← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

عمرو بن عبيد -وكان قدريا- فقال المعتصم: أما تدري أن القدرية مجوس هذه الأمة؟ فلم ترو عنه؟ قال: لأنه ثقة في الحديث صدوق. قال: فإن كان المجوسي ثقة فيما يقول أتروي عنه؟ فقال له علي: أنت شغاب يا أبا إسحاق. (١) وفيه عن حزم قال: سمعت حوشب يقول لعمرو بن عبيد في حبوة الحبس -ما هذا الذي أحدثت؟ قد نبت قلوب إخوانك عنك، هذا الحسن: انطلق حتى نسأله عن هذا الأمر. قال: كسرها الله إذن- يعني رجليه. (٢) وفيه: سئل ابن عون عن (عمرو بن عبيد) فقال: حدثنا مسلم البطين قال: قال ابن مسعود: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنه لن يهدوكم وقد ضلوا. (٣) وعن عبد الملك الأصمعي: كنا عند أبي عمرو بن العلاء قال: فجاء عمرو بن عبيد، فقال: يا أبا عمرو! يخلف الله وعده؟ قال: لا. قال: أرأيت من وعده الله على عمل عقابا؛ أليس هو منجزه له؟ فقال له أبو عمرو: يا أبا عثمان! من العجمة أوتيت، لا يعد عارا ولا خلفا، أن تعد شرا ثم لا تفي به؛ بل تعده فضلا وكرما، إنما العار أن تعد خيرا ثم لا تفي به. قال: ومعروف ذلك في كلام العرب؟ قال: نعم. قال: أين هو؟ قال أبو عمرو: قال الشاعر (٤): لا يرهب ابن العُمْرِ ما عشت صولة ... ولا أختفي من صولة المتهدد وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي (٥)

стр. 877

" التعليق: قال كاتبه: ومواقف السلف من عمرو بن عبيد أخزاه الله تترى وكثيرة وما ذكرناه منها فهو قُلٌّ من جُلّ. عبد الله بن حسن بن حسن بن علي (١) (١٤٥ هـ) عبد الله بن حسن بن حسن بن علي، أبو محمد المدني، وأمه فاطمة بنت الحسين بن علي. روى عن الأعرج وعكرمة مولى ابن عباس، وعمه إبراهيم ابن محمد بن طلحة. حدث عنه سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وإسماعيل ابن عبد الرحمن السدي. قال عنه محمد بن عمر: كان من العباد، وكان له شرف، وعارضة، وهيبة، ولسان شديد. وقال محمد بن سلام الجمحي عنه: كان ذا منزلة من عمر بن عبد العزيز في خلافته. توفي سنة خمس وأربعين ومائة. موقفه من المبتدعة: - عن عبد الله بن إسحاق الجعفري قال: وكان عبد الله بن الحسن يعني: ابن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ يكثر الجلوس إلى ربيعة، فتذاكروا يوما، فقال رجل كان في المجلس: ليس العمل على هذا. فقال عبد الله: أرأيت إن كثر الجهال حتى يكونوا هم الحكام، أفهم الحجة على السنة؟ فقال ربيعة: أشهد أن هذا كلام أبناء الأنبياء. (٢)

стр. 878

- عن الأصمعي قال: حدثنا سفيان قال: قال عبد الله بن الحسن: المراء يفسد الصداقة القديمة ويحل العقدة الوثيقة وأقل ما فيه أن تكون المغالبة، والمغالبة أمتن أسباب القطيعة. (١) - عن سفيان قال: قيل لعبد الله بن حسن: ما لك لا تماري إذا جلست؟ فقال: ما تصنع بأمر إن بالغت فيه أثمت وإن قصرت فيه خصمت. (٢) موقفه من المشركين: روى سعيد بن منصور في سننه أن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي ابن أبي طالب رأى رجلا يكثر الاختلاف إلى قبر النبي ﷺ قال له: يا هذا إن رسول الله ﷺ قال: لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني (٣) فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء. (٤) موقفه من الرافضة: - جاء في أصول الاعتقاد: عن أبي خالد -يعني الأحمر- قال: سئل عبد الله بن الحسن عن أبي بكر وعمر فقال: صلى الله عليهما ولا صلى على من لا يصلي عليهما. (٥) - وفيه: عن السدي قال: قال لي عبد الله بن حسن يا سدي أخبرنا عن شيعتنا قبلكم بالكوفة قال: قلت إن قوما ينتحلون حبكم يزعمون أن

стр. 879

الأرواح تتناسخ فقال لي: يا سدي كذب هؤلاء ليس هؤلاء منا ولا نحن منهم قال: قلت إن عندنا قوما ينتحلونكم يزعمون أن العلم يكتب في قلوبكم. فقال: يا سدي ليس هؤلاء منا ولا نحن منهم يا سدي من أتى منا الفقهاء وجالسهم كان عالما ومن لم يأتهم منهم كان جاهلا. (١) - وفي الميزان: عن سليمان بن قرم قال: قلت لعبد الله بن الحسن: أفي أهل قبلتنا كفار؟ قال: نعم، الرافضة. (٢) عمر بن محمد بن عبد الله العمري (٣) (١٤٥ هـ) عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني، نزيل عسقلان. روى عن إسماعيل بن رافع المدني وحفص بن عاصم ابن عمر بن الخطاب وزيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب، وروى عنه سفيان الثوري وشعبة ويزيد بن زريع وغيرهم. قال سفيان الثوري: لم يكن في آل ابن عمر أفضل من عمر بن محمد ابن زيد العسقلاني. وقال يحيى بن حكيم المقوم عن أبي عاصم النبيل: كان من أفضل أهل زمانه، كان أكثر مقامه بالشام، قدم بغداد، فانجفل الناس إليه، وقالوا: ابن عمر بن الخطاب، ثم قدم الكوفة فأخذوا عنه وكان له قدر وجلالة. قال الذهبي: مات سنة خمسين ومائة، وقال ابن حجر: بل قتل في

стр. 880

السنة التي خرج فيها (أي سنة خمس وأربعين ومائة للهجرة). موقفه من القدرية: عن يزيد بن زريع قال: قلت لعمر بن محمد العمري: رجل يثبت القدر ويعلم من قلبه أنه مؤمن ولا يتكلم فيه أحب أو رجل مؤمن يتكلم فيه؟ قال: لا والله حتى يبين لهم ضلالتهم. (١) محمد بن عبد الله (٢) (١٤٥ هـ) محمد بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي الهاشمي الأمير المدني. حدث عن نافع وأبي الزناد. وعنه عبد الله بن جعفر المخرمي وعبد العزيز الدراوردي وعبد الله بن نافع الصائغ. قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وهو الذي خرج على أبي جعفر المنصور فبعث إليه عيسى بن موسى فقتله، في النصف من شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة وهو ابن ثلاث وخمسين سنة بالمدينة. موقفه من الرافضة: عن حبيب الأسدي عن محمد عن عبد الله بن الحسن قال: أتاه قوم من الكوفة والجزيرة فسألوه عن أبي بكر وعمر فالتفت إلي فقال: انظر إلى هؤلاء

