← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37345

رحلة الشتاء والصيف

محمد كبريت

Полный текст (247 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ثم نزلت بدار صادق الأخوّة والاعتقاد، وكامل الفتوّة نور الدين العقاد، جزاه الله خير الجزاء، وأولاه عواطفه المتنوعة الأجزاء، فلقد رأيت منه كمالاً لا أحصيه، وإفضالاً لا أستقصيه، ثم لازلت أتفيأ ظلال هاتيك البلاد، وأسعى فيها لجوامع العباد، وأتنزه في قصورها المونقة، وبساتينها المورقة: فيا حسن هاتيك الديار وتربها ... فكم قد حوت حسناً يجلُّ عن العدِّ ولا سيّما تلك النواعير إنها ... تجدّدُ حزن الواله المدنَف الفردِ أُطارحها شجوي وصارت كأنَّما ... تطارح شجواها بمثل الذي أبدي وفي شاطئ النيلِ المقدس نزهة ... تجدد ما قد فات من سالفِ العهدِ سماءٌ من البلورِ فيها كواكب ... عجيبة صنع اللون مصقولةِ الخدِ ومن مرج البحرين أيُّ عجائب ... تلوح وتبدو من قريب ومن بعدِ فكم قد نعمنا في ظلال رياضها ... بعيشٍ هنيء في أمان وفي سعدِ فمن لي بها لو أن صحبي بحبها ... ومن لي بها في غير بلوى ولا جهدِ غريبة دخلت يوماً إلى الجامع الكبير فرأيت متكلماً، وقد طال به البحث في مسألة الجوهر الفرد، إلى أن انجّر الكلام إلى القول بوحدة الوجود، وقد كثر الهذيان، فإذا بأشعث في هيئة المجانين، وقد تناول كراساً من بين يدي الشيخ، وكتب على حاشيته شيئاً ونهض كالمغضب، فإذا المكتوب: وتكفيك من ذاك المسمّى إشارة ... ودعه مصوناً بالجمال محجّبا وبالجملة فإن هاهنا تتطاير الرؤوس من أجسادها، والنفوس من موادّها، أو كما قيل: مرامٌ شطّ مرمى العقل فيه ... ودون مداه بيد لا تبيدُ أو كما قيل: أتيتَ بيوتاً لم تُنل من ظهورها ... وأبوابها عن قرعِ مثلك سُدّتِ

стр. 107

(مسألة والحديث شجون) قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني في رسالته كشف الحجاب: وسألوني عن الاتحاد، الذي تشير إليه أهل الإلحاد، هل المراد أن ترجع صورة العبد هي عين الحق، أم المراد غير ذلك؟ فأجبتهم: المراد بالاتحاد في لسان القوم: فناء مراد العبد في مراد الحق، فلا يصير للعبد مراد مع الحق إلا بحكم التَبَعية، وهذا الحق ليس به خفاء، فدعني عن ثَنيّات الطريق، وفي هذا الكلام كلام، قلما يخلو من الملام، أنشد لنفسه ابن أبي الحديد المعتزلي: أفنيت خمسينَ عاماً مُعملاً نظري ... فيه فلم أدر ما آتي وما أذر من كان فوقَ عقولِ القايسين فما ... ذا يدرك الفكر أو ما يبلغ النظر وأحسن منه: وما البحثُ في الآثارِ إلا مبعد ... عن المقصد الأسنى إلى الغاية القصوى فلا تقتنع بالقشر دون لُبابه ... ولا تحتجب بالباب عن حضرة النجوى وما أحسن قول المتأدب: تعشقتُ ربّ الحسن لما رأيته ... عياناً فجاهدت الهوى في سبيلهِ ومن حجبت عنه محاسن وجهه ... فغايته أن يهتدي برسولهِ وقال: سئلت إذا كان لا حلول ولا اتحاد، فما القوّة الحاملة للعبد؟ هل هي عين أم غير؟ فإن قلنا هي غير فقد قام العبد بنفسه وهو محال، وإن قلنا هي عين، فهو عين القول بالحلول، وما معنى كنت سمعه الذي يسمع به؟ فأجبت: هذه المسألة لا ترتفع الشبهة فيها بالكلية إلا بالكشف، فاعملوا على جَلاء مِرآة قلوبكم بالأعمال السنية، وإلا فالعقل في حيرة من ذلك، ومعنى الحديث: وما رميت إذ رميت وأكثر من ذلك لا يقال، كما قال: فما كلّ معلوم يباح مصونه ... ولا كلّ ما أمْلَتْ عيونُ الظِبا يُرْوى وعلى ذكر الحلول، فما أحلى قول أبي البركات الحاتمي: لي حبيب لو قيل ما تتمنّى ... ما تعدّيْتُه ولو بالنون

стр. 108

أشتهي أن أحل في كلّ طرف ... فأراه بلحظ كلّ العيون قال: وسُئلت: هل وصل أحد إلى التنزيه المطلق الذي لا يشوبه تقييد؟ فأجبت: لم يصل أحد إلى ذوقه، وإنَّما يصل الناس إلى العلم به، لأنَّه سُمِع في الشرع ولم يوجد في العقل، وغاية الإطلاق تقييد، لأنّك لا تطلق الحق إلا بعد تعقله تقابله من التقييد فاِفهم،، والعجب من الذي وسّع الأول كيف لا يسع الآخر! إذا لام فيها الشيخُ طفل غرامها ... على سكرهِ فالشيخُ كالطفل يلعب ورأيت برشيد قبطياً قد جمع شتات الأدب، وطُبع على محاسن الفصاحة ودأب، يقول من يراه يميس في برد آدابه الجميلة، تعالى فضل الله أن يؤخذ بالحيلة، سمعت منه للعتبي: يا جاهلاً قدر المحبة ساءني ... ما ضاعَ من كَلَفي ومن تبريحي سيانَ عندك مُغرم بك والهٌ ... وخَلِيّ قلبٍ فيك غير جريحِ لو كنت أعلم أن طبعك هكذا ... لم أعصِ يوم نُصِحت فيك نصيحى ما كان في عزمي السُلُوِّ وإنَّما ... ألزمتنيه لكثرة التقبيحِ وأنشدني للصفدي: أنا والحبيب ومن يلوم ثلاثة ... لهم بديع الحسن أصبح ينتمي فلي الجناس لأن دمعي عن دمي ... يجري ألست تراه مثل العَنْدَم وله مطابقةُ التواصلِ بالجفا ... ولعازليه لزوم ما لم يلزمِ ومن كلامه: هذي رشيد وكم حوت من روضة ... غَنَّا وقصر في الرياض مشيدِ من لم يقبل بصفاء بهجة نيلها ... وبهائها تلقاه غير رشيدِ ولم يكن في رشيد مما يعاب به، إلا ما فيها من مظاهر الاسم القاهر، وهم

