← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وَقَلْبِهِ﴾ (١)؛ قال: يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان. (٢) مُطَرِّف بن عبد الله (٣) (٩٥ هـ) مطرف بن عبد الله بن الشِّخِّير الإمام القدوة الحجة، أبو عبد الله العامري الحَرَشِيّ البصري، كان رأسا في العلم والعمل، وله جلالة في الإسلام ووقع في النفوس. روى عن أبيه ﵁، وعلي وعمار وأبي ذر وعثمان وعائشة وغيرهم. وروى عنه الحسن البصري، وأخوه يزيد بن عبد الله وثابت البناني وغيرهم. من أقواله: إن الفتنة لا تجيء حين تجيء لتهدي، ولكن لتقارع المؤمن عن نفسه. وعن ثابت البناني أن مطرف بن عبد الله قال: لبثت في فتنة ابن الزبير تسعا أو سبعا ما أخبرت فيها بخبر ولا استخبرت فيها عن خبر. وعن حميد بن هلال قال: أتى مطرف بن عبد الله زمان ابن الأشعث ناس يدعونه إلى قتال الحجاج، فلما أكثروا عليه قال: أرأيتم هذا الذي تدعوني إليه، هل يزيد على أن يكون جهادا في سبيل الله؟ قالوا: لا، قال: فإني لا أخاطر بين هلكة أقع فيها وبين فضل أصيبه. وعنه قال: قال لي عمران بن حصين ألا

стр. 562

أحدثك حديثا لعل الله أن ينفعك به في الجماعة، إني أراك تحب الجماعة، قال قلت: لأنا أحرص على الجماعة من الأرملة، لأني إذا كانت الجماعة عرفت وجهي. توفي ﵁ سنة خمس وتسعين وقيل غيرها. موقفه من المبتدعة: - جاء في ذم الكلام عن مطرف قال: أكثر أتباع الدجال، اليهود وأهل البدع. (١) " التعليق: الله أكبر وسبحان الله ما أعظم فقه السلف، وفراستهم في المبتدعة، وقد صارت أفعالهم الآن لا فرق بينها وبين الدجال في قليل ولا كثير، فعمدة الدجال في ترويج دجله هو الكذب والحيل بجميع أنواعها، وقد كان المبتدعة كذلك، وكذلك أشبهوا اليهود في تعصبهم الأعمى ليهوديتهم الضالة، وكذلك المبتدعة يتعصبون لبدعتهم الممقوتة. نرجو الله العفو والعافية. - جاء في السير عن مطرف قال: كنا نأتي زيد بن صوحان فكان يقول: يا عباد الله، أكرموا وأجملوا، فإنما وسيلة العباد إلى الله بخصلتين: الخوف والطمع. فأتيته ذات يوم وقد كتبوا كتابا، فنسقوا كلاما من هذا النحو: إن الله ربنا، ومحمد نبينا، والقرآن إمامنا، ومن كان معنا كنا وكنا.

стр. 563

ومن خالفنا كانت يدنا عليه وكنا وكنا. قال: فجعل يعرض الكتاب عليهم رجلا رجلا، فيقولون: أقررت يا فلان؟ حتى انتهوا إلي فقالوا: أقررت يا غلام؟ قلت: لا، قال -يعني زيدا: لا تعجلوا على الغلام، ما تقول يا غلام؟ قلت: إن الله قد أخذ علي عهدا في كتابه، فلن أحدث عهدا سوى العهد الذي أخذه علي. فرجع القوم من عند آخرهم ما أقر منهم أحد، وكانوا زهاء ثلاثين نفسا. (١) - وجاء في أصول الاعتقاد عن مطرف بن الشخير قال: لو كانت هذه الأهواء كلها هوى واحدا لقال القائل الحق فيه، فلما تشعبت واختلفت عرف كل ذي عقل أن الحق لا يتفرق. (٢) - وفي الإبانة: عن غيلان قال: قال مطرف: إن الفتنة لا تجيء تهدي الناس ولكن لتقارع المؤمن عن دينه. (٣) - وفيها: عن أبي عقيل قال: قلت لأبي العلاء: ما كان مطرف يصنع إذا هاج هيج؟ قال: كان لا يقرب لها صفا ولا جماعة حتى تنجلي عما انجلت. (٤) - وفي ذم الكلام: عن أيوب قال: قال رجل لمطرف إنا نريد كتاب الله، فقال مطرف: إنا لا نريد بكتاب الله بدلا، ولكن نريد من هو أعلم به منا. (٥)

стр. 564

موقفه من الخوارج: جاء في السير: وقال حميد بن هلال: أتت الحرورية مطرف بن عبد الله يدعونه إلى رأيهم، فقال: يا هؤلاء لو كان لي نفسان بايعتكم بإحداهما وأمسكت الأخرى، فإن كان الذي تقولون هدى أتبعتها الأخرى، وإن كان ضلالة، هلكت نفس وبقيت لي نفس، ولكن هي نفس واحدة لا أغرر بها. (١) " التعليق: رضي الله عن هذا الإمام العلم، ونحن نقول: لو كانت لنا نفسان لقاتلناكم بالأولى فإذا قضت نحبها أتبعناها الثانية، وذلك أنكم استحللتم دماء المسلمين وقتلتم خيارهم، وعتوتم في الأرض فسادا، وقد أمرنا في الأحاديث الصحيحة بقتالكم. موقفه من القدرية: - روى ابن بطة بسنده: عن مطرف؛ قال: ليس لأحد أن يصعد فوق بيت، فيلقي نفسه، ثم يقول: قدر لي. ولكنا نتقي ونحذر، فإن أصابنا شيء؛ علمنا أنه لن يصيبنا إلا ما كتب لنا. (٢) - وفيها عنه أنه كان يقول: لو كان الخير في كف أحدنا ما استطاع أن يفرغه في قلبه حتى يكون الله هو الذي يفرغه في قلبه. (٣)

стр. 565

-وفيها: عنه قال: إنا لم نوكل إلى القدر، وإليه نصير. (١) - وفيها: عنه قال لابني أخيه: يا ابني أخي، فوضا أمركما إلى الله تستريحا. (٢) - وفيها: عن يوسف بن أسباط قال: كان مطرف بن عبد الله بن الشخير يدعو بهؤلاء الدعوات الخمس الكلمات: اللهم إني أعوذ بك من شر الشيطان، ومن شر السلطان، ومن شر ما تجري به الأقلام، وأعوذ بك من أن أقول حقا هو لك رضى أبتغي به حمد سواك، وأعوذ بك من أن أتزين للناس بشيء يشنيني عندك، وأعوذ بك أن تجعلني عبرة لغيري، وأعوذ بك أن يكون أحد هو أسعد بما علمتني مني. (٣) - وفي أصول الاعتقاد عن مطرف قال: نظرت فإذا ابن آدم ملقى بين يدي الله وبين يدي إبليس. فإن شاء الله أن يعصمه عصمه، وإن تركه ذهب به إبليس. (٤) - وفيه: عن ثابت: أن مطرف قال: نظرت في هذا الأمر ممن كان، فإذا بدؤه من الله وإذا تمامه على الله، ونظرت ما ملاكه فإذا ملاكه الدعاء. (٥)

