← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

محمد، وآخرون. وهو آخر من رأى النبي ﷺ وصحبه من بني هاشم. كان كبير الشأن كريما جوادا يصلح للإمامة. عن عبد الله قال: "أتانا النبي ﷺ بعد ما أخبر بقتل جعفر بعد ثالثة فقال: لا تبكوا أخي بعد اليوم، ثم قال: ايتوني ببني أخي، وقال: أما عبد الله فشبه خلقي وخلقي، ثم أخذ بيدي فأشالها، ثم قال: اللهم اخلف جعفرا في أهله، وبارك لعبد الله في صفقته". وقال عنا: أنا وليهم في الدنيا والآخرة. (١) وكان ابن عمر إذا سلم عليه قال: "السلام عليك يا ابن ذي الجناحين" (٢)، ولعبد الله أخبار في الجود والبذل كثيرة، وكان وافر الحشمة، كثير التنعم، حتى كان يقال له: قطب السخاء. توفي سنة ثمانين وصلى عليه أبان بن عثمان والي المدينة. موقفه من الرافضة: عن جعفر بن محمد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر قال: ولينا أبو بكر خير خليفة، أرحمه بنا، وأحناه علينا. (٣) موقفه من القدرية: جاء في الإبانة: كان عبد الله بن جعفر وعمر بن عبد الله يسيران في موكب لهما، فذكروا القدرية وكلامهم، فقال ابن جعفر: هم الزنادقة، فقال

стр. 492

عمر بن عبد الله: إنما يتكلمون في القدر؛ فقال ابن جعفر: هم والله الزنادقة. (١) خَيْثَمَة بن عبد الرحمن (٢) (بعد سنة ٨٠ هـ) خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرَة الجُعْفِي الكوفي، وأبوه وجده صحابيان. روى عن أبيه والبراء بن ع (٩) وعائشة وعدي بن حاتم وعبد الله ابن عباس وابن عمر وعلي ﵃، وطائفة. وروى عنه إبراهيم النخعي وسليمان الأعمش وقتادة ويونس بن أبي إسحاق وسعيد بن مسروق وغيرهم. قال أحمد العجلي: كوفي تابعي ثقة، وكان رجلا صالحا، وكان يركب الخيل، وكان سخيا. وعن طلحة بن مصرف: ما رأيت بالكوفة أحدا أعجب إلي من إبراهيم وخيثمة. قال البخاري: مات قبل أبي وائل. قال شعبة: عن نعيم بن أبي هند، قال: رأيت أبا وائل في جنازة خيثمة وهو على حمار وهو يقول: واحزناه، أو كلمة نحوها. توفي ﵀ بعد سنة ثمانين. موقفه من المرجئة: جاء في مجموع الفتاوى: قال خيثمة بن عبد الرحمن: الإيمان يسمن في الخصب، ويهزل في الجذب، فخصبه العمل الصالح، وجذبه الذنوب والمعاصي. (٣)

стр. 493

محمد بن علي بن الحَنَفِيَّة (١) (٨١ هـ) هو محمد بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، كنيته أبو القاسم وأبو عبد الله، القرشي الهاشمي، المدني، أخو الحسن والحسين، وأمه من سبي اليمامة، وهي خولة بنت جعفر الحنفية. روى عن أبيه علي، وأبي هريرة، وعثمان وابن عباس، وعنه جماعة منهم: أبناؤه إبراهيم والحسن وعبد الله وعمر وعون، وكذا عطاء بن أبي رباح وسالم بن أبي الجعد. وفد على معاوية، وعبد الملك بن مروان، وكانت الشيعة في زمانه تتغالى فيه، وتدعي إمامته، ولقبوه بالمهدي، ويزعمون أنه لم يمت. قال عبد الأعلى: إن محمد بن علي كان يكنى أبا القاسم، وكان ورعا كثير العلم. وقال عنه العجلي: تابعي ثقة، كان رجلا صالحا. ومن أقواله: ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا حتى يجعل الله من أمره فرجا، أو قال: مخرجا. وقال: من كرمت عليه نفسه لم يكن للدنيا عنده قدر. وقال أيضا: إن الله جعل الجنة ثمنا لأنفسكم فلا تبيعوها بغيرها. توفي ﵀ سنة إحدى وثمانين. موقفه من المبتدعة: - جاء في الإبانة: عن محمد قال: لا تجالسوا أصحاب الخصومات فإنهم

стр. 494

الذين يخوضون في آيات الله. (١) - وفيها (٢): عنه قال: إن أسرع الناس ردة أهل الأهواء، وكان يرى أن هذه الآية نزلت فيهم ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٣). " التعليق: رضي الله عن هذا الإمام، إذ حصر الثبات لحملة السنة والكتاب والعقيدة السلفية الصحيحة، وأما المبتدعة فلا تجد لهم ثباتا، لأنهم في شك مما هم فيه، ولأن شروط الثبات فقدت فيهم، ومن شك في ذلك فليراجع تراجم الفلاسفة والكلاميين كم واحد منهم تاب وتراجع عن بدعته، وأعلن توبته للناس كما فعل الأشعري والرازي والغزالي وغيرهم مما لا يحصى لكثرتهم. - وجاء في أصول الاعتقاد: عن أبي يعلى عن محمد بن الحنفية قال: لا تنقضي الدنيا حتى تكون خصومات الناس في ربهم. (٤) - وروى ابن بطة: عن جابر قال: قال لي محمد بن علي: يا جابر، لا تخاصم فإن الخصومة تكذب القرآن. (٥)

стр. 495

موقفه من المشركين: جاء في السير: عن محمد قال: نحن أهل بيتين من قريش نتخذ من دون الله أندادا، نحن وبنو أمية. (١) موقفه من المرجئة: عن فضيل بن يسار عن محمد بن علي قال: في قول رسول الله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن" (٢)، قال: إذا أتى شيئا من ذلك نزع منه الإيمان، فإن تاب تاب الله عليه. قال محمد بن علي: هذا الإسلام وأدار إدارة واسعة وأدار في جوفها إدارة صغيرة، وقال: هذا الإيمان، قال: فالإيمان مقصور في الإسلام، قال: فقول رسول الله ﷺ : "لا يزني حين يزني وهو مؤمن" إذا أتى شيئا من ذلك خرج من الإيمان إلى الإسلام، قال: فإذا تاب تاب الله عليه ورجع إلى الإيمان. (٣) موقفه من القدرية: روى اللالكائي بسنده عن منذر أبي يعلى قال: قال محمد بن الحنفية: من أحب رجلا على عدل ظهر فيه وهو في علم الله من أهل النار آجره الله كما لو كان من أهل الجنة، ومن أبغض رجلا على جور ظهر منه وهو في