стр. 881

يسئلوني عن أبي بكر وعمر، لهما عندي أفضل من علي. (١) محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان (٢) (١٤٥ هـ) أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عمرو ابن أمير المؤمنين عثمان، العثماني المدني الملقب بالديباج لحسنه. وهو سبط الحسين ﵁. روى عن أبيه وأمه فاطمة بنت الحسين بن علي، وأبي الزناد، ونافع مولى ابن عمر، وخارجة بن زيد بن ثابت، وغيرهم. وروى عنه: أبو بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وأسامة ابن زيد الليثي، والدراوردي، ويوسف ابن الماجشون، وطائفة. قال الزبير بن بكار: حدثني عبد الملك بن عبد العزيز عن أبي السائب، قال: احتجت إلى لقحة، فكتبت إلى محمد بن عبد الله بن عمرو أسأله. فبعث إلي تسعة عشرة لقحة مع عبد، وكتب معها: هي بدن وهو حر إن رجع بشيء من ذلك في مالي أبدا. قال: فبِعْتُ منهن بثلاث مائة دينار سوى ما احتبست لحاجتي. قال أخوه لأمه عبد الله بن الحسن بن الحسن: لما ولد محمد أبغضته بغضا ما أبغضته أحدا قط، فلما كبر وبرني أحببته حبا ما أحببته أحدا قط. وكان جوادا سخيا ذا مروءة وسؤدد وحشمة. قتله المنصور سنة خمس وأربعين ومائة ليلة جاءه خروج محمد بن عبد الله بن حسن.

стр. 882

موقفه من المرجئة: - قال محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان: لا يصلح قول إلا بعمل. (١) - عن يحيى بن سليم قال: سألت سفيان الثوري عن الإيمان؟ فقال: قول وعمل وسألت ابن جريج، فقال: قول وعمل وسألت محمد بن عبد الله ابن عمرو بن عثمان، فقال: قول وعمل وسألت نافع بن عمر الجمحي، فقال: قول وعمل وسألت مالك بن أنس فقال: قول وعمل وسألت فضيل ابن عياض فقال: قول وعمل وسألت سفيان بن عيينة، فقال: قول وعمل. (٢) الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي (٣) (١٤٥ هـ) الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي المدني، أخو عبد الله وإبراهيم. أمهم فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب. روى عن أبيه حسن بن حسن وأمه فاطمة. وروى عنه فضيل بن مرزوق وعمر بن شبيب المسلي وعبيد بن الوسيم الجمال. ذكره ابن حبان في الثقات. توفي ﵀ بالهاشمية سنة خمس وأربعين ومائة، في حبس أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور.

стр. 883

موقفه من الرافضة: - جاء في الشريعة: عن فضيل بن مرزوق قال: سمعت حسن بن حسن ﵄ يقول لرجل من الرافضة: والله لئن أمكن الله منكم لتقطعن أيديكم وأرجلكم ولا يقبل منكم توبة. وقال: وسمعته يقول: مرقت علينا الرافضة كما مرقت الحرورية على علي ﵁. (١) - وفي تهذيب الكمال عن شبابة بن سوار: حدثنا الفضيل بن مرزوق قال: سمعت الحسن بن الحسن أخا عبد الله بن الحسن وهو يقول لرجل ممن يغلو فيهم: ويحكم أحبونا لله، فإن أطعنا الله فأحبونا، وإن عصينا الله فأبغضونا. قال: فقال له الرجل: إنكم ذو قرابة رسول الله ﷺ ، وأهل بيته، فقال: ويحكم لو كان الله نافعا بقرابة من رسول الله ﷺ ، بغير عمل بطاعته لنفع بذلك من هو أقرب إليه منا، أباه وأمه، والله إني لأخاف أن يضاعف للعاصي منا العذاب ضعفين. والله إني لأرجو أن يؤتى المحسن منا أجره مرتين. قال: ثم قال: لقد أساء بنا آباؤنا وأمهاتنا إن كان ما يقولون (٢) من دين الله ثم لم يخبرونا به. ولم يطلعونا عليه، ولم يرغبونا فيه، فنحن والله كنا أقرب منهم قرابة منكم، وأوجب عليهم حقا، وأحق بأن يرغبونا فيه منكم، ولو كان الأمر كما تقولون: إن الله ورسوله اختار عليا لهذا الأمر، وللقيام على الناس بعده، إن كان علي لأعظم الناس في ذلك خطيئة وجرما إذ ترك أمر رسول الله ﷺ ، أن يقوم فيه كما أمره، أو تعذر فيه إلى الناس، قال: فقال له

стр. 884

الرافضي: ألم يقل رسول الله ﷺ لعلي: "من كنت مولاه فعلي مولاه؟ " (١) قال: أما والله، أن لو يعني رسول الله ﷺ بذلك الإمرة والسلطان والقيام على الناس لأفصح لهم بذلك، كما أفصح لهم بالصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج البيت، ولقال لهم: أيها الناس إن هذا ولي أمركم من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا، فما كان من وراء هذا شيء، فإن أنصح الناس كان للمسلمين رسول الله ﷺ . (٢) - جاء في السير: وروى فضيل بن مرزوق قال: سمعت الحسن يقول: دخل علي المغيرة بن سعيد يعني الذي أحرق في الزندقة، فذكر من قرابتي وشبهي برسول الله ﷺ وكنت أشبه وأنا شاب برسول الله ﷺ ثم لعن أبا بكر وعمر، فقلت يا عدو الله أعندي؟ ثم خنقته -والله- حتى دلع لسانه. (٣) - وفيها: وقيل: كانت شيعة العراق يمنون الحسن الإمارة مع أنه كان يبغضهم ديانة. (٤) - وقال فضيل بن مرزوق: سمعت الحسن بن الحسن يقول لرجل من الرافضة: والله إن قتلك لقربة إلى الله، وما أمتنع من ذلك إلا بالجواز، وفي رواية قال: رحمك الله، قذفت، إنما تقول هذا تمزح، قال: لا، والله ما هو

стр. 885

بالمزاح ولكنه الجد، قال: وسمعته يقول: لئن أمكننا الله منكم لنقطعن أيديكم وأرجلكم. (١) فُضَيْل بن غَزْوَان (٢) (بضع وأربعون ومائة) ابن جرير الإمام المحدث الثقة، أبو محمد الضبي الكوفي. حدث عن أبي حازم الأشجعي وأبي زرعة البجلي وعكرمة وسالم بن عبد الله وجماعة. وحدث عنه ابنه محمد بن فضيل وجرير بن عبد الحميد وعبد الله بن المبارك وإسحاق الأزرق وعدة. وثقه أحمد بن حنبل وغيره. توفي ﵀ سنة بضع وأربعين ومائة. موقفه من الرافضة: قال يحيى الحماني: سمعت فضيلا أو حدثت عنه، قال: ضربت ابني البارحة إلى الصباح أن يترحم على عثمان ﵁، فأبى علي. (٣) عمرو بن قيس الملائي (٤) (١٤٦ هـ) عمرو بن قيس المُلاَّئِي أبو عبد الله الكوفي البزاز الحافظ من أولياء