стр. 109

الجند المستعبدون والعبيد المعتقون، والقبط المستعربون والأحداث المستغربون، ومن حِكَمِه: ثلاثة إن أكرمتهم أهانوك: المرأة، والمملوك، والقبطي من أهل مصر. إن العبيد إذا ذللتهم صلحوا ... على الهوان وإن أكرمتهم فسدوا وفي ذلك سر التسخير إذ لا تكون الطاعة إلا عنه. ومن كلامه: ثلاثة يُعَدّون من المجانين وإن كانوا عقلاء: السلطان والسكران والغضبان. والعبرة بعموم اللفظ عند العقلاء: سَكرات خمسُ إن رُميَ المر ... ءُ بها صارَ ضحكة الشيطانِ سَكرة المال والحداثة والجا ... هِ وسُكر الشرابِ والسلطانِ ومن أمثاله: لا يخلو المرء من ودود يمدح، وحسود يقدح، فلا تبذل رقك لمن لا يعرف حقك. وممن تشرفنا بحضرته وتملينا بجمال طلعته، مشيد أركان الشرع الشريف، المورق غصن مجده الوريف، مولانا مؤمن زاده، لا زال يفتح له من مكارم الأخلاق باب الزيادة، فلقد أمدّني بجاههِ الوجيه، وحقق لي ما كنت أرتجيه. سِم سِمَةً تُحْمد آثارها ... واشكر لمنْ أعطى ولو سِمْسِمَه ومما أنشدنيه المولى نور الدين سلمه الله تعالى: أما والذي أصفاك مني مودةً ... فأضحى لها في ساحةِ القلبِ مَغْرِس لئن ظَلّ بي من فقد وجهك موحش ... لقد باتَ لي من فكرتي فيكَ مؤنس أناجيك بالإضمار حتى كأنني ... أراك بعيني فكرتي حينَ أجلس ومن أملاه دام علاه: يا ويح قلبي وكم جهدي أحمّله ... ما لا يطاق وقد رَثّت علائقه في كلّ يوم لنا خلّ نودعه ... على الدوام ومعشوق نفارقه ثم ركبت النيل في نقيرة متوجهاً نحو الإسكندرية، فأقمنا بالبرج نتحرى الرياح

стр. 110

المؤذنة بالنجاح، والبرج هذا على الساحل بين النخيل، التي آخرها يتصل به النيل بالبحر الرومي، وفيه قيل: كانّ التقاءُ النيلِ بالبحرِ إذ هما ... مليكان سارا في جحافل من جندِ وقد نزلا للحربِ واصطدم اللقا ... فلا طعن إلا بالمثقّفة المُلدِ وعلى ذكر البحر قيل لرجل ما اسمك؟ قال: بحر. قيل: من أبوك؟ قال: أبو الفيض. قيل: ابن من؟ قال: ابن الفرات. قيل: ينبغي لصديقك أن لا يلقاك إلا في زورق. انتهى. فلما ارتفعت الشمس هبت الرياح الشرقية، فما سرنا يسيراً حتى دخلنا البحر العجاج، فإذا هو متلاطم الأمواج كثير الفزع والانزعاج، وكيف لا والداخل فيه مفقود، والخارج منه مولود! لا أركبُ البحر أخشى ... عليّ منه المعاطب طينٌ أنا وهو ماءٌ ... والطينُ في الماءِ ذائب وقال: خلقتُ طيناً وماء البحر يتلفني ... والقلبُ فيه نفور عن مَراكبهِ البحر غير رفيق بالرفيق لهُ ... والبَرُّ مثل اسمهِ بَرٌّ براكبهِ وقال: البحر مرّ المذاق صعبٌ ... لا رجعت حاجتي إليهِ أليسَ ماءٌ ونحن طينٌ ... فما عسى صبرنا عليهِ وقال: البحرُ أهون من مرارةِ مائهِ ... أن تستقر بأضلعي الرمضاءُ فعليه يوم سرورنا بفراقهِ ... من كلّ قلع راية بيضاءُ فما زالت تفسر لنا معاني الرفع والخفض أمواجه، والريح يجزم بأن ينالنا من

стр. 111

نصب الشراع إزعاجه، والهموم على الجوانح جَوَانح، والجوارح لتلك الأحوال جوارح، وكأنَّما جَمْعُ الخاطر بالشتات تلقّب، والقلب في لهيب الوحل يتقلب. وقلما أبصرت عيناك من رجل ... إلا ومعناه إن فكرتَ في لقبه ولما غربت الشمس أرسينا على ساحل الإسكندرية، والمزاج متكدر لتلك الأهوال والأحوال الرديّة، فبتنا تلك الليلة على ذلك الساحل، إلى أن أصبحنا والضباب يمنع من رؤية تلك المنازل: وطال عليّ الليل حتى كأنَّه ... من الطولِ موصول به الدهر أجمع فلما أضحى النهار، نزلنا بساحة تلك الديار، فأقمت بها لا أملك فتيلا ولا أهتدي سبيلا، وأنا أطوف بجوانبها فلا أرى إلا غِمار مغاربها، فرحت أجوس خلالها وأتفيّأ ظلالها، وقد أولتني مزيد الجفا وغلّقت أبواب الصفا. وقد بَخُلَتْ عليّ بكل شيءٍ ... من المعروفِ حتى بالسلام وما ألطف قول من قال: سلامٌ على مصر ويا قلب إنني ... لقد كنت عن إسكندريةَ في شُغْلِ وما شاقني يا مصر ثَغْر ملثّم ... سوى من غزالٍ فيك أعدمني عقلي ولقد كنت أسمع من أولي التجاريب، أن السفر مرآة الأعاجيب، حتى رأيت الزمان بأسره عجائب، ولم يبق لي في الغرائب من رغائب: من الغرائب فيما شاهدتْ مُقَلي ... أن الرغائبَ عنها الناسُ قد رغِبوا وما زلت في الإسكندرية بلا نديم ولا صديق حميم، مقيماً على الوحشة والأسى، متفكراً في حكم الباري صباحاً ومسا، لا أجد بها من ذوي الكمال جليسا، ولا ألتقي ممن تحلّى بمحاسن الجمال أنيسا:

стр. 112

فلا صديق إليه مشتكى حزني ... ولا أنيس إليه منتهى جذلي فكنت أعتكف تارة لمنادمة الوسواس، وتارة أبرز فيما بين الناس، فلا أجد على الساحل غير النصارى واليهود، ولا أبصر غير الهمج والأتراك الوفود، فأعود إلى تلك الخلوة واستعيد أسباب السلوة. والبقّ والناموسُ حوليَ عسكر ... يتنادمون على مدام دمائي فلم أزل كذلك مدة مديده، وعدة من الأيام عديدة، وحيد المقام شديد الأوام، أتجرع كؤوس النوى وأشتاق العقيق واللوى، وقد تكامل الشوق وتضاعف وتواصل الشغف وترادف. أبكي إذا ذكر العقيق بمثلهِ ... لعهود جيرته وحُسن المعهدِ فسقى الحيا تلك البقاع فتربُها ... لجلاءِ عين القلب مثل الإِثمد وغيره: وقال لي البين لمّا رأى ... لديّ الخطوب وعندي العويل ترفّق بدمعك لا تُفنه ... فبين يديك بكاء طويل فكنت كثيراً ما أتسلى بالجامع المختوم، وأعلل النفس بالسلامة من هذا الأمر المحتوم، وأقول إن الصروف تتصرف وتنصرف وتكف ثم تنكفّ وتنحرف. والدهر لا شك ذو ضيق وذو سعةٍ ... ولو أردتَ دوام الهمِّ لم يدم فأنا في تلك الأيام، أتحاشى تداني الأنام، فأتمشى بين تلك الأشجار، وأتسلى بتغريد هاتيك الأطيار: وربّ حمامة في الدوح صارت ... تُجيد النوح فناً بعد فنِ أقاسمها الهوى مهما اجتمعنا ... فمنها النوح والعَبَرات مني