стр. 566

إبراهيم النخعي (١) (٩٦ هـ) إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود، النَّخَعِي اليماني ثم الكوفي، كنيته أبو عمران، وأمه مليكة بنت يزيد، أخت الأسود بن يزيد وعبد الرحمن بن يزيد. روى عن خاله الأسود بن يزيد ومسروق وعلقمة بن قيس وعبيدة السلماني وغيرهم. وروى عنه إبراهيم بن مهاجر البجلي، وسليمان الأعمش وسماك بن حرب وغيرهم. كان النخعي مفتي أهل الكوفة هو والشعبي في زمانهما، وكان رجلا صالحا فقيها متوقيا، قليل التكلف، وهو مختف من الحجاج. عن طلحة بن مصرف قال: قلت لإبراهيم النخعي: يا أبا عمران من أدركت من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: دخلت على أم المؤمنين عائشة. وكان يدخل على عائشة مع الأسود وعلقمة. وعن عاصم قال: تبعت الشعبي فمررنا بإبراهيم، فقام له إبراهيم عن مجلسه، فقال له الشعبي: أما إني أفقه منك حيا، وأنت أفقه مني ميتا، وذاك أن لك أصحابا يلزمونك، فيحيون علمك. قال إبراهيم: تكلمت ولو وجدت بدا لم أتكلم، وإن زمانا أكون فيه فقيها لزمان سوء. توفي ﵀ في سنة ست وتسعين في خلافة الوليد بن عبد الملك بالكوفة. قال الشعبي لما أخبر بموته: أحمد الله أما إنه لم يخلف خلفه مثله، قال: وهو ميتا أفقه منه حيا.

стр. 567

موقفه من المبتدعة: - جاء في الشريعة وطبقات الحنابلة قال أبو حمزة لإبراهيم: يا أبا عمران أي هذه الأهواء أعجب إليك؟ فإني أحب أن آخذ برأيك وأقتدي بك قال: ما جعل الله في هذه الأهواء مثقال ذرة من خير، وما هي إلا زينة من الشيطان. وما الأمر إلا الأمر الأول. وقد جعل الله على الحق نورا يكشف به العلماء ويصرف به شبهات الخطأ، وإن الباطل لا يقوم للحق. قال الله : ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (١) فهذه لكل واصف كذب إلى يوم القيامة، وإن أعظم الكذب أن تكذب على الله. (٢) - وروى ابن وضاح عنه قال: لا تجالسوا أصحاب الأهواء ولا تكلموهم، فإني أخاف أن ترتد قلوبكم. (٣) - وجاء في ذم الكلام عنه قال: إن العبد إذا أعيى الشيطان، قال: فمن أين فمن أين؟ ثم أتاه من هواه. (٤) - وروى ابن بطة عنه قال: كانوا يرون التلون في الدين من شك القلوب في الله. (٥)

стр. 568

- وجاء في السنة لعبد الله بن الإمام أحمد عن المغيرة قال: مر إبراهيم التيمي بإبراهيم النخعي فسلم، فلم يرد عليه. (١) - وجاء في الإبانة: عن أبي حمزة عن إبراهيم قال: لو أن أصحاب محمد مسحوا على ظفر لما غسلته التماس الفضل في اتباعهم. (٢) - وفيها: عنه أيضا عن إبراهيم قال: لو بلغني أنهم لم يجاوزوا بالوضوء ظفرا لما جاوزت، وكفى بنا على قوم إزراء أن نخالف أعمالهم. (٣) - وفيها: عن فضيل عن إبراهيم قال: كانوا لا يسألون إلا عن الحاجة. (٤) - وفيها: عن الأعمش قال: قال إبراهيم: لا تجالسوا أهل الأهواء فإن مجالستهم تذهب بنور الإيمان من القلوب، وتسلب محاسن الوجوه، وتورث البغضة في قلوب المؤمنين. (٥) - وفيها: عن أبي نعيم الفضل بن دكين قال: حدثنا محل، قال: دخلت على إبراهيم أنا والمغيرة، ومعنا رجل آخر فذكرنا له من قولهم فقال: لا تكلموهم ولا تجالسوهم، وقال لأعرفن إذا قمت من عندي ولا ترجعن إلي. (٦) - وفيها: عن ابن عون عن إبراهيم قال: لا تجالس بني فلان فإنهم

стр. 569

كذابون. (١) - وفيها: عن العوام بن حوشب: سمعت إبراهيم النخعي يقول في قوله : ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ (٢) قال: أغرى بعضهم ببعض في الخصومات والجدال في الدين. (٣) - وجاء في ذم الكلام: وعنه قال في قوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ ما أرى الإغراء في هذه الأمة إلا الأهواء المتفرقة والبغضاء. (٤) - وفي الإبانة: عن الحسن بن عمرو، عن إبراهيم، قال: ما خاصمت قط. (٥) - وروى الدارمي عن الأعمش قال: ما سمعت إبراهيم يقول برأيه في شيء قط. (٦) - وجاء في الفقيه والمتفقه: قال إبراهيم النخعي: الجماعة، هو الحق وإن كنت وحدك. (٧)

стр. 570

- وفي ذم الكلام: عن مغيرة عن إبراهيم قال: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه -زاد هشيم- كنا إذا أتينا الرجل لنأخذ عنه نظرنا إلى سمته وإلى صلاته، ثم أخذنا عنه. هذا كله من قول إبراهيم. (١) - وفيه: عن أبي حمزة الأعور قال: لما كثرت المقالات بالكوفة أتيت إبراهيم النخعي فقلت: يا أبا عمران ما ترى ما ظهر بالكوفة من المقالات؟ فقال: أوه رققوا قولا، واخترعوا دينا من قبل أنفسهم، ليس في كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ ، فإياك وإياهم. (٢) - وفي سنن الدارمي: قال الأعمش: كان إبراهيم لا يرى غيبة للمبتدع. (٣) - وجاء في الإبانة عنه قال: إن القوم لم يدخر عنهم شيء خبيء لكم لفضل عندكم. (٤) موقفه من الصوفية: جاء في تلبيس إبليس عن سفيان بن عيينة قال: سمعت خلف بن حوشب يقول: كان خوات يرعد عند الذكر، فقال له إبراهيم: إن كنت تملكه فما أبالي أن لا أعتد بك، وإن كنت لا تملكه فقد خالفت من كان قبلك، (وفي رواية: فقد خالفت من هو خير منك).

