعلماء أهل السنة في

стр. 4307

سفرته ... وفي عام تسع وثمانين وألف ومائتين، صنف المؤلف رسالته 'قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر' واستفاد من نصيحة الشيخ العلامة حمد بن عتيق -التي تقدم ذكرها في مواقف الشيخ حمد- وانكب على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، واغترف من كتبهما وكتب غيرهما من أهل السنة، وحث على ذلك. (١) التعليق: يستفاد من هذا أن الشيخ كان على طريقة المؤولة ثم رجع إلى عقيدة السلف ﵀. آثاره السلفية: ١ - 'قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر'، وهو يشبه إلى حد ما كتاب الواسطية لشيخ الإسلام. وقد طبع بتحقيق الشيخ عاصم. ٢ - 'الدين الخالص' وهو كتاب جيد فيه فوائد عظيمة، على هنات فيه في التوسل، وعدم التنظيم في السياق، وقد طبع. ٣ - 'الجنة في الأسوة الحسنة بالسنة في اتباع السنة'. ٤ - 'الطريقة المثلى في الإرشاد إلى ترك التقليد واتباع ما هو الأولى'. ٥ - 'قصد السبيل إلى ذم الكلام والتأويل' ذكر هذه الكتب الثلاثة الأخيرة الشيخ عاصم في المقدمة. من طيب أقواله:

стр. 4308

- قال عقب قول الله : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ (١) الآية: وفي هذه الآية ما يزجر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد عن التقليد في دين الله، وتأثير ما يقوله الأسلاف على ما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، فإن طاعة المتمذهب لمن يقتدى بقوله ويستن بسنته من علماء هذه الأمة مع مخالفته لما جاءت به النصوص وقامت به حجج الله وبراهينه ونطقت به كتبه وأنبياؤه، هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أربابا من دون الله، للقطع بأنهم لم يعبدوهم، بل أطاعوهم. وحرموا ما حرموا وحللوا ما حللوا، وهذا هو صنيع المقلدين من هذه الأمة وهو أشبه به من شبه البيضة بالبيضة والتمرة بالتمرة والماء بالماء. فيا عباد الله ويا أتباع محمد بن عبد الله ما بالكم تركتم الكتاب والسنة جانبا وعمدتم إلى رجال هم مثلكم في تعبد الله لهم بهما، وطلبه للعمل منهم بما دلا عليه وأفاداه، فعملتم بما جاءوا به من الآراء التي لم تعمد بعماد الحق ولم تعضد بعضد الدين، ونصوص الكتاب والسنة تنادي بأبلغ نداء وتصوت بأعلى صوت بما يخالف ذلك ويباينه، فأعرتموها آذانا صما وقلوبا غلفا، وأفهاما مريضة وعقولا مهيضة وأذهانا كليلة وخواطر عليلة، وأنشدتم بلسان الحال: وما أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد فدعوا أرشدكم الله وإياي كتبا كتبها لكم الأموات من أسلافكم،

стр. 4309

واستبدلوا بها كتاب الله خالقهم وخالقكم، ومتعبدهم ومتعبدكم، ومعبودهم ومعبودكم، واستبدلوا بأقوال من تدعونهم بأئمتكم وما جاءوكم به من الرأي بأقوال إمامكم وإمامهم وقدوتهم وقدوتكم، وهو الإمام الأول محمد ابن عبد الله ﷺ . دعوا كل قول عند قول محمد ... فما آمن في دينه كمخاطر اللهم هادي الضال مرشد التائه موضح السبيل، اهدنا إلى الحق وأرشدنا إلى الصواب وأوضح لنا منهج الهداية. (١) - وقال في الدين الخالص عند قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥)﴾ (٢) أي تخافون ما نزل بكم من العذاب إلى قوله: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)﴾ (٣). قال أهل العلم: هذا داخل في جملة ما استنكروه، وهكذا يقول المقلدة لأهل الاتباع والمبتدعة لأهل السنة كأنهم هم. (٤) - ومنها قوله: ومن السنة هجران أهل البدع، ومباينتهم، وترك الجدال والخصومات في الدين والسنة، وكل محدثة في الدين بدعة، وترك النظر في

стр. 4310

كتب المبتدعة، والإصغاء إلى كلامهم، في أصول الدين وفروعه، كالرافضة، والخوارج، والجهمية، والقدرية، والمرجئة، والكرامية، والمعتزلة، فهذه فرق الضلالة وطرائق البدع. والاختلاف في الفروع شائع، كما في الطوائف الأربعة، والمختلفون فيه محمودون متابعون على اجتهادهم، من لم يخالف النص، واختلافهم رحمة واسعة، إذا كان مبنيا على أدلة الكتاب والسنة كاختلاف الصحابة فيما بينهم، وهم أسوة الأمة واتفاقهم حجة عند قوم. ثم من طريقهم اتباع آثار رسول الله ﷺ باطنا وظاهرا، والمشي على ظاهر السنة وواضحها، واتباع سبل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله ﷺ حيث قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» إلى قوله: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» (١) ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله تعالى كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ (٢) وخير الهدي هدي محمد ﷺ من هدي كل أحد سواه، سموا أهل الكتاب والسنة وأهل الحديث والآثار. (٣) - ومنها قوله: هذه جملة مختصرة من الكتاب والسنة، وآثار السلف فالزمها وما كان مثلها، مما صح عن الله ورسوله، وصالح سلف الأمة بما

стр. 4311

حصل من الاتفاق عليه من خيار الأمة، ودع أقوال من عداهم محقورا مهجورا، مبعدا مدحورا، مذموما ملوما، وإن اغتر كثير من المتأخرين بأقوالهم، وجنحوا إلى اتباعهم، فلا تغتر بكثرة أهل الباطل فقد قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ (١) وقال رسول الله ﷺ : «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء» (٢) رواه مسلم. ولنعم ما قيل: إن القلوب يد الباري تقلبها ... من يضلل الله لا تهديه موعظة فهذه غربة الإسلام أنت بها ... فاسأل الله توفيقا وتثبيتا وإن هديت فبالأخبار أنبيتا فكن صبورا ولو في الله أوذيتا فهذه الأقاويل التي وصفت مذاهب أهل السنة والأثر، وأصحاب الرواية، وحملة العلم النبوي، فمن خالف شيئا من هذه، أو طعن فيهم، أو عاب قائلها، فهو مخالف مبتدع، خارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق. وما ذكرته من العقائد ينبغي أن يقدم إلى الصبي في أول نشوه ليحفظه، ثم لا يزال ينكشف له معناه في كبره شيئا فشيئا، ومن فضل الله على قلب الإنسان إن شرحه في أول نشوه للإيمان، من غير حاجة إلى حجة وبرهان، فلا بد من إثباته في نفس الصبي والعامي حتى يترسخ ولا يتزلزل. (٣)

