← Акыда

Акыда · id 37325

موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية

المغراوي

Полный текст (5 286 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

بالقدر، ولا يكفر أحدا بذنب. فقال لي عطاء: عرفت فالزم. (١) موقفه من الرافضة: - قال شيخ الإسلام: وفي كتاب الفقه الأكبر المشهور عند أصحاب أبي حنيفة، الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي قال: سألت أبا حنيفة عن الفقه الأكبر فقال: ... ولا تتبرأ من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا توالي أحدا دون أحد، وأن ترد أمر عثمان وعلي إلى الله . (٢) - جاء في الكفاية: سأل أبو عصمة أبا حنيفة ممن تأمرني أن أسمع الآثار؟ قال من كل عدل في هواه إلا الشيعة، فإن أصل عقدهم تضليل أصحاب محمد ﷺ ، ومن أتى السلطان طائعا، أما إني لا أقول إنهم يكذبونهم أو يأمرونهم بما لا ينبغي ولكن وطأوا لهم حتى انقادت العامة بهم، فهذان لا ينبغي أن يكونا من أئمة المسلمين. (٣) - وجاء في الوصية مع شرحها: قال أبو حنيفة في أصحاب رسول الله ﷺ : "ويحبهم كل مؤمن تقي ويبغضهم كل منافق شقي". (٤) - وجاء في الانتقاء لابن عبد البر قال أبو حنيفة: الجماعة أن تفضل أبا بكر وعمر وعليا وعثمان، ولا تنتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ ... (٥)

стр. 912

موقفه من الجهمية: - قال الهروي في ذم الكلام بالسند إلى نوح الجامع قال: قلت لأبي حنيفة: ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف وإياك وكل محدثة فإنها بدعة. (١) " التعليق: هذا النص من أعظم النصوص وضوحا في تحريم الكلام والفلسفة عن إمام عظيم، مذهبه أكثر المذاهب انتشارا في العالم الإسلامي، ومع ذلك تجد أكثر أتباعه -إن لم يكونوا كلهم- ماتريدية في عقائدهم وصوفية في سلوكهم ومقلدة في عبادتهم، لا للرسول اتبعوا ولا لسلفهم سمعوا، ولكن الإلف والتقليد يبعد الإنسان عن الحق والله المستعان. - جاء في ذم الكلام بالسند إلى محمد بن الحسن -صاحب أبي حنيفة- يقول: قال أبو حنيفة لعن الله عمرو بن عبيد، فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام فيما لا يعنيهم من الكلام. وكان أبو حنيفة يحثنا على الفقه، وينهانا عن الكلام. (٢) - وفي أصول الاعتقاد: عن ابن منصور قال: سمعت ابن المبارك يقول:

стр. 913

والله ما مات أبو حنيفة وهو يقول بخلق القرآن ولا يدين الله به. (١) - وفيه: عن محمد بن مقاتل قال: سمعت ابن المبارك يقول: ذُكر جهم في مجلس أبي حنيفة فقال: ما يقول؟ قالوا: يقول القرآن مخلوق. فقال: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (٢). اهـ (٣) قال شيخ الإسلام: عن أبي عصمة قال: سألت أبا حنيفة: من أهل الجماعة؟ قال: من فضل أبا بكر وعمر، وأحب عليا وعثمان، ولم يحرم نبيذ الجر، ولم يكفر أحدا بذنب، ورأى المسح على الخفين، وآمن بالقدر خيره وشره من الله، ولم ينطق في الله بشيء. وروى خالد بن صبيح، عن أبي حنيفة قال: الجماعة سبعة أشياء: أن يفضل أبا بكر وعمر، وأن يحب عثمان وعليا، وأن يصلي على من مات من أهل القبلة بذنب، وأن لا ينطق في الله شيئا. قلت: قوله في هاتين الروايتين لا ينطق في الله شيئا قد بينه في رواية أبي يوسف، وهو أن لا ينطق في الله بشيء من رأيه ولكنه يصفه بما وصف به نفسه. (٤) - قال الذهبي في الميزان: قال أبو حنيفة: أفرط جهم في نفي التشبيه، حتى قال: إنه تعالى ليس بشيء وأفرط مقاتل -يعني في الإثبات- حتى جعله

стр. 914

مثل خلقه. (١) - وقال شيخ الإسلام: وقال أبو حنيفة في كتاب الفقه الأكبر المعروف المشهور عند أصحابه، الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي: قال: قال أبو حنيفة عمن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقال: قد كفر لأن الله يقول ﴿الرَّحْمَنُ على الْعَرْشِ استوى﴾ (٢)، وعرشه فوق سبع سماوات. قال أبو مطيع: قلت: فإن قال: إنه على العرش ولكنه يقول: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر، لأنه أنكر أن يكون في السماء، لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل. (٣) موقفه من الخوارج: - جاء في مناقب أبي حنيفة للمكي مناظرات لأبي حنيفة ﵀ مع الخوارج منها: أن الخوارج لما ظهروا على الكوفة أخذوا أبا حنيفة فقالوا: تب يا شيخ من الكفر، فقال أنا تائب إلى الله من كل كفر فخلوا عنه، فلما ولى قيل لهم: إنه تاب من الكفر، وإنما يعني به ما أنتم عليه فاسترجعوه. فقال رأسهم: يا شيخ إنما تبت من الكفر، وتعني به ما نحن عليه؟ فقال أبو حنيفة: أبظن تقول هذا أم بعلم؟ فقال: بل بظن. فقال أبو حنيفة: إن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ

стр. 915

إِثْمٌ﴾ (١) وهذه خطيئة منك، وكل خطيئة عندك كفر، فتب أنت أولا من الكفر. فقال: صدقت يا شيخ أنا تائب من الكفر. (٢) - ومنها أنهم جاءوه ليناظروه لما علموا أنه لا يكفر أحدا من أهل القبلة بذنب فقالوا: هاتان جنازتان على باب المسجد أما إحداهما فلرجل شرب الخمر حتى كظته وحشرج بها فمات غرقا في الخمر، والأخرى امرأة زنت حتى إذا أيقنت بالحمل قتلت نفسها فقال لهم أبو حنيفة: من أي الملل كانا؟ أمن اليهود؟ قالوا: لا، أفمن النصارى؟ قالوا: لا، قال: أفمن المجوس؟ قالوا: لا، قال: من أي الملل كانا؟ قالوا: من الملة التي تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قال: فأخبروني عن الشهادة كم هي من الإيمان؟ ثلث أم ربع أم خمس؟ قالوا: إن الإيمان لا يكون ثلثا ولا ربعا ولا خمسا، قال: فكم هي من الإيمان؟ قالوا: الإيمان كله، قال: فما سؤالكم إياي عن قوم زعمتم وأقررتم أنهما كانا مؤمنين. قالوا: دعنا عنك، أمن أهل الجنة هما أم من أهل النار؟ قال: أما إذا أبيتم، فإني أقول فيهما ما قال نبي الله إبراهيم في قوم كانوا أعظم جرما منهم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). وأقول فيهما ما قال نبي الله عيسى في

