← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

رجل من أهل أصبهان، فتحدث عندنا إلى أن اتفق أن قال: كان الفقيه المغربي الذي عندكم اليوم في السوق اشترى سجادة حسنة بكذا وكذا فأمر والدي بإحضار السجادة، فقال الرجل: أي والله هذه، فسكت والدي وسقط ابن دحية من عينيه. فذاك كان الملك وهذا كان مساعده في تأسيس هذه البدعة الشنيعة التي اخترعوها مضاهين النصارى، لأن يكون لهم عيد ميلاد النبي كما يوجد عندهم عيد ميلاد المسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. ثم وعند القوم عادة أنه يقومون عند قراءة المولد وذكره ويقولون: إن الرسول ﵊ حضر في مجلس ذكر مولده فنستقبله قائما، ثم ينشدون هذا البيت المشهور، نذكره بنصه في اللغة الأردية. دم بدم برهو درود ... حضرت بهي هين يهان موجود صلوا صلوا على النبي ... فإنه حضر هاهنا ويقول أحد علماء القوم: يجب القيام عند ذكر ولادة النبي ﷺ . ويعملون هذه الفعلة على حساب ذلك النبي الهاشمي صلوات الله وسلامه عليه من كان يمنع عن القيام حتى وأيام حياته الميمونة بقوله: «من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» (١). ويروي أنس بن مالك ﵁، عن أصحاب رسول الله ﷺ : (لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته

стр. 4832

لذلك) (١).اهـ (٢) - وقال في حديثه عن البريلوية: وللمحافظة على تجارتهم هذه أعموا أبصارهم وصموا آذانهم وختموا على قلوبهم كي لا تنفلت من أيديهم هذه الأغنام المدرارة الساذجة، فحرموا عليهم الاستماع إلى أحد من الموحدين، المتبعين كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والإصغاء إليهم، والمجالسة معهم، والاختلاط بهم، والحضور في خطباتهم واجتماعاتهم، والنظر في كتبهم، كي لا يعقل المغفل، ويتنور من أحيط بالظلام، ويتعلم من رغب عن الجهل فقال قائلهم: حرام على المسلمين أن يقرؤوا كتب الوهابيين وأن ينظروا فيها. ومن جالس الوهابية أو اختلط بهم لا يجوز مناكحته. وغير ذلك. ولم تكن هذه الاحتياطات كلها إلا للحفاظ على جهالاتهم ومناصبهم النافعة المفيدة في آن واحد، ولكن من أراد الله هدايته والخير به فلم يمنعه هذا الحصار لأن يخرج من الظلمات إلى النور ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ (٣). وإليكم النصوص من تعاليم القوم، وأتبعنا كل واحدة منها بالرد عليها من كتب الأحناف، لأن القوم يدعون انتسابهم إلى الحنفية، كي يعرف أن هؤلاء الناس ليس لهم من الأمر شيء، فلا الكتاب يؤيدهم، ولا السنة تناصرهم، ولا الفقه الحنفي يحالفهم، فإنهم ليسوا على دليل

стр. 4833

وبرهان، بل هم حقيقة أخلافا لأسلاف عرفوا في الجاهلية الأولى بالمشركين والوثنيين، وفي الجاهلية المتأخرة عبدة القبور والخرافيين والبدعيين، لاختلافهم بعض الاختلاف معهم في لون البدعات وصورها حسب الاختلاف الإقليمي والجغرافي، لأن العالمية للسنة، فسنة رسول الله في جميع البلدان والمدن وفي جميع أقطار الأرض وأطرافها سنة واحدة، لأن مصدرها واحد وهو ذات الرسول العظيم صلوات الله وسلامه عليه. وأما البدعة فتختلف وتتنوع باختلاف المكان والزمان، وبحسب القطر والإقليم، وبحسب المقتضيات والمتطلبات، ولأن مصدرها أشخاص متعددون متنوعون حسب الأغراض والأهواء، ومختلفون حسب الذوق والمزاج، فالسنة عليها توثيق: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (١)، والبدعة هي مصداق: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ (٢).اهـ (٣) - وقال: فكل شيء أحدث في الإسلام ولا يؤيده آية من كتاب الله أو أمر من رسول الله فهو مردود. «من أحدث في أمرنا هذا فهو رد» (٤). وقال: «فإن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» (٥).

стр. 4834

ولو كان ذلك من الدين أو من المستحسن لما ترك الله بيانه ورسوله ﷺ تفصيله. فعدم وروده ووجوده في الكتاب والسنة يدل على أنه ليس من الدين. ولو كان من الدين ولم يرد ذكره فيهما لما كان الدين كاملا. (١) موقفه من المشركين: - قال في حديثه عن القاديانية: والعجب كل العجب أن الفئة الضالة المضلة التي لم تستطع مع كل إمدادات الاستعمار والحكومة الانكليزية أوان سلطتها أن تضم إليها في القارة الهندية، حيث يقع مركزها إلا أشخاصا معدودين، ممن نشؤوا في أحضان الاستعمار طوال سبعين سنة، ولا يزيد عددهم عن الألوف، ومساجدهم عن العشرات، ومدارسهم عن الأعداد المفردة، وهذا لأن المسلمين قد عرفوا حقيقتهم، واكتشفوا أمرهم، وفي إفريقيا وغيرها دعاة الإسلام غير موفورين، لم؟ هل المسلمون صاروا فقراء إلى هذا الحد حتى لم يستطيعوا إرسال المبلغين إلى تلك البلاد؟ أم ماذا؟ ينبغي أن يتفكر كل منا جواب هذا، وأن يسمح لي فأقول جهرا: إن كل شيء موفور عند المسلمين، أكثر ما كانت قبل، ولكن الفكر للإسلام والتألم له والنهوض به والدفاع عنه والتضحية في سبيله صارت مفقودة فينا، ونحن نرى أنفسنا بكل خير وفي كل خير ما دام لم يصبنا نحن، أولادنا، وأشقائنا، وأسرتنا، وعائلتنا أي أذى، وأما الإسلام فيكون في خطر والمسلمون يكونون في طوفان، طوفان الكفر والارتداد، طوفان الضلالة والإلحاد فلا يهمنا ما دام الطوفان بعيدا عن أبوابنا. فهذا عين الضلالة، وقد وصف الله أمة

стр. 4835

محمد ﵇ بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) وقد أهملنا هذه المنزلة وهذه المكرمة وفقدنا ميزة الخيرية. فتيقظوا أيها المسلمون. وتنبهوا، أليس من المبكي أن تغزو هذه الفئة الكثير من بلاد العالم الإسلامي بينما كان المسلمون في يقظة لكل عدو وحربا على كل ضلال وفساد للقضاء عليه في موطنه. فالمسئولية مشتركة كل بقدره. وإن العمل ضد القاديانية لإيقاف خطرها أمر يحتمه ويوجبه كل من الدين، والسياسة، والوطنية. أما الدين: فبتحريفها العقائد، وهدمها لأركان الإسلام. وأما السياسة: فلكونها الجسر الواسع للاستعمار في كل شعب تحل فيه كما أنشأها وعاهدها. وأما الوطنية: فكما بين الكاتب الهندوسي الكبير وكشف شاعر الإسلام الكبير محمد إقبال حينما رد على جواهر لآل نهرو في تدعيمه إياها. (٢) موقفه من الرافضة: هذا العلَم الذي سخر قلمه ولسانه للذب عن المنهج السلفي، وتقويض أركان أهل الضلال والبدع خاصة الرافضة اللعينة، فقد تصدى لها الشيخ ﵀ بكل ما أوتي من قوة وجهد، وألف في ذلك المؤلفات العظيمة منها: ١ - 'الشيعة والتشيع'.