стр. 496

علم الله من أهل الجنة آجره الله كما لو كان من أهل النار. (١) موقف السلف من معبد الجهني القدري (٨١ ه ـ) قال ابن كثير في البداية: يقال إنه معبد بن عبد الله بن عكيم راوي الحديث: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" (٢) وقيل غير ذلك في نسبه. سمع الحديث من ابن عباس وابن عمر ومعاوية وعمران بن حصين وغيرهم، وشهد يوم التحكيم وسأل أبا موسى في ذلك ووصاه، ثم اجتمع بعمرو بن العاص فوصاه في ذلك فقال له: إيها ياتيس جهنة، ما أنت من أهل السر والعلانية وأنه لا ينفعك الحق ولا يضرك الباطل، وهذا توسم فيه من عمرو ابن العاص، ولهذا كان هو أول من تكلم في القدر، ويقال إنه أخذ ذلك عن رجل من النصارى من أهل العراق يقال له سوس، وأخذ غيلان القدر من معبد، وقد كانت لمعبد عبادة، وفيه زهادة، ووثقه ابن معين وغيره في حديثه، وقال الحسن البصري: إياكم ومعبدا فإنه ضال مضل، وكان ممن خرج مع ابن الأشعث، فعاقبه الحجاج عقوبة عظيمة بأنواع العذاب ثم قتله. وقال سعيد بن عفير: بل صلبه عبد الملك بن مروان في سنة ثمانين بدمشق ثم قتله. وقال خليفة بن خياط مات قبل التسعين فالله أعلم وقيل إن الأقرب قتل

стр. 497

عبد الملك له والله أعلم. (١) المُهَلَّب بن أَبي صُفْرَة (٢) (٨٢ هـ) أبو سعيد، المُهَلَّب بن أبي صُفْرَة الأَزْدِي العَتَكِي البصري. أمير عبد الملك بن مروان على خراسان، صاحب الحروب والفتوح، حدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص وسمرة بن جندب وابن عمر والبراء بن عازب. وروى عنه سماك بن حرب وأبو إسحاق وعمر بن سيف. قال أبو إسحاق السبيعي: لم أر أميرا أيمن نقيبة ولا أشجع لقاء ولا أبعد مما يكره ولا أقرب مما يحب من المهلب. كان من أشجع الناس، حمى البصرة من الخوارج، وله معهم وقائع مشهورة بالأهواز، غزا أرض الهند سنة أربع وأربعين. روي أنه قدم على عبد الله بن الزبير أيام خلافته بالحجاز والعراق وتلك النواحي وهو يومئذ بمكة، فخلا به عبد الله يشاوره، فدخل عليه عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف بن وهب القرشي الجمحي فقال: من هذا الذي قد شغلك يا أمير المؤمنين يومك هذا؟ قال أو ما تعرفه؟ قال: لا، قال: هذا سيد أهل العراق، قال: فهو المهلب بن أبي صفرة. قال: نعم، فقال المهلب: من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا سيد قريش، فقال: فهو عبد الله بن صفوان، قال: نعم. من أقواله: يعجبني في الرجل أن أرى عقله

стр. 498

زائدا على لسانه ولا أرى لسانه زائدا على عقله. وقال أيضا: نعم الخصلة السخاء، تستر عورة الشريف، وتلحق خسيسة الوضيع، وتحبب المزهود فيه. وقال: ما شيء أبقى للملك من العفو، خير مناقب الملك العفو. وعلق الذهبي على هذه القولة بقوله: ينبغي أن يكون العفو من الملك عن القتل، إلا في الحدود، وأن لا يعفو عن وال ظالم، ولا عن قاض مرتش، بل يعجل بالعزل، ويعاقب المتهم بالسجن، فحلم الملوك محمود إذا ما اتقوا الله وعملوا بطاعته. توفي ﵀ غازيا سنة اثنتين وثمانين. موقفه من الخوارج: قال ابن كثير في البداية والنهاية في معرض حديثه عن حوادث سنة ثمان وستين: وفيها كانت وقعة الأزارقة. وذلك أن مصعبا كان قد عزل عن ناحية فارس المهلب بن أبي صفرة، وكان قاهرا لهم وولاه الجزيرة، وكان المهلب قاهرا للأزارقة، وولى على فارس عمر بن عبد الله بن معمر، فثاروا عليه فقاتلهم عمر بن عبد الله فقهرهم وكسرهم، وكانوا مع أميرهم الزبير ابن الماجور، ففروا بين يديه إلى اصطخر فأتبعهم فقتل منهم مقتلة عظيمة، وقتلوا ابنه، ثم ظفر بهم مرة أخرى، ثم هربوا إلى بلاد أصبهان ونواحيها، فتقووا هنالك وكثر عَددهم وعُددهم، ثم أقبلوا يريدون البصرة، فمروا ببعض بلاد فارس وتركوا عمر بن عبد الله بن معمر وراء ظهورهم، فلما سمع مصعب بقدومهم ركب في الناس وجعل يلوم عمر بن عبد الله بتركه هؤلاء يجتازون ببلاده، وقد ركب عمر ابن عبد الله في آثارهم، فبلغ الخوارج أن مصعبا أمامهم وعمر بن عبد الله وراءهم، فعدلوا إلى المدائن فجعلوا يقتلون النساء

стр. 499

والولدان، ويبقرون بطون الحبالى، ويفعلون أفعالا لم يفعلها غيرهم، فقصدهم نائب الكوفة الحارث بن أبي ربيعة ومعه أهلها وجماعات من أشرافها، منهم ابن الأشتر وشبث بن ربعي، فلما وصلوا إلى جسر الصراة قطعه الخوارج بينه وبينهم، فأمر الأمير بإعادته، ففرت الخوارج هاربين بين يديه، فأتبعهم عبد الرحمن بن مخنف في ستة آلاف فمروا على الكوفة ثم صاروا إلى أرض أصبهان، فانصرف عنهم ولم يقاتلهم، ثم أقبلوا فحاصروا عتاب ابن ورقاء شهرا، بمدينة جيا، حتى ضيقوا على الناس فنزلوا إليهم فقاتلوهم فكشفوهم، وقتلوا أميرهم الزبير بن الماجور وغنموا ما في معسكرهم، وأمرت الخوارج عليهم قطرى بن الفجاءة ثم ساروا إلى بلاد الأهواز، فكتب مصعب بن الزبير إلى المهلب بن أبي صفرة -وهو على الموصل- أن يسير إلى قتال الخوارج، وكان أبصر الناس بقتالهم، وبعث مكانه إلى الموصل إبراهيم بن الأشتر فانصرف المهلب إلى الأهواز فقاتل فيها الخوارج ثمانية أشهر قتالا لم يسمع بمثله. (١) - وقال أيضا وهو يتحدث عن حوادث سنة اثنتين وسبعين: ففيها كانت وقعة عظيمة بين المهلب بن أبي صفرة وبين الأزارقة من الخوارج بمكان يقال له سولاق، مكثوا نحوا من ثمانية أشهر متواقفين. وجرت بينهم حروب يطول بسطها، وقد استقصاها ابن جرير، وقتل في أثناء ذلك من هذه المدة مصعب بن الزبير. ثم إن عبد الملك أقر المهلب بن أبي صفرة علىالأهواز وما معها، وشكر سعيه وأثنى عليه ثناء كثيرا، ثم تواقع الناس في دولة