стр. 571

" التعليق: قال ابن الجوزي ﵀: إبراهيم هو النخعي الفقيه وكان متمسكا بالسنة شديد الاتباع للأثر، وقد كان خوات من الصالحين البعداء عن التصنع، وهذا خطاب إبراهيم له، فكيف بمن لا يخفى حاله في التصنع؟! (١) اهـ. قال جامعه: ولو أدرك ابن الجوزي أهل هذا الزمان، ماذا يقول؟ وماذا يسمي كتابه الذي وضعه من أجل التنبيه على كثير من الأخطاء التي وقعت فيها الأمة الإسلامية؟ والله المستعان. موقفه من الجهمية: روى الآجري في الشريعة: عن حماد قال: سألت إبراهيم عن هذه الآية: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (٢) قال: حدثت أن المشركين قالوا لمن دخل النار: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون؟ فيغضب الله لهم، فيقول للملائكة والنبيين: اشفعوا، فيشفعون فيخرجون من النار، حتى إن إبليس ليتطاول رجاء أن يخرج معهم، فعند ذلك ود الذين كفروا لو كانوا مسلمين. (٣) موقفه من الخوارج: - جاء في سير أعلام النبلاء: قال أبو حمزة الثمالي: كنت عند إبراهيم النخعي، فجاء رجل فقال: يا أبا عمران، إن الحسن البصري يقول: إذا تواجه

стр. 572

المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. فقال رجل: هذا من قاتل على الدنيا، فأما قتال من بغى، فلا بأس به. فقال إبراهيم: هكذا قال أصحابنا عن ابن مسعود، فقالوا له: أين كنت يوم الزاوية؟ قال: في بيتي، قالوا: فأين كنت يوم الجماجم؟ قال: في بيتي، قالوا: فإن علقمة شهد صفين مع علي، فقال: بخ بخ، من لنا مثل علي بن أبي طالب ورجاله. (١) موقفه من المرجئة: - عن أبي حمزة الثمالي الأعور قال: قلت لإبراهيم: ما ترى في رأي المرجئة؟ فقال: أوه، لفقوا قولا، فأنا أخافهم على الأمة، والشر من أمرهم كثير، فإياك وإياهم. (٢) - وعن المغيرة عنه قال: سؤال الرجل الرجل: أمؤمن أنت؟ بدعة. (٣) - وعن أبي حمزة قال: سأل رجل إبراهيم النخعي أمؤمن أنت؟ قال ما أشك في إيماني، وسؤالك إياي عن هذا بدعة؟ (٤) - وعنه قال: الخوارج أعذر عندي من المرجئة. (٥) - وعنه قال: ما أعلم قوما بأحمق في رأيهم من هذه المرجئة، إنهم يقولون: مؤمن ضال، ومؤمن فاسق. (٦)

стр. 573

- وعن ميمون بن أبي حمزة قال: قال لي إبراهيم النخعي: لا تدعوا هذا الملعون يدخل علي بعد ما تكلم في الإرجاء -يعني حمادا-. (١) - وعن عيسى بن علي الضبي، قال: كان رجل معنا يختلف إلى إبراهيم، فبلغ إبراهيم أنه قد دخل في الإرجاء، فقال له إبراهيم: إذا قمت من عندنا فلا تعد. (٢) - وجاء في طبقات ابن سعد عن إبراهيم قال: إياكم وأهل هذا الرأي المحدث، يعني المرجئة. - وفيها عن محمد بن عبد الله الأسدي قال: سمعت محلا يروي عن إبراهيم قال: الإرجاء بدعة. - وفيها عن محل قال: كان رجل يجالس إبراهيم يقال له محمد، فبلغ إبراهيم أنه يتكلم في الإرجاء فقال له إبراهيم: لا تجالسنا. - وفيها عن محل قال: قلت لإبراهيم إنهم يقولون لنا مؤمنون أنتم؟ قال: إذا سألوكم فقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم، إلى آخر الآية. - وفيها عن محل قال: قال لنا إبراهيم: لا تجالسوهم، يعني المرجئة. - وفيها عن غالب أبي الهذيل أنه كان عند إبراهيم فدخل عليه قوم من المرجئة، قال: فكلموه فغضب وقال: إن كان هذا كلامكم فلا تدخلوا علي.

стр. 574

- وفيها عن الأعمش قال: ذكر عند إبراهيم المرجئة فقال: والله إنهم أبغض إلي من أهل الكتاب. (١) - وعن مغيرة قال: كان إبراهيم التيمي يدعو إلى هذا الرأي، فحدث بذلك إبراهيم النخعي فأتيته فقال: أخبرنا يا مغيرة هل يدعو إلى هذا الرأي أحدا، فإنه حلف لي بالله أن الله لم يطلع على قلبه أنه يرى هذا الرأي. وقد كنت سمعته يدعو إليه ولكن جعلت لا أخبر إبراهيم النخعي. (٢) - وعن المغيرة قال: مر -يعني إبراهيم التيمي- بإبراهيم النخعي فسلم عليه فلم يرد عليه. (٣) - وعن سعيد بن صالح -يعني الأسدي- قال: قال إبراهيم: لأنا لفتنة المرجئة أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة. (٤) - وعنه قال: تركت المرجئة الدين أرق من ثوب سابري. (٥) - وقال: إذا قيل لك أمؤمن أنت؟ فقل: لا إله إلا الله. (٦) - وعنه قال: إذا قيل لك أمؤمن أنت؟ فقل: أرجو. (٧)

стр. 575

- وعن الحسن بن عبد الله قال: سمعت إبراهيم يقول لذر: ويحك يا ذر ما هذا الدين الذي جئت به؟ قال ذر: ما هو إلا رأي رأيته. قال ثم سمعت ذرا يقول: إنه لدين الله الذي بعث به نوح. (١) - وعن إبراهيم النخعي أنه قال لمحمد بن السائب التيمي: ما دمت على هذا الرأي فلا تقربنا، وكان مرجئا. (٢) موقفه من القدرية: - جاء في السنة لعبد الله عنه قال: إن آفة كل دين كان قبلكم أو قال: آفة كل دين، القدر. (٣) - وفي الإبانة عن إبراهيم قال: كانوا يقولون النطفة التي قدر منها الولد لو ألقيت على صخرة لخرجت تلك النسمة منها. (٤) - وفيها: عن إبراهيم ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ (٥)؛ قال: بمضلين إلا من قدر له أن يصلى الجحيم. (٦)

стр. 576

الحسن بن الحسن بن علي (١) (٩٧ هـ) الحسن ابن سبط رسول الله ﷺ ، أبي محمد الحسن ابن أمير المؤمنين، أبي الحسن علي بن أبي طالب، الهاشمي العلوي، المدني، أبو محمد. روى عن أبيه الحسن بن علي، وابن عمه عبد الله بن جعفر، وبنت عمه فاطمة بنت الحسين. روى عنه جماعة منهم: أبناؤه إبراهيم والحسن وعبد الله، وابن عمه الحسن بن محمد بن الحنفية، وإسحاق بن يسار المدني. توفي سنة سبع وتسعين. موقفه من المشركين: - عن سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى. فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريده. فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ قلت: سلمت على النبي ﷺ . فقال: إذا دخلت المسجد فسلم. ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم" (٢)، ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء. (٣) - وعن ابن عجلان عن رجل يقال له سهيل عن الحسن بن الحسن بن علي قال: رأى قوما عند القبر فنهاهم وقال: إن النبي ﷺ قال: لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا

стр. 577

بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيث ما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني. (١) عبد الله بن مُحَيْرِيز (٢) (٩٩ هـ) عبد الله بن محيريز بن جُنَادَة، الإمام الفقيه، القدوة الرباني، أبو مُحَيْرِيز، الجمحي، المكي. من رهط أبي محذورة، وكان يتيما في حجره، نزل الشام، وسكن بيت المقدس. حدث عن عبادة بن الصامت، وأبي محذورة المؤذن زوج أمه، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي سعيد الخدري وآخرين. وروى عنه طائفة منهم: خالد بن معدان، ومكحول، وحسان بن عطية والزهري، وأبو زرعة يحيى السيباني وغيرهم. قال رجاء بن حيوة: إن يفخر علينا أهل المدينة بعابدهم ابن عمر، فإنا نفخر عليهم بعابدنا ابن محيريز. وعن خالد بن دريك قال: كانت في ابن محيريز خصلتان ما كانتا في أحد ممن أدركت من هذه الأمة، كان من أبعد الناس أن يسكت عن حق بعد أن يتبين له حتى يتكلم فيه، غضب في الله من غضب، ورضي فيه من رضي، وكان من أحرص الناس أن يكتم من نفسه أحسن ما عنده. وقال الأوزاعي: كان ابن أبي زكريا يقدم

стр. 578

فلسطين، فيلقى ابن محيريز فتتقاصر إليه نفسه لما يرى من فضل ابن محيريز. وقال ضمرة الشيباني: كان عبد الله بن الديلمي من أبصر الناس لإخوانه، فذكر ابن محيريز في مجلس هو فيه، فقال رجل: كان بخيلا، فغضب ابن الديلمي وقال: كان جوادا حيث يحب الله، بخيلا حيث تحبون. وعن رجاء بن أبي سلمة قال: كان ابن محيريز يجيء إلى عبد الملك بصحيفة فيها النصيحة يقرئه ما فيها، فإذا فرغ منها أخذ الصحيفة. وقال يحيى السيباني: قال لنا ابن محيريز: إني أحدثكم فلا تقولوا: حدثنا ابن محيريز، إني أخشى أن يصرعني ذلك القول مصرعا يسوؤني. قال ابن محيريز: لأن يكون في جلدي برص أحب إلي من أن ألبس ثوب حرير. توفي ﵀ سنة تسع وتسعين. موقفه من المبتدعة: جاء في تلبيس إبليس عن عبد الله بن محيريز قال: يذهب الدين سنة سنة كما يذهب الحبل قوة قوة. (١) سليمان بن عبد الملك (٢) (٩٩ هـ) سليمان بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، القرشي، الأموي، أمير المؤمنين، أبو أيوب. بويع بعد أخيه الوليد سنة ست وتسعين. روى عن أبيه وعبد الرحمن بن هنيدة، وروى عنه ابنه عبد الواحد والزهري. وقال يزيد

стр. 579

ابن حازم: كان سليمان بن عبد الملك يخطبنا كل جمعة، لا يدع أن يقول: أيها الناس إنما أهل الدنيا على رحيل لم تمض بهم نية ولم تطمئن لهم دار حتى يأتي وعد الله وهم على ذلك، لا يدوم نعيمها ولا تؤمن فجائعها، ولا يتقى من شر أهلها، ثم قرأ: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ (١). وكان ﵀ ينهى الناس عن الغناء. وعن ابن سيرين قال: يرحم الله سليمان بن عبد الملك، افتتح خلافته بإحيائه الصلاة لوقتها، واختتمها باستخلافه عمر بن عبد العزيز. توفي ﵀ سنة تسع وتسعين. موقفه من الجهمية: جاء في السنة لعبد الله عن محمد بن قيس قال: إن فضل القرآن على الكلام كفضل الخالق على سائر خلقه. قال محمد بن قيس سمعت سليمان بن عبد الملك يخطب بها على المنبر. (٢) طلق بن حبيب (٣) (قبل ١٠٠ هـ) طَلْق بن حَبِيب، الموفق النجيب، والمتعبد اللبيب، العَنَزِي، بصري زاهد كبير، من العلماء العاملين. روى عن أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله،

стр. 580

وجندب بن عبد الله، وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص، والأحنف بن قيس، وبشير ابن كعب العدوي، وغيرهم. وعنه جماعة منهم: الأعمش، وطاووس، وأبو العالية البَرَّاء، وأيوب السختياني، وبكر بن عبد الله المزني. قال أيوب: ما رأيت أحدا أعبد من طلق بن حبيب. عن طاووس قال: كنت أطوف معه، فذكر وحلف، ما رأيت أحدا من الناس أحسن صوتا بالقرآن من طلق بن حبيب، وكان ممن يخشى الله. عن بكر المزني قال: لما كانت فتنة ابن الأشعث، قال طلق بن حبيب: اتقوها بالتقوى، فقيل له: صف لنا التقوى؟ فقال: العمل بطاعة الله على نور من الله رجاء ثواب الله، وترك معاصي الله على نور من الله مخافة عذاب الله. قال الذهبي: أبدع وأوجز، فلا تقوى إلا بعمل، ولا عمل إلا بترو من العلم والاتباع، ولا ينفع ذلك إلا بالإخلاص لله، لا ليقال: فلان تارك للمعاصي بنور الفقه، إذ المعاصي يفتقر اجتنابها إلى معرفتها، ويكون الترك خوفا من الله، لا ليمدح بتركها، فمن داوم على هذه الوصية فقد فاز. قال طلق: إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، وإن نعم الله أكثر من أن تحصى، ولكن أصبحوا تائبين، وأمسوا تائبين. قال ابن الأعرابي: كان يقال: فقه الحسن، وورع ابن سيرين، وحلم مسلم بن يسار، وعبادة طلق، وكان طلق يتكلم على الناس ويعظ. وقد كان ﵀ يرى الإرجاء، وقد تقدم قريبا موقف سعيد بن جبير منه. كانت وفاته ما بين التسعين والمائة.