стр. 886

الله. حدث عن الحكم بن عتيبة والمنهال بن عمرو وأبي إسحاق السبيعي والأعمش وعكرمة وآخرين. وعنه الثوري وأسباط بن محمد القرشي وأبو خالد الأحمر وعمر بن شبيب ومصعب بن سلام وطائفة. قال ابن عدي: كان من ثقات أهل العلم وأفاضلهم. وقال ابن حجر: ثقة متقن عابد. من أقواله ﵀: إذا شغلت بنفسك ذهلت عن الناس وإذا شغلت بالناس ذهلت عن ذات نفسك. ومنها ثلاث من رؤوس التواضع: أن تبدأ بالسلام على من لقيت، وأن ترضى بالمجلس الدون من الشرف، وأن لا تحب الرياء والسمعة والمدحة في عمل الله. توفي ﵀ سنة ست وأربعين ومائة. موقفه من المبتدعة: - جاء في الإبانة بالسند إليه قال: كان يقال: لا تجالس صاحب زيغ فيزيغ قلبك. (١) - وفيها عنه: إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة فارجه، فإذا رأيته مع أهل البدع فايئس منه، فإن الشاب على أول نشوئه. (٢) - وفيها أيضا عنه قال: إن الشاب لينشأ فإن آثر أن يجالس أهل العلم كاد أن يسلم وإن مال إلى غيرهم كاد يعطب. (٣)

стр. 887

" التعليق: قال ابن بطة ﵀: فانظروا رحمكم الله من تصحبون وإلى من تجلسون، واعرفوا كل إنسان بخدنه وكل أحد بصاحبه، أعاذنا الله وإياكم من صحبة المفتونين ولا جعلنا وإياكم من إخوان العابثين ولا من أقران الشياطين، وأستوهب الله لي ولكم عصمة من الضلال وعافية من قبيح الفعال. - وفيها عنه أنه قال: لا تجالسوا أصحاب الأهواء فإنهم يمرضون القلوب. (١) إسماعيل بن أبي خالد (٢) (١٤٦ هـ) الحافظ، الإمام الكبير، أبو عبد الله البجلي. حدث عن عبد الله بن أبي أوفى، وأبي جحيفة وهب السوائي، وعمرو بن حريث المخزومي ولهم صحبة. وروى عنه الحكم بن عتيبة، والثوري، ووكيع. وقال أبو إسحاق عن الشعبي: إسماعيل بن أبي خالد يحسو العلم حسوا. وقال عنه محمد بن عبد الله ابن عمار الموصلي: حجة، إذا لم يكن إسماعيل حجة، فمن يكون حجة؟ قال الذهبي عنه: أجمعوا على إتقانه، والاحتجاج به، ولم ينبز بتشيع ولا بدعة ولله الحمد. وقال القطان: كان سفيان به معجبا.

стр. 888

توفي ﵀ سنة ست وأربعين ومائة. موقفه من المرجئة: تقدم معنا في مواقف منصور بن المعتمر (ت ١٣٢هـ) أن إسماعيل بن أبي خالد كان من جملة أهل العلم الذين يقولون بالاستثناء ويعيبون على من لا يستثني. عوف بن أبي جميلة (١) (١٤٦ هـ) عوف بن أبي جميلة العبدي أبو سهل الأعرابي، لم يكن أعرابيا وإنما شهر به، عداده في صغار التابعين، وما عنده شيء عن أحد له صحبة. روى عن أبي العالية والعطاردي وزرارة بن أبي أوفى وابن سيرين وخلق. وحدث عنه شعبة وابن المبارك وغندر وروح والنضر بن شميل وطائفة آخرهم عثمان ابن الهيثم. كان يدعى عوفا الصدوق، وثقه غير واحد، فهو ثقة مكثر. قلت: تكلم فيه غير واحد من أئمة السلف لتلبسه ببدعتي القدر والرفض. توفي سنة ست وأربعين بعد المائة الأولى للهجرة. موقفه من الجهمية: عن معاذ بن معاذ قال: قلت لعوف بن أبي جميلة: إن عمرو بن عبيد

стр. 889

حدثنا عن الحسن، أن رسول الله ﷺ قال: من حمل علينا السلاح فليس منا (١) قال: كذب والله عمرو. ولكنه أراد أن يحوزها إلى قوله الخبيث. (٢) قال النووي: وقوله: أراد أن يحوزها إلى قوله الخبيث، معناه كذب بهذه الرواية ليعضد بها مذهبه الباطل الرديء، وهو الاعتزال، فإنهم يزعمون أن ارتكاب المعاصي يخرج صاحبه عن الإيمان ويخلده في النار، ولا يسمونه كافرا بل فاسقا مخلدا في النار. (٣) العَوَّام بن حَوْشَب (٤) (١٤٨ هـ) المحدث أبو عيسى الربعي الواسطي. حدث عن إبراهيم النخعي، ومجاهد، وعمرو بن مرة. وروى عنه شعبة، وهشيم، ويزيد بن هارون. ذكره أحمد وقال: ثقة ثقة. وقال يزيد بن هارون: كان صاحب أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. وقال أحمد بن عبد الله العجلي: ثقة صاحب سنة، ثبت، صالح. توفي سنة ثمان وأربعين ومائة.

стр. 890

موقفه من المبتدعة: - عن العوام بن حوشب: أنه كان يقول لابنه: يا عيسى، أصلح الله قلبك، وأقل مالك. - وكان يقول: والله، لأن أرى عيسى يجالس أصحاب البرابط والأشربة والباطل أحب إلي من أن أراه يجالس أصحاب الخصومات. قال ابن وضاح: يعني أهل البدع. (١) موقفه من الرافضة: عن العوام بن حوشب قال: اذكروا محاسن أصحاب محمد ﷺ تأتلف عليه قلوبكم ولا تذكروا غيره فتحرشوا الناس عليهم. (٢) ليث بن أبي سليم (٣) (١٤٨ هـ) ليث بن أبي سُلَيْم بن زُنَيْم، محدث الكوفة وأحد علمائها الأعيان. حدث عن: عطاء ومجاهد، ونافع مولى ابن عمر، وروى عنه الثوري، والفضيل بن عياض، وأبو عوانة. قال الفضيل بن عياض: كان ليث بن أبي سليم أعلم أهل الكوفة بالمناسك. قال عنه الدارقطني: صاحب سنة يخرج حديثه. وقال عنه الذهبي: حديثه لا يبلغ مرتبة الحسن.

