Полный текст (370 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
قطع المهامه النائية، والقفار التي لا تنزلها القبائل إلا منفردة، ولا تحل بها إلا مستوحشة، فلكلابها لشدة إنكارها للأنيس على من قاربها منهم، حملات كحملات الديلم في شدتها، وما هي عليه من تمكن قوتها.
ثم قال على نحو ما قدمه: ولا اتبعت آثارنا عين قائف يقفو سبيلنا، ويتحسس خبرنا، فلا يرى إلا حافر فرس على آثار منسم بعير. يشير إلى أنه ومن كان معه جنبوا الخيل مرتجين لها، وركبوا الإبل سائرين بها.
وَسَمْنَا بها البَيْداَء حَتَّى تَغَمَّرَتْ ... مِنَ النيْلِ واسْتَذْرَتْ بِظِلَّ المُقَطَّمِ
وأَبلَجَ يَعْصِي باخْتِصِاصِي مُشِيْرَهُ ... عَصَيْتُ بِقَصْدَيْهِ مُشيريِ ولُوَّمِي
فَسَاقَ إِليَّ العُرْفَ غَيْرَ مُكَدَّرٍ ... وَسُقْتُ إِليهِ الشُّكْرِ غَيْرَ مُجَمْجَمِ
الوسم: العامة، وسمت الشيء: إذا أثبت فيه علامة يعرف بها، والبيد: جمع بيداء، وهي الأرض المقفرة، وغمرة الماء مجتمعه، والتغمر: الدخول في الغمرة، والنيل: نهر معروف، والاستذراء بالشيء: التستر به، والمقطم: جبل يقرب من مصر، والأبلج: الطلق الوجه بالمعروف، والمجمجم من الكلام: الملتبس الذي لا يتبين.
فيقول: وسمنا البيداء بآثار ما ركبناه من الإبل، وجنبناه من الخيل، حتى وردت بنا غمار النيل، نهر مصر، واستذرت بظل جبلها، وأشار إلى أنه اعتمد في سيره القفار المتروكة، والطرق المعهودة، فصار آثار إبله وخيله فيها كالسمات المستغربة، والعلامات المشتهرة.
ثم قال مشيرا إلى كافور: ورب أبلج من الملوك، يعصي المشير عليه بالاقتصار فيما خصني به من بره، ويعرض عنه فيما أسبغه علي من فضله، عصيت من أشار علي بالتأخر عن قصده، وأعرضت عن اللائم لي في الرحلة إلى أرضه.
ثم قال: فساق إلي عرفه كثيرا غير مقلل، وهنيئا غير مكدر، وسقت إليه شكري صريحا لا أجمجم في ذكره، ووافرا لا أقصر في نشره، فقارضته عما أسدى إلي
стр. 107
من الفضل، بما خلدت فيه من بدائع الشعر.
قد اخْتَرْتُكَ الأمْلاَكَ فاخْتَرْ لَهُمْ بِنا ... حَدْيْثاً وقَدْ حَكَّمْتُ رَأيَكَ فاحْكُمِ
فَأَحْسَنُ وَجْهٍ في الوَرَى وَجْهُ مُحْسِنٍ ... وأَيْمَنُ كَف فِيْهِمُ كَفُّ مُنْعِمِ
وأَشْرَفُهُمْ مَنْ أَشْرَفَ هِمَّةً ... وأَكْثَرَ إِقْداماً على كُلَّ مُعْظَمِ
اليمن: البركة، ومعظم الشيء: أعظمه وأكثره.
فيقول لكافور: قد اخترتك من بين الملوك بقصدي لك، واختر لهم بي وبك حديثا كريما فيما تخصني به من إكرامك، وتظهره علي من تفضلك وإنعامك، وقد حكمت رأيك فيما أملته بك، ووثقت بكرمك فيما ضمنته لنفسي عنك، فاحكم غير متهم في حكمك، ولا مقصر فيما ترضاه لي من برك. ثم قال: فأحسن الوجوه وجه محسن، يرتهن جزيل الشكر بفضله، وأيمن الأكف كف منعم، يخلد كريم الذكر ببذله.
ثم قال على نحو ما قدمه: وأحق الناس بالشرف والرفعة، وأجدرهم بعلو الرتبة، من كان أشرفهم نفسا وهمة، وأثبتهم نفاذا وقوة، وأكثرهم إقداما على كل ما عظم من الأمور فتهيب، وكبر منها فحذر وتوقع.
لِمَنْ تَطْلُبُ الدُّنيا إِذا تُرِدْ بها ... سُرورَ مُحِب أو مَساءة مُجْرِمِ
وَقَدْ وَصَلَ المُهْرُ الذي فَوْقَ فَخْذِهِ ... مِنْ اسْمِكَ ما في كُلَّ عُنْقٍ ومِعْصَمِ
لكَ الحيوانُ الرَّاكِبُ الخَيْلَ كُلُّهُ ... وإِنْ كان بالنَّيرانِ غَيْرُ مَوَسمِ
الوسم: العلامة.
فيقول لكافور: لمن تطلب الدنيا جاهدا في طلبها، وتنافس فيها مظهرا للصبابة بها، إذا كنت لا تقصد بها سرور محب تعليه وتظهره، ومساءة عدو تضعه وتخمله؟! وألم بهذا البيت بقول بعض العرب، وقد سئل، فقيل له: ما السرور؟ فقال: رفع الأولياء، وحط الأعداء، وطول البقاء مع القدرة والنماء.
стр. 108
ثم قال مشيرا إلى المهر الذي قاد إليه: وقد ورد المهر الذي فوق فخذه من اسمك، ومن تعليمك ووسمك، كالذي في الأعناق والمعاصم من آثار نعمك، وشواهد عوارفك ومننك. يريد أنه يسم الناس بالإحسان، كما يسم الخيل بالنيران، واعتمد الأعناق والمعاصم؛ لأنها المواضع المعتمدة من المتملكين بالوسم، وقد تقدم الشاهد على ذلك.
ثم قال: وكل من يركب الخيل معترفون بملكك، مستعدون بما أحاط بهم من فضلك، على نحو ما ركبوه مما حملتهم عليه، وامتطوه مما انفردت عندهم بالإحسان فيه، وقد شهدت لك نعمك بملكهم، وأغنتك عن تكلف وسمهم.
ولو كُنْتَ أَدْري ما حَياتي قَسَمْتُها ... وصَيَّرْتُ ثُلْثَيْها انْتِظَاركَ فاعْلَمِ
ولكِنَّ ما يَمْضِي مِنَ العُمْرِ فائِتٌ ... فَجُدْ لي بحَظَّ البادر المُتَغَنَّمِ
البادر: الفاعل، من بدر إلى الشيء يبدر: إذا أسرع، والمتغنم: المتفعل من طلب الغنيمة.
فيقول: إن الموت لا يؤمن، وطوارق الدهر لا تغفل، وهذا يحفزني إلى استنجاز وعدك، ويسرع بي إلى اقتضاء فضلك، ولو كنت أعلم مدة حياتي، لجعلت أكثرها في انتظار ما ارقبه منك، وأضمنه لنفسي عنك.
ثم قال: ولكن ما يمضي من العمر فائت لا يلحق، وما ينصرم منه ذاهب لا يدرك، فجد لي منك بحظ عاجل، أفوز به فوز البادر إليه، وأسر بموضعه سرور المتغنم الحريص عليه.
رَضِيْتُ بما تَرْضى بِهِ لي مَحَبَّةَّ ... وَقُدْتُ إِليكَ النَّفْسَ قَوْدَ المُسَلَّمِ
ومِثْلُكَ مَنْ الوَسِيطُ فُؤادُهُ ... فَكَلَّمَهُ عَنَّي ولم أَتَكَلَّمِ
المسلم: الراضي بما يفعل فيه، والوسيط: المتوسط، وهو فعيل بمعنى فاعل، من وسط يسط، والفؤاد: القلب.
стр. 109
فيقول لكافور: رضيت لنفسي من فضلك بما ترضى به، وسلمت لجميع ما تراني أهلا له، وقدت نفسي إليك قود واثق بفضلك، مسلم لما يتيقنه من اعتلائك ومجدك. ثم قال مشيرا إلى استنجاز وعده، واقتضاء ما أمله من فضله: ومثلك من كان له من قلبه مذكر باعث، ومن كرمه محرك حافز، فقال عني ما أرغبه وإن صمت، وحرك في جهتي إلى ما آمله وإن سكت.
стр. 110
وجرت وحشة بين الأمير أبي القاسم وكافور مديدة ثم اصطلحا، فقال أبو الطيب في ذلك:
حَسَمَ الصُّلْحُ ما اشْتَهَتْهُ الأَعادِي ... وأَذَاعَتْهُ أَلْسُنُ الحُسَّادِ
وأَرَادَتْهُ أَنْفُسٌ حَالَ تَدْبي ... رُكَ ما بَيْنَها وبَيْنَ المُرَادِ
الحسم: القطع، والإذاعة: الإفشاء.
فيقول: حسم صلح كافور لأبي القاسم بن الإخشيد مولاه، ما كانت أعداء دولتهما تشتهيه وترتغبه، وترتجيه وتؤمله، وانقطع ما كانت ألسن الحساد تذيعه من الأسباب الداعية إلى الفرقة، والموجبة للاختلاف والوحشة.
ثم قال: وانحسم بهذا الصلح ما تطلعت إليه أنفس أعداء، حال تدبيرك، أيها الأستاذ، بينها وبين ما أرادته من إيهان الدولة، وما أجرت إليه من نفوذ دواعي الفتنة.
صَارَ مَا أَوْضَعَ المُخِبُّونَ فِيْهِ ... مِنْ عِتَابٍ زِيَادَةً في الوِدَادِ
وَكلامُ الوُشَاةِ لَيْسَ على الأَحْ ... بابِ سُلْطَانُهُ على الأَضَّدادِ
إِنَّما تَنْجَحُ المَقَالَةُ في المَرْ ... ءِ إِذا وَافَقَتْ هَوًى في الفُؤَادِ
الإيضاح في الشيء: الإسراع فيه، والمخب: المجتهد في الشيء، والعتاب: إظهار السخط، والوشاة: النمامون، والأضداد: المختلفون من جميع جهاتهم، والفؤاد: القلب.
فيقول مخاطبا لكافور: صار ما أوضح فيه المخبون، من تسبيب العتاب بينك وبين الأمير أبي القاسم بن الإخشيد، زيادة في وداده لك، وموجبا لاستحكام ثقته بك؛ لأنك أعرضت عما سببوه، ولم يخف عنك كذبهم فيما نقلوه، فاسترضيته بكريم معاملتك، وعذت فيما أنكره بحلمك ومجاملتك.
ثم قال: وكلام الوشاة وسعيهم، واحتيالهم وبغيهم، لا ينجحان في أهل المحبة، ولا سلطان لهما على المعتقدين للمودة، وإنما سلطان ذلك على لأضداد المتنافرين،
стр. 111
والأعداء المتباغضين. فاعتقد تقديم ما أخر، وأضمر ثقة بما أظهر، وأراد: وكلام الوشاة سلطانه على الأضداد، ليس سلطانه على الأحباب، فحذف ثقة بفهم المخاطب.
ثم قال: إنما تنجح في المرء مقالة الناقل، وتثبت فيه وشاية الحاسد، إذا وفق ذلك هوى قد رسخ في قلبه، وتصديقا قد سبق إلى نفسه، وذلك أيها الأستاذ لا يخاف بينك وبين أبي القاسم الأمير، لأنك ظئره وحافظه، وظهيره وناصره.
وَلَعَمْري لَقَدْ هُزِزْتَ بِمَا قِيْ ... لَ فَأُلْفِيْتَ أَوْثَقَ الأَطْوَادِ
وَأَشَارَتْ بِمَا أَبَيْتَ رَجَالٌ ... كُنْتَ أَهْدَى مِنْهَا إلى الإِرْشَادِ
قَدْ يُصِيْبُ الفَتَى المُشِيْرُ وَلَمْ يَجَ ... هَدْ وَيُشْوي الصَّوابَ بَعْدَ اجْتِهَادِ
الأطواد: الجبال، واحدها طود، والإرشاد: الإشارة بالرشد، والمشوي: الذي يخطئ المقاتل، ويصيب الأطراف.
