Полный текст (370 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
واصطنع كافور شبيب بن جرير العقيلي، ورد إليه عمان والبلقاء وما بينهما من البر والجبال، فعلت منزلته، وزادت مرتبته، واشتدت شوكته، وغزا العرب في مشاتيها بالسماوية وغيرها، واجتمعت العرب إليه، وكثرت حواليه، وسولت له نفسه أخذ دمشق، والعصيان لكافور، فسار إليها في عشرة آلاف، وقاتله أهلها وسلطانها، واستأمن إليه جمهور الجند الذين كانوا بها، وغلقت أبوابها، واعتصموا بالنشاب، فترك بعض أصحابه على أبوابها الثلاثة التي تلي المصلى ليشغلهم [بهم]، ودار هو حتى دخل من الحميرين على القنوات، حتى انتهى إلى باب الجابية، وحال بين الوالي والمدينة ليأخذها.
وكان من تقدم أصحابه، فقيل إن امرأة دلت على رأسه صخرة فقتلته. واختلف الناس في أمره، فلم يصح لأحد كيف قتل؛ لأنه لم يوجد في شيء منه أثر لسهم ولا لغيره، ولا نظر أحد إلى شيء أصابه سوى اعتناقه الفرس وسقوطه إلى الأرض، فانهزم أصحابه لما رأوا ذلك، فلما بقي وحده مطروحا أخذ رأسه، ووردت الكتائب إلى مصر بخبره، فقال أبو الطيب، وأنشدها يوم السبت، لست خلون من جمادى الأخيرة من سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة.
عَدُوُّكَ مَذْمُومٌ بِكُلَّ لِسَانِ ... وَلَوْ كَانَ مِنْ أَعْدَائِكَ القَمَرَانِ
وَلِلَّهِ سِرٌّ في عُلاكَ وإنما ... كَلاَمُ العِدا ضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ
القمران: الشمس والقمر، غلب فيهما أخف الاسمين، وهو المذكر فيهما، كما قالوا: العمران في أبي بكر وعمر، فغلبوا الخف، والهذيان: [كلام] لا حقيقة له.
فيقول مخاطبا لكافور: عدوك مذموم بكل لسان يذكره، مبغض في كل قلب يمتثله، ولو كان القمران من أعدائك مع رفعة شأنيهما، وارتفاع مكانيهما، لنالهما أبلغ الذم، وما اعتمد بجميل الذكر، فكيف يظن بغيرهما ممن يقدم على اعدائك، ويتعرض لمخالفة إرادتك؟! ثم قال: ولله في تأييد علاك سر ينفذه على ما سبق في علمه، ويمضيه بالصنع الجميل لك على ما تقدم من حتمه، وكلام الورى فيما
стр. 142
يقدمونه من خلاف ذلك باطل لا يحفل به، وهذيان لا حقيقة له.
أَتَلْتَمِسُ الأعْدَاءُ بَعْدَ الَّذي رَأَتْ ... قِيامَ دَلِيْلٍ أو وُضوحَ بَيَانِ؟!
رَأَتْ كُلَّ مَنْ يَنوي لَكَ الغَدْرَ يُبْتَلى ... بِغَدْرِ حَيَاةٍ أو بِغَدْرِ زَمَانِ
الالتماس: الطلب والمحاولة.
فيقول لكافور: يلتمس من يضمر العداوة لك، ويرتقب من يتربص المكاره بك، دليلا في تأييد الله لأمره، وبيانا فيما يتكفل الله به من إعلانك ونصرك، بعد الذي أظهره في شبيب لما شانك وناصبك، وعصاك وخالفك.
ثم قال: رأت أعداؤك كل من قابل وفاءك بالغدر، وإحسانك بالجحود والكفر، يبتلى بغدر حياته، ومعاجلة حتفه له، وإن تخطاه ذلك، اختلفت أحوال الزمان إليه، وصممت بمكارهها إليه.
بِرَغْمِ شَبِيْبٍ فَارَقَ السَّيْفَ كَفُّهُ ... وكانَا على العِلاَّتِ يَصْطَحِبَانِ
كَأَنَّ رِقَابَ النَّاسِ قَالتْ لِسَيْفِهِ: ... رَفِيْقُكَ قَيْسِيٌّ وأَنْتَ يَمَانِي
العلات: العوارض المانعة.
فيقول: برغم شبيب أعجل الله الحتف نفسه، وفارق السيف كفه؛ لما كفر أيها الأستاذ نعمتك، وخلع طاعتك، وكان السيف قبل ذلك ينصره على العلات ولا يخذله، ويعضده فيما يجادله ولا يسلمه، فلما خالفك أغفل نصرته، ولما فارقك كره صحبته.
ثم قال: كأن رقاب الناس بإفراطه في قطعها، وإسرافه في ضربها، طالبته في نفسه، وتمتمت به إلى سيفه، فذكرته بما بين اليمن وبين قيس عيلان من الإحن القديمة، والترات المشهورة، فقالت له: أنت منسوب إلى اليمن، واليهم تنسب السيوف، وشبيب رفيقك من رؤساء قيس عيلان، فما لك لا تدرك فيه لترتك، وتخذله تعصبا لليمن جماعتك؟! فكأن السيف أصغى إلى تلك التماتم، وطالب شبيبا
стр. 143
بتلك الطوائل، فخذله عند حاجته إليه، وأسلمه مع اعتماده عليه.
فَإِنْ يَكُ إِنْسَانَاً مَضَى لِسَبِيْلِهِ ... فَإِنَّ المَنَايا غَايَةُ الحَيَوانِ
وَمَا كَانَ إِلاَّ النَّارَ في كُلَّ مَوْضِعٍ ... يُثِيْرُ غُبَارَاً في مَكانِ دُخانِ
فَنَالَ حَياةً يَشْتَهِيْهَا عَدُوُّهُ ... وَمَوْتاً يُشَهَّي المَوْتَ كُلَّ حَبَانِ
يقول كالمتأسف على شبيب فيما أدركه من الخذلان؛ لمخالفته الأستاذ كافورا مع أسلف إليه من نعمته، وأظهره من إكرامه ورفعته، ولم يمنع أبا الطيب ما استجازه شبيب من معصية كافور، من أن يقول عنده بما خبره من فضله، وجربه من شجاعة نفسه، إيثارا للإنصاف، واحتمالا على حسن الاعتراف، فقال: فإن يك شبيب إنسانا أدركه يومه، وأحاط به حينه، فتتقحم فيما أفضى به إلى الهلكة، وسلبه رفيع المنزلة، فإن المنية التي صار إليها غاية كل حي، لا محيص عنها، ولا مفر لأحد منها.
ثم قال: وما كان شبيب في شجاعة نفسه، وضرامته وبطشه، إلا كالنار التي تتلف ما واجهها، وتهلك ما عارضها، وكان يستدل عليه في غاراته، بما تثير خيوله من الغبار، كما يستدل على النار بما يثيره لهيبها من الدخان.
ثم قال: فنال من الحياة أعزها، وأدرك من المراتب أجلها، ثم مات ميتة كريمة تشهي الموت إلى الجبناء، وتبقي عليك أكرم الثناء. وإنما حسن له الثناء على شبيب مع عصيانه لكافور ممدوحه، ما شرحه من أنه مع رفيع منزلته، لما فارق طاعة كافور، عاجله الله بنقمته.
نَفَى وَقْعَ أَطْرَافِ الرَّماحِ بِرُمْحِهِ ... وَلَمْ يَخْشَ وَقْعَ النَّجْمِ والدَّبَرانِ
ولم يَدْرِ أَنَّ المَوْتَ فَوْقَ شَوَاتِهِ ... مُعَارُ جَنَاحٍ مُحْسِنُ الطَّيَرانِ
وَقَدْ قَتَلَ الأَقْرَانَ حَتَّى قَتَلْتَهُ ... بِأَضْعَفِ قِرْنٍ، في أَذَلَّ مَكَانِ
وقع الشيء ووقوعه: كون ما يحذر منه، والنجم: الثريا، والدبران: كوكب تتصل
стр. 144
به كواكب تتلو الثريا، وهما من منازل القمر، وليس في جميع المنازل منزلتان تتقارب تقاربهما، وتسمي العرب ما بينهما ضيقة، ويتشاءمون بمواجهتها عندما يعاونونه من أمورهم، ولذلك يقول الأخطل، وهو يهجو سعيد بن بيان التغلبي، وكان تزوج برة بنت أبي هانئ التغلبي، وكان الأخطل يشبب بها فقال:
وَكَيْف يُدَاوي الطَّبِيْبُ مِنَ الجَوَى ... وَبَرَّةُ عِنْدَ الأَعْوَرِ بنِ بَيَانِ
فَهلاً زَجَرْتَ الطَّيَر إِذ جاَء خَاطِباً ... بِضِيْقَةَ بَيْنَ النَّجْمِ والدَّبَرانِ
والشواة: جلدة الرأس، والأقران: الأكفاء في الحرب، الواحد: قرن.
فيقول: إن شبيبا نفى برمحه وقع أطراف رماح أعاديه، واستظهر عليهم، وفتح دمشق التي كانوا تحصنوا منه فيها، ولم يعرج على التطير بالنجم والدبران ثقة بنفسه، وإدلالا بشجاعته وبأسه.
ثم قال: ولم يدر مع ما اتفق له من الغلبة، وتمكن له من الظهور والمقدرة، حين فتحه لدمشق، وملكه لها، وظفره بها، أن الموت قد أوفى على شواة رأسه، ينهض إليه بأسرع سعي، ويطلبه بأبلغ جهده، حتى كأنه طار نحوه لشدة مبادرته، واستعان بجناح يستعمله لقوة مسارعته.
ثم قال، وهو يريد شبيبا، ويخاطب كافورا: وقد قتل الأقران بمبارزته لهم، وإقدامه في الحرب عليهم، حتى قتلته بقوة إقبالك، وسعادة أيامك، بأضعف قرن كفاك أمره، وفي أذل مكان لقي به حتفه، وذلك أن شبيبا لما فتح دمشق، وتغلب على من كان فيها من أصحاب كافور، وقف تحت طاق من طيقانها، وانتشر أصحابه في أقطارها، ثم عاودوه فألفوه صريعا ميتا لا يعرف قاتله. فقيل إن امرأة دلت عليه من الطاق رحى، وقيل إنه أصيب بسهم، وقيل إن السرج ضربه بحركة الفرس الذي كان يركبه، والله أعلم بحقيقة ذلك. وإلى هذا أشار أبو الطيب في قوله: بأضعف قرن في أذل مكان.
стр. 145
أَتَتْهُ المَنَايَا في طَريقٍ خِفِيَّةٍ ... عَلَى كُلَّ سَمْعٍ حَوْلَهُ وَعِيانِ
وَلَو سَلَكَتْ طُرْقَ السَّلاحِ لَرَدَّها ... بِطُولِ يَمِيْنٍ واتَّساعِ جَنَانِ
الجنان: روح القلب.
فيقول، وهو يريد شبيبا: أتته المنايا في طَريق خفية مستترة، محجوبة عن الأبصار متغيبة، لا تدرك بسمع ولا بصر، ولا يستدفع ما يريد منها بشدة حذر.
ثم قال: ولو سلكت المنايا إليه طرق السلاح على سبيل القتال والمغالبة، والمعهود من الدفاع والمنازلة؛ لردها عن نفسه بيمين تطول ولا تقصر، وجنان يتسع بالحرب ولا يحصر.
تَوَحَّدَهُ المِقْدَارُ بَيْنَ صِحَابِهِ ... على ثَقَةٍ مِنْ دَهْرِهِ وَأَمَانِ
وَهَلْ يَنْفَعُ الجَيشُ الكَثِرُ التِفَافُهُ ... عَلَى غَيْرِ مَنْصُورٍ وَغَيْرِ مُعَانِ؟
وَدَىَ ما جَنَى قَبْلَ المَبِيْتِ بِنَفْسِهِ ... وَلَمْ يَدِهِ بالجامِلِ العَكَنَانِ
الجامل: القطيع من الجمال، والعكنان: الكثير من ذلك.
فيقول: إن شبيبا، وما قدمناه من شرح قتله، توحده المقدار مصمما نحوه، وساق إليه مستعجلا حتفه، وأصحابه مجتمعون، وأنصاره متوافرون، وثقته مستحكمة بما تمكن له من الغلبة، وهو آمن بما أفضى إليه من الهلكة.