стр. 916

قوم كانوا أعظم جرما منهما ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) وأقول فيهما ما قال نبي الله نوح: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ (٢). وأقول فيهما ما قال نبي الله نوح ﵇ وعليهم أجمعين وعلى نبينا محمد ﷺ : ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. (٣) قال: فألقوا السلاح وقالوا: تبرأنا من كل دين كنا عليه، وندين الله بدينك فقد آتاك الله فضلا وحكمة وعلما. (٤) - وقال شيخ الإسلام في المجموع: وفي كتاب الفقه الأكبر المشهور عند أصحاب أبي حنيفة، الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي قال: سألت أبا حنيفة عن الفقه الأكبر ... قلت: فما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فيتبعه على ذلك أناس فيخرج على الجماعة، هل

стр. 917

ترى ذلك؟ قال: لا. قلت: ولم، وقد أمر الله ورسوله بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهو فريضة واجبة؟ قال هو كذلك، لكن ما يفسدون أكثر مما يصلحون من سفك الدماء واستحلال الحرام. قال: وذكر الكلام في قتل الخوارج والبغاة. (١) مقاتل بن حيان (٢) (١٥٠ هـ) مُقَاتِل بن حَيَّان بن دَوَال دُوز -ومعناه بالفارسية الخراز- أبو بسطام البلخي مولى بكر بن وائل، الإمام العالم المحدث الثقة. روى عن مجاهد بن جبر ومحمد بن زيد قاضي مرو والشعبي والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وعكرمة، وعمرة وطائفة، وعنه إبراهيم بن أدهم وعبد الله بن المبارك وعلقمة ابن مرثد ومسلمة بن علي الخشني وخالد بن زياد الترمذي وآخرون. قال الذهبي: وكان خيّرا ناسكا كبير القدر، صاحب سنة. كان ذا منزلة عند قتيبة ابن مسلم الأمير، هرب مقاتل إلى كابل فأسلم به خلق. توفي في حدود الخمسين ومائة. موقفه من المبتدعة: جاء في الاعتصام عن مقاتل بن حيان قال: أهل هذه الأهواء آفة أمة

стр. 918

محمد ﷺ ، إنهم يذكرون النبي ﷺ وأهل بيته، فيتصيدون بهذا الذكر الحسن عند الجهال من الناس، فيقذفون بهم في المهالك، فما أشبههم بمن يسقي الصبر باسم العسل، ومن يسقي السم القاتل باسم الترياق، فأبصرهم، فإنك إن لا تكن أصبحت في بحر الماء، فقد أصبحت في بحر الأهواء الذي هو أعمق غورا، وأشد اضطرابا، وأكثر صواعق، وأبعد مذهبا من البحر وما فيه، فتلك مطيتك التي تقطع بها سفر الضلال: اتباع السنة. (١) موقفه من الجهمية: عن مقاتل: بلغنا والله أعلم في قوله : ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (٢) الأول قبل كل شيء، والآخر بعد كل شيء، والظاهر فوق كل شيء، والباطن أقرب من كل شيء، وإنما يعني القرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه وهو بكل شيء عليم، وبهذا الإسناد عنه في قوله تعالى: ﴿إِلًّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ (٣) يقول بعلمه وذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤) فيعلم نجواهم، ويسمع كلامهم ثم ينبئهم يوم القيامة بكل شيء، وهو فوق عرشه وعلمه معهم. (٥)

стр. 919

ابن جريج (١) (١٥٠ هـ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج الإمام العلامة الحافظ شيخ الحرم، أبو خالد المكي القرشي الأموي صاحب التصانيف مولى أمية بن خالد. روى عن عطاء بن أبي رباح والزهري وأبي الزبير ونافع وابن أبي مليكة وآخرين. حدث عنه عبد الله بن وهب وعبد الرزاق بن همام والضحاك بن مخلد وحجاج ابن محمد المصيصي والسفيانان والحمادان وطائفة. عن مخلد بن الحسين قال: ما رأيت خلقا من خلق الله أصدق لهجة من ابن جريج. وقال عبد الرزاق: ما رأيت أحدا أحسن صلاة من ابن جريج. وقال عطاء: سيد شباب أهل الحجاز ابن جريج. وقال يحيى بن سعيد: كنا نسمي كتب ابن جريج كتب الأمانة. توفي سنة خمسين ومائة. موقفه من المرجئة: جاء في الإبانة بالسند إلى عبد الرزاق قال: سمعت معمرا وسفيان الثوري ومالك بن أنس وابن جريج وسفيان بن عيينة يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. (٢)

стр. 920

موقف السلف من ثور بن يزيد القدري (١٥٠ ه ـ) جاء في أصول الاعتقاد: عن عبد الله بن سالم قال: أدركت أهل حمص وقد أخرجوا ثور بن يزيد وأحرقوا داره لكلامه في القدر. (١) وعن أحمد بن حنبل قال: كان ثور بن يزيد الكلاعي يرى القدر وكان من أهل حمص. أخرجوه ونفوه لأنه كان يرى القدر. قال: وبلغني أنه أتى المدينة فقيل لمالك قد قدم ثور فقال لا تأتوه فقال: لا يجتمع عند رجل مبتدع في مسجد رسول الله ﷺ . (٢) وجاء في السير: قال أبو توبة الحلبي: حدثنا أصحابنا أن ثورا لقي الأوزاعي، فمد يده إليه، فأبى الأوزاعي أن يمد يده إليه وقال: يا ثور، لو كانت الدنيا، لكانت المقاربة، ولكنه الدين. وقال أحمد: كان ثور يرى القدر، وليس به بأس. قال عبيد الله بن موسى: قال سفيان: اتقوا ثورا، لا ينطحنكم بقرنه. قال الذهبي: كان ثور عابدا، ورعا، والظاهر أنه رجع، فقد روى أبو زرعة عن منبه بن عثمان، أن رجلا قال لثور: يا قدري. قال: لئن كنت كما قلت إني لرجل سوء، وإن كنت على خلاف ما قلت إنك لفي حل. قال إسماعيل بن عياش: نفى أسد بن وداعة ثورا. وقال عبد الله بن سالم: أخرجوه