стр. 4836

٢ - 'الشيعة والقرآن'. ٣ - 'الشيعة والسنة'. ٤ - 'الشيعة وأهل البيت'. ٥ - 'الإسماعيلية'. وكلها مطبوعة ومتداولة ولله الحمد والمنة. موقفه من الصوفية: له من الآثار السلفية: 'التصوف المنشأ والمصادر'. وهو مطبوع. - قال في مقدمته ﵀: كنت أظن أول الأمر أن بعض الغلاة هم الذين أساءوا إلى التصوف والصوفية، وأن الغلو والتطرف هو الذي جلب عليهم الطعن وأوقعهم في التشابه مع التشيع والشيعة، ولكنني وجدت كلما تعمقت في الموضوع، وتأملت في القوم ورسائلهم، وتوغلت في جماعاتهم وطرقهم، وحققت في سيرهم وتراجمهم، أنه لا اعتدال عندهم كالشيعة تماما، فإن الاعتدال فيهم كالعنقاء في الطيور، والشيعي لا يعد شيعيا إلا حين ما يكون مغاليا متطرفا، وكذلك الصوفي تماما، فمن لا يعتقد اتصاف الخلق بأوصاف الخالق، لا يمكن أن يعد صوفيا ووليا من أولياء الله. ومن الطرائف أن ظني ذلك كان يجعلني ويحثني على أن أسمي مجموعة الكتابة عن المتصوفة 'التصوف بين الاعتدال والتطرف' ولكنني لما كتبت وجدت أن هذا الاسم لا يمكن أن يناسب تلك المجموعة من الناس لعدم وجود الاعتدال مع محاولتي أن أجده لأدافع عنهم وأجادل، وأبرر بعض مواقفهم، وأجد المعاذير للبعض الأخرى، ولكنني بعد قراءتي الطويلة العميقة

стр. 4837

العريضة لكتب الصوفية ومؤلفات التصوف، وجدت نفسي، إما أن أجادل بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، وأتبع كل شيطان مريد -ولا جعلني الله منهم- وإما أن أقول الحق ولا أخاف في الله لومة لائم، وأتقي الله وأكون مع الصادقين- وجعلني الله منهم ورزقني الاستقامة والثبات عليه. (١) - وقال: فإن التصوف أمر زائد وطارئ على الزهد، وله كيانه وهيئته، نظامه وأصوله، قواعده وأسسه، كتبه ومؤلفاته، ورسائله ومصنفاته، كما أن له رجالا وسدنة وزعماء وأعيانا. فإن الزهد عبارة عن ترجيح الآخرة على الدنيا، والتصوف اسم لترك الدنيا تماما. والزهد هو تجنب الحرام، والاقتصاد في الحلال، والتمتع بنعم الله بالكفاف، وإشراك الآخرين في آلاء الله ونعمه وخدمة الأهل والإخوان والخلان. والتصوف تحريم الحلال، وترك الطيبات، والتهرب من الزواج ومعاشرة الأهل والإخوان، وتعذيب النفس بالتجوع والتعري والسهر. فالزهد منهج وسلوك مبني على الكتاب والسنة، وليس التصوف كذلك، لذلك احتيج لبيانه إلى 'التعرف لمذهب أهل التصوف' و'قواعد التصوف' و'الرسالة القشيرية' و'اللمع' و'قوت القلوب' و'عوارف المعارف' وغيرها من الكتب. (٢)

стр. 4838

- وقال: فخلاصة الكلام أن الجميع متفقون على حداثة هذا الاسم، وعدم وجوده في عهد رسول الله ﷺ وأصحابه والسلف الصالحين. نعم، كان رسول الله ﷺ أزهد خلق الله في الدنيا وزخارفها، وأصحابه على سيرته وطريقته، يعدون الدنيا وما فيها لهوا ولعبا، زائلة فانية، والأموال والأولاد فتنة ابتلي المؤمنون بها، فلم يكونوا يجعلون أكبر همهم إلا ابتغاء مرضاة الله، يرجون لقاءه وثوابه، ويخافون غضبه وعقابه، آخذين من الدنيا ما أباح الله لهم أخذه، ومجتنبين عنها ما نهى الله عنه، سالكين مسلك الاعتدال، منتهجين منهج المقتصد، غير باغين ولا عادين، ولا مفرطين ولا متطرفين، وعلى رأسهم بعد رسول الله ﷺ الخلفاء الراشدون، وبقية العشرة المبشرة، ثم البدريون، ثم أصحاب بيعة الرضوان، ثم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، ثم عامة الأصحاب، على ترتيب الأفضلية كما مر سابقا في الفصل الأول من هذا الباب. وتبعهم في ذلك التابعون لهم بإحسان، وأتباع التابعين، أصحاب خير القرون، المشهود لهم بالخير والفضيلة، ولم يكن لهؤلاء كلهم في غير رسول الله أسوة ولا قدوة، الذي قال فيه جل وعلا: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عائلاً فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا اليتيم فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ (١). والذي إذا وجد طعاما فأكل وشكر، وإذا لم يجد فرضي وصبر، وأحب لبس

стр. 4839

الثياب البيض، واكتسب جبة رومية، ونهى عن التصدق بأكثر من ثلث المال، وأمر بحفظ حقوق النفس والأهل والولد، ونهى عن تعذيب النفس وإتعاب الجسد فوق الطاقة، وكما أنه نهى هو نفسه عن قيام الليل كله، لإراحة الجسد والبدن، وحرض متبعيه على طلب الحلال، وطلب الحسنات في الدنيا والآخرة، ومنع الله تعالى من التعنت والتطرف في ترك الدنيا وطيباتها في آيات كثيرة في القرآن الكريم، سنوردها في موضعها من الكلام إن شاء الله. ثم خلف من بعدهم خلف فتطرفوا، وذهبوا بعيدا في نعيم الدنيا وزخارفها، وفتحت عليهم أبواب الترف والرخاء، ودرت عليهم الأرض والسماء، وأقبلت عليهم الدنيا بكنوزها وخزائنها، وفتحت عليهم الآفاق، فانغمسوا في زخارفها وملذاتها، وبخاصة العرب الفاتحون الغزاة، والغالبون الظاهرون، فحصل رد الفعل، وفي نفوس المغلوبين المغزوين والمقهورين، من الموالي والفرس والمفلسين وأصحاب النفوس الضعيفة المتوانية خاصة، فهربوا عن الحياة ومناضلتها، وجدها وكدها، ولجأوا إلى الخانقاوات والتكايا والزوايا والرباطات، فرارا من المبارزة والمناضلة، وصبغوا هذا الفرار والانهزام ورد الفعل صبغة دينية، ولون قداسة وطهارة، وتنزه وقرابة، كما كان هنالك أسباب ودوافع ومؤثرات أخرى، وكذلك أيدى خفية دفعتهم إلى تكوين فلسفة جديدة للحياة، وطراز آخر من المشرب والمسلك، وأسلوب جديد للعيش والمعاش، فظهر التصوف بصورة مذهب مخصوص، وبطائفة مخصوصة، اعتنقه قوم، وسلكه أشخاص ساذجون بدون تفكير كثير، وتدبر عميق كمسلك الزهد، ووسيلة التقرب إلى الله، غير عارفين بالأسس التي قام عليها