стр. 891

توفي سنة ثمان وأربعين ومائة. موقفه من الرافضة: روى اللالكائي بسنده إلى ليث بن أبي سليم قال: أدركت الشيعة الأولى ما يفضلون على أبي بكر وعمر أحدا. (١) محمد بن أبي ليلى (٢) (١٤٨ هـ) محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أبو عبد الرحمن العلامة الإمام مفتي الكوفة وقاضيها. روى عن أخيه عيسى وعن الشعبي ونافع العمري والمنهال ابن عمرو وغيرهم. روى عنه: شعبة وسفيان بن عيينة والثوري وآخرون. كان فيما يحفظ كتاب الله، تلا على أخيه عيسى. وعرض على الشعبي عن تلاوته على علقمة. وكان نظيرا للإمام أبي حنيفة في الفقه. قال الإمام أحمد: وكان فقهه أحب إلينا من حديثه. ذكر زائدةُ ابنَ أبي ليلى فقال: كان أفقه أهل الدنيا. قال العجلي: كان فقيها صاحب سنة صدوقا جائز الحديث، وكان قارئا للقرآن عالما به قرأ عليه حمزة الزيات فكان يقول: إنا تعلمنا جودة القراءة عند ابن أبي ليلى، وكان من أحسب الناس ومن أنقط الناس للمصحف وأخطه بقلم وكان جميلا نبيلا. قال

стр. 892

القاضي أبو يوسف: ما ولي القضاء أحد أفقه في دين الله ولا أقرأ لكتاب الله ولا أقول حقا بالله ولا أعف عن الأموال من ابن أبي ليلى. قال الثوري: فقهاؤنا ابن أبي ليلى وابن شبرمة. مات سنة ثمان وأربعين ومائة. موقفه من الجهمية: - روى اللالكائي في أصول الاعتقاد بسنده إلى محمد بن عمران بن محمد بن أبي ليلى قال: حدثني أبي قال: لما قدم ذلك الرجل إلى محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى شهد عليه ابن أبي سليمان وغيره أنه قال: القرآن مخلوق. وشهد عليه قوم مثل قول حماد بن أبي سليمان. فحدثني خالد بن نافع قال: كتب ابن أبي ليلى إلى جعفر -وهو بالمدينة- بما قاله ذلك الرجل وشهادته عليه وإقراره. فكتب إليه أبو جعفر: إن هو رجع وإلا فاضرب رقبته وأحرقه بالنار، فتاب ورجع عن قوله في القرآن. (١) - وله أيضا: عن محمد بن عمران بن أبي ليلى قال: حدثني وكيع قال: لما كان من أمر الرجل ما كان قال له ابن أبي ليلى: من خلقك؟ قال الله. قال: فمن خلق منطقك؟ قال: الله. قال: خصمت. قال: صدقت، فإيش تقول؟ فإني أتوب إلى الله. قال: فبعث معه ابن أبي ليلى أمينين فيوقفاه إلى حلقة من حلق المسجد يقولان لهم: إنه قال: إن القرآن مخلوق، فقد تاب ورجع فإن سمعتموه يقول شيئا فارفعوا ذلك إلي. قال: وأمر موسى بن عيسى حرسيا فقال: لا تدعنه يفتي في المسجد. قال: فكان إذا صلى قال الحرسي:

стр. 893

قم إلى منزلك فيقول له: دعني أسبح. فيقول: ولا كلمة. قال: فلا يتركه حتى يقيمه. فلما قدم محمد بن سليمان جمع جماعة فكلمه فأذن له وجلس في المسجد. (١) سليمان بن مهران الأعمش (٢) (١٤٨ هـ) سليمان بن مِهْرَان الإمام شيخ الإسلام، شيخ المقرئين والمحدثين أبو محمد الأسدي الكاهلي مولاهم الكوفي الحافظ. رأى أنس بن مالك وحكى عنه وروى عنه. روى عن أبان بن أبي عياش وإبراهيم النخعي وأبي صالح السمان وطائفة. روى عنه السفيانان وجرير بن عبد الحميد وحفص بن غياث وشعبة ومحمد بن فضيل وأبو معاوية الضرير وعبد الله بن نمير وآخرون. قال ابن عيينة: كان الأعمش أقرأهم لكتاب الله وأحفظهم للحديث وأعلمهم بالفرائض. وكان يحيى القطان إذا ذكر الأعمش قال: كان من النساك، وكان محافظا على الصلاة في جماعة، وعلى الصف الأول. قال يحيى: وهو علامة الإسلام. وقال أبو حفص الفلاس: كان يسمى المصحف من صدقه. وقال الخريبي: ما خلف الأعمش أعبد منه، وكان ﵁ صاحب سنة.

стр. 894

توفي في ربيع الأول سنة ثمان وأربعين ومائة. موقفه من المبتدعة: - روى الخطيب في شرف أصحاب الحديث عن الأعمش أنه قال: إذا رأيت الشيخ لم يقرأ القرآن ولم يكتب الحديث فاصفع له، فإنه من شيوخ القمر. قال أبو صالح: قلت لأبي جعفر: ما شيوخ القمر؟ قال شيوخ دهريون يجتمعون في ليالي القمر يتذاكرون أيام الناس ولا يحسن أحدهم أن يتوضأ للصلاة. (١) " التعليق: وهذا شأن المبتدعة يجتمعون على مناقب شيوخهم وترهاتهم، أو يستغرقون العمر في حفظ أشياء ودراستها لا علاقة لها بالكتاب والسنة. - قال الأعمش: إنما مثل أصحاب هذا الرأي مثل رجل خرج بليل فرأى سوادا فظن أنها تمرة فإن أخطأه يكون عقربا أو يكون جرو كلب. (٢) " التعليق: قال ابن بطة عقبه: الله الله إخواني يا أهل القرآن ويا حملة الحديث لا تنظروا فيما لا سبيل لعقولكم إليه، ولا تسألوا عما لم يتقدمكم السلف الصالح من علمائكم إليه، ولا تكلفوا أنفسكم ما لا قوة بأبدانكم الضعيفة ولا تنقروا ولا تبحثوا عن مصون الغيب ومكنون العلوم، فإن الله جعل

стр. 895

للعقول غاية تنتهي إليها، ونهاية تقصر عندها، فما نطق به الكتاب وجاء به الأثر فقولوه، وما أشكل عليكم فكلوه إلى عالمه، ولا تحيطوا الأمور بحيط العشوا حنادس الظلماء بلا دليل هاد ولا ناقد بصير، أتراكم أرجح أحلاما وأوفر عقولا من الملائكة المقربين حين قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (١). إخواني: فمن كان بالله مؤمنا فليردد إلى الله العلم بغيوبه، وليجعل الحكم إليه في أمره، فيسلك العافية ويأخذ بالمندوحة الواسعة، ويلزم المحجة الواضحة والجادة السابلة والطريق الآنسة، فمن خالف ذلك وتجاوزه إلى الغمط بما أمر به، والمخالفة إلى ما نهي عنه، يقع والله في بحور المنازعة وأمواج المجادلة، ويفتح على نفسه أبواب الكفر بربه والمخالفة لأمره والتعدي لحدوده، والعجب لمن خلق من نطفة من ماء مهين فإذا هو خصيم مبين كيف لا يفكر في عجزه عن معرفة خلقه أما تعلمون أن الله قد أخذ عليكم ميثاق الكتاب أن لا تقولوا على الله إلا الحق فسبحان الله أنى تؤفكون. - عن الأعمش قال: كانوا لا يسألون عن الرجل بعد ثلاث: ممشاه ومدخله وإلفه من الناس. (٢)