стр. 921

وأحرقوا داره لكلامه في القدر. (١) موقف السلف من محمد بن إسحاق لتلبسه ببدعة القدر (١٥٠ ه ـ) جاء في أصول الاعتقاد بالسند إلى عبد العزيز الدراوردي قال: كنا في مجلس محمد بن إسحاق نتعلم فأغفى إغفاءة فقال: إني رأيت في المنام الساعة كأن إنسانا دخل المسجد ومعه حبل في عنق حمار فأخرجه. فما لبثنا أن دخل المسجد رجل ومعه حبل حتى وضعه في عنق ابن إسحاق فأخرجه فذهب إلى السلطان فجلده. قال ابن أبي زنبر: من أجل القدر. (٢) وفيه: عن حميد بن حبيب أنه رأى محمد بن إسحاق مجلودا في القدر جلده إبراهيم بن هشام خال هشام بن عبد الملك. (٣) مقاتل بن سليمان المشبه وموقفه من الجهم بن صفوان (١٥٠ ه ـ) جاء في الإبانة: عن مقاتل بن سليمان؛ قال: وكان مما علمنا من أمر عدو الله جهم أنه كان من أهل خراسان من أهل الترمذ، وكان صاحب خصومات وكلام، وكان أكثر كلامه في الله، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال:

стр. 922

"تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله " (١). فلقي جهم ناسا يقال لهم السمنية، فعرفوا جهما؛ فقالوا له: نكلمك، فإن ظهرت حجتنا عليك: دخلت في ديننا، وإن ظهرت حجتك علينا؛ دخلنا في دينك؛ فكان مما كلموا به جهما أن قالوا له: ألست تزعم أن لك إلها؟ قال جهم: نعم. فقالوا: هل رأيت إلهك؟ قال: لا. قالوا: أسمعت كلامه؟ قال: لا. قالوا: فسمعت له حسا؟ قال: لا: قالوا: فما يدريك أنه إله؟ قال: فتحير جهم؛ فلم يصل أربعين يوما، ثم استدرك حجته مثل حجة زنادقة النصارى وذلك أن زنادقة النصارى تزعم أن الروح التي في عيسى ﵇ هي روح الله من ذاته، كما يقال: إن هذه الخرقة من هذا الثوب، فدخل في جسد عيسى، فتكلم على لسان عيسى، وهو روح غائب عن الأبصار، فاستدرك جهم من هذه الحجة؛ فقال للسمنية: ألستم تزعمون أن في أجسادكم أرواحا؟ قالوا: نعم. قال: هل رأيتم أرواحكم؟ قالوا: لا. قال: افسمعتم كلامها؟ قالوا: لا. قال: أفشممتم لها رائحة؟ قالوا: لا. قال جهم: فكذلك الله لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، وهو في كل مكان، لا يكون في مكان دون مكان، ووجدنا ثلاث آيات في كتاب الله ، قوله: ﴿ليس كَمِثْلِهِ

стр. 923

شيءٌ﴾ (١) وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ في السَّمَاوَاتِ والأرض﴾ (٢) وقوله: ﴿لا تدركه الْأَبْصَارُ﴾ (٣) فبنى أصل كلامه على هذه الثلاث الآيات، ووضع دين الجهمية وكذب بأحاديث رسول الله ﷺ ، وتأول كتاب الله على تأويله؛ فاتبعه من أهل البصرة من أصحاب عمرو بن عبيد وأناس من أصحاب أبي حنيفة فأضل بكلامه خلقا كثيرا. (٤) عن يحيى بن شبل قال: كنت جالسا مع مقاتل بن سليمان وعباد بن كثير، إذ جاء شاب فقال: ما تقول في قوله : ﴿كل شَيْءٍ هَالِكٌ إِلًّا وَجْهَهُ﴾ (٥)، فقال مقاتل: هذا جهمي ثم قال: ويحك إن جهما والله ما حج البيت ولا جالس العلماء، وإنما كان رجلا أعطي لسانا. (٦) " التعليق: وقف مقاتل موقف الحازم من الجهم بن صفوان لما رأى فيه من غلو وإفراط في التنزيه حتى بلغ به الحال إلى التعطيل المحض، إلا أن مقاتلا نفسه قد جانب الحق وحاد عنه لغلوه في الإثبات حتى شبه الله تعالى بخلقه، والحق وسط دائما بين ضلالتين فهو إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل، وعلى هذا

стр. 924

درج السلف ﵃. عبد الله بن عون (١) (١٥١ هـ) عبد الله بن عَوْن بن أَرْطَبَان الإمام القدوة عالم البصرة أبو عون المزني مولاهم البصري الحافظ. رأى أنس بن مالك ولم يثبت له منه سماع. روى عن نافع مولى ابن عمر ومحمد بن سيرين والحسن البصري وسعيد بن جبير وأبي وائل والشعبي والقاسم بن محمد، وطائفة. وعنه سفيان الثوري وشعبة وابن المبارك ومعاذ بن معاذ ويزيد بن هارون ووكيع بن الجراح وحماد بن زيد وآخرون. قال ابن المبارك: ما رأيت أحدا ذكر لي قبل أن ألقاه ثم لقيته، إلا وهو على دون ما ذكر لي إلا حيوة وابن عون وسفيان، فأما ابن عون: فلوددت أني لزمته حتى أموت أو يموت. وقال ابن حبان: من سادات أهل زمانه عبادة وفضلا وورعا ونسكا وصلابة في السنة وشدة على أهل البدع. عن ابن المبارك قال: قيل لابن عون: ألا تتكلم فتؤجر؟ فقال: أما يرضى المتكلم بالكفاف؟ وروى مسعر عن ابن عون قال: ذكر الناس داء وذكر الله دواء. عن عبد الرحمن ابن مهدي قال: ما كان بالعراق أحد أعلم بالسنة من ابن عون. مات سنة إحدى وخمسين ومائة.

стр. 925

موقفه من المبتدعة: - جاء في الإبانة: قال: لا يمكن أحد منكم أذنيه من هوى أبدا. (١) - عن ابن عون قال: ثلاث أحبهن لنفسي ولإخواني، هذه السنة أن يتعلموها ويسألوا عنها، والقرآن أن يتفهموه ويسألوا الناس عنه، ويدعوا الناس إلا من خير. (٢) - عن ابن علية قال: كان ابن عون يقول لنا: رحم الله رجلا لزم هذا الأثر ورضي به وإن استثقله واستبطأه. (٣) - قال ابن عون: من يجالس أهل البدع أشد علينا من أهل البدع. (٤) - وكان ابن عون يقول عند الموت: السنة السنة. وإياكم والبدع، حتى مات. (٥) موقفه من الجهمية: - جاء في السنة لعبد الله عن معاذ بن مكرم قال: رآني ابن عون مع عمرو بن عبيد في السوق فأعرض عني، قال: فاعتذرت إليه قال: أما إني قد رأيتك فما زادني. (٦)