стр. 581

موقفه من المبتدعة: جاء في الإبانة: عن سليمان بن عتيق، قال: لما وقعت الفتنة، قال طلق ابن حبيب: اتقوها بالتقوى، قالوا: وما التقوى؟ قال: أن تعمل بطاعة الله على نور من نور الله رجاء ثواب الله، والتقوى ترك معاصي الله على نور من الله خوف عقاب الله. (١) موقف السلف من ذر الهمداني المرجئي (مات قبل ١٠٠ ه ـ) قال الإمام أحمد: لا بأس به، هو أول من تكلم في الإرجاء. (٢) وقال المغيرة: سلم ذر على إبراهيم النخعي فلم يرد عليه لأنه كان يرى الإرجاء. (٣) وقال ذر: قد شرعت شيئا -أو قال: دينا- أخاف أن يتخذ سنة. (٤) عن أبي المختار الطائي: شكا ذر الهمداني سعيد بن جبير إلى أبي البختري الطائي، فقال: مررت فسلمت عليه فلم يرد علي فقال: أبو البختري لسعيد بن جبير في ذلك، فقال سعيد: إن هذا يحدث كل يوم دينا، والله لا كلمته أبدا. (٥)

стр. 582

عن ابن عون قال: كان إبراهيم -أي النخعي- يعيب على ذر قوله في الإرجاء. (١) وقال إبراهيم: إذا لقيت ذرا فتنصل إلي منه. (٢) عن العلاء بن عبد الله بن رافع أن ذرا أبا عمر أتى سعيد بن جبير يوما في حاجة قال: فقال: لا حتى تخبرني على أي دين أنت اليوم أو رأي أنت اليوم، فإنك لا تزال تلتمس دينا قد أضللته، ألا تستحي من رأي أنت اليوم أكبر منه. (٣) القاسم بن مُخَيْمِرَة (٤) (١٠٠ هـ) الإمام القدوة، أبو عروة الهمداني الكوفي نزيل دمشق. حدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي سعيد الخدري، وأبي أمامة الباهلي. وروى عنه الأوزاعي وأبو إسحاق السبيعي، وعلقمة بن مرثد. عن القاسم بن مخيمرة قال: لم يجتمع على مائدتي لونان من طعام قط، وما أغلقت بابي قط ولي خلفه هم. قال الأوزاعي: كان القاسم يقدم علينا مرابطا متطوعا، وسمعته يقول: لأن أطأ على سنان محمي ينفذ من قدمي أحب إلي من أن أطأ على قبر مؤمن متعمدا. توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة مائة.

стр. 583

موقفه من القدرية: جاء في الإبانة: عن عبد الله بن العلا بن زبر قال: سمعت القاسم بن مخيمرة يقول لرجل يأتي التباعات: يا فلان، ويحك يا فلان، اتق الله وراجع ما كنت عليه من الإسلام، فقال: يا أبا عروة. اسمع مني حتى أكلمك؛ فقال القاسم: لا حاجة لي في كلامك، وكان رجلا يتهم بالقدر. (١) الحسن بن محمد بن الحَنَفِيَّة (٢) (١٠٠ هـ) الحسن بن محمد بن الحنفية، أبو محمد، وأمه جمال بنت قيس. كان من ظرفاء بني هاشم وأهل العقل منهم، وهو تابعي جليل. روى عن أبيه، وابن عباس، وجابر وسلمة بن الأكوع، وعدة. وروى عنه الزهري وعمرو بن دينار وموسى بن عبيدة وآخرون. وكان من علماء أهل البيت، قال فيه عمرو بن دينار: ما رأيت أحدا أعلم بما اختلف فيه الناس من الحسن بن محمد، ما كان زُهريُّكم إلا غلاما من غلمانه. من أقواله: إن أحسن رداء ارتديت به رداء الحلم، هو والله عليك أحسن من بردي حبرة، فإن لم تكن حليما فتحالم.

стр. 584

توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز ولم يكن له عقب. موقفه من القدرية: جاء في أصول الاعتقاد عن أبي الضحى، قال الحسن بن محمد بن علي: لا تجالسوا أهل القدر. (١) عبد الله بن الديلمي (٢) (١٠٠ هـ) عبد الله بن فَيْرُوز الدَّيْلَمِيّ، أبو بِشْر، كان يسكن بيت المقدس. روى عن أبيه، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وغيرهم. وعنه ربيعة بن يزيد على خلاف فيه، وأبو إدريس الخولاني، وعروة ابن رويم، وغيرهم. قال ابن حجر: ذكره ابن قانع في معجم الصحابة، وأبو زرعة الدمشقي في تابعي أهل الشام، وأما ابن حبان فقال: هو عبد الله بن ديلم بن هوشع الحميري عداده في أهل مصر، كذا قال. وروى ابن سيرين عنه قال: كنت ثالث ثلاثة ممن يخدم معاذ بن جبل. توفي عام مائة. موقفه من المبتدعة: - روى اللالكائي بسنده إلى عبد الله بن الديلمي قال: إن أول ذهاب الدين ترك السنة، يذهب الدين سنة سنة كما يذهب الحبل قوة قوة. (٣) - وروى ابن وضاح: عن عبد الله بن الديلمي قال: ما ابتدعت بدعة إلا ازدادت مضيا، ولا تركت سنة إلا ازدادت هربا. (٤)

стр. 585

أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز (١) (١٠١ هـ) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، أمير المؤمنين، أبو حفص القرشي الأموي المدني ثم المصري، الخليفة الزاهد الراشد أشج بني أمية. كان واحد أمته في الفضل، ونجيب عشيرته في العدل، جمع زهدا وعفافا، وورعا وكفافا، شغله آجل العيش عن عاجله وألهاه إقامة العدل عن عاذله، كان للرعية أمنا وأمانا، وعلى من خالفه حجة وبرهانا، كان مفوها عليما، ومفهما حكيما. حدث عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، والسائب بن يزيد وسعيد بن المسيب وعروة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن وغيرهم. وعنه جماعة منهم: أبو سلمة أحد شيوخه، ورجاء بن حيوة وابن المنكدر والزهري، وأيوب السختياني ويحيى بن سعيد الأنصاري. روى ضمام ابن إسماعيل عن أبي قبيل: أن عمر بن عبد العزيز بكى وهو غلام صغير، فأرسلت إليه أمه، وقالت: ما يبكيك؟ قال: ذكرت الموت، قال وكان يومئذ قد جمع القرآن، فبكت أمه حين بلغها ذلك. عن عمرو بن ميمون قال: كانت العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذة. وعنه أيضا قال: أتينا عمر بن عبد العزيز، ونحن نرى أنه يحتاج إلينا، فما كنا معه إلا تلامذة. وكذلك جاء عن مجاهد وغيره. قال حماد بن واقد: سمعت مالك بن دينار يقول: الناس يقولون عني

стр. 586

زاهد، إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي أتته الدنيا فتركها. عن عمر بن ذر: حدثني عطاء بن أبي رباح، قال: حدثتني فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز أنها دخلت عليه، فإذا هو في مصلاه يده على خده، سائلة دموعه، فقلت: يا أمير المؤمنين. ألشيء حدث؟ قال: يا فاطمة. إني تقلدت أمر أمة محمد ﷺ ، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب المأسور، والكبير وذي العيال في أقطار الأرض، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم، وأن خصمهم دونهم محمد ﷺ ، فخشيت ألا تثبت لي حجة عند خصومته، فرحمت نفسي وبكيت. قال عطاء: كان عمر بن عبد العزيز يجمع كل ليلة الفقهاء فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة ويبكون. عن الأوزاعي قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز رسالة، لم يحفظها غيري وغير مكحول: أما بعد، فإنه من أكثر ذكر الموت، رضي من الدنيا باليسير، ومن عد كلامه من عمله، قل كلامه إلا فيما ينفعه. توفي سنة إحدى ومائة. موقفه من المبتدعة: - عن جعفر بن برقان أن عمر بن عبددالعزيز قال لرجل: وسأله عن الأهواء فقال: عليك بدين الصبي الذي في الكتاب والأعرابي واله عما سواهما. (١) - روى الدارمي بسنده إلى عبيد الله بن عمر أن عمر بن عبد العزيز