стр. 896

موقفه من المشركين: - عن أبي معاوية قال: سمعت الأعمش يقول: أدركت الناس وما يسمونهم إلا الكذابين، يعنى أصحاب المغيرة بن سعيد. - قال الأعمش: ولا عليكم ألا تذكروا هذا، فإني لا آمنهم أن يقولوا: إنا أصبنا الأعمش مع امرأة. (١) موقفه من الرافضة: - روى الآجري بسنده إلى الأعمش قال: بلغني أن رجلا أحدث على قبر الحسين بن علي ﵄، فسلط الله ﵎ على أهل ذلك البيت الجنون، والجذام، والبرص، وكل داء وبلاء، قال أبو معمر: وأهل ذلك كانوا. قال محمد بن الحسين الآجري ﵀: على من قتل الحسين بن علي ﵄ لعنة الله، ولعنة اللاعنين، وعلى من أعان على قتله، وعلى من سب علي بن أبي طالب، وسب الحسن والحسين، أو آذى فاطمة في ولدها، أو آذى أهل بيت رسول الله ﷺ ، فعليه لعنة الله وغضبه، لا أقام الله الكريم له وزنا، ولا نالته شفاعة محمد ﷺ . (٢) - وروى الخلال في السنة بسنده إلى أبي هريرة المكتب حباب قال: كنا عند الأعمش فذكروا عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال الأعمش: فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا: يا أبا محمد يعني في حلمه؟ قال: لا والله، ألا بل في

стр. 897

عدله. (١) موقفه من الجهمية: روى اللالكائي بسنده إلى محمد بن أحمد بن عمرو بن عيسى قال سمعت أبي يقول: ما رأيت مجلسا يجتمع فيه من المشايخ أنبل من مشايخ اجتمعوا في مسجد جامع الكوفة في وقت الامتحان فقرئ عليهم الكتاب الذي فيه المحنة فقال أبو نعيم: أدركت ثمانمائة شيخ ونيفا وسبعين شيخا -منهم الأعمش فمن دونه- فما رأيت خلقا يقول بهذه المقالة -يعني بخلق القرآن- ولا تكلم أحد بهذه المقالة إلا رمي بالزندقة، فقام أحمد بن يونس فقبل رأس أبي نعيم وقال: جزاك الله عن الإسلام خيرا. (٢) موقفه من الخوارج: قال ﵀: جالست إياس بن معاوية فحدثني بحديث، قلت: من يذكر هذا؟ فضرب لي مثل رجل من الحرورية، فقلت: إلي تضرب هذا المثل؟ تريد أن أكنس الطريق بثوبي، فلا أدع بعرة ولا خنفساءة إلا حملتها. (٣) موقفه من المرجئة: تقدم معنا في مواقف منصور بن المعتمر (ت ١٣٢هـ) أن سليمان الأعمش كان من جملة أهل العلم الذين يقولون بالاستثناء ويعيبون على من لا يستثني.

стр. 898

الزُّبَيْدِي (١) (١٤٨ هـ) محمد بن الوليد بن عامر الإمام الحافظ الحجة القاضي أبو الهذيل الزبيدي الحمصي. روى عن الزهري ونافع وسعيد المقبري ومكحول الشامي وهشام بن عروة ويزيد بن شريح الحضرمي وعبد الرحمن بن جبير وطائفة. روى عنه محمد بن حرب الخولاني ويحيى بن حمزة الحضرمي والأوزاعي وإسماعيل بن عياش وبقية بن الوليد وآخرون. قال ابن سعد: كان الزبيدي أعلم أهل الشام بالفتوى والحديث، وكان ثقة إن شاء الله. وقال ابن حبان: كان من الحفاظ المتقنين، أقام مع الزهري عشر سنين حتى احتوى على أكثر علمه. توفي سنة ثمان وأربعين ومائة. موقفه من القدرية: جاء في أصول الاعتقاد بالسند إلى بقية قال: سألت الأوزاعي والزبيدي عن الجبر فقال الزبيدي: أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يقهر، ولكن يقضي ويقدر ويخلق ويجبل عبده على ما أحب. (٢)

стр. 899

جعفر الصادق (١) (١٤٨ هـ) جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الإمام الصادق شيخ بني هاشم أبو عبد الله القرشي الهاشمي العلوي المدني أحد الأعلام. وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، ولذلك كان يقول: ولدني أبو بكر مرتين. روى عن جده لأمه القاسم بن محمد وأبيه أبي جعفر محمد بن علي والزهري ومحمد بن المنكدر وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح وآخرين. روى عنه السفيانان وشعبة والدراوردي ومالك بن أنس وحفص بن غياث وطائفة. عن أبي حنيفة قال: ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد. وقال ابن معين: جعفر بن محمد ثقة مأمون. من أقواله: الفقهاء أمناء الرسل فإذا رأيتم الفقهاء قد ركنوا إلى السلاطين، فاتهموهم. وأيضا: الصلاة قربان كل تقي والحج جهاد كل ضعيف وزكاة البدن الصيام والداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر، واستنزلوا الرزق بالصدقة وحصنوا أموالكم بالزكاة وما عال من اقتصد، والتقدير نصف الرزق وقلة العيال أحد اليسارين، ومن أحزن والديه فقد عقهما، ومن ضرب بيده على فخذه عند مصيبة فقد حبط أجره، والصنيعة لا يكون

стр. 900

صنيعة إلا عند ذي حسب أو دين، والله ينزل الصبر على قدر المصيبة وينزل الرزق على قدر المؤنة، ومن قدر معيشته رزقه الله، ومن بذر معيشته حرمه الله. توفي سنة ثمان وأربعين ومائة. موقفه من المبتدعة: - جاء في أصول الاعتقاد بالسند إليه قال: إياكم والخصومات في الدين، فإنها تشغل القلب وتورث النفاق. (١) - وجاء في الإبانة بالسند إليه قال: اتقوا جدال كل مفتون، فإن المفتون يلقن حجته. (٢) - قال ابن شبرمة: دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد بن علي وسلمت عليه، وكنت له صديقا، ثم أقبلت على جعفر، وقلت: أمتع الله بك، هذا رجل من أهل العراق له فقه وعقل، فقال لي جعفر: لعله الذي يقيس الدين برأيه، ثم أقبل علي فقال: أهو النعمان؟ قال محمد بن يحيى الربعي: ولم أعرف اسمه إلا ذلك اليوم، فقال له أبو حنيفة: نعم أصلحك الله، فقال له جعفر: اتق الله، ولا تقس الدين برأيك، فإن أول من قاس إبليس، إذ أمره الله بالسجود لآدم، فقال: ﴿أَنَا خيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ ثم قال له جعفر: هل تحسن أن تقيس رأسك من

стр. 901

جسدك؟ فقال له: لا، وفي حديث ابن رزقويه: نعم، فقال له: أخبرني عن الملوحة في العينين، وعن المرارة في الأذنين، وعن الماء في المنخرين، وعن العذوبة في الشفتين، لأي شيء جعل ذلك؟، قال: لا أدري، قال له جعفر: إن الله تعالى، خلق العينين فجعلهما شحمتين، وجعل الملوحة فيهما مَنّاً منه على ابن آدم، ولولا ذلك لذابتا فذهبتا، وجعل المرارة في الأذنين منا منه عليه، ولولا ذلك لهجمت الدواب فأكلت دماغه، وجعل الماء في المنخرين ليصعد منه النفس، وينزل، وتجد من الريح الطيبة ومن الريح الرديئة، وجعل العذوبة في الشفتين ليعلم ابن آدم مطعمه ومشربه، ثم قال لأبي حنيفة: أخبرني عن كلمة أولها شرك وآخرها إيمان؟ قال: لا أدري، فقال جعفر: لا إله إلا الله، فلو قال: لا إله ثم أمسك كان مشركا، فهذه كلمة أولها شرك وآخرها إيمان، ثم قال له: ويحك، أيها أعظم عند الله: قتل النفس التي حرم الله أو الزنا؟ قال: لا، بل قتل النفس، قال له جعفر: إن الله قد رضي في قتل النفس بشاهدين، ولم يقبل في الزنا إلا أربعة، فكيف يقوم لك قياس؟ ثم قال: أيهما أعظم عند الله الصوم أم الصلاة؟ قال: لا، بل الصلاة قال: فما بال المرأة إذا حاضت تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ اتق الله يا عبد الله ولا تقس، فإنا نقف غدا نحن وأنت ومن خالفنا بين يدي الله ﵎: فنقول: قال الله ، وقال رسول الله ﷺ ، وتقول أنت وأصحابك سمعنا ورأينا، فيفعل الله تعالى بنا وبكم ما يشاء. (١)