стр. 113

وكنت في تلك الحال بحيث يقول الصلاح وإن كان نظمي الدمع المنثور: توقّد جمرُ القلب عند تغرّبي ... فمن أجلهِ دمعي أتي جيّد السَبْك وما حفظت عينايَ من سوء حظها ... على كثرة الأشعار إلا قفا نبك وأما هذه المدينة، فهي آخر مدن المغرب، وهي على ضفة البحر الشامي، بها الآثار العجيبة والرسوم التي تشهد لبانيها بالقوة والحكمة، وهي منيعة الأسوار كثيرة الأشجار، ليس في معمور الأرض كمثلها، ولا في أقطار الأقاليم كشكلها، وهي مقصد التجار من القفار والبحار، يُحمل منها إلى سائر الأقاليم كما يحمل إليها في الزمن الحادث والقديم، والنيل يدخل إليها من تحت أقبية إلى معمورها، ويدور بها فينقسم في دورها، بصنعة عجيبة وحكمة غريبة، يتصل بعضها ببعض أحسن اتصال، لأن عمارتها تشبه رقعة الشطرنج في المثال، وناهيك بمدينة جميع ما فيها عجب، ولكم سَتَر حسنها محاسن غيرها وحجب، وأحد عجائب الدنيا بها المنار، الذي لم ير مثله في الأقطار، وهي على ميل من المدينة، كذا في الخريدة. قلت: وأعجب من هذه المدينة مدينة الهيكل الإنساني. فيا عطشي والماء الزلال أخوضه ... ويا وحشتي والمؤنسون حضورُ وحكى السيوطي في المحاضرة نقلاً عن مباهج الفكر أن من عجائب المباني منارة إسكندرية، وهي مبنية بحجارة مهدمة مضببة بالرصاص على قناطر من زجاج، والقناطر على ظهر سرطان من نحاس، وفيها نحو ثلاثمائة بيت بعضها على بعض، تصعد الدابة بحملها إلى سائر البيوت، وللبيوت طاقات ينظر منها إلى البحر، وأختُلف فيمن بناها، ويقال إن طولها ألف ذراع، وكان في أعلاها تماثيل من نحاس، منها تمثال يشير بسبابته اليمنى نحو الشمس أينما كانت من الفلك، يدور معها حيث دارت. ومنها تمثال وجهه إلى البحر، متى صار مركب منه على نحو ليلة، سمع له صوت هائل، يعلم منه أهل المدينة طروق العدوّ. ومنها تمثال كلّما مضت ساعة من الليل صوّت

стр. 114

صوتاً مطرباً، بأعلاه مرآة ترى منها القسطنطينية وبينهما عرض البحر، فكلما جهّز الروم جيشاً رؤي. وفي المرآة حكى المسعودي: أنها لم تزل كذلك إلى أن ملكها المسلمون، فاحتال ملك الروم في هدمها على الوليد بن عبد الملك، بأن أنفذ أحد خواصه ومعه جماعة إلى بعض ثغور الشام، وأظهر الرغبة في الإسلام، وأظهر كنوزاً كانت بالشام ومن الدفائن، ما حمل الوليد على أن صدقه بأن تحت المنارة أموالاً ودفائن وأسلحة دفنها الاسكندر، فجهزه مع جماعة من خاصته إلى الإسكندرية فهدم ثلث المنارة وأزال المرآة، فعلم الناس أنها مكيدة فأستشعر ذلك فهرب في مركب كان له هنالك، والله غالب على أمره، وقد صارت أثراً بلا عين، بل خبراً عن ذلك الأثر، فلله درّ الليالي: لنا ملك ينادي كلّ يومٍ ... لدوا للموتِ وابنوا للخرابِ ومما قيل في المنار: إن كنت تحسن تشبيه المنار فقل ... كما أقول وصفها مثلما أصف كأنَّها غادة قامتْ على شرف ... تأتي الجواري إليها ثم تنصرف وقال: وسامية الأرجاء تُهدي أخا السُمرى ... ضياء إذا ما حندس الليل أظلما ليست بها بُرداً من الأنس صافياً ... فكان بتذكار الأحبة معلما

стр. 115

وقد ظللتني من ذُراها بقبة ... ألا حظ فيها من صحابي أنجما أخيّل أن البحر تحتي غمامة ... وأني قد خيّمت في كبدِ السما ومن عجائب الاسكندرية عمود السواري، قال المقريزي: هو حجر أحمر منقط من الصوان المانع، وكان حوله نحو أربعمائة عامود، وكانت كلها سماقية، كسرها فراجا وإلي الإسكندرية أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، ورماها بشاطئ البحر لِتُوعر على العدوّ سلوكه. ويحكى أن هذا العامود أحد الأعمدة التي كان عليها رواق أرسطاليس، وأنه كان يدرّس به الحكمة وكان دار العلم، ويقال: إن ارتفاع هذا العمود سبعون ذراعاً، وقطره خمسة أذرع، وقيل طوله بقاعدته اثنان وستون ذراعاً وسدس ذراع، وطول قاعدته السفلى اثنا عشر ذراعاً، والعليا سبعة أذرع ونصف، كذا في الخطط. وهذا العمود باقٍ إلى يوم تخطيط هذه الأسطر، وهو على نصف ميل من باب السدرة خارج السور، وكثير من العمد السماقية في أكناف البلدة بعضها قائم وبعضها مطروح. وللحافظ الخزرجي: نزيل سكندرية ليس يُقرى ... بغير الماء أو نَعْت السواري ويتحف حين يكرم بالهواء الم ... لاين والإشارة للمنارِ وذكر البحر والأمواج فيه ... ونعت مراكبِ الروم الكبارِ وإن يطلب هنالك حرفَ خبز ... فما فيها لذاك الحرف قاري وقال: يا ساكني إسكندرية فيكم ... بات النزيل بليلة المَلْسُوعِ تقرونه بهوائها وبمائها ... والنار في أحشائه بالجوعِ نكتة لطيفة قال السيوطي: وقد رأيت هذا العمود لما دخلت الإسكندرية في رحلتي، ودور قاعدته ثمانية وثمانون شبراً، ومن المتواتر عند أهلها أن من حاذاه من قريب وغمض عينيه ثم قصده، لا يصيبه بل يميل عنه، وذكروا أنّه لم تحصل