стр. 4840

هذا المشرب، والقواعد التي أسس عليها هذا المذهب، بسذاجة فطرية، وطيبة طبيعية، كما تستر بقناعه، وتنقب بنقابه بعض آخرون لهدم الإسلام وكيانه، وإدخال اليهودية والمسيحية في الإسلام، وأفكارهما من جانب، والزرادشتية والمجوسية والشعوبية من جانب آخر، وكذلك الهندوكية والبوذية والفلسفة اليونانية الأفلاطونية من ناحية أخرى، وتقويض أركان الإسلام وإلغاء تعاليم سيد الرسل ﷺ ، ونسخ الإسلام وإبطال شريعته بنعرة وحدة الوجود، ووحدة الأديان، وإجراء النبوة، وترجيح من يسمى بالولي على أنبياء الله ورسله، ومخالفة العلم، والتفريق بين الشريعة والحقيقة، وترويج الحكايات والأباطيل والأساطير، باسم الكرامات والخوارق وغير ذلك من الخرافات والترهات. (١) - وقال: ولقد بوب الصوفية في كتبهم أبوابا مستقلة في مدح العزوبة وذم التزويج، وهذا الأمر لا يحتاج إلى بيان أنه لم يأخذه المتصوفة إلا من رهبان النصارى ونساك المسيحية الذين ألزموا أنفسهم التبتل، خلافا لفطرة الله التي فطر الناس عليها. تقليدا لهم واتباعا لسنتهم، واقتداء لمسالكهم ومشاربهم، مخالفين أوامر الله وأوامر رسوله ﷺ الناسخ لجميع الشرائع والأديان، المبعوث بمكارم الأخلاق وفضائل العادات، فالله يأمر المؤمنين في محكم كتابه بنكاح النساء مثنى وثلاث ورباع وعند الخوف من عدم العدل بواحدة، فيقول جل من قائل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى

стр. 4841

فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ (١). وقال: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وإمائكم إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ (٢). وجعل الزواج سببا لحصول السكون والطمأنينة حيث قال : ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ (٣). ورسوله صلوات الله وسلامه عليه يحذر المعرضين عنه في حديث طويل أورده البخاري ومسلم من حديث أنس ﵁ أنه قال: إن نفرا من أصحاب رسول الله ﷺ سألوا أزواج النبي ﵇ عن عمله في السر فأخبرنهم فقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا أنام على فراش. وقال بعضهم: أصوم ولا أفطر، فحمد الله النبي ﵊ وأثنى عليه، ثم قال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٤). وقال: «تزوجوا الولود والودود فإني

стр. 4842

مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» (١). وقال ﵊: «حبب إلي من الدنيا الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة» (٢). وعن أبي ذر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «وفي بضع أحدكم صدقة»، قالوا: يأتى أحدنا شهوته ويكون فيها له أجر؟. قال: «أفرأيتم لو وضعه في حرام، هل عليه وزر؟» قالوا نعم. قال: «فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» (٣). وما أحسن ما قال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمة الله عليه: (ليس العزوبة من أمر الإسلام في شيء، النبي ﵊ تزوج أربع عشرة امرأة ومات عن تسع، ثم قال: لو كان بشر بن الحارث تزوج قد تم أمره كله. لو ترك الناس النكاح لم يغزوا ولم يحجوا ولم يكن كذا، وقد كان النبي ﵊ يصبح وما عنده شيء، وكان يختار النكاح ويحث عليه، وينهى عن التبتل، فمن رغب عن عمل النبي ﵊ فهو على غير الحق. ويعقوب ﵇ في حزنه قد تزوج وولد له. والنبي ﵊ قال: «حبب إلي النساء». فهذه هي تعاليم شريعة الإسلام المستقاة من أصلين أساسيين لشرع الله: الكتاب والسنة. وتلك هي أقوال الصوفية، التي لم يأخذوها من هذا المورد العذب، والمنهل الصافي، بل أخذوها من الكهنة والبوذية كما مر ذلك، ونساك الجينية، ورهبان المسيحية. وأمر أولئك في هذا الباب مشهور ومعروف لا

стр. 4843

يحتاج إلى كثير من البيان. (١) عبد العزيز بن ناصر بن عبد الله بن رشيد (٢) (١٤٠٨ هـ) الشيخ عبد العزيز بن ناصر بن عبد الله بن عبد العزيز بن رشيد بن حدجان، من آل حصنان. ولد في بلدة الرس سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وألف، ونشأ فيها، ثم رحل إلى الرياض، فأخذ عن الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم والشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ. ثم سافر إلى مكة المكرمة سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة، فصار مدرسا في المسجد الحرام، ثم صار قاضيا في بلجرشي، وفي سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة عين مدرسا في المعهد العلمي بالرياض. وفي سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وألف عين رئيسا لهيئة التمييز بالرياض. وله مؤلفات تدل على سعة علمه واطلاعه الواسع في العلوم الشرعية. توفي ﵀ سنة ثمان وأربعمائة وألف. موقفه من الجهمية: له من الآثار السلفية: ١ - 'التنبيهات السنية في شرح العقيدة الواسطية'. ٢ - 'القول الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى'. (٣)

стр. 4844

أبو يوسف عبد الرحمن عبد الصمد (١) (١٤٠٨ هـ) الشيخ العلم عبد الرحمن بن يوسف بن محمود بن حسين بن علي بن عبد الصمد، ولد في بلدة عنبتا قضاء طولكرم التابعة لنابلس في فلسطين. نشأ يتيما لا أب ولا أم وهو دون التاسعة من عمره. خرج من فلسطين إلى لبنان فسوريا وبها تصوف على طريقة الرفاعية حتى منَّ الله عليه بمعرفة الحق الواضح الأبلج، فتبرأ من التصوف وأهله وحذر منهم. درس في المعهد العلمي بالرياض الذي افتتح عام إحدى وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة، تعرف على عدة مشايخ على رأسهم الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، وبقي في الرياض تسع سنوات حتى التحق بالجامعة الإسلامية حين افتتاحها سنة ثمانين وثلاثمائة وألف. ثم رجع إلى سوريا فعمل إماما وخطيبا في مناطق مختلفة، ثم رحل إلى الكويت وبقي فيها مدة، إلى أن وجهت له دعوة من الجمعية الإسلامية في ملبورن بأستراليا، فأجاب دعوتهم ورحل إليهم، فتوفي ﵀ هناك بأستراليا ودفن بها في مساء الخميس سبعة عشر شوال سنة ثمان وأربعمائة وألف للهجرة. موقفه من المبتدعة: له رسالة ماتعة بعنوان: 'أسئلة طال حولها الجدل'. وهي رسالة تشف

стр. 4845

عن منهج صاحبها الرقراق. - قال ﵀ فيها: مما لا شك فيه عندي في أن جميع البدع الشرعية المنسوبة إلى الدين بشتى ألوانها وصورها كلها ضلالة وفي النار، لأنها تشريع لم يأذن به الله، وحدث في الدين ما أنزل الله به من سلطان، وتحريف للكلم عن مواضعه، وإساءة في فهم قواعد الشرع العامة، وتلاعب في نصوص الدين الإسلامي الحنيف، وتمسك بما تشابه منه ابتغاء الفتنة وضرارا وتفريقا بين المؤمنين، وتمزيقا لشملهم. لكن الله جلت قدرته أبى إلا أن يحفظ دينه ويعلي كلمته، فأرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المبطلون، ويحق الحق بكلماته ويزهق الباطل وأهله. فكان حكم الرسول ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى- على جميعها بأنها ضلالة وفي النار، وكذلك الخلفاء والصحابة والأئمة رضوان الله عليهم أجمعين ورثوا ذلك عنه ﷺ وحذروا أتباعهم من اتخاذ البدع والعمل بها. (١) - ثم قال بعد ذكر الأدلة على ذلك وكلام الأئمة المعتبرين: وخلاصة القول: أنه قد ثبت أن جميع بدع العبادات كلها ضلالة وكلها في النار، وأنه لا يوجد في البدع الشرعية ما يمدح، وليس في الإسلام بدعة حسنة، بل كلها سيئة ومذمومة ومن زعم ذلك فينطبق عليه قول الإمام مالك ﵀: (من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة). وتقسيم من قسمها منصب على بدع العادات والبدعة اللغوية لا غير

