← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

سفيان إلى ذاك. قال حماد بن سلمة: قال إياس: لا تنظر إلى ما يصنع العالم، فإن العالم قد يصنع الشيء يكرهه، ولكن سله حتى يخبرك بالحق. توفي سنة اثنتين وعشرين ومائة. موقفه من القدرية: - روى عبد الله في السنة بالسند إليه قال: أعلم الناس بالقدر ضعفاؤهم يقول: إن كل من لم يدخل في خصومة القدر كان من قوله إذا تكلم: كان من قدر الله كذا وكذا. (١) - وروى أيضا عنه قال: ما كلمت أحدا من أهل الأهواء بعقلي كله إلا القدرية فإني قلت لهم: ما الظلم فيكم؟ فقالوا أن يأخذ الإنسان ما ليس له. فقلت لهم: فإن الله على كل شيء قدير. (٢) - وجاء في تهذيب الكمال: قال الأصمعي عن عدي بن الفصيل البصري: اجتمع إياس بن معاوية وغيلان، عند عمر بن عبد العزيز، فقال عمر: أنتما مختلفان وقد اجتمعتما فتناظرا تتفقا، فقال إياس: يا أمير المؤمنين إن غيلان صاحب كلام، وأنا صاحب اختصار. فإما أن يسألني ويختصر، أو أسأله وأختصر، فقال غيلان: سل، فقال إياس: أخبرني: ما أفضل شيء خلقه الله ؟ قال: العقل. قال: فأخبرني عن العقل مقسوم أو مقتسم؟ فأمسك غيلان، فقال له: أجب. فقال: لا جواب عندي، فقال إياس: قد

стр. 772

تبين لك يا أمير المؤمنين أن الله ﵎ يهب العقول لمن يشاء، فمن قسم له منها شيئا ذاده به عن المعصية، ومن تركه تهور. - قال الأصمعي: وحدثني غيره أن غيلان وإياسا التقيا فتساءلا، فقال إياس: أسألك أم تسألني؟ فقال له غيلان: سل. فقال له إياس: أي شيء خلق الله أفضل؟ قال: العقل. قال إياس: فمن شاء استكثر منه، ومن شاء استقل، فسكت غيلان مليا ثم قال: سل عن غير هذا؟ فقال له إياس: أخبرني عن العلم قبل أو العمل؟ فقال غيلان: والله لا أجيبك فيها. فقال إياس: فدعها، وأخبرني عن الخلق، خلقهم الله مختلفين أو مؤتلفين؟ فنهض غيلان وهو يقول: والله لا جمعني وإياك مجلس أبدا. (١) - وجاء في البداية والنهاية: قال بعضهم: اكترى إياس بن معاوية من الشام قاصدا الحج، فركب معه في المحارة غيلان القدري، ولا يعرف أحدهما صاحبه، فمكثا ثلاثا لا يكلم أحدهما الآخر، فلما كان بعد ثلاث تحادثا فتعارفا وتعجب كل واحد منهما من اجتماعه مع صاحبه، لمباينة ما بينهما في الاعتقاد في القدر، فقال له إياس: هؤلاء أهل الجنة يقولون حين يدخلون الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (٢) ويقول أهل النار: ﴿ربنا غلبت علينا شِقْوَتُنَا﴾ (٣) وتقول الملائكة:

стр. 773

﴿سبحانك لا عِلْمَ لَنَا إِلًّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ (١) ثم ذكر له من أشعار العرب وأمثال العجم ما فيه إثبات القدر ثم اجتمع مرة أخرى إياس وغيلان عند عمر بن العزيز فناظر بينهما فقهره إياس، وما زال يحصره في الكلام حتى اعترف غيلان بالعجز وأظهر التوبة، فدعا عليه عمر بن عبد العزيز إن كان كاذبا، فاستجاب الله منه فأمكن من غيلان فقتل وصلب بعد ذلك ولله الحمد والمنة. (٢) - وفي الإبانة: عن حبيب بن الشهيد؛ قال: جاؤوا برجل إلى إياس بن معاوية فقالوا: هذا يتكلم في القدر؛ فقال إياس: ما تقول؟ قال: أقول: إن الله قد أمر العباد ونهاهم، وأن الله لا يظلم العباد شيئا، فقال له إياس: خبرني عن الظلم تعرفه أو لا تعرفه؟ قال: بلى أعرفه، قال: فما الظلم عندك؟ قال: أن يأخذ الرجل ما ليس له، قال: فمن أخذ ما له ظلم؟ قال: لا، قال: الآن عرفت الظلم. (٣) زيد بن علي (٤) (١٢٢ هـ) زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسين الهاشمي

стр. 774

العلوي المدني، أخو أبي جعفر الباقر، وعبد الله، وعمر، وعلي، وحسين روى عن: أبيه زين العابدين، وأخيه الباقر، وعروة بن الزبير. وروى عنه: ابن أخيه جعفر بن محمد، وشعبة، وفضيل بن مرزوق وغيرهم. قال عنه جعفر الصادق: كان والله أقرأنا لكتاب الله وأفقهنا في دين الله، وأوصلنا للرحم، والله ما تركنا وفينا مثله. وسأله يوما بعض أصحابه عن قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (١)، قال: أبو بكر وعمر، ثم قال: لا أنالني الله شفاعة جدي إن لم أوالهما. قال الذهبي رحمه الله تعالى: كان ذا علم وجلالة وصلاح، هفا، وخرج، فاستشهد. عاش نيفا وأربعين سنة، وقتل يوم ثاني صفر سنة اثنتين وعشرين ومائة ﵀. موقفه من الرافضة: - جاء في السير: قال عيسى بن يونس: جاءت الرافضة زيدا، فقالوا: تبرأ من أبي بكر وعمر حتى ننصرك، قال: بل أتولاهما. قالوا: إذا نرفضك، فمن ثم قيل لهم: الرافضة. وأما الزيدية: فقالوا بقوله، وحاربوا معه. (٢) - وفيها: وروى هشام بن البريد عن زيد بن علي قال: كان أبو بكر ﵁ إمام الشاكرين، ثم تلا ﴿وسيجزي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٣) ثم قال: البراءة من أبي بكر هي البراءة من علي. (٤)

стр. 775

- عن هشام بن الزبير عن زيد بن علي قال: البراءة من أبي بكر وعمر البراءة من علي ﵇. (١) - عن كثير أبي إسماعيل النواء قال سألت زيد بن علي عن أبي بكر وعمر فقال: تولهما، قال قلت كيف تقول فيمن تبرأ منهما؟ قال تبرأ منه حتى يتوب. (٢) موقفه من القدرية: جاء رجل إلى زيد بن علي فقال: يا زيد أنت الذي تزعم أن الله أراد أن يعصى؟ فقال له زيد: أيعصى عنوة؟ قال: فأقبل يحظر (٣). (٤) سيَّار أبو الحكم (٥) (١٢٢ هـ) سَيَّار بن وردان الإمام الحجة القدوة الرباني أبو الحكم الواسطي. حدث عن طارق بن شهاب وأبي وائل شقيق وعامر الشعبي وأكثر عنه. وحدث عنه: شعبة ومسعر وسفيان الثوري وآخرون. قال عنه الإمام أحمد ﵀: صدوق ثقة ثبت في كل المشايخ. وقال عنه صاحب الحلية: المتعبد الصبار أبو الحكم سيار. توفي ﵀ سنة اثنتين وعشرين ومائة.