فيقول لكافور: ولعمري لقد هزك الأعداء بقولهم، وراموا أن يستفزوك بإفكهم، فألفوك أوثق الأطواد، برجاحة رأيك، وأبعدها من الخوف بأناتك وحلمك.
ثم قال يخاطبه: وأشارت عليك محاربة الأمير أبي القاسم رجال لم ينصحوك في قولهم، ولا أصابوا في رأيهم، فكنت بما آثرته من الحلم، واحتملت عليه من الصبر، أهدى إلى السداد، وأعلم بطرق الإرشاد.
ثم قال باسطا لبعض عذر الطائفة المشيرة بالحرب، وأن ذلك غاية جهدهم، ومبلغ علمهم، وأن كافورا أربى على جهدهم بعفوه، وعلى رويتهم ببديهة رأيه: قد يصيب المشير دون اجتهاد لنفسه، ويدرك المطلوب من حقيقة الرأي بأيسر سعيه، وقد يخطئ مع الإمعان في النظر، ويحرم الصواب مع شدة البحث والطلب.
نِلْتَ ما يَنَالُ بالبِيْضِ والسُّمْ ... رِ َصُنْتَ الأَرْواَحَ بالأَجْسَادِ
وَقَنَا الخَطَّ في مَرَاكِزِها حَوْ ... لَكَ والمُرْهَفَاتُ في الأَغْمَادِ
стр. 112
ما دَرَوْا، إذْ رَأَوْا فُؤَادَكَ فِيْهْم ... سَاكِناً، أَنَّ رَاُيَهُ في لبطّرادِ
البيض: السيوف، والسمر: الرماح، وقنا الخط: رماح تنسب إلى الخط، وهو موضع معروف. ومراكز الرماح: المواضع التي تغرز فيها، والمرهفات: شفرات السيوف، والطراد: تجاول الفرسان.
فيقول، وهو يخاطب كافورا: نلت بسعة حلمك، وصواب رأيك، من بلوغ مرادك، واستبانة رشادك، ما لا يبلغ مثله بالسيوف والرماح، وصنت الأرواح في أجسادها عن القتل، وفقك الله لمشكور الفعل.
ثم قال مخاطبا له: وقنا الخط في مراكزها حولك ثابتة، والسيوف في أغمادها ساكنة، فأثارت الصلح مع كثرة أنصارك، وعدلت عن الحرب مع استظهارك بقوة أعوانك، فعرفك الله بركة رأيك، وتكفل لك بإنجاح سعيك.
ثم قال: ماد درى الجيش المحيط بك، إذ رأوك مقيما فيهم، ساكن القلب بينهم، أن رأي قلبك في الطراد، تمتثل وجوه عواقبه، وتتأهب لتصريفه على حقائقه، فآثرت الصلح مع قوتك على الحرب، وتكفل الله لك في ذلك بأجمل الصنع.
فَفَدَى رَاُيَكَ الذي لم تُفَدْهُ كُلُّ ... رَأْيٍ مُعَلَّمٍ مُسْتَفَادِ
وإِذا الحِلْمُ لم يَكُنْ في طِبَاعٍ لم ... يُحَاَّمْ تَقَدُّمَ المِيْلاَدِ
الطباع: الطبيعة.
فيقول مخاطبا لكافور: ففدى رأيك الذي لم تفده بالدلالة عليه، ولا أدركته بالإرشاد إليه، وأفادك إياه شرف طبعك، وما أنت عليه من سعة حلمك، كل رأي يستفاد بالتعلم، ويستظهر عليه بطول التبين.
ثم قال: وإذا الحلم لم يبعث عليه كرم الخلقة، ولا استفاده صاحبه بشرف الجبلة، لم تبعث عليه الأعمار الطويلة، ولا أرشدت إليه المواليد القديمة. وهذا البيت من الأمثال السائرة، والمثل أرفع أبواب البديع.
стр. 113
فَبهذا وَمِثْلِهِ سُدْتَ يا كا ... فُورُ واقْتَدْتَ كُلَّ صَعْبِ القِيَادِ
وَأَطَاعَ الذي أَطَاعَكَ والطَّا ... عَةُ لَيْسَتْ خَلائِقُ الآسادِ
إِنَّما أضنْتَ والِدٌ والأبُ القا ... طِعُ أَحْنَى مِنْ وَاصِلِ الأَوْلاَدِ
اقتدت الشيء، وملكت قياده، إذا ارتهنت طاعته، والحنو: الانعطاف بالمودة.
فيقول: فيما ذكرته من سعة حلمك، ووصفته من قوة حزمك، وبأمثال ذلك من ضروب فضلك، أحرزت السيادة، واستحققت الرئاسة، واقتدت كل من صعب قياده، وأدركت كل ما بعد مثاله.
ثم قال: وبذلك أطاعك من أهل المنعة والإقدام والقوة، فألزمتهم طاعتك، وإن كانت الطاعة ليست بمعهودة من مثلهم، لأنهم آساد، والآساد تحذر صولتها، ويتعذر انقيادها وطاعتها.
ثم قال: وإنما أنت للأمير أبي القاسم كالوالد المشفق، وكالأب الملطف، والأب وإن أظهر القسوة على ابنه، فهو أشد إشفاقا من الابن، وإن أظهر المبالغة في بره.
لا عَدَا الشَّرُّ مَنْ بَغَى لَكُما الشَّرَّ ... وَخَصَّ الفَسَادُ أَهْلَ الفَسَادِ
أَنْتُمَا ما اتَّفَقْتُمَا الجِسْمُ والرُّو ... - حُ، فلا احْتَجْتُما إلى العُوَّادِ
وإِذَا كانَ في الأَنابيبِ خُلْفٌ ... وَقَعَ الطَّيْشُ في صُدورِ الصَّعادِ
العواد: الزوار في العلل، والأنابيب: ما بين كعوب القناة، الواحد: أنبوب، والطيش: اضطراب على غير قصده، والصعاد: جمع صعدة، وهي القناة، وصدورها: أعاليها.
فيقول مشيرا إلى كافور وإلى الأمير أبي القاسم: لا عدا الشر، ولا بعد عنه، ولا فاته ولا تخلص منه، من بغى لكما الشر من حساد نعمتكما، وأعداء دولتكما، وخص بالفساد وأصيب به، ولقيه وعرض له، المتسببين للفساد بجهدهم، الحاملين عليه بمذموم سعيهم.
стр. 114
ثم قال، وهو يريد أبا القاسم وكافورا: أنتما إذا اتفقت مذاهبكما، والتأمت أموركما، كالجسم والروح، اللذين بالتآمهما تكون الحياة والصحة، وباصطحابهما تحرز السلامة والقوة، فلا احتجتما إلى العواد، الذين إنما يعتادون من شكا العلة، ويفتقدون من عدم الصحة. وأشار بهذه العبارة إلى ما رغبه لهما من حسن المؤالفة، واطراح ما حذره عليهما من الاختلاف والمنافرة.
ثم قال: وإذا كانت أنابيب الرماح مختلفة غير متفقة، ومتظافرة غير ملتئمة، طاشت صدورها في الحرب، وقصرت عند ما تستعمل فيه من الطعن، وكذلك يقول لكافور وأبي القاسم بن الإخشيد: وإن اختلفت اراؤكما، وتنافرت اهواؤكما، أخل ذلك بهيبتكما، وعاد بالفساد على دولتكما. وهذا البيت جمع [وجهين]؛ انه مثل سائر، وعجيب من الإشارة نادر، وكلا الوجهين مقدم في بديع الكلام.
أَشْمَتَ الخُلْغ_فُ بالشُّرَاةِ عِدَاهَا ... وَشَفَى رَبَّ فَارِسٍ مِنْ إِيَادِ
وَتَوَلَّى بَنِي اليَزِيْديَّ بالبَصْ ... - رَةِ حَتَّى تَمَزَّقوا في البِلادِ
وَمُلُوكَاً كَأَمْسٍ في القُرْبِ مِنَّا ... وكَطَسْمٍ وأُخْتِها في البِعَادِ
الخلف: الاختلاف، والشراة: الخوارج، ورب فارس: كسرى ملكهم، ومن ملك شيئا فهو ربه، وإياد بن نزار: أخو مضر وربيعة ابني نزار بن معد، وكان ولده قد كثر عددهم، وقوي أمرهم، واشتدت على الفرس شوكتهم، ثم اختلف ما بينهم، وقاتلتهم الفرس فظهروا عليهم، وأفنوا عددهم، وبنو اليزيدي: كتاب وثبوا بالبصرة في خلافة المقتدر، فعظم شأنهم، وفخم أمرهم، وكانوا اخوة ثلاثة، ثم شجر ما بينهم فقتل أكبرهم أوسطهم، فكان ذلك سببا لانتقاض أمرهم، وتلف جميعهم، وطسم وأختها جديس: قبيلتان من العرب العاربة، هلكتا في قديم الدهر بحروب جرت بينهم.
فيقول لكافور ولأبي القاسم بن الإخشيد، مرغبا في الائتلاف، ومحذرا من عواقب
стр. 115
الاختلاف: أشمت الاختلاف بالخوارج المهلب وأصحابه، ففل حدهم، وأباد جمعهم، وأشار إلى الاختلاف الذي وقع بين قطري بن الفجاءة وعبد ربه
ثم قال: وكذلك أوجب الاختلاف على بني اليزيدي بالبصرة فساد دولتهم، وذهاب نعمتهم.
ثم قال: وكذلك أصاب الاختلاف ملوكا يكثر ذكرهم، ويطول عددهم، منهم من هو كأمس في قرب عهده، ودنو أمره، ومنهم أمم سالفة، وقرون ماضية، كطسم وجديس أختها، وجميعهم أهلكهم التخالف، وأبادهم التدابر، فحذر كافورا وأبا القاسم بن الإخشيد من الاختلاف الذي [في] تمزقه زوال الدول، وتغيير النعم، ووعظهما بمن تقدمهما من الملوك الأولين، والرؤساء السالفين.
بكُمَا بِتُّ عَائِذاً فِيْكَمَا مِنْ ... هُ وَمِنْ كَيْدِ كَلَّ بَاغٍ وَعَادِ
وَبِلُبَّيْكَمَا الأَصِيْلَيْنِ أَنْ تَفْ ... رُق صُمُّ الرَّماحِ بَيْنَ الجِيادِ
أَوْ يَكُونَ الوَلِيُّ أَشْقَى عَدُوًّ ... بالَّذي تَدْخرانِهِ مِنْ عَتَادِ
العائذ: المستجير، والضمير في منه راجع إلى الاختلاف، والباغي: معروف، والعادي: الظالم، واللب: العقل، والأصيل: الثاقب،
وصم الرماح: صلابها، والجياد: الخيل الكريمة، والذخر: المال المصون، والعتاد: ما اتخذ للدهر عدة.
فيقول لكافور ولأبي القاسم: بكما أيها الرئيسان، وبما بلوته من سعة حلمكما، وتظاهر فضلكما، بت مستجيرا فيكما من كيد كل من يبغي المكروه لكما، ويتعدى فيما ينقله من النمائم بينكما.
ثم قال: وبلبيكما الأصيلين، وطبعيكما الكريمين، أستجير فيكما من أن تؤول أموركما إلى الحرب التي تفرق فيها صم الرماح بين الخيل، بتطارد الفرسان، وتطاعن الأقران.
стр. 116
ثم قال: ويكون عند ذلك وليكما أشقى عدو لكما، ما تستعملانه في حربكما مما ذخرتماه من عتادكما، وما تستظهران به من خيلكما وسلاحكما، فبكما وبلبيكما استجير فيكما من هذه الحال ووحشتها، ومكروهها وسوء مغبتها.