стр. 4846

كالمنخل والأشنان ونحو ذلك من بدع العادات، ومعلوم أن الأمة متفقة على أن الخير كله في اتباع من سلف والشر كله في ابتداع من خلف، وأن الابتداع في الدين شر كله وليس فيه ما يمدح، والله تعالى أعلم. (١) - وقال ﵀ في شأن التقليد: مما لا شك فيه أن المتأخرين قد نسبوا إلى الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم أجمعين (مذاهب) وتعارفوا فيما بينهم على صحة ما نسبوه إليهم من تلك المذاهب وعرفوها بأنها عبارة عن (كتب المذهب) سواء نسبت للإمام نفسه أو إلى أحد تلامذته أو لأحد من مجتهدي المذهب، وسواء أكانت أصولا أو فروعا، متونا أو حواشي أو شروحا، وألزم أولئك المتأخرون أتباعهم بالتقيد التام بالمذهب وبأخذ جميع ما فيه من مسائل وغيرها، وعدوا الخارج عنها ولو بمسألة واحدة خارجا عن المذهب وعدوه ملفقا ومرقعا. لكن الأئمة رضوان الله عليهم أجمعين براء من كل ذلك، وبعيدون كل البعد عن أن يدعوا لأنفسهم مذهبا معينا على النحو المعروف اليوم ويلزموا أتباعهم بأن يلتزموه ويفرضوا عليهم أن يتقيدوا بأقوالهم وأفعالهم واجتهاداتهم وأن يأمروهم بعدم الخروج عنها، حاشاهم من ذلك ونعيذهم بالله أن يقع منهم مثل ذلك. بل الذي حصل منهم على العكس مما يدعيه المتأخرون، إنهم زجروا أتباعهم عن تقليدهم وتقليد غيرهم من الأئمة قال الإمام أحمد ﵀: (لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا) من إيقاظ الهمم للفلاني صفحة ١١٣ وأعلام الموقعين

стр. 4847

(٢/ ٣٠٢) وقال: (رأي الأوزاعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله رأي وهو عندي سواء وإنما الحجة في الآثار) ذكره ابن عبد البر في الجامع (٢/ ١٤٩) وللمزيد راجع مقدمة صفة صلاة النبي للألباني. وقال الإمام مالك: (ليس أحد بعد النبي ﷺ إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ ) ابن عبد البر في الجامع (٢/ ٩١). وقال: (إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه) ابن عبد البر (٢/ ٣٢). وقال الإمام الشافعي ﵀: (أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة عن رسول الله ﷺ لم يحل أن يدعها لقول أحد) راجع صفة صلاة النبي للألباني (المقدمة ص ٢٩ - ٣٠). وقال: (إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنة رسول الله ﷺ ودعوا ما قلت) المرجع السابق. وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: (ويحك يا يعقوب -هو أبو يوسف- لا تكتب كل ما تسمع مني فإني قد أرى الرأي اليوم وأتركه غدا، وأرى الرأي غدا واتركه بعد غد) نفس المرجع. هذا ما قاله هؤلاء الفضلاء ودُوِّنَ عنهم رضوان الله عليهم أجمعين، وبهذا أمروا أتباعهم، لا كما يزعمه المقلدة. صحيح أن كلمة المذهب قد وردت في معرض كلامهم وجرت على بعض ألسنتهم مثل قولهم: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) ومعلوم أن كلمة (المذهب) مأخوذة من ذهب يذهب ذهابا ومذهبا فهو ذاهب، ومقصودهم من هذه العبارة أنهم إذا وجدوا حديثا صحيحا عن رسول الله ﷺ في مسألة

стр. 4848

ما ذهبوا إليه وتمسكوا به وعملوا بما فيه وتركوا آراء الرجال وأقيستهم. وبعد التتبع والاستقراء وجدنا جميع مذاهبهم تقوم على ثلاثة أركان: الأول: صحة الحديث عن رسول الله ﷺ . الثاني: إذا خالفت أقوالهم قول النبي ﷺ رددنا أقوالهم وأخذنا بقول النبي ﷺ . الثالث: إذا صح الحديث في مسألة ما بخلاف ما قالوا رجعوا عما قالوه في حياتهم وبعد موتهم. (١) إلى أن قال: فالذي يُلزم الناس باتباع مذهب معين ويحملهم على التقيد بجميع ما فيه من المسائل وعدم الخروج عنه دون المذاهب الأخرى فإنه غير موفق للصواب ومخالف لجميع مذاهب الأئمة أنفسهم، بل يكون جاهلا أو صاحب هوى متبعا لهواه أعاذنا الله وإياكم من ذلك. وهنا نسأل الذي يلزم الناس باتباع مذهب معين والتقيد به دون المذاهب الأخرى؟ هل يعتقد بعصمة من يدعو الناس لاتباع مذهبه؟ وهل أحاط صاحب ذلك المذهب بجميع تعاليم الإسلام كما أنزلها الله على رسوله ﷺ كاملة وتامة؟. فإن قال بعصمة صاحب المذهب وعدم الخطأ وأنه أحاط بجميع تعاليم الإسلام كاملة غير منقوصة ولم يعزب عنه منها شيء فقد خالف الواقع المحسوس وما اتفقت عليه الأمة. وإن قال بعدم العصمة وبجواز الخطأ عليه

стр. 4849

وأنه لم يحط بجميع تعاليم الإسلام، فنقول له: كيف تلزم الناس بأن يتقيدوا بأقوال تحتمل الخطأ والصواب وبإسلام غير متكامل؟؟؟ وفي الحقيقة أن القول بإلزام الناس بمذهب واحد معين لا يعدو عن كونه نظرية من نسج الخيال ولا تمت إلى الحقيقة بصلة، يكذبها الواقع واقع الإسلام وواقع المسلمين في القرون الثلاثة المفضلة وتردها الأصول التي أصّلها أصحاب المذاهب أنفسهم. (١) - وله أيضا كتاب 'الرسالة العظمى' لكنه لم يتمه. وله ردود وتعقبات على كثير من الرسائل منها: - 'تبسيط عقائد المسلمين' لحسن أيوب. - 'نحو كلمة سواء وحوار كريم' لعبد الله نجيب. - 'الإمام الشيرازي' لمحمد حسن هيتو. وغيرها. موقفه من الجهمية: له رسالة في التوحيد. قال فيها ﵀: أقول: فأي محادة لله وللرسول ﷺ أكبر عند الله من ملحد يسمع قول الله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (٢) ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٣) ويقول: (لا أقول حي ولا لا حي) ويسمع

стр. 4850

قول الله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ الآية (١) وقوله: ﴿إِن اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨)﴾ (٢) ويقول: (لا أقول عالم ولا لا عالم). ولكن الحقيقة كل الحقيقة ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ (٣) وحسبهم قول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠)﴾ (٤). وهم القائلون: (سميع بلا سمع وبصير بلا بصر وحي بلا حياة ومريد بلا إرادة ومقتدر بلا قدرة ... إلخ). فرارا منهم من تعدد القديم زعموا. ونكتفي بالرد عليهم بما قاله الفاضل الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: (ومذهبهم الباطل لا يخفى بطلانه وتناقضه على أدنى عاقل؛ لأن من المعلوم أن الوصف الذي منه الاشتقاق إذا عدم فالاشتقاق منه مستحيل، فإذا عدم السواد عن جرم مثلا استحال أن نقول هو أسود إذ لا يمكن أن يكون أسود ولم يقم به سواد. وكذلك إذا لم يقم العلم والقدرة بذات استحال أن نقول: هي عالمة قادرة لاستحالة اتصافها بذلك ولم يقم بها علم ولا قدرة) [١/ ٣٠٩ أضواء البيان].