стр. 776

موقفه من القدرية: - كان سيار أبو الحكم يقول: لا يصلى خلف القدرية فإذا صلى خلف أحد منهم أعاد الصلاة. (١) - وجاء في الشريعة: عن المعتمر بن سليمان: سمعت أبا مخزوم يحدث عن سيار وأبي هاشم الرماني أنهما كانا يقولان: التكذيب بالقدر شرك. (٢) ثابت بن أسلم البناني (٣) (١٢٣ هـ) ثابت بن أَسْلَم أبو محمد البُنَانِي -بضم الباء الموحدة وبعدها نون وبعد الألف نون أخرى- مولاهم البصري أحد أئمة التابعين. ولد في خلافة معاوية. روى عن ابن عمر وعبد الله بن مغفل وابن الزبير وطائفة. وروى عنه: عطاء بن أبي رباح وقتادة وحميد الطويل وشعبة وخلق كثير. كان رأسا في العلم والعمل ثقة ثبتا رفيعا. قال أنس: إن للخير أهلا، وإن ثابتا هذا من مفاتيح الخير. قال بكر بن عبد الله: من أراد أن ينظر إلى أعبد أهل زمانه فلينظر إلى ثابت البناني. وقال: كابدت الصلاة عشرين سنة وتنعمت بها عشرين سنة. ومناقبه كثيرة. توفي ﵀ سنة ثلاث وعشرين ومائة.

стр. 777

موقفه من القدرية: عن وزير بن عبد الله قال: سمعت ثابتا البناني يقول في قول الله : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (١)؛ قال: بإثباتهم القدر. (٢) محمد بن شِهَاب الزُّهْرِي (٣) (١٢٤ هـ) محمد بن مسلم بن عبيد الله، الإمام العلم، حافظ زمانه، أبو بكر القرشي الزهري المدني. روى عن ابن عمر، وجابر بن عبد الله شيئا قليلا، ويحتمل أن يكون سمع منهما، وأنس بن مالك. حدث عنه عطاء بن أبي رباح وهو أكبر منه، وعمر بن عبد العزيز، وعمرو بن دينار وغيرهم. عن يحيى بن سعيد قال: ما بقي عند أحد من العلم ما بقي عند ابن شهاب. قال أبو بكر ابن منجويه: رأى عشرة من أصحاب النبي ﷺ ، وكان من أحفظ أهل زمانه وأحسنهم سياقا لمتون الأخبار، وكان فقيها فاضلا. وقال مكحول: ما بقي على ظهرها أحد أعلم بسنة ماضية من الزهري. قال مالك: حدث الزهري

стр. 778

يوما بحديث، فلما قام قمت فأخذت بعنان دابته، فاستفهمته فقال: تستفهمني؟ ما استفهمت عالما قط، ولا رددت شيئا على عالم قط. وكان الزهري يوصف بالعبادة. قال ﵀ إنما يذهب العلم النسيان وترك المذاكرة. قال الذهبي ﵀: بعض من لا يعتد به لم يأخذ عن الزهري لكونه كان مداخلا للخلفاء، ولئن فعل ذلك فهو الثبت الحجة وأين مثل الزهري ﵀. قال الزهري: لا يرضى الناس قول عالم لا يعمل، ولا عمل عامل لا يعلم. مات ﵀ سنة أربع وعشرين ومائة. وقيل سنة خمس وعشرين. موقفه من المبتدعة: - روى الدارمي بالسند إليه ﵀ قال: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، والعلم يقبض قبضا سريعا، فنعش العلم ثبات الدين والدنيا، وفي ذهاب العلم ذهاب ذلك كله. (١) " التعليق: هذا الإمام الزهري يحكي عن علماء أهل بلده الذين هم أهل المدينة -الصحابة والتابعون- أن الاعتصام بالكتاب والسنة نجاة في الدنيا والآخرة، والابتداع هلاك في الدنيا والآخرة وهذا إجماع من علماء أهل الحق كلهم جزاهم الله خيرا.

стр. 779

- وجاء في ذم الكلام بالسند إليه قال: تعلم السنة أفضل من عبادة مائتي سنة. (١) " التعليق: لا تعلم الأشعار الصوفية، والمتون الغريبة البعيدة عن الدليل، والعقائد الباطلة الموروثة عن ضلال اليونان، وغير ذلك مما ضرره واضح على العقيدة السلفية الخالصة من شوائب الشرك والبدع، والله المستعان. - عن مالك بن أنس قال: سمعت ابن شهاب يقول: سلموا للسنة ولا تعارضوها. (٢) - عن الزهري قال: لا يحب الحديث من الرجال إلا ذكرانها ولا يكرهه إلا إناثها. (٣) - جاء في فتح الباري عن محمد بن علي قال: دخل ابن شهاب على الوليد بن عبد الملك فسأله عن حديث "إن الله إذا استرعى عبدا الخلافة كتب له الحسنات ولم يكتب له السيآت" (٤) فقال له: هذا كذب، ثم تلا ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (٥)

стр. 780

فقال الوليد: إن الناس ليغروننا عن ديننا. (١) - عن الزهري قال: إياكم وأصحاب الرأي، أعيتهم الأحاديث أن يعوها. (٢) موقفه من الرافضة: - عن ابن أبي ذئب عن الزهري قال: ما رأيت قوما أشبه بالنصارى من السبائية. قال أحمد بن يونس: هم الرافضة. (٣) - عن الزهري قال: عمل معاوية بسيرة عمر بن الخطاب سنين لا يخرم منها شيئا. (٤) موقفه من الجهمية: - جاء في السير: عن الأوزاعي سمعت الزهري لما حدث عن النبي ﷺ قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (٥) قلت له: فما هو؟ قال: من الله القول، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم، أمروا حديث رسول الله ﷺ كما جاء بلا كيف. (٦) - وفي الإبانة: عن الأوزاعي قال: سمعت الزهري ومكحولا يقولان:

стр. 781

القرآن كلام الله غير مخلوق. (١) - وعنه قال: ليس الجعدي من أمة محمد ﷺ . (٢) موقفه من الخوارج: جاء في مجموع الفتاوى: عن الأوزاعي قال: وقد قلت للزهري حين ذكر هذا الحديث "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (٣) فإنهم يقولون: فإن لم يكن مؤمنا فما هو؟ قال: فأنكر ذلك. وكره مسألتي عنه. (٤) موقفه من المرجئة: - عن الزهري قال: ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من هذه، يعني الإرجاء. (٥) - وقال معمر عن الزهري: كنا نقول الإسلام بالإقرار، والإيمان بالعمل، والإيمان: قول وعمل قرينان، لا ينفع أحدهما إلا بالآخر، وما من أحد إلا يوزن قوله وعمله فإن كان عمله، أوزن من قوله: صعد إلى الله؛ وإن كان كلامه أوزن من عمله لم يصعد إلى الله. (٦) - عن معمر قال: قال الزهري: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أسلمنا﴾ (٧)

стр. 782

قال: نرى الإسلام الكلمة والإيمان العمل. (١) - قال معقل: فلقيت الزهري فأخبرته بقولهم (٢) فقال: سبحان الله أو قد أخذ الناس في هذه الخصومات قال رسول الله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الشارب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" (٣). (٤) موقفه من القدرية: - روى اللالكائي بالسند إلى الزهري قال: القدر رياض الزندقة فمن دخل فيه هملج (٥). (٦) - وروى ابن بطة بسنده عنه قال: القدر نظام التوحيد، فمن وحد ولم يؤمن بالقدر؛ كان كفره بالقدر نقضا للتوحيد، ومن وحد وآمن بالقدر؛ كانت عروة لا انفصام لها. (٧) إبراهيم بن هشام (٨) (١٢٥ هـ) إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي. ولاه هشام بن عبد الملك إمارة

стр. 783

الحجاز (مكة والمدينة والطائف) منذ سنة ست ومائة إلى أربع عشرة ومائة للهجرة. وفي سنة خمس وعشرين ومائة كتب الوليد بن يزيد إلى يوسف بن عمر، فقدم عليه، فدفع إليه خالد بن عبد الله القسري ومحمدا وإبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزوميين، وأمره بقتلهم. موقفه من القدرية: جاء في أصول الاعتقاد عن حميد بن حبيب: أنه رأى محمد بن إسحاق مجلودا في القدر، جلده إبراهيم بن هشام خال هشام بن عبد الملك. (١) " التعليق: ما أعظمهما من رجلين يتتبعان رؤوس البدع ليطهرا الأرض منهم. أين من يدعون أنهم حماة الإسلام الآن؟ لقد عششت وفرخت البدع والخرافات والعقائد الباطلة من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، وصار المبتدعة أصدقاءهم الأعزاء، ولقوا عندهم كل تقدير واحترام، أما دعاة عقيدة السلف فلقوا كل تشريد وطرد وإبعاد وإن ربك لبالمرصاد، والله المستعان. مطر بن طهمان (٢) (١٢٥ هـ) الإمام الزاهد الصادق، أبو رجاء مَطَر بن طَهْمَان الخراساني، الوراق

стр. 784

نزيل البصرة. روى عن الحسن البصري، ومحمد بن سيرين وقتادة بن دعامة وعامر الشعبي وآخرين. وعنه جملة منهم: شعبة، وإبراهيم بن طهمان، وحماد ابن سلمة وحماد بن زيد. قال الخليل ابن عمر بن إبراهيم: سمعت عمي أبا عيسى يقول: ما رأيت مثل مطر في فقهه وزهده. من درر أقواله أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١) قال: هل من طالب علم يعان عليه. وقال: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه بميزان التربص لم يوجد أحدهما يزيد على صاحبه شيئا. مات سنة خمس وعشرين ومائة. موقفه من المبتدعة: - عن مطر الوراق قال: عمل قليل في سنة خير من عمل كثير في بدعة، من عمل في سنة قبل الله منه ومن عمل في بدعة رد الله عليه بدعته. (٢) - عن مطر الوراق قال: ترك أصحاب الرأي الآثار والله. (٣) موقفه من الجهمية: جاء عنه في السنة قال: لقيني عمرو بن عبيد فقال: والله إني وإياك لعلى أمر واحد قال: وكذب والله إنما عنى على الأرض قال: وقال مطر: والله ما أصدقه في شيء. (٤)

стр. 785

هشام بن عبد الملك (١) (١٢٥ هـ) هشام بن عبد الملك بن مروان الخليفة أبو الوليد القرشي الأموي الدمشقي. ولد سنة اثنتين وسبعين. أمه عائشة بنت هشام بن إسماعيل المخزومي. كان هشام حريصا جماعا للمال، ذكيا عاقلا حازما، له بصر بالأمور جليلها وحقيرها، وكان فيه حلم وأناة وظلم مع عدل، يكره سفك الدماء. استخلف بعد وفاة أخيه يزيد، وبعهد منه، لأربع بقين من شعبان عام خمس ومائة للهجرة، وعمره آنذاك أربعة وثلاثون عاما. قيل: وتفقد هشام بعض ولده فلم يحضر الجمعة، فقال: ما منعك من الصلاة؟ قال: نفقت دابتي، قال: أفعجزت عن المشي؟ فمنعه الدابة سنة. قال العيشي: قال هشام: ما بقي علي شيء من لذات الدنيا إلا وقد نلته إلا شيئا واحدا، أخ أرفع مؤنة التحفظ منه. توفي سنة خمس وعشرين ومائة. موقفه من الجهمية: - جاء في أصول الاعتقاد عن صالح بن أبي عبيد الله قال: قرأت في دواوين هشام بن عبد الملك إلى عامله بخراسان نصر بن سيار: أما بعد: فقد نجم قبلك رجل من الدهرية من الزنادقة يقال له جهم بن صفوان، فإن أنت ظفرت به فاقتله وإلا فادسس إليه من الرجال غيلة ليقتلوه. (٢)

стр. 786

- وفي الإبانة: عن أبي الوليد قال: القرآن كلام الله وليس بمخلوق، ومن لم يعقد عليه قلبه أنه ليس بمخلوق؛ فهو كافر. (١) - عن إسماعيل بن أبي الحارث قال: سمعت هارون بن معروف يقول: كتب هشام بن عبد الملك -أو بعض ملوك بني أمية- إلى سلم بن أحوز أن يقتل جهما حيث ما لقيه فقتله سلم بن أحوز وكان والي مرو. (٢) موقفه من القدرية: تقدم في مواقف عمر بن عبد العزيز مناظرته لغيلان، حتى قال له: وإني أعاهد الله أن لا أتكلم في شيء مما كنت أتكلم به أبدا. قال: اذهب فلما ولى قال: اللهم إن كان كاذبا فيما قال: فأذقه حر السلاح، قال: فلم يتكلم زمن عمر فلما كان زمن يزيد بن عبد الملك وكان رجلا لا يهتم لهذا، ولا ينظر فيه، قال: فتكلم غيلان فلما ولي هشام أرسل إليه فقال: أليس قد عاهدت الله لعمر أن لا تكلم في شيء من هذا الأمر أبدا قال: أقلني فوالله لا أعود، قال: لا أقالني الله إن أقلتك، هل تقرأ فاتحة الكتاب قال: نعم. قال: اقرأها فقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣). قال: قف، علام استعنته؟ قال: على أمر بيده لا تستطيعه إلا به أو على أمر في يدك أو