стр. 4312

- ومنها قوله: وإنما يضل أكثر الخلف من تركهم العمل بآيات الله البينات والسنة وتطلبهم غيرها، قال الله تعالى: ﴿كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١)﴾ (١). فليحذر من ذلك كل الحذر من عدم القنوع بما قنع به السلف من حجج الله، فيا له من تخويف شديد، ووعيد عظيم. وإنما يعرف الحق من جمع خمسة أوصاف: أعظمها الإخلاص، والفهم، والإنصاف، ورابعها وهو أقلها وجودا وأكثرها فقدانا: الحرص على معرفة الحق وشدة الدعوة إلى ذلك. والبدع قد كثرت، والمحدثات قد عمت البلوى بالإشراك، وكثر الدعاء إليها، والتعويل عليها، وطلاب الحق اليوم شبه طلابه في أيام الفترة وهم سلمان الفارسي، وزيد بن عمرو بن نفيل، وأضرابهما، فإنهم قدوة لطالب الحق، وفيهم له أعظم أسوة لما حرصوا على الحق، وبذلوا الجهد في طلبه حتى بلغهم الله إليه، وأوقفهم عليه، وفازوا من بين العوالم الجمة. فكم أدرك الحق طالبه في زمن الفترة، وكم عمي عنه من طلبه في زمن النبوة، فاعتبر بذلك، واقتد بأولئك الكرام، فإن الحق ما زال مصونا عزيزا نفيسا كريما، لا ينال مع الإضراب عن طلبه، وعدم التشوق والإشراف إلى سببه، ولا يهجم على البطالين المعرضين، ولا يناجي أشباه الأنعام الضالين. ما أعظم المصاب بالغفلة، والاغترار بطول المهلة، فليعرف مريد الحق

стр. 4313

قدر ما هو طالبه، فإنه طالب لأعلى المراتب ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (١) ﴿خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ (٢) فليس في الوجود بأسره أعز من الإيمان بالله وكتبه ورسله، ومتابعتها ومعرفة ما جاؤوا به، إلا تطلب ذلك أهون الطلب، فإن طلبة الدنيا وزخارفها الفانية يرتكبون الأخطاء والمتالف الكبار، وينفق أحدهم غضارة عمره، ونضارة شبابه، وإبان أيامه فيها، وهي لا تحصل لهم على حسب المراد، فكيف بما هو أبقى وخير منها؟ ولم يرفعوا له رأسا ولم يبنوا لها أساسا. وإنما أطلنا القول، لأني أعلم بالضرورة في نفسي وغيري: أن جهل الحقائق أكثرها إنما سببه عدم الاهتمام بمعرفتها على الإنصاف، وترك الاعتساف، لا عدم الفهم والإدراك، فإن من اهتم بشيء أدركه، فكيف لا يفهم طالب الحق مقاصد الأنبياء والمرسلين والسلف الصالحين، مع الاهتمام فيه، وبذل الجهد فيه، وحسن القصد، ولطف أرحم الراحمين؟ ولا ينبغي لطالب الحق والصواب أن يصغي إلى من يصده عن كتب الله، وما أنزل فيها من الهدى والنور والرحمة، لطفا للمؤمنين ونعمة للشاكرين، وليحذر كل الحذر من زخرفتهم وتشكيكهم، وليعتبر بقول الله لرسوله المعصوم ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية (٣) ويا

стр. 4314

لها من موعظة موقظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ولا يستوحش من ظفر بالحق بكثرة المخالفين، وليوطن نفسه على الصبر واليقين، نسأل الله تعالى أن يرحم غربتنا في الحق ويهدي ضالنا ولا يردنا من أبواب رجائه ودعائه وطلبه ورحمته محرومين. وخامسها -وهو أصعبها-: المشاركة في العلم والتمييز والفهم والدراية حتى يتمكن من معرفة الحق ومقدار ما يقف عليه فيرغب فيه من غير تقليد، لأنه لا يعرف المقادير إلا ذو بصر نافذ، وفهم ماض، فإن عرضت له محنة، لم يتطير بطلب الحق، فيكون ممن يعبد الله على حرف، وليثق بمواعيد الله وقرب الفرج، قال تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾ (١) ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ (٢) وليعلم يقينا أنه تعالى مع الصابرين والصادقين والمحسنين، وأن الله سبحانه ناصر من ينصره، وذاكر من يذكره، وإن سر رسول الله ﷺ في هذه الأمور عائد على متبعيه، ونصره شامل لناصريه. وقد أمر الله تعالى بالمعاونة على البر والتقوى، وصح الترغيب في الدعاء إلى الحق والخير، وأن الداعي إلى ذلك يؤتى مثل أجور من اتبعه (٣)، ومن أحيى نفسا

стр. 4315

فكأنما أحيى الناس جميعا، ومن أمر بالصلاح والإصلاح ابتغاء مرضات الله فسوف يؤتيه أجرا عظيما. وفي سورة العصر قصر السلامة من الخسر على الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ (١).اهـ (٢) - ومنها قوله: فالزم رحمك الله ما ذكرت لك من كتاب ربك العظيم، وسنة نبيك الرؤوف الرحيم، ولا تحد عنه بقول أحد وعمله، ولا تبتغ الهدى من غيره، ولا تغتر بزخارف المبطلين وانتحالهم وآراء المتكلمين المتكلفين وتأويلهم، إن الرشد والهدى والفوز والرضا فيما جاء من عند الله ورسوله، لا فيما أحدثه المحدثون وأتى به المتنطعون من أرائهم المضمحلة، وعقولهم الفاسدة، وارض بكتاب الله وسنة رسوله بدلا من قول كل قائل وزخرف باطل. (٣) موقفه من الرافضة: قال ﵀: ويتبرؤون من طريقة الروافض والشيعة، الذين يُبْغضون الصحابة ويسبّونهم، وطريقة النواصب والخوارج الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل. ويمسكون عما شجر بين الصحابة بينهم، ويقولون: إن هذه الآثار المروية منها ما هو كذب، ومنها ما هو قد زيد فيه ونقص وغُيّر عن وجهه،

стр. 4316

والصحيح منها هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك يعتقدون أن كل أحد من الصحابة ليس معصوماً عن كبائر الإثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما صدر منهم إن صدر، حتى أنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم، ولهم من الحسنات التي تمحو سيئات ما ليس لمن بعدهم، وكلهم عدول بتعديل رسول الله ﷺ . (١) موقفه من الصوفية: - قال ﵀: ومن أصول السنة التصديق بكرامات الأولياء، وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات، في أنواع العلوم والمكاشفات والتأثيرات، كالمأثور عن سلف الأمة وأئمتها وسالف الأمم في سورة الكهف وسورة مريم وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة. والكشف والكرامة ليس بحجة في أحكام الشريعة المطهرة، وخاصة فيما يخالف ظاهر الكتاب والسنة. ولا يمتاز صاحب الولاية والكرامة عن آحاد المسلمين في شيء من الزي والعمل والقول، ولا يختص بالنذر وغيره مما ينبغي لله سبحانه. (٢) موقفه من الجهمية: من مواقفه ﵀ الطيبة قوله:

стр. 4317

- فمذهبنا مذهب السلف: إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل، وهو مذهب أئمة الإسلام، كمالك والشافعي والثوري والأوزاعي وابن المبارك والإمام أحمد وإسحاق بن راهويه، وهو اعتقاد المشايخ المقتدى بهم، كالفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني وسهل بن عبد الله التستري، وغيرهم. فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة نزاع في أصول الدين، وكذلك أبو حنيفة ﵁، فإن الاعتقاد الثابت عنه، موافق لاعتقاد هؤلاء، وهو الذي نطق به الكتاب والسنة، قال الإمام أحمد: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ ولا نتجاوز القرآن والحديث" وهكذا مذهب سائرهم، فنتبع في ذلك سبيل السلف الماضين، الذين هم أعلم الأئمة بهذا الشأن، نفيا وإثباتا، وهم أشد تعظيما لله وتنزيها له عما لا يليق بحاله، فإن المعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات، فيكون ردها من باب تحريف الكلم عن مواضعه، ولا يقال هي ألفاظ لا تعقل معانيها، ولا يعرف المراد منها، فيكون ذلك مشابهة للذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني بل هي آيات بينات، دالة على أشرف المعاني وأجلها، قائمة حقائقها في صدور الذين أوتوا العلم. والإيمان إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل، كما قامت حقائق سائر صفات الكمال في قلوبهم، كذلك فكان الباب عندهم بابا واحدا، قد اطمأنت به قلوبهم، كذلك وسكنت إليه نفوسهم، فأنسوا من صفات كماله ونعوت جلاله مما استوحش منه الجاهلون المعطلون، وسكنت قلوبهم إلى ما نفر منه الجاحدون المتكلمون، وعلموا أن الصفات حكمها حكم الذات،

стр. 4318

فكما أن ذاته سبحانه لا تشبه الذوات، فكذا صفاته لا تشبه الصفات، فما جاءهم من الصفات عن المعصوم تلقوه بالقبول، وقابلوه بالمعرفة والإيمان والإقرار، لعلمهم بأنه صفة من لا تشبيه لذاته ولا لصفاته، وأن ما جاء مما أطلقه الشرع على الخالق والمخلوق لا تشابه بينهم في المعنى الحقيقي، إذ صفات القديم بخلاف صفات الحادث، وليس بين صفاته وصفات خلقه إلا موافقة اللفظ للفظ. والله قد أخبر أن في الجنة لحما ولبنا وعسلا وماء وحريرا وذهبا، وقال ابن عباس: "ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء" فإذا كانت هذه المخلوقات الفانية ليست مثل هذه الموجودة، مع اتفاقهما في الأسماء فالخالق جل وعلا أعظم علوا، وأعلى مباينة لخلقه، من مباينة المخلوق للخالق وإن اتفقت الأسماء. وأيضا فقد سمى الله سبحانه نفسه حيا عليما سميعا بصيرا ملكا رؤوفا رحيما، وسمى بعض مخلوقاته حيا وبعضها عليما، وبعضها سميعا بصيرا، وبعضها رؤوفا رحيما، وليس الحي كالحي، ولا العليم كالعليم، ولا السميع كالسميع، ولا البصير كالبصير، ولا الرؤوف الرحيم كالرؤوف الرحيم. (١) - وقوله: ومن ظن أن نصوص الصفات لا يعقل معناها، ولا يدرى ما أراد الله تعالى ورسوله منها، وظاهرها تشبيه وتمثيل، واعتقاد ظاهرها كفر وضلال، وإنما هي ألفاظ لا معاني لها، وإن لها تأويلا وتوجيها لا يعلمه إلا الله، وأنها بمنزلة﴾ ﴿الم﴾ و ﴿كهيعص﴾ وظن أن هذه طريقة السلف، ولم

стр. 4319

يكونوا يعرفون حقيقة قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١) وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢). وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٣) ونحو ذلك. فهذا الظان، من أجهل الناس بعقيدة السلف وأضلهم عن الهدى، وقد تضمن هذا الظن استجهال السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، وسائر الصحابة، وكبار الذين كانوا أعلم الأمة علما وأفقههم فهما، وأحسنهم عملا، وأتبعهم سننا. ولازم هذا الظن أن الرسول ﷺ كان يتكلم بذلك ولا يعلم معناه، وهو خطأ عظيم وجسارة قبيحة نعوذ بالله منها. (٤) - وقوله: ومن قال: يخلو العرش عند النزول، أو لا يخلو، فقد أتى بقول مبتدع، ورأي مخترع، وكل ما وصف به الرسول ربه من الأحاديث الصحاح، التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول، وجب الإيمان به كقوله ﷺ : «لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم براحلته» (٥) متفق عليه. وضحكه تعالى إلى رجلين، يقتل أحدهما الآخر، فيدخلان الجنة (٦) رواه الشيخان، وقوله: «حتى

стр. 4320

يضع رب العزة فيها قدمه» متفق عليه (١)، وقوله: «فينادي بصوت» (٢) رواه البخاري ومسلم، وقوله: «فلا يبصق قبل وجهه، فإن الله قبل وجهه» (٣) متفق عليه. إلى أمثال هذه الأحاديث، التي يخبر فيها رسول الله ﷺ عن ربه فيما يخبر به. فإن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، يؤمنون به من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، وهؤلاء هم الوسط في فرقة الأمة، كما أن الأمة المرحومة هي الوسط في الأمم، فهم وسط الأمة في باب الصفات بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة، كما أنهم وسط في باب أفعاله تعالى بين الحرورية والقدرية، وفي باب أسماء الإيمان والدين بين المعتزلة والمرجئة وفي أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة والخوارج. (٤) موقفه من الخوارج: - قال ﵀: ولا يخلد صاحب الكبيرة المسلم في النار، والعفو عن الكبائر جائز، وكذلك عفوها عمن مات بلا توبة جائز، من باب خرق العوائد. وبعثة الرسل إلى الخلق، وتكليف الله عباده بالأمر والنهي عن ألسنتهم

стр. 4321

حق، وهم معصومون من الكفر، والإصرار على الكبائر، يعصمهم الله عنها. إلى أن قال ﵀: والخلافة بعد رسول الله ﷺ في قريش، ما بقي من الناس اثنان، وليس لأحد من الناس أن ينازعهم فيها، ولا يخرج عليهم ولا يقر لغيرهم بها إلى قيام الساعة. والجهاد ماض قائم مع الأئمة الأبرار والفجار، مذ بعث النبي ﷺ إلى أن يقاتل آخر الأمة الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل. والجمعة والعيدان: الفطر والأضحى، والحج مع السلاطين وملوك الإسلام وإن لم يكونوا بررة عدولا أتقياء. ودفع الصدقات، والخراج، والأعشار، والفيء، والغنائم إليهم عدلوا فيها أو جاروا، والانقياد لمن ولاه الله عزوجل أمر الناس، ولا ينزع يدا من طاعته ولا يخرج عليه بسيف حتى يجعل الله له فرجا مخرجا. ولا يخرج على السلطان، يسمع ويطيع، ولا ينكث بيعته، فمن فعل ذلك فهو مبتدع، مخالف، مفارق للجماعة، ولا يمنعه حقه. والإمساك في الفتنة سنة ماضية، واجب لزومها، فإن ابتليت فقدم نفسك دون دينك، ولا تعن على الفتنة بيد ولا لسان، ولكن اكفف يدك ولسانك وهواك. ومن ولي الخلافة، واجتمع عليه الناس، ورضوا به، وغلبهم بسيفه، حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، وجبت طاعته، وحرمت مخالفته فيما ليس بمعصية لله ولرسوله، والخروج عليه، وشق عصا المسلمين. وإن أمرك