هَلْ يَسُرَّنَّ بَعْدَ مَاضٍ ... ما تَقُولُ العُدَاةُ في كُلَّ نادِ
مَنَعَ الوُدُّ الرَّعَايَةُ والسُّؤْ ... دَدُ أَنْ تَبْلُغَا إلى الأَحْقَادِ
وحُقُوقٌ تُرَقَّقُ القَلْبَ لِلْقَلْ ... بِ ولَوْ ضُمَّنَتْ قُلُوبَ الجَمَادِ
النادي: المجلس يجتمع فيه القوم، والرعاية: المحافظة، والحقد: إضمار العداوة، وجمعه أحقاد، والجماد: ما لا يعقل ولا يحس كالصخور والجبال وما أشبهها، وجعل لها قلوبا على سبيل الاستعارة.
فيقول لكافور ولأبي القاسم: هل يسرن من يبقى منكما بعد صاحبه إذا فارقه على حال مشهورة من المقاطعة، وسبيل مكشوفة من المقاتلة، ما يقول به الأعداء في كل ناد من الأول التي لم أوجبها الشماتة، وتحمل عليها العداوة؟.
ثم قال: منع الود والرعاية، والكرم والسيادة، من أن تبلغا إلى الضغائن والحقد، وتقدح النميمة فيما بينكما من كرم العهد.
ثم قال: ويمنع من ذلك حقوق ترقق القلوب وتعطفها، وتعدل بها عن القطيعة وتصرفها، ولو ضمنت قلوب الجماد في قسوتها، وكانت على ما هي عليه من غلظها وخشونتها.
فَغَدَا المُلْكُ بَاهِراً مَنْ رَآهُ ... شَاكِراً ما أَتَيْتُما مِنْ سَدَادِ
فِيْهِ لأَيْديْكُما على الظَّفَرِ الحُلْ ... - وِ وَأَيْدي قَوْمٍ على الأكْبادِ
الباهر: الغالب، والسداد: الصواب.
فيقول مخاطبا لكافور وأبي القاسم: فغدا الملك بصلحكما وما أنعم الله به من التئام أمركما، باهرا لمن رآه بحسنه، غائظا لمن حاول أن يكيده ببغيه، شاكرا على ما
стр. 117
آثرتماه من الموادعة، مبتهجا بما احتملتما عليه من المسالمة.
ثم قال: قد تواصلت فيه أيديكما على الظفر والنصر، وتوافقت على مشكور الفعل، وأيدي الساعين بالفساد على أكبادهم، لشدة ألمها، وما أودعها الله باتفاقكما من تغيظها وسقمها.
هذِهِ دَوْلَةُ المَكَارمِ والرَّأْ ... فَةِ والمَجْدِ والنَّدَى والأَيَادِي
كَسَفَتْ سَاعَةً كما تَكْسِفُ الشَّمْ ... سُ وَعَادَتْ ونُوْرُهَا في ازْدِيَادِ
الدولة: مدة سلطان الملك، والرأفة: الرحمة.
فيقول: وهو يشير إلى الدولة الإخشيدية: هذه دولة الكرم والتراحم والمجد والتعطف، والندى والبذل، والأيادي الجليلة والفضل، فكيف يجوز التقاطع على ولي نعمتها، ويظن الاختلاف برئيسي جملتها؟!
ثم قال: كسفت ساعة بما جرى بين كافور وأبي القاسم من الوحشة، وما أظهراه من الاختلاف والموجدة، ثم ذهب ذلك وانقطع، وعدم وارتفع، وعاد كل واحد منهما لصاحبه بأفضل عهده من مودته، وأنزل به أتم ما كان ينزله من ثقته، فعادت الدولة إلى بهجتها، وراقت بحسنها ونضرتها، كالشمس بأثر الانكساف، لم ينقص ضوءها، ولم يختل نورها، بل زاد ذلك وحسن، وخلص وتمكن.
يَزْحَمُ الدَّهْرَ رُكْنُها عَنْ أَذَاها ... بِفَتًى مَارِدٍ عَلَى المُرَّادِ
مُتْلِفٍ، مُخْلِفٍ، وَفِيًّ، أَبِي ... عَالمٍ، حَازِمٍ، شُجَاعٍ، جَوَادِ
الزحام: التضاغط والمدافعة، والركن: الناحية القوية، والأذى: معروف، والتمرد: شدة الإقدام، وواحد المراد: المارد، والأبي: الظاهر الأنفة.
فيقول مشيرا إلى كافور: يزحم ركن هذه الدولة الدهر على ما تكرهه، ويدافعها عما تحذره، بفتى من كافور، مشهور بالبأس والقوة، معلوم الإقدام والنجدة، يوقع بالمتمردين، ويستعلي مقدرته على المخالفين.
стр. 118
ثم قال، وهو يريده: متلف لكثير ما يجمعه ببذله، مخلف لذلك لتيقظه وحزمه، أبي لا يعلق الضيم به، عالم بالصواب فيما يعن له، حازم لا بفرط ولا يغفل، شجاع لا يجبن وينكل، جواد لا يضن ويبخل، وهذا التصنيف يعرف بالتقسيم، وهو من بديع الكلام.
أَجْفَلَ النَّاسُ عَنْ طَرِيْقِ أَبي المِسْ ... كِ وذَلَّتْ لَهُ رَقَابُ العِبَادِ
كيْفَ لا يُتْرَكَ الطَّرِيْقُ لِسَيْلٍ ... ضَيَّقٍ عَنْ آتِيهِ كُلُّ وَادِ
الإجفال: الإسراع في الذهاب، والآتي: ما يسوقه السيل، وهو أيضا الخليج يخرج من النهر.
فيقول: تهيب الناس أبا المسك، فأجفلوا بين يديه مسرعين، وعجزوا عن التعرض، له فأذعنوا بطاعته معلنين، وذلت رقاب العباد لملكه، وسلم الناس أجمعون لأمره.
ثم قال: وكيف لا يعجز الناس عن اعتراض سلطان لا يمانع، وسيل لا يدافع، يضيق كل واد عن كثرة اجتلابه، ويضعف كل قوي عن معارضة عبابه، وكنى بالسيل والطريق عن كافور ومقاصده، فأخبر أنه في غاية القوة، وأنه فيما يبتغيه على نهاية القدرة.
стр. 119
وقال يمدحه، أنشدها في يوم الخميس لليلتين خلتا من شوال سنة سبع وأربعين وثلاث مائة.
أُغَالِبُ فِيْكَ الشَّوْقَ والشَّوْقُ أَغْلَبُ ... وَأَعْجَبُ مِنْ ذا الهَجْرِ والوَصْلُ أَعْجَبُ
أَمَا تَغْلَطُ الأَيَّامُ فِيَّ بِأَنْ أَرَى ... بَغِيْضَاً تُنَئي، أَو حَبِيْبَاً تٌقَرَّبُ
يقول: أغالب فيك الشوق بمحاولة ستره، وأدافعه بالاحتيال على كتمه، فيقوى علي ويغلب، ويستبين في ويظهر، وكذلك الحب لا تخفى شواهده، والشوق لا تستتر دلائله، وأعجب من ذا الهجر واتفاقه لي، ومن هذا الاجتناب واغترائه بي، وما أبغيه من الوصل أبعد وأعجب، وأقل وأغرب؛ لأن سبيل المحبوب أن يضن بوصله، وسبيل المحب أن يمتحن بهجره، هذا هو المشهور الذي لا ينكر، والمعهود الذي [لا] يدفع.
ثم قال: أما تغلط الأيام فتسعدني في البدرة، ويغفل عني وتسعدني في الفلتة، فيبعد مني البغيض، وتريحني ببعده، وتمكن لي الحبيب وتؤنسني بقربه. يشير إلى أن الأيام مغترية بمنافرته، وأن أحكامها جارية على مخالفته.
وَللِهِ سَيْرِي ما أَقَلَّ تَئِيَّةً ... عَشِيَّةَ شَرْقِيَّ الحَدَالِي وغُرَّبُ
عَشِيَّةَ أَحْفَى النَّاسِ بي مَنْ جَفَوْنُهُ ... وأَهْدَى الطَّرِيْقَيْنِ الذي أَتَجَنَّبُ
التئية: الرفق والتمهل، والحدالي وغرب: موضعان معروفان، والحفي بالشيء: اللطيف به، المعتني بأمره.
فيقول على سبيل التعجب من سرعة سيره، والإخبار عن حقيقة أمره: ولله السير الذي سرته، والاستعجال الذي تكلفته، عشية كان مني الحدالي وغرب؛ هذان الموضعان في جهة المشرق، وأنا أنفذ ما أقصد له، ولا أعرج على من أكلف به. وأشار إلى رحيله عن سيف الدولة نحو كافور، وما حذره من الطلب، وما تكلفه من الإسراع والعجل.
ثم قال: عشية أحفى الناس بي، وأشدهم إشفاقا علي من جفوته من أحبتي الذين
стр. 120
تركتهم، ومن تخلفته من آلائي الذين فارقتهم، وأهدى الطريقين إلى ما أقصده، وأقربهما فيما أريده واعتمده، الطريق الذي أتجنبه وأتركه. وثنى الطريقين مشيرا إلى الطريق الذي ركبه، والطريق الذي تجنبه، ودل على أنه خرج فارا بنفسه، وأخفى طريقه الذي سلك بمبلغ جهده.
وَكَمْ لِظَلامِ اللَّيلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدٍ ... تُخَبَّرُ أَنَّ المَانَويةَ تَكْذِبُ
وَقَاكَ رَدَىَ الأَعْدَاءِ تَسْرِي عَلَيْهِمُ ... وَزَارَكَ فيه ذو الدَّلالِ المُحَجَّبُ
المانوية: أصحاب مان الثنوي، وهم الذين يقولون إن الأشياء كلها من النور والظلمة، فالخير كله من النور، والشر كله من الظلمة، وردى الأعداء: الهلاك على أيديهم، والسرى: سير الليل، والدلال: الثقة بقبول العاشق وإظهار التحكم عليه.
فيقول مشيرا إلى ما عاناه من التستر في رحلته، وما حاوله من تكلف سير الليل في وجهته: وكم لظلام الليل عندك؛ يخاطب نفسه، من يد مشكورة لا تكفر، ونعمة مشهورة لا تنكر، تخبر أن أصحاب مان، الذين يقولون إن الشر كله من الظلمة، يكذبون في قولهم، ويفرطون في إفكهم.
ثم قال: وقاك ظلام الليل ردى أعدائك في سراك عليهم، وأيدك فيما استعملته من الاحتيال فيهم، وأظفرك في سالف أمرك بمن أحببته، فزارك مسعدا بوصله، وأسعدك على ما كنت تلتمسه من قربه، ولولا الليل لما أمكنك ذلك، فنعم الليل عليك كثيرة؛ لأنه أنجاك مرارا، وقرب لك ما تبتغيه وترغبه، وكل هذا يشهد بأن مانيا وأصحابه يخطئون في قولهم، ويدفعون المشاهدة برأيهم.
وَيَوْمٍ كَلَيْلِ العَاشِقِيْنَ كَمَنْتُهُ ... أرَاقِبُ فيهِ الشَّمْسَ أَيَّانَ تَغرُبُ
وَعَيْنِي إِلى أُذْنَيْ أَغَرَّ كَأَنَّهُ ... مِنَ اللَّيْلِ بَاقٍ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَوْكَبُ
لَهُ فَضْلَةٌ عَنْ جِسمِهِ في إِهَابِهِ ... تَجِيُّ على صَدرٍ رَحِيْبٍ وَتَذْهَبُ
стр. 121
الكمون: الاستتار، وأيان: كلمة تستعمل بمعنى الاستفهام عن الوقت، والإهاب: الجلد، والرحيب: الواسع
فيقول واصفا لحاله، بعدما قدمه من ذكر سراه في ليله، وهو يشير بذلك إلى جملة ما كان عليه مدة رحلته، من الوجل وشدة الحذر: ويوم كليل العاشقين في استطالتي لمدته، وحرصي على انصرام جملته، كمنته احتمالا على الحزم الذي كنت أؤثره، وتوقعا للطلب الذي كنت أحذره، أراقب الشمس مستبطئا لغروبها، وألاحظها متمنيا لمغيبها.