стр. 787

بيدك؟ اذهبا به فاقطعا يديه ورجليه واضربا عنقه واصلباه. (١) سعد بن إبراهيم (٢) (١٢٥ هـ) الإمام الحجة سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قاضي المدينة أبو إسحاق ويقال أبو إبراهيم الزهري المدني، وأمه أم كلثوم بنت سعد بن أبي وقاص. روى عن أبيه وخاليه إبراهيم وعامر ابني سعد، وأنس بن مالك وأبي أمامة بن سهل وعبد الله بن شداد بن الهاد وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وخلق سواهم. وعنه ابنه إبراهيم بن سعد ومسعر والسفيانان وأبو عوانة وابن عجلان، وطائفة. قال أحمد بن حنبل: كان ثقة فاضلا، ولي قضاء المدينة. وعن حجاج بن محمد: كان شعبة إذا ذكر سعد بن إبراهيم قال: حدثني حبيبي سعد بن إبراهيم. قال ابن حجر: كان ثقة فاضلا عابدا. مات رحمه الله تعالى سنة خمس وعشرين ومائة، وقيل بعدها، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. موقفه من المبتدعة: قال الشافعي: أخبرني من لا أتهم من أهل المدينة عن ابن أبي ذئب، قال: قضى سعد بن إبراهيم على رجل بقضية برأي ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فأخبرته عن النبي بخلاف ما قضى به، فقال سعد لربيعة: هذا ابن أبي ذئب، وهو عندي ثقة يخبرني عن النبي بخلاف ما قضيت به، فقال له ربيعة: قد

стр. 788

اجتهدت ومضى حكمك، فقال سعد: واعجبا أنفذ قضاء سعد بن أم سعد، وأرد قضاء رسول الله؟ بل أرد قضاء سعد بن أم سعد، وأنفذ قضاء رسول الله، فدعا سعد بكتاب القضية فشقه وقضى للمقضي عليه. (١) عمرو بن دينار (٢) (١٢٦ هـ) عمرو بن دينار، الإمام الكبير أبو محمد الجمحي مولاهم المكي الأثرم أحد الأعلام وشيخ الحرم في زمانه. ولد في إمرة معاوية سنة خمس أو ست وأربعين. روى عن جملة منهم: أنس بن مالك وابن عباس وجابر بن عبد الله وابن عمر، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وطاووس. وعنه ابن أبي مليكة وقتادة والزهري وأيوب السختياني، والثوري وابن عيينة وآخرون. قال عبد الله بن أبي نجيح: ما رأيت أحدا أفقه من عمرو بن دينار، لا عطاء ولا مجاهدا ولا طاووسا. قال أحمد بن حنبل: كان شعبة لا يقدم على عمرو بن دينار أحدا لا الحكم ولا غيره في الثبت قال: كان عمرو مولى هؤلاء، ولكن الله شرفه بالعلم. قال شعبة: ما رأيت في الحديث أثبت من عمرو بن دينار. قال يحيى بن معين: أهل المدينة لا يرضون عمرا يرمونه بالتشيع، والتحامل على ابن الزبير، ولا بأس به، وهو بريء مما يقولون.

стр. 789

توفي ﵀ سنة ست وعشرين ومائة. موقفه من الجهمية: - جاء في أصول الاعتقاد عنه قال: أدركت مشايخنا والناس منذ سبعين سنة يقولون القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود. (١) - وفيه عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: سمعت مشيختنا منذ سبعين سنة يقولون القرآن كلام الله غير مخلوق. - وقال محمد بن عمار: ومَن مشيخته إلا أصحاب رسول الله ﷺ : ابن عباس وجابر وذكر جماعة. (٢) - وفيه عنه قال: أدركت تسعة من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: من قال القرآن مخلوق فهو كافر. (٣) موقفه من القدرية: جاء في الميزان والسير عنه قال: دخلت على وهب بن منبه داره بصنعاء، فأطعمني من جوزة في داره، فقلت: وددت أنك لم تكن كتبت في القدر كتابا. قال: وأنا والله لوددت ذلك. (٤)

стр. 790

درَّاج أبو السَّمح (١) (١٢٦ هـ) دراج بن سَمْعَان، يقال: اسمه عبد الرحمن ودراج لقب، أبو السَّمْح القرشي السهمي المصري القاص. روى عن: عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، وأبي الهيثم وأبي قبيل المعافري وعبد الرحمن بن حجيرة. وروى عنه: حيوة بن شريح وسعيد بن يزيد القتباني وعمرو بن الحارث. يقال: كان مجاب الدعوة من الخاشعين. توفي سنة ست وعشرين ومائة. موقفه من المبتدعة: عن دراج أبي السمح قال: يأتي على الناس زمان، يسمن الرجل راحلته حتى تعقد شحما، ثم يسير عليها في الأمصار حتى تعود نقضا، يلتمس من يفتيه بسنة قد عمل بها فلا يجد إلا من يفتيه بالظن. (٢) خالد القسري (٣) (١٢٦ هـ) الأمير الكبير أبو الهيثم خالد بن عبد الله بن يزيد القسري، كان جوادا ممدوحا معظما عالي الرتبة، من نبلاء الرجال، لكنه فيه نصب معروف. روى عن أبيه. وروى عنه حميد الطويل وإسماعيل بن أبي خالد وسيار وغيرهم. قيل

стр. 791

لسيار: تروي عن خالد؟ قال: إنه كان أشرف من أن يكذب. كان واليا على مكة من سنة تسع وثمانين إلى سنة عشرين بعد المائة. كان قائما في إطفاء الضلال والبدع كقتله للجعد بن درهم وغيره من أهل الإلحاد. كان كريما كثير الجود فقد كان يطعم في اليوم ستة وثلاثين ألفا من الأعراب من تمر وسويق. من أقواله: لا يحتجب الوالي إلا لثلاث خصال: إما رجل عيي فهو يكره أن يطلع الناس على عيه، وإما رجل يشتمل على سوءة فهو يكره أن يعرف الناس ذلك، وإما رجل بخيل يكره أن يسأل. ومن أقواله أيضا: إن أكرم الناس من أعطى من لا يرجوه، وأعظم الناس عفوا من عفا عن قدرة، وأوصل الناس من وصل عن قطيعة. توفي سنة ست وعشرين بعد المائة الأولى للهجرة. موقفه من المشركين: - جاء في سير أعلام النبلاء وميزان الاعتدال: عن أبي بكر بن عياش قال: رأيت خالدا القسري حين أتي بالمغيرة بن سعيد وأصحابه، وكان يريهم أنه يحيى الموتى، فقتل خالد واحدا منهم ثم قال للمغيرة: أحيه فقال: والله ما أحيي الموتى، قال: لتحيينه أو لأضربن عنقك، ثم أمر بطن من قصب فأضرموه وقال: اعتنقه، فأبى فعدا رجل من أتباعه فاعتنقه. قال أبو بكر: فرأيت النار تأكله وهو يشير بالسبابة فقال خالد: هذا والله أحق بالرئاسة منك. ثم قتله وقتل أصحابه.