ثم قال: وهل ينفع الجيش الكثير التفافه على أمير لا يأذن الله بنصره، ولا تتراخى الأيام به في سابق علمه.
ثم قال: إنه لم يبت ليلته تلك حتى أدى دية جنايته بتلف نفسه، وعجلت له نقمة عصيانه بمواجهة حتفه، ولم تكن دية ما جناه بالجمال الكثيرة، ولا وقعت على السبيل والمعهود.
أَتُمْسِكُ ما أَوْلَيْتَهُ يَدُ عَاقِلٍ ... وتُمْسِكُ في كُفْرانِهِ بعِنَانِ؟
وَيَرْكَبُ ما أَرْكَبْتَهُ مِنْ كَرامَةٍ ... وَيَرْكَبُ لِلعِصْيَانِ ظَهْرَ حِصَانِ!
стр. 146
ثَنَى يَدَهُ الإِحسَانُ حَتَّى كَأَنَّها ... وَقَدْ قَبضَتْ كانَتْ بِغَيْرِ بَنَانِ
الحصان: الذكر من الخيل، وثنى: بمعنى قبض، والبنان: أصابع اليد.
فيقول: وهو يخاطب كافورا، ويشير إلى شبيب: أتمسك يد عاقل كالذي كانت يد شبيب تمسكه، وملكتها إياه بعطاياك وإحسانك، ثم تمسك في كفران ذلك بعنان تصرفه في معصيتك، وتستعمله في مخالفة طاعتك؟ ويركب من الكرامة كالذي أركبته، ويصير منها إلى ما ملكته وخولته، ثم يركب بعد ذلك حصانا يستقل به في عصيانك، ويوديه إلى جحود إحسانك!
ثم قال مخبرا عن شبيب: ثنى يده إحسانك، فلم تجبه إلى قبض عنانه، وتصريف حصانه، حتى كأنها عند قبضت ولا بنان لها، وحاولت مساعدته والخير قد أحاط بها، وهكذا النعمة تحكم لصاحبها، وتسرع بالنقمة إلى جاحدها.
وَعِنْدَ مَنِ اليومَ الوَفاءُ لِصَاحِبٍ؟ ... وَأَوْفَى مَنْ تَرَى أخَوانِ
قَضى اللَّهُ يا كافورُ أَولٌ ... ولَيْسَ بِقاضٍ أَنْ يُرَى لَكَ ثَاني
يقول: وعند من يوجد في زماننا الوفاء؟ ومن يظن به شكر النعمة؟ ومن يقضى بذلك له؟ وشبيب في هذه الحال، وأرفع من ينسبها إليه، ويقدرها عليه، نظيران متساويان، وأخوان متشابهان، وإذا عدم الوفاء في مثل شبيب فهو معدوم في أبناء سائر الدهر، ومن ينتسب إلى الكرم والفضل.
ثم قال: قضى الله يا كافور أنك أول في أهل الفضل، بل مقدم في المنسوبين إلى المكارم، منفرد بجميل الصنع، وأوحد في جلالة القدر، وليس الله بقاض أن يرى لك ملك ثان يعدلك، ويتلوك في سعادتك ويشبهك.
فَمَا لَكَ تَخْتَارُ القِسِيَّ وإنما ... عَنِ السَّعْدِ يُرْمَى دُونَكَ الثقلانِ؟
وما لَكَ تُعْنَى بالأَسِنَّةِ والقَنَا ... وجَدُّكَ طَعَّانٌ بِغَيْرِ سِنَانِ؟
ولَمْ تَحْمِلُ السَّيْفِ الطَّويلَ نِجَادُهُ ... وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْهُ بالحَدَثَانِ
стр. 147
الثقلان: الإنس والجن، والجد: البخت، والنجاد: حمائل السيف، والحدثان: ما يقع من الحوادث في الدهر.
فيقول لكافور: فما لك تختار القسي وتعدها، وتستجدها وتستظهرها، وسعادتك تصريف الثقلين في نصرك، وجميعهم يرمي على حسب رغبتك، فمن عصاك فالله يكفه لوجهه، ومن أطاعك فالله يتكفل بإنجاح سعيه.
ثم قال: وما لك تعنى بالقنا وأسنتها، وتتأهب للمطاعنة ومؤونتها، وجدك يطعن أعداءك بغير سنان تستعمله، ويصرعهم بغير قتال تتمونه.
ثم قال: ولم تحمل السيف مستظهرا بحمله، وتعده متأهبا ليله، وأنت غني بما يصنعه الله لك، ويقربه من السعادة بك، فالحدثان لا يمهل من عند عن طاعتك، وصروف الدهر لا تغفل عمن تعرض لمخالفتك.
أَرِدْ لي جَمِيْلاً: جُدْتَ أو لَمْ تَجُدْ بهِ ... فَإِنَّكَ ما أَحْبَبْتَ فِيَّ أَتَانِي
لَوِ الفَلَكُ الدَّوارُ أَبْغَضْتَ سَعْيِهُ ... لَعَوَّقَهُ شَيءٌ عَنِ الدَّوَرَانِ
الفلك: مدار النجوم.
فيقول لكافور: أرد لي الجميل وإن لم تجد ببذله، واعتقده في وإن لم تبدر إلى فعله، فسعادتك تنفذ إرادتك وأنت غير متعرض لها، والله ينجح مطالبك وإن تكثر العناية بها.
ثم قال: لو الفلك الدوار، مع عظيم شأنه، وارتفاع مكانه، لم يشتمل على ما قضى الله به من إنجاح مطالبك، وتقريب مآربك، لعوق ذلك القضاء جريه، ولأنفذ الله لك إرادته وعلمه. وهذا الكذب من الشعراء، ومثله قد فهم أهل اللغة القصد فيه، وعلم المراد به، وذلك أن الشاعر إذا أراد أن يوجب بصفة بلوغ غاية ما يمكن، نسب إليه في تلك الجهة ما لا يمكن، فعلم السامع عند ذلك أن الشاعر لم يقصد إلى إحالة لفظه، والإزراء على نفسه، ولكنه قصد إلى استيفاء الغاية، وبلوغ أبعد
стр. 148
أسباب النهاية، وسهلت له الثقة بمعرفة قصده، ما يتقلده من المحال في ظاهر لفظه.
стр. 149
وقال يمدحه
مُنىً كُنَّ لي أَنَّ البَيَاضَ خِضَابُ ... فِيَخْفَى بِتَبييضِ القُرونِ شَبَابُ
لَيَالِيَ عِنْدَ البِيْضِ فَوْادَيَ فِتْنَةٌ ... وَفَخْرٌ وذَاكَ الفَخْرُ عِنْدِي عَابُ
فَكَيْفَ أَذُمُّ اليَوْمَ ما كُنْتُ أَشْتَهِي ... وَأَدْعُو بِما أَشْكُوهُ حِيْنَ أجَابُ
المنى: جمع منية، وهي ما يتمناه الإنسان، والقرون: ما أشرف من جوانب الرأس، الواحد: قرن، والشباب: حداثة السن، والبيض: حسان النساء، والفودان: ناحيتا الرأس، والفتنة: زيادة في المحبة تغلب على الرأي، والعاب: لغة في العيب.
فيقول: أمان تقدمت فيما أسلفته من العمر، وقطعته أيام الشبيبة من الدهر، حملتها أن يكون البياض خضابا فاستعمله، واكتسابا فأتعرض له؛ لأخفي بذلك من شبابي ما كان يروق ويعجب، وأغير منه ما كان يروع ويفتن.
ثم قال: ليالي كانت فوادي عند حسان النساء، بسواد شعرهما وحسن منظرهما، فتنة يستمال بها ودهن، ووسيلة يرتهن بها حبهن، وفخرا يتنافس فيه، ويحرص جميعهن عليه، وذلك الفخر عندي عيب أتحرج منه، ونقصان أرغب بنفسي عنه. يشير إلى أنه تخلق بأخلاق الكهول في صغره، ولم يؤثر التصابي في شيء من مدة عمره.
ثم قال مشيرا إلى سروره بشيبه، واغتباطه في ذلك بحالة: فكيف أذم الآن من الشيء ما لم أزل أوثره وأرضاه، وأرغبه وأتمناه؟! وكيف أشكو منه عند الإجابة، ما لم أزل داعيا فيه، وأكره ما كنت مظهرا لأشد الحرص عليه؟!
جَلاَ اللَّوْنُ عَنْ لَوْنٍ هَدَى كُلَّ مَسْلَكٍ ... كما انْجَابَ عَنْ ضَوْءِ النَّهارِ ضَبَابُ
وفي الجِسْمِ نَفْسٌ لا تَشِيْبُ بِشَيْبِهِ ... وَلَوْ أَنَّ ما في الوَجْهِ مِنْهُ حِرابُ
لها ظُفُرٌ إِنْ كَلَّ ظُفْرٌ أُعِدُّهُ ... وَنَابٌ إذا لَمْ يَبْقَ في الفَمِ نَابُ
يُغَيَّرُ مِنَّي الدَّهْرُ ما شَاَء غَيْرَها ... وَأَبْلُغُ أَقْصَى العُمْرِ وهيَ كَعَابُ
جلا: بمعنى كشف، والمسلك: الطريق، وانجاب: بمعنى ارتفع، والضباب: ندى
стр. 150
كالغمام، والناب: السن الذي تلي الرباعية إلى داخل الفم، والكعاب: الجارية التي قد نتأ صدرها.
فيقول: جلا لون شعري الشباب، الذي هو سواده، عن لون من المشيب، أبان كل مسلك من الرشد، وهدى إلى كل مطلب من الحق، وأنقذ من غواية الحداثة، وبصر من جهالة الغرارة، وكان كالضباب الذي ينجاب عن وضح النهار، وينكشف فيبدو ضياؤه للأبصار.
وفي الجسم مني نفس كريمة، صابرة على ريب الخطوب، جليدة لا تشيب بشيب الجسم المتضمن لها، ولا تهرم بهرم الشخص المستقل بها، ولو أن ما في الوجه من شيبة حراب تنكته، وأسنة تطعنه.
ثم قال مشيرا إلى نفسه: لها ظفر إذا فني الظفر المستعز به، وناب من الجلد إذا فني ناب الفم المتفجع له، فأنا اعتاض بها مما يغلبني عليه الدهر، وأصبر بكرمها على ما يتعذر عليه الصبر.
ثم قال: يغير مني الدهر ما شاء بتصرفه، ويبلي ما انصرم عليه بتقلبه غيرها، فإنه لا يبلي جدتها، ولا يضعف جلادتها وقوتها، وأيام الدهر تنصرم وهي كعاب مقتبلة، ومدة تفنى وهي على أخلاق الشباب محتملة.
وَإنَّي لَنَجْمٌ يَهْتدِي صُحْبتِي بِهِ ... إذا حَالَ مِنْ دُونِ النُّجومِ سَحَابُ
غَنِيٌّ عَنِ الأَوْطَانِ لا يَسْتَخِفُّنِي ... إلى بَلَدٍ سَافَرْتُ عَنْهُ إيابُ
وَعَنْ ذَمَلانِ العِيْسِ إِنْ سَامَحَتْ بِهِ ... وإِلاَّ فَفي أَكْوارِهِنُ عُقَابُ
الصحبة والأصحاب والصحابة والصحاب: كل ذلك بمعنى، والوطن: محل الإنسان وموضع مستقره، والإياب: الرجوع، والذملان: ضرب من عدو الإبل، والعيس: جمال يغلب على ألوانهن البياض، والأكوار الرحال، واحدها كور.
فيقول: وإني في علو القدر، وبيان التقدم والفضل، لكالنجم أهدي صحبتي إلى
стр. 151
مطالبهم، وأنهج سبل مذاهبهم، إذا خفي عنهم ما يحاولونه، وعمي عليهم ما يقصدونه، وكانوا كمن يهتدي بالنجوم فتستتر عنه، ويعول عليها فتمتنع بالسحاب منه.
ثم قال: إنه غني عن وطنه إذا فارقه بالبلد الذي يصير فيه، وعن مستقره بالموضع الذي يقدم عليه؛ لأنه شريف الخصال، مشهور الحال، فحيث حل فهو جليل القدر، وحيث كان فهو رفيع الذكر، فليس يستخفه مع ذلك رجوع إلى بلد يخرج عنه، ولا يلحقه أسف على موضع ينتقل منه.