стр. 4322

السلطان بأمر هو لله معصية فليس لك أن تطيعه البتة، وليس لك أن تخرج عليه. (١) موقفه من المرجئة: - قال ﵀: والإيمان قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، مطابقاً للكتاب والسنّة والنية لقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢). والإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿ويزداد الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا﴾ (٥). وفي الحديث: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (٦). فجعل القول والعمل جميعاً من الإيمان. (٧) - وقال أيضاً: والاستثناء في الإيمان جائز غير أن لا يكون للشك، بل هي سنة ماضية عند العلماء، ولو سئل الرجل أمؤمن أنت؟ فإنه يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، أو مؤمن أرجو الله، أو يقول آمنت بالله وملائكته

стр. 4323

وكتبه ورسله. روي ذلك عن ابن مسعود، وعلقمة بن قيس، وأسود بن يزيد، وأبي وائل شقيق بن سلمة، ومسروق بن الأجدع، ومنصور بن المعتمر، وإبراهيم النخعي، ومغيرة بن مقسم الضبي، وفضيل بن عياض، وغيرهم. وهذا استثناء على يقين قال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾ (١).اهـ (٢) موقفه من القدرية: - قال ﵀: ويجب الإيمان بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، وقليله وكثيره، أنه من الله تعالى، ليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر شيء إلا عن تدبيره وقضائه، ولا محيد لأحد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المحفوظ، لا خير ولا شر، إلا بمشيئته، خلق من شاء للسعادة، واستعمله بها فضلا، وخلق من أراد للشقاوة، واستعمله بها عدلا، فهو سر استأثر الله تعالى به، وحجبه عن خلقه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ (٣) قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ

стр. 4324

الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾ (١) وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (٢) وقال رسول الله ﷺ : «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» (٣) خلق الخلائق وأفعالهم وقدر أرزاقهم وآجالهم، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ (٥). ولا يجوز أن يجعل قدر الله تعالى وقضاؤه حجة بعد الرسل، ونعلم أن لله الحجة علينا بإنزال الكتب، وبعثه الرسل، وما أمر الله تعالى ونهى إلا لمستطيع الفعل والترك، ولم يجبر أحدا على معصية، ولا اضطره على ترك الطاعة، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٧)، وقال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا

стр. 4325

كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ (١)، فدل على أن للعبد كسبا يجزى على حسنته بالثواب، وعلى سيئته بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره، . والإيمان بالقدر، على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين: الأولى: الإيمان بأن الله عليم بما يعمل الخلق بعلمه القديم الذي هو موصوف به، وقد علم جميع أحوالهم، من الطاعات والمعاصي، والأرزاق والآجال، ثم كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، وأول ما خلق الله القلم وقال له: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. وهذا التقدير تابع لعلمه سبحانه، يكون في مواضع جملة وتفصيلا، فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء. وإذا خلق الجنين قبل خلق الروح فيه، بعث إليه ملكا، فيؤمر بأربع كلمات فيقال: اكتب رزقه، وأجله، وعمله، شقي أم سعيد (٢) ونحو ذلك. فهذا القدر قد كان ينكره غلاة القدرية قديما، ومنكره اليوم قليل. أما الثانية: فهو مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة وهو الإيمان بأن ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وما في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه، لا يكون في ملكه ما لا يريد. وأنه سبحانه على كل شيء قدير، من الموجودات والمعدومات، فما من مخلوق في الأرض، ولا في السماء إلا الله خالقه، سبحانه لا خالق غيره، ولارب سواه، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسوله، ونهاهم عن معصيته ومعصية رسوله، وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين، ويرضى عن الذين

стр. 4326

آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد. والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أفعالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم، وهذه الدرجة من القدر، يكذب بها عامة القدرية، الذين سماهم النبي ﷺ «مجوس هذه الأمة» (١)، يغلو فيها قوم من أهل الإثبات، حتى يسلبوا العبد قدرته واختياره، ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه، وحكمها ومصالحها. فالقدر ظاهره وباطنه، ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيئه، وقله وكثره، وأوله وآخره من الله عزوجل قضاء قضاه على عباده، وقدر قدره عليهم، لا يعدو واحد منهم مشيئة الله، ولا يجاوز قضاه، بل كلهم صائرون إلى ما خلقهم له، واقعون فيما قدر عليهم، وهو عدل منه جل ربنا وعز. والزنا والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس وأكل المال الحرام والشرك والكفر والبدعة والمعاصي والكبائر والصغائر كلها بقضاء الله وقدر منه، من غير أن يكون لأحد من الخلق حجة على الله. وعلم الله عزوجل، ماض في خلقه، بمشيئة منه، وقد علم من إبليس وغيره، ممن عصاه من لدن عصي إلى أن تقوم الساعة المعصية وخلقهم لها، وعلم الطاعة من أهل الطاعة، وخلقهم لها، وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم.

стр. 4327

ومن زعم أن الله سبحانه شاء لعباده الذين عصوه الخير والطاعة، وأن العباد شاءوا لأنفسهم الشر والمعصية، فعملوا على مشيئتهم، فقد زعم أن مشيئة العباد أغلب من مشيئة الله، وأي افتراء على الله أكبر من هذا. ومن زعم أن الزنا ليس بقدر، قيل له أرأيت هذه المرأة حملت من الزنا، وجاءت بولد، هل شاء الله تعالى عزوجل أن يخلق هذا الولد؟ وهل مضى في سابق علمه؟ فإن قال: لا، فقد زعم أن مع الله خالقا آخر وهذا هو الشرك صراحا. ومن زعم أن السرقة وشرب الخمر وأكل مال الحرام ليس بقضاء وقدر، فقد زعم أن هذا الإنسان قادر على أن يأكل رزق غيره، وهذا صراح قول المجوسية، بل أكل رزقه الذي قضى الله له أن يأكله من الوجه الذي أكله. ومن زعم أن قتل النفس ليس بقدر الله، فقد زعم أن المقتول مات بغير أجله، وأي كفر أوضح من هذا؟ بل ذلك بقضاء الله عزوجل أو ذلك عدل منه في خلقه وتدبيره فيهم، وما جرى من سابق علمه فيهم وهو العدل الحق الذي يفعل ما يشاء. ومن أقر بالعلم، لزمه الإقرار بالقدر والمشيئة، على الصغر والقمأ، فالأشياء كلها تكون بمشيئة الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (١) وكما قال المسلمون ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. وقالوا: إن أحدا لا يستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله، أو يكون أحد يقدر أن يخرج عن علمه تعالى، أو أن يفعل شيئا علم الله أنه لا يفعله، وأقروا أنه لا