стр. 500

عبد الملك بالأهواز، فكسر الناس الخوارج كسرة فظيعة، وهربوا في البلاد لا يلوون على أحد، وأتبعهم خالد بن عبد الله أمير الناس وداود بن محندم فطردوهم، وأرسل عبد الملك إلى أخيه بشر بن مروان أن يمدهم بأربعة آلاف، فبعث إليه أربعة آلاف، عليهم عتاب بن ورقاء، فطردوا الخوارج كل مطرد، ولكن لقي الجيش جهدا عظيما وماتت خيولهم ولم يرجع أكثرهم إلا مشاة إلى أهليهم. (١) - وقال عنه أيضا: ولي حرب الخوارج أول دولة الحجاج، وقتل منهم في يوم واحد أربعة آلاف وثمانمائة. (٢) محمد بن سعد بن أبي وقاص (٣) (٨٢ هـ) الإمام الثقة أبو القاسم القرشي المدني. قيل: إنه كان يلقب ظل الشيطان لقصره. أرسل عن النبي ﷺ . روى عن أبيه سعد وعثمان بن عفان وأبي الدرداء وطائفة. حدث عنه ابناه: إبراهيم وإسماعيل، وأبو إسحاق السبيعي ويونس بن جبير، وإسماعيل بن أبي خالد وعبد الحميد ابن عبد الرحمن ابن زيد بن الخطاب وجماعة. أمه ماوية ابنة قيس بن معدي كرب من كندة. قال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث ليست بالكثيرة، وكان قد خرج مع

стр. 501

عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وشهد دير الجماجم فأتي به الحجاج فقتله. روى جملة صالحة من العلم. وذكره ابن حبان في كتاب الثقات. وكان مصرعه ﵀ في سنة اثنتين وثمانين. موقفه من المبتدعة: عن داود بن أبي هند أن محمد بن سعد بن أبي وقاص سمع قوما يتكلمون بالفارسية فقال: ما بال المجوسية بعد الحنيفية. (١) شَقِيق بن سَلَمَة (٢) (٨٢ هـ) الإمام الكبير أبو وائل الأسدي شيخ الكوفة. مخضرم أدرك النبي ﷺ وما رآه. حدث عن عمر وعثمان وعلي وعمار، ومعاذ وابن مسعود وأبي الدرداء وغيرهم. وروى كذلك عن أقرانه كمسروق وعلقمة وحمران بن أبان. وكان من أئمة الدين. وحدث عنه خلق كثير منهم: عمرو ابن مرة وحبيب ابن أبي ثابت والحكم بن عتيبة وغيرهم. فعن وكيع عن أبي العنبس، قلت لأبي وائل: هل أدركت النبي ﷺ ؟ قال: نعم، وأنا غلام أمرد ولم أره. وقال الأعمش، قال لي شقيق بن سلمة: يا سليمان لو رأيتنا ونحن هراب من خالد ابن الوليد يوم بزاخة، فوقعت عن البعير، فكادت تندق عنقي، فلو مت

стр. 502

يومئذ كانت النار، قال: وكنت يومئذ ابن إحدى عشرة سنة. قال الذهبي: وفي نسخة ابن إحدى وعشرين سنة وهو أشبه. وعن محمد بن الفضل عن أبيه، عن أبي وائل، أنه تعلم القرآن في شهرين. وقال الأعمش: قال لي إبراهيم النخعي: عليك بشقيق فإني أدركت الناس وهم متوافرون، وإنهم ليعدونه من خيارهم. وقال عاصم بن أبي النجود: ما سمعت أبا وائل سب إنسانا قط ولا بهيمة. وعن عاصم قال: كان أبو وائل إذا صلى في بيته ينشج نشيجا، ولو جعلت له الدنيا على أن يفعله وأحد يراه ما فعله. قال الذهبي: قد كان هذا السيد رأسا في العلم والعمل. قال خليفة: مات بعد الجماجم سنة اثنتين وثمانين. وقيل: في خلافة عمر بن عبد العزيز. قال الحافظ المزي: والمحفوظ الأول والله أعلم. موقفه من المبتدعة: - جاء في الإبانة: قال الزبرقان: نهاني أبو وائل أن أجالس أصحاب أرأيت أرأيت. (١) - وروى ابن وضاح: عن الأعمش قال: قال لي شقيق أبو وائل: يا سليمان! ما شبّهت قراء زمانك إلا بغنم رعت حمضا، فمن رآها ظن أنها سمان، فإذا ذبحها لم يجد فيها شاة سمينة. (٢)

стр. 503

موقفه من الخوارج: قال الحافظ: وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده من طريق حبيب بن أبي ثابت قال: أتيت أبا وائل فقلت: أخبرني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي، فيم فارقوه وفيم استحل قتالهم؟ قال: لما كنا بصفين استحر القتل في أهل الشام، فرفعوا المصاحف فذكر قصة التحيكم، فقال الخوارج ما قالوا ونزلوا حروراء، فأرسل إليهم علي فرجعوا، ثم قالوا نكون في ناحيته فإن قبل القضية قاتلناه، وإن نقضها قاتلنا معه، ثم افترقت منهم فرقة يقتلون الناس، فحدث علي عن النبي ﷺ بأمرهم. (١) موقفه من المرجئة: عن زبيد قال: سألت أبا وائل عن المرجئة فقال: حدثني عبد الله أن النبي ﷺ قال: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (٢).اهـ (٣) " التعليق: قال الحافظ في الفتح: ففي الحديث تعظيم حق المسلم والحكم على من سبه بغير حق بالفسق، ومقتضاه الرد على المرجئة، وعرف من هذا مطابقة جواب أبي وائل للسؤال عنهم، كأنه قال: كيف تكون مقالتهم حقا والنبي ﷺ يقول هذا. قوله: (وقتاله كفر) إن قيل: وهذا وإن تضمن الرد على المرجئة لكن

стр. 504

ظاهره يقوي مذهب الخوارج الذين يكفرون بالمعاصي، فالجواب: إن المبالغة في الرد على المبتدع اقتضت ذلك، ولا متمسك للخوارج فيه، لأن ظاهره غير مراد، لكن لما كان القتال أشد من السباب؛ لأنه مفض إلى إزهاق الروح، عبر عنه بلفظ أشد من لفظ الفسق وهو الكفر، ولم يرد حقيقة الكفر التي هي الخروج عن الملة، بل أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير، معتمدا على ما تقرر من القواعد أن مثل ذلك لا يخرج عن الملة، مثل حديث الشفاعة، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. اهـ (٢) زاذان الضّرير (٣) (٨٢ هـ) زَاذَان أبو عمر الكِنْدي البَزَّاز الضرير الكوفي أحد العلماء الكبار، ولد في حياة النبي ﷺ وشهد خطبة عمر بالجابية. روى عن عمر وعلي وسلمان وابن مسعود وغيرهم. وروى عنه أبو صالح السمان وعمرو ابن مرة والمنهال ابن عمرو وآخرون. وكان ثقة صادقا، كان يتعاطى النبيذ والغناء في شبابه، فتاب على يد عبد الله بن مسعود، وحصلت له إنابة ورجوع إلى الحق وخشية شديدة، حتى كان في الصلاة كأنه خشبة. توفي سنة اثنتين وثمانين بعد الجماجم.