ثم قال مشيرا إلى جلادته، ومخبرا عن نفاذه وصرامته: وأستغني عن ذملان العيس في سيرها، ولا أفتقر إليه في حين رحيلها، فإذا سامحت بذلك فإنما أتقبله دون حاجة، وأعدل إليه عن غير ضرورة، ولو تعوقت علي لكان مني في أكوارها عقاب، لا يبعد عليه مكان يقصده، ولا يفتقر إلى الإبل في شيء مما يعتمده. يريد أنه غني عن ركوب الإبل بقوة جسمه، مساجل للعقاب في طيرانها بسرعة سيره.
وَأَصْدَى فَلا لأُبْدِي إلى المَاءِ حَاجَةً ... وَلِلشَّمْسِ فَوْقَ اليَعْمَلاتِ لُعَابُ
وَلِلسَّرَّ مِنَّي مَوْضِعٌ لا يَنَالُهُ ... نَدِيْمٌ ولا يُفْضِي إِليهِ شَرَابُ
وَلِخَوْدِ مِنَّي سَاعَةٌ ثُمَّ بَينَنَا ... فَلاَةٌ إلى غَيْرِ اللَّقاءِ تُجَابُ
الصدى: العطش، واليعملات: النوق المعتملة في السير، الواحدة يعملة، ولعاب الشمس: السراب، والنديم: الشريب، والخود: الجارية الشابة، وتجاب: تقطع.
فيقول: وأعطش في الهواجر الحامية، والقفار البعيدة النائية، فلا أبدي إلى الماء حاجة، ولا أظهر إليه ضرورة، وللشمس فوق اليعملات، بشدة حرها، وتأجج نارها، لعاب من السراب، وما يتخيل منه للأبصار.
ثم قال: وللسر مني، بصيانتي له، وضنانتي به، موضع لا يناله نديم أشركه فيه،
стр. 152
ولا جليس أطلعه عليه، ولا يصل إليه شراب يغلبني عن حفظه، ويخرجني عما أستبصر فيه من كتمه.
ثم قال: وللخوذ مني ساعة ألهو فيها بحسنها، وأعذل إلى مؤانستها ووصلها، ثم أعقب برحلة تفصل بيني وبينها، بفلوات متنائية، وقفارات متباعدة، لا تتكلف مشقتها على سبيل المراجعة، ولا تحمل مئونتها على نية المعاودة، وإنما تقطع إلى فرقة لا يتصل اللقاء بها، ورحلة لا تقرب الأوبة عن المعترض لها.
وما العِشْقُ إِلاَّ غِرَّةٌ وَطَماعَةٌ ... يُعَرَّضُ قَلْبٌ نَفْسَهُ فَيُصابُ
وَغَيْرُ فُؤادِي لِلْغَوَانِي رَمِيَّة ... وَغَيْرُ بَنَانِي لِلرَّخَاخِ رِكَابُ
الغرة: الغفلة، والطماعة والطمع: بمعنى واحد، والفؤاد: القلب، والغواني: الشواب من النساء اللواتي غنين بأزواجهن، والبنان: أصابع اليدين، والرخاخ: رخاخ الشطرنج، واحدها: رخ.
فيقول: وما العشق إلا غرة على غير تبين، وطمع على غير تأمل، يعرض القلب نفسه للحب فيصيبه برمية، ويمكنه منها فيتملكه بحكمه، ولو نظر بعين الحقيقة لما عمي عن رشده، ولو ملك طريق الصواب لما غلب أباطيل الحب على نفسه.
ثم قال: وغير فؤادي للغواني رمية ترشقه بنبال لحظها، وتفتنه ببدائع حسنها، وغير بناني للرخاخ ركاب تألفها، وآلات تستعملها وتصرفها؛ لأني قد شغلت نفسي بالجد فلا أعدل إلى الهزل، وبالحق فلا أعرج على شيء من اللهو.
تَرَكْنَا لأَطْرَافِ القَنَا كُلّ شَهْوَةٍ ... فَلَيْسَ إِلاَّ بِهِنَّ لِعَابُ
تُصَرَّفُهُ لِلطَّعْنِ فَوْقَ حَوَاذِرٍ ... قد انْقَصَفَتْ فِيهِنَّ مِنْهُ كِعَابُ
اللعاب: مصدر بمعنى اللعب، والحواذر: ذوات التوقع والحذر، وأشار إلى الخيل، والانقصاف: الانكسار، والكعاب: جمع كعب، وهي العقدة الناشزة بين الأنابيب.
فيقول: تركنا لأطراف الرماح وتصريفها عند مطاردة الفرسان، وإعمالها عند
стр. 153
مجاوزة الأقران، كل راحة وشهوة، وكل إرادة وردة، فليس لنا إلا بهن لعب نستعمله، ولا عمل بغيرهن نقبل عليه ونحاوله.
ثم قال، وهو يشير إلى القنا، وذكر لأنه قصد إلى النوع: نصرفه للطعن فوق خيل حواذر للإصابة بالطعن، معتادة للاقتحام على الحرب، قد انقصفت فيهن كعوب الرماح بتغاور الفرسان لها، وأصابتهن الكلوم الموجعة لتصادم الأقران بها، فهي تحذرها عن خبرة، وتتوقعها عن اعتياد وتجربة.
أَعَزُّ مَكَانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سَابِحٍ ... وَخَيْرُ جَلِيْسٍ في الزَّمَانِ كِتَابُ
وَبَحْرٍ أبو المِسْكِ الخِضَمُّ الذي لَهُ ... على كُلَّ بَحْرٍ زَخْرَةٌ وعُبَابُ
تَجَاوَزَ قَدْرَ المَدْح حَتَّى كَأنَّهُ ... بِأَحْسَنِ ما يُثْنَى عَلَيْهِ يُعَابُ
الدنى: جمع دنيا، وجمع لأنه جعل كل جهة من جهات الدنيا على حالها، والسابح: الفرس الذي يمد يديه في الجري، والخضم: السيد الجواد، والزخرة: المد والزيادة، والعباب: الارتفاع والكثرة.
فيقول: أعز مكان في جهات الدنيا سرج فرس سابح، كريم سابق، يخترم من الأعداء بمنعته، ويدرك ما يحاول عليه بسرعته،
وخير جليس في الزمان كتاب يمتعك ولا يملك، ويؤنسك ولا يضرك، يريك عقول الأولين، ويؤثر لك أحوال السالفين، دون مؤونة تتحملها، وبغير مشقة تتكلفها.
ثم عطف الكلام على قوله: وخير جليس، فقال: وبحر، يريد: وخير بحر أبو المسك الذي يربي على السحاب جوده، وعلى البحار فضله، فله على كل بحر زخرة، تزيد على مدة وعبابه، يصغر البحر عند جلالة قدره.
ثم قال: تجاوز قدر المدح بما أظهره من الفضل، وأعيا جهده بما أبداه من السماحة والبذل، فصار المطري له بتقصيره عن وصفه، وعجز مقدرته عما يلزمه من مدحه، كأنه يعيبه بأحسن ذلك غير قاصد، ويبخسه ما يجب له في
стр. 154
المدح غير عامد.
وغَالَبَهُ الأَعْدَاءُ ثُمَّ عَنَوْا لَهُ ... كما غَالَبَتْ بِيْضُ السُّيوفِ رِقَابُ
وَأَكْثَرُ ما تَلْقَى أبا المِسْكِ بِذْلَةً ... إِذا لم يَكُنْ إِلاَّ الحَدِيدَ ثِيابُ
غالبت الرجل: إذا حاولت أن تغلبه، والعنو: الخضوع، والبذلة: اطراح التصاون.
فيقول، وهو يريد كافورا: وغالبه الأعداء مختبرين لمقدار قوته، ودافعوه جاهلين بمبلغ قدرته، ثم عنوا له مسلمين لأمره، وتذللوا راضين بحكمه، فكانوا في مغالبتهم إياه كالرقاب التي تغالب السيوف فتقطعها، وتعارضها فتفريها وتفصلها، وإلى مثل ذلك كان مآل أعدائه في مغالبتهم له، ومصيرهم في تفرسهم به.
ثم قال: وأكثر ما تلقى أبا المسك ابتذالا لنفسه، واطراحا للترفع عن مباشرة أمره، إذا لم يكن ثيابا إلا الدروع السابغة، وجنن الحديد الشاملة، يشير إلى مباشرة الحرب والإقدام على الطعن الضرب.
وَأَوْسَعُ ما تَلْقَاهُ صَدْرَاً وخَلْفَهُ ... رِمَاءٌ وَطَعْنٌ والأَمَامُ ضِرَابُ
وأَنْفَذُ ما تَلْقَاهُ حُكْمَا إذا قَضَى ... قَضاءً مُلوكُ الأرْضِ مِنْهُ غِضَابُ
يَقودُ إليهِ طاعَةَ النَّاسِ فَضْلُهُ ... ولو لم يَقُدْها نَائِلٌ وعِقابُ
الرماء: مصدر المراماة، يقال: رامى الرجل يرامي رماء، وكذلك الضراب مصدر المضاربة، والنائل: العطاء، والعقاب: مصدر المعاقبة.
فيقول: وهو يريد كافورا: وأوسع ما تلقاه صدرا، وأطيب ما تراه خلقا ونفسا، إذا توسط الوقائع وباشرها، واقتحم على الملاحم وواجهها، فخلف وراءه المراماة والطعن برغبته بنفسه عنهما، وأقدم أمامه على الجلاد والضرب لأخذه بأوفر الحظوظ منهما.
ثم قال: وأنفذ ما تلقى حكمه، وأمضى ما تشاهد أمره، إذا قضى قضاء يقصر به ملوك الأرض ويقهرهم، ويضطرهم إلى التسليم له ويغضبهم، فذلك القضاء أمضى
стр. 155
أقضيته؛ لما صرف إليه من همته، وذلك الأمر أنفذ أوامره، لما يستعمل فيه من قوته.
ثم قال: يقود إليه طاعة الناس ما يعترفون به من فضله، ويرتهنها له ما يظهره من إنصافه وعدله، فلو لم يطعه الناس طمعا في جزيل عطائه، لأطاعوه علما منهم بفضله، ولسلموا له رضى من جميعهم بحكمه.
أَيَا أَسَدَاً في جِسْمِهِ رُوحُ ضَيْغَمٍ ... وَكَمْ أسُدٍ أَرْوَاحُهُنَّ كِلابُ
وَيَا آخِذَاً مِنْ دَهْرِهِ حَقَّ نَفْسِهِ ... وَمِثْلُكَ يُعْطَى حَقُّهُ وَيُهَابُ
الأسد: مغروف، والضيغم من صفاته؛ وهو الكثير العض، ويهاب: يعظم.
فيقول لكافور: يا من ظاهره ظاهر الأسد في إقدامه وشدته، وصرامته وقوته، وروحه روح أسد صائل فيما طبع عليه من العزة، وما في جبلته من ارتفاع الهمة، ورب من الملوك في ظاهر هيئتها، وشدة قوتها، وأنفسها أنفس كلاب في رقتها ودناءتها، ولؤمها وجهالتها.
ثم قال يخاطبه: ويا آخذا من الدهر حق نفسه، ومتقدما في إنفاذه غير متأخر، ومثلك يهاب فلا يمطل بحقه، ويتوقع فلا يعارض في إنفاذ أمره.
لَنَا عِنْدَ هذا الدَّهْرِ حَقٌّ يَلُطُّهُ ... وَقَدْ قَلَّ إِعْتَابٌ وَطَالَ عِتَابُ
وَقَدْ تُحْدِثُ الأَيَّامُ عِنْدَكَ شِيْمَةً ... وَتَنْعَمِرُ الأَوْقَاتُ وَهِيَ يَبَابُ
وَلاَ مُلْكَ إِلاَّ أَنْتَ والمُلْكُ فَضْلَةٌ ... كَأَنَّكَ سَيْفٌ فيهِ وَهوَ قِرَابُ
اللط: اللزوق بالشيء، والإعتاب: الإرضاء، والعتاب: السخط والشيمة: والطبيعة، واليباب: القفر الموحش، والقراب: غمد السيف.
فيقول لكافور: لنا عند هذا الدهر حق يلطه ويمسكه، ويستأثر به ويحسبه، وقد قل إعتابه لنا مما نكره، وإعفاؤه إيانا مما نكرهه، وطال عتابنا في ذلك وتسخطنا، وتشكينا منه وتظلمنا.