стр. 792

قال الذهبي: كان رافضيا (١) خبيثا كذابا ساحرا، ادعى النبوة، وفضل عليا على الأنبياء وكان مجسما، سقت أخباره في ميزان الاعتدال. (٢) قال المدائني: أتي خالد بن عبد الله برجل تنبأ بالكوفة فقيل له ما علامة نبوتك؟ قال: قد نزل علي قرآن، قال: إنا أعطيناك الكماهر، فصل لربك ولا تجاهر. ولا تطع كل كافر وفاجر. فأمر به فصلب [وكان يقول] (٣) وهو يصلب: إنا أعطيناك العمود، فصل لربك على عود، فأنا ضامن لك ألا تعود. (٤) - وجاء في البداية والنهاية في حوادث سنة ثماني عشرة ومائة: وفيها قصد شخص يقال له: عمار بن يزيد، ثم سمي بخداش، إلى بلاد خراسان ودعا الناس إلى خلافة محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فاستجاب له خلق كثير، فلما التفوا عليه دعاهم إلى مذهب الخرمية الزنادقة، وأباح لهم نساء بعضهم بعضا، وزعم لهم أن محمد بن علي يقول ذلك، وقد كذب عليه فأظهر الله عليه الدولة فأخذ فجيء به إلى خالد بن عبد الله القسري أمير العراق وخراسان، فأمر به فقطعت يده وسل لسانه ثم صلب بعد ذلك. (٥) - وجاء في ميزان الاعتدال في ترجمة بيان الزنديق: قال ابن نمير: قتله خالد بن عبد الله القسري وأحرقه بالنار.

стр. 793

قال الذهبي: هذا بيان بن سمعان النهدي من بني تميم، ظهر بالعراق بعد المائة، وقال بإلهية علي؛ وأن فيه جزءا إلهيا متحدا بناسوته ثم من بعده في ابنه محمد بن الحنفية، ثم في أبي هاشم ولد بن الحنفية، ثم من بعده في بيان هذا؛ وكتب بيان كتابا إلى أبي جعفر الباقر، يدعوه إلى نفسه، وأنه نبي. (١) موقفه من الجهمية: جاء في السير عن قتيبة بن سعيد وغيره قالا: حدثنا القاسم بن محمد عن عبد الرحمن بن محمد بن حبيب عن أبيه عن جده قال: شهدت خالدا القسري في يوم أضحى يقول: ضحوا تقبل الله منكم فإني مضح بالجعد بن درهم، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه. (٢) " التعليق: أصبح هذا الموقف خالدا لخالد خلده الله في جنات الخلد هو وأمثاله ممن أراحوا المسلمين من رؤوس البدع والضلالة في كل زمان ومكان. موقفه من الخوارج: جاء في البداية والنهاية: وفي هذه السنة (أي تسع عشرة ومائة) خرج رجل يقال له بهلول بن بشر ويلقب بكثارة، واتبعه جماعات من الخوارج دون المائة، وقصدوا قتل خالد القسري، فبعث إليهم البعوث فكسروا الجيوش واستفحل أمرهم جدا لشجاعتهم وجلدهم، وقلة نصح من يقاتلهم

стр. 794

من الجيوش، فردوا العساكر من الألوف المؤلفة، ذوات الأسلحة والخيل المسومة، هذا وهم لم يبلغوا المائة، ثم إنهم راموا قدوم الشام لقتل الخليفة هشام، فقصدوا نحوها، فاعترضهم جيش بأرض الجزيرة فاقتتلوا معهم قتالا عظيما، فقتلوا عامة أصحاب بهلول الخارجي. ثم إن رجلا من جديلة يكنى أبا الموت ضرب بهلولا ضربة فصرعه وتفرقت عنه بقية أصحابه، وكانوا جميعهم سبعين رجلا، وقد رثاهم بعض أصحابهم فقال: بُدِّلت بعد أبي بشر وصحبته ... قوما علي مع الأحزاب أعوانا بانوا كأن لم يكونوا من صحابتنا ... ولم يكونوا لنا بالأمس خلانا يا عين أذري دموعا منك تهنانا ... وأبكي لنا صحبة بانوا وجيرانا خلوا لنا ظاهر الدنيا وباطنها ... وأصبحوا في جنان الخلد جيرانا ثم تجمع طائفة منهم أخرى على بعض أمرائهم فقاتلوا وقتلوا وقتلوا، وجهزت إليهم العساكر من عند خالد القسري، ولم يزل حتى أباد خضراءهم ولم يبق لهم باقية. (١) عبد الكريم بن مالك الجزري (٢) (١٢٧ هـ) عبد الكريم بن مالك، أبو سعيد الجزري الحراني، مولى بني أمية، الحافظ الإمام، عالم الجزيرة، رأى أنس بن مالك ﵁. روى عن سعيد بن

стр. 795

جبير وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى وطاووس وعطاء ومجاهد وغيرهم. وروى عنه: شعبة وأيوب وسفيان بن عيينة ومسعر بن كدام ومعمر بن راشد، وعدة. قال سفيان: ما رأيت عربيا أثبت من عبد الكريم. وقال أبو طالب عن أحمد بن حنبل: ثقة، ثبت، وهو أثبت من خصيف في الحديث، وهو صاحب سنة. وقال الحميدي عن سفيان: كان حافظا، وكان من الثقات، لا يقول إلا سمعت وحدثنا ورأيت. توفي ﵀ سنة سبع وعشرين ومائة. موقفه من المبتدعة: - عن مروان بن شجاع قال: سمعت عبد الكريم الجزري يقول: ما خاصمت قط. (١) - وعنه أيضا قال: سمعت عبد الكريم يقول: ما خاصم ورع قط في الدين. (٢) موقفه من المرجئة: - عن معقل بن عبيد الله العبسي قال: قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء فنفر منه أصحابنا نفارا شديدا فيهم ميمون بن مهران وعبد الكريم ابن مالك فأما عبد الكريم بن مالك فإنه عاهد الله أن لا يأويَه وإياه سقف بيت إلا