стр. 505

موقفه من المرجئة: عن زاذان وميسرة، قالا: أتينا الحسن بن محمد فقلنا: ما هذا الكتاب الذي وضعت؟ -وكان هو الذي أخرج كتاب المرجئة- قال زاذان: قال لي: يا أبا عمر لوددت أني كنت مت قبل أن أخرج هذا الكتاب أو قبل أن أضع هذا الكتاب. (١) " التعليق: هذا الأثر أورده عبد الله بن الإمام أحمد في السنة في سياق ذكر المرجئة، وابن بطة في باب القول في المرجئة. وساق الحافظ محمد بن يحيى العدني محتوى الكتاب المذكور في كتابه الإيمان (٢) الذي وضع جل فصوله في الرد على المرجئة، وصنيع هؤلاء الأئمة في إيرادهم له في أبواب المرجئة يوهم أن المقصود به الإرجاء المتعلق بالإيمان، وليس كذلك، بل القصد إرجاء أمر الطائفتين المقتتلتين في الفتنة، وبيان ذلك ما جاء في تهذيب الكمال للمزي (٣): عن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب، قال: أول من تكلم في الإرجاء الأول؛ الحسن بن محمد بن الحنفية، كنت حاضرا يوم تكلم وكنت في حلقته مع عمي، وكان في الحلقة جخدب وقوم معه، فتكلموا في علي وعثمان وطلحة والزبير فأكثروا، والحسن ساكت، ثم تكلم، فقال: قد سمعت مقالتكم ولم أر شيئا أمثل من أن يرجأ علي وعثمان وطلحة والزبير، فلا

стр. 506

يتولوا ولا يتبرأ منهم، ثم قام فقمنا. قال: فقال لي عمي: يا بني ليتخذن هؤلاء هذا الكلام إماما. قال عثمان: فقال به سبعة رجال رأسهم جخدب من تيم الرباب، ومنهم حرملة التيمي تيم الرباب أبو علي بن حرملة، قال: فبلغ أباه محمد بن الحنفية ما قال: فضربه بعصا فشجه وقال: لا تولّ (١) أباك عليا؟ قال: وكتب الرسالة التي ثبت فيها الإرجاء بعد ذلك. ونبه على ذلك الحافظ بن حجر في تهذيب التهذيب (٢) قال: المراد بالإرجاء الذي تكلم الحسن بن محمد فيه؛ غير الإرجاء الذي يعيبه أهل السنة المتعلق بالإيمان، وذلك أني وقفت على كتاب الحسن بن محمد المذكور، أخرجه ابن أبي عمر العدني في كتاب الإيمان له في آخره قال: حدثنا إبراهيم ابن عيينة، عن عبد الواحد بن أيمن قال: كان الحسن بن محمد يأمرني أن أقرأ هذا الكتاب على الناس: أما بعد، فإنا نوصيكم بتقوى الله -فذكر كلاما كثيرا في الموعظة والوصية لكتاب الله واتباع ما فيه، وذكر اعتقاده، ثم قال في آخره: ونوالي أبا بكر وعمر ﵄، ونجاهد فيهما لأنهما لم تقتتل عليهما الأمة، ولم تشك في أمرهما، ونرجئ من بعدهما ممن دخل في الفتنة، فنكل أمرهم إلى الله- إلى آخر الكلام، فمعنى الذي تكلم فيه الحسن؛ أنه كان يرى عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين في الفتنة بكونه مخطئا أو مصيبا، وكان يرى أنه يرجئ الأمر فيهما، وأما الإرجاء الذي يتعلق بالإيمان فلم يعرج عليه، فلا يلحقه بذلك عاب، والله أعلم. اهـ

стр. 507

قلت: وإنما أوردناه ضمن مواقف السلف من المرجئة ليتم التنبيه عليه في بابه الذي يورد فيه. وعلى أي فانظر رحمك الله إلى غيرة زاذان وميسرة رحمهما الله على العقيدة السلفية وإنكارهما للكتاب المذكور، فكم هي الكتب اليوم التي تحتاج إلى إنكار غيرة على الحق والله المستعان. أبو البَخْتَرِي (١) (٨٣ هـ) سعيد بن فَيْرُوز الطَّائِي، الكوفي، أحد العباد. حدث عن أبي برزة الأسلمي، وابن عباس، وابن عمر. روى عنه عمرو بن مرة، وعطاء بن السائب، ويونس بن خباب. قال حبيب بن أبي ثابت: اجتمعت أنا وسعيد ابن جبير وأبو البختري فكان أبو البختري أعلمنا وأفقهنا. وكان أبو البختري يقول: لأن أكون في قوم أتعلم منهم، أحب إلي من أن أكون في قوم أعلمهم. وقال عنه يحيى بن معين: ثقة، وقال هلال بن خباب: كان من أفاضل أهل الكوفة. توفي سنة ثلاث وثمانين. موقفه من المرجئة: عن سلمة بن كهيل قال: اجتمعنا في الجماجم؛ أبو البختري، وميسرة أبو صالح، وضحاك المشرقي، وبكير الطائي، فأجمعوا على أن الإرجاء بدعة،

стр. 508

والولاية بدعة، والبراءة بدعة، والشهادة بدعة. (١) عبد الرحمن بن يزيد أبو بكر (٢) (٨٣ هـ) عبد الرحمن بن يزيد بن قيس، الإمام الفقيه، أبو بكر النخعي. حدث عن عثمان وابن مسعود، وسلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان ﵃ وجماعة. روى عنه إبراهيم النخعي وأبو إسحاق السبيعي، وعمارة بن عمير وغيرهم. وكان عابدا ناسكا. قال المفضل الغلابي: عباد الرحمن من قريش كلهم عابد، عبد الرحمن بن زياد بن أبي سفيان، وعبد الرحمن بن خالد ابن الوليد، وعبد الرحمن بن أبان بن عثمان، وعبد الرحمن بن يزيد بن معاوية. قال ابن حبان: قتل في الجماجم سنة ثلاث وثمانين. وقيل سنة اثنتين وثمانين. موقفه من المبتدعة: روى ابن بطة بسنده إلى عبد الرحمن بن يزيد أنه رأى محرما عليه ثيابه، فنهى المحرم، فقال: ايتني بآية من كتاب الله بنزع ثيابي، فقرأ عليه: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرسول فخذوه وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣).اهـ (٤)

стр. 509

أبو الجَوْزَاء أَوْس بن عبد الله (١) (٨٣ هـ) أوس بن عبد الله، أبو الجوزاء، المجانب للأهواء والآراء، المفارق للتلاعن والأسواء، من قراء البصرة ومن كبار علمائها. روى عن عائشة، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعنه جماعة منهم أبان بن أبي عياش، وسليمان بن علي الربعي، وعمرو بن مالك النكري. قال أبو الجوزاء: ما لعنت شيئا، ولا أكلت شيئا ملعونا قط، ولا آذيت أحدا قط. قتل في الجماجم سنة ثلاث وثمانين. وقيل التي قبلها. موقفه من المبتدعة: - جاء في الإبانة عنه أنه قال: لأن تجاورني القردة والخنازير في دار؛ أحب إلي من أن يجاورني رجل من أهل الأهواء، وقد دخلوا في هذه الآية: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٢).اهـ (٣) - وجاء في السير عنه قال: لأن أجالس الخنازير أحب إلي من أن أجالس أحدا من أهل الأهواء. (٤)