ثم قال: وعيني إلى أذن الفرس الذي كنت أركبه، ألحظهما متأملا لهما، مقتديا بهما. والفرس يضرب به المثل في صدق حسه، ونفاذ سمعه، وأذناه بتحديده لهما يشهدان بما يشير إليه، ويخبران عما يشرف عليه.
ثم ذكر أن ذلك الفرس كان أغر أدهم، فصرح بغرته، وأشار بتشبيهه له بالليل إلى دهمته، فأبدع في الإشارة، وبلغ الغاية في حسن العبارة.
ثم قال دالا على عتق هذا الفرس: له فضله من إهابه عن جسمه، وتمام لا يخفى من خلقه، فتلك الفضلة تجيء على صدره وتذهب، وتجول لرخاوتها وتضطرب، والفرس إذا كان كذلك سمي رخو اللبان، ودلت هذه الصفة على سرعة جريه، وتمكن عتقه.
شَقَفْتُ بِهِ الظَّلْمَاَء أُدْنِي عِنَانَهِ ... فَيَطْغَى وَأُرْخِيْهِ مِراراً فَيَلْعَبُ
وَأَصْرَعُ أَيَّ الوَحْشِ قَفَّيْتُهُ بِهِ ... وَأَنْزِلُ عَنْهُ مِثْلَهُ حِيْنَ أَرْكَبُ
قفيت الشيء: إذا تلوته متتبعا له.
فيقول: شققت بهذا الفرس الظلماء واثقا بعتقه، مطمئنا إلى سرعة جريه، أدني عنانه فيطغى بعزة نفسه، وأرتخيه فيلعب مستعملا للمرح في مشيه.
ثم قال: وأصرع ما قفيت به من الوحش، لما هذا الفرس عليه من السرعة،
стр. 122
واقتدر على ذلك بما اجتمع فيه من الكرم والقوة، وأنزل عنه والبهر لا يلحقه، والكلال لا يدركه، على مثل حاله عند ركوبي له، قد بلغ ما طلبه بعفوه، واستظهر على ذلك بأيسر سعيه.
وما الخَيْلُ إِلاَّ كالصَّدِيْقِ قَلِيْلَةٌ ... وإِنْ كَثُرَتْ في عَيْنِ مَنْ لا يُجَرَّبُ
إِذا لم تُشَاهِدْ غَيْرَ حُسْنِ شِيَاتِها ... وأَعْضَائِها فالحُسْنُ عَنْكَ مُغَيَّبُ
الشيات: العلامات، واحدها شية.
فيقول: وما الخيل في كثرة عدتها، وقلة ما بقي بما يراد من خبرتها، إلا كالصديق الذي ينتحل لك اسمه أكثر من تأتي عليه معرفتك، ومن تتصل به مشاهدتك، فإذا طالبت حقيقة هذا الاسم، ومن يتقلده، واقفا عند شروطه، صار بيدك عدما لا تدركه، وعزيزا لا تكاد تلحقه. فأشار إلى أن العتيق من الخيل قليل بالجملة، كما أن الصديق من الناس عدم عند الخبرة.
ثم أكد ما قدمه، فقال: إذا لم تشاهد من الخيل غير حسن شياتها وأعضائها، ومناظرها وأجسامها، فحسنها مغيب عنك، وما تراه له بعيد منك، وإنما حسن الخيل في كرم خبرتها، وتأتيها للفرسان وسرعتها.
لَحَا اللَّهُ ذِي الدُّنيا مُنَاخاً لِراكبِ ... فَكُلُّ بَعِيْدِ الهَمَّ فيها مُعَذَّبُ
أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَقُولُ قَصِيْدَةً ... فَلاَ أَشْتَكِي فيها ولا أَتَعَتَّبُ
لَحا: بمعنى أبعد، وذي: اسم مبهم يشار به إلى المؤنث، كما يشار به إلى المذكر، والمناخ: موضع النزول، والهم والهمة: ما رمى إليه الإنسان بأمله، والقصيدة من الشعر: معروفة، والتعتب: التسخط.
فيقول: لحا الله هذه الدنيا منزلا لراكب يقطع فيها مسافة عمره، ويتقلب بين خطوبها فيما يحاول من أمره، فما تزال غادرة بأهلها، جائزة في حكمها، تعذب البعيد الهمة بقلة الاستعداد له، وتؤمله لشدة الاغترار به.
стр. 123
ثم قال: ألا ليت شعري هل أقول قصيدة، وآمالي متمكنة، ورغباتي متأتية، لا أشتكي الدهر ولا أظلمه، ولا أتعتب عليه ولا أجوره.
وَبي ما يَذُودُ الشَّعْرَ عَنَّي أَقَلُّهُ ... وَلَكِنَّ قَلْبِي يا بْنَةَ القَوْمِ قُلَّبُ
وَأَخْلاَقُ كَافُورٍ إِذا شِئْتُ مَدْحَهُ ... وإِنْ لَم أَشَأْ تُملِي عَلَيَّ وأَكْتُبُ
يذود: يدفع ويطرد، وابنة القوم: الأشراف، وأشار بإظهار الاستغناء عن ذكرهم إلى ما قصده من الاستغناء عن ذكرهم إلى ما قصده من الترفيع بأمرهم، والعرب تفعل ذلك، قال بعض الشعراء من همدان:
فَإِنَّ خُزَيْماً إِذْ رَجَا أَن يَرُدَّها ... وَيَذْهَبُ مَالي يابنةَ القَوْمِ عَالِمُ
والقلب: الحسن التقلب في الأمور.
فيقول مشيرا إلى ما قدمه من تشكي زمانه: وبي من اعتراض الدهر لي بصروفه، واعتماده إياي بخطوبه، ما يذود أقله الشعر ويطرده، ويمنع منه ويشرده، ولكن قلبي قلب لا يهن، وجريء لا يجبن، وأخلاق كافور الملك الذي عولت على قصده، واعتقلت آمالي بفضله، تسهل لي سبيل الشعر، وتنتهج لي طريق المدح، فإن حاولت مدحه، واعترضت عنه، فمكارمه تملي علي فأنا أكتب، ونعمه تتابع عندي وأنا أنظم.
إِذا تَرَكَ الإِنْسَانُ أَهْلاً وَرَاَءهُ ... وَيَمَّمَ كَافُوراً فَمَا يَتَغَرَّبُ
فَتًى يَمْلأُ الأَفْعَالَ رَأْيَاً وَحِكْمَةً ... وَبَادِرَةً أَحْيَانَ يَرْضَى وَيَغْضَبُ
يمم: بمعنى قصد واعتمد، والبادرة: ما يسبق من حده الرجل.
فيقول: إذا ترك الرجل أهله وبلده، وفارق إلافة ووطنه، ويمم كافورا بقصده، وبادر إليه بنفسه، فما يتغرب برحلته، ولا يستوحش لمن بعد عنه من أحبته.
ثم قال، وهو يريد كافورا: يشمل أفعاله برأيه وحكمته، ويملأها ببادرته وقوته، فينفذها على حسب ما يقصد، ويمضيها بمقدار ما يعتقد، في رضاه وسخطه،
стр. 124
وتقبله وغضبه، لا يرد أمره، ولا يعترض رأيه.
إِذا ضَرَبَتْ في الحَرْبِ بالسيْفِ كَفُّهُ ... تَبَينْتَ أَنَّ السَّيْفَ بالكَفَّ يَضْربُ
تَزِيْدُ عَطَايَاهُ على اللَّبْثِ كَثْرَةً ... وَتَلْبَثُ أَمْواهُ السَّحَابِ فَتَنْضُبُ
نضوب الماء: ذهابه.
فيقول: إذا ضربت كف كافور في الحرب بسيفه، وأمده بقوة ساعده، تبينت من سرعة قطعه، وبدا لك من نفاذ فعله، ما تعلم به أن السيف إنما يضرب على حسب الكف التي تمسكه، وينفذ بمقدار قوة الساعد الذي تصرفه.
ثم قال: تزيد عطايا كافور مع لبثها كثرة، وتكتسب بإقامتها قوة؛ لأنه يشفعها بمثلها، ولا يغفل عن مواصلتها وحفظها، وأمواه السحاب إذا لبثت تجف وتنضب، وإذا أقامت تعدم وتذهب، فعطاياه لا تقاومها الغيوث الساجمة، وكفاه لا تساجلها السحاب الهاطلة.
أَبا المِسْكِ هَلْ في الكَأسِ فَضْلٌ أَنَالُهُ؟ ... فَإِنَّي أَغَنَّي مُنْذُ حِيْنٍ وَتَشْرَبُ
وَهَبْتَ على مِقْدَارِ كَفَّيْ زَمَانِنَا ... وَنَفْسِي عَلَى مِقْدَارِ كَفَّيْكَ تَطْلُبُ
إِذا لَمْ تَنُطْ بي ضَيْعَةً أَو وِلايَة ... فَجُودُكَ يَكْسُونِي وَشُغْلُكَ يَسْلُبُ
نطت الشيء بالشيء إذا وصلته به، وعلقته منه.
فيقول لكافور: أبا المسك! قد أطربتك بما أهديت إليك من المدح، وسررتك بما نظمت فيك من الشعر، وصرت في ذلك كله كأني أغنيك وأنت تشرب، وأفرحك وأنت تطرب، فهل في كأس سرورك فضل أناله فأرتاح لنيله، وتخصني به فأسكن إلى مثله؟.
ثم قال: وهبت لي من جزيل عطاياك، وخولتني من كثير حبائك، بما غاية الزمان أن تجود كفاه بمثله، وتسمح للطالب ببذله، فإن كنت بلغت فيما بررتني به إلى المعهود من مواهب الرؤساء، وصلات كرائم الأمراء، فأنت أجلهم رتبة، وأثبتهم
стр. 125
رفعة، ولست أقنع من برك بما يبلغه جهد الزمان، ويتعارف من مآثر الإحسان، وإنما أطلب أن يكون ما تهبه على حسب قدرك، وما تجود به كفاك على ما يحسن بمثلك.
ثم قال: إذا لم تنط بي ضيعة استظهر بعلتها، أو ولاية أتشرف برفعتها، فجودك يكسوني ظاهره، ويقوم بحاجاتي حاصله، وشغلي بمدحك يسلبني تلك الكسوة، ويقلل لدي تلك النعمة؛ لأن معاناتي له تعوقني عن التكسب، وعكوفي عليه يمنعني من التصرف، والمؤن في خلال ذلك مترادفة، وتكاليف الزمان جمة متكاثرة.
يُضَاحِكُ في ذا العِيدِ كُلٌّ حَبِيْبَهُ ... حِذَائي وأَبْكِي مَنْ أحِبُّ وأَنْدُبُ
أَحِنُّ إِلى أَهْلِي وَأَهْوَى لِقَاَءهُمْ ... وَأَيْنَ مِنَ المُشْتَاقِ عَنْقَاءُ مُغْرِبُ؟
فَإِنْ لَمْ يَكُن إِلاَّ أَبو المِسْكِ أَوْهُمُ ... فَأِنَّكَ أَحْلَى في الفُؤادِ وَأَعْذَبُ
وَكُلُّ امْرِئٍ يُوْلي الجَمِيْلَ مُحَبَّبٌ ... وَكُلُّ مَكَانٍ يُنْبِتُ العِزَّ طَيبُ
التحنين: شدة الشوق، والعنقاء: طائر غلب التأنيث عليه، لا يوقف على شخصه، والمغرب: الذي يبعد في الطيران، ويضرب المثل بهذا لكل ما عدم فلم يوقف عليه، والفؤاد: القلب.
فيقول مشيرا إلى كافور، وانقطاعه إليه بنفسه، واغترابه عن وطنه وأهله: يضاحك حذائي في هذا العيد كل محب حبيبه، ويزور كل قريب قريبه، وأبكي من أحب وأحزن لبعده، وأندبه وأتأسف على فقده.
ثم قال: أحن إلى أهلي حنين الصب إليهم، وأهوى لقاءهم وأظهر الحرص عليهم، وكيف لي بهم مع شدة الشوق، واستحكام الصبابة والتوق، وهم كعنقاء مغرب في تعذر قربهم، وعلى مثل سبيلها في انتزاحهم وبعدهم؟!