стр. 587

خطب فقال: يا أيها الناس إن الله لم يبعث بعد نبيكم نبيا، ولم ينزل بعد هذا الكتاب الذي أنزله عليه كتابا، فما أحل الله على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة، ألا وإني لست بقاض، ولكني منفذ، ولست بمبتدع ولكني متبع، ولست بخير منكم، غير أني أثقلكم حملا، ألا وإنه ليس لأحد من خلق الله أن يطاع في معصية الله، ألا هل أسمعت. (١) - وعنه قال: ما أتاك به الزهري مما رواه فاشدد يديك به، وما أتاك به من رأيه فانبذه. (٢) - قال مطرف بن عبد الله: سمعت مالك بن أنس إذا ذكر عنده الزائغون في الدين يقول: قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اتباع لكتاب الله تعالى، واستكمال لطاعة الله تعالى وقوة على دين الله، ليس لأحد من الخلق تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا. (٣) - عن الأوزاعي قال كتب عمر بن عبد العزيز أنه لا رأي لأحد في

стр. 588

كتاب وإنما رأي الأئمة فيما لم ينزل فيه كتاب ولم تمض به سنة من رسول الله ﷺ ولا رأي لأحد في سنة سنها رسول الله ﷺ . (١) - كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر، فكتب: أما بعد، أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع سنة نبيه ﷺ ، وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنته، وكفوا مؤنته، فعليك بلزوم السنة، فإنها لك -بإذن الله- عصمة، ثم اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها أو عبرة فيها، فإن السنة إنما سنها من قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق، فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، وهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أولى، فإن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم إنما حدث بعدهم ما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم، فإنهم هم السابقون، فقد تكلموا فيه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم من مقصر، وما فوقهم من محسر، وقد قصر قوم دونهم فجفوا، وطمح عنهم أقوام فغلوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم. (٢)

стр. 589

" التعليق: رحمك الله يا أمير المؤمنين، ما أحسن ما قلت وأفضل ما فعلت! تخاطب عمالك بهذه الحكم الغالية، وتبين لهم أن الخير كل الخير في الالتزام بسنة رسول الله ﷺ ، وأن الذي سنها علم ما فيها من الخير وما في خلافها من الشر، وأن السابقين الأولين لم يعجزهم الابتداع في دين الله والزيادة فيه، ولكنهم يعلمون أن الخير كل الخير في اتباع سنته، والشر كل الشر في البدع والمحدثات، فبالله عليك قل لي: ماذا يقول المبتدعة في مثل هذه النصوص القاطعة الواضحة التي تسد باب الابتداع في وجوههم؟ - قال ابن عبد البر: روينا عن الحسن البصري أنه قال: ما ورد علينا قط كتاب عمر بن عبد العزيز إلا بإحياء سنة، أو إماتة بدعة، أو رد مظلمة. فهؤلاء هم الأئمة الذين هم لله في الأرض حجة. (١) - عن يحيى بن سعيد قال: قال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر الشك، أو قال: يكثر التحول. (٢) - عن الأوزاعي قال: قال عمر بن عبد العزيز: إذا رأيت قوما يتناجون في دينهم بشيء دون العامة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة. (٣)

стр. 590

- عن عمرو بن مهاجر أن عمر بن عبد العزيز كان يقول: إذا سمعت المراء فأقصر. (١) - عن عمر بن عبد العزيز قال: من عمل على غير علم، كان ما يفسد أكثر مما يصلح. (٢) - عن ابن أبي ذئب قال: أخبرني مخلد بن خفاف، قال: ابتعت غلاما، فاستغللته، ثم ظهرت منه على عيب، فخاصمت فيه إلى عمر بن عبد العزيز، فقضى لي برده، وقضى علي برد غلته، فأتيت عروة فأخبرته، فقال أروح إليه العشية فأخبره أن عائشة أخبرتني: أن رسول الله ﷺ قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان (٣). فعجلت إلى عمر فأخبرته ما أخبرني عروة عن عائشة عن النبي فقال عمر: فما أيسر علي من قضاء قضيته، الله يعلم أني لم أرد فيه إلا الحق، فبلغتني فيه سنة عن رسول الله، فأرد قضاء عمر، وأنفذ سنة رسول الله. فراح إليه عروة، فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به علي له. (٤) - عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: لم يزل أمر بني إسرائيل مستقيما حتى حدث فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم فغالوا فيهم بالرأي فضلوا

стр. 591

وأضلوا. (١) - قال عمر بن عبد العزيز ﵁: ألا وإني أعالج أمرا لا يعين عليه إلا الله، قد فني عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، وفصح عليه الأعجمي، وهاجر عليه الأعرابي، حتى حسبوه دينا لا يرون الحق غيره. (٢) - روي عن عمر بن عبد العزيز ﵁: أنه خطب الناس، فكان من جملة كلامه في خطبته أن قال: والله إني لولا أن أنعش سنة قد أميتت، أو أن أميت بدعة قد أحييت، لكرهت أن أعيش فيكم فواقا. (٣) - عن عمر بن عبد العزيز: أنه كان يقول: اثنان لا نعاتبهما: صاحب طمع، وصاحب هوى، فإنهما لا ينزعان. (٤) - وقال عمر بن عبد العزيز: لا تكن ممن يتبع الحق إذا وافق هواه، ويخالفه إذا خالف هواه، فإذا أنت لا تثاب على ما اتبعته من الحق، وتعاقب على ما خالفته. قال ابن تيمية: وهو كما قال ﵁ لأنه في الموضعين إنما قصد اتباع هواه لم يعمل لله. (٥) - وقد قال عمر بن عبد العزيز ﵀: الرأي فيهم -يعني في أهل الأهواء- أن يستتابوا فإن تابوا وإلا عرضوا على السيف وضربت رقابهم، ومن قتل منهم على ذلك فميراثه لورثته لأنهم مسلمون إلا أنهم قتلوا لرأيهم