стр. 926

- وفي الإبانة: عن ضمرة عن رجاء بن أبي سلمة سمعناه عن عبد الله بن عون، قال: جاء واصل الغزال وكان صاحبا لعمرو بن عبيد، فقال: يا أبا بكر، أقرأ عليك؟ قال: لا حاجة لي في ذلك. (١) موقفه من القدرية: - جاء في السير: قال محمد بن عبد الله الأنصاري: حدثني صاحب لي عن ابن عون أنه سأله رجل فقال: أرى قوما يتكلمون في القدر أفأسمع منهم؟ فقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٢).اهـ (٣) - وجاء في الإبانة بالسند إلى حماد بن زيد عن ابن عون قال: أدركت الناس وما يتكلمون إلا في علي وعثمان ﵄ حتى نشأ ههنا هني حقير يقال له سيسويه البقال فكان أول من تكلم في القدر. قال حماد: فما ظنكم برجل يقول له ابن عون: هني حقير. (٤) - وفيها عن حميد بن الأسود عن ابن عون: أمران أدركتهما وليس بهذا المصر منهما شيء: الكلام في القدر، إن أول من تكلم فيه رجل من الأساورة يقال له سيسويه، وكان دحيقا، وما سمعته قال لأحد دحيقا غيره؛

стр. 927

قال: فإذا ليس له عليه تبع إلا الملاحون، ثم تكلم فيه بعده رجل كانت له مجالسة يقال له معبد الجهني، فإذا له عليه تبع، ثم قال: وهؤلاء الذين يدعون المعتزلة. (١) - وفيها عن ابن عون: أدركت البصرة وما بها أحد يقول هذا القول إلا رجلان مالهما ثالث: معبد الجهني، وسيسويه، قال ابن عون: وكان محقورا ذليلا، وهذه القدرية والمعتزلة كذبوا على الحسن ونحلوه ما لم يكن من قوله، قد قاعدنا الحسن وسمعنا مقالته، ولو علمنا أن أمرهم يصير إلى هذا لواثبناهم عند الحسن ﵀، وليكونن لأمرهم هذا غب، وإني لأظن عامة من أهل البصرة إنما يصرف عنهم النصر لما فيهم من القدرية. (٢) - وعن إسماعيل بن سعيد البصري عن رجل أخبره قال: كنت أمشي مع عمرو بن عبيد فرآني ابن عون فأعرض عني شهرين. (٣) - وجاء في السنة أيضا بالسند إلى بكير بن حمران قال: كنا عند ابن عون فقال له رجل: ما تقول في كذا وكذا؟ قال: لا أدري، قال: كان عمرو يقول عن الحسن كذا وكذا، قال: ما لنا ولعمرو، وعمرو يكذب على الحسن. (٤) - وقال ابن وضاح: حدثنا أسد قال: حدثنا مؤمل عن رجل أخبره قال: دخل عمرو بن عبيد على ابن عون فسكت ابن عون لما رآه، وسكت

стр. 928

عمرو عنه فلم يسأله عن شيء فمكث هنية ثم قام فخرج، فقال ابن عون: بم استحل أن دخل داري بغير إذني؟ -مرارا يرددها- أما أنه لو تكلم، أما أنه لو تكلم. (١) عميرة بن أبي ناجية (٢) (١٥٣ هـ) عَمِيرَة بن أبي نَاجِيَة، واسمه حُرَيْث الرُّعَيْنِي أبو يحيى المصري مولى حُجْر ابن رُعين ثم لبني بدر. روى عن بكر بن سوادة ويحيى بن سعيد الأنصاري ورزيق بن حكيم الأيلي ويزيد بن أبي حبيب وعبد الله بن أبي سلمة الماجشون. وعنه عبد الله بن وهب والليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة وحيوة ابن شريح. عن ابن وهب قال: كان عميرة بن أبي ناجية من العباد وكان بمنزلة النائحة إذا قرأ يبكي وإذا سجد يبكي وإذا سكت عن القراءة وفرغ من الصلاة جلس يبكي، وكان يزيد بن حاتم الأمير يسأل عنه ويقول: ما فعلت الثكلى؟ توفي سنة ثلاث وخمسين ومائة. موقفه من المبتدعة: جاء في الاعتصام للشاطبي قال: وقد روي عن عميرة بن أبي ناجية

стр. 929

المصري أنه رآى قوما يتمارون في المسجد، وقد علت أصواتهم فقال: هؤلاء قوم قد ملوا العبادة وأقبلوا على الكلام، اللهم أمت عميرة، فمات من عامه ذلك في الحج. فرأى رجل في النوم قائلا يقول: مات في هذه الليلة نصف الناس فعرفت تلك الليلة، فجاء فيها موت عميرة هذا. (١) معمر بن راشد (٢) (١٥٣ هـ) مَعْمَر بن رَاشِد الأَزْدِي الحُدَّانِي، أبو عروة بن أبي عمرو البصري، الإمام الحافظ، سكن اليمن، وكان شهد جنازة الحسن البصري. روى عن إسماعيل بن أمية وثابت البناني وأيوب السختياني وبهز بن حكيم وخلق كثير. وروى عنه أبان بن يزيد العطار وإسماعيل بن علية وسفيان الثوري وابن عيينة وعدة. قال أحمد بن حنبل: لا تضم أحدا إلى معمر إلا وجدته يتقدمه في الطلب، كان من أطلب أهل زمانه للعلم. وقال ابن حبان: كان فقيها متقنا، حافظا ورعا. وقال ابن جريج: عليكم بمعمر فإنه لم يبق في زمانه أعلم منه. توفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وخمسين ومائة. موقفه من المبتدعة: عن عبد الرزاق قال: أكل معمر من عند أهله فاكهة، ثم سأل، فقيل:

стр. 930

هدية من فلانة النواحة. فقام فتقيأ. (١) موقفه من الرافضة: أخرج الخلال في السنة بسنده إلى عبد الرزاق قال: سمعت معمرا يقول: أصحاب محمد ﵇ أصابتهم نفحة من النبوة. (٢) موقفه من المرجئة: عن عبد الرزاق قال: سمعت معمرا وسفيان الثوري ومالك بن أنس وابن جريج وسفيان بن عيينة يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. (٣) موقف السلف من فطر بن خليفة الخشبي الشيعي (١٥٣ ه ـ) قال أبو بكر بن عياش قال: ما تركت الرواية عن فطر إلا بسوء مذهبه. وقال أحمد بن يونس: تركته عمدا، وكان يتشيع وكنت أمر به بالكناسة في أصحاب الطعام، وكان أعرج، فأمر وأدعه مثل الكلب. (٤)