ثم قال: فإن لم يكن إلا الأهل والوطن، والإلاف والسكن، والانقطاع إلى أبي المسك وأرضه، والتقلب في إكرامه وفضله، فإنك، يريد أبا المسك، ألصق بالنفس
стр. 126
وأقرب، وأحلى في القلب وأعذب.
ثم فسر ما ابهمه، وبين ما قدمه، من إيثاره لأبي المسك على اهله، وما رآه في ذلك من الحظ لنفسه، فقال: وكل امرئ يولي الجميل ويفعله، ويتقدم بالإحسان ويبذله، محبوب لا يختلف في حبه، مألوف لا ينتقل عن مثله، وكل مكان ينبت العز ويكسبه، ويعيد الإكرام ويوجبه، مستطاب لا يرغب عنه، مستعذب لا يرتحل منه.
يُرِيدُ بِكَ الأَعْدَاءُ ما اللَّهُ دَافِعٌ ... وَسُمْرُ العَوَالِي والحَدِيدُ المُذَرَّبُ
وَدُونَ الذي يَبْغُونَ ما لو تَخَلَّصُوا ... إلى الشَّيْبِ مِنْهُ عِشْتَ والطَّفْلُ أَشْيَبُ
العوالي: الرماح، والمذرب: المفرط الحدة.
فيقول: لكافور: يريد بك أعداؤك ما الله يكفيه ويدفعه، ويقيك إياه ويصرفه، وما يمنعك منه عوالي الرماح النافذة، وشفرات السيوف الصارمة.
ثم قال: ودون الذي يبغون من الظهور عليك، والتسرع من المكروه إليك، ما يمنع منه خشونة جتنبك، وكثرة ناصرك، وما لو جاز أن يتخلصوا منه إلى عمر المشيب، وسبق لهم في علم الله أن يستكملوا عمر السباب، لعجل الله الشيب لأطفالهم، لتنصرم مدد آجالهم، ولعيشك الله بعدهم ممتعا بما عودك من النصر، مكنوفا بما تكفل لك به من جميل الصنع.
إِذا طَلبوا جَدْوَاكَ أعْطُوا وحُكَّموا ... وإِنْ طَلَبُوا الفَضْلَ الذي فِيْكَ خُيَّبُوا
وَلَوْ جَازَ أَنْ يَحْووا عُلاَك وَهْبْتَها ... وَلِكنْ مِنَ الأَشْيَاءِ ما لَيْسَ يُوْهَبُ
وَاَظْلَمُ أَهْلِ الظُّلْمِ مَنْ بَاتَ حَاسِداً ... لِمَنْ بَاتَ في نَعْمَائِهِ يَتَقَلَّبُ
الجدوى: العطاء.
فيقول لكافور: إذا طلب حسادك العطاء منك، فاضت عليهم بحار فضلك، وأمطرتهم سحائب بذلك، فأخذوا من ذلك بحسب بغيتهم، وأدركوا منه غاية
стр. 127
رغبتهم، وإن طلبوا التشبيه بك في فضلك، والمساواة لك في جلالة قدرك، خيبوا مما طلبوه، وعجزوا عن ما حاولوه.
ثم قال: ولو جاز أن يحووا علاك لوهبتها، جاريا على عاداتك، وسمحت بها محتملا على سجيتك، ولكن من الأشياء ما لا تمكن الهبة في مثله، ولا تبلغ طاقة الإنسان إلى بذله.
ثم قال: وأظلم أهل الظلم وأجورهم، وأحقهم باللوم وأجلهم، من بات حاسدا لحائط جملته، مضطغنا على ولي نعمته، فهو يضمر العداوة لمن يتقلب في فضله، ويتربص الدوائر بمن يأمن المكاره في ظله.
وَأَنْتَ الذي رَبَّيْتَ ذا المُلْكَ مُرْضِعَاً ... وَلَيْسَ أَمَّ سِوَاكَ ولا أَبُ
وَكُنْتَ لَهُ لَيْثَ العَرِيْنِ لِشِبْلِهِ ... وَمَا لَكَ إِلاَّ الهُنْدُوانِيَّ مِخْلَبُ
الليث: الأسد، والعرين مأواه، وشبله: ولده، والهندواني: السيف الهندي الصارم.
فيقول لكافور: وأنت الذي ربيت ذا الملك، يريد ملك الإخشيد مولاه، وبنيه من بعده، فحفظته من أول مدته، وفخمته بتمكينك لبنيته، وحرسته بعد الإخشيد، فكنت أباه وأمه، وخطته فكنت عماده وأوصله.
ثم قال: وكنت له ولابن الإخشيد الموسوم به، في ذبك عن حوزته، ومدافعتك عن شبله، وما يبذله في منع عرينه من نفسه، وما لك غير السيف مخلب تصول بحدته، ويحذرك الأعداء لمخالفة سطوته، وكنى بالسيف عن المخلب بعد ما صدر به من تشبيهه بالليث، وهذا باب من البديع يعرف (بالمصافاة).
لَقِسْتَ القَنَا عَنْهُ بِنَفْسٍ كَرِيْمَةٍ ... إِلى المَوْتِ في الهَيْجَا مِنَ العَارِ تَهْرُبُ
وَقَدْ يَتْرُكُ النَّفْسَ التي تَهَابُهُ ... وَيَخْتَرِمُ النَّفْسَ التي تَتَهَيَّبُ
الهيجاء: الحرب، واخترام المنية لمن يصيبه: نزولها به، وإتلافها له. والتهيب: التوقع.
стр. 128
فيقول لكافور: لقيت القنا عن ذلك الملك بنفس مقدمة كريمة، جريئة على الأهوال أبية، تهرب في الحرب إلى الموت من العار، وتؤثره على قبح الفرار.
ثم قال: وقد يترك الموت النفس التي لا تهابه وتقدم عليه، ولا تحذره وتتسرع إليه، ويخترم النفس التي تتهيبه بغاية جهدها، وتتحرز منه بأبلغ وسعها، فأشار إلى أن الموت لا يستدفع بالحذر، ولا يفضي إليه بالإقدام على الغرر.
وما عَدِمَ اللأَّقوكَ بَأْساً وَشِدَّةً ... وَلكنَّ مَنْ لاقَوْا أَشَدُّ وَأَنْجَبُ
ثَنَاهُمْ، وَبَرْقُ البَيْضِ صَادِقٌ ... عَلَيْهِمْ، وَبَرْقُ البَيْضِ خُلَّبُ
البيض: السيوف، والبيض جمع بيضة، وهي التي تحصن الرؤوس بها، وثناهم: ردهم، والخلب من البرق: الذي يومض ولا يمطر. فيقول لكافور: وما عدم أعداؤك الذين هزمتهم، وأضدادك الذين غلبتهم، من أنفسهم بأسا وشدة، وإقداما وقوة، ولكنهم لاقوا منك من هو أشد وأنجب، وأقوى في الحرب وأنفذ، فعجزوا عنك مع قوتهم، وقصروا عن مقاومتك مع شدتهم.
ثم قال: ثناهم منك وهزمهم، واستولى عليهم وغلبهم، الشجاع الذي لا يجبن، والنجيب الذي لا ينكل، وبرق السيوف في البيض صادق فيهم، ممطر للدماء عليهم، وبرق البيض في السيوف خلب غير ماطرة، وكاذب صادق. فأشار إلى أن السيوف قدت البيض، وأسرعت في المتسترين بها، فصدقت بروقها، وعجزت البيض عن تحصينهم، فلم ينتفعوا ببريقها.
سَلَلْتَ سُيُوفاً عَلَّمَتْ كُلَّ خَاطِبٍ ... عَلَى كُلَّ عُودٍ كَيْفَ يَدْعو وَيَخْطُبُ
وَيُغْنِيْكَ عَمَّا يَنْسُبُ النَّاسُ أَنَّهُ ... إِليكَ تَنَاهَى المَكْرُمَاتُ وَتُنْسَبُ
وَأَيُّ قَبِيْلٍ يَسْتَحِقُّكَ قَدْرُهُ؟ ... مَعَدُّ بْنُ عَدْنَانٍ فِداكَ وَيَعْرُبُ
معد بن عدنان: جد مضر وربيعة، وربيعة أبناء نزار بن عدنان، ويعرب: جد جميع اليمن، وهذان الأصلان إليهما مآل جميع العرب.
стр. 129
فيقول لكافور: سللت في إقامة الدعوة الإخشيدية سيوفا صارمة، منصورة غالبة، ارتهنت لك مخافتها طاعة أكثر الأمصار، وذللت لك وقائعها رقاب الأحرار، فأذعن الناس لأمرك، وخطب على منابر الآفاق باسمك، فعلمت سيوفك الخطباء بالدعاء لك وجه الكلام، وحملتهم بالترفيع بك على حقيقة الصواب.
ثم قال: ويغنيك عن الشرف بالأنساب العربية، والافتخار بشرف الأولية، أنك أرفع من الشرفاء الأولين، الذين إليهم يرتفع الفخر، وعليهم يقتصر بجميل الذكر، وشاهد ذلك أن المكرمات إليك تتناهى وتنسب، ولديك تبتغي وتطلب.
ثم قال: وأي آباء القبائل يستحقك وهم في الفضائل دونك، وبأيهم يمثلك، وهم أجمعون لا يساوونك، والأصلان اللذان إليهما في العرب مآل القبائل، وبشرفهما يفتخر فيهما جميع العشائر، لو شهداك لفدياك بأنفسهما، ولاستصغرا عند كرمك عظيم كرمهما.
وما طَرَبي رَأَيْتُكَ بِدْعَةً ... لَقَدْ كُنْتُ أَرجو أَنْ أراكَ فَأَطْرَبُ
وَتَعْذُلُنِي فِيْكَ القوافِيِ وَهِمَّتي ... كَأَنّي بِمَدْحٍ قَبْلَ مَدْحِكَ مُذْنِبُ
الطرب: خفة تلحق الإنسان فتكشف ما بنفسه من الفرح والحزن، وهي في الفرح أشهر.
فيقول: وما فرحي بِمُشَاهَدَةِ حضرتك، ولإفراطي في السرور بالنظر إلى عزتك، بدعة من الفعل، ولا غريبة من الأمر، فما زلت مستحكم الرجاء في الفرح، بما ألقاه من برك، ثابت اليقين فيما شملني عند رؤيتك، من إكرامك وفضلك.
ثم قال: تعذلني القوافي التي استعملها في غيرك، وهمتي التي أخرت تصريفها في قصدك، حتى كأني بمدح من مدحته قبلك مذنب لا يلتفت إلى عذره، ومقصر لا يعرج على قوله.
وَلكِنَّهُ طَالَ الطَّريقُ وَلَمْ أَزَلْ ... أْفَتَّشُ عَنْ هذا الكلام وَيُنْهَبُ
стр. 130
فَشَرَّقَ حَتَّى لَيْسَ لِلشَّرْقِ مَشْرِقٌ ... وَغَرَّبَ حَتَّى لَيسَ لِلغَرْبِ مَغْربُ
إِذا قُلْتُهُ لم يَمْتَنِعْ مِنْ وُصُولِهِ ... جِدّارٌ مٌعَلَّى أَو خِباءٌ مُطَنَّبُ
الجدار: الحائط، والخباء: معروف، وتطنيبه: مد حباله.
فيقول معتذرا مما تقدم له من الأشعار، فيمن مدحه قبل اجتماعه لكافور: ولكن الشقة طالت بيني وبينك، والمدة تراخت في لقائك، والملوك يتنافسون في مدحي لهم، ويحرصون على ترفيعي لهم، ولم أزل قبل لقائي لك أطالب بالشعر، وأفتش عن قوله، واضطر إليه، وأحمل على نظمه؛ فينتهبه الملوك بمبلغ جهدهم، ويختارون منه على مقدار وسعهم.
ثم قال: فسار في الناس باختياري للفظه، وطار الرواة به؛ لإبداعي في نظمه، فشرق حتى بلغ من المشرق أقصى غاياته، وغرب حتى بلغ من الغرب أبعد نهايته، فلم يبق لما بلغه من المشارق مشرق يتقدمه، ولا بقي لما أدركه من المغارب مغرب يؤممه. يريد: أنه أدرك أقصى الطرفين، وبلغ أبعد الغايتين.