стр. 592

رأى السوء. (١) - عن هشام بن عروة أن عمر بن عبد العزيز أخذ قوما على شراب ومعهم رجل صائم فضربه معهم فقيل له: إن هذا صائم، فقال: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (٢). (٣) موقفه من المشركين: - جاء في الصارم: وكان عمر بن عبد العزيز يقول: يقتل، وذلك أنه من شتم النبي ﷺ فهو مرتد عن الإسلام ولا يشتم مسلم النبي ﷺ . (٤) - وفيه عن خليد أن رجلا سب عمر بن عبد العزيز فكتب عمر: إنه لا يقتل إلا من سب رسول الله ﷺ ، ولكن اجلده على رأسه أسواطا، ولولا أني أعلم أن ذلك خير له لم أفعل. رواه حرب، وذكره الإمام أحمد، وهذا مشهور عن عمر بن عبد العزيز، وهو خليفة راشد، عالم بالسنة متبع لها. (٥) موقفه من الرافضة: - جاء في أصول الاعتقاد: عن الحارث بن عتبة أن عمر بن عبد العزيز أتي برجل سب عثمان فقال ما حملك على أن سببته قال: أبغضته قال: أبغضت رجلا وسببته قال: فأمر به فجلد ثلاثين سوطا. (٦)

стр. 593

-وفيه عن إبراهيم بن ميسرة قال: ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنسانا قط إلا إنسانا شتم معاوية فضربه أسواطا. (١) - وفي السنة للخلال عن جحشة بن العلاء قال: كان عمر بن عبد العزيز إذا سئل عن صفين والجمل قال: أمر أخرج الله يدي منه ما أدخل لساني فيه. (٢) موقفه من الجهمية: روى اللالكائي في أصول الاعتقاد: عن محمد بن كعب القرظي يحدث عن عمر بن عبد العزيز قال: إذا فرغ الله من أهل الجنة وأهل النار أقبل ﵎ في ظلل من الغمام ومعه الملائكة فيقف على أهل أول درجة من الجنة فيسلم عليهم فيردون عليه وهو قوله: ﴿سلامٌ قولاً من ربٍ رحيم﴾ (٣). (٤) موقفه من الخوارج: - روى ابن عبد البر بسنده إلى هشام بن يحيى الغساني عن أبيه قال: خرجت علَيَّ الحرورية بالموصل فكتبت إلى عمر بن عبد العزيز بمخرجهم، فكتب إلي يأمرني بالكف عنهم وأن أدعو رجالا منهم فأجعلهم على مراكب من البريد، حتى يقدموا على عمر فيجادلهم، فإن يكونوا على الحق اتبعهم وإن يكن عمر على الحق اتبعوه، وأمرني أن أرتهن منهم رجالا وأن أعطيهم

стр. 594

رهنا يكون في أيديهم حتى تنقضي الأمور وأجلهم في سيرهم ومقامهم ثلاثة أشهر فلما قدموا على عمر أمر بنزولهم ثم أدخلهم عليه فجادلهم حتى إذا لم يجد لهم حجة رجعت طائفة منهم، ونزعوا عن رأيهم وأجابوا عمر وقالت طائفة منهم: لسنا نجيبك حتى تكفر أهل بيتك وتلعنهم وتبرأ منهم، فقال عمر: إنه لا يسعكم فيما خرجتم له إلا الصدق، أعلموني هل تبرأتم من فرعون أو لعنتموه أو ذكرتموه في شيء من أموركم، قالوا: لا، قال: فكيف، وسعكم تركه ولم يصف الله عبدا بأخبث من صفته إياه ولا يسعني ترك أهل بيتي ومنهم المحسن والمسيء والمخطئ والمصيب. (١) - وعن هشام بن يحيى الغساني عن أبيه أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه في الخوارج: إن كان من رأي القوم أن يسيحوا في الأرض من غير فساد على الأئمة، ولا على أحد من أهل الذمة، ولا يتناولون أحدا، ولا قطع سبيل من سبل المسلمين، فليذهبوا حيث شاؤوا، وإن كان رأيهم القتال، فوالله لو أن أبكاري من ولدي خرجوا رغبة عن جماعة المسلمين، لأرقت دماءهم ألتمس بذلك وجه الله والدار الآخرة. (٢) - وله بسنده إلى محمد بن سليم -أحد بني ربيعة بن حنظلة بن عدي- قال: بعثني وعون بن عبد الله عمر بن عبد العزيز إلى خوارج خرجت بالجزيرة، فذكر الخبر في مناظرة عمر الخوارج وفيه قالوا: خالفت أهل بيتك وسميتهم الظلمة، فإما أن يكونوا على الحق أو يكونوا على الباطل، فإن زعمت أنك

стр. 595

على الحق وهم على الباطل فالعنهم وتبرأ منهم، فإن فعلت فنحن منك وأنت منا، وإن لم تفعل فلست منا ولسنا منك، فقال عمر: إني قد علمت أنكم لم تتركوا الأهل والعشائر وتعرضتم للقتل والقتال إلا وأنتم ترون أنكم مصيبون، ولكنكم أخطأتم وضللتم وتركتم الحق، أخبروني عن الدين أواحد أو اثنان؟ قالوا: بلى، واحد، قال: فيسعكم في دينكم شيء يعجز عني؟ قالوا: لا، قال: أخبروني عن أبي بكر وعمر ما حالهما عندكم؟ قالوا: أفضل أسلافنا أبو بكر وعمر، قال: ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ لما توفي ارتدت العرب فقاتلهم أبو بكر فقتل الرجال وسبى الذرية والنساء؟ قالوا: بلى، قال عمر بن عبد العزيز: فلما توفي أبو بكر وقام عمر رد النساء والذراري على عشائرهم؟ قالوا: بلى، قال عمر: فهل تبرأ عمر من أبي بكر ولعنه بخلافه إياه؟ قالوا: لا، قال: فتتولونهما على اختلاف سيرتهما؟ قالوا: نعم، قال عمر: فما تقولون في بلال بن مرداس؟ قالوا: من خير أسلافنا بلال بن مرداس، قال: أفلستم قد علمتم أنه لم يزل كافا عن الدماء والأموال وقد لطخ أصحابه أيديهم في الدماء والأموال فهل تبرأت إحدى الطائفتين من الأخرى أو لعنت إحداهما الأخرى؟ قالوا: لا، قال: فتتولونهما جميعا على اختلاف سيرتهما؟ قالوا: نعم، قال عمر: فأخبروني عن عبد الله بن وهب الراسبي حين خرج من البصرة هو وأصحابه يريدون أصحابكم بالكوفة فمروا بعبد الله بن خباب فقتلوه وبقروا بطن جاريته، ثم عدوا على قوم من بني قطيعة فقتلوا الرجال وأخذوا الأموال وغلوا الأطفال في المراجل، وتأولوا قول الله : ﴿إِنَّكَ إِنْ إن تذرهم يضلوا