стр. 116

إصابته لأحد قط، مع كثرة تجربتهم لذلك، وقد جربت ذلك مراراً فلم أصبه، قاله في المحاضرة. وأما خليجها فأختلف في بانيه فلا حاجة إلى خلاف لا ثمر له، فهاك يسيراً من خبره، قال الأسعد في قوانين الدواوين: خليج الإسكندرية عليه عدة ترع، وطوله من فم الخليج ثلاثون ألف قصبة وستمائة قصبة، وعرضه قصبتان ونصف إلى ثلاث قصبات ونصف، ومقام الماء فيه بالنسبة إلى النيل فإن كان عالياً أقام فيه ما يزيد على شهرين، كذا في الخطط. وحكى ابن الوردي أن الإسكندرية كانت سبع قصبات وإنَّما أكلها البحر، ولم يبق منها إلا قصبة واحدة، وأن مساجدها حصرت مرة فكانت عشرين ألف مسجد. قيل بانيها الذي بنى الأهرام، وقيل يعمر بن شداد، وقيل الإسكندر الأول، وهو ذو القرنين اليوناني الذي جال الأرض، وبلغ الظلمات ومغرب الشمس ومطلعها، وسدّ على يأجوج ومأجوج، وقيل بناها الاسكندر الثاني ابن دارا الرومي، وإنَّما شبّه بالاسكندر الأول لأنَّه ذهب إلى الصين والمغرب ومات وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة، والأول كان مؤمناً، والثاني كان على مذهب أستاذه أرسطاليس، وبين الأول والثاني دهر طويل، وقيل بنتها الجن لسليمان ﵇! وقد كان أرباب الفصاحة كلّما رأوا عجباً عدّوه من صنعة الجن. قيل وكان فيها اثنا عشر ألف حانوت يبيع البقل، قال الكندي: أجمع الناس على أنه لم يكن في الدنيا مدينة على مدينة ثلاث طبقات غير الإسكندرية، قيل بناها الاسكندر اليوناني في ثلاثمائة سنة، وهل هو نبي أو ملك بفتح اللام أو بكسرها خلاف والأصح الأخير. وكان أهلها لا يمشون فيها نهاراً إلا بخرق سود في أيديهم خوفاً على أبصارهم من شدة بياضها، وأقاموا على ذلك سبعين سنة، وكان يقال إنها إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد. وقد أخلقتْ تلك الجِدَّة وأسرعت في الذهاب إلى الدمار مُجِدّه. فمن لعينٍ ترى ما حلَّ ساحتها ... من التلاف وكانت فوق ما تصف

стр. 117

ولله درّ القائل: بني الدنيا أقلّوا الهمّ فيها ... فما فيها مايؤولُ إلى الفواتِ بناء للخرابِ وجمعُ مالٍ ... ليفنى والتوالد للمماتِ قيل: وهبوب الصبا في أهلها، مما يصلح أمرهم ويُرق طباعهم، ويرفع همتهم، إلا أنهم على ذلك موصوفون بالشح. وهذا فيما كان، وأما الآن فلا نقص في معايبهم، قال من لا قال في ساحتهم: رأيتُ في النوم أبي آدما ... صلى عليه الله ذو الفضلِ والناس يشكون بأنواعهم ... من حُمق أهل الغربِ والبخلِ فقال: حوّا أمكم طالقٌ ... إن كان أهل الغرب من نسلي وقال: لا تعتبنّ على بخل مغاربة ... طباع أنفسهم تبدي الذي فيها فالشمسُ تبدو وفي الدنيا أشعتها ... حتى إذا وصلت للغرب تخفيها وقال آخر يهجوهم: يقولون أهل الغرب أهل فضيلة ... وكلّ امرئ قد قال حسب مقالهِ وما الغرب إلا مطلع كلّ ناقصٍ ... وبرهان ما قلنا طلوع هلالهِ أبو حبان الأندلسي: وأوصاني الوصيُ وصاة نصح ... وكان مهذّباً شهماً أبيّا بأن لا تُحسنن ظناً بشخص ... ولا تصحب حياتك مغربيّا قصة وليست من باب المعاتبة، ولكن الشيء بالشيء يذكر بالاستطراد وبالمناسبة، وبرزتُ يوماً من باب السدرة متنزهاً، فرأيت جماعة من الناس حول عمود السواري، فدنوت منهم فإذا بهلوان من أروام حلب، رطب القوام عذب الكلام، فوه ماء الحياة، شاربه أخضر لم يصل إلى الظلام، قد نصب الحبال إلى رأس العمود وارتقاها، وأظهر من فنون الصنعة وأعاجيبها ما أدهش به العقول وحيّر الأفكار، ثم قال: يا أهل الإسكندرية أعينوني على السفر وأنا أريكم عجائب هذه الصنعة، فلما نزل إليهم ليجمع منهم شيئاً من الدنيا، فروا كالعرب المأخوذة فتذكرت قول القائل:

стр. 118

يا كحيل العيون إنك ظبي ... بلقاه قد تسعف الأقدارُ كل شيء يهون عندي إلا ... درهم ترتجيه أو دينارُ هذا وكان فيهم الرؤساء والتجار، والعدد الذي لا يحصى ولكنه بلا مدد، على أنها كانت دار الكرام، ومدار بلوغ المرام. فتغيرت تلك البلاد وأهلها ... وغدت حديثاً مثل أمس قد مضى استغفر الله الستار، وإن نقل مثل هذا الكلام يدل على سخافة الناقل، ويقضي على أنه ليس بعاقل، ولكن ذلك دأب أهل القيل والقال، ورواج آداب هذا المجال. وكان البهلوان يلقي شيئاً من المواليات الرائقة وهو يمشي على الحبال، فكتبت منة هذا البيت لما اشتمل عليه من حسن الصنعة، ويسمى بالمنطق المردوف وذا الاشتقاق: قطعت كم بيد أطلب من وصاله باد ... وبالجفا باد مالي مَنْ أخذ لي بيد والقلب قد صيد مع محبوب لحْظُه صاد ... كم من أسد صاد ما لو من أسود وصيد قلت الوفا عيد أمرضني ولي ما عاد ... والحُزن لي عاد من هجرُه وقربُه عيد أحوى حوى جيد للمحسن المفدى جاد ... بالوصل ما جاد لكن كلّ فعله جيد وفي هذا الوزن الراجح: أنفقت كم عين والحبوب مالي عان ... وأنا الشجيّ العان أضحى دمع عيني عِين والحبّ ما بين غزلان النقا والبان ... عنه العنا بان وانزاحت صروف البِين محب لو حين وجنَاتُه طلا في حان ... والصبّ قد حان فيها شرب كأس الحين لامسه شِين إلا دائماً نشوان ... قد أمنحو شان ما قارن بسعده شِِِِِين وقد علمت أن هذا الوزن مبني على التسامح، واللحن يَعْذُبُ فيه إذا كان به، أحسن من أن يكون معرباً، بل قال السيوطي في شرح الموشح النحوي أنه يجب فيه اللحن. وفي كتاب منتهى الآمال من مشتهى الموال شيء من أحكامه. قيل وإليه وقعت الإشارة على وفق ما فرطنا في الكتاب من شيء بقوله تعالى والطير محشورة كلّ له أواب لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا كما قيل في استخراج اسم هود ﵇ من قوله تعالى ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها بطريق التعمية. وأصل هذا الوزن من البحر البسيط، وسبب تسميته بالمواليا ما يحكى أن الرشيد لما قتل جعفر البرمكي أمر أن لا يرثى بشعر، فرثته جارية له بهذا الوزن حيث لم يكن