ثم قال، وهو يشير إلى شعره: إذا قلته وأرسلته، ورويته واظهرته، لم يمتنع من وصوله جدار معلى في قصر، ولا خباء مطنب في قفر، وأشار بذكر الجدار والخباء إلى أن شعره يرويه البادي والحاضر، ويفضله البعيد والشاهد.
стр. 131
واتصل به أن قوما نعوه في مجلس سيف الدولة، فقال ولم ينشدها كافورا:
بِمَّ التَّعَلُّلُ؟ لا أَهْلٌ ولا وَطَنُ ... ولاَ نَدِيْمٌ، ولا كَأسٌ، ولا سَكَنُ
أْرِيْدُ مِنْ زَمَني ذا أَنْ يُبَلَّغَنِي ... مَا لَيسَ يَبْلُغُهُ في نَفْسِهِ الزَّمَنُ
التعلل: التشاغل، والوطن: موضع الاستقرار والإقامة، والنديم: خليط الرجل الذي يكون محادثه ومشاربه، والكأس: القدح وما فيه من الشراب، وقد يكون القدح خاصة، روى ذلك يعقوب، والسكن: الإلف الذي يسكن إليه.
فيقول مخاطبا لنفسه، ومظهرا للتوجع من حاله: على أي أمر تقبل وتعول، وبأي شيء تشتغل وتتعلل؟! وأنت بعيد الأهل والوطن، ممتنع من النديم والكأس والسكن، غريب بين قوم لا تشاكلهم، منقطع عن معارفك الذين كنت تألفهم، تؤمل من المطالب ما يصعب امره، وتحاول منها ما لا يعرف مثله. وأشار إلى مطل كافور له بالولاية التي ذكرها، وتغافله عنه في الرتبة التي رجاها وأملها.
ثم قال مشيرا إلى تعذر الزمان في تأخير ما طلبه، ويسقط الملامة عنه في امتناع ما رغبه؛ لجلالة ذلك في نفسه، وما عهد به من قلة إسعاد الزمان على مثله: أريد من زمني هذا أن يبلغني ما أحاوله، ويظفرني فيما أطالبه، بما لا يسمح الزمان به لنفسه، ولا يبلغه مع استعماله لغاية وسعه، فكيف يظهرني على ما يمكنه، ويبلغني إلى ما يدركه؟ وأشار بهذا إلى ارتفاع ما طلب، وجلالة ما حاول ورغب.
لا تَلْقَ دَهْرَكَ إِلاَّ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ ... ما دامَ يَصْحَبُ فِيْهِ رُوحَكَ البَدَنُ
فما يُدِيْمُ سُرورٌ ما سُرِرْتُ بِهِ ... ولا يَرُدُّ عَلَيْكَ الفائِتَ الحَزَنُ
الاكتراث: الاهتمام.
فيقول مخاطبا لنفسه، ومظهرا لقلة الأسف، وصابرا غير متوجع: ما دامت الحياة متفقة لك، وأسبابها متصلة بك، فحوادث الدهر لا تمطل، وعوارضه لا تغفل، ومن لم يجعل الصبر جنته، والجلد على صروف الدهر عدته، لم يسلك سبيل رشده، ولا أحسن النظر لنفسه.
стр. 132
ثم قال مؤكدا لما قدمه، وهو يخاطب نفسه: فما يديم سرور لك ما سرك وأنسك، ولا يرد الحزن عليك ما فاتك وأوحشك، فكلا الأمرين سريع الزوال، وما شهد منهما قريب الانتقال، وما كانت هذه حاله، فالسرور منه لا تكثر الغبطة به، والحزن فيه لا يشتد الأسف له.
مِمَّت أَضَرَّ بأَهْلِ العِشْقِ أَنَّهُمُ ... هَوُوا وما عَرفوا الدُّنيا ولا فَطَنُوا
تَفْنَى عُيُونُهُمُ دَمْعَاً وأَنْفُسُهُمْ ... في إِثْرِ كُلَّ قَبِيْحٍ وَجْهُهُ حَسَنُ
يقول: مما أضر بأهل العشق فأعماهم عن رشدهم، وزين لهم ما تمسكوا به من أمرهم، وقصرهم على الأسف، ووكلهم إلى الوجد والشغف، أنهم هووا جاهلين بالدنيا وتصرفها، غافلين عن التفطن لتقلبها، فاغتروا بالظواهر، وأعرضوا عن النظر في العواقب.
ثم قال: تفنى عيونهم بما تذرفه من الدمع، وتذهب أنفسهم بما يتعذب به من الحزن في أثر كل حبيب، قليل الإنصاف والود، قبيح المعتقد والعهد، يهجر من يكلف به ويحبه، ويقطع من يواصله ويوده، وهو مع قبيح هذه الخلائق، ومستكره هذه المذاهب، يروق الأبصار بحسنه، ويغلب على القلوب بدله.
تَحَمَّلوا حَمَلَتْكُمْ كُلُّ نَاجِيَةٍ ... فَكُلُّ بَيْنٍ عَلَيَّ اليومَ مُؤْتَمَنُ
مَا في هَوَادِجِكُمْ مِنْ مُهْجَتِي عِوَضٌ ... إِنْ مِتُّ شَوْقاً ولا فِيْهَا لَهَا ثَمَنُ
الناجية: الناقة السريعة، والبين: الفراق، والهوادج: مراكب مقببة، تتخذ للنساء على الرحال.
فيقول مخاطبا لأحبته، ومظهرا للجلد على بعدهم، وقلة الأسف على فقدهم: تحملوا؛ حملتكم كل ناقة سريعة السير، قوية حثيثة المشي؛ ليكون ذلك أقرب فيما تحاولونه من الرحلة، وتتسرعون إليه من الفرقة، فكل بين علي اليوم مأمون لا تحذر عاقبته، محتقر لا تتوقع عاديته.
стр. 133
ثم قال: يخاطبهم: ما في هوادجكم من الأحبة الذين أذنتم بنأيهم، وأزمعتم على بعدهم، عوض من مهجتي التي أعرضها التلف؛ لتكلف الشوق إليهم، وأشافه بها الموت؛ بملازمة الحزن عليهم، فليسوا في الحقيقة عوضا من نفسي التي أتوقع هلاكها، ولا بهم ثمن لحياتي التي أخاف هلاكها، والحظ لي في السلو عن حبهم، واستشعار اليأس من قربهم.
يا مَنْ نُعِيْتُ على بُعْدٍ بِمَجْلِسِهِ ... كُلٌّ بما زَعَمَ النَّاعونَ مُرْتَهَنُ
كَمْ قد قُتِلْتُ وَكَمْ قَدْ مِتُّ عِنْدَكُمُ ... ثُمَّ انْتَفَضْتُ فَزَالَ القَبْرُ والكَفَنُ
نعي الرجل: الإخبار بموته، والمرتهن بالشيء: الموقوف عليه، المتخذ مقام الرهن عنه.
فيقول، وهو يريد سيف الدولة: يا من نعيت بمجلسه، على بعد داري من داره، وانتزاح محلي عن محله، كل واحد منا مرتهن بما ذكره الناعي له من الموت الذي لا بد منه، ولا محيص لأحد عنه، والشمات في ذلك ساقط، والحرص فيه من المتربصين زائد، والناس في الموت إسوة، وليس بهم على استدفاعه قوة.
ثم قال، وهو يريد سيف الدولة: كم قد مت عندكم وفقدت، واخترمتني المهالك وقتلت، ثم انتفضت فزال الكفن والقبر، وكذب ذلك الخبر والذكر.
قَدْ كَانَ شاهِدَ دَفْنِي قَبْلَ قَوْلِهِم ... جَمَاعَةٌ ثُمَّ مَاتوا قَبْلَ مَنْ دَفَنوا
ما كُلُّ ما يَتَمنَّى المَرْءُ يُدْرِكُهُ ... تَجْرِي الرَّيَاحُ بِمَا لا تَشْتَهي السُّفُنُ
يقول لسيف الدولة معرضا بتربصه به، وما يعتقده من الضغينة له: قد كان شاهد دفني قبل الذين نعوني عندك، وقطعوا على موتي في مجلسك، جماعة حققوا ذلك وقرروه عندك، ثم مات أولئك المخبرون، وبقيت بعدهم، وسلمت، وأكذب الله قولهم، فهلكوا قبل من دفنوه بزعمهم، وتلفوا وما استضررت بكذبهم.
ثم قال: ما كل ما يتمنى المرء يظفر به، ولا كل ما يرتجيه يتيسر له، فقد تشتهي
стр. 134
السفن ما تجري الرياح بغيره، وتتمنى النفوس ما تنفذ الأقدار بضده، وكذلك أنتم في تربصكم بي، وما تستعجلون من المكروه. وأخبر عن السفن وهو يريد أهلها، كما قال : (واسئل القرية) وهو يريد أهلها.
رَاَيْتُكُمْ لا يَصُونُ العِرْضَ جارُكُمُ ... ولا يَدِرُّ عَلى مَرْعَاكُمُ اللَّبَنُ
جَزَاءُ كُلَّ قَرِيْبٍ مِنْكُمُ مَلَلٌ ... وَحَظُّ كُلَّ مُحِبًّ مِنْكُمُ ضَغَنُ
وَتَغْضَبُونَ عَلَى مَنْ نَالَ رِفْدَكُمُ ... حَتَّى يُعَاقِبَهُ التَّنْغيصُ والمِنَنُ
در اللبن: إذا كثر، والضغن: الحقد، والرفد: العطاء.
فيقول لسيف الدولة: رأيتكم تضيعون جاركم ولا تصونون عرضه، وتهينونه ولا تريدون بره، ورأيت عطاءكم لا تمنى به نعمة، وإحسانكم لا تنتقل به إلى الصلاح حالة، وكنى بقوله: ولا يدر على مرعاكم اللبن عن هذه العبارة؛ لأن المرعى قوة الماشية، واللبن فائدته، والدرور مادته.
ثم قال: جزاء من استقريتموه الملل منكم، وحظ من استخلصتموه الاضطغان عندكم، فليس يخلص أحد من تعتبكم، ولا يبعد عن كراهتكم وتسخطكم.
ثم قال: ويغضبكم الذي ينال رفدكم، ويسخطكم بما يناله من فضلكم، حتى يعاقب ذلك التنغيص والكدر، ويتلوه الامتنان والضجر، فليس تسلم لكم عند أحد نعمة، ولا ترتفع بكم لمؤمل رتبة.
فَغَادَرَ الهَجْرُ ما بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ ... يَهْمَاَء تَكْذِبُ فيهِ العَيْنُ والأذُنُ
تَحْبُو الرَّواسِمُ مِنْ بَعْدِ الرَّسيم بها ... وَتَسْأَلُ الأَرضَ عَنْ أَخْفَافِها الثَّفِنُ
مغادرة الشيء: تركه، والهجر، القطيعة، واليهماء: المفازة البعيدة، وتحبو: تزحف في مشيها لشدة إعيائها، والرواسم: الإبل التي تستعمل الرسيم في مشيها، وهو ضرب من السير، والأخفاف للإبل كالحوافر للدابة، وهي الفراسن، واحدها فرسن، والثفن: ما يقع من الإبل على الأرض عند بروكها.
стр. 135
فيقول: فغادر ما آثرته من هجركم، واخترته من الفرار عنكم، ما بيني وبينكم، مفازة مقفرة، بعيدة متنائية، تكذب العين فيها صاحبها لبعد مسافتها، ولا تحقق الأذن فيها ما تسمعه، لكثرة تخيل أصواتها.
ثم قال: تحبو الإبل فيها بعد رسيمها، وتزحف معيية بعد شدة مسيرها، وتسأل ثفانها الأرض عن أخفافها الممتحقة، وينحتها عما تطؤها به من فراسنها الذاهبة المتمحقة.