стр. 4328

خالق إلا الله، وأن أعمال العباد خلقها الله، وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئا، وأن الله تعالى وفق المؤمنين لطاعته، وخذل الكافرين، ولطف للمؤمنين، ونظر لهم، وأصلحهم وهداهم، ولم يلطف للكافرين، ولا أصلحهم، ولا هداهم، ولو أصلحهم لكانوا صالحين، ولو هداهم لكانوا مهتدين، وأن الله يقدر أن يصلح الكافرين، ويلطف لهم، حتى يكونوا مؤمنين، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ (١) ولكنه أراد أن يكونوا كافرين كما علم، وخذلهم وأضلهم وطبع على قلوبهم وختم على سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، ويؤمنون أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله، كما قال، ويلجئون أمرهم إلى الله، ويثبتون الحاجة إليه سبحانه في كل وقت، والفقر إليه في كل حال. (٢) صالح بن محمد بن حمد الشثري (٣) (بعد ١٣٠٩ هـ) الشيخ صالح بن محمد بن حمد الشثري. نشأ في بلدته، ثم رحل إلى الرياض، فأخذ عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن والشيخ عبد الله أبا بطين وغيرهم. له مع كبار العلماء مراسلات وبحوث علمية. له من التلاميذ الشيخ إبراهيم الشثري والشيخ إبراهيم بن عبد الملك آل الشيخ وزيد آل سليمان وحسين الشثري. أرخ لوفاته فيما بعد

стр. 4329

تسع وثلاثمائة وألف للهجرة. موقفه من المشركين: له: رد على أحمد زيني دحلان، ورد على الشيخ علي بن دعيج في تجويز موالاة المشركين. (١) علي بن سالم بن جلعود آل جليدان (٢) (١٣١٠ هـ) الشيخ علي بن سالم بن جلعود آل جليدان. ولد في مدينة عنيزة سنة أربعين ومائتين وألف للهجرة، ونشأ بها. قرأ على الشيخ عبد الله أبا بطين والشيخ علي بن محمد آل راشد والشيخ عبد العزيز بن محمد آل مانع والشيخ قرناس بن عبد الرحمن وغيرهم. تولى الإمامة والتدريس في مسجد المسوكف نحوا من أربعين سنة. أخذ عنه الشيخ عبد الله بن محمد بن مانع وغيره. كان ﵀ معروفا بكثرة العبادة والغيرة على الدين، لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان حسن الصوت بالقراءة. توفي ﵀ سنة عشر وثلاثمائة وألف، على إثر مرض أصابه في مكة. موقفه من الصوفية: جاء في علماء نجد: وكان غيورا جسورا لا تأخذه في الله لومة لائم، بلغني أنه لما حج ودخل المسجد الحرام رأى حلق الذكر المقامة هناك، وإذا هم يرددون لفظ الجلالة، ثم الضمير وحده (هو هو)، فلم يتمالك نفسه إلا أن

стр. 4330

أخذ ينكر عليهم بيده ويضربهم بعصاه، فقبض عليه وذهبوا به إلى الشريف أمير مكة في ذلك الوقت، فقال: ما حملك على ذلك؟ فقال: فعلت هذا العمل كي أصل إليك، والقصد من وصولي إليك إخبارك بأن هذا العمل بدعة منكرة، وأنه لا يسعك تركهم يتلاعبون باسم الله، وإني على أتم استعداد لمناظرتهم بحضرتك، فخلى الشريف سبيله وتركهم هم على عملهم. (١) أحمد بن خالد الناصري (٢) (١٣١٥ هـ) أحمد بن خالد بن حماد بن محمد الناصري الدرعي، شهاب الدين السلاوي المغربي، أبو العباس. ولد في مدينة سلا سنة خمسين ومائتين وألف للهجرة، وهو من عرب معقل، الداخلين للمغرب في القرن الخامس للهجرة من أسرة تنتمي إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. طلب العلم في مسقط رأسه، منكبا على مطالعة التآليف الموجودة من علوم التفسير والحديث والتاريخ وغيرها. شغل منصب موظف في خطة الجمارك في سلا، وتنقل في أعمال حكومية أخرى، ثم انقطع عن الأشغال وتفرغ للكتابة والمطالعة والتأليف إلى أن توفي في سنة خسمة عشر وثلاثمائة وألف للهجرة. موقفه من المشركين والصوفية: - له كلمة جيدة في التصوف والقبورية: قال في الاستقصا: قد ظهر ببلاد المغرب وغيرها منذ أعصار متطاولة -لا سيما في المائة العاشرة وما

стр. 4331

بعدها- بدعة قبيحة، وهي اجتماع طائفة من العامة على شيخ من الشيوخ الذين عاصروهم أو تقدموهم ممن يشار إليهم بالولاية والخصوصية، ويخصونه بمزيد المحبة والتعظيم، ويتمسكون بخدمته والتقرب إليه قدرا زائدا على غيره من الشيوخ، بحيث يرتسم في خيال جلهم، أن كل المشايخ أوجلهم دونه في المنزلة عند الله تعالى، ويقولون: نحن أتباع سيدي فلان، وخدام الدار الفلانية، لا يحولون عن ذلك ولا يزولون خلفا عن سلف. وينادون باسمه ويستغيثون به ويفزعون في مهماتهم إليه، معتقدين أن التقرب إليه نافع والانحراف عنه قيد شبر ضار، مع أن النافع والضار هو الله وحده. وإذا ذكر لهم شيخ آخر أودعوا إليه، حاصوا حيصة حمر الوحش من غير تبصر في أحواله: هل يستحق ذلك التعظيم أم لا. فصار الأمر عصبيا، وصارت الأمة بذلك طرائق قددا، ففي كل بلد أو قرية عدة طوائف، وهذا لم يكن معروفا في سلف الأمة الذين هم القدوة لمن بعدهم. وغرض الشارع إنما هو في الاجتماع وتمام الألفة واتحاد الوجهة وقد قال تعالى لأهل الكتاب: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (١) الآية. وقد ذم قوما فرقوا دينهم وكانوا شيعا ... ثم استرسل هؤلاء الطّغام في ضلالهم، حتى صارت كل طائفة تجتمع في أوقات معلومة في مكان مخصوص -أو غيره- على بدعتهم التي يسمونها الحضرة. فما شئت من طست وطار، وطبل ومزمار وغناء ورقص، وخبط وفحص، وربما أضافوا إلى ذلك نارا أو غيرها، يستعملونه على سبيل الكرامة بزعمهم.

стр. 4332

ويستغرقون في ذلك الزمن الطويل حتى يمضي الوقت والوقتان من أوقات الصلوات، وداعي الفلاح ينادي على رؤوسهم، وهم في حيرتهم يعمهون، لا يرفعون به رأسا، ولا يرون بما هم فيه من الضلال بأسا، بل يعتقدون أن ما هم فيه من أفضل القرب إلى الله، تعالى الله عن جهالتهم علوا كبيرا. ولا تجد في هذه المجامع الشيطانية غالبا إلا من بلغ الغاية في الجفاء والجهل ممن لا يحسن الفاتحة فضلا عن غيرها، مع ترك الصلاة طول عمره، أو من في معناه من معتوه ناقص العقل والدين. فما أحوج هؤلاء الفسقة إلى محتسب يغير عليهم ما هم فيه من المنكر العظيم، واللبس المقيم، وأعظم من هذا كله أنهم يفعلون تلك الحضرة غالبا في المساجد. فإنهم يتخذون الزاوية باسم الشيخ ويجعلونها مسجدا للصلاة بالمحراب والمنار وغير ذلك، ثم يعمرونها بهذه البدعة الشنيعة. فكم رأينا من عود ورباب ومزمار على أفحش الهيئات في محاريب الصلوات. ومن بدعهم الشنيعة محاكاتهم أضرحة الشيوخ ببيت الله الحرام من جعل الكسوة لها، وتحديد الحرم على مسافة معلومة بحيث يكون من دخل تلك البقعة من أهل الجرائم آمنا، وسوق الذبائح إليها على هيئة الهدي، واتخاذ الموسم كل عام، وهذا وأمثاله لم يشرع إلا في حق الكعبة. ثم يقع في ذلك الموسم ولا سيما مواسم البادية من المناكر والمفاسد العظام، واختلاط الرجال بالنساء باديات متبرجات شأن أهل الإباحة وشأن قوم نوح في جاهليتهم، ما تصم عنه الآذان ولا منكر ولا مغير ولا ممتعض للدين، لا، بل للحسب، فأما الدين عند هؤلاء فلا دين. فإنا لله وإنا إليه راجعون على