стр. 156
ثم قال يخاطبه: وقد تحدث الأيام عندك شيمة في الإسعاف مشكورة، وتكتسبه حالا في الإحسان مأمولة، وتنغمر بسعادتك الأوقات بعد إقفارها ووحشتها، وتأنس بعد تباعدها وتغربها. يريد أن الزمان في جنبة كافور يطيب لأهله، ويعود الله فيه على ذوي المطالب بفضله، ويقرب عليهم من الزمان ما بعد، ويلين لهم من اختلافه ما استوعر وخشن.
ثم قال يخاطبه: ولا أملك إلا أنت، والملك فضلة بعدك، يريد: أنه يعظم الملك بنفسه، ويرفع شأنه بجلالة قدره، والملك بعده وآلاته فضول لا يحفل بمثلها، وزيادات لا تدعو حاجة إلى ذكرها، كأنك سيف فيه، وهو قراب يتخذ لصونك، وآلة تستعمل لحفظك، فالملك مضاف إليك، والفضائل فيه مقصورة عليك.
أَرَى لِي بِقُرْبي مِنْكَ عَيْنَاً قَرِيْرَةً ... وَإِنْ قُرْباً بالبِعَادِ يُشَابُ
وَهَلْ نَافِعي أَنْ تُرْفَعُ الحُجْبُ بَيْنَنَا ... وَدُونَ الَّذي أَمَّلْتُ مِنْكَ حِجَابُ؟!
العين القريرة: الساكنة بنظرها إلى ما تستحسن، والشوب: الخلط.
فيقول لكافور: أرى لنفسي باستقرابك لي، وما تظهره من الأنس بي، عينا قريرة بحسن رأيك، مسرورة اعتنائك، وإن كان ذلك الاستقراب مشوبا بالبعد عنك، منغصا بما احرمه منك.
ثم فسر ما ذكره فقال: وهل ينفعني الوصول إلى حضرتك، وارتفاع حجابك لي، بما تظهره لي من خاصتك، إذا كان دون ما أؤمله منك، حجب مانعة، واعترضت لي فيما أسألك إياه عوائق ظاهرة، فما الغبطة ببر لا ثمرة له، وإكرام لا يتصل الإسعاف به؟!
أَقِلُّ سَلاَمِي حُبَّ مَا خَفَّ عَنْكُمُ ... وَأَسْكُتُ كِيْمَا لا يَكُونُ جَوَابُ
وفي النَّفْسِ حَاجَاتٌ وفيكَ فَطَانَةٌ ... سُكُوتِي بَيَانٌ عِنْدَها وخِطابُ
وما أَنَا بِالبَاغِي على الحُبَّ رِشْوَةً ... ضَعيفٌ هَوًى يُبْغَى عَلَيْهِ ثَوَابُ
стр. 157
الفطنة والفطانة: صدق الظن، وحسن المعرفة، والرشوة: العطاء يتقرب به طالب الحاجة، والثواب: الجزاء الجميل.
فيقول لكافور: اختصر السلام عليك مؤثرا للتخفيف عنك، والتزم السكوت لكيما لا أمونك باقتضاء جواب منك، واستعمل فيما بيني وبينك أفضل الأدب، وأرغب بنفسي عن مواجهتك بالطلب.
ثم قال: وفي نفسي حاجات لي قد أخرت قضاءها، وفيك فطانة لا غاية وراءها، وضرورتي فيما أرغبه إلى المسألة، وما أنت عليه مع ذلك من ثاقب المعرفة، بيان لا إضمار فيه، وخطاب لا خفاء عليه. يشير إلى الولاية والإقطاع اللذين قدم المسألة فيهما، وتأخر عنه كافور بما رغبه منهما.
ثم قال مشيرا إلى كافور: وما أجعل ما ابتغيه منك جزاء عن محبتي، ولا أسأل ذلك رشوة على موالاتي وطاعتي، فالحب الذي يقصد به الثواب ضعيف في نفسه، والود الذي تبغي عليه الرشوة لا يغتر بمثله، ولكنني أرغب أن يكون تشرفي بك بحسب ما اعتقده من التأمل لك.
وَمَا شِئْتُ إِلاَّ أَنْ أَدُلَّ عَوَاذِلي ... عَلَى أَنَّ رَأْيي في هَواكَ صَوَابُ
وأْعْلِمَ قَوْمَا خَالَفُونِي، فَشَرَّقُوا ... وَغَرَّبْتُ: أَنَّي قد ظَفِرْتُ وَخًابوا
يقول: وما أردت فيما رغبته، ولا حاولت فيما سألته، إلا أن أدل عواذلي على قصدك، والمخالفين لي في الرحلة إلى أرضك، على أن رأيي في ذلك صواب لا تدفع صحته، ونجاح لا تمطل غبطته.
ثم قال: ولأعلم قوما خالفوني فيما أظهرته من التأميل لك، ونافروني فيما أنزلته من الثقة بك، فشرقوا راغبين عنك، وغربت راجيا في أن آخذ بحظي منك: أني قد ظفرت بما أملته، وخابوا مما وصلت إليه وأدركته.
جَرَى الخُلْفُ إِلاَّ فِيكَ أَنَّكَ وَاحِدٌ ... وَأَنَّكَ لَيْثٌ والمُلُوكُ ذِئَابُ
стр. 158
وَأَنَّكَ إِنْ قُويِسْتَ صَحَّفَ قَارِئُ ... ذِئَاباً ولم يُخْطِئ فَقَالَ ذُبَابُ
وَإِنَّ مَدِيحَ النَّاسِ حَقٌ وباطِلٌ ... وَمَدْحُكَ حَقٌ لَيْسَ فيهِ كذَابُ
الخلف: الخلاف، تقول العرب: أبيعك هذا الغلام وأبرأ إليك من خلفة فيه، يريدون: مخالفة، والليث: الأسد، والمقايسة: الموازنة والمماثلة، والذئاب: سباع معروفة، والتصحيف: قراءة الشيء على غير حقيقته، والكذاب: لغة في الكذب، يقال: كذاب وكذاب وكذب، كل ذلك بمعنى.
فيقول لكافور: جرى الخلاف بين الناس في تعظيم الملوك وتفضيلهم والترفيع بهم، ولا خلاف في أنك بينهم الأعظم، وزعيمهم الأفضل، وأنهم معك كالذباب مع الأسد، والأتباع مع الملك، يصغرون عنك، وتجل فيهم، ويتواضعون لك، وتقدر عليهم، وإنك إن قويست بهم على حقيقة المقايسة، وسبيل الإنصاف في الموازنة، فإنهم يصغرون عن أن يكون محلهم منك محل الذئاب من الأسد، بل يصحف القارئ الذئاب فيقول ذباب فلا يخطئ مع تصحيفه، ولا يفارق الصواب مع تبديله، وقد يعلم أن زيارتك عليهم أكثر من زيادة الأسد على الذئاب في قوة الأسر، وفوتك لهم أبين من فوت الأسد للذئاب في جملة الأمر.
ثم قال: ومن المعروف الذي لا خلاف فيه، أم ما يمدح الناس به يكون فيه الصدق والكذب، والحق والباطل، ومدحك وإن استعمل فيه المادح جهده، واستنفذ وسعه، صدق ولا طريق للكذب فيه، وحق لا سبيل للباطل عليه.
إِذا نِلْتُ مِنْكَ الوُدَّ فالمَالُ هَيَّنٌ ... وكُلُّ الذي فَوْقَ التُّرابِ تُرابُ
وَمَا كُنْتُ لَوْلاَ أَنْتَ إِلاَّ مُهَاجِراً ... لَهُ كُلَّ يَوْمٍ بَلْجَةٌ وَصِحَابُ
وَلكِنَّكَ الدُّنيا إِليَّ حَبِيْبَةٌ ... فَمَا عَنْكَ لِي إِلاَّ إِليكَ ذَهَابُ
المهاجر: الذي يهجر بلده وينتقل إلى غيره، والصحاب: كثير جمع صاحب، يقال: صاحب وصحب، ثم يجمع على صحاب، كما يقال: راكب وركب، ثم يجمع ركب
стр. 159
على ركاب.
فيقول لكافور: إذا نلت رضاك ومودتك، ووافقت مرادك ومسرتك، فالمال قليل في جنب هذه الرفعة، وما استفيد منه حقير عند هذه الأثرة، وجميع ما على الأرض بالإضافة إلى ذلك كالتراب الذي لا يحفل بأمره، ولا يعرج على الاستكثار من جمعه.
ثم قال يخاطبه: وما كنت لولا سروري بقربك، وما تتابعه عندي من إحسانك وفضلك، إلا مهاجرا لا أستوطن بلدة، ومسافرا لا أعدم رحلة، أستجد كل يوم سفرة، وأحدث بقوم معرفة وصحبة.
ثم قال: ولكنك عندي كالدنيا التي طبعت القلوب على حبها، وجبلت على شدة الإعجاب بها، فما لي معول إلا عليك، ولا أعتقد ذهابا عنك إلا إليك.
стр. 160
نالت أبا الطيب بمصر حمى، كانت تغشاه إذا أقبل الليل، وتنصرف عنه إذا أقبل النهار بعرق شديدة، فقال في ذلك في ذي الحجة سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة:
مَلُومُكُمَا يَجِلُّ عَنِ المَلامِ ... وَوَقْعُ فَعَالِهِ فَوْقَ الكَلاَمِ
ذَرَاني والفَلاةَ بِلا دَلٍيلٍ ... وَوَجْهي والهَجِيْرَ بلا لِثامِ
فَإِنَّي أَسْتَرِيحُ بِذي وهذا ... وَأَتْعَبُ بالإنَاخَةِ والمَقَامِ
وقع الفعل: كونه وتأثيره، والفلاة: الأرض المقفرة، والهجير: حر نصف النهار، واللثام: القناع الذي يقع على الأنف فيستر ما تحته من الوجه، والإناخة: تعريض الإبل للبروك، والمقام والإقامة: بمعنى واحد.
فيقول لصاحبيه اللذين أنكرا عليه مراده في فراق كافور، والخروج عن مصر: فأنتما أيها العاذلان! لا تلومان مني ما يجل عن الملام، وتعذلان من يرتفع عن العذل، ومن يصدق قوله بما يفعله، وتزيد خبره على ما يذكره.
ثم قال يخاطبهما: ذراني وركوب الفلاة دون دليل استرشده، ومواجهة الهجير دون لثام استعمله، فإني غني عن الدليل لقوتي على اختراق القفر، وعن اللثام لجلدي على البرد والحر،
ثم أكد ما وصف به نفسه من الشدة، وما هو عليه من النفاذ والقوة، فقال: فإني أستريح بذي، يريد: الفلاة، وهذا، يريد: الهجير، وأتعب بالسكون والإناخة، وآلم للقرار والإقامة. يشير إلى أنه اعتاد الأسفار، فهو يستريح بها، ولم يعرف الإقامة، فهو يستوحش لها.
عُيُونُ رَوَاحِلي إنْ حِرْتُ عَيْنِي ... وَكُلُّ بُغَامِ رَازِحَةٍ بُغَامِي
فَقَدْ أَردُ المِيَاهَ بِغَيْرِ هَادٍ ... سِوَى عَدَّي لَهَا بَرْقَ الغَمَامِ
الحائر: الذي لا يهتدي لسبيله، وبغام الناقة: صوتها عند الإعياء، والرازح من الإبل: الذي قد بالغه الكلال، وعده برق الغمام: إشارة إلى ما كانت العرب تفعله، وذلك أنهم كانوا يشيمون البرق، فإذا لمعت سبعون برقة انتقلوا ولم يبعثوا رائدا
стр. 161
لثقتهم بالماء.
فيقول: إنه على مقدرة من الرحلة في القفار النائية، وقوة على التصرف في المهامه الشاسعة، دون ركاب تحمله، وبغير إبل تنقله، لإدلاله بشدته، ونفاذه في الفلوات بمعرفته، فإن حار عند ذلك، فعيون رواحله عينه، وإن أعيي فصوت ركائبه صوته. يشير إلى أنه لا يستعين بالركاب، ولا يفتقر إلى الأصحاب.
ثم أكد ما قدمه فقال: فقد أرد المياه في تلك القفار منقطعا إلى الوحدة، معولا على ما استند إليه من النفاذ والقوة، لا استعين بهاد استرشده، ولا أعول على دليل أقلده، غير البرق الذي أهتدي بلمعانه، وأعرف مواقعه بتتابع خفقانه، يشير إلى أنه من ملازمة الفلوات على مادة متقدمة، ومن الخبرة بها على معرفة متمكنة.