стр. 4851

وهنا أسأل أتباع هؤلاء سؤالا على النمط الذي وجه إلى بشر المريسي في فتنة خلق القرآن. فأقول: "قولكم لا نقول عالم ولا لا عالم وحي ولا لا حي وسميع بلا سمع وبصير بلا بصر وحي بلا حياة وقادر بلا قدرة ... إلخ" هل هذا القول من الدين الذي أكمله الله وأتمه ورضيه لنا دينا أم لا؟ فإن قلتم: من الدين، نقول لكم: هل علمه النبي ﷺ أم جهله؟ فإن قلتم: جهله، نقول لكم إنكم قد نسبتم إلى النبي ﷺ الجهل في الدين. شيء من الدين جهله النبي ﷺ وعلمتموه أنتم، سبحانك هذا بهتان عظيم. وإن قلتم علمه: نقول لكم: هل علّمه أحدا من أصحابه رضوان الله عليهم أم سكت عنه؟ فإن قلتم: علمه، نقول لكم: من روى هذا عنه ﷺ ؟ وفي أي الكتب روى؟ ودونكم خرط القتاد أن تثبتوا ذلك وأنى لكم التناوش. وإن قلتم سكت عنه ولم يعلمه أحد من أصحابه، نقول لكم: شيء سكت عنه النبي ﷺ ولم يعلمه أحدا من أصحابه وسكت عنه الخلفاء والصحابة وسكت عنه التابعون وتابعوهم بإحسان إلى يومنا هذا ولم يعلموه أحدا من العالمين ألا يسعكم السكوت عنه؟ لا وسّع الله على من لم يسعه ما وسع رسول الله ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم. وهذا السؤال يصلح أن يسأل به عن كل قول قاله الزنادقة والباطنية الحاقدة وعلماء الكلام وكذلك أتباع المشبهة والمجسمة والمعطلة والمؤولة

стр. 4852

والواقفية والمفوضة وغيرهم ولله الحمد والمنة. (١) - وقال ﵀ ردا على المؤولة، ومبينا فساد مذهبهم: أقول في مقالتهم هذه أن ظواهر هذه الصفات والمتبادر للذهب والسابق إلى الفهم من معاني الاستواء والنزول ... هو مشابهة صفات المخلوقين ... إلخ. إساءة الظن بالله جل وعلا واتهام لرسوله ﷺ ، وكيف يسوغ بمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعتقد أن في كلام الله الذي أنزله في كتابه ووصف به نفسه ما ظاهره التشبيه والكفر، ويتهم النبي ﷺ بعدم بيان ما ظاهره الكفر والتشبيه للأمة، مع أنه مأمور بتبليغ الرسالة للناس كافة وتبيين لهم ما نزل إليهم، وكيف يخطر ببال مسلم أن استواء الله على عرشه ونزوله إلى سماء الدنيا ومجيئه يوم القيامة ووجهه ويده ورضاه وغضبه ... إلخ يشبه صفات المخلوقين وهو القائل جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٢). ولكن أبى الزنادقة والباطنية الحاقدة وأفراخ الفلاسفة الملحدين وتلامذة المتكلمين واليهود المارقين، أبوا إلا الدس في هذا الدين الحنيف وزعزعة عقائد المسلمين، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. (٣) أسامة بن توفيق القصاص (٤) (١٤٠٨ هـ) الشاب الهمام العالم أسامة بن توفيق القصاص الداعية الفريد، وضع

стр. 4853

رحمه الله نفسه في خدمة العلم، ورفع منار التوحيد الخالص، والتعريف بالله الواحد، والتصدي بكل قوة لفرقة ضلت وانحرفت عن فهم صفات ربها وألحدت في أسمائه، وكفرت المسلمين، وسبت وشتمت علماء الإسلام واستحلت دماء الموحدين، وعاثت في الأرض فسادا ... وأن هذا الجهبذ ﵀ رحمة واسعة كان يعلم أن وراء بيان الحق وإنكار منكر هذه الطائفة الضالة أن يعرض نفسه للقتل. ومع ذلك فإنه لم يأبه لذلك، بل قال في كتابه هذا: (لقد هددوني بالقتل، وأوعزوا إلى أحدهم بالفعل، وهم يجهلون أنني أرضى بأن يطاح برأسي مقابل رأسهم وهم يظنون أن الله غافل عما يفعلون، أو أن المسلمين عنهم لاهون ... ألا إن الصبح قريب، وسبحان ربنا القائل: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ (١). قتلته ﵀ فرقة الأحباش الضالة المنحرفة بطرابلس الشام. ﵀ وأسكنه فسيح جناته. من تآليفه 'إشراقة الشرعة في الحكم على تقسيم البدعة' و'إثبات علو الله على خلقه والرد على المخالفين'. موقفه من المبتدعة: قال في كتابه 'إشراقة الشرعة' راد على من قسم البدعة إلى حسنة

стр. 4854

وسيئة، وأدحض فيه شبههم الواهية: فاعلم أخي أن حثالة من الناس حملت قول رسول الله ﷺ وقول بعض الصحابة، بل وقول بعض العلماء، على فهمها المعوج، لتضرب بذلك السنة الصريحة الواضحة، بل لتضرب الدين بالدين كفعل الزنادقة الملحدين الذين كان دأبهم أن يشككوا الناس في إسلامهم؛ وهكذا فالفعل شاهد المقصد. وغاية ما في الأمر أن بعض العلماء المتأخرين قال بتقسيم البدعة، وتبعه على ذلك من تبعه، ولكن تذرع من لا فهم عنده بهذا الأمر ليقول: إن بعض الابتداع في الدين يكون حسنا أو واجبا أو ما شابه، رافعا هذا القول لواء، وظانا أن بعض السنة يعاضده ويسانده ففرح المسكين، واستمال بذلك قلوب العامة ... (١) - وقال أيضا: عليك أن تعرف أخي أن الابتداع معناه أحد أمرين: إما أن الله تعالى لم يكمل الدين؛ وهذا كفر، إذ يقول الله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢). وإما أن الرسول ﷺ أخفق ولم يبلغ الرسالة حق التبليغ؛ وهذا اتهام له بالخيانة، وهو كفر، فالله تعالى امتدحه وجعله خاتم الرسل، وهو القائل ﵊: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على

стр. 4855

ما يعلمه خيرا لهم، وينذرهم ما يعلمه شرا لهم» (١). وقال ﷺ : «ما تركت شيئا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به» (٢). وقالت عائشة لمسروق ﵄: «ومن حدثك أن محمدا كتم شيئا مما نزل عليه فقد كذب» (٣). وقال مالك ﵀ في هذا الشأن وهو عالم دار الهجرة: (من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٤)، فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا). فمن ابتدع إذا كان هذا معنى فعله، وهو أنه متهم لرسول الله ﷺ بالخيانة لدين الله وحاشاه. وكذلك ليس لأحد أن يقول عن شيء هذا أمر صغير أو حسن، لأن الوصف لا وزن له مع قبح الفعل وهو الابتداع؛ لأن البدعة مضاهية للشريعة، والتشريع من حق الشارع. ومن قال عما لم يكن مشروعا: هذا حسن، فكأنما نصب نفسه إلها أو ندا لله تعالى، وكذلك العقل فهو مناط التكليف، ولم يقل أحد هو مناط التشريع، ولو كان ذلك من حقوقه لما كان