стр. 796

المسجد. (١) - وعن موسى بن أعين الجزري سمعت عبد الكريم بن مالك الجزري وخصيف بن عبد الرحمن يقولان: الإيمان يزيد وينقص. (٢) أبو إسحاق السَّبِيعِي (٣) (١٢٧ هـ) عمرو بن عبد الله، أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، الحافظ أحد الأعلام. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، ورأى عليا ﵁ يخطب. وغزا الروم في خلافة معاوية، روى عن: معاوية بن أبي سفيان، وابن عباس، والبراء بن عازب، وجابر بن سمرة، وعمرو بن الحارث الخزاعي، وجماعة من الصحابة وعن خلائق من كبار التابعين. وروى عنه: ابن سيرين، والزهري، وأبان بن تغلب، وقتادة، ومالك بن مغول وخلق سواهم. عن ابن فضيل، عن أبيه قال: كان أبو إسحاق يقرأ القرآن في كل ثلاث. وقال علي ابن المديني: حفظ العلم على الأمة ستة: فلأهل الكوفة أبو إسحاق والأعمش، ولأهل البصرة: قتادة ويحيى بن أبي كثير ولأهل المدينة: الزهري، ولأهل مكة: عمرو بن دينار. وقيل لشعبة: أسمع أبو إسحاق من مجاهد؟ قال: وما كان يصنع به، هو أحسن حديثا من مجاهد ومن الحسن وابن سيرين.

стр. 797

وقال ابن حجر: ثقة مكثر عابد، اختلط بأخرة. توفي سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل تسع وعشرين، والله أعلم. موقفه من المبتدعة: قال الإمام الآجري: وأنبأنا الفريابي قال: حدثنا إسماعيل بن سيف قال: حدثنا حسان بن إبراهيم الكرماني قال: سمعت أبا إسحاق الهمداني يقول: من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام. (١) موقفه من الرافضة: - جاء في أصول الاعتقاد: قال أبو إسحاق الهمداني: شتم أبي بكر وعمر من الكبائر التي قال الله : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (٢). (٣) - وفيه عن حمزة الزيات قال: سألت أبا إسحاق السبيعي: فما ترى في الصلاة خلف من يسب أبا بكر وعمر؟ قال: ألست تجد غيرهم؟ قلت: بلى. قال: لا تصلي خلفهم. (٤) - وجاء في السنة للخلال: عنه قال: ما رأيت بعده مثله يعني معاوية. (٥) - وفيها: عنه أنه ذكر معاوية فقال: لو أدركتموه أو أدركتم زمانه

стр. 798

كان المهدي. (١) موقفه من الجهمية: جاء في أصول الاعتقاد عن أبي إسحاق قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وزيادة﴾ (٢) قال: النظر إلى وجه الرحمن. (٣) عَبْدَة بن أبي لُبَابَة (٤) (١٢٧ هـ) عَبْدَة بن أبي لُبَابَة، أبو القاسم الأسدي ثم الغاضري مولاهم الكوفي ويقال: مولى قريش، أحد الأئمة، نزيل دمشق، وهو خال الحسن بن الحر. روى عن ابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومجاهد بن جبر، وعمر بن الخطاب مرسل، وآخرين. روى عنه شعبة بن الحجاج والأوزاعي وسفيان بن عيينة وغيرهم. قال أبو أسامة عن الأوزاعي: لم يقدم علينا من العراق أحد أفضل من عبدة بن أبي لبابة والحسن بن الحر، وكانا شريكين جميعا. روى الأوزاعي عنه قال: أقرب الناس إلى الرياء آمنهم منه. قال رجاء بن أبي سلمة: سمعت عبدة يقول: لوددت أن حظي من أهل الزمان أنهم لا يسألوني عن شيء، ولا أسألهم، إنهم يتكاثرون بالمسائل كما يتكاثر أهل الدراهم

стр. 799

بالدراهم. قال الأوزاعي: كان عبدة بن أبي لبابة إذا كان في المسجد لم يذكر شيئا من أمر الدنيا. قال الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة: إذا رأيت الرجل لجوجا مماريا معجبا برأيه فقد تمت خسارته. مات في حدود سنة سبع وعشرين ومائة. موقفه من المبتدعة: روى الدارمي بسنده إليه قال: قد رضيت من أهل زماني هؤلاء أن لا يسألوني ولا أسألهم إنما يقول أحدهم أرأيت أرأيت. (١) موقفه من القدرية: عن عبدة بن أبي لبابة قال: علم الله ما هو خالق وما الخلق عاملون، ثم كتبه ثم قال لنبيه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٢). (٣) يزيد بن أبي حبيب (٤) (١٢٨ هـ) الإمام الفقيه يزيد بن أبي حبيب، أبو رجاء المصري مولى شريك بن الطفيل الأزدي. ولد تقريبا سنة ثلاث وخمسين، روى عن إبراهيم بن عبد الله

стр. 800

ابن حنين وعلي بن رباح وأبي الطفيل وسعيد بن أبي هند، وروى عنه سعيد ابن أبي أيوب وحيوة بن شريح ويحيى بن أيوب والليث بن سعد وابن لهيعة. قال أبو سعيد بن يونس: كان مفتي أهل مصر وكان حليما عاقلا وهو أول من أظهر العلم والمسائل والحلال والحرام بمصر. وقال الليث بن سعد: هو عالمنا وسيدنا. وثقه أبو زرعة الرازي والعجلي وغيرهما. وقال الحافظ ابن حجر: ثقة فقيه، وكان يرسل. مات ﵀ سنة ثمان وعشرين ومائة. موقفه من المبتدعة: أخرج ابن بطة: عن يزيد بن أبي حبيب قال: إذا كثر مراء القارئ فقد أحكم الخسارة. (١) موقف السلف من الجهم بن صفوان (١٢٨ ه ـ) - جاء في السير: الجهم بن صفوان أبو محرز الراسبي مولاهم السمرقندي الكاتب المتكلم أس الضلالة ورأس الجهمية، كان صاحب ذكاء وجدال كتب للأمير حارث بن سريج التميمي وكان ينكر الصفات وينزه الباري عنها بزعمه ويقول بخلق القرآن ويقول: إن الله في الأمكنة كلها. قال ابن حزم: كان يخالف مقاتلا في التجسيم وكان يقول: الإيمان عقد بالقلب وإن تلفظ بالكفر، قيل إن سلم بن أحوز قتل الجهم لإنكاره أن الله كلم موسى. (٢)