стр. 119

شعراً، وهي تندب وتقول: يا مواليا. فسُمّي بذلك. قيل وأول بيت قالته في هذا الوزن قولها: يا دار أين ملوك الأرض أين الفرسْ ... أين الذي قد حَموْكِ بالقنا والترسْ قالت تراهم رمم تحت الأراضي دُرسْ ... سكوت بعد الفصاحة ألسنتهم خرسْ فائدة قال المقريزي أهل الإسكندرية يستقبلون من الكعبة ما بين الركن الغربي إلى الميزاب، فيجعلون الدب الأكبر خلف كتفهم الأيسر وقت طلوعه، ويكون الجدي على الأذن اليسرى، انتهى بمعناه. فوائد عن الإمام الحافظ الشيخ أحمد المقري، وكان يدرس بجامع فراجا على الساحل خارج السور، لأن البلدة تحول أكثرها إلى ذلك الموضع ولم يزل يتجدد بها البنيان. (ومنها) أن سورة الكوثر لم تشتمل على ميم، وفي ذلك إشارة إلى أن هذا العطاء غير مرجوع فيه، إذ الميم يرجع منتهاها إلى مبتداها من حيث أنها دائرة. (ومنها) أنه قيل في تفسير قوله تعالى ولقد نصركم الله ببدر أن المراد به محمد ﷺ ، وأنه من أسمائه، وإليه الإشارة بقوله تعالى طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى وذلك أن لـ طه من العدد أربعة عشر، وهو كمال البدر. (ومنها) ما وقع في الحديث القدسي كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف، فخلقت خلقاً فبي عرفوني. وذلك أن لفظ فبي له من العدد اثنان وتسعون وهو عدد لفظ محمد. (ومنها) أن بعض الأدباء استخرج عدد الرسل ﵈، من إسم محمد صلوات الله عليه، بحساب الجمل وذلك بتحليل الاسم إلى ثلاث ميمات، لكلّ ميم من العدد تسعون، وعلى ذلك للحاء تسعة، وللدال خمسة وثلاثون، فالمجموع ثلاثمائة وأربعة عشر!! قال: وضمنت ذلك منظومتي السنوسية حيث قلت: وعدة الرسل الكرام الكُمَّلِ ... في اسم محمد بدت بالجمَّلِ ميم وحاء ثم ميم كُرّرت ... وبعدها دالٌ كما قد قررت (ومنها) أن بعض الأدباء استخرج مدة عمره ﵊، من

стр. 120

لفظة نبئ بالهمزة، لأن لها على ذلك من العدد ثلاث وستون. (ومنها) أن ابن رشد كان يقول: ما من مسألة وإن كانت جلية في ظاهرها، إلا وهي مفتقرة إلى الكلام على ما يخفى من باطنها، وقد يتكلم المرء على ما يظنه مشكلاً وليس بمشكل، وبخلافه. (ومنها) أن نسبة الفائدة إلى مفيدها من الصدق في العلم وشكره، والسكوت عن ذلك من الكذب في العلم وكفره، ولا ينافيه خبر انظر إلى ما قال ولا تنظر إلى مَنْ قال: إذا أفادك إنسان بفائدةٍ ... من العلوم فجدد ذكرها أبدا وقل فلان جزاهُ اللهُ صالحةً ... أفادَنيها وخلِّ الكبرَ والحسدا ولا يخفى ما في هذا الكلام من الرعونة، وفيه كلام يحسن السكوت عنه. (ومنها) أنّ كلاً من البسملة والحمد لله أمر ذو بال، فيحتاج إلى سبق مثله ويتسلسل، وأجاب بأن المراد ما يقصد في ذاته وليس وسيلة لغيره، وبأن كلاً منهما كما يحصل البركة لغيره ويمنع نقصه، يحصل ذلك لنفسه، كالشاة تزكي نفسها وغيرها من الأربعين. (ومنها) أن ابن جني حكى أن سيبويه رؤي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: خيراً، وذكر كرامة عظيمة. فقيل له: بِمَ؟ قال: بقولي إن اسم الله تعالى أعرف المعارف.! (ومنها) أنّ ثعلباً قال في - الرحمن: إنه اسم أعجمي بالحاء المعجمة عُرِّب بالمهملة وهو غريب، ومن إملائه: الحدُّ والموضوعُ ثم الواضع ... والاسم الاستمداد حكم الشارع تصور المسائل الفضيله ... ونسبة فائدة جليله حق على طالبِ علمٍ أن يحيط ... بفهم ذي العشرة منبزها ينيط تخصه قبل الشروع في الطلب ... كيما يكون عارفاً فيما طلب

стр. 121

وقال غيره: حياة وعلم قدرة وإرادة ... وسمع وإبصار كلام مع البقا صفات لذات الله جلّ قديمةٌ ... لدى الأشعريّ الحبر ذي العلم والتقى وقال غيره: أولو العزم خمس والشرائع خمسةٌ ... يُدانُ بها ربّ العباد ويُعبَدُ فنوح وإبراهيم ذو الحلم والتقى ... وموسى وعيسى ثم جاء محمدُ وقال غيره: وكل نبيّ في القرآن فإنه ... لمن نسل إبراهيم ذي العلم والتقى سوى خمسة لوط وهود وصالح ... ونوح وإدريس الذي فاز وارتقى وقال غيره: إلا إن قرّاء الأئمة سبعة ... بهم يهتدي في الذكر كلُّ كبير عليّ أبو عمرو وحمزة عاصم ... ونافع عبد الله وابن كثير ولبعضهم: إن الليالي للآنام مناهلٌ ... تطوى وتنشر دونها الآجالُ فطِوالُهنّ مع السرور قصيرةٌ ... وقِصارهنّ من الهمومِ طِوالُ ومنه: نزيل سكندرية ليس يُقرى ... بغيرِ الماء أو نظرِ السواري فلا تطمع برؤية قرص خبز ... فليس لضيفها المحتاجِ قاري وفي عاشر شهر ربيع الأول، جاء كتاب يشتمل على قتل المرحوم السيد أحمد بن عبد المطلب أمير مكة المشرفة، وبما وقع تحدث عامة أهل مكة قبل الوقوع، وإرجاف العوام مقدِّماتٌ لأمر واقع لا شك فيه، فلنذكر طرفاً من خبر هذا السيد الشهيد، لما في ذلك من الفائدة التي تعود صلتها على أهل الاعتبار. كن عالماً أخبارَ من عاشَ وانقضى ... وكن ذا اعتبارٍ واغتنم أطيبَ العمر