стр. 4856

هناك من دافع إلى إنزال الكتب وإرسال الرسل، إذ كل منا عندئذ يتخذ دينا يتعبد به بمحض اختياره. وهذا كله باطل، فالدين واحد وهو كامل لا يحتاج إلى من يزيد عليه، وليس للبشر ولا للملائكة ولا للجن أن يتصرفوا فيه بالزيادة والنقصان، فإذا كان هذا ليس من حق الرسل، فكيف يكون من حق من هو دونهم؟! قال الله تعالى في رسوله اللأعظم: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (١). فهذا الوصف الرباني لرسول الله ﷺ يبين لنا أن كلامه لم يكن من عنده، بل هو وحي من الله، ويؤكد وجوب اتباع القرآن والسنة، لكونهما خاليين من هواه ﷺ ، ومن هنا كانا دينا يتعبد به ويلتزم. فكيف يتعبد إذاً بقول الرجال وأهواء الجهال؟!! اللهم غفرا. (٢) - وقال: ومن أشنع وأبشع ما يسمع من الكلام قول بعض الجهال -إذا ما نهيته عن بدعة-: (أهذا الأمر الصغير بدعة؟) فمشكلة هؤلاء أن أحدهم ينظر إلى البدعة في شكلها لا فعلها، ولو فقهوا معناها لأدركوا قيمة هذا النهي ولكن هيهات، فقد غلفت قلوبهم غشاوة الاستحسان، فأصبحوا لا يفرقون بين السنة والبدعة بخلاف السني فإن قلبه مرآة صافية، إذا ما عرضت له نكتة سوداء سارع إلى حكها، لأنها تظهر بوضوح لنصاعة القلب وطهره، وليعلم

стр. 4857

الجاهل بأن الأمر إن كان تافها في عينه لا يحتاج إلى نهي فإنه لا بد ولا ريب سيترسخ في يوم من الأيام حتى يصبح عند الناس سنة، وهذا خطر جسيم، لأن شرائع أو طبائع البشر تصبح بذلك دينا، والإسلام لا يقبل الزيادة أو النقصان. (١) - وقال: فالمبتدع كما ترى سفيه أحمق وعقله مغلق، يظن بفعله أنه يؤجر ويثاب، ولا يدري ما ينتظره من العقاب، وهو يحتج على نهيك بقول ساقط وخيم، وهو أنه يصلي أو يذكر أو يصوم، ويتجاهل أن هذه العبادات لها كيفيات وأوقات، فإن خرجت عنها استحق صاحبها العقوبات وخرجت عن كونها قربات. (٢) وقال (٣): عصابة ظهرت في الدين مفتتنة ... قالت وجدنا وجدنا بدعة حسنه وكان تقسيم بعض الناس عمدتَها ... مع أنه لغوي عند من وزنه تعسا لها جهلت أن كل محدثة ... في الشرع مذمومة قد خالفت سننه إذ لم يفرق بقول منه ينصرها ... بل قوله (كل) يعني كلها نتنه وإن من صحبوا المختار سائرهم ... نصوا على قبحها ردا على الخونه حتى الذي صنعوا من قوله حججا ... وحرفوا قصده قد حوربت زَمَنَه لم يعرفوا عمرا يا ويح نظرتهم ... فكيف يهدون إذ أفهامهم زَمِنَه

стр. 4858

هو المداوي صبيغا من ضلالته ... بضرب عرجونة وهو الذي سجنه قلنا لهم بحديث المصطفى اعتصموا ... فعصمة المرء بالقرآن إن قرنه لكنهم أعرضوا عن قولنا عجبا ... يستحسنون بأهواء لهم عفنه كم من حقائق عن أحوالهم ظهرت ... إن رمت تعرفها سل أنفسا فطنه فقد كشفنا معاني فعلهم ولذا ... تعلق القلب بالمأثور واحتضنه النفس جامحة مثل الحصان فإن ... تتركه يهلك لذا أحكم له رسنه ما الابتداع سوى أهواء صاحبها فكل مبتدع لا بد متبع ... لأنه مظهر ما النفس مختزنه وديننا آية أو سنة أبدا ... لها فما خرجت عن كونها وثنه فذاك موطننا لانرتضي بدلا ... دوما على مثل هذا الروح مئتمنه فيه الأمان فهلا كنت زائره ... وإن رأى غيرنا في غيره وطنه لا تحتقر أهل من دانوا بمنهجنا ... حتى تسائل عما فيه من سكنه في الله حدتهم هذي مزيتهم ... حتى وإن خرجت ألفاظهم خشنه فالحق غايتهم والصدق رايتهم ... عند التعدي أتبقى النفس متزنهه؟ الشرع بالنص لا بالقول تعرفه ... ماذا يروم الفتى بعد الذي أمنه كم باطل فيه ألفاظ منمقة ... فلن يكون لأقوال الرجال زنه وكم طوائف هلكى في ضلالتها ... وكم خبيث يرى في عصبة لسنه فالمحدثات كموج فيه ملتطم ... هذا الزمان عصيب فاجتنب فتنه أمواجه بالهوى لا بالهوا اضطربت ... يا ويل خائضه هلا درى جننه فيها الهلاك بغير المصطفى ونجا ... من كان متخذا آثاره سفنه

стр. 4859

أهل الحديث هم الناجون وحدهم ... أثارها فئة للدين ممتهنه يا قبح شانئهم لو فيه من خفر ... فهل سلا غضبة الجبار مبتدع ... وسط الخضم وإن لاقوا به محنه ومستحق لهذا من طغى وبغى ... لكان منه لسان السوء قد دفنه تراه عند لقاء الرعن مبتهجا ... وَيْلُمِّهِ كم رسول الله قد لعنه فلا تجالس عدوا للحديث فكم ... إذ تلك مهنته بالسوء مرتهنه أنقذ بذلك من أمسى ضحيتهم ... وإن يلاقي مداري سنة طعنه وإن أصابك من جراء ذا ضرر ... بسمه محدث من صاحب حقنه من كان متبعا نهج الرسول أخي هيء وليدك وازرع فيه سنته ... وقل ليصرف عن أقوالهم أذنه هذي الرعاية أعلى في جلالتها ... فهب لغيرك نصحا وانتظر ثمنه عود بنيك لزوم الاقتداء به ... إلى النهاية سنيا ترى كفنه يا ويحهم نحن حراس العقيدة كم ... كذا بحب الصحاب امزج له لبنه نحن الهداة علينا واجب ولذا ... من أن تنمي أو ترعى له بدنه يا عزنا عندما نلقى الإله غدا ... حتى يكونوا رجالا بالعلى قمنه فأين هم؟ يا لهم زادوا ببدعتهم ... تخشى العيون لغدر الجهل وطء سنه لاشك أنهم ليسوا بذا معنا ... منا القلوب بهذا الأمر ممتحنه إن قيل ما فعلوا؟ قلنا قد اتخذوا ... وقد أباح لنا من فضله عدنه على البناء الذي لم يفتقد لبنه بل مع زبانية للنار هم خزنه لهم مشائخ كالأحبار والكهنه موقفه من الجهمية: له كتاب: 'إثبات علو الله على خلقه والرد على المخالفين'. أو 'إثبات

стр. 4860

علو الرحمن من قول فرعون لهامان' كما سماه في مقدمته، وهو مطبوع متداول في جزءين، طبع دار الهجرة. قرر فيه صفة (العلو) لله بالأدلة السمعية: القرآن والسنة والآثار وضمنها نقولا عن الأئمة في الأخذ بهذه الأدلة. وناقش فيه المخالفين بالحجج العقلية، قال ﵀ في مقدمة الكتاب: أبدأ بعون الله تعالى فأقول: إنه من المصائب الكبرى ما يردده أتباع الجهمية في عصرنا الحاضر، وهو إنكار علو الله تعالى على خلقه، وإنكار استوائه على عرشه، معتمدين بذلك على عقول بعض الجهال، الذين أخذوا دينهم عن المحاولات الفلسفية، والسفسطات الكلامية، وراحوا يردون دين الله بالشبهات، مما أدخل على فطر بعض الناس شوائب كثيرة، حتى اجترؤوا على كلام الله وكلام رسوله، وظنوا أن هذا تنزيها لله وما هو بتنزيه فقد ظنوا التعطيل تنزيها، فعبدوا العدم، وقالوا أقوالا، لا يجرؤ على ذكرها القلم. لقد أعاد التاريخ نفسه، ولملم معه بعض شتات الانحراف، فرمى على درب الزمان، نسخة ممسوخة، لو قلبتها بين يديك، وأمعنت فيها النظر، لنظرت فيها نماذج، من بعض أنواع البشر. إن كان قد عير التاريخ، بمثل جهم بن صفوان، وبشر المريسي، والجعد ابن درهم، وغيرهم من رموز الضلال. فلايزال العار آخذا بصفحة عنقه، ودامغا على جبهته، ولكن بصور أخرى لتلك الرموز.