стр. 931

السنة الثالثة والخمسون بعد المائة من فضائح الخوارج: جاء في البداية والنهاية: وفيها خرجت الخوارج من الصفرية وغيرهم ببلاد إفريقية فاجتمع منهم ثلاثمائة ألف وخمسون ألفا ما بين فارس وراجل، وعليهم أبو حاتم الأنماطي وأبو عباد، وانضم إليهم أبو قرة الصفري في أربعين الفا، فقاتلوا نائب إفريقية، فهزموا جيشه وقتلوه، وهو عمر بن عثمان ابن أبي صفرة الذي كان نائب السند كما تقدم، قتله هؤلاء الخوارج ﵀، وأكثرت الخوارج الفساد في البلاد وقتلوا الحريم والأولاد. (١) " التعليق: وهكذا طبيعة الخوارج في كل زمان ومكان، يَعيثون في الأرض فسادا بالقتل والسفك والنهب والفكر الشاذ المتطرف، ولهم أوصاف ومبادئ ذكرتها في كتابنا 'أهل الأهواء والبدع والفتن والاختلاف'. أبو عمرو بن العلاء (٢) (١٥٤ هـ) أبو عمرو بن العلاء بن عَمَّار بن العُرْيَان التَّمِيمِي ثم المازني البصري شيخ القراء والعربية. اختلف في اسمه على أقوال، أصحها: زبان. قرأ القرآن على سعيد

стр. 932

ابن جبير ومجاهد بن جبر وعبد الله بن كثير وحميد بن قيس الأعرج وعكرمة مولى ابن عباس ويحيى ابن يعمر وعطاء. قرأ عليه خلق كثير منهم: عبد الله بن المبارك ويحيى بن المبارك والأصمعي وشجاع البلخي وعبد الوارث التنوري. روى عن أنس بن مالك والحسن البصري وداود بن أبي هند والزهري وطائفة. وعنه الأصمعي وشريك النخعي ووكيع بن الجراح ومعتمر بن سليمان وآخرون. قال إبراهيم الحربي: كان أبو عمرو من أهل السنة. قال أبو بكر بن مجاهد: كان أبو عمرو مقدما في عصره عالما بالقراءة ووجوهها، قدوة في العلم باللغة، إمام الناس في العربية وكان مع علمه باللغة وفقهه في العربية متمسكا بالآثار لا يكاد يخالف في اختياره ما جاء عن الأئمة قبله، متواضعا في علمه. قرأ على أهل الحجاز وسلك في القراءة طريقهم ولم تزل العلماء في زمانه تعرف له تقدمه وتقر له بفضله، وتأتم في القراءة بمذاهبه، وكان حسن الاختيار، سهل القراءة غير متكلف يؤثر التخفيف ما وجد إليه سبيلا. وعن عمه قال: قال لي أبو عمرو بن العلاء: يا عبد الملك كن من الكريم على حذر إذا أهنته، ومن اللئيم إذا أكرمته، ومن العاقل إذا أحرجته ومن الأحمق إذا مازحته، ومن الفاجر إذا عاشرته، وليس من الأدب أن تجيب من لا يسألك أو تسأل من لا يجيبك أو تحدث من لا ينصت لك. توفي سنة أربع وخمسين ومائة. موقفه من القدرية: - جاء في الإبانة: عن حماد بن زيد قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن القدر؛ فقال: ثلاث آيات في القرآن: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يستقيم (٢٨)

стр. 933

وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ أن يشاء الله رب العالمين﴾ (١)، ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٢)، ﴿كَلَّا إِنَّهَا تذكرة فَمَنْ شَاءَ ذكره﴾ (٣). اهـ (٤) - وجاء في أصول الاعتقاد عن أحمد بن موسى قال: مر عمرو بن عبيد على أبي عمرو بن العلاء فقال له عمرو: كيف تقرأ: ﴿وَإِنْ يستعتبوا﴾ (٥)؟ فقال أبو عمرو: وإن يستعتبوا -بفتح الياء- فما هم من المعتبين -بفتح التاء فقال له عمرو: ولكني أقرأ: وإن يستعتبوا -بضم الياء- فما هم من المعتبين -بكسر التاء- فقال أبو عمرو: ومن هنالك أبغض المعتزلة لأنهم يقولون برأيهم. (٦) - وعن عبد الملك الأصمعي: كنا عند أبي عمرو بن العلاء قال: فجاء عمرو بن عبيد، فقال: يا أبا عمرو. يخلف الله وعده؟ قال: لا. قال: أرأيت من وعده الله على عمل عقابا؛ أليس هو منجزه له؟ فقال له أبو عمرو: يا أبا عثمان. من العجمة أوتيت لا يعد عارا ولا خلفا، أن تعد شرا ثم لا تفي به بل تعده فضلا وكرما، إنما العار أن تعد خيرا ثم لا تفي به، قال: ومعروف ذلك

стр. 934

في كلام العرب؟ قال: نعم، قال: أين هو؟ قال أبو عمرو: قال الشاعر (١): لا يرهب ابن العُمْرِ ما عشت صولة ... ولا أختفي من صولة المتهدد وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي (٢) مسعر بن كدام (٣) (١٥٥ هـ) مِسْعَر بن كِدَام بن ظُهَيْر بن عُبَيْدَة الهلالي العامري، الإمام الثبت شيخ العراق أبو سلمة الكوفي الأحول الحافظ. روى عن ثابت بن عبيد الأنصاري، وعدي بن ثابت، وسعد بن إبراهيم، وقتادة، وطائفة. وعنه السفيانان، والفضل ابن دكين، ويحيى القطان، ووكيع بن الجراح، ومحمد بن بشر العبدي، وآخرون. قال سفيان: كان مسعر من معادن الصدق، وقال يحيى بن عبيد: كان مسعر قد جمع العلم والورع. وقال ابن حجر: ثقة ثبت فاضل. قال مسعر ﵀: نهارك يا مغرور سهو وغفلة ... وليلك نوم، والردى لك لازم وتتعب فيما سوف تكره غبه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم وقال أيضا: ومشيد دارا ليسكن داره ... سكن القبور وداره لم تسكن

стр. 935

وقال: العلم شرف الأحساب يرفع الخسيس في نسبه، ومن قعد به حسبه نهض به أدبه. توفي سنة خمس وخمسين ومائة. موقفه من الرافضة: جاء في أصول الاعتقاد: عن مالك أبي هشام قال: كنت أسير مع مسعر فلقيه رجل من الرافضة -قال: فكلمه- بشيء لا أحفظه فقال له مسعر: تنح عني فإنك شيطان. (١) موقفه من القدرية: جاء في السير: روى معتمر بن سليمان، عن أبي مخزوم، ذكره عن مسعر بن كدام قال: التكذيب بالقدر أبو جاد الزندقة. (٢) حمزة الزَّيَّات (٣) (١٥٦ هـ) حمزة بن حبيب بن عمارة الزيات، الإمام القدوة، شيخ القراءة، أبو عُمَارَة التيمي، مولاهم الكوفي. ولد سنة ثمانين، وحدث عن حبيب بن أبي ثابت والحكم بن عتيبة وأبي إسحاق السبيعي وعدة. وحدث عنه الثوري وشريك وجرير وابن فضيل وعبد الله بن المبارك، وعدة.