стр. 510

- وفيها: وعنه أنه قال: ما ماريت أحدا قط. (١) موقفه من المشركين: قال: نقل الحجارة أهون على المنافق من قراءة القرآن. (٢) موقفه من الصوفية: عن عمرو بن مالك قال: بينما نحن يوما عند أبي الجوزاء يحدثنا؛ إذ خر رجل فاضطرب، فوثب أبو الجوزاء فسعى قبله فقيل: يا أبا الجوزاء إنه رجل به الموت فقال: إنما كنت أراه من هؤلاء القفازين ولو كان منهم لأمرت به وأخرجته من المسجد إنما ذكرهم الله فقال: تفيض أعينهم وتقشعر جلودهم. عبد الرحمن بن أبي ليلى (٣) (٨٣ هـ) الإمام العلامة الحافظ أبو عيسى الأنصاري الكوفي الفقيه، ويقال له: أبو محمد. حدث عن عمر وعلي وأبي ذر وابن مسعود وغيرهم ﵃. وحدث عنه عمرو بن مرة، والحكم بن عتيبة والأعمش وطائفة سواهم. قال محمد بن سيرين: جلست إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى وأصحابه يعظمونه كأنه أمير. وعن عبد الله بن الحارث أنه اجتمع بابن أبي ليلى فقال: ما شعرت أن النساء ولدن مثل هذا. وقال أبو نعيم وخليفة بن خياط وأبو

стр. 511

موسى محمد بن المثنى: مات سنة ثلاث وثمانين. موقفه من الرافضة: - جاء في السنة لعبد الله: عن عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى قال ذكر عنده قول الناس في علي فقال عبد الرحمن قد جالسناه وحدثناه وواكلناه وشاربناه وقمنا له على الأعمال، فما سمعته يقول شيئا مما تقولون، أولا يكفيكم أن تقولوا: ابن عم رسول الله وختنه، وشهد بيعة الرضوان وشهد بدرا؟! (١) - وعن أبي حصين أن الحجاج استعمل عبد الرحمن بن أبي ليلى على القضاء ثم عزله، ثم ضربه ليسب عليا ﵁، وكان يوري ولا يصرح. (٢) موقفه من الجهمية: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وزيادة﴾ (٣) قال: الزيادة: النظر إلى وجه ربهم ﵎، ﴿ولا يرهق وجوههم قترٌ ولا ذلةٌ﴾ بعد النظر إلى ربهم . (٤)

стр. 512

موقف السلف من عمران بن حطان الخارجي (٨٤ ه ـ) خطورة مخالطة أهل الأهواء: قال ابن كثير: كان أولا -أي عمران بن حطان- من أهل السنة والجماعة فتزوج امرأة من الخوارج حسنة جميلة جدا فأحبها وكان هو ذميم الشكل فأراد أن يردها إلى السنة فأبت فارتد معها إلى مذهبها. (١) وقال ابن تيمية في المنهاج: ومعلوم أن شر الذين يبغضونه (أي علي بن أبي طالب) هم الخوارج الذين كفروا واعتقدوا أنه مرتد عن الإسلام، واستحلوا قتله تقربا إلى الله تعالى حتى قال شاعرهم عمران بن حطان: يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره حينا فأحسبه ... أو فى البرية عند الله ميزانا فعارضه شاعر أهل السنة فقال: (وهو الفقيه الطبري) يا ضربة من شقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش خسرانا إني لأذكره حينا فألعنه ... لعنا وألعن عمران بن حطانا (٢) وقال محمد بن أحمد الطبيب يرد عليه أيضا: يا ضربة من غدور صار ضاربها ... أشقى البرية عند الله إنسانا إذا تفكرت فيه ظلت ألعنه ... وألعن الكلب عمران بن حطانا (٣)

стр. 513

جاء في سير أعلام النبلاء: فبلغ شعره عبد الملك بن مروان، فأدركته حمية لقرابته من علي ﵁ فهدر دمه ووضع عليه العيون. فلم تحمله أرض، فاستجار بروح بن زنباع، فأقام في ضيافته، فقال: ممن أنت؟ قال: من الأزد. فبقي عنده سنة فأعجبه إعجابا شديدا، فسمر روح ليلة عند أمير المؤمنين، فتذاكرا شعر عمران هذا. فلما انصرف روح، تحدث مع عمران بما جرى، فأنشده بقية القصيد، فلما عاد إلى عبد الملك قال: إن في ضيافتي رجلا ما سمعت منه حديثا قط إلا وحدثني به وبأحسن منه، ولقد أنشدني تلك القصيدة كلها. قال: صفه لي، فوصفه له. قال: إنك لتصف عمران بن حطان، اعرض عليه أن يلقاني. قال: فهرب إلى الجزيرة، ثم لحق بعمان فأكرموه. (١) واثلة بن الأسقع (٢) (٨٥ هـ) واثِلَة بن الأَسْقَع بن عبد العُزَّى من بني كِنَانَة اللَّيْثِي. اختلف في كنيته، قيل: أبو شداد، ويقال: أبو الأسقع، وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو الخطاب، وقيل: أبو قرصافة. أسلم والنبي ﷺ يتجهز إلى تبوك وشهدها معه: وكان من فقراء المسلمين وسكن الصفة ﵁، وطال عمره. روى عن النبي ﷺ

стр. 514

وأبي مرثد الغنوي وأبي هريرة وأم سلمة. روى عنه أبو إدريس الخولاني وشداد أبو عمار، وبسر بن عبيد الله وعبد الواحد النصري ومكحول وغيرهم. وبعد وفاة النبي ﷺ نزل الشام وشهد فتح دمشق وحمص. توفي ﵁ سنة خمس وثمانين. وقيل سنة ثلاث وثمانين وهو آخر من مات بدمشق من الصحابة. روي له عن رسول الله ﷺ ستة وخمسون حديثا. موقفه من القدرية: جاء في أصول الاعتقاد: عن حبيب بن عمر الأنصاري قال حدثني أبي قال: سألت واثلة بن الأسقع عن الصلاة خلف القدري؟ فقال: لا يصلى خلفه، أما لو صليت خلفه لأعدت صلاتي. (١) أبو أُمَامَة البَاهِلِّي (٢) (٨٦ هـ) هو صُدَيّ بن عَجْلاَن بن وهب ويقال ابن الحارث ويقال ابن عمرو أبو أمامة مشهور بكنيته صاحب رسول الله ﷺ ونزيل حمص، رُوي أنه بايع تحت الشجرة. عن محمد بن زياد: رأيت أبا أمامة أتى على رجل في المسجد، وهو ساجد، يبكي ويدعو، فقال: أنت أنت، لو كان هذا في بيتك. روى علما كثيرا وحدث عن النبي ﷺ وعن عمر وعن عبادة بن الصامت