стр. 122

ولنبدأ أولاً بنسبه الشريف، فإن أنساب بني هاشم يقصر عنها طمع الطامع، أو هم كما قال: وما دخولهم في الناسِ أو مُضر ... إلا دخول كلام الله في الكلمِ فاقصر فإنك لا تحصي فضائلهم ... لو كان في كلّ عضو منك ألفُ فمِ هو السيد المقدس المبرور أحمد بن عبد المطلب بن حسن ذي المآثر المشهورة والنوادر المسطورة، ابن أبي نمي محمد بن بركات، وله الأخلاق الحسنة والشمائل المستحسنة، قبض عليه التركي عام تسع وتسعمائة وذهب به إلى القاهرة، فتألم لذلك أهل مكة المشرفة، وفي ذلك يقول ابن العليف: عزيزٌ على بيت النبّوة والملك ... مقام على ذلِّ المهانة والفتكِ وأعظم ما يلقى الكريم من الأسى ... على نفسِ ما يلقى من الضيم والضنكِ برغمِ العلا والمجد والسيف والندى ... حصلت أبا عجلان في قبضةِ التركِ وتلكَ لعمر الله أدهى مصيبة ... أصمّ بها الحاكي عن الحادثِ المَحْكي فيالك من دهرٍ تناهت خطوبُهُ ... نظمت حصاةَ القلبِ والهمِّ في سلكِ عدمتُ الليالي ما أمرّ صروفها ... وأخلقها باللومِ في الفعلِ والتركِ رحلتم فربعُ الأنسِ ما زال موحشاً ... خليّاً وسِتْر العزِّ أصبح في هتكِ وأسلمتم كلّ القلوبِ إلى الأسى ... فهذا الورى ما بين باكٍ ومستبكي وغادرتُم في الكربِ جيرةَ طَيْبَة ... كذا حيرة البطحاءِ والحرمِ المكي ولما استقلَّت بالمسيرِ خيولُكُم ... وحادي النوى يشكو إليه كما نشكي وسرتم وسارَ الجودُ يمشي أمامكم ... وظلت بنو الآمالِ من خلفكم تبكي رأينا الجبالَ الشمَّ والمجد والعلى ... تسير بها بُزل الجمال على وشكِ وفي أيامه وأيام أبيه أبي نمي محمد، استولى على الديار المصرية ملك الروم السلطان سليم، وجهّز إليهما قاصداً بالاستقرار والاستمرار، وذلك في سنة تسع وعشرين وتسعمائة: فلا عَدِمَتْهم نعمة خلقتْ لهم ... ودنيا بهم فيها الحياةُ تطيبُ

стр. 123

وبركات المذكور هو ابن محمد بن بركات بن حسن بن عجلان، الذي يقول في بنيه الشاعر: لو لم يكن في بني عجلان نافلة ... إلا سماحتهم في العِزِّ بالباسِ لكان ذلك كافٍ في محبتهم ... وكيف لا وهم من أشرفِ الناسِ وعجلان هذا، هو ابن رميثة ابن أبي نمي بن حسن بن علي بن أبي عزيز قتادة، الذي دخل مكة بالسيف ودعا إليها الضيف، وطرد عنها الهواشم لأمر اقتضاه وحكم به الباري تعالى وقضاه: ومن تكنِ الأسد الضواري جدودهُ ... يكن ليلُه صبحاً ومطعمه غضّا وذلك في سنة سبع أو تسع وخمسمائة، ويقال لِعَقِبه القَتَادات، فلا خلا الله منهم الوجود، ولا زالت منازلهم مأوى المكارم والجود، وكانت مملكته ممتدة من الينبع إلى حلى، وعدله فيها ظاهر جلي، وكان بطلاً شجاعاً، مهاباً مطاعاً. ملكٌ أبوهُ وأمهُ من دوحةٍ ... منها سراجُ الأمةِ الوهاجُ شربوا بمكة في ذرى بطحائها ... ماَء النبوة ليس فيه مزاجُ كتب إليه الناصر يستدعيه ويعده ويمنيه، فأجابه لذلك فسار من مكة إلى

стр. 124

العراق، فلما وصل إلى المشهد الفروي خرج لملاقاته الأعيان، وكان في جملة من خرج من غمار الناس شخص معه أسد مسلسل، فتطيّر منه الشريف قتادة وقال: مالي وبلدة تذل فيها الأسود؟ فرجع لوقته إلى الحجاز. فكتب إليه الناصر يعاتبه على قدومه عليه ورجوعه قبل وصوله إليه، فكتب إليه الشريف قتادة: بلادي وإن جارت عليّ عزيزةٌ ... ولو أنني أعرى بها وأجوعُ ولي كفِّ ضرغامٍ إذا ما بسطتها ... بها أشتري يوم الوغا وأبيعُ مُعَوّدةٌ لَثْمَ الملوكِ لظهرها ... وفي بطنها للمجدبين ربيعُ أأتركها تحت الرهان وأبتغي ... لها مخرجاً إني إذاً لرقيعُ وما أنا إلا المسكُ في غير أرضكم ... يضوعُ وأما عندكم فيضيعُ فكتب إليه الناصر أما بعد فإذا نزع الشتاء جلبابه ولبس الربيع أثوابه، قابلناكم بجنود لا قبل لكم بها، ولنخرجنّكم منها أذلة وأنتم صاغرون. فلما أحس بالشرّ كتب إلى بني عمه أبناء الحسين من أهل المدينة يستنجدهم، وكتب إليهم أبياتا منها قوله: بني عمنا من آل موسى وجعفر ... وآل حسين كيف صبركم عنا بني عمنا إنّا كأفنان دوحة ... فلا تتركونا تتخذنا العدى قنّا إذا ما أخٌ خَلَّى أخاه لآكلٍ ... بدا بأخيه الأكلُ ثم به ثَنّى فلما أقبلت الكتيبة الناصرية، وقد أتته رجال النجدة من بني الحسين، بدد شمل تلك الكتيبة وكسرها، وأستأصل ساقتها وقهرها، وضاقت عليهم الأرض، حتى أن هاربهم إذا رأى غير شخص ظنه رجلاً. فلما رأى الناصر شدّة بأسه