стр. 4861

ها هم اليوم أفراخ الجهمية يتخذون لأنفسهم رؤوسا، ليسلكوا تلك الطريق، التي عجز عن سلوكها أربابهم، لعلهم ينجحون في المهمة المستحيلة، ويا ليتهم يعودون عن غيهم إلى الرشد، ويدركون تلك الحقيقة .. حقيقة الوعد. نعم، حقيقة الوعد من الله بحفظ هذا الدين، فلينظروا كيف قيض الله عبر العصور، وعلى امتداد الزمان لهذا الدين، من ينافح عنه، ويذب كل دخيل، جاعلا من نفسه سياجا يقي صفاءه من الكدر، ويحمي سماحته من شياطين الجن والبشر، كيلا يحولوا بساطته إلى رمز خفي، تنقطع دون فهمه أعناق المطي. لقد اتخذ بعضهم شيخا لهم الذي قال مدعيا كما قال غيره: اثنان من يعذلني فيهما ... فهو على التحقيق مني بري حب أبي بكر إمام الهدى ... ثم اعتقادي مذهب الأشعري قلت: هذا زعم منك، وإني لأقول لك: بل أنت لا تصدق يا عبدري ... ها جئت بالمذموم والمنكر إن كنت بالتعطيل له تابعا ... قد عاد عن تعطيله الأشعري أو كنت في شك وفي ريبة ... فانظر لهذا "كذب المفتري" قد صور التاريخ عارا، بدى ... في صورة من صور الأعصر مثل المريسي وجهم نرى ... فيك وفي سيدك الكوثري لقد غفل الإمبراطور وعصابته، عن أن صفات الله لا تقاس بصفات المخلوقين، ولم يدركوا ما لعلوه سبحانه فوق خلقه، من آيات العظمة التي لا

стр. 4862

تحصى. فكيف يرد الدين لقول الجاحدين والجاهلين؟!! سبحانك ربي! هذا بهتان عظيم. وقد فصل الله آياته وأحكمها، فهي هدى ونور للمتقين، الذين أرادوا الله، إذن كيف يدعونها لقواعد فلسفية بنيت على المقاييس!؟ ففي كتاب الله، فصل المقال، يهرع إليه عند النزاع. فالله تعالى يقول: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ (٢) فهو في كتابه المفصل والمحكم، وصف نفسه بالعلو، ثم جئتم أنتم تنكرون ﴿آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ (٣) ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ (٤). إنكم تردون الحق بحجج متهافتة وواهية، كلها مبنية على المقاييس، وكل ذلك وحي من الشيطان، كما أوحى إلى مشركي مكة أن يسألوا رسول الله ﷺ عن الشاة، تصبح ميتة: من قتلها؟ فقال: «الله قتلها» (٥) فأوحى إليهم أن يقولوا له: "ما ذبحتموه بأيديكم حلال، وما ذبحه الله بيده الكريمة حرام، فأنتم إذن

стр. 4863

أحسن من الله؟ " فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أوليائهم لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ (١). فنحن لا نحب الجدال والمراء، لأن الله ما غضب على قوم إلا أورثهم الجدل، ويعلم الله أنني عندما أسير في الطريق، أتذكر قول الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ (٢). ولكن الحاجة في بعض الأحيان، تستدعي المجابهة والمواجهة، ولاسيما عندما يوجد معهم، بعض المساكين، الذين يلبسون عليهم الحقائق، ويزرعون في أذهانهم الشبهات. وبفضل الله تعالى -وهو ينصر دينه- تسقط حججهم في كل جلسة مناظرة، الواحدة تلو الأخرى، والله يقول: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ (٣). وقد عرفت بحكم الاحتكاك المتواصل بهم، والممارسات المتلاحقة، أنهم لا يأخذون بظاهر النصوص، فهم يقرون بوجود الآيات والأحاديث، لكن يتأولون ذلك على غير حقيقته، الأمر الذي دفعني إلى أن أرد عليهم ردا

стр. 4864

عقليا، يخصهم، لعلهم يرجعون عما هم فيه من التحريف، والله يعلم أنني لم أكن محبا لما خط قلمي، لميلي إلى أسلوب النصوص، ولكن الحاجة ماسة، وتستدعي مثل هذا النوع من الردود، وهو أمر بحسب الضرورة، لا سيما أن المسلم بحكم طبيعته، لا ينبغي -في حيز العلاقات- أن يخلو من رابطتين: رابطة العبادة، وتكون بين العبد والمعبود. ورابطة الدعوة إلى العبادة، وتكون بين العبد والعبد. وليس في التوحيد أنانية، حتى يستأثر العبد به دون سواه، بل عليه أن يوحد الله، وأن يدعو غيره إلى توحيده. هذا، ولما عرفت من أنهم لا ينكرون النصوص، بل يؤولونها، كان الأمر مستدعيا، أن يرد عليهم رد يلزمون به، وإن كان عقليا، والضرورة تعظم عندما يعلم المسلم أن رجوع أحدهم عن غيه، إنما هو رجوع لخلق معه، بل إحالة دون وقوع أناس في هذا الشرك، لأن أحدهم لابد من أن يدعو إلى ضلاله أناسا كثيرين. وقام بتوجيه مثل هذه الردود، علماء عظماء، وعلى رأسهم إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل، ونرى ذلك في رده الذي أقام به الحجة على الجهمية والزنادقة، حيث قال رضي الله تعالى عنه: (إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أن الله في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان، فقل: أليس الله كان ولا شيء؟ فيقول: نعم. فقل له: حين خلق الخلق خلقه في نفسه أو خارجا من نفسه، فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال لابد له من واحد منهما.

стр. 4865

إن زعم أن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه كفر، حين زعم أن الجن والإنس والشياطين في نفسه. وإن قال: خلقهم خارجا من نفسه ثم دخل فيهم كان هذا كفرا أيضا حين زعم أنه دخل في مكان وحش قذر رديء. وإن قال: خلقهم خارجا من نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله أجمع وهو قول أهل السنة). وهذا من نمط الردود العقلية، دعت إليه الحاجة والضرورة .. وقد يكون واجبا في بعض الأحيان كما قرر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. وكان العلماء الأوائل قد ردوا على أربابهم بالنصوص، ولما كانت هناك شبهات أخرى حادثة عند هؤلاء الموجودين بين أرجلنا، دعت الحاجة إلى أن يرد عليهم بالنصوص أيضا، مع إسقاط تأويلاتهم وتحريفاتهم، ورد شبهاتهم بالحجج والبراهين، وهذا ما حبذه الكثير من أهل الحق، وهو أن يرد عليهم بالآيات والأحاديث مع رد تأويلاتهم لها، لا الاكتفاء بسردها. وما كان ضلالهم إلا بالظن واتباع الهوى، والله ﵎ يقول: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾ (١). فقد أرادوا تنزيه الله بعقولهم وأهوائهم، ونصبوا أنفسهم حاكما على الله، يثبتون له ما يشاؤون، وينفون عنه ما يختارون، فكان مثلهم كمثل ﴿الَّذِينَ ضَلَّ