стр. 515

وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ﵃ وغيرهم. وروى عنه خالد بن معدان والقاسم أبو عبد الرحمن وسالم بن أبي الجعد وغيرهم. توفي بالشام سنة ست وثمانين في خلافة عبد الملك بن مروان وهو ابن إحدى وستين سنة. موقفه من المشركين: عن أبي غالب عن أبي أمامة ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى قومي أدعوهم إلى الله ﵎، وأعرض عليهم شرائع الإسلام، فأتيتهم وقد سقوا إبلهم وأحلبوها وشربوا، فلما رأوني قالوا: مرحبا بالصدي ابن عجلان، ثم قالوا بلغنا أنك صبوت إلى هذا الرجل، قلت: لا، ولكن آمنت بالله وبرسوله، وبعثني رسول الله ﷺ إليكم أعرض عليكم الإسلام وشرائعه. فبينا نحن كذلك إذ جاءوا بقصعة دم فوضعوها، واجتمعوا عليها يأكلوها، فقالوا: هلم يا صدي، فقلت: ويحكم إنما أتيتكم من عند من يحرم هذا عليكم بما أنزله الله عليه. قالوا: وما ذاك؟ قلت: نزلت عليه هذه الآية ﴿حُرِّمَتْ عليكم الميتة وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخنزير﴾ إلى قوله ﴿إِلًّا مَا ذكيتم﴾ (١) فجعلت أدعوهم إلى الإسلام ويأبون، فقلت لهم: ويحكم ائتوني بشيء من ماء فإني شديد العطش. قالوا: لا، ولكن ندعك تموت عطشا، قال: فاعتممت وضربت رأسي في العمامة ونمت في الرمضاء في حر شديد، فأتاني آت في منامي بقدح زجاج لم ير الناس أحسن منه، وفيه شراب لم ير الناس

стр. 516

ألذ منه، فأمكنني منها فشربتها، فحيث فرغت من شرابي استيقظت، ولا والله ما عطشت ولا عرفت عطشا بعد تلك الشربة، فسمعتهم يقولون: أتاكم رجل من سراة قومكم فلم تمجعوه بمذقة فأتوني بمذيقتهم فقلت: لا حاجة لي فيها، إن الله ﵎ أطعمني وسقاني، فأريتهم بطني فأسلموا عن آخرهم. (١) موقفه من الخوارج: - عن أبي غالب واسمه حزور قال: كنت بالشام فبعث المهلب سبعين رأسا من الخوارج، فنصبوا على درج دمشق فكنت على ظهر بيت لي، فمر أبو أمامة فنزلت فاتبعته، فلما وقف عليهم دمعت عيناه وقال: سبحان الله ما يصنع الشيطان ببني آدم، قالها ثلاثا: كلاب جهنم، كلاب جهنم، شر قتلى تحت ظل السماء -ثلاث مرات- خير قتلى من قتلوه، طوبى لمن قتلهم أو قتلوه (٢)، ثم التفت إلي فقال: أبا غالب! إنك بأرض هم بها كثير، فأعاذك الله منهم، قلت: رأيتك بكيت حين رأيتهم. قال: بكيت رحمة حين رأيتهم كانوا من أهل الإسلام (في السنة لعبد الله: كانوا مؤمنين) فكفروا بعد إيمانهم، هل تقرأ سورة آل عمران قلت: نعم. فقرأ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، حتى بلغ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا

стр. 517

اللَّهُ﴾ (١) وإن هؤلاء كان في قلوبهم زيغ فزيغ بهم، ثم قرأ ﴿ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بعد مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ إلى قوله: ﴿ففي رحمة الله هم فيها خَالِدُونَ﴾ (١٠٧) (٢)، قلت: هم هؤلاء يا أبا أمامة؟ قال: نعم. قلت: من قبلك تقول أو شيء سمعت من النبي ﷺ ؟ قال: إني إذا لجريء بل سمعته من رسول الله ﷺ لا مرة ولا مرتين حتى عد سبعا، ثم قال: إن بني إسرائيل تفرقوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة تزيد عليها فرقة كلها في النار إلا السواد الأعظم (٣)، قلت: يا أبا أمامة ألا ترى ما فعلوا؟ قال: ﴿عليه ما حمل وعليكم مَا حُمِّلْتُمْ﴾ الآية (٤). (٥) - وعنه ﵁ قال: زاغوا فأزاغ الله قلوبهم؛ قال: هم الخوارج. (٦)

стр. 518

- وعنه قال: ﴿فيتبعون مَا تَشَابَهَ منه﴾ قال: الخوارج وأهل البدع. (١) موقفه من المرجئة: عن القاسم عن أبي أمامة قال: من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان. (٢) موقفه من القدرية: روى ابن بطة بسنده عن أبي أمامة قال: ما آدمي إلا ومعه ملكان؛ ملك يكتب عمله، وملك يقيه ما لم يقدر له. (٣) عبد الملك بن مروان (٤) (٨٦ هـ) عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية الخليفة الفقيه، أبو الوليد الأموي. ولد سنة ست وعشرين، سمع عثمان وأبا هريرة وأبا سعيد وأم سلمة، ومعاوية وابن عمر وغيرهم. روى عنه عروة وخالد بن معدان ورجاء بن حيوة وغيرهم. تملك بعد أبيه الشام ومصر، ثم حارب ابن الزبير الخليفة وقتل أخاه مصعبا في وقعة مسكى، واستولى على العراق، وجهز الحجاج لحرب ابن الزبير، فقتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين. واستوسقت

стр. 519

الممالك لعبد الملك وهو عام الجماعة. كان قبل الخلافة عابدا ناسكا بالمدينة، شهد مقتل عثمان وهو ابن عشر. قال عبادة بن نسي: قال ابن عمر: إن لمروان ابنا فقيها فسلوه. عن نافع قال: لقد رأيت المدينة وما بها شاب أشد تشميرا ولا أفقه ولا أنسك ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك. قال الذهبي: ذكرته لغزارة علمه. قال الشعبي: ما جالست أحدا إلا وجدت لي عليه الفضل إلا عبد الملك بن مروان فإني ما ذاكرته حديثا إلا زادني فيه ولا شعرا إلا زادني فيه. قال الذهبي: كان من رجال الدهر ودهاة الرجال، وكان الحجاج من ذنوبه. توفي في شوال سنة ست وثمانين عن نيف وستين سنة. موقفه من المشركين: جاء في البداية والنهاية: عن عبد الرحمن بن حسان قال: كان الحارث الكذاب من أهل دمشق، وكان مولى لأبي الجلاس، وكان له أب بالجولة، فعرض له إبليس، وكان رجلا متعبدا زاهدا لو لبس جبة من ذهب لرؤيت عليه الزهادة والعبادة، وكان إذا أخذ بالتحميد لم يسمع السامعون مثل تحميده ولا أحسن من كلامه، فكتب إلى أبيه وكان بالجولة: يا أبتاه أعجل علي فإني قد رأيت أشياء أتخوف أن يكون الشيطان قد عرض لي، قال فزاده أبوه غيا على غيه، فكتب إليه أبوه: يا بني أقبل على ما أمرت به فإن الله تعالى يقول: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ (١) ولست بأفاك ولا أثيم، فامض لما أمرت به، وكان يجيء