стр. 936

قال أبو بكر بن منجويه: كان من علماء زمانه بالقراءات، وكان من خيار عباد الله عبادة، وفضلا، وورعا، ونسكا، وكان يجلب الزيت من الكوفة إلى حلوان، ويجلب الجبن والجوز من حلوان إلى الكوفة. وقال ابن سعد: كان حمزة رجلا صالحا، وكانت عنده أحاديث، وكان صدوقا صاحب سنة. وقال أسود بن سالم: سألت الكسائي عن الهمز والإدغام، ألكم فيه إمام؟ قال: نعم، هذا حمزة يهمز ويكسر، وهو إمام من أئمة المسلمين، وسيد القراء والزهاد، لو رأيته لقرت عينك به من نسكه. توفي ﵀ سنة ست وخمسين ومائة. موقفه من المرجئة: تقدم معنا في مواقف منصور بن المعتمر (ت ١٣٢هـ) أن حمزة الزيات كان من جملة أهل العلم الذين يقولون بالاستثناء ويعيبون على من لا يستثني. سعيد بن أبي عروبة (١) (١٥٦ هـ) الإمام الحافظ، عالم أهل البصرة، سعيد بن أبي عَرُوبَة، أبو النضر بن مهران العدوي. حدث عن ابن سيرين والحسن وقتادة وأبي رجاء العطاردي وخلق سواهم. وحدث عنه شعبة والثوري ويحيى بن سعيد القطان ويزيد بن هارون وخلق سواهم.

стр. 937

قال أحمد بن حنبل: كان يحفظ، لم يكن له كتاب. وروى وهيب عن أيوب قال: لا يفقه رجل لا يدخل حجرة سعيد بن أبي عروبة. قال أحمد بن حنبل: كان قتادة وسعيد يقولان بالقدر ويكتمان، وقال ابن قانع: كان أعرج يرمى بالقدر، وقال العجلي: كان لا يدعو إليه. وقال الذهبي ﵀ متعقبا: لعلهما تابا ورجعا عنه -يعني سعيد وقتادة- كما تاب شيخهما. (١) مات سنة ست وخمسين ومائة. موقفه من الرافضة: جاء في الميزان عن ابن أبي عروبة، قال: من سب عثمان افتقر. (٢) عبد الله بن شوذب (٣) (١٥٦ هـ) عبد الله بن شَوْذَب البلخي ثم البصري أبو عبد الرحمن نزيل بيت المقدس، الإمام العالم. روى عن الحسن البصري وابن سيرين ومكحول وجماعة. وروى عنه ابن المبارك وضمرة بن ربيعة والوليد بن مزيد وأيوب بن سويد وغيرهم. كان كثير العلم جليل القدر. قال كثير بن الوليد: كنت إذا رأيت ابن شوذب ذكرت الملائكة. وقال الثوري: كان ابن شوذب عندنا، ونحن نعده من مشايخنا. وقال يحيى بن

стр. 938

معين: كان ثقة. توفي ابن شوذب سنة ست وخمسين ومائة. موقفه من المبتدعة: عن ضمرة: عن ابن شوذب قال: إن من نعمة الله على الشاب إذا نسك أن يواخي صاحب سنة يحمله عليها. (١) موقفه من الجهمية: جاء في أصول الاعتقاد والإبانة عن ابن شوذب قال: ترك الصلاة -يعني جهما- أربعين يوما على وجه الشك. خالفه بعض السمنية فشك فقام أربعين يوما لا يصلي- وقد رآه ابن شوذب. (٢) الأوزاعي (٣) (١٥٧ هـ) عبد الرحمن بن عمرو بن يُحْمِد الشامي شيخ الإسلام وإمام أهل الشام في زمانه في الحديث والفقه، أبو عمرو الأوزاعي، كان يسكن دمشق خارج باب الفراديس بمحلة الأوزاع ثم تحول إلى بيروت فسكنها مرابطا إلى أن مات بها. روى عن الزهري والأعمش وقتادة وعطاء بن أبي رباح ونافع

стр. 939

مولى ابن عمر ويحيى بن أبي كثير وطائفة. روى عنه الوليد بن مسلم وعبد الله ابن المبارك ومحمد بن يوسف الفريابي وسفيان الثوري وآخرون. قال ابن سعد: كان ثقة مأمونا فاضلا خيرا كثير العلم والحديث والفقه، حجة. وكان إسماعيل بن عياش يقول: سمعت الناس يقولون في سنة أربعين ومائة: الأوزاعي هو عالم الأمة. كان الأوزاعي ﵀ يقول: كان هذا العلم كريما يتلاقاه الرجال بينهم فلما دخل الكُتُبَ دخل فيه غير أهله. سئل الأوزاعي عن الخشوع في الصلاة فقال: غض البصر وخفض الجناح ولين القلب وهو الحزن والخوف. وسئل عن الأبله فقال: هو العمي عن الشر، البصير بالخير. وقال ﵀: من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير ومن عرف أن منطقه من عمله، قل كلامه. وقال أيضا: من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام. وقال: إن المؤمن يقول قليلا ويعمل كثيرا، وإن المنافق يتكلم كثيرا ويعمل قليلا. توفي ﵀ سنة سبع وخمسين ومائة. موقفه من المبتدعة: - جاء في السير عنه قال: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول فإن الأمر ينجلي وأنت على طريق مستقيم. (١) - وفيها عنه قال: ما ابتدع رجل بدعة إلا سلب الورع. (٢)

стр. 940

- وجاء في الاعتصام: عن الأوزاعي أنه قال: كان بعض أهل العلم يقول: لا يقبل الله من ذي بدعة صلاة ولا صياما ولا صدقة ولا جهادا ولا حجا ولا عمرة ولا صرفا ولا عدلا. (١) " التعليق: قائل هذا هم التابعون أو من فوقهم وقد ورد مرفوعا: "من أحدث فيها أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا". (٢) وكيف يتقبل الله ممن تنكب عن شرعه وزهد في سنة نبيه ﷺ ؟! وكيف يسوى بين من تلبس بالمحدثات والبدع وبين من التزم السنة واقتفى آثارها واتبع؟! ألم يقل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يتقبل اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾؟! - وجاء في الإبانة: قيل للأوزاعي إن رجلا يقول: أنا أجالس أهل السنة وأجالس أهل البدع فقال الأوزاعي: هذا رجل يريد أن يساوي بين الحق والباطل. (٣) " التعليق: ماذا تقول بعض الجماعات الإسلامية التي تهتم بالجمع والعد، ولا