стр. 801

- جاء في الفتاوى الكبرى عن ابن شوذب: ترك جهم الصلاة أربعين يوما وكان فيمن خرج مع الحارث بن سريج. وعن مروان بن معاوية الفزاري وذكر جهما فقال: قبح الله جهما حدثني ابن عم لي أنه شك في الله أربعين صباحا. (١) - وفيها: عن يحيى بن أيوب قال: كنا يوما عند مروان بن معاوية الفزاري فسأله رجل عن حديث الرؤية فلم يحدثه به، قال: إن لم تحدثني به فأنت جهمي، فقال مروان: أتقول لي جهمي وجهم مكث أربعين ليلة لا يعرف ربه؟! (٢) - وفيها: قال عبد العزيز بن أبي سلمة: كلام جهم صفة بلا معنى وبناء بلا أساس، ولم يُعَد قط من أهل العلم. (٣) - وفي المنهاج قال شيخ الإسلام: وإنما أنكر ذلك الجهم بن صفوان فزعم أن الجنة والنار يفنيان. (٤) أبو كثير السحيمي اليمامي (٥) (١٢٩ هـ) أبو كثير السُّحَيْمِي الغُبَرِي اليَمَامِي، الأعمى، قيل اسمه: يزيد بن عبد الرحمن بن أذينة، وقيل: يزيد بن عبد الله بن أذينة، وقيل: ابن غفيلة. روى

стр. 802

عن أبيه وأبي ذر وأبي هريرة. وروى عنه: ابنه زفر وأيوب ابن عتبة وعكرمة ويحيى بن أبي كثير وغيرهم. وثقه أبو حاتم وأبو داود والنسائي والعجلي، وذكره ابن حبان في الثقات. توفي ﵀ سنة تسع وعشرين ومائة. موقفه من القدرية: جاء في الإبانة عنه أنه ذكر عنده القدرية؛ فقال: لا تجادلوهم ولا تجالسوهم؛ فإنهم شعبة من المنانية قد كان كسرى يصلب فيها. (١) يحيى بن أبي كثير (٢) (١٢٩ هـ) يحيى بن أبي كثير أبو نصر الطائي مولاهم اليمامي، واسم أبيه صالح بن المتوكل وقيل يسار وقيل: نشيط، وكان مولى لطيء، كان أحد العلماء الأعلام الأثبات. حدث عن خلق كثير منهم: أنس بن مالك، وأبو أمامة الباهلي مرسلا وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبد الله بن أبي قتادة. روى عنه جم غفير منهم: معمر بن راشد والأوزاعي وأبان بن يزيد المعلم، وحسين المعلم، وابنه عبد الله بن يحيى. قال أبو حاتم الرازي: هو إمام لا يروي إلا عن ثقة، وقد نالته محنة وضرب لكلامه في ولاة الجور. قال أيوب السختياني: ما أعلم أحدا بالمدينة بعد الزهري أعلم من يحيى بن أبي كثير. مات سنة تسع وعشرين ومائة.

стр. 803

موقفه من المبتدعة: - جاء في الشريعة: قال يحيى بن أبي كثير: إذا لقيت صاحب بدعة في طريق فخذ في غيره. (١) " التعليق: لأنه شيطان يتحايل عليك بخيله ورجله وحباله وأعوانه وأكاذيبه، فمن لا يعرف المبتدعة وأكاذيبهم ربما ينخدع بهم، ولا سيما في زمننا هذا. - جاء في ذم الكلام عنه قال: ثلاثة لا غيبة فيهم: إمام جائر وصاحب بدعة وفاسق. (٢) " التعليق: لأنه من باب النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، والساكت غاش وخائن وجبان. - قال الأوزاعي: وكان يحيى يقول: السنة قاضية على القرآن وليس القرآن بقاض على السنة. (٣)

стр. 804

موقفه من المرجئة: عن الأوزاعي قال: كان يحيى بن أبي كثير وقتادة يقولان: ليس من الأهواء شيء أخوف عندهم على هذه الأمة من الإرجاء. (١) موقفه من القدرية: - جاء في السنة لعبد الله عنه قال في القدرية: هم الذين يقولون إن الله لم يقدر الشر. (٢) - وجاء في أصول الاعتقاد عن عكرمة بن عمار قال: سألت يحيى بن أبي كثير: من القدرية؟ فقال: الذين يقولون: إن الله لم يقدر المعاصي. (٣) سلم بن أحوز (٤) (١٣٠ هـ) سلم بن أحوز، أمير الشرط لنصر بن سيار، قتل الجهم بن صفوان -رأس الجهمية- على المشهور سنة ثمان وعشرين ومائة، ثم كانت وقعة هائلة بين جيش أبي مسلم الخراساني وجيش نصر بن سيار، فانهزم جيش نصر، وظفر أبو مسلم بسلم بن أحوز فحبسه، ثم أقدمه، فقتله هو وآخرين، وذلك في حدود الثلاثين ومائة.

стр. 805

موقفه من الجهمية: - عن بكير بن معروف قال: رأيت سلم بن الأحوز ضرب عنق الجهم فاسود وجهه. (١) - وأخرج ابن أبي حاتم من طريق محمد بن صالح مولى بني هاشم قال: قال سلم حين أخذه، يا جهم إني لست أقتلك لأنك قاتلتني، أنت عندي أحقر من ذلك، ولكني سمعتك تتكلم بكلام أعطيت الله عهدا أن لا أملكك إلا قتلتك فقتله. (٢) " التعليق: انظر كيف يفعل مع المبتدعة الذين صاروا فيما بعد أئمة يدعون إلى النار، فكم جر هذا الخبيث هو وسلفه وأفراخه من بلايا على العقيدة السلفية. وكم وقعت من الفتن بسبب ذلك وكم مسلم مات على غير عقيدة السلف والله المستعان. مالك بن دينار (٣) (١٣٠ هـ) مالك بن دينار السامي الناجي، أبو يحيى البصري الزاهد، معدود في

стр. 806

ثقات التابعين، ومن أعيان كتبة المصاحف. روى عن أنس بن مالك والأحنف بن قيس وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح والحسن وجماعة. وعنه: سعيد بن أبي عروبة وهمام بن يحيى وابن شوذب وجماعة. قال ابن حبان: كان يكتب المصاحف بالأجرة ويتقوت بأجرته. وكان يجانب الإباحات جهده ولا يأكل شيئا من الطيبات، وكان من المتعبدة الصبر والمتقشفة الخشن. قال مالك بن دينار: أتينا أنس بن مالك أنا وثابت ويزيد الرقاشي وزياد النميري، فنظر إلينا فقال: ما أشبهكم بأصحاب محمد ﷺ وإني لأدعو لكم بالأسحار. وقال مالك بن دينار: إذا تعلم العبد ليعمل به كسره علمه، وإذا تعلم العلم لغير العمل زاده فخرا. وروى الأصمعي عن أبيه قال: مر المهلب بن أبي صفرة على مالك بن دينار وهو يتبختر في مشيته، فقال مالك: أما علمت أن هذه المشية تكره إلا بين الصفين؟ فقال له المهلب: أما تعرفني؟ قال: أعرفك أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وأنت بينهما تحمل العذرة، فقال المهلب: الآن عرفتني حق المعرفة. قال خليفة وابن المديني وغيرهما: مات سنة ثلاثين ومائة. موقفه من المبتدعة: - عن سيار بن جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: الناس أجناس كأجناس الطير، الحمام مع الحمام، والغراب مع الغراب، والبط مع البط، والصعو مع الصعو، وكل إنسان مع شكله. (١) - قال: وسمعت مالك بن دينار يقول: من خلط خلط له ومن