يُذِمُّ لِمُهْجَتِي رَبَّي وَسَيْفِي ... إذا احتَاجَ الوَحِيدُ إلى الذمَامِ
ولا أُمْسِي لأَهْلِ البُخْلِ ضَيْفَاً ... وَلَيْسَ قِرى سِوَى مُخَّ النَّعامِ
الذمام: العهد، ومخ النعام: مثل ضربه للعدم؛ لأن النعام لا يكاد يوجد له مخ في عظامها، وإنما هي جوف لا مخ لها، ولذلك لا ينجبر ما انكسر منها.
فيقول: أنه لا يحتاج إلى دمام يمتنع به، ولا إلى جوار ينعقد له، وإنما يذم له ربه بفضله، [ويجيره] سيفه بحده، فهو كثير بنفسه، يمتنع بقوته وبأسه، إذا كان الوحيد ممن سواه مفتقرا إلى ذمام يحفظه، ومحتاجا إلى مجير يمنعه.
ثم قال: ولا أرضى أن أوجد ضيفا للبخلاء، معولا فيما أحاوله على الأدنياء، يوهمون أنهم ينالونني برفدهم، ويستميلونني بفضلهم، وقراهم لي مخ النعام، الذي هو عدم لا يوجد، ومسمى لا يعهد، وإنما أشار إلى تبخيل كافور وذمته، وإلى استقلال ما صار إليه من عنده.
وَلَمَّا صَارَ وُدُّ النَّاسِ خِبَّاً ... جَزَيْتُ على ابْتِسَامٍ بابْتِسامِ
وَصِرْتُ أَشُكُّ فِيْمَنْ أَصْطَفِيْهِ ... لِعِلْمِي أَنَّهُ بَعْضُ الأَنَامِ
стр. 162
يُحِبُّ العَاقِلُونَ على التَّصَافِي ... وَحُبُّ الجاهِلِيْنَ على الوَسَامِ
الخب: [المكر والخديعة] والاصطفاء: الاختيار، والأنام: الخلق، والوسام، جمال المظهر.
فيقول: ولما صار ود الناس خبا لا حقيقة له، وكذبا لا يوثق به، جزيت على الابتسام في اللقاء بايتسام مثله، وقابلت ما أشاهده من النفاق؛ نفاق الناس بشكله.
ثم قال: وصرت فيمن أصطفيه ممن أوده، ومن أسكن إليه ممن أحبه، على شك لا أدافعه، وارتياب لا أنكره؛ لأن علمي بأمر ذلك الذي خبرته واحد من الأنام الذين عم الفساد جملتهم، وملك النفاق عامتهم.
ثم قال: يحب العاقلون على قدر ما يجدونه فيمن أحبوه من المصافاة والمشاكلة، والمؤاخاة والمشاركة، وحب الجاهلين على قدر وسامة من يخصونه بمحبتهم، ويحسب جاه من يعتمدونه بمودتهم، وإنما ذلك لأن مودتهم احتيالات لا يوثق بها، وصناعات لا حقيقة لها.
وآنف من أَخِي لأَبي وأُمي ... إِذا ما لَمْ أَجِدْهُ مِنَ الكِرامِ
أَرَى الأَجْدَادَ يَغْلِبُها كَثِيراً ... على الأَولادِ أخْلاقُ اللَّئامِ
وَلَسْتُ بِمقتنِعِ مِنْ كُلَّ فَضْلٍ ... بَأَنْ أعْزَى إلى جَد هُمَامِ
الأنفة: الغضب والحمية، وأعزى: أنسب، والجد الهمام: العظيم الهمة.
فيقول: [آنف] من استقراب أخي شقيقي، وأكرهه وأنفر عنه وأتجنبه، إذا لم أجده كريما يتزين بفضله، سريا تسكن النفوس إلى مثله، فآلفه لكرم شيمه، ولا آلفه لعدم ذلك؛ لقرب رحمه.
ثم قال: أرى كرام الأجداد يغلبهم كثيرا على أولادهم، ويسبقهم إلى أعقابهم تخلقهم بأخلاق اللئام؛ لكثرة المتخلقين بها، ورغبتهم في مذاهبهم؛ لما يباشرونه من اعتياد الناس لها، وليس الأعقاب محمولين على الأجداد والسلف، ولا يتوارث ما قدموه
стр. 163
من الشرف، وإنما يشرف الإنسان بنفسه، ويرفعه ما يتبين من فضله.
ثم قال: ولست اقنع من الشرف والفضل، واقتصر من الكرم والشرف، على أن أعزى إلى جد جليل قدره، وأنسب إلى أب رفيع ذكره، حتى أحرز الشرف، بما أحويه من كرم الخلال، واستحقه بما أحوزه من شرف الخصال.
عَجِبْتُ لِمَنْ لَهُ قَدٌّ وحَدٌّ ... وَيَنْبُو نَبْوَةَ القَضِمِ الكَهَامِ
وَمَنْ يَجِدُ الطَّرِيقَ إشلى المَعَالِي ... فَلا يَذَرُ المَطِيَّ بِلا سَنَامِ
وَلَمْ أَرَ في عُيوبِ النَّاسِ شَيْئاً ... كَنَقْصِ القادِرِينَ على التَّمامِ
القضم من السيوف: الذي طال عليه الدهر فكسر حده، والكهام: الذي ينبو عند القطع، والسنام: أعلى الظهر.
فيقول: عجبت لمن يؤتى بسطة في جسمه، وجرأة من نفسه، ويعجز عن النفاذ في مطالبه، ويقصر عن التقدم في مذاهبه، فيكون ظاهره ظاهر السيف الكهام، وحقيقته حقيقة الصارم الحسام. وإنما أشار إلى نفسه في مقامه بمصر خاملا مع قدرته في غيرها على الظهور، مقيما مع قوته على التنقل والمسير.
ثم قال على نحو ما قدمه: وعجبت ممن يجد السبيل إلى معالي الأمور فلا يعمل في ذلك نفسه، ويستنفذ فيه جهده. وجعل المطي الذي ذكرها إشارة إلى المعنى الذي قصده.
ثم قال مؤكدا لما ذكره: ولم أر في عيوب الناس عيبا أظهر وأبين، وعجزا أبلغ وأمكن، من نقص من به على التمام أعظم قدرة، وخمول من له على الظهور أوفر قوة. وأشار بجميع هذا إلى نفسه، وإلى ما عليه في المقام بمصر من الإخلال لقدره.
أَقَمْتُ بِأَرْضِ نِصْرَ فَلا وَرَائِي ... تَخُبُّ بِيَ الرَّكَابُ ولا أَمَامي
وَمَلَّنِيَ الفِراشُ وَكَانَ جَنْبِي ... يَمَلُّ لِقَاَءهُ في كُلَّ عَامِ
стр. 164
قَلِيْلٌ عَائِدِي، سَقِمٌ فُؤادِي ... كَثِيْرٌ حَاسِدِي، صَعْبٌ مَرَامي
عَلِيلُ الجِسْمِ، مُمْتَنِعُ القيامِ ... شَدِيدُ السُّكْرِ مِنْ غَيْرِ المُدَامِ
الخب: ضرب من العدو، والركاب: الإبل تحمل القوم، والمرام: المطلب، والمدام: الخمر.
فيقول: أقمت بأرض مصر لا أهم عنها برحلة، ولازمتها لا أزمع منها على نقلة، وهي نائبة بي غير موافقة، وموحشة لي غير ملائمة.
ثم قال: وملني الفراش لطول العلة، ولازمته مع شدة الضرورة، وما زال جنبي يمله في كل عام بغزوة استقبلها، وغبطة في الحركة أتعرفها.
ثم قال: وهاأنا الآن في مرضي، قليل من يعودني فآنس بقربه، ويعتقدني فأثق بوده، سقيم بفؤاد بما حصلت عليه من الخيبة، مستوحش النفس لما صرت إليه من الوحدة، كثير من يحسدني على النبل، ويصعب عليه ما أحرزته من الفصل.
ثم قال: وأنا مع ذلك عليل الجسم، لا أستطيع على القيام، متصل السكر، دون أن ألم بالمدام. يشير إلى شدة ضعفه، واستيلاء المرض عليه في جملة أمره.
وَزَائِرَتِي كَأَنَّ بِها حَيَاءً ... فَلَيْسَ تَزُورُ إِلاَّ في الظَّلامِ
بّذَلْتُ لها المَطَارفَ والحَشَايَا ... فَعَافَتْها، وَبَاتَتْ في عِظامي
يَضِيْقُ الجِلْدُ عَنْ نَفْسِي وَعَنْهَا ... فَتُوسِعُهُ بِأَنْوَاعِ السَّقَامِ
المطارف: ثياب خز مربعة لها أعلام، [والحشايا]: واحدها حشية، [وهو ما حشي من الفرش مما يجلس عليه]، وتوسعه: بوزن تفعله، من قولهم أوسعت على فلان.
فيقول، وهو يشير إلى الحمى التي كانت تناله: وزائرتي التي تفتقدني، ومعتادتي التي تردني، كأن بها حياء في الزيارة لي، وخجلا عند الإلمام بي، فليس تزور إلا معتمة، ولا ترد إلا مستترة، وذلك أشد لألمها، وأبلغ في وجعها؛ لأنها توجب حينئذ السهر، وتثير البلابل والفكر، فأشار إلى هذا التشكي بوجه، بسطة للحمى من
стр. 165
العذر، ودل عليه بضرب، أظهره لها من الستر، وهذا باب من البديع مزج به الإيماء بالاستعارة، والكناية بمفهوم الإشارة.
ثم قال: بذلت لها المطارف الأنيقة، والحشايا الأثيرة، فعافت بما بذلته، وكرهت ما أعددته، واعتمدت عظامي تزحمها، ولازمتها توجعها وتؤلمها.
ثم قال على نحو ما قدمه: يضيق جلدي عني وعما يحاوله من الاشتمال به، وتطالبه من الاقتحام له، فتوسعه بأنواع السقم، وتغمه بضروب الألم، وكل هذا على نحو ما قدمه من الإشارة الكافية، والكناية المغنية.
إذا ما فَارَقَتْنِي غَسَّلَتْني ... كَأَنَّا عَاكِفَانِ على حَرَامِ
كَأَنَّ الصُّبْحَ يَطْرُدُها فَتَجْري ... مَدَامِعُها بِأَرْبَعَةٍ سِجَامِ
أرَاقِبُ وَقْتَها مِنْ غَيْرِ شَوْقٍ ... مُرَاقَبَةَ المَشُوقِ المُسْتَهَامِ
وَيَصْدُقُ وَعْدُها والصَّدْقُ شَرٌّ ... إذا ألْقَاكَ في الكُرَبِ العِظَامُ
العكوف على الشيء: الإقامة عليه، والمدامع: مخارج الدمع، وهي أمواق أربعة، واحدها موق، وهو طرف العين الذي يلي الأنف، لكل عين موقان، وهما أعلى ذلك الموضع وأسفله، والسجام: السائلة.
فيقول، مشيرا إلى الحمى: إذا ما فارقتني بعد طول المضاجعة، وتاركتني بعد شدة الملازمة، وأعقبتني من العرق ما هو كالغسل، وأحدثت علي به ضربا من الشغل، حتى كأننا عاكفان على حرام، نفترق عنه، ونستأنف الاغتسال منه.
ثم قال: كأن الصبح يطردها عني بما تحذره من الرقبة، ويفصلها بما هو عليها في الزيادة من الريبة، فتفارقني باكية، وتولي عني مشفقة، فتبلني بدمعها، وتوددني بما تظهر لمفارقتي من حزنها.
ثم قال: أراقب وقتها مراقبة الحذر، وأتعهده تعهد المنتظر، ويوجب ذلك شدة الإشفاق والتوقع، لا شدة الاشتياق والتطلع، وهي مع ذلك ملازمة غير متوقعة،
стр. 166
ومعاودة غير متخلفة.
ثم قال: ويصدق ما تعد به من العودة فلا تخلفه، وتلتزم الوفاء فيه فلا تغفله، والصدق في ذلك شر لك؛ لأنه يقودك إلى ما تكرهه، ويورطك فيما تحذره وتتوقعه.