стр. 125

وعدة لباسه، مدحه على سيرته وأولاه صفاء سريرته، وأقطعه قرى متعدّدة وأكرمه بصلات متجددة، فلم يزل أميراً على الحجاز، وملكاً لها على الحقيقة لا المجاز، ولله در علي بن المقرب حيث يقول: من سالم الناس لم تسلم مقاتلُهُ ... منهم ومن عاش فيهم بالأذى سَلِما ما كلّ ساعٍ إلى الهيجاء يدركها ... من حكّم السيف في أعدائه احتكما وهكذا فلتكن الهمم العلية، والشمائل العلوية، وبالجملة فإنهم المعنيون بقول القائل: فتية لم تلد سواها المعالي ... والمعالي قليلة الأولادِ وفيهم يقول مادحهم: ويكاد من كرَمِ الطباع وليدُهم ... يهب التمائم ليلةَ الميلادِ وإذا امتطى مهداً أفليس يُنيمُه ... إلا نشيدُ مدائح الأجدادِ أو هم كما قال: وكم فيهم محاسن وهي شتّى ... وأوصاف ألذّ من المدامه فلا زالت على الأيّام تبقى ... محاسنُهم إلى يومِ القيامه وقتادة المذكور هو ابن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن الحسين بن سليمان ابن علي بن عبد الله بن محمد بن موسى الثاني بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحصن بن الحسن المثنّى بن أمير المؤمنين الحسن بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. وفيه قيل: كانت قريشٌ بيضة فتفلّقت ... فالمُحُّ خالِصُه لعبد منافِ الرائشون وليس يوجد رائش ... والقائلون هَلُمَّ للأضيافِ وما أصدق ما قال: أولئك الناس إن عُدّوا وإن ذُكروا ... ومن سواهم فلغو غير معدودِ لو خلد الدهر ذا عز لعزّته ... كانوا أحق بتعمير وتخليدِ

стр. 126

وأما سيرته فإنه كان شريف النسبين، كامل الحسبين: فيا نسباً كالشمس أبيض واضحاً ... ويا شرفاً من هامة النجم أرفعُ وكان عزيز النفس، صدوق الحَدْس: تعرف من عينه نجابته ... كأنَّه بالذكاء مكتحلُ محباً للفقراء ومستنزل الضيف للقرى، متنزلاً لأهل الأدب، مولعاً بالمنادمة والطرب، تأدب بالأشعار والسير، ومشى في التصّوف على طريقة الشيخ الأكبر، وكانت في خدمته كثير من المشايخ الكبار، وسافر إلى اليمن فاِجتمع برجالها، وبشّر بولاية مكة المشرفة فكان لا يزال يتشوّفها، ويكنى عنها بطلوع الشمس، سمعت منه عام اثنين وثلاثين وألف: لقد صار قلبي قابلاً كلّ صورة ... فمسرحُ غزلان وديرٌ لرهبانِ أدين بدينِ الحب أنّى توجهتْ ... ركائبهُ فالحبُ ديني وإيماني وكان من أموره أنه لما قدم الوزير أحمد باشا متوجهاً إلى اليمن انكسر مركبه بثغر جدة، فلما دخل البندر طلب من يغوص البحر لإخراج ماله منه، فاخرجوا له البعض واعتذروا عن الباقي، فاتهمهم وقتل حاكم البلدة وأمين قلعتها، وذلك في شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وألف، وشريف مكة إذ ذاك السيد محسن بن حسين بن أبي محمد، وقد توجه السيد أحمد المذكور إلى الوزير فأغراه على الشريف محسن، وما زال به حتى وسَمَهُ بإمرة مكة المشرفة، وكان لا يملك شيئاً في تلك الحالة، فلله دَرّ من قال: إذا اصطفاك لأمرٍ هيَّأَتك له ... يدُ العناية حتى تبلغ الأرَبا لو لم تُرد نيلَ ما أرجو وأطلبه ... من باب فضلك ما علّمتني الطلبا

стр. 127

ولما قضى على الوزير نادى باسمه في تلك الجهات، وأخذ العهود على أولئك الجند، فأقبل عليه الشريف محسن وحاصره إلى سَلْخ شعبان، ثم رجع إلى مكة وقد قتل جماعة ممن معه وثلاثة من بني عمه، وكان في عسكر لا يظن انكساره. وما يمنعُ الجيشُ الكثير التفافهُ ... على غير منصورٍ وغير مُعان فلما كان سابع عشر شهر رمضان قدم السيد أحمد في عسكره إلى مكة المشرفة، وخرج إليه الشريف محسن في جمع عظيم إلى ما وراء الحجون فوقع ما وقع، ورجع الشريف محسن إلى الحسينية وكان لا يُتَوهم رجوعه، والله غالب على أمره متصرف في ملكه، يفعل ما يشاء وهو العليم الخبير: ما اِختلف الليلُ والنهار ولا ... دارت نجوم السماء في فَلَكِ إلا لينتقل السلطان من ملك ... قد زال سلطانه إلى ملكِ ومالكُ العرش لم يزل أبداً ... ليس بفانٍ ولا بمشتركِ ثم إن السيد أحمد دخل مكة المشرفة في ذلك الموكب الذي لم يسمع بمثله في قومه وأهله، فاستقر به سلطانه، وعظم مكانه وإمكانه، وقد خلت منازل الأشراف من سكانها، ونَعَقَ غرابُ البين في أركانها، وأصبحت تلك القصور كالممحوة من السطور، ومكة مستوحش فيها الأنيس، ويرثي لمصائبها إبليس. كأن لم يكن فيها أوانسُ كالدُمى ... وأقيال مكة في بسالتهم أسدُ تداعى بهم صرف الزمان فأصبحوا ... لنا عبرة تُدمي الحشا ولمن بعدُ فلم يزل بمكة أميراً متغلباً على الأشراف، منصوراً بالرعب في سائر أقطار الحجاز، حتى أن كثيراً من الناس توهم أنه القائم من أهل البيت، وأسعد الله به من شاء من عباده، وأمدّه بسنا إمداده، وكان من أمره ما تناقله الركبان. وكان ما كان مما لستُ أذكرُه ... فظُن خيراً ولا تسأل عن الخبرِ ولم يزل على ذلك الحال، وملوك مكة في أكناف الجبال: ولقد وقفت على منازلهم ... وطُلولها بيد البلى نهبُ وبكيت حتى ضج من لَغَبٍ ... نِضْوي ولجَّ بعذليَ الركبُ

стр. 128

وتلفتتْ عيني فمذ خفيتْ ... عنّي الطلولُ تلفتَ القلبُ ولما كان العشرون من المحرم افتتاح سنة تسع وثلاثين، قدم الوزير قانصوه فاختلى بالسيد أحمد وخنقه بداره ودفنه في طاقة، فكثُر اللَغَط بين الجند حتى أدى إلى نبش قبره ليعلم حاله، وبقي مطروحاً على أعين الناس من الصبح إلى وقت الزوال، ولسان الحال يقول: لا يسلمُ الشرفُ الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم ثم دفن ثانياً في تربة آل جَدِّه الحسن عليه الرحمة. فإن دَفَنوا تحتَ الترابِ جمَالهُ ... فما دُفنت أوصافُهُ وشمائلُه فيا عين سُحّي لا تَشُحِّي بوابلٍ ... على ماجدٍ لا يعرفُ النهرَ سائلُه ثم انعقد الرأي على ولاية الكبير الخطير السيد مسعود بن إدريس بن حسن، حفظ الله تعالى أيامه من الأكدار، ولا زالت داره أشرف دار، وذلك في الخامس من صفر الخير من السنة القائل لسان حالها: هذا حباه الله ملك جدودهِ ... ولذاك جناتُ النعيم تزخرفُ وفيه يقول الشيخ الفرفوري: أميرنا السيد المفضال مسعودُ ... من وصفُه العدلُ والإنصافُ والجودُ توارثَ المجدَ عن إدريس والده ... أكرم به والداً أحياه مولودُ وما أقرب ما قال: قل للمقيم بغير دار إقامة ... آن الرحيل فودّع الأحبابا إن الذين صحبتهم ولقيتهم ... صاروا جميعاً في التراب ترابا ولما كان سادس عشر ربيع الثاني هَبَّت الرياح الشرقية واعتدل حال البحر،