стр. 902

موقفه من الرافضة: - جاء في سير أعلام النبلاء في ترجمة جعفر قال الذهبي: وكان يغضب من الرافضة ويمقتهم إذا علم أنهم يتعرضون لجده أبي بكر ظاهرا وباطنا. هذا لا ريب فيه ولكن الرافضة قوم جهلة قد هوى بهم الهوى في الهاوية فبعدا لهم. (١) " التعليق: هذا من أعلام أهل البيت، يكن الحب لأصحاب رسول الله ﷺ ، ويغضب إذا سبوا، فما بال الروافض يخالفون أهل البيت في حب أصحاب رسول الله ﷺ ، ولكن هناك أغراض أخرى ليست الغيرة على أهل البيت، ولكن تحطيم الإسلام من أصله. - وجاء في السير: علي بن الجعد عن زهير بن معاوية قال: قال أبي لجعفر بن محمد: إن لي جارا يزعم أنك تبرأ من أبي بكر وعمر. فقال جعفر: برئ الله من جارك. والله إني لأرجو أن ينفعني الله بقرابتي من أبي بكر. ولقد اشتكيت شكاية فأوصيت إلى خالي عبد الرحمن بن القاسم. (٢) - وفيها وفي الشريعة عن سالم بن أبي حفصة قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي، وجعفر بن محمد ﵃، عن أبي بكر وعمر ﵄؟ فقالا: يا سالم تولهما، وابرأ من عدوهما، فإنهما كانا إمامي هدى.

стр. 903

قال ابن الفضيل: قال سالم: قال لي جعفر بن محمد: يا سالم أيسب الرجل جده؟ أبو بكر ﵁ جدي، لا تنالني شفاعة محمد ﷺ إن لم أكن أتولاهما، وأبرأ من عدوهما. (١) - وفيها قال حفص بن غياث: سمعت جعفر بن محمد يقول: ما أرجو من شفاعة علي شيئا إلا وأنا أرجو من شفاعة أبي بكر مثله. لقد ولدني مرتين. (٢) - وفيها: عن عبد الجبار بن العباس الهمداني، أن جعفر بن محمد أتاهم وهم يريدون أن يرتحلوا من المدينة، فقال: إنكم إن شاء الله من صالحي أهل مصركم، فأبلغوهم عني: من زعم أني إمام معصوم مفترض الطاعة، فأنا منه بريء، ومن زعم أني أبرأ من أبي بكر وعمر، فأنا منه بريء. (٣) - وفيها: عنه أنه سئل عن أبي بكر وعمر، فقال: إنك تسألني عن رجلين قد أكلا من ثمار الجنة. (٤) - وفيها عن ابن السماك قال: خرجت إلى مكة، فلقيني زرارة بن أعين بالقادسية، فقال لي: إن لي إليك حاجة، وأرجو أن أبلغها بك، وعظمها، فقلت: ما هي؟ فقال: إذا لقيت جعفر بن محمد، فأقرئه مني السلام، وسله أن يخبرني من أهل الجنة أنا أم من أهل النار؟ فأنكرت عليه. فقال لي: إنه يعلم ذلك. فلم يزل بي حتى أجبته. فلما لقيت جعفر بن محمد، أخبرته بالذي كان

стр. 904

منه. فقال: هو من أهل النار، فوقع في نفسي شيء مما قال. فقلت: ومن أين علمت ذلك؟ فقال: من ادعى علي أني أعلم هذا، فهو من أهل النار. فلما رجعت، لقيني زرارة، فأعلمته بقوله. فقال: كال لك يا أبا عبد الله من جراب النورة، قلت: وما جراب النورة؟ قال: عمل معك بالتقية. (١) موقفه من الجهمية: - جاء في السنة لعبد الله بن أحمد بالسند إلى معاوية بن عمار الدهني قال: قلت لجعفر يعني ابن محمد: إنهم يسألوننا عن القرآن مخلوق هو؟ قال: ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله. (٢) - وجاء في الإبانة: قال جعفر بن محمد: من قال: القرآن مخلوق، قتل ولم يستتب. (٣) موقفه من القدرية: - جاء في جامع بيان العلم وفضله بالسند إلى جعفر بن محمد قال: الناظر في القدر كالناظر في عين الشمس كلما ازداد نظرا ازداد حيرة. (٤) - وجاء في الإبانة: عن مسلمة بن سعيد عن أبيه؛ قال: قلت لجعفر بن محمد: يا ابن رسول الله ﷺ . إن لنا إماما قدريا صليت خلفه خمسين سنة؛

стр. 905

قال: اذهب فأعد صلاة خمسين سنة. (١) - وفيها عن العطافي عن رجاله من الشيعة؛ قال: قلنا لجعفر بن محمد ﵀: إن المعتزلة تنافرنا نفارا شديدا؛ فقل لنا شيئا حتى نقاتلهم به، فقال: اكتبوا: إن الله لا يطاع قهرا ولا يعصى قسرا، فإذا أراد الطاعة كانت، وإذا أراد المعصية كانت، فإذا عذب فبحق، وإن عفى فبفضل، قال أبو عمر: وسمعت أبا العباس ثعلبا يقول: قول الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلًّا ليعبدون﴾ (٢) هو خصوص وليس هو عموما، ولو كان عموما لما كفر به أحد. (٣) هشام بن حسان (٤) (١٤٨ هـ) هِشَام بن حَسَّان الإمام العالم الحافظ محدث البصرة أبو عبد الله الأزدي القردوسي. نزل في القراديس، وقيل هو من مواليهم، رأى أنس بن مالك ولم يرو عنه. حدث عن الحسن ومحمد بن سيرين وحفصة بنت سيرين وعكرمة وعطاء بن أبي رباح وهشام بن عروة وحميد بن هلال وآخرين. حدث عنه عبد الأعلى بن عبد الأعلى والسفيانان والحمادان وشعبة وعيسى بن يونس