стр. 520

إلى أهل المسجد رجلا فيذاكرهم أمره ويأخذ عليهم العهد والميثاق إن هو يرى ما يرضى وإلا كتم عليه. قال: وكان يريهم الأعاجيب. كان يأتي إلى رخامة في المسجد فينقرها بيده فتسبح تسبيحا بليغا حتى يضج من ذلك الحاضرون. قلت: وقد سمعت شيخنا العلامة أبا العباس ابن تيمية ﵀ يقول كان ينقر هذه الرخامة الحمراء التي في المقصورة فتسبح، وكان زنديقا. قال ابن أبي خيثمة في روايته: وكان الحارث يطعمهم فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، وكان يقول لهم: اخرجوا حتى أريكم الملائكة، فيخرج بهم إلى دير المراق فيريهم رجالا على خيل فيتبعه على ذلك بشر كثير، وفشا أمره في المسجد، وكثر أصحابه وأتباعه، حتى وصل الأمر إلى القاسم بن مخيمرة، قال: فعرض على القاسم أمره، وأخذ عليه العهد إن هو رضي أمرا قبله، وإن كرهه كتم عليه، قال فقال له: إني نبي، فقال القاسم: كذبت يا عدو الله، ما أنت نبي، وفي رواية ولكنك أحد الكذابين الدجالين الذين أخبر عنهم رسول الله ﷺ : "إن الساعة لا تقوم حتى يخرج ثلاثون دجالون كذابون كلهم يزعم أنه نبي" (١) وأنت أحدهم ولا عهد لك. ثم قام فخرج إلى أبي إدريس -وكان على القضاء بدمشق- فأعلمه بما سمع من الحارث فقال أبو إدريس نعرفه، ثم أعلم أبو إدريس عبد الملك بذلك. وفي رواية أخرى أن مكحولا وعبد الله بن أبي زائدة دخلا على الحارث فدعاهما إلى نبوته فكذباه وردا عليه ما قال،

стр. 521

ودخلا على عبد الملك فأعلماه بأمره، فتطلبه عبد الملك طلبا حثيثا، واختفى الحارث وصار إلى دار بيت المقدس يدعو إلى نفسه سرا واهتم عبد الملك بشأنه حتى ركب إلى النصرية فنزلها فورد عليه هناك رجل من أهل النصرية ممن كان يدخل على الحارث وهو ببيت المقدس فأعلمه بأمره وأين هو، وسأل مِن عبد الملك أن يبعث معه بطائفة من الجند الأتراك ليحتاط عليه فأرسل معه طائفة وكتب إلى نائب القدس ليكون في طاعة هذا الرجل ويفعل ما يأمره به، فلما وصل الرجل إلى النصرية ببيت المقدس بمن معه انتدب نائب القدس لخدمته، فأمره أن يجمع ما يقدر عليه من الشموع ويجعل مع كل رجل شمعته فإذا أمرهم بإشعالها في الليل أشعلوها كلهم في سائر الطرق والأزقة حتى لا يخفى أمره، وذهب الرجل بنفسه فدخل الدار التي فيها الحارث فقال لبوابه استأذن على نبي الله، فقال: في هذه الساعة لا يؤذن عليه حتى يصبح، فصاح النصري أسرجوا، فأشعل الناس شموعهم حتى صار الليل كأنه النهار، وهم النصري على الحارث فاختفى منه في سرب هناك فقال أصحابه هيهات يريدون أن يصلوا إلى نبي الله، إنه قد رفع إلى السماء، قال فأدخل النصري يده في ذلك السرب فإذا بثوبه فاجتره فأخرجه، ثم قال للفرعانين من أتراك الخليفة [:خذوه] (١) قال فأخذوه فقيدوه، فيقال إن القيود والجامعة سقطت من عنقه مرارا ويعيدونها، وجعل يقول: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ

стр. 522

سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ (١) وقال لأولئك الأتراك: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ (٢)؟ فقالوا له بلسانهم ولغتهم: هذا كراننا فهات كرانك، أي هذا قرآننا فهات قرآنك، فلما انتهوا به إلى عبد الملك أمر بصلبه على خشبة وأمر رجلا فطعنه بحربة فانثنت في ضلع من أضلاعه، فقال له عبد الملك: ويحك أذكرت اسم الله حين طعنته؟ فقال: نسيت، فقال: ويحك سم الله ثم اطعنه، قال فذكر اسم الله ثم طعنه فأنفذه، وقد كان عبد الملك حبسه قبل صلبه وأمر رجالا من أهل الفقه والعلم أن يعظوه ويعلموه أن هذا الذي به من الشيطان، فأبى أن يقبل منهم فصلبه بعد ذلك، وهذا من تمام العدل والدين. (٣) عبد الله بن أبي أَوْفَى (٤) (٨٧ هـ) عبد الله بن أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث الفقيه المعمر، صاحب النبي ﷺ ، أبو معاوية وقيل: أبو محمد، الأسلمي من أهل بيعة الرضوان، وخاتمة من مات بالكوفة من الصحابة، وأبوه صحابي أيضا. روى عن النبي ﷺ عدة أحاديث. وروى عنه إبراهيم بن مسلم الهجري وإسماعيل بن أبي خالد وعطاء بن السائب وسليمان الأعمش وغيرهم. وقد فاز عبد الله

стр. 523

بالدعوة النبوية حيث أتى النبي ﷺ بزكاة والده فقال النبي ﷺ : "اللهم صل على آل أبي أوفى". (١) وقد كف بصره في آخر حياته. في الصحيحين أن عبد الله قال: "غزونا مع النبي ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد" (٢). توفي سنة سبع وثمانين بالكوفة وقد قارب مائة سنة. موقفه من الخوارج: - روى ابن أبي عاصم: عن أبي حفص أنه سمع عبد الله بن أبي أوفى وهم يقاتلون الخوارج، وكان غلام له قد لحق بالخوارج من الشق الآخر، فناديناه يا فيروز، يا فيروز، هذا عبد الله بن أبي أوفى، فقال: نعم الرجل لو هاجر، قال عبد الله: ما يقول عدو الله؟ فقيل له: يقول نعم الرجل لو هاجر. فقال: أهجرة بعد هجرتي مع رسول الله ﷺ ؟ وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: طوبى لمن قتلهم وقتلوه (٣).اهـ (٤) - وعن سعيد بن جمهان قال: أتيت عبد الله بن أبي أوفى وهو محجوب البصر فسلمت عليه، قال لي: من أنت؟ فقلت: أنا سعيد بن جمهان قال: فما

стр. 524

فعل والدك؟ قال: قلت: قتلته الأزارقة. قال: لعن الله الأزارقة، لعن الله الأزارقة، حدثنا رسول الله ﷺ أنهم كلاب النار (١) قال: قلت: الأزارقة وحدهم أم الخوارج كلها؟ قال: بل الخوارج كلها. قال: قلت: فإن السلطان يظلم الناس ويفعل بهم. قال: فتناول يدي فغمزها بيده غمزة شديدة ثم قال: ويحك يا ابن جمهان، عليك بالسواد الأعظم، عليك بالسواد الأعظم، إن كان السلطان يسمع منك فأته في بيته فأخبره بما تعلم، فإن قبل منك وإلا فدعه، فإنك لست بأعلم منه. (٢) موقفه من المرجئة: عن بلال بن المنذر الحنفي قال: كنا مع ابن أبي أوفى فقالت له امرأة: يا صاحب رسول الله استغفر لي فقال: إنما يغفر لك بعملك. (٣) عبد الله بن بُسْر (٤) (٨٨ هـ) عبد الله بن بُسْر المازني، كنيته: أبو بسر ويقال أبو صفوان، نزيل حمص، له أحاديث قليلة، وصحبة يسيرة ولأخويه عطية والصماء ولأبيهم صحبة.