стр. 941

يهمها أن يجتمع مبتدع وسني، بل وشيعي رافضي، كلهم عندها سواء، والمهم الطاعة الكاملة للجماعة وأميرها وامتثال أوامرها مهما بلغت من الخطأ ومن مخالفة الكتاب والسنة، فأمر الأمير عندهم مطاع، بل من منهجهم وضع بيعة في أعناق أتباعهم، تلزمهم بالامتثال، وهكذا من يحمل فكرهم يقول: كل من قال لا إله إلا الله فينبغي التعاون معه مهما كانت عقيدته: صوفيا أشعريا معتزليا شيعيا وما أشبه ذلك. فلعلهم أفقه من الأوزاعي الذي يعتبر أحد الأئمة مثل مالك والشافعي وأحمد، والله المستعان. - وجاء في الإبانة وأصول الاعتقاد بالسند إليه قال: من ستر عنا بدعته لم تخف علينا ألفته. (١) - وجاء في شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي عنه قال: إذا ظهرت البدع فلم ينكرها أهل العلم صارت سنة. (٢) - وجاء في السير عنه قال: إذا أراد الله بقوم شرا فتح عليهم الجدل ومنعهم العمل. (٣) - وجاء في أصول الاعتقاد عنه قال: ندور مع السنة حيث دارت. (٤) - وجاء في ذم الكلام بالسند إليه قال: وما رأي امرئ عن أمر بلغه

стр. 942

عن رسول الله ﷺ إلا اتباعه، ولو لم يكن فيه عن رسول الله ﷺ وقال فيه أصحابه من بعده، كانوا أولى فيه بالحق منا، لأن الله تعالى أثنى على من بعدهم باتباعهم إياهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ (١) وقلتم أنتم: لا بل نعرضها على رأينا في الكتاب؛ فما وافقه منها صدقناه وما خالفه تركناه. وتلك غاية كل مُحدِث في الإسلام رد ما خالف رأيه من السنة. (٢) - وجاء فيه عنه: قال: إنكم لا ترجعون عن بدعة إلا تعلقتم بأخرى هي أضر عليكم منها. (٣) - وجاء فيه عنه قال: ما نقمنا على أبي حنيفة أنه يرى، كلنا يرى ولكن نقمنا عليه أنه يجيئه الحديث عن النبي ﷺ فيخالفه إلى غيره. (٤) - وجاء في أصول الاعتقاد بالسند إليه قال: كان يقال خمس كان عليها أصحاب محمد ﷺ والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة واتباع السنة وعمارة المساجد وتلاوة القرآن والجهاد في سبيل الله. (٥) - وجاء في تذكرة الحفاظ: قال عامر بن يساف: سمعت الأوزاعي يقول إذا بلغك عن رسول الله ﷺ حديث فإياك أن تقول بغيره فإنه كان مبلغا عن الله. (٦)

стр. 943

- عن أبي إسحاق قال: سألت الأوزاعي فقال: اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا وكف عما كفوا، واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم. وقد كان أهل الشام في غفلة من هذه البدعة حتى قذفها إليهم بعض أهل العراق ممن دخل في تلك البدعة بعدما ردها عليهم فقهاؤهم وعلماؤهم، فأشربها قلوب طوائف من أهل الشام واستحلتها ألسنتهم وأصابهم ما أصاب غيرهم من الاختلاف فيه. ولست بآيس أن يرفع الله شر هذه البدعة إلى أن يصيروا إخوانا بعد تواد إلى تفرق في دينهم وتباغض. ولو كان هذا خيرا ما خصصتم به دون أسلافكم، فإنه لم يدخر عنهم خير خبئ لكم دونهم لفضل عندكم وهم أصحاب نبيه ﷺ الذين اختارهم وبعثه فيهم ووصفهم بما وصفهم به فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ (١). اهـ (٢) - عن بقية قال: قال لي الأوزاعي: يا أبا محمد ما تقول في قوم يبغضون حديث نبيهم؟ قال قلت: قوم سوء. قال: ليس من صاحب بدعة تحدثه عن رسول الله ﷺ بخلاف بدعته إلا أبغض الحديث. (٣) - عن أبي مسهر قال: قال الأوزاعي: يعرف الرجل في ثلاثة مواطن:

стр. 944

بألفته ويعرف في مجلسه ويعرف في منطقه. (١) - عن الأوزاعي قال: ويل للمتفقهين لغير العبادة، والمستحلين الحرمات بالشبهات. (٢) - عن الأوزاعي قال: بلغني أن من ابتدع بدعة خلاه الشيطان والعبادة، أو ألقى عليه الخشوع والبكاء، كي يصطاد به. (٣) - عن الأوزاعي قال: لا تمكنوا صاحب بدعة من جدال، فيورث قلوبكم من فتنته ارتيابا. (٤) - عن الأوزاعي قال: قال إبليس لأوليائه من أي شيء تأتون بني آدم؟ فقالوا: من كل شيء. قال: فهل تأتونهم من قبل الاستغفار؟ فقالوا: هيهات ذاك شيء قرن بالتوحيد. قال: لأبثن فيهم شيئا لا يستغفرون الله منه. قال: فبث فيهم الأهواء. (٥) - عن الأوزاعي قال: من وقر صاحب بدعة فقد أعان على مفارقة الإسلام، ومن وقر صاحب بدعة فقد عارض الإسلام برد. (٦) موقفه من الرافضة: - قال بقية بن الوليد: قال لي الأوزاعي: يا بقية، لا تذكر أحدا من

стр. 945

أصحاب نبيك إلا بخير، يا بقية، العلم ما جاء عن أصحاب محمد ﷺ ، وما لم يجئ عنهم فليس بعلم. (١) - وفيها عنه قال: لا يجتمع حب علي وعثمان ﵄ إلا في قلب مؤمن. (٢) - وفي التذكرة: عن الفريابي قال: اجتمع سفيان والأوزاعي وعباد بن كثير بمكة فقال سفيان: يا أبا عمرو حدثنا حديثك مع عبد الله بن علي -يعني عم السفاح- فقال: لما قدم الشام وقتل بني أمية جلس يوما على سريره وعبى أصحابه أربعة أصناف، صنف بالسيوف المسللة وصنف معهم الجرزة، وصنف معهم الأعمدة وصنف معهم الكافركوب، ثم بعث إلي، فلما صرت إلى الباب أنزلوني عن دابتي، وأخذ اثنان بعضدي وأدخلوني بين الصفوف حتى أقاموني بحيث يسمع كلامي، فقال لي: أنت عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي؟ قلت نعم، أصلح الله الأمير. قال: ما تقول في دماء بني أمية؟ قلت: قد كان بينك وبينهم عهود، وكان ينبغي أن تفوا بها، قال: ويحك، اجعلني وإياهم لا عهد بيننا؟ فأجهشت نفسي وكرهت القتل، فذكرت مقامي بين يدي الله فلفظتها فقلت: دماؤهم عليك حرام، فغضب وانتفخت أوداجه واحمرت عيناه، فقال لي ويحك ولم؟ قلت: قال رسول الله ﵌: "لا يحل دم