إِنَّي أُصاحِبُ حِلْمي وَهو بي كَرَمٌ ... ولا أُصَاحِبُ حِلْمي وهو لي جُبُنُ
ولا أُقيمُ على مالٍ أُذَلُّ بِهِ ... ولا أَلَذُّ بما عِرْضِي بِهِ دَرِنُ
الدرن: الوسخ.
فيقول: إني أصاحب حلمي إذا كان بي كرما وتجاوزا، وأوثره إذا كان إغضاء وتغافلا، ولا أصاحبه إذا كان عجزا وجبنا، ولا أرتضيه إذا كان ذلة وخورا.
ثم قال: ولا أقيم على مال أذل بكسبه، ولا أغتبط بوفرة لا تقترن لي الكرامة بجمعه، ولا ألذ بما يدنس عرضي ويخلقه، ولا أسر بما يحط من قدري ويضعه، فأشار إلى أن مفارقته لسيف الدولة إنما كانت لتقصيره به، وزواله عنه إنما أوجبه قلة إكرامه له.
سَهِرْتُ بَعْدَ رَحِيْلِي وَحْشَةً لَكُمُ ... ثمَّ اسْتَمَرَّ مَريري وارْعَوَى الوَسَنُ
وإِنْ بُلِيْتُ بِوُدًّ مِثْلِ وُدَّكُمُ ... فَإِنَّني بِفِراقِ مِثْلِهِ قَمِنُ
السهر: معروف، والمرير: الاعتزام، والوسن: النوم، والقمن بالشيء: الخليق به، يقال: فلان قمن لذلك وقمن وقمين: كل ذلك بمعنى واحد.
فيقول، وهو يريد سيف الدولة، سهرت بعد رحيلي عنكم استيحاشا لبعدكم، وارتمضت توجعا لفقدكم، ثم استمر عزمي على مفارقتكم، ووطنت نفسي على مصارمتكم، وارعوى الوسن فراجع نافرة، واطمأن فعاود شارده.
стр. 136
ثم قال: وإن بليت بعدكم بود مثل ودكم، ورأي في تكدير الفضل كرأيكم، فإنني قمن بفراق مثل فراقي لكم، واحتمال على مآثرته من قلة التمسك بكم.
أَبْلَى الأَجِلَّةَ مُهْرِي عِنْدَ غَيْرِكُمُ ... وَبُدَّلَ العُذْرُ بِالفُسْطَاطِ والرَّسَنِ
عِنْدَ الهُمَامِ أبي المِسْكِ الذي غَرِقَتْ ... فِي جُودِهِ مُضَرُ الحَمْرَاءِ واليَمَنِ
الأجلة: أغطية الخيل، واحدها جل، وهذا الجمع على سبيل التكثير، يقال: جل وجلال، مثل خف وخفاف، ثم يجمع جلال على أجلة، كما يجتمع عنان على أعنة، والعذر: جمع عذار، وهو ما يستطيل من اللجام على خد الفرس، والهمام: الرفيع القدر، والفسطاط: واسعة مصر، ومضر الحمراء: يريد مضر بن نزار ومن ولده القبائل، وسميت مضر بالحمراء؛ لأن نزار بن معد لما قسم ماله بين بنيه، أعطى مضر قبة له حمراء، وقال: هذه وما جانسها لك، فسميت مضر بمضر الحمراء بذلك، واليمن كل من ولد يعرب بن قحطان، وهذان الأصلان يشتملان على جمهور العرب.
فيقول مخاطبا لسيف الدولة، ومشيرا إلى استطابته لمصر، واغتباطه بصحبة كافور: أبلى مهري الأجلة بطول المقام عند الأستاذ كافور، الذي تخيرته وانقطعت إليه، وآثرته وعولت عليه، وبذلت بالفسطاط عذره وأرسانه، فبطة بالموضع الذي أصبحت مستقرا به، ولاغبة في الرئيس الذي تتابع شكري له، فلم أهم عنه برحلة، ولا أخلاني من إكرام ونعمة.
ثم قال مشيرا إلى ما قدمه من ذكر إقامته: عند الهمام أبي المسك، الذي تتواضع الملوك عند قدره، وتعترف بالتقصير عند جلالته وفضله، وتغرق مضر واليمن، وهم جمهور العرب في جوده وكرمه.
وإِنْ تَأَخَّرَ عَنَّي بَعْضُ مَوْعِدِهِ ... فَمَا تَأَخَّرُ آمالي ولا تَهِنُ
هو الوَفِيُّ ولكِنَّي ذَكّرْتُ لَهُ ... مَوَدَّةً فهو يَبْلُوها ويَمْتَحِنُ
стр. 137
فما تأخر آمالي: يريد تتأخر، وحذف التاء وهو يريدها، وأبقى الفعل على حسبه معها، والعرب تفعل ذلك، قال الله : (تنزل الملائكة والروح)، فحذف التاء وهو يريدها،
يقول: إن تأخر عني بعض موعد كافور في الولاية التي أرغبها منه، والكرامة التي ضمنتها لنفسي عنه، فما تتأخر آمالي فيه ولا تكذب، ولا تضعف ثقتي به ولا تهن.
ثم قال باسطا لعذر كافور في تأخره عن إنجاز ما تقدم عنده من عدته، وتوقفه عن إسفاف ما بذله إليه من رغبته: هو الوفي الذي لا يرتاب في صدقه، وهو الكريم الذي لا يختلف في فضله، ولكنني مننت إليه بمودة قد شهد جملتها، وخالصة قد تيقن صحتها، وهو مع ذلك يبلوها ويمتحنها، ويتبينها ويختبرها.
стр. 138
وقال أيضا:
صَحِبَ النَّاسُ قَبْلَنا ذا الزَّمانا ... وَعَنَاهُمْ مِنْ شَأنِهِ ما عَنَانَا
وَتَوَلَّوْا بِغُصَّةٍ كُلُّهُمْ مِنْ ... هُ وإِنْ سَرَّ بَعْضَهُمْ أَحْيَانَا
رُبَّما تُحْسِنُ الصَّنِيْعَ لَيَالِيْ ... هِ ولكِنْ تُكَدَّرُ الإِحْسَانَا
عَنَى فلان الشيء: إذا شغله وأهمه، والغصة: شجى يعترض في الحلق، ويضرب بذلك المثل في كل ما شق على الإنسان، والصنيع: ما يصنعه الصانع، وهو فعيل بمعنى مفعول، نحو قتيل وجريح.
فيقول: صحب الناس هذا الزمان قبلنا، وخبروه متقدمين لنا، وكلهم عناهم ما عنانا من أمره، ونالهم كالذي نالنا من اختلاف شأنه.
ثم قال: وتولوا كلهم منه بغصة حادثة، وفارقوه بعد مصائب عارضة، وإن سر أحيانا بعضهم، وساعد في الفلتات رأيهم.
ثم قال: وربما أحسنت الصنيع لياليه، وسرت بظواهرها [صاديه]، ولكنها تكدر الإحسان بإساءتها، وتعقب الحلاوة بمرارتها، وتسلب ما تعطيه مرتجعة له، وتأخذ ما تؤتيه غير ممتعة به.
وَكَأَنَّا لَمْ تَرْضَ فِيْنَا بِرَيْبِ ال ... دَّهْرِ حَتَّى أَعَانَهُ مَنْ أَعَانَا
كُلَّما أَنْبَتَ الزَّمَانُ قَنَاةً ... رَكَّبَ المَرْءُ في القَنَاةِ سِنَانَا
ومُرادُ النُّفوسِ أَصْغَرُ مِنْ أَنْ ... تَتَعادَى فيه وأَنْ تَتَفانى
يقول: إن من نكد الأيام أنها مجبولة على التنكر لأهلها، والاستحالة على من اغتر بها، وأهلها مع آثارها فيهم، يؤيدون على أنفسهم أمرها، ويمتثلون إلى الإساءة فعلها، فيعينونها على أنفسهم باختلاف مذاهبهم، ويسببون على أنفسهم أسباب المكروه باتصال تكالبهم، فكأنهم لم يقنعوا لأنفسهم بريب الدهر وصروفه، حتى أعانوا ذلك بجهدهم، وأيدوه بمبلغ وسعهم.
ثم قال، مؤكدا لما قدمه: كلما أنبت الزمان للإنسان قناة، يعدها لحربه، ويدخرها
стр. 139
لمطالبة نفسه، أعانه الإنسان على مذهبه، فركب في تلك القناة سنانا يحسن القناة بها للمطاعنة، وتتم بما يقصد إليه من المحاربة. فأشار بالقناة إلى ما يسببه الزمان للإنسان من المكروه، وبالسنان إلى ما يؤكده الإنسان به على نفسه مراد الزمان من سوء صنعه، ومذموم فعله.
ثم قال: ومراد النفس أقل وأصغر، ومدة التمتع به إذا تمكن أحقر وأقصر، من أن تستجاز العداوة من أجله، وتتقلد أسباب التفاني إعجابا بأمره، فمال الإنسان ومتاع الدنيا يقاتل عليه، وهو على عجل منه، وينافس غيه، وهو منقول لا محالة عنه؟!
غَيْرَ أَنَّ الفَتَى يُلاقِي تمَنَايَا ... كالِحَاتٍ ولا يُلاقِي الهَوَانَا
ولو أَنَّ الحَيَاةَ تَبْقَى لِحَيًّ ... لَعَدَدْنَا أَضَلَّنا الشُّجْعَانا
وإذا لم يَكُنْ مِنَ المَوْتِ بُدٌّ ... فَمِنَ العَجْزِ أَنْ تَكُونَ جَبَانَا
كُلُّ ما لم يَكُنْ مِنَ الصَّعْبِ في الأَنْ ... فُسِ سَهْلٌ فيها إِذا هو كانا
الكلوح: العبوس.
فيقول: غير أن الفتى الموفق لرشده، العالم بحقيقة أمره، يؤثر لقاء المنايا كالحات لشدتها، مؤيسات عن الحياة بمباشرتها، ولا يلاقي الهوان معترفا به، [ولا] يرتضيه مسلما له.
ثم قال: ولو أن الحياة باقية غير فائتة، ومقيمة غير راحلة، لعددنا الشجعان أضلنا عن القصد، وأجهلنا بطريق الرشد، بتعرضهم للمهالك، وتقحمهم في المخاوف.
ثم قال: ولكن إذا كان الموت لا بد منه، والفناء لا محيص لأحد عنه، فمن العجز أن تجبن عما لا ينجيك منه توقعك، ولا يدفعه عنك إشفاقك وتحرزك.
ثم قال مؤكدا لما ذكره من اطراح التوقع لما لا بد من المصير إليه، وإسقاط التكره لما يتيقن الإنسان أنه قادم عليه: كل ما لم يكن من الصعب المستكره في النفوس، والمخوف بالمتوقع في القلوب، سهل فيها إذا وقع أمره، خفيف عليها إذا
стр. 140
نفذ كربه، وليس يجدي على الإنسان إيثار الخوف، ولا يمنعه من المكروه استعمال التوقع.
стр. 141
واصطنع كافور شبيب بن جرير العقيلي، ورد إليه عمان والبلقاء وما بينهما من البر والجبال، فعلت منزلته، وزادت مرتبته، واشتدت شوكته، وغزا العرب في مشاتيها بالسماوية وغيرها، واجتمعت العرب إليه، وكثرت حواليه، وسولت له نفسه أخذ دمشق، والعصيان لكافور، فسار إليها في عشرة آلاف، وقاتله أهلها وسلطانها، واستأمن إليه جمهور الجند الذين كانوا بها، وغلقت أبوابها، واعتصموا بالنشاب، فترك بعض أصحابه على أبوابها الثلاثة التي تلي المصلى ليشغلهم [بهم]، ودار هو حتى دخل من الحميرين على القنوات، حتى انتهى إلى باب الجابية، وحال بين الوالي والمدينة ليأخذها.