стр. 906

وحفص بن غياث وعبد الله بن المبارك وخلق كثير. قال سفيان بن عيينة: كان أعلم الناس بحديث الحسن، وكان حماد بن سلمة لا يختار عليه أحدا في حديث ابن سيرين. وقال ابن حبان: وكان من العباد الخشن والبكائين بالليل. قال الذهبي: هشام قد قفز القنطرة واستقر توثيقه، واحتج به أصحاب الصحاح وله أوهام مغمورة في سعة ما روى. مات سنة ثمان وأربعين ومائة. موقفه من المبتدعة: جاء في الاعتصام أن هشام بن حسان قال: لا يقبل الله من صاحب بدعة صياما ولا صلاة، ولا حجا ولا جهادا ولا عمرة، ولا صدقة ولا عتقا، ولا صرفا ولا عدلا. (١) عبد الله بن يزيد بن هرمز (٢) (١٤٨ هـ) عبد الله بن يزيد بن هُرْمُز الأصم أبو بكر فقيه المدينة، أحد الأعلام، عداده في التابعين، وقلما روى، كان يتعبد ويتزهد، ولاؤه لبني ليث. روى عنه مالك وجالسه كثيرا. قال مالك: جلست إلى ابن هرمز ثلاث عشرة سنة. وقال مالك: لم يكن أحد بالمدينة له شرف إلا إذا حز به أمر رجع إلى ابن هرمز. قال ابن هرمز: إني لأحب للرجل أن لا يحوط رأي نفسه كما

стр. 907

يحوط السنة. توفي سنة ثمان وأربعين ومائة. موقفه من المبتدعة: - جاء في سير أعلام النبلاء: قال مالك: كنت أحب أن أقتدي به وكان قليل الفتيا، شديد التحفظ كثيرا ما يفتى الرجل ثم يبعث من يرده ثم يخبره بغير ما أفتاه. وكان بصيرا بالكلام يرد على أهل الأهواء، كان من أعلم الناس بذلك. بين مسألة لابن عجلان، فلما فهمها قام إليه ابن عجلان فقبل رأسه. (١) - ذكر محمد بن حارث في أخبار سحنون بن سعيد عنه قال: كان مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة ومحمد بن إبراهيم بن دينار وغيرهم يختلفون إلى ابن هرمز، فكان إذا سأله مالك وعبد العزيز أجابهما، وإذا سأله ابن دينار وذووه لا يجيبهم، فتعرض له ابن دينار يوما فقال: يا أبا بكر لم تستحل مني ما لا يحل لك؟ فقال له: يا ابن أخي وما ذلك؟ قال: يسألك مالك وعبد العزيز فتجيبهما، وأسألك أنا وذوي فلا تجيبنا؟ فقال: أوقع ذلك يا ابن أخي في قلبك؟ قال: نعم، قال: إني قد كبرت سني ودق عظمي، وأنا أخاف أن يكون خالطني في عقلي مثل الذي خالطني في بدني، ومالك وعبد العزيز عالمان فقيهان، إذا سمعا مني حقا قبلاه، وإن سمعا خطأ تركاه، وأنت وذووك ما أجبتكم به قبلتموه. قال ابن حارث: هذا والله الدين الكامل، والعقل الراجح، لا كمن يأتي

стр. 908

بالهذيان ويريد أن ينزل قوله من القلوب منزلة القرآن. (١) " التعليق: قلت: انظر رحمك الله إلى فقه السلف وورعهم وخوفهم من الله ﵎، فهذا زمن أتباع التابعين الذين ما يزال العلم والحكمة بضاعتهم الرائجة، فيتحرى هذا الإمام ويميز الناس في علمهم وعقلهم، فيجيب هذا ويمتنع عن هذا مخافة أن يخطئ في جواب، فيؤخذ الخطأ صوابا ويحفظ ويسجل ويكتب، ويعتقد ويتعبد الله به، وتستحل به الدماء والفروج والأعراض. وأما أهل هذا الزمان، فلا علم ولا عقل ولا ميزان، ولا ابن هرمز ولا مالك ولا ابن الماجشون ولا ابن دينار، كل هذا قد اختفى وغاب مع زمانه، ولكن عندنا من الدجاجلة ومن الدِّعِّيين في العلم والمعرفة ما هو واضح لكل من استعمل مقارنة بين زماننا وبين ذلك الزمان الذي كان منهاجه الكتاب والسنة. والناظر إلى ما يكتب للمسلمين يجده لا يتقيد بكتاب ولا بسنة وإنما هو رأي فلان، وفكر فلان، ومنامة فلان، وخضر فلان، وكل دجل وكذب يروج على هذه الأمة. وأما الخطب وما ينشر في كثير من الأشرطة المسموعة والمرئية فلا تسأل عن الكذب على الرسول ﷺ وعن الضلال العقدي الموجود فيها. وأما المناظرات والأحاديث في التجمعات الخاصة والعامة فلا تسأل عن

стр. 909

مستواها في الضعف والانحطاط. وأما المروجون للباطل من شرك وخرافات وترهات فلا تسأل عن خفتهم وسفههم وسرعة ترويجهم لباطلهم، والله المستعان. موقفه من القدرية: روى الآجري بسنده عن أنس بن عياض قال: أرسل إلي عبد الله بن يزيد ابن هرمز. فقال: لقد أدركت وما بالمدينة أحد يتهم بالقدر إلا رجل من جهينة. يقال له: معبد الجهني، فعليكم بدين العواتق اللائي لا يعرفن إلا الله تعالى. (١) أبو حنيفة (٢) (١٥٠ هـ) النعمان بن ثابت بن زَوْطى أبو حنيفة التيمي الكوفي مولى بني تيم الله ابن ثعلبة، الفقيه عالم العراق إمام أصحاب الرأي، أحد الأئمة المجتهدين، رأى أنس بن مالك. روى عن عطاء بن أبي رباح وعامر الشعبي وحماد بن أبي سليمان والزهري والحكم بن عتيبة وقتادة وسلمة بن كهيل وطائفة. روى عنه ابنه حماد وحمزة الزيات وعلي بن مسهر ويزيد بن زريع، ويونس بن بكير وعبد الرزاق بن همام ومحمد بن الحسن الشيباني ووكيع بن الجراح

стр. 910

وآخرون. قال يزيد بن هارون: أدركت الناس فما رأيت أحدا أعقل ولا أفضل ولا أورع من أبي حنيفة. وقال ابن المبارك: أبو حنيفة أفقه الناس، وقال الفضيل بن عياض: كان أبو حنيفة رجلا فقيها معروفا بالفقه مشهورا بالورع واسع المال، معروفا بالإفضال على كل من يطيف به، صبورا على تعليم العلم بالليل والنهار، حسن الليل، كثير الصمت قليل الكلام حتى ترد مسألة في حلال أو حرام فكان يُحسن أن يدل على الحق، هاربا من مال السلطان. يروى أنه ضرب غير مرة على أن يلي القضاء فلم يفعل ومناقبه كثيرة. توفي ﵀ في السجن وقيل مسموما سنة خمسين ومائة. موقفه من المبتدعة: - روى الخطيب عن أبي زرعة، قال حدثني يزيد بن عبد ربه، قال سمعت وكيع بن الجراح يقول ليحيى بن صالح الوحاظي: يا أبا زكريا احذر الرأي، فإني سمعت أبا حنيفة يقول: البول في المسجد أحسن من بعض قياسهم. (١) - عن سعيد بن سلام البصري قال: سمعت أبا حنيفة يقول: لقيت عطاء بن أبي رباح بمكة، فسألته عن شيء؟ فقال: من أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قال: أنت من أهل القرية الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا؟ قلت: نعم. قال: من أي الأصناف أنت؟ قلت: ممن لا يسب السلف، ويؤمن