стр. 596

عبادك ولا يلدوا إلا فاجرًا كفارًا﴾ (١)، ثم قدموا على أصحابهم من أهل الكوفة وهم كافون عن الفروج والدماء والأموال فهل تبرأت إحدى الطائفتين من الأخرى أو لعنت إحداهما الأخرى؟ قالوا: لا، قال عمر: فتتولونهما على اختلاف سيرتهما؟ قالوا: نعم، قال عمر: فهؤلاء الذين اختلفوا بينهم في السيرة والأحكام ولم يتبرأ بعضهم من بعض على اختلاف سيرتهم، ووسعهم ووسعكم ذلك ولا يسعني حين خالفت أهل بيتي في الأحكام والسيرة حتى ألعنهم وأتبرأ منهم؟ أخبروني عن اللعن أفرض هو على العباد؟ قالوا: نعم، قال عمر لأحدهما: متى عهدك بلعن فرعون؟ قال: ما لي بذلك عهد منذ زمان، فقال عمر: هذا رأس من رؤوس الكفر ليس له عهد بلعنه منذ زمان، وأنا لا يسعني أن لا ألعن من خالفتهم من أهل بيتي، وذكر تمام الخبر. (٢) " التعليق: تأمل هذه المناظرة التي عقدها أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز مع طائفة الخوارج تر البون الشاسع بين العقل الراجح المنور بالعلم الغزير والعقل الطائش المظلم بالجهل الفاضح، وبين الوسطية والاعتدال في الأمور والتطرف والتنطع الذي يتصف به خوارج كل زمان. نسأل الله العافية. - وروى ابن أبي شيبة بسنده إلى مغيرة قال: خاصم عمر بن عبد العزيز

стр. 597

الخوارج، فرجع من رجع منهم، وأبت طائفة منهم أن يرجعوا، فأرسل عمر رجلا على خيل وأمره أن ينزل حيث يرحلون، ولا يحركهم ولا يهيجهم، فإن قتلوا وأفسدوا في الأرض فاسط عليهم وقاتلهم، وإن هم لم يقتلوا ولم يفسدوا في الأرض فدعهم يسيرون. (١) - وله بسنده إلى عبيد بن الحسن: قال: قالت الخوارج لعمر بن عبد العزيز: تريد أن تسير فينا بسيرة عمر بن الخطاب؟ فقال: ما لهم قاتلهم الله، والله ما زدت أن أتخذ رسول الله ﷺ إماما. (٢) - وروى عبد الرزاق بسنده إلى عيسى بن المغيرة قال: خرج خارجي بالسيف بخراسان فأخذ، فكتب فيه إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب فيه: إن كان جرح أحدا فاجرحوه، وإن قتل أحدا فاقتلوه، وإلا فاستودعوه السجن، واجعلوا أهله قريبا منه، حتى يتوب من رأي السوء. (٣) - وعن ابن وهب قال: أخبرني ابن أبي الزناد عن أبيه قال: خرجت حرورية بالعراق في خلافة عمر بن عبد العزيز وأنا يومئذ بالعراق مع عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، فكتب إلينا عمر بن عبد العزيز يأمرنا أن ندعوهم إلى العمل بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ فلما أعذر في دعائهم كتب إليه أن قاتلهم فإن الله وله الحمد، لم يجعل لهم سلفا يحتجون به علينا، فبعث إليهم عبد الحميد جيشا فهزمتهم الحرورية، فلما بلغ ذلك عمر بعث

стр. 598

إليهم مسلمة بن عبد الملك في جيش من أهل الشام وكتب إلى عبد الحميد أنه قد بلغني ما فعل جيشك جيش السوء وقد بعثت إليك مسلمة بن عبد الحميد فخل بينه وبينهم فلقيهم مسلمة فأظفره الله عليهم وأظفره بهم. (١) موقفه من المرجئة: عن عدي بن عدي قال: كتب إلي عمر بن عبد العزيز: أما بعد: فإن للإيمان فرايض وشرايع فمن استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان فإن عشت أبينها لكم حتى تعملوا بها إن شاء الله وإن مت فوالله ما أنا على صحبتكم بحريص. (٢) موقفه من القدرية: روى اللالكائي بسنده إلى حيان بن عبيد الله التميمي عن أبيه قال: شهدت عمر بن عبد العزيز وقد أدخل عليه غيلان، فقال: ويحك يا غيلان، أراني أبلغ عنك ويحك يا غيلان أراني أبلغ عنك؟ أيا غيلان أحقا ما أبلغ عنك؟ فسكت فقال: هات فإنك آمن فإن يك الذي تدعو الناس إليه حقا فأحق من دعا إليه الناس نحن هات. فأسكت طويلا، فقال عمر: ويحك فإنك آمن وأمره أن يجلس فجلس فتكلم بلسان ذلق، فقال: إن الله لا يوصف إلا بالعدل ولم يكلف نفسا إلا وسعها ولا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها، ولم

стр. 599

يكلف المسافر صلاة المقيم ولم يكلف الله المريض عمل الصحيح ولم يكلف الفقير مثل صدقة الغني ولم يكلف الناس إلا ما جعل إليه السبيل وأعطاهم المشيئة فقال: ﴿فَمَنْ شَاءَ فليؤمن وَمَنْ شَاءَ فليكفر﴾ (١) وقال: اعْمَلُوا ﴿مَا شِئْتُمْ﴾ (٢) فلما فرغ من كلام كثير قال له عمر في آخر كلامه: يا غيلان ما تقول في قول الله: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣). أنت تزعم يا غيلان -ذكر كلاما كثيرا سقط من الكتاب- فأسكت غيلان لا يجيبه وجعل عمر يسأله وغيلان يرفع بصره إلى السماء مرة وإلى الأرض مرة، وانتفخت أوداجه، فقال: ما يمنعك أن تتكلم وقد جعلت لك

стр. 600

الأمان؟ فقال غيلان: أستغفر الله وأتوب إليه يا أمير المؤمنين، ادع الله لي بالمغفرة، فقال: اللهم إن كان عبدك صادقا فوفقه وسدده وإن كان كاذبا أعطاني بلسانه ما ليس في قلبه بعد أن أنصفته وجعلت له الأمان فسلط عليه من يمثل به. قال: فصار من أمره بعد أن قطع لسانه وصلب. (١) - وجاء في الإبانة: أن عمر بن عبد العزيز قيل له: إن غيلان يقول في القدر كذا وكذا، فقال: يا غيلان: ما تقول في القدر؛ فتقور ثم قرأ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ حتى قرأ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (٢)؛ قال: فقال عمر: القول فيه طويل عريض، ما تقول في القلم؟ قال: قد علم الله ما هو كائن، قال: أما والله لو لم تقلها لضربت عنقك. (٣) - وفيها عن الأوزاعي قال: كتب غيلان إلى عمر بن عبد العزيز: أما بعد يا أمير المؤمنين؛ فهل رأيت عليما حكيما أمر قوما بشيء ثم حال بينهم وبينه ويعذبهم عليه، قال: فكتب إليه عمر ﵁: أما بعد؛ فهل رأيت قادرا قاهرا يعلم ما يكون خلف لنفسه عدوا وهو يقدر على هلاكه، قال: فبطلت الرسالة الأولى. (٤)
следующие страницы →