وكان من تقدم أصحابه، فقيل إن امرأة دلت على رأسه صخرة فقتلته. واختلف الناس في أمره، فلم يصح لأحد كيف قتل؛ لأنه لم يوجد في شيء منه أثر لسهم ولا لغيره، ولا نظر أحد إلى شيء أصابه سوى اعتناقه الفرس وسقوطه إلى الأرض، فانهزم أصحابه لما رأوا ذلك، فلما بقي وحده مطروحا أخذ رأسه، ووردت الكتائب إلى مصر بخبره، فقال أبو الطيب، وأنشدها يوم السبت، لست خلون من جمادى الأخيرة من سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة.
عَدُوُّكَ مَذْمُومٌ بِكُلَّ لِسَانِ ... وَلَوْ كَانَ مِنْ أَعْدَائِكَ القَمَرَانِ
وَلِلَّهِ سِرٌّ في عُلاكَ وإنما ... كَلاَمُ العِدا ضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ
القمران: الشمس والقمر، غلب فيهما أخف الاسمين، وهو المذكر فيهما، كما قالوا: العمران في أبي بكر وعمر، فغلبوا الخف، والهذيان: [كلام] لا حقيقة له.
فيقول مخاطبا لكافور: عدوك مذموم بكل لسان يذكره، مبغض في كل قلب يمتثله، ولو كان القمران من أعدائك مع رفعة شأنيهما، وارتفاع مكانيهما، لنالهما أبلغ الذم، وما اعتمد بجميل الذكر، فكيف يظن بغيرهما ممن يقدم على اعدائك، ويتعرض لمخالفة إرادتك؟! ثم قال: ولله في تأييد علاك سر ينفذه على ما سبق في علمه، ويمضيه بالصنع الجميل لك على ما تقدم من حتمه، وكلام الورى فيما
стр. 142
يقدمونه من خلاف ذلك باطل لا يحفل به، وهذيان لا حقيقة له.
أَتَلْتَمِسُ الأعْدَاءُ بَعْدَ الَّذي رَأَتْ ... قِيامَ دَلِيْلٍ أو وُضوحَ بَيَانِ؟!
رَأَتْ كُلَّ مَنْ يَنوي لَكَ الغَدْرَ يُبْتَلى ... بِغَدْرِ حَيَاةٍ أو بِغَدْرِ زَمَانِ
الالتماس: الطلب والمحاولة.
فيقول لكافور: يلتمس من يضمر العداوة لك، ويرتقب من يتربص المكاره بك، دليلا في تأييد الله لأمره، وبيانا فيما يتكفل الله به من إعلانك ونصرك، بعد الذي أظهره في شبيب لما شانك وناصبك، وعصاك وخالفك.
ثم قال: رأت أعداؤك كل من قابل وفاءك بالغدر، وإحسانك بالجحود والكفر، يبتلى بغدر حياته، ومعاجلة حتفه له، وإن تخطاه ذلك، اختلفت أحوال الزمان إليه، وصممت بمكارهها إليه.
بِرَغْمِ شَبِيْبٍ فَارَقَ السَّيْفَ كَفُّهُ ... وكانَا على العِلاَّتِ يَصْطَحِبَانِ
كَأَنَّ رِقَابَ النَّاسِ قَالتْ لِسَيْفِهِ: ... رَفِيْقُكَ قَيْسِيٌّ وأَنْتَ يَمَانِي
العلات: العوارض المانعة.
فيقول: برغم شبيب أعجل الله الحتف نفسه، وفارق السيف كفه؛ لما كفر أيها الأستاذ نعمتك، وخلع طاعتك، وكان السيف قبل ذلك ينصره على العلات ولا يخذله، ويعضده فيما يجادله ولا يسلمه، فلما خالفك أغفل نصرته، ولما فارقك كره صحبته.
ثم قال: كأن رقاب الناس بإفراطه في قطعها، وإسرافه في ضربها، طالبته في نفسه، وتمتمت به إلى سيفه، فذكرته بما بين اليمن وبين قيس عيلان من الإحن القديمة، والترات المشهورة، فقالت له: أنت منسوب إلى اليمن، واليهم تنسب السيوف، وشبيب رفيقك من رؤساء قيس عيلان، فما لك لا تدرك فيه لترتك، وتخذله تعصبا لليمن جماعتك؟! فكأن السيف أصغى إلى تلك التماتم، وطالب شبيبا
стр. 143
بتلك الطوائل، فخذله عند حاجته إليه، وأسلمه مع اعتماده عليه.
فَإِنْ يَكُ إِنْسَانَاً مَضَى لِسَبِيْلِهِ ... فَإِنَّ المَنَايا غَايَةُ الحَيَوانِ
وَمَا كَانَ إِلاَّ النَّارَ في كُلَّ مَوْضِعٍ ... يُثِيْرُ غُبَارَاً في مَكانِ دُخانِ
فَنَالَ حَياةً يَشْتَهِيْهَا عَدُوُّهُ ... وَمَوْتاً يُشَهَّي المَوْتَ كُلَّ حَبَانِ
يقول كالمتأسف على شبيب فيما أدركه من الخذلان؛ لمخالفته الأستاذ كافورا مع أسلف إليه من نعمته، وأظهره من إكرامه ورفعته، ولم يمنع أبا الطيب ما استجازه شبيب من معصية كافور، من أن يقول عنده بما خبره من فضله، وجربه من شجاعة نفسه، إيثارا للإنصاف، واحتمالا على حسن الاعتراف، فقال: فإن يك شبيب إنسانا أدركه يومه، وأحاط به حينه، فتتقحم فيما أفضى به إلى الهلكة، وسلبه رفيع المنزلة، فإن المنية التي صار إليها غاية كل حي، لا محيص عنها، ولا مفر لأحد منها.
ثم قال: وما كان شبيب في شجاعة نفسه، وضرامته وبطشه، إلا كالنار التي تتلف ما واجهها، وتهلك ما عارضها، وكان يستدل عليه في غاراته، بما تثير خيوله من الغبار، كما يستدل على النار بما يثيره لهيبها من الدخان.
ثم قال: فنال من الحياة أعزها، وأدرك من المراتب أجلها، ثم مات ميتة كريمة تشهي الموت إلى الجبناء، وتبقي عليك أكرم الثناء. وإنما حسن له الثناء على شبيب مع عصيانه لكافور ممدوحه، ما شرحه من أنه مع رفيع منزلته، لما فارق طاعة كافور، عاجله الله بنقمته.
نَفَى وَقْعَ أَطْرَافِ الرَّماحِ بِرُمْحِهِ ... وَلَمْ يَخْشَ وَقْعَ النَّجْمِ والدَّبَرانِ
ولم يَدْرِ أَنَّ المَوْتَ فَوْقَ شَوَاتِهِ ... مُعَارُ جَنَاحٍ مُحْسِنُ الطَّيَرانِ
وَقَدْ قَتَلَ الأَقْرَانَ حَتَّى قَتَلْتَهُ ... بِأَضْعَفِ قِرْنٍ، في أَذَلَّ مَكَانِ
وقع الشيء ووقوعه: كون ما يحذر منه، والنجم: الثريا، والدبران: كوكب تتصل
стр. 144
به كواكب تتلو الثريا، وهما من منازل القمر، وليس في جميع المنازل منزلتان تتقارب تقاربهما، وتسمي العرب ما بينهما ضيقة، ويتشاءمون بمواجهتها عندما يعاونونه من أمورهم، ولذلك يقول الأخطل، وهو يهجو سعيد بن بيان التغلبي، وكان تزوج برة بنت أبي هانئ التغلبي، وكان الأخطل يشبب بها فقال:
وَكَيْف يُدَاوي الطَّبِيْبُ مِنَ الجَوَى ... وَبَرَّةُ عِنْدَ الأَعْوَرِ بنِ بَيَانِ
فَهلاً زَجَرْتَ الطَّيَر إِذ جاَء خَاطِباً ... بِضِيْقَةَ بَيْنَ النَّجْمِ والدَّبَرانِ
والشواة: جلدة الرأس، والأقران: الأكفاء في الحرب، الواحد: قرن.
فيقول: إن شبيبا نفى برمحه وقع أطراف رماح أعاديه، واستظهر عليهم، وفتح دمشق التي كانوا تحصنوا منه فيها، ولم يعرج على التطير بالنجم والدبران ثقة بنفسه، وإدلالا بشجاعته وبأسه.
ثم قال: ولم يدر مع ما اتفق له من الغلبة، وتمكن له من الظهور والمقدرة، حين فتحه لدمشق، وملكه لها، وظفره بها، أن الموت قد أوفى على شواة رأسه، ينهض إليه بأسرع سعي، ويطلبه بأبلغ جهده، حتى كأنه طار نحوه لشدة مبادرته، واستعان بجناح يستعمله لقوة مسارعته.
ثم قال، وهو يريد شبيبا، ويخاطب كافورا: وقد قتل الأقران بمبارزته لهم، وإقدامه في الحرب عليهم، حتى قتلته بقوة إقبالك، وسعادة أيامك، بأضعف قرن كفاك أمره، وفي أذل مكان لقي به حتفه، وذلك أن شبيبا لما فتح دمشق، وتغلب على من كان فيها من أصحاب كافور، وقف تحت طاق من طيقانها، وانتشر أصحابه في أقطارها، ثم عاودوه فألفوه صريعا ميتا لا يعرف قاتله. فقيل إن امرأة دلت عليه من الطاق رحى، وقيل إنه أصيب بسهم، وقيل إن السرج ضربه بحركة الفرس الذي كان يركبه، والله أعلم بحقيقة ذلك. وإلى هذا أشار أبو الطيب في قوله: بأضعف قرن في أذل مكان.
стр. 145
أَتَتْهُ المَنَايَا في طَريقٍ خِفِيَّةٍ ... عَلَى كُلَّ سَمْعٍ حَوْلَهُ وَعِيانِ
وَلَو سَلَكَتْ طُرْقَ السَّلاحِ لَرَدَّها ... بِطُولِ يَمِيْنٍ واتَّساعِ جَنَانِ
الجنان: روح القلب.
فيقول، وهو يريد شبيبا: أتته المنايا في طَريق خفية مستترة، محجوبة عن الأبصار متغيبة، لا تدرك بسمع ولا بصر، ولا يستدفع ما يريد منها بشدة حذر.
ثم قال: ولو سلكت المنايا إليه طرق السلاح على سبيل القتال والمغالبة، والمعهود من الدفاع والمنازلة؛ لردها عن نفسه بيمين تطول ولا تقصر، وجنان يتسع بالحرب ولا يحصر.
تَوَحَّدَهُ المِقْدَارُ بَيْنَ صِحَابِهِ ... على ثَقَةٍ مِنْ دَهْرِهِ وَأَمَانِ
وَهَلْ يَنْفَعُ الجَيشُ الكَثِرُ التِفَافُهُ ... عَلَى غَيْرِ مَنْصُورٍ وَغَيْرِ مُعَانِ؟
وَدَىَ ما جَنَى قَبْلَ المَبِيْتِ بِنَفْسِهِ ... وَلَمْ يَدِهِ بالجامِلِ العَكَنَانِ
الجامل: القطيع من الجمال، والعكنان: الكثير من ذلك.
فيقول: إن شبيبا، وما قدمناه من شرح قتله، توحده المقدار مصمما نحوه، وساق إليه مستعجلا حتفه، وأصحابه مجتمعون، وأنصاره متوافرون، وثقته مستحكمة بما تمكن له من الغلبة، وهو آمن بما أفضى إليه من الهلكة.
ثم قال: وهل ينفع الجيش الكثير التفافه على أمير لا يأذن الله بنصره، ولا تتراخى الأيام به في سابق علمه.
ثم قال: إنه لم يبت ليلته تلك حتى أدى دية جنايته بتلف نفسه، وعجلت له نقمة عصيانه بمواجهة حتفه، ولم تكن دية ما جناه بالجمال الكثيرة، ولا وقعت على السبيل والمعهود.
أَتُمْسِكُ ما أَوْلَيْتَهُ يَدُ عَاقِلٍ ... وتُمْسِكُ في كُفْرانِهِ بعِنَانِ؟
وَيَرْكَبُ ما أَرْكَبْتَهُ مِنْ كَرامَةٍ ... وَيَرْكَبُ لِلعِصْيَانِ ظَهْرَ حِصَانِ!
следующие страницы →