стр. 911

بالقدر، ولا يكفر أحدا بذنب. فقال لي عطاء: عرفت فالزم. (١) موقفه من الرافضة: - قال شيخ الإسلام: وفي كتاب الفقه الأكبر المشهور عند أصحاب أبي حنيفة، الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي قال: سألت أبا حنيفة عن الفقه الأكبر فقال: ... ولا تتبرأ من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا توالي أحدا دون أحد، وأن ترد أمر عثمان وعلي إلى الله . (٢) - جاء في الكفاية: سأل أبو عصمة أبا حنيفة ممن تأمرني أن أسمع الآثار؟ قال من كل عدل في هواه إلا الشيعة، فإن أصل عقدهم تضليل أصحاب محمد ﷺ ، ومن أتى السلطان طائعا، أما إني لا أقول إنهم يكذبونهم أو يأمرونهم بما لا ينبغي ولكن وطأوا لهم حتى انقادت العامة بهم، فهذان لا ينبغي أن يكونا من أئمة المسلمين. (٣) - وجاء في الوصية مع شرحها: قال أبو حنيفة في أصحاب رسول الله ﷺ : "ويحبهم كل مؤمن تقي ويبغضهم كل منافق شقي". (٤) - وجاء في الانتقاء لابن عبد البر قال أبو حنيفة: الجماعة أن تفضل أبا بكر وعمر وعليا وعثمان، ولا تنتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ ... (٥)

стр. 912

موقفه من الجهمية: - قال الهروي في ذم الكلام بالسند إلى نوح الجامع قال: قلت لأبي حنيفة: ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف وإياك وكل محدثة فإنها بدعة. (١) " التعليق: هذا النص من أعظم النصوص وضوحا في تحريم الكلام والفلسفة عن إمام عظيم، مذهبه أكثر المذاهب انتشارا في العالم الإسلامي، ومع ذلك تجد أكثر أتباعه -إن لم يكونوا كلهم- ماتريدية في عقائدهم وصوفية في سلوكهم ومقلدة في عبادتهم، لا للرسول اتبعوا ولا لسلفهم سمعوا، ولكن الإلف والتقليد يبعد الإنسان عن الحق والله المستعان. - جاء في ذم الكلام بالسند إلى محمد بن الحسن -صاحب أبي حنيفة- يقول: قال أبو حنيفة لعن الله عمرو بن عبيد، فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام فيما لا يعنيهم من الكلام. وكان أبو حنيفة يحثنا على الفقه، وينهانا عن الكلام. (٢) - وفي أصول الاعتقاد: عن ابن منصور قال: سمعت ابن المبارك يقول:

стр. 913

والله ما مات أبو حنيفة وهو يقول بخلق القرآن ولا يدين الله به. (١) - وفيه: عن محمد بن مقاتل قال: سمعت ابن المبارك يقول: ذُكر جهم في مجلس أبي حنيفة فقال: ما يقول؟ قالوا: يقول القرآن مخلوق. فقال: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (٢). اهـ (٣) قال شيخ الإسلام: عن أبي عصمة قال: سألت أبا حنيفة: من أهل الجماعة؟ قال: من فضل أبا بكر وعمر، وأحب عليا وعثمان، ولم يحرم نبيذ الجر، ولم يكفر أحدا بذنب، ورأى المسح على الخفين، وآمن بالقدر خيره وشره من الله، ولم ينطق في الله بشيء. وروى خالد بن صبيح، عن أبي حنيفة قال: الجماعة سبعة أشياء: أن يفضل أبا بكر وعمر، وأن يحب عثمان وعليا، وأن يصلي على من مات من أهل القبلة بذنب، وأن لا ينطق في الله شيئا. قلت: قوله في هاتين الروايتين لا ينطق في الله شيئا قد بينه في رواية أبي يوسف، وهو أن لا ينطق في الله بشيء من رأيه ولكنه يصفه بما وصف به نفسه. (٤) - قال الذهبي في الميزان: قال أبو حنيفة: أفرط جهم في نفي التشبيه، حتى قال: إنه تعالى ليس بشيء وأفرط مقاتل -يعني في الإثبات- حتى جعله

стр. 914

مثل خلقه. (١) - وقال شيخ الإسلام: وقال أبو حنيفة في كتاب الفقه الأكبر المعروف المشهور عند أصحابه، الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي: قال: قال أبو حنيفة عمن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقال: قد كفر لأن الله يقول ﴿الرَّحْمَنُ على الْعَرْشِ استوى﴾ (٢)، وعرشه فوق سبع سماوات. قال أبو مطيع: قلت: فإن قال: إنه على العرش ولكنه يقول: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر، لأنه أنكر أن يكون في السماء، لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل. (٣) موقفه من الخوارج: - جاء في مناقب أبي حنيفة للمكي مناظرات لأبي حنيفة ﵀ مع الخوارج منها: أن الخوارج لما ظهروا على الكوفة أخذوا أبا حنيفة فقالوا: تب يا شيخ من الكفر، فقال أنا تائب إلى الله من كل كفر فخلوا عنه، فلما ولى قيل لهم: إنه تاب من الكفر، وإنما يعني به ما أنتم عليه فاسترجعوه. فقال رأسهم: يا شيخ إنما تبت من الكفر، وتعني به ما نحن عليه؟ فقال أبو حنيفة: أبظن تقول هذا أم بعلم؟ فقال: بل بظن. فقال أبو حنيفة: إن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ

стр. 915

إِثْمٌ﴾ (١) وهذه خطيئة منك، وكل خطيئة عندك كفر، فتب أنت أولا من الكفر. فقال: صدقت يا شيخ أنا تائب من الكفر. (٢) - ومنها أنهم جاءوه ليناظروه لما علموا أنه لا يكفر أحدا من أهل القبلة بذنب فقالوا: هاتان جنازتان على باب المسجد أما إحداهما فلرجل شرب الخمر حتى كظته وحشرج بها فمات غرقا في الخمر، والأخرى امرأة زنت حتى إذا أيقنت بالحمل قتلت نفسها فقال لهم أبو حنيفة: من أي الملل كانا؟ أمن اليهود؟ قالوا: لا، أفمن النصارى؟ قالوا: لا، قال: أفمن المجوس؟ قالوا: لا، قال: من أي الملل كانا؟ قالوا: من الملة التي تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قال: فأخبروني عن الشهادة كم هي من الإيمان؟ ثلث أم ربع أم خمس؟ قالوا: إن الإيمان لا يكون ثلثا ولا ربعا ولا خمسا، قال: فكم هي من الإيمان؟ قالوا: الإيمان كله، قال: فما سؤالكم إياي عن قوم زعمتم وأقررتم أنهما كانا مؤمنين. قالوا: دعنا عنك، أمن أهل الجنة هما أم من أهل النار؟ قال: أما إذا أبيتم، فإني أقول فيهما ما قال نبي الله إبراهيم في قوم كانوا أعظم جرما منهم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). وأقول فيهما ما قال نبي الله عيسى في
следующие страницы →