стр. 4333

ضيعة الدين وغفلة أهله عنه ويالله ويا للمسلمين لهؤلاء الهمج الرعاع، الذين سلبوا المروءة والحياء والغيرة والعقل والدين والإنسانية جملة. فليسوا في فطنة الشياطين ولا في سلامة صدور البهائم، ولا في نخوة السباع فيغضبوا لدينهم ومروءتهم. ومن جهالاتهم الفظيعة: جمعهم بين اسم الله تعالى واسم الولي في مقامات التعظيم، كالقسم والاستعطاف وغيرهما. فإذا أقسموا قالوا: وحق الله وحق سيدي فلان. وإذا عزموا على أحد قالوا: دخلت عليك بالله وسيدي فلان. وإذا سألوا قالوا: من يعطينا على الله وعلى سيدي فلان. فيعطفون اسم العبد على اسم مولاه بالواو المقتضية للتشريك والتسوية التامة في مقام قد حظر الشارع أن يتجاوز فيه اسم الله إلى غيره. وهذا هو صريح الشرك. ومن مناكرهم الجديرة بالتغيير: اجتماعهم كل سنة للوقوف يوم عرفة بضريح الشيخ عبد السلام ابن مشيش ﵁ ويسمون ذلك حج المسكين. فانظر إلى هذه الطامة التي اخترعها هؤلاء العامة. (١) التعليق: هذا الرجل صور الحالة التي يعيش عليها أهل المغرب في العقائد الباطلة المسماة بالتصوف، مع الكلام على القبورية. وهذا التصوير الذي ذكره هذا المؤرخ من أحسن ما قرأت في المقارنة بفعل هؤلاء المشركين بأضرحتهم وبما شرعه الله في بيته من طواف وكسوة وسوق هدي. فالحمد لله أن تخرج هذه

стр. 4334

الكلمة من مثل هذا الرجل: لا هو متهم بالوهابية -كما يقول أعداء العقيدة السلفية- ولا تخرج من الجامعة الإسلامية مأجورا من طرف الدولة الوهابية -كما يقوله أعداء العقيدة السلفية- وإنما هو مؤرخ محايد، عالم بالأحوال التي عليها أهل هذه البلاد. فجزاه الله خيرا على كلمته الطيبة. وأرجو الله أن يغفر زلتنا وزلته. مبارك بن مساعد آل مبارك (١) (١٣١٦ هـ تقريبا) الشيخ مبارك بن مساعد آل مبارك. ولد في بلدة عنيزة سنة ثمان وخمسين ومائتين وألف، ونشأ فيها. أخذ عن الشيخ محمد بن عبد الله بن مانع وابنه الشيخ عبد العزيز بن محمد بن مانع والشيخ علي آل محمد والشيخ علي باصبرين وغيرهم. كان مولعا بالشعر، ويحفظ منه الكثير، وله فيه القصائد الجيدة، وكان شديد الميل للدعوة السلفية وأعلامها. كانت لديه مكتبة كبيرة بيعت بعد وفاته، تضمنت مخطوطات نفيسة. توفي ﵀ في جدة سنة ست عشرة وثلاثمائة وألف تقريبا. موقفه من المبتدعة: جاء في علماء نجد: حدثني الشيخ محمد نصيف ﵀ قال: كان العلامة الشيخ علي باصبرين يدرس لطلابه ما بين المغرب والعشاء في جامع الشافعي بجدة، ففي إحدى الليالي جاء البحث في دعوة الشيخ محمد بن

стр. 4335

عبد الوهاب وأتباعها، فنال الشيخ باصبرين منها نيلا فاحشا، وكان من الطلبة الشيخ صالح العبد الله البسام، والشيخ مبارك آل مساعد، فلما فرغ الدرس قاما إليه، وقالا له: هل اطلعت يا شيخ على كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب حينما نلت منه ومن دعوته؟ فقال لهما: لا، إنني لم أطلع عليها، ولكني قلت هذا نقلا عن مشايخي، فقالا له: ألا ترغب في الاطلاع على كتبه؟ فقال: بلى، فأتياه بنسخ من كتبه، فدرسها نحو أسبوع، وهو لا يأتي للشيخ محمد بذكر لا بمدح ولا قدح. وبعد ذلك قال للطلبة: إنني في إحدى الليالي السابقة نلت من الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته، والحق أن كلامي لم يكن عن اطلاع على كتبه، وإنما هو تقليد وحسن ظن في مشايخنا، وقد أطلعني بعض إخواننا النجديين على بعض كتبه ورسائله، فرأيت فيها الحق والصواب، وأنا أستغفر الله تعالى عما قلت: ثم صنف رسالة سماها: 'هداية كُمَّلِ العبيد إلى خالص التوحيد'. (١) إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ (٢) (١٣١٩ هـ) الشيخ الإمام إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب. ولد في مدينة الرياض سنة ست وسبعين ومائتين وألف. قرأ على أخيه الشيخ عبد اللطيف والشيخ حمد بن عتيق وابن أخيه الشيخ عبد الله

стр. 4336

بن عبد اللطيف وغيرهم. وكان مع حفظه القرآن يحفظ مختصرات في الفقه والحديث والتوحيد. رحل إلى الهند بعد استيلاء آل رشيد على الرياض سنة تسع وثلاثمائة وألف، فأخذ عن المحدث الشيخ نذير حسين والشيخ حسين بن محسن الأنصاري والشيخ سلامة الله، ثم رحل إلى مصر فقرأ على علماء الأزهر مدة، وجد واجتهد حتى عد من كبار علماء زمانه. ثم عاد إلى وطنه، واشتغل بالتدريس والإفادة، فنفع الله بعلمه، فكان ممن أخذ عنه الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ والشيخ فوزان السابق والشيخ عبد الله بن فيصل والشيخ عبد العزيز بن عتيق وغيرهم. توفي ﵀ في اليوم التاسع والعشرين من شهر رجب سنة تسع عشرة وثلاثمائة وألف في مدينة الرياض، ورثاه العلماء. موقفه من المبتدعة: قال: ومما هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام: أن المرجع في مسائل أصول الدين إلى الكتاب والسنة وإجماع الأمة المعتبر، وهو ما كان عليه الصحابة، وليس المرجع إلى عالم بعينه في ذلك. فمن تقرر عنده هذا الأصل تقريرا لا يدفعه شبهة وأخذ بشراشير قلبه هان عليه ما قد يراه من الكلام المشتبه في بعض مصنفات أئمته، إذ لا معصوم إلا النبي ﷺ . (١) موقفه من المشركين: له رد على أمين بن حنش العراقي. (٢)