أَبِنْتَ الدَّهْرِ عِنْدي كُلُّ بِنْتٍ ... فَكَيْفَ خَلَصْتِ أَنْتِ مِنَ الزَّحَامِ؟!
جَرَحْتِ مُجَرحاً لم يَبْقَ فِيْهِ ... مَكَانٌ لِلسُّيُوفِ ولا السَّهامِ
يقول: وهو يخاطب الحمى: أبنت الدهر، الطارقة من حوادثه، وناشئته الواردة من مكارهه، عندي كل بنت من نكباته يحدثها، وكل طارقة من صروفه يبعثها، فكيف خلصت أنت من زحام تلك الحوادث الواردة، وتضايق تلك النوائب القاصدة؟! فسمى الحمى بنت الدهر على سبيل الاستعارة، وأشار بما ذكره إلى اعتماد الدهر له بما يكرهه، وشدة تكرره عليه بما يؤلمه.
ثم قال، وهو يخاطب الحمى، ويشير إلى نفسه: جرحت مجرحا قد نهكته خطوب الدهر، وبالغته بما يقصده من الضر، فلم يبق فيه للسيوف مكان تناله بالضرب، ولا للسهام بقية تعتمدها بالرمي، فأشار إلى سوء حاله، ومبالغة الألم له، وشدة اغتراء الزمان به، وأجرى الكلام على سبيل الاستعارة والتجوز.
ألا يا لَيْتَ شِعْرَ أتُمْسي ... تَصَرَّفُ في عِنَانٍ أو زِمَامِ
وَهَلْ أَرْمِي هَوَايَ بِراقِصاتٍ ... مُحَلاَّةِ المَقَاوِدِ بِاللُّغَامِ
الشعر: مصدر شعرت بالشي، إذا انتبهت له، ونسب ذلك إلى يده على سبيل الاستعارة، والزمام: المقود الذي يصرف به البعير، وهو له كالعنان للفرس، واللغام: ما ترمي أفواه الإبل من الزبد، والراقصات: التي كأنها تتوائب في سيرها، والإبل توصف بذلك.
فيقول مستبطئا لما كان يهم به من الارتحال عن مصر، ومشيرا إلى تأسفه على
стр. 167
طول المقام بها: ألا ليت شعر يدي هل لها سبيل إلى عدم التضجع في مصر، والتخلص منها بتصريف أزمة الإبل في السير، وأعنة الخيل في العدو، فأصير إلى ما اعتدته، وأعمل نفسي فيما عهدته وعرفته؟!
ثم قال: وهل تؤول الحال بي إلى أن أرمي ما أحاوله وأرغبه، وأهواه وأؤمله، براقصات من الإبل أحثها في السير، وأحهدها وأداومها به، واستعجلها حتى يصير لعابها على أزمتها كأنه حلي يشملها، ونظام يحسنها.
فَرُبَّتَما شَفَيْتُ غَلِيْلَ صَدْري ... بِسَيْرٍ أو قَنَاةٍ أو حُسَامِ
وَضَاقَتْ خُطَّةٌ فَخَلَصْتُ مِنْها ... خَلاصَ الخَمْرِ مِنْ نَسْجِ الفِدامِ
وَفَارَقْتُ الحَبِيْبَ بِلا وَدَاعٍ ... وَوَدَّعْتُ البِلادَ بِلا سَلاَمِ
غليل الصدر: حرارته، والخطة: الحالة، والفدام: آلة تكون على فم الإبريق تصفى بها الخمر.
فيقول: فربتما شفيت صدري من حره، وداويته من سقمه، بسير استعمله في رحلة، وقناة أو سيف أصرفهما في غزوة.
ثم قال: ورب خطة ضيقة، صعبة متعذرة، خلصت منها بعزم نافذ، وأقدمت عليها بقلب صارم، واقتحمت بين شدائدها، ونفذت في مكارهها، وخرجت عنها خروج الخمر من الفدام، التي لا يمسكها بضيق مخارجه، ولا يوقفها بدقة مسالكه.
ثم قال: وفارقت الحبيب عند ذلك على عمل أذهلني عن مرغوب الوداع، وودعت البلاد على شغل عوقني عن معهود السلام، يريد: أنه على عادة من الوقوع تحت مخاوف الطلب، وعلى قوة من التقحم على مكاره الغرر.
يَقُولُ لِيَ الطَّبيبُ: أَكَلْتَ شَيْئاً ... وَدَاؤُكَ في شَرَابِكَ والطَّعَامِ
وما في طِبَّهِ أَنَّي جَوَادٌ ... أَضَرَّ بِجِسْمِهِ طُولُ الجَمَامِ
تَعَوَّدَ أَنْ يُغَبَّرَ في السَّرايا ... وَيَدْخُلَ مِنْ قَتَامٍ في قَتَامِ
стр. 168
فَأُمْسِكَ لا يُطَالُ لَهُ فَيَرْعى ... وَلاَ هُوَ في العَلِيقِ ولا اللَّجامِ
الجواد: الفرس الكريم، والجمام: الدعة وقلة التعب، والقتام: الغبار، والعليق: القضيم الذي يعلق على الدابة.
فيقول: يكفني الطبيب في علتي عن الأكل، ويحذرني من الخطأ في التطعيم والشرب، على العادة المعهودة في المعالجة، وما تؤثره الأطباء من الملاطفة.
ثم قال: وما في علم الطبيب الملم بي، والمعالج المتفقد لي، أني كالجواد الذي أضر الجمام بجسمه، وبعث عليه أسباب سقمه، وهو يصلحه التعب، ويستثير قوته النجاء والطلب، فأشار إلى أنه يألف الأسفار، ويستكره الدعة والقرار.
ثم قال على نحو ما قدمه من ذكر الجواد الذي كنى به عن نفسه: تعود ذلك الجواد أن يثير الغبار في الغارات، ويستعمل الجد في الغزوات، ويخرج من قتام يقطعه، إلى قتام يرهج به ويبعثه، جاهدا لا يفتر، ومعتزما لا يقصر.
ثم قال: فأمسك الآن مقصودا على ما يكرهه، ممنوعا مما يألفه ويرغبه، لا يطال له عند الرعي، ولا يتسع له في العليق والقضم، ولا يتصرف في لجامه غازيا، ولا يختال بتحمله سائرا، فأشار إلى ضبط كافور له بمصر ألطف إشارة، وعبر عن ضيق الحال فيها أحسن عبارة، وضرب لنفسه مثلا بالجواد، أبدع في استعارته، وبلغ فيه غاية البيان بكنايته.
غَإِنْ أَمْرَضْ فَما مَرِضَ اصْطِبَارِي ... وَإِنْ أحْمَمْ فَمَا حُمَّ اعْتِزَامِي
وَإِنْ أَسْلَمْ فَمَا أَبْقَى وَلكِنْ ... سَلِمْتُ مِنَ الحِمَامِ إلى الحِمَامِ
الحِمَامِ: الموت.
فيقول: فإن مرضت وبالغني المرض، وحممت وخامرني الألم، فإن صبري في غاية الصحة، وعلى أفضل ما عهدته عليه من القوة، وإن حممت فإن عزمي نافذ لا تعلق الحمى به، ثابت لا تتعرض العلل له.
стр. 169
ثم قال: وإن أفضيت من العلة إلى السلامة، ومن المرض إلى الكفاية، فإنما أسلم من الموت ومصيري إليه، وأعدل عنه ولا بد من الورود عليه.
تَمَتَّعْ مِنْ سُهادٍ أو رُقَادٍ ... ولا تَأْمُلْ كَرى تَحْتَ الرَّجامِ
فإِنَّ لِثَالِثِ الحالتَيْنِ مَعْنى ... سِوَى مَعْنى انْتِبَاهِكَ والمَنَامِ
السهاد: عدم الرقاد، والكرى: النعاس، والرجام: القبور، الواحد: رجم.
فيقول، وهو يخاطب نفسه: تمتع من النوم واليقظة، ومن السكون والحركة، ولا تأمل النوم في برد أباطيل الدنيا، بعد زيارة لحدك، وانصرام عمركن فإن الموت يهدم اللذات، وينقل عن معهود الراحات.
ثم قال: وتيقن أن بعد اليقظة والنوم معنى ثالثا من الحق، وحالا منتظرة من الجد، هي غير هذه الأباطيل، وخلاف هذه التكاذيب، فلتلك الحال فاعمل بجهدك، وإليها فاقصد بسعيك، فإنما تطلبك ولا تغفلك، وتعجبك ولا تمطلك.
стр. 170
قدم أبو شجاع فاتك (المعروف بالمجنون) من الفيوم إلى مصر، فواصل أبا الطيب، وحمل إليه هدية قيمتها ألف دينار، فقال يمدحه، أنشدها لتسع خلون من جمادى الآخرة، سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة.
لا خَيْلَ عِنْدَكَ تُهْدِيها ولا مَالُ ... فَلْيُسْعِدِ النُّطْقُ إِنْ لم يْسْعِدِ الحَالُ
واجْزِ الأَمِيْرَ نُعْمَاهُ فَاجِئَةٌ ... بِغَيْرِ قَوْلٍ ونُعْمَى النَّاسِ أَقْوَالُ
فَرُبَّما جَزتِ الإحْسَانَ مُوْلِيَهُ ... خَرِيْدَةٌ مِنْ عَذَارى الحَيَّ مِكْسَالُ
الفاجئ من الأمور: الذي يرد بغتة، والخريدة: الحيية من النساء، والعذارى: الأبكار، والمكسال من النساء: التي لا تكاد تبرح من موضعها.
فيقول مخاطبا لنفسه، ومشيرا إلى ما ابتدأه به فاتك من فضله: لا خيل عندك تقارض بها من تاحفك بخيله، ولا مال تجازي به من وصلك بماله، فإذا قصر بك يسارك ووفرك، فليسعدك على المقارضة لسانك وشكرك.
ثم قال مشيرا إلى فاتك: وأجز الأمير الذي يفجأ إنعامه وفضله، فيسبقان مقاله ووعده، وأكثر نعم الناس أقوال لا حقيقة لها، وعدات لا يتصل الإنجاز بها.
ثم قال: فربما جزت الإحسان الخريدة الحفرة، والعذراء المكسال المستترة، بحسن اعترافها بالفضل، ومقابلته ببذل المجهود في الشكر. ومن قابل الإحسان بنشره، فهو كمن جازى عليه بفعله.
وإِنْ مُحْكَمَاتُ الشُّكْلِ تَمْنَعُني ... ظُهُورَ جَرْيٍ فَلِي فِهن تَصْهَالُ
وَمَا شَكَرْتُ لأَنَّ المَالَ فَرَّحَنِي ... سِيَّانَ عِنْدي إكثارٌ وإقلاَلُ
لكِنْ رَأَيْتُ قَبيْحا أَنْ يُجَادَ لَنَا ... وَأَنَّنا بِقَضَاءِ الحَقَّ بُخَّالُ
المحكمات: المتقنات، والشكل: القيود، الواحد: شكال، والتصهال: صوت الفرس، والسيان: المثلان، والبخال: أهل الشح والضنانة، واحدهم باخل.
فيقول: وإن قيود الإقلال، ومحكمات شكل الإقتار، تمنعني من مجازاة أهل الكرم، ومساواة المتفضلين بالنعم، فلي فيهم بما أنظمه من الشعر، وما أخلده من الشكر،
стр. 171
تصهال يخبر عما أنويه وأضمره، ومقال يعرب عما أريده واعتقده، كما أن الفرس الكريم إذا عاقته الشكل عن جريه، دل صهيله على عتقه.
ثم قال: وما اشكر فرحا بالمال، وارتياحا له، وحرصا عليه، واعتزازا به، فسيان عندي الإكثار والإقلال، والسعة والإقتار؛ لما اعتقده من القناعة، واحتمل عليه من النزاهة، والمكثر والمقل متفقان في فراق حاليهما على عجل، والمتاركة لهما على غير مهل. فأمور الدنيا فانية، وعواريها منقطعة زائلة.
ثم قال: ولكنني رأيت أن من القبيح الذي لا يجمل، وخلاف الإنصاف الذي لا يحسن، أن يجاد لنا بجزيل العطاء، ولا نقضي حق ذلك بمخلد الثناء. فأشار أن مدحه لفاتك، مع ما ابتدأه به من الفضل، وتابعه له من البر، فرض لا يسمح تركه، وواجب لا يضيع مثله.