стр. 4866

سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ (١). فهؤلاء هم الأخسرون أعمالا، وهم في الدنيا عمي: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ (٢). وهذا ما عزمنا على القيام به، مستعينين بالله تعالى. ولا يمكننا تجاهل ذلك الفرق العظيم بينهم وبين أجدادهم، فهم يقولون (الله ليس في مكان على الإطلاق) فهو عندهم، ليس فوق، ولا تحت، ولا يمين، ولا يسار، ولا خلف، ولا أمام، ولا متصل بالعالم، ولا منفصل عنه. ولا داخل العالم ولا خارجه. وهكذا شبهوا الرب سبحانه بالعدم. فكان هذان الفريقان بين الإفراط والتفريط. أو ليس كان يسعهم أن يكونوا على منهاج أهل السنة والجماعة يثبتون ما أثبت الله لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ ، فيقولون: ربنا في السماء، كما أخبر وأنزل، فيرفعون أيديهم إليه، ويسألونه الهدى والتقى، والعفاف والغنى، ولكن ماذا نقول!! فلا اعتراض على قدر الله الذي من يهده فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا. وأما الذين يؤمنون بكتاب الله تعالى، أي الذي يتبعون ما فيه فهؤلاء اتبعوا الهدى، إذ يقول المولى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ

стр. 4867

هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ (١) وهم يزدادون من هدى الله كلما ازداد اتباعهم له. ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ (٢)، فهذا الهدى لا يأتي إلا باتباع ما أنزل وبالإيمان به على الحقيقة التي نزل بها، لا تأويل ولا تعطيل، لأن الله أنزل الكتاب ليبين الحق وينير السبيل ... وها قد أضفت إلى صواعق العلماء صاعقة جديدة، فيها من الحقائق والبراهين النقلية عن الله وعن رسوله وعن علماء الأمة، ما يدمر الأكاذيب والأباطيل، لاسيما أن الرسالة الأولى التي ناقشتهم فيها بالعقل، كانت تحتاج إلى الأصل، وهو أن يؤخذ الدين بالنقل لا بالعقل، ولكن سبحان الله! فقد كانت الظروف والدوافع إلى إخراج تلك قبل هذه كثيرة. وفي هذه الرسالة برهان لكبارهم وصغارهم، فمن جحد بعدها، فلا أظن أنه يؤمن بحقيقة آية من آيات الله، وقد اتبعت فيها أسلوبا مجديا، يناسب الشبهات الجديدة التي أوردوها، إذ ذكرت الأدلة من الآيات والسنن ثم جاوبت عن كل عذر اعتذروا به أو تذرعوا، وأبطلت كل مذهب ذهبوا إليه، وكشفت الستار عن شبهات يطرحونها بين الناس ليلبسوا عليهم دينهم، فكبلت أقوالهم بقيود الكتاب والسنة، ومدلول العربية التي خاطب الله بها عباده في قرآنه العزيز. (٣)

стр. 4868

محمد جميل غازي (١٤٠٩ ه ـ) الشيخ محمد جميل غازي ولد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة، بقرية كفر الجرايدة بمحافظة كفر الشيخ بمصر، وقد حصل على الشهادة الابتدائية بتفوق في عام ثلاث وسبعين وثلاثمائة وألف من المعهد الأحمدي بطنطا، ثم أكمل دراسته بنفس المعهد وبعد حصوله على العالمية "ليسانس اللغة العربية" في عام ثلاث وثمانين وثلاثمائة وألف عمل الشيخ موظفا بوزارة الثقافة بمحافظة المنصورة، ثم انتقل للعمل بالقاهرة، فاتسع نشاطه وذاع صيته. حصل الشيخ على درجة الماجستير في الآداب، ثم الدكتوراة في عام اثنتين وتسعين وثلاثمائة وألف بامتياز مع مرتبة الشرف، وكان موضوعها: 'تحقيق كتاب: لأبي هلال العسكري'. ترأس الشيخ مجلس إدارة المركز الإسلامي لدعاة التوحيد والسنة بعد أن أسسه. هذا، وقد وصل الشيخ إلى درجة "كبير الباحثين" في المجلس الأعلى للفنون والآداب، كما تم اختياره -قبل وفاته- عضوا بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية. وله مؤلفات عديدة من بينها: 'مفردات القرآن الكريم' و'الطلاق شريعة محكمة لا أهواء متحكمة' و'الصوفية: الوجه الآخر'. وتوفي ﵀ في الأول من ربيع الأول عام تسع وأربعمائة وألف، وتظل القضية التي شغلت حياته هي: محاربة البدع والخرافات، وكشف أوهام الصوفية، والدعوة إلى التوحيد الخالص، ونشر العلم الصحيح بين الناس.

стр. 4869

موقفه من المبتدعة: له تقدمة على كتاب 'العواصم من القواصم' لابن العربي، قال فيها: وينبغي لنا، ويجمل بنا، أن نتوقف عند هذه النقطة من هذه المقدمة لنقول: إن ثراء الثقافة الإسلامية .. وإن باب الاجتهاد المفتوح على مصاريعه فيها .. وإن ترحيبها المستمر بكل الأمم والشعوب .. إن كل أولئك كان مدخلا تسللت منه رواسب ثقافات، وبقايا اعتقادات ومزيج من الخرافات التي لا تتفق مع الإسلام في الشكل أو في الموضوع. أرأيت إلى النهر العظيم، وهو يهدر في مجراه .. وينساب قويا عظيما ليروي الظماء من البشر والحيوان والطير والقفار .. أرأيت إلى هذا المنهل العذب وعطائه العظيم .. كذلك .. نهر الثقافة الإسلامية .. ثم .. أرأيت إلى ما يعلق بهذا النهر من غثاء .. ونباتات طفيلية .. وجنادل وصخور ناتئة من شطآنه .. أو ملقاة في سبيل مده الهادر. كذلك .. نهر الثقافة الإسلامية. وإذا كان كل نهر في حاجة إلى من يطهر مجراه .. ويعمقه .. ويزيل ما علق بمجراه، من كل ما يعوق تدفقه واندفاعه فكذلك الإسلام .. وهذا هو دور المجددين الذين قال فيهم رسول الله ﷺ : «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها» (١) .. وكلمة (من) لا تعني مجددا واحدا .. بل تعني عشرات، ومئات، وألوف المجددين .. على طول الزمان .. وعرض المكان. والتجديد يكون لأمر الدين لا للدين

стр. 4870

نفسه. وأمر الدين كله يتسع ليشمل كل المعارف التي فجرها هذا الدين، سواء أكانت في أصول الدين، أم أصول الفقه، أم أصول الدنيا .. إن الأمم الكثيرة والأملاء التي لا تكاد تنتهي حصرا واستقصاء من الداخلين في هذا الدين .. قد جروا معهم عن قصد أو عن غير قصد، بحسن نية أو بسوء نية .. مجموعة من الأفكار، والاتجاهات، والمأثورات الشعبية، والأساطير القومية والاتجاهات السياسية، والانتماءات الحزبية. وكل ذلك -وغيره كثير- شكل ركاما من الدخيل الذي ألصق بالثقافة الإسلامية إلصاقا .. ومثل من نسميه بالخرافات والبدع والأقاصيص. ولقد كان المجال التاريخي -ولا زال، وسيظل- معبرا للتصورات الباهتة، والروايات الموضوعة، التي تؤيد حزبا ضد حزب، وتعين فريقا على فريق، إن "الرواية التاريخية" أصبحت على لسان المحاربين كالسيف الذي في أيديهم يقتلون بها .. ويثيرون القلاقل في صفوف أعدائهم .. وإذا كانت "الحرب الباردة" تعتمد على "الإشاعة" و"الأكاذيب" .. فإن "الإشاعة" و"الأكاذيب" تحولت إلى روايات تاريخية .. بل إلى روايات حديثية .. يضعها الوضاعون، ثم يرفعونها بلا خوف ولا خجل إلى الرسول ﷺ ، أو يوقفونها بلا حياء ولا استخزاء عند صحابته رضوان الله عليهم .. وإن الله الذي تعهد بحفظ "ذكره" و"وحيه" قيض لهذه الثقافة من ينفي عنها الخبث والعبث والضلال والتضليل والزيف والدخيل. (١)
следующие страницы →