стр. 946

امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، ثيب زان، ونفس بنفس وتارك لدينه" (١) قال: ويحك أو ليس الأمر لنا ديانة؟ قلت: كيف ذاك؟ قال: أليس كان رسول الله ﷺ أوصى لعلي؟ قلت: لو أوصى إليه لما حكم الحكمين، فسكت، وقد اجتمع غضبا، فجعلت أتوقع رأسي يسقط بين يدي، فقال بيده هكذا أومى أن أخرجوه، فخرجت، فما أبعدت حتى لحقني فارس، فنزلت وقلت: قد بعث ليأخذ رأسي، أصلي ركعتين، فكبرت، فجاء وأنا أصلي فسلم وقال: إن الأمير، بعث إليك هذه الدنانير، قال ففرقتها قبل أن أدخل بيتي. (٢) " التعليق: انظر كيف كان السلف أمام الحكام، يصدعون بالحق مهما كلفهم ذلك، وانظر أيضا إلى الحكام مهما كان أمرهم كانوا يقفون عند الحدود الشرعية إذا ذكروا. موقفه من الصوفية: وجاء في السير: قال الوليد بن مسلم: رأيت الأوزاعي يثبت في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس، ويخبرنا عن السلف أن ذلك كان هديهم فإذا طلعت الشمس قام بعضهم إلى بعض، فأفاضوا في ذكر الله والتفقه في دينه. (٣)

стр. 947

" التعليق: هكذا كان هدي السلف في الذكر، يذكر كل واحد منهم على حدة بأذكار واردة صحيحة عن رسول الله ﷺ ، وما أكثرها -ولله الحمد- وما زاد على ذلك من ذكر جماعي بلسان واحد وبأذكار وضعها شيوخ الصوفية وفي أوقات معينة فسموها طريقة، كل ذلك من بدعهم نسأل الله العافية. موقفه من الجهمية: - جاء في السير: قال محمد بن كثير المصيصي: سمعت الأوزاعي يقول: كنا -والتابعون متوافرون- نقول: إن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته. (١) - وفي أصول الاعتقاد عن الأوزاعي: إني لأرجو أن يحجب الله جهما وأصحابه أفضل ثوابه الذي وعده أولياءه حين يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٢) فجحد جهم وأصحابه أفضل ثوابه الذي وعد أولياءه. (٣) - وفيه: عن الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس عن هذه الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية؟ فقالوا: أمروها

стр. 948

كما جاءت بلا كيف. (١) موقفه من الخوارج: - جاء في المعرفة والتاريخ: عن الأوزاعي أنه كتب إلى عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان: أما بعد فقد كنت بحال أبيك لي وخاصة منزلتي منه، فرأيت أن صلتي إياه تعاهدي إياك بالنصيحة في أول ما بلغني عنك من تخلفك عن الجمعة والصلوات فجددت ولججت. ثم بررتك فوعظتك وأجبتني بما ليس لك فيه حجة ولا عذر، وقد أحببت أن أقرن بنصيحتي إياك عهدا عسى الله أن يحدث خيرا، وقد بلغنا أن خمسا كان عليها أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون لهم بإحسان: اتباع السنة وتلاوة القرآن، ولزوم الجماعة وعمارة المساجد والجهاد في سبيل الله. وحدثني سفيان الثوري أن حذيفة بن اليمان كان يقول: من أحب أن يعلم أصابته الفتنة أو لا فلينظر، فإن رأى حلالا كان يراه حراما، أو يرى حراما كان يراه حلالا، فليعلم أن قد أصابته. وقد كنت قبل وفاة أبيك ﵀ ترى ترك الجمعة والصلوات في الجماعة حراما فأصبحت تراه حلالا، وكنت ترى عمارة المساجد من شرف الأعمال فأصبحت لها هاجرا، وكنت ترى أن ترك عصابتك من الحرس في سبيل الله حرجا فأصبحت تراه جميلا. وحدثني سفيان منقطعا عن ابن عباس أنه قال: من ترك الجمعة أربعا

стр. 949

متواليات من غير عذر فقد نبذ الإسلام من وراء ظهره. (١) وحدثني الزهري عن أبي هريرة أنه من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر طبع الله على قلبه. (٢) وقد خاطرت بنفسك من هذين الحديثين عظيما فاتهم رأيك فإنه شر ما أخذت به، وارض بأسلافك إيمانا. وقد كنت في ثلاث سنوات مررن -والمساجد والديار تحرق والدماء تسفك والأموال تنتهب- مع أبيك لا تخالفه في ترك جمعة ولا حضور صلاة مسجد، ولا ترغب عنه حتى مضى لسبيله، وأنت ترى أنك بوجه هذا الحديث: "كن حلس بيتك" (٣) ومثله من الأحاديث أعلم بها من أبيك وممن أدرك من أهل العلم، فأعيذك بالله وأنشدك به أن تعتصم برأيك شاذا به دون أبيك وأهل العلم قبله، وأن تكون لأصحاب الأهواء قوة وللسفهاء في تركهم الجمعة فتنة يحتجون بك

стр. 950

إذا عويروا على تركها. أسأل الله أن لا يجعل مصيبتك في دينك، ولا يغلب عليك شقاء ولا اتباع هوى بغير هدى منه، والسلام عليك. (١) قلت: عبد الرحمن بن ثوبان هذا شيخ عالم زاهد محدث، لكن كان فيه خارجية قاله الذهبي في السير. - وقال أبو إسحاق: وسألت الأوزاعي قلت: هل ندع الصلاة على أحد من أهل القبلة وإن عمل بكل عمل؟ قال: لا، قال: وإنما كانوا يحدثون بالأحاديث عن رسول الله ﷺ تعظيما لحرمات الله ولا يعدون الذنب كفرا ولا شركا، وكان يقال: المؤمن حديد عند حرمات الله. (٢) موقفه من المرجئة: - قال ابن بطة: حدثنا معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق قال: قال الأوزاعي: لا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بنية موافقة للسنة، وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان والإيمان من العمل، وإنما الإيمان اسم يجمع [كما يجمع] (٣) هذه الأديان اسمها ويصدقه العمل، فمن آمن بلسانه وعرف بقلبه وصدق بعمله فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن قال بلسانه ولم يعرف بقلبه ولم يصدقه بعمله لم يقبل منه
следующие страницы →