стр. 525

روى عن النبي ﷺ وعن أبيه وأخيه. وروى عنه خالد بن معدان وأبو الزاهرية، وصفوان بن عمرو وحريز بن عثمان وغيرهم. غزا جزيرة قبرس مع معاوية في دولة عثمان. مات بالشام وقيل بحمص منها سنة ثمان وثمانين، وهو آخر من مات بالشام من الصحابة. موقفه من المبتدعة: جاء في الإبانة: عن زيد بن ضمير الرحبي قال: سألت عبد الله بن بسر صاحب النبي ﷺ : كيف حالنا من حال من كان قبلنا؟ قال: سبحان الله لو نشروا من القبور ما عرفوكم إلا أن يجدوكم قياما تصلون. (١) يحيى بن يعمر (٢) (٨٩ هـ) يحيى بن يَعْمَر الفقيه، المقرئ، أبو إسماعيل العَدْوَانيّ البصري، قاضي مرو، حدث عن أبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر وابن عمر وأبي هريرة ﵃. وروى عنه عبد الله بن بريدة، وقتادة، وعكرمة، وعطاء الخراساني. وقرأ القرآن على أبي الأسود الدؤلي، وكان من أوعية العلم وحملة الحجة. قال هارون بن موسى: أول من نقط القرآن يحيى بن يعمر. ولاه الأمير قتيبة بن مسلم قضاء خراسان، فكان إذا انتقل من بلد إلى بلد

стр. 526

استخلف على القضاء بها. قال أبو عمرو الداني: روى القراءة عنه عرضا عبد الله بن أبي إسحاق وأبو عمرو ابن العلاء. قال خليفة بن خياط: توفي قبل التسعين وقال ابن الجوزي: توفي سنة تسع وثمانين. موقفه من القدرية: روى اللالكائي بسنده: عن يحيى بن يعمر قال: كان رجل من جهينة وفيه رهق وكان يتوثب على جيرانه، ثم إنه قرأ القرآن وفرض الفرائض وقص على الناس، ثم إنه صار من أمره أنه زعم: أن العمل أنف من شاء عمل خيرا ومن شاء عمل شرا. قال: فلقيت أبا الأسود الديلي فذكرت ذلك له. فقال: كذب ما رأينا أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ لا يثبت القدر. (١) - عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين، أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلا في المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي -أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله- فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم؛ وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر: لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب، قال: بينما

стр. 527

نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا" قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" قال: فأخبرني عن الساعة قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" قال: فأخبرني عن أمارتها، قال: "أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان" قال: ثم انطلق، فلبثت مليا، ثم قال: "يا عمر، أتدري من السائل؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم". (١)

стр. 528

أبو العَالِيَة (١) (٩٠ هـ) رُفَيْع بن مِهْرَان، الإمام المقرئ الحافظ المفسر، أبو العالية الرِّيَاحِيّ البصري أحد الأعلام، مولى امرأة من بني رياح بن يربوع حي من بني تميم، أعتقته سائبة. أدرك الجاهلية وأسلم بعد موت النبي ﷺ في خلافة أبي بكر الصديق ودخل عليه، وصلى خلف عمر بن الخطاب، وروى عنه وعن علي وأبي بن كعب وابن مسعود وأبي ذر، وعائشة وأبي موسى وابن عباس وعدة. وروى عنه بكر بن عبد الله المزني، وثابت البناني وخالد الحذاء وأبو خلدة خالد بن دينار وغيرهم. حفظ القرآن وقرأه على أبي بن كعب، وتصدر لإفادة العلم، وبعد صيته. وعن أبي خلدة عن أبي العالية قال: كنت آتي ابن عباس فيرفعني على السرير، وقريش أسفل من السرير، فتغامزت بي قريش، وقالوا: يرفع هذا العبد على السرير، ففطن بهم ابن عباس فقال: إن هذا العلم يزيد الشريف شرفا، ويجلس المملوك على الأسرة. وقال أبو خلدة: ذكر الحسن البصري لأبي العالية، فقال: رجل مسلم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأدركنا الخير وتعلمنا قبل أن يولد، وكنت آتي ابن عباس وهو أمير البصرة، فيجلسني على السرير وقريش أسفل. وقال أبو خلدة: قال أبو العالية: لما كان زمان علي ومعاوية وإني لشاب، القتال أحب إلي من الطعام الطيب، فتجهزت بجهاز حسن حتى أتيتهم، فإذا صفان ما يرى طرفاهما، إذا

стр. 529

كبر هؤلاء كبر هؤلاء وإذا هلل هؤلاء هلل هؤلاء، فراجعت نفسي، فقلت: أي الفريقين أنَزِّلُه كافرا؟ ومن أكرهني على هذا؟ قال: فما أمسيت حتى رجعت وتركتهم. توفي ﵀ سنة تسعين. موقفه من المبتدعة: - جاء في أصول الاعتقاد عن عاصم قال أبو العالية: ما أدري أي النعمتين علي أعظم: إذ أخرجني الله من الشرك إلى الإسلام، أو عصمني في الإسلام أن يكون لي فيه هوى. (١) - وفيه قال: تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام. ولا تحرفوا الإسلام يمينا ولا شمالا، وعليكم بسنة نبيكم، والذي كان عليه أصحابه، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء. فحدثت الحسن، فقال: صدق ونصح. قال: فحدثت حفصة بنت سيرين فقالت: يا باهلي: أنت حدثت محمدا (٢) بهذا؟ قلت: لا، قالت: فحدثه إذا. (٣) - وجاء في الإبانة: عن أبي العالية في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا

стр. 530

اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (١) قال: الذين أخلصوا الدين والعمل والدعوة. (٢) - وفيها (٣): عنه أيضا قال: آيتان في كتاب الله ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٤)، ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ (٥). - وفي طبقات الحنابلة: قال أبو العالية: من مات على السنة مستورا فهو صديق. والاعتصام بالسنة نجاة. (٦) موقفه من الجهمية: قال أبو العالية: استوى إلى السماء: ارتفع. (٧) موقفه من الخوارج: عن محمد بن واسع عن أبي العالية قال: ما أدري أي النعمتين أعظم علي، نعمة أنعمها علي فأنقذني بها من الشرك، أو نعمة أنعمها علي فأنقذني بها من الحرورية. (٨)
следующие страницы →