стр. 807

صفى صفي له وأقسم بالله لئن صفيتم ليصفين لكم. (١) موقفه من المرجئة: قال مالك بن دينار: الإيمان يبدو في القلب ضعيفا ضئيلا كالبقلة، فإن صاحبه تعاهده فسقاه بالعلوم النافعة والأعمال الصالحة، وأماط عنه الدغل وما يضعفه ويوهنه، أوشك أن ينمو أو يزداد، ويصير له أصل وفروع، وثمرة وظل إلى ما لا يتناهى حتى يصير أمثال الجبال. وَإِنْ صاحبه أهمله ولم يتعاهده جاءه عنز فنتفتها، أوصبي فذهب بها، وأكثر عليها الدغل فأضعفها أو أهلكها أو أيبسها، كذلك الإيمان. (٢) أبو الزِّنَاد عبد الله بن ذَكْوَان (٣) (١٣٠ هـ) الإمام الحافظ عبد الله بن ذكوان القرشي، أبو عبد الرحمن المدني المعروف بأبي الزناد، مولى رملة بنت شيبة بن ربيعة، امرأة عثمان بن عفان، وقيل مولى عائشة بنت شيبة بن ربيعة وقيل مولى آل عثمان، وقيل مولى عائشة بنت عثمان بن عفان. مولده في نحو سنة خمس وستين في حياة ابن عباس. روى عن أنس بن مالك وأبي أمامة بن سهل وابن المسيب والقاسم بن

стр. 808

محمد وعروة وغيرهم، وروى عنه ابنه عبد الرحمن وابن أبي مليكة ومالك والليث والسفيانان والأعمش وآخرون. قال حرب بن إسماعيل عن أحمد بن حنبل: كان سفيان يسمي أبا الزناد أمير المؤمنين في الحديث. وقال أبو حاتم: ثقة فقيه، صالح الحديث، صاحب سنة. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، فصيحا، بصيرا بالعربية، عالما، عاقلا. قال البخاري: أصح أسانيد أبي هريرة: أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. توفي ﵀ سنة ثلاثين ومائة وهو ابن ست وستين سنة. موقفه من المبتدعة: - جاء في الفقيه والمتفقه: عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: إن السنن لا تخاصم، ولا ينبغي لها أن تتبع بالرأي والتفكير، ولو فعل الناس ذلك لم يمض يوم إلا انتقلوا من دين إلى دين، ولكنه ينبغي للسنن أن تلزم ويتمسك بها على ما وافق الرأي أو خالفه. (١) ولعمري إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيرا على خلاف الرأي، ومجانبته خلافا بعيدا، فما يجد المسلمون بدا من اتباعها والانقياد لها، ولمثل ذلك ورع أهل العلم والدين فكفهم عن الرأي، ودلهم على غوره وغورته، إنه يأتي الحق على خلافه في وجوه غير واحدة، من ذلك: أن قطع أصابع اليد، مثل قطع اليد من المنكب، أي ذلك أصيب ففيه ستة ألف.

стр. 809

ومن ذلك: أن قطع الرجل في قلة ضررها مثل قطع الرجل من الورك، أي ذلك أصيب ففيه ستة ألف. ومن ذلك: أن في العينين إذا فقئتا، مثل ما في قطع أشراف الأذنين في قلة ضررهما، أي ذلك أصيب ففيه اثنا عشر ألفا. ومن ذلك: أن في شجتين موضحتين صغيرتين مائة دينار، وما بينهما صحيح فإن جرح ما بينهما حتى تقام إحداهما إلى الأخرى، كان أعظم للجرح بكثير، ولم يكن فيها حينئذ إلا خمسون دينارا. ومن ذلك أن المرأة الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة. ومن ذلك رجلان قطعت أذنا أحدهما جميعا، يكون له اثنا عشر ألفا، وقتل الآخر فذهبت أذناه وعيناه ويداه ورجلاه، وذهبت نفسه ليس له إلا اثنا عشر ألفا، مثل الذي لم يصب إلا أشراف أذنيه، في أشباه هذا غير واحدة. فهل وجد المسلمون بدا من لزوم هذا؟! وأي هذه الوجوه يستقيم على الرأي أو يخرج في التفكير؟ ولكن السنن من الإسلام، بحيث جعلها الله، هي ملاك الدين وقيامه الذي بني عليه الإسلام، وأي قول أجسم وأعظم خطرا مما قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع حين خطب الناس فقال: "وقد تركت فيكم أيها الناس، ما إن اعتصمتم به، فلن تضلوا أبدا، أمرا بينا: كتاب الله، وسنة نبيه" (١)، فقرن

стр. 810

رسول الله ﷺ بينهما. (١) وايم الله إن كنا لنلتقط السنن من أهل الفقه والثقة، ونتعلمها شبيها بتعليمنا آي القرآن، وما برح من أدركنا من أهل الفضل والفقه من خيار الناس يعيبون أهل الجدل والتنقيب ومن أخذ بالرأي أشد العيب، وينهوننا عن لقائهم ومجالستهم، ويحذروننا مقاربتهم أشد التحذير، ويخبروننا أنهم أهل ضلال وتحريف، بتأويل كتاب الله وسنن رسول الله ﷺ ، وما توفي رسول الله ﷺ حتى كره المسائل وناحية التنقيب والبحث عن الأمور، وزجر عن ذلك وحذره المسلمين في غير موطن حتى كان من قوله ﷺ كراهية ذلك أن قال: "ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك الذين من قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم" (٢). (٣) فأي أمر أكف لمن يعقل عن التنقيب من هذا؟ ولم يبلغ الناس يوم قيل لهم هذا القول من الكشف عن الأمور جزءا من مائة جزء مما بلغوا اليوم، وهل هلك أهل الأهواء وخالفوا الحق إلا بأخذهم بالجدل، والتفكير في دينهم، فهم كل يوم على دين ضلال وشبهة جديدة لا يقيمون على دين، وإن أعجبهم إلا نقلهم الجدل والتفكير إلى دين سواه، ولو لزموا السنن وأمر
следующие страницы →