стр. 4337

عبد الله بن محمد بن عثمان بن دخيل (١) (١٣٢٤ هـ) الشيخ عبد الله بن محمد بن عثمان بن عبد الله بن دُخَيْل الناصري التميمي. ولد في المجمعة سنة إحدى وستين ومائتين وألف، ونشأ فيها، وأخذ عن الشيخ علي بن عيسى والشيخ عبد الرحمن بن حسن والشيخ عبد اللطيف ابن عبد الرحمن والشيخ سليمان بن مقبل والشيخ علي آل محمد الراشد وغيرهم. رحل في طلب العلم إلى المدينة النبوية ثم إلى مكة، ثم إلى بريدة، ثم إلى عنيزة والرياض والمجمعة. ولي قضاء المذنب، وجلس للتدريس والإفتاء، فانتفع بعلمه خلق كثير منهم الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع والشيخ عبد الله ابن بليهد والشيخ محمد بن صالح بن مقبل وغيرهم. توفي ﵀ في المذنب سنة أربع وعشرين وثلاثمائة وألف. موقفه من المبتدعة: - له رسالة إلى تلميذه الشيخ عبد الله بن إسماعيل ينهاه فيها عن مجالسة من لم يكن مواليا لعلماء الدعوة السلفية. (٢) حسن عبد الرحمن السني البحيري المصري (١٣٢٦ ه ـ) (٣) موقفه من الصوفية: - له رسالة: 'الحماسة السنية في الرد على بعض الصوفية'، قال في

стр. 4338

مقدمتها: فقد أهدى إلينا بعض الإخوان مجموعة لبعض متصوفة هذا الزمان، مشتملة على أربع رسائل، أولها: تنوير البصائر، ودليل الحائر في إثبات النبوة ورؤية نبينا لربه. ثانيها: الفتح المبين في الاستغاثة بالأولياء والصالحين. ثالثها: القول المعتبر في القضاء والقدر. رابعها: ما تقول السادة الثقات في إيصال ما يهدى من ثواب القرآن والأذكار للأموات. يقصد ببعضها الرد على من تصدى من أهل العلم ورجال الدين لإخماد نيران البدع التي عمت وضرت محشوة ببدع المضلين، وضلال المتأخرين. وهكذا عوائد شياطين الجن إذا رأوا من تعرض لإخماد نار الضلال أوقدوها بشيطان من شياطين الإنس، يوحون إليه زخارف يجادل بها أهل الحق، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أوليائهم لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ (١). وسبب تعرضنا للرد على هذا المتصوف تنبيه الناس على ما وقع في رسائله من الأمور المنكرة والأشياء المردودة شرعا، وخلط الحق بالباطل، لئلا يغتر بها من يقف عليها ممن لا علم له بحقائق الدين، وبالله نستعين. (٢) محمد السَّهْسَوَانِي (٣) (١٣٢٦ هـ) العلامة محمد بن بشير بن محمد بدر الدين السهسواني الهندي، صاحب كتاب 'صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان' ولد في سهسوان -من

стр. 4339

أعمال ولاية بدايون بالهند- سنة خمسين ومائتين وألف للهجرة تقريبا. ارتحل إلى دهلي، وقرأ الحديث والتفسير على نذير حسين الدهلوي، ودعي إلى بهوبال سنة تسعين ومائتين للهجرة، وأسند إليه رياسة المدارس الدينية بها، فأقام بها نحوا من خمس وعشرين عاما، ثم عاد إلى دهلي، فتوفي بها سنة ست وعشرين وثلاثمائة وألف، رحمه الله تعالى. موقفه من المبتدعة: - له الكتاب العظيم في الدفاع عن العقيدة السلفية، ذو البحوث القيمة النفيسة القوية. وهو: 'صيانة الإنسان في الرد على أحمد زيني دحلان'. - قال فيه: فالواجب على المؤمن أن لا يتجاسر على التكلم بكل كلمة في ثناء النبي ﷺ فالمقام مقام الاحتياط، إذ اعتقاد اتصاف النبي ﷺ بصفاته الكمالية من جملة مسائل العقائد، فما لم يثبت بالكتاب العزيز أو السنة الثابتة المطهرة لم يجز وصف النبي به، فمن ههنا دريت خطأ البوصيري في قوله: "واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم". وخطأ صاحب الرسالة حيث استحسنه. وبالجملة فنحن معاشر أهل الحديث نعظم رسول الله ﷺ بكل تعظيم جاء في الكتاب أو السنة الثابتة، سواء كان ذلك التعظيم فعليا أو قوليا أو اعتقاديا، والوارد في الكتاب العزيز والسنة المطهرة من ذلك الباب في غاية الكثرة، وما ذكر هو بعض منه، ولو رمت إحصاء ذلك على التمام لجاء في مؤلف بسيط، نعم نجتنب التعظيمات التي تشتمل على موجبات الكفر والشرك، وما نهى الله عنه ورسوله، والتعظيمات المحدثة المبتدعة.

стр. 4340

وأما أهل البدع فمعظم تعظيمهم تعظيم محدث، كشد الرحال إلى قبر رسول الله ﷺ ، والفرح بليلة ولادته، وقراءة المولد، والقيام عند ذكر ولادته ﷺ ، وتقبيل الإبهام عند قول المؤذن "أشهد أن محمدا رسول الله" والتمثل بين يدي قبره قياما، وطلب الحاجات منه ﷺ ، والنذر له وما ضاهاها، وأما التعظيمات الثابتة فهم عنها بمراحل. فيا أهل البدع أنشدكم الله والإسلام والإنصاف أن تقولوا أي الفريقين أزيد تعظيما للنبي ﷺ وأكثر اتباعا له وأشد حبا له ﷺ بأبي هو وأمي. (١) - وقال: ثم بعد انقراض قرن الصحابة أتى أمته ما يوعدون من الحوادث والبدع، وكلما أحدثت بدعة رفع مثلها من السنة، ولكن في قرن التابعين وأتباع التابعين لم تظهر البدع ظهورا فاشيا، وأما بعد قرن أتباع التابعين فقد تغيرت الأحوال تغيرا فاحشا، وغلبت البدع، وصارت السنة غريبة، واتخذ الناس البدعة سنة والسنة بدعة، ولا تزال السنة في المستقبل غريبة إلا ما استثني من زمان المهدي ﵁ وعيسى ﵇، إلى أن تقوم الساعة على شرار الناس. يدل على ذلك الأحاديث والآثار التي نذكرها الآن بحوله وقوته، منها: حديث عمران بن حصين ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، -قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة- ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون،