فَكُنْتُ مَنْبِتَ رَوْضِ الحَزْنِ باكَرَهُ ... غَيْثٌ بِغَيْرِ سِبَاخِ الأَرْضِ هطَّالُ
غَيْثٌ يُبَيَّنُ لِلنُّظَّارِ مَوْقِعُهُ ... أَنَّ الغَيُوثُ بما تَأْتِيهِ جُهَّالُ
الحزن: ما غلظ من الأرض وارتفع، والسباخ من الأرض: مواضع مالحة ينبع فيها الماء، ولا يكون فيها نبت، واحدتها: سبخة، والغيث: المطر المحمود، والهطال: المتتابع.
فيقول مخبرا عن نفسه: فكنت بما أسداه إلي فاتك من الفضل، وما ابتدأني به من الإحسان والبر، كمنبت روض الحزن إذا باكره الغيث بسقيه، وجاد عليه بصوبه، فآنق وأعجب، وحسن وأبهج. فأراد أن النعمة أصابت منه أهلها، وحلت عند من يستقل بشكرها، وكانت كالغيث يصيب الحزن، ولم تكن كالغيث الذي يصوب على سباخ الأرض، فيضيع ولا ينبت، ويذهب ولا يثمر.
ثم قال، وهو يشير إلى جلالة ما وضع عنده فاتك من إحسانه، وكثرة ما أظهره عليه من إنعامه: إن ذلك الانفصال كان ضربا من الغيث، يبين موقعه للنظار أن
стр. 172
الغيوث لا تحل محله، ولا تبلغ مبلغه، وأنها جاهلة بما يدركه، مقصرة عما يفعله، وأن السحاب لا يماثله في جوده، ولا يساويه فيما يبذله من فضله. فأشار إلى كثرة ما وضع عنده فاتك من العطاء ألطف إشارة، وعبر عنه أحسن عبارة.
لا يُدْرِكُ المَجْدَ إِلاَّ سَيَّدٌ فَطِنٌ ... لِمَا يَشُقُّ عَلَى السَّادَاتِ فَعالُ
لا وارثٌ جَهِلَتْ يُمْنَاهُ ما وَهَبَتْ ... ولا كَسُوبٌ بِغَيْرِ السَّيفِ سَئالُ
يقول: لا يدرك المجد ويبلغه، ويجوزه ويكسبه، إلا سيد ثاقب الفطنة، فاضل كريم الجبلة، يفعل من الجميل ما يشق على السادات فعله، ويخلد من الكرم ما يتعذر على ذوي الإحسان مثله.
ثم قال: لا وارث لما وهب فيكون جاهلا بحقيقة قدره، ولا كسوب بغير السيف فيهون عليه ما يسمح ببذله، ولكنه غصب ما أكتسبه من غير مسئلة، وغلب عليه دون استعمال رغبة، فأعطى المال بعدما عاناه من المشقة من جمعه، وجاد به بعدما تكلفه من المغالبة على كسبه. فأشار إلى أن جمع المال بنفسه، وأدرك الشرف بشجاعته وبأسه، وأعطى بكرم طبعه، ولم يجهل مقدار ما بذله من فضله.
قالَ الزَّمانُ لَهُ قَوْلاً فَأَفْهَمَهُ ... إِنَّ الزَّمانَ على الإمْسَاكِ عَذَّالُ
تَدْري القَنَاةُ إذا اهْتَزَّتْ بِرَاحتِهِ ... أَنَّ الشَّقِيَّ بِهَا خَيْلٌ وَأَبْطَالُ
الأبطال: الشجعان من الرجال، الواحد: بطل.
فيقول: إن الزمان نادى فاتكا فأفهمه، ووعظه فأسمعه وعرفه، أنه على الإمساك عذال لا يفتر عذله، ولائم لا يقلع لومه، فألف الجود لعلمه بحسن عواقبه، وعادى البخل لتيقنه بقبح مصائره، ورأى أن الزمان لا يمتع البخيل بما كسب، ولا يفقد الجواد خلفا فيما وهب وبذل.
ثم قال: تدري القناة عند اهتزازها براحته، وتصرفها على حسب إرادته، أن الشقي بها خيل يعتودها بالطعن، وأبطال يعمهم بالتجريح والقتل. فأشار إلى أن
стр. 173
السلاح أطال صحبته، حتى عرف مذاهبه، ولازمه حتى تيقن مقاصده.
كَفَاتِكٍ وَدُخولُ الكافِ مَنْقَصَةٌ ... كالشَّمْس قُلْتُ، وما لِلشَّمْسِ أَمْثَالُ
القائِدُ الأسْدَ غَذَّتْها بَرَاثِنُهُ ... بِمِثْلِها مِنْ عِداهُ وهيَ أَشْبالُ
القاتِلُ السَّيْفَ في جِسْمِ القَتِيْلِ بِهِ ... وَلِلسُّيُوفِ كما لِلنَّاسِ آجالُ
براثن الأسد: مخالبها، والأشبال: صغار الأسد، والآجال: أوقات الهلاك، الواحد: أجل.
فيقول: والسيد المدرك للمجد هو فاتك، هذا الممدوح، في كرم خصاله، وشرف خلاله، ودخول الكاف في تشبيهه منقص لما أكمله الله من مجده، وأفرده به من جلالة قدره؛ لأنه كالشمس في شرف عنصرها، وعلو موضعها، وما للشمس أشباه تعادلها، ولا أمثال تقارنها.
ثم قال مشيرا إليه: القائد الأسد من اصحابه، والسباع الضارية من أشياعه الذين غذاهم بقتل نظرائهم من الفرسان، وعودهم الإيقاع بأمثالهم من الأقران، وهم كالأشبال التي لم تتكامل قوتها، وصغار السباع التي تتناهى شدتها، فأنسها بالوقائع حتى قوى أسرها، واقتحم بها على المهالك حتى بلغت الأشد من سنها.
ثم قال، وهو يريد فاتكا: القاتل السيف في جسم من يقتله، والكاسر له في أعضاء من يضربه، والسيوف كالناس في الفناء الذي يدركها، والآجال التي بلغها. فأشار إلى أن فاتكا في غاية الجرأة، وضربه في غاية الشدة والقوة.
تُغِيْرُ مِنْهُ عَلَى الغَاراتِ هَيْبَتُهُ ... ومَا لَهُ بأَقاصِي الأَرْض أَهْمَالُ
لَهُ مِنَ الوَحْشِ ما اخْتَارَتْ أَسِنَّتُهُ ... عَيْرٌ وَهيْقٌ وَخَنْسَاءٌ وَذَيَّالُ
الأهمال: [الإبل] المتروكة لا يعنى بحفظها، واحدها همل، والمال، الماشية من الإبل والبقر والغنم، والوحش: كل ما لا يستأنس من دواب البر، والعير هاهنا: حمار الوحش، والهيق: ذكر النعام، والخنساء: البقرة الوحشية، والخنس: انخفاض
стр. 174
قصبة الأنف، وعرض أرنبته، والذيال: الثور الوحشي.
فيقول: إن فاتكا لبعد ذكره، وجلالة قدره، تتهيبه الفرسان في غاراتها فتحجم عن مقابلة أعماله، وتحذره فتعرض مولية عن السائمة من ماله، وهي مهملة ر يحفل بأمرها، ومتروكة لا يعرج على حفظها.
ثم قال، يشير إلى ما فاتك عليه، من مواصلة الغارات، وملازمة الفلوات، والتقوت بلحوم الوحش، والمعرفة بصيده، والاقتدار على جميع صنوفه: له من الوحش ما اختاره وقصده، وحاوله واعتمده، لا تفوت رغبته، ولا تسبق أسنته، فحمار الوحش وظليم النعان والذكر والأنثى من البقر، سواء عليه، وضرب واحد عنده، يسبق جميع ذلك بركضه، ويملكه بكرم خيله.
تُمْسِي الضُّيُوفُ مُشَهَّاةً يَعَقْوَتِهِ ... كَأَنَّ أَوْقَاتَها في الطَّيبِ آصالُ
لو اشْتَهَتْ لَحْمَ قَارِيْهَا لَبَادَرَها ... خَرَادِلٌ مِنْهُ في الشَّيْزَى وأَوْصَالُ
المشهي: الذي يعطي شهوته، والعقوة: ما حول الدار، والآصال: العشايا، الواحدة: أصيل، والقاري: المضيف، والخرادل: القطع، والشيزى: جفن تصنع من الشيزى وهو خشب أسود.
فيقول: تمسي الضيوف إذا احتلت بأفنية دار فاتك مكرمين، لا يمطلون لشهوة، مرفهين لا يستوحشون إلى نعمة، كأن أوقاتهم آصال في برد نسيمها، وما يتصل لهم من مسراتها ونعيمها.
ثم قال: ولو اشتهوا لحم القاري لهم لما تعذر عليهم لانخلاعه في مبرتهم، وحرصه على موافقتهم ومسرتهم، ولبادرهم منه خرادل مقطعة، وأوصال في الشيزى ممثلة، فكيف يظن بسائر ذلك مما يمكن إكرامهم به، وما يقدر استحسانهم له؟! وهذا من الإفراط الذي يخبر فيه بما لا يمكن، إشارة إلى استيفاء غاية ما يمكن.
стр. 175
لا يَعْرِفُ الرُّزَْء في مَالٍ ولا وَلَدٍ ... إِلاَّ إِذَا حَفَزَ الأَضْيافَ تِرحَالُ
يُرْوي صَدَى الأَرْضِ مِنْ فَضْلاتِ ما شَرِبُوا ... مَحضُ اللَّقَاحِ وَصَافِي اللَونِ سَلْسَالُ
الصدى: العطش، والمحض: اللبن الذي لم يشبه ماء، واللقاح: جمع لقحة، وهي الناقة الحلوب، والسلسال والسلاسل: الذي يسهل جريه في الحلق، وأراد هاهنا الخمر، وذكرها على المعنى؛ لأن الخمر في معناها شراب، والشراب مذكر، والعرب تؤنثها وتذكرها، والتأنيث أشهر.
فيقول: إن فاتكا ممدوحه كريم الضيافة، مشهور السماحة، مرحب بقاصده، شديد الأنس بزائره، لا يوجعه الرزء لفقدان ماله وولده اللاصقين بنفسه، كايجاع فقدان أضيافه، ولا يوحشه ذلك كإيحاش ترحل زواره.
ثم قال مشيرا إلى سعة ضيافته، وكثرة ما يبذله للزوار من كرامته: يروي صدى الأرض بفضلات ما يسقيه أضيافه من اللبن والخمر، وما يتابع لهم من الألطاف والبر، فيفضل عنهم من ذلك ما يقوم للأرض مقام السقي البالغ، وما يحل محل المطر الساجم. وهذا ما قدمنا تفسيره من استجازة الوصف بما لا يمكن، إشارة إلى بلوغ غاية ما يمكن.
تَقْرِي صَوَارمُهُ السَّاعاتِ عَبْطَ دَمٍ ... كأَنما السَّاعُ نُزَّالٌ وَقُفَّالُ
تَجْري النُّفُوسُ حَوَالَيْهِ مُخَلَّطَةً ... مِنْها عُدَاةٌ وَأَغْنَامٌ وآبالُ
لا يَحْرِمُ البُعْدُ أَهْلَ البُعْدِ نائِلَهُ ... وَغَيْرُ عَاجِزَةٍ عَنْهُ الأطَيْفالُ
القرى: الضيافة، وعبط الدم: إجراؤه عبيطا، والعبيط: الطري، والساع: جمع ساعة من ساعات الزمان، والنزال والقفال: الأضياف الذين منهم من يقصد فينزل، ومنهم من ينصرف فيقفل، والآبال: جمع إبل على سبيل التكثير، والنائل: العطاء، والأطيفال: صغار الصبيان، وصغر الجمع على لفظه.
فيقول: إن فاتكا يعم ساعات زمانه بدماء يسفكها فيها، وأنفس يتلفها عند ورودها،
стр. 176
حتى كأن ساعات زمانه متضيقة عليه، فهو يقضي بالقرى واجب حقها، ويعتبط الدماء فيها بإجرائها وسفكها.
ثم أكد ذلك وفسره فقال: تجري النفوس حواليه مختلفة، ويكثر إتلافه لها ممتزجة، ومن تلك النفوس نفوس أعداء يتلفها بالقتل، وفيها نفوس أغنام وآبال يذهبها بالذبح والعقر؛ فمن تلك النفوس ما يذهب به الإكرام والضيافة، ومنها ما يذهب به الإيقاع والإخافة، فساعدته مشمولة بالحالتين، مغمورة بهذين الأمرين.