стр. 4341

ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن» (١) رواه البخاري ومسلم. ومنها حديث الأسلمي قال: قال النبي ﷺ : «يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حفالة كحفالة الشعير أو التمر لا يباليهم الله بالة» (٢) رواه البخاري. (٣) ثم ذكر طائفة من الأحاديث والآثار إلى أن قال: وقد علم بما نقل من الأحاديث والآثار أن غربة الإسلام ليس معناها أنه يقل أهل الإسلام، دل عليه ما في حديث ثوبان المتقدم من قوله ﷺ : «بل أنتم يومئذ كثير» (٤) بل معناها أن الصالحين من أهل الإسلام يذهبون الأول فالأول، وتبقى حفالة كحفالة الشعير وغثاء كغثاء السيل، وأن سنن الإسلام وشعبها وشرائعها من الصلاة والصيام والنسك والصدقة وغيرها تذهب وقتا فوقتا حتى لا يبقى إلا قول لا إله إلا الله (٥)، فإذا بعث الله ريحا طيبة توفى كل من كان في قلبه مثقال حبة من

стр. 4342

خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فعليهم تقوم الساعة (١). اهـ (٢) أحمد بن إبراهيم بن عيسى (٣) (١٣٢٩ هـ) الشيخ أحمد بن إبراهيم بن حمد بن محمد ينتهي نسبه إلى قبيلة بني زيد ثم إلى قضاعة بن مالك ثم إلى قحطان، شارح نونية ابن القيم. ولد الشيخ بشقراء في الخامس عشر من ربيع الأول عام ثلاثة وخمسين ومائتين وألف، نشأ في حجر والده العالم القاضي الشيخ إبراهيم بن عيسى، فتعلم مبادئ الكتابة والقراءة، ثم حفظ القرآن عن ظهر قلب ثم شرع في القراءة على والده بالتوحيد والفقه والحديث وسائر العلوم. من مشايخه: الشيخ عبد الرحمن ابن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن وغيرهم. ثم سافر إلى الرياض ولازم علماءها الأجلاء، أدرك إدراكا تاما. وَفَاق أقرانه لا سيما في التوحيد، ثم سافر إلى مكة فأقام فيها للعبادة والعلم تعلما وتعليما. اتصل بأمير مكة وكلمه في هدم القباب والمباني على القبور والمزارات فأجابه لذلك. فكان من المساهمين في تطهير البلاد من الشرك والساعين في لم شتات الأمة. من

стр. 4343

تلامذته: الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ والشيخ عبد القادر بن مصطفى التلمساني والشيخ عبد الستار الدهلوي وغيرهم. عرّفه الكتاني بالعالم السلفي المسند. توفي في بلد المجمعة بعد صلاة الجمعة في اليوم الرابع من جمادى الثانية من عام تسعة وعشرين وثلاثمائة وألف. موقفه من المبتدعة: - جاء في تاريخ علماء نجد: وحدثني الشيخ الوجيه الأفندي محمد حسين نصيف رحمه الله تعالى قال لي: كان الشيخ أحمد بن عيسى يشتري الأقمشة من جدة من الشيخ عبد القادر بن مصطفى التلمساني أحد تجار جدة بمبلغ ألف جنيه ذهبا، فيدفع له منها أربعمائة ويُقسط عليه الباقي. وآخر قسط يحل ويستلمه الشيخ التلمساني إذا جاء إلى مكة للحج من كل عام. ثم يبتدئون من أول العام بعقد جديد. وكان الكفيل للشيخ أحمد بن عيسى هو الشيخ مبارك المساعد من موالي آل بسام. وكان صاحب تجارة كبيرة في جدة ودام التعامل بينهما زمنا طويلا. وكان الشيخ أحمد بن عيسى يأتي بالأقساط في موعدها المحدد لا يتخلف عنه ولا يماطل في أداء الحق. فقال له الشيخ عبد القادر: إني عاملت الناس أكثر من أربعين عاما، فما وجدت أحسن من التعامل معك -يا وهابي- فيظهر أن ما يشاع عنكم يا أهل نجد مبالغ فيه من خصومكم السياسيين. فسأله الشيخ أحمد أن يبين له هذه الشائعات. قال: إنهم يقولون: إنكم لا تصلون على النبي ﷺ ولا تحبونه. فأجابه الشيخ أحمد بقوله: سبحانك هذا بهتان عظيم.

стр. 4344

إن عقيدتنا ومذهبنا أن من لم يصل على النبي ﷺ في التشهد الأخير فصلاته باطلة، ومن لا يحبه فهو كافر. وإنما الذي ننكره نحن -أهل نجد- هو الغلو الذي نهى النبي ﷺ عنه، كما ننكر الاستعانة والاستغاثة بالأموات، ونصرف ذلك لله وحده. يقول الشيخ الراوي محمد نصيف عن الشيخ عبد القادر التلمساني: فاستمر النقاش بيني وبينه في توحيد العبادة ثلاثة أيام، حتى شرح الله صدري للعقيدة السلفية. وأما توحيد الأسماء والصفات الذي قرأته في الجامع الأزهر، فهو عقيدة الأشاعرة. وكتب الكلام مثل: 'السنوسية' و'أم البراهين' و'شرح الجوهرة' وغيرها. فلهذا دام النقاش بيني وبين الشيخ ابن عيسى خمسة عشر يوما، بعدها اعتنقت مذهب السلف، وصرت آخذ التوحيد من منابعه الأصيلة: الكتاب والسنة وأتباعهما من كتب السلف. فعلمت أن مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم بفضل الله تعالى ثم بحكمة وعلم الشيخ أحمد بن عيسى. ثم إن الشيخ التلمساني أخذ يطبع كتب السلف. فطبع منها: 'النونية' و'الصارم المنكي' و'الاستعاذة من الشيطان الرجيم' لابن مفلح و'المؤمل إلى الأمر الأول' لأبي شامة، و'غاية الأماني في الرد على النبهاني' وغيرها. وصار التلمساني من دعاة عقيدة السلف. قال الشيخ محمد نصيف: فهداني الله إلى عقيدة السلف بواسطة الشيخ عبد القادر التلمساني، فالحمد لله على توفيقه. والمترجم له لم يقتصر نشاطه على دعوة الأفراد حتى اتصل بأمير مكة: الشريف عون الرفيق، وكلمه بخصوص هدم القباب والمباني التي على القبور

стр. 4345

والمزارات، وشرح له أن هذا مخالف للإسلام، وأنه غلو وتعظيم للأموات يسبب فتنة الأحياء، وبث الاعتقادات الفاسدة فيهم. فما كان من "الشريف عون" إلا أن أمر بهدم القباب التي على القبور عدا قبة قبر خديجة ﵂، والقبر المنسوب إلى حواء في جدة. فأبقاهما مراعاة للقاعدة الشرعية: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح". وصار المترجم له بسبب علمه وعقله ونصحه مقربا من الشريف عون، يُجله ويُقدره ويعرف له فضله وحقه (١). التعليق: يستفاد من هذه القصة المباركة: - أثر الصدق في المعاملة كان من هدي السلف، ولذا كان من نتيجته ما قص علينا في هذه القصة. - منقبة لهذا الشيخ، حيث وفقه الله تعالى لهداية التلمساني والشيخ نصيف. - قوة السلفيين في تأثيرهم على الحكام، وغايتهم في ذلك نشر العقيدة وترسيخها في النفوس، لا المنصب الحكومي، أو المطمع المادي، ولذلك آتت دعوتهم أكلها بإذن ربها، ولله الحمد والمنة. آثار الشيخ السلفية: ١ - 'تنبيه النبيه والغبي في الرد على المدراسي والحلبي' وهو كتاب قيم وقد طبع.
следующие страницы →