ثم قال: وهو يشير إلى فاتك: لا يحرم البعد نائله من بعد عنه، ولا يعوق مؤمله عما رجاه؛ لأن جوده يعم عموم الغيث، ويفيض كفيض البحر، فهو يدرك النائي البعيد، كما يشمل الداني القريب، وليس يعجز صغار الأطفال عن الاشتمال به، ولا يخرجها الصغر عن التناول له؛ لأنه عام لا خصوص فيه، ممكن لا يعترض المنع عليه، يدركه الكبير والصغير، ويتقلب فيه القريب والبعيد.
أَمْضَى الفَرِيْقَيْنِ في أَقْرانِهِ ظُبَةً ... والبِيْضُ هادِيَةٌ والسُّمْرُ ضُلالُ
يُرِيكَ مَخْبَرُهُ أَضْعَافَ مَنْظَرهِ ... بَينْ الرّجالِ وفِيها المَاءُ والآلُ
وَقَدْ يُلَقبُهُ المَجْنُونَ حاسِدُهُ ... إِذا اخْتَلَطْنَ وَبَعْضُ العَقلِ عُقالُ
القرن: الند والمثل، والظبة: حد السيف، والهادي إلى الشيء: الذي يقصده بوجهه، والآل: السراب، وهو الذي يتخيل في قيعان الأرض عند شدة الحر، كأنه ماء، والعقال: داء يكون في أرجل الدواب يمنعها من المشي.
فيقول: إن فاتكا شديد البأس، مقدام النفس، وإنه أمضى الفريقين ظبة من أصحابه واعدائه، إذا حميت الحرب واستمر الجلاد والضرب، وقصرت الرماح وضلت، عن مقاصدها، وضاق المجال عن استعمال التطاعن بها، وصار الأمر إلى مباشرة الحتوف والتجالد بالسيوف، فصارت السيوف هادية مبصرة، والرماح متضللة مقصرة، فحينئذ يكون فاتك أمضى الفريقين من أصحابه وأعدائه، وأنفذ
стр. 177
الطائفتين من أوليائه وأضداده.
ثم قال: إن فاتكا وإن كان جمع الجمال والوسامة، والبهاء والجلالة فإنه يريك بما يخبره من فضله، وتؤديه المحبة إليك من كرمه وبأسه، أضعاف ما يؤديه ظاهره في الرجال، وما يتعرف فيه من الوسامة والجمال، وفي الرجال ما هو كالماء الذي يرويك ولا يعطشك، ويصدقك ولا يخذلك، وفيها ما هو كالآل الذي يكذب ولا يصدق، ويخدع ولا ينفع.
ثم قال: وقد يلقبه المجنون حاسده الذي لا يلحقه، وظالمه الذي لا ينصفه، وإنما ألزمه هذا اللقب إقدامه على الطعن والضرب، واقتحامه في غمرات الحرب، وبعض العقل في ذلك الموقف عقال يعقل صاحبه، وسبب من أسباب الضعف يعجز إلفه، وكان فاتك يلقب بالمجنون، ففسر عليه أبو الطيب هذا اللقب تفسيرا أذهب قبحه، وحسن عند المنكر له أن يتقلد مثله.
يَرْمِي بِهَا الجَيْشَ لا بُدَّ لَهُ وَلَهَا ... مِنْ شَقَّهِ ولو أَنَّ الجَيْشَ أَجْبَالُ
إِذا العِدَى نَشِبَتْ فيهم مَخَالِبُهُ ... لم يَجْتَمِعْ لَهُمْ حِلْمٌ ورئْبالُ
فيقول مشيرا إلى السيوف التي قدم ذكرها: يرمي بها الجيش الذي يناصبه، والجمع الذي يتعرض له، ولا بد له ولتلك السيوف المطيفة به من شق ذلك الجيش، وفض ذلك الجمع، ولو كان هضابا عارضة، وأجبالا قاتلة.
ثم قال: إذا العدى المتمرسون، والأضداد المتعرضون له، نشبت مخالبه فيهم، وأظهر سطوته عليهم، لم يجتمع لهم في ذلك الموطن أسد تحذر عاديته، وحلم تؤمن بادرته، فأشار إلى أن الاستسهال للموت، والاقتحام على الحرب، ليس من طريق الحلم، ولا تحمل عليها أحكام العقل.
يَرُوعُهُمْ مِنْهُ دَهْرٌ صَرْفُهُ أَبداً ... مُجَاهِرٌ وَصُرُوفُ الدَّهْرِ تَغْتالُ
أَنالَهُ الشَّرَفَ الأعْلى تَقَدُّمُهُ ... فَمَا الَّذي بِتَوَقي ما أَتَى نالوا
стр. 178
إِذا المُلُوكُ تَحَلَّتْ كانَ حِلْيَتُهُ ... مُهَنَّدٌ وأَصَمُّ الكَعْبِ عَسَّالُ
يروعهم: يفزعهم، وصروف الدهر: ما يقع من حوادثه، والمجاهرة بالشيء: الإعلان به، والاغتيال: الإهلاك على غفلة، والشرف: ارتفاع المنزلة في الفضل، والتوقي: التوقع، والمهند: السيف، والأصم: اليابس، والكعب: العقدة الناشزة في آخر كل أنبوب من القناة، والعسال: المضطرب، وأراد الرمح بهذه الصفة.
فيقول مشيرا إلى فاتك، ومخبرا عن أعدائه: يروعهم منه ملك، هو كالدهر في قدرته عليهم، ونفاذ ما يريده فيهم، إلا أن ما يبعثه عليهم من صروفه، إنما يبعثه مجاهرا، ويمضيه على الأعداء مغالبه، والدهر يغتال بصروفه، ولا يؤذن بخطوبه، فجعل لفاتك على الدهر مزية بينة، وزيادة ظاهرة.
ثم قال: أناله من الشرف أعلى منازله، ومن السلطان أرفع مراتبه؛ إقدامه وجرأته، واقتحامه على المهالك وشدته، فما الذي ناله أعداؤه بتوقيهم لما أقدم عليه، وإبطائهم عما تسرع إليه؟
ثم قال: إذا الملوك تحلت بحسن الملبس، وقدرت لأنفسها الهيبة بجمال المنظر، كان فاتك المذكور حليته سيف مهند يتقلده، ورمح عسال يتحمله، يريد: أنه احتاز الرئاسة مغالبة بسيفه، واستحقها لشجاعة نفسه.
أَبو شُجاع أبو الشُّجْعانِ قاطِبَةً ... هَوْلٌ نَمَتْهُ مِنَ الهَيْجَاءِ أَهْوالُ
تَمَلَّكَ الحَمْدَ حَتى ما لِمُفْتَخِرٍ ... في الحَمْدِ حَاءٌ ولا مِيْمٌ ولا دَالُ
عَلَيْهِ مِنْهُ سَرَابِيْلٌ مُضَاعَفَةٌ ... وَقَدْ كَفَاهُ مِنَ الماذِيَّ سِرْبَالُ
قاطبة: يؤيد جميعا، والهول: ما أخاف وأفزع، والمضاعف من الثياب: الذي يكون عليه مثله، والماذي: الدروع.
فيقول، وهو يريد فاتكا: أبو شجاع كنيته، وهي له صفة ثابتة، وحقيقة ظاهره؛ لأنه أبو الشجعان قاطبة، برئاسته فيهم واستعلائه عليهم، وأنه كبيرهم وقدوتهم،
стр. 179
وقطبهم وعمدتهم، والهول الذي ينميه من الحرب أهوال لا يعهد مثلها، ولا يشارك في شرفها وفضلها.
ثم قال: تملك الحمد وأحاط به، واحتازه وأصبح خالصا له، فما لأحد منه نصيب يعلم، ولا حظ يتبين ويعرف، وجعل ذكر الحاء والميم والدال إشارة [إلى] انفراده بجملته، واحتيازه لعامته.
ثم قال، مؤكدا لما قدمه: عليه من الحمد سرابيل مضاعفة، وحلل متتابعة؛ يشير إلى رغبته فيه، واستكثاره منه، وليس عليه من الدروع إلا سربال واحد؛ لأنه لا يكثر التوقع، ولا يحتفل في التحرز. فأشار إلى أنه مستكثر مما يشتمل به من كريم الذكر، ومستخف بما يدفع به عادية الحرب، فوصفه بالرغبة في الإحسان، وقلة التوقع عند لقاء الأقران.
وكَيْفَ أَسْتُرُ ما أَوْلَيْتَ مِنْ حَسَنٍ ... وَقَدْ غَمَرْتَ نَوالاً أَيُّها النَّالُ
لَطَّفْتَ رَأيَكَ في وَصْلي وَتَكْرُمَتِي ... إنَّ الكَرِيْمَ عَلى العَلْيَاءِ يَحْتَالُ
حَتَّى غَدَوْتَ وَلِلأَخْبَارِ تَجْوَالٌ ... ولِلكَواكِبِ في كَفيْكَ آمالُ
النوال: العطاء، والنال: الكثير النوال، يقال: رجل نال: إذا كان كثير النوال، كما يقال رجل مال، إذا كان كثير المال، روى ذلك يعقوب، ولطفت: بلغت الغاية من الرفق.
فيقول، وهو يخاطب فاتكا: وكيف استر ما أوليتني من الفضل، وأغفل ما ألزمتني من الشكر، قد أفضت علي بحورا غمرتني من جودك، وحملتني أعباء أثقلتني من برك، يا أيها النال الذي لا ينقطع نواله، ولا يتأخر تطوله وإفضاله.
ثم قال: لطفت رأيك فيما فتحته لي من باب صلتك، وما خصصتني من ظاهر كرامتك، إن الكريم على العلياء محتال لا تعجز حيلته، ومجتهد لا تضعف نيته.
ثم قال: حتى غدوت بما أوليتني من فضلك، وما وجدت لي من إحسانك وبرك،
стр. 180
قد جعلت للأخبار مجالا تستعمل في ذكره، ومكانا تتصرف في مثله، وصيرت الكواكب مع علو مواضعها، وارتفاع منازلها، تأمل من يديك زيادة في الرفعة، واستكثارا من علو الرتبة.
وهذا من الغلو الذي أشار فيه بذكر ما لا يمكن إلى إحراز غاية ما يجوز ويمكن.
وَقَدْ أَطَالَ ثَنائي طُول لابِسِهِ ... إِنَّ الثَّنَاَء عَلَى التَّنْبالِ تِنْبالُ
إِنْ كُنْتَ تَكْبُرُ أَنْ تَخْتَالَ في بَشَرٍ ... فإِنَّ قَدْرَكَ في الأَقْدَارِ يَخْتَالُ
التنبال: القصير من الرجال، والاختيال: إظهار الزهو والعجب.
فيقول مشيرا إلى فاتك: وقد أطال لساني بالثناء، وفتح لب باب المدح والإطراء، جلالة قدر من مدحته، وكثرة فضائل من وصفته، وإنما أنا في ذلك ذاكر لما عاينت، ومخبر عما شاهدت، والثناء إنما يقصر على التقصير الحال، الراغب عن الكرم والإفضال.
ثم قال، يخاطب فاتكا: إن كنت تكبر عن استعمال الاختيال والزهو، وتكلف التعظم والكبر في بشر أنت منهم، ومن قوم أنت فيهم، فقدرك في أقدار الملوك المتشبهين بك، يختا بجلالته، وينفرد برفعته وفخامته.
كَأَنَّ نَفْسَكَ لا تَرْضَاكَ صَاحِبَها ... إلاَّ وَأَنْتَ على المِفْضالِ مِفْضَالُ
ولا تَعُدُّكَ صَوَّانا لِمُهْجَتِها ... إِلا وأَنْتَ لَهَا في الرَّوْعِ بَذَّالُ
الروع: الفزع.
فيقول: كأن نفسك لا تألفك راضية بفعلك، ولا تصحبك شاكرة لسعيك، حتى يكون كل مفضال إنما يفضل بما تعب له، ويجود بما تعطيه وتبذله.
ثم قال: وكأن نفسك لا تعدك صائنا لمهجتها، ولا تعتقدك ساعيا في مسرتها وغبطتها، إلا إذا ابتذلتها في الروع، بتقحم المهالك، وعرضتها في الحرب لمواجهة المتالف.
следующие страницы →