стр. 129

فعزمت على ركوبه والنفس عندها إباء وامتناع، لما شاع من قولهم ما خفق الشراع، ولكن أي عقل لمعقول، وقد ورد في النقول: لو كشف لأحدكم لرأى قائداً يقوده، فألجأتها إلى ركوبه وألزمتها، واقتحمت بها لجته وأنشدتها: لقد خضتِ يا نفسُ بحرَ الهوى ... وأحرقتِ قلبي بنارِ النوى علام نفورك من مركبٍ ... سرى في أمانِ شديدِ القوى فنزلت إحدى المراكب المتوجهة نحو الروم، منشداً بيتيّ المفتي أبي السعود وحَبْر العلوم: خلِّ الديارَ بما فيها لأهليها ... وقل سلامٌ على الدنيا وما فيها وألقِ معتصماً تلك العزيمة في ... بحرِ التوكلِ بسمِّ الله مجريها فسرنا تلك الليلة والليلة الثانية على أحسن حال وأنعم بال، ثم اضطرب البحر وقامت فيه العناصل بحيث كادت لا تبقى شيئاً على وجه الماء، وكان المدفع إذ ذاك ما يناهز الثلاثين سفينة فتفرقت بجمعها، حتى لا ترى واحدة منها واحدة ولا تظفر عنها بنبأ، وقد عقد الغيم غمائم غمه، وأمطرنا الوجل سحائب همه، وأرسل الغمام علينا الأمطار كأفواه القُرَب، ولقد شاهدت الأهوال من تلك الأحوال ولا عجب. على أنها الأيام قد صرن كلها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب وامتدّ الحال وقلّ النوال، وقد نفد ما كان معنا من الما، واستولى علينا الظما: ومن العجائب أنني ... في لجِّ بحرٍ صرتُ راكب وأموتُ من ظمأ ولك ... ن عادة البحر العجائب ويقول غيره: وكم مات في البحر أخو ظما ... بغُلّتهِ والماء جار وراكد

стр. 130

فلا تحسبنْ كلّ المياهِ شريعةً ... يُبَلُّ الصدا منها وتُوكى المزاود كتب الحصري إلى المعتمد بن عباد صاحب أشبيلية، وكان بعث إليه بخمسمائة دينار يجهز بها إليه: أمرتني بركوب البحر أقطعه ... غيري لك فاخصصه بذا الراءِ ما أنت نوح فتنجيني سفينته ... ولا المسيح إذا أمشى على الماءِ وكتب إليه أبو العرب الزبيري حين بعث له بمثل ذلك: لا تعجبن لرأسي كيف شاب أسىً ... وإعجب لسوادِ عيني كيفَ لم يشبِ البحرُ للرومِ لا تجري السفينُ به ... إلا على غرر والبر للعربِ لطيفة دخل الشيخ عبد الرزاق فاتح البيت المعظم على السيد الحسن بن أبي نمي شريف مكة شرفها الله تعالى، ليستأذنه في ركوب البحر لضيق حاله، فأنشده الشريف: فيم اقتحامك لجَّ البحرِ تركبه ... وأنت يكفيك منه مَصَّةُ الوَشَلِ فأنشده على البديهة من القصيدة: أريد بسطةَ كفٍ أستعين بها ... على قضاء حقوق للعلى قِبَلي فأمر له الشريف بألف دينار. وعلى ذلك في التحفة السنية في الدولة الحسينية أن السيد شكر بن الحسن الملقب بتاج المعالي رأى فرساً مع شخص من العربان، فأعجبته ولم يمكنه طلبها منه، فلما قضى مناسكه بعث وصيفاً بألف دينار يسأله

стр. 131

قبولها في مقابلة الفرس، فأمسى الوصيف على العربي فأضافه بالفرس. فلما أصبح كلمه في ذلك، فقال: إنك لما أمسيت علينا لم يكن عندنا ما نضيفك به، فذبحنا لك الفرس. فبُهِت الوصيف، ثم إنه دفع الألف إليه فأمتنع من قبولها، فبالغه الوصيف حتى قبلها، فلما رجع إلى سيده قَصَّ عليه الخبر. فقال له: ما فعلت بالألف؟ قال: أعطيتها العربي بالمبالغة. قال: نِعْمَ ما فعلت، ولو لم تفعل ذلك لرأيت ما تكره، وحيث فعلت ذلك فأنت حرّ. تُوفِّيَ السيد تاج المعالي سنة أربع وستين وأربعمائة وكان أميراً جليلاً جواد جميلاً، سارت بذكره الركبان، وشهدت بفضله العربان، وهو رابع من ملك مكة من الدولة الحسينية، فإنه ملكها عن أبيه الحسن بن جعفر، وملكها عيسى عن أبيه جعفر بن محمد الحسيني المستولي عليها بالسيف، فإنه دخلها وقتل من طوائف العرب الهذيلية والطلحية وغيرهم وأخلى الترك عنها، وبقيت في يده إلى أن دعاه واجب الإجابة فلباه، وذلك في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة أيام العزيز بالله الفاطمي. وما هذه الأيام إلا صحائفٌ ... نؤرخُ فيها ثم تُمْحى وتُمْحق وأعجب شيء أن دائرة المنى ... توسعها الآمال والعمر ضيق

стр. 132

مجير الدين بن تميم: عجبت للبحر لما أنْ رأيتُ بهِ ... تلك الصواري وقد أرْمتْ على الحُبُكِ أظنها لم تطل إلا وقد وليت ... حمل الرسائل بين الفُلك والفَلكِ وقال: ولما ركبت البحر والبحر قد طما ... وهاج علينا موجه يتلاطمُ تمشّت بنا في لجة ببطونها ... كما يتمشى في الصعيد الأراقمُ وقال: وركبت بحر الروم وهو كحَلْبَة ... والموج تحسبه جواد يركضُ كم من غراب للفظيعةِ أسودِ ... فيه يطير له جناح أبيضُ وقال آخر: سفر البر كيف كان جميل ... ليس لي في البحار من أوطارِ لست ممن يلقى الهلاكَ بنفس ... طمعا في غنائم الأخطارِ (حكى) الشيخ الأكبر أن رجلاً من علماء المغرب قصد الحج ثم تردد بين أن يسافر براً أو بحراً، فعقد النية على مشورة من يلقاه، فلما برز من داره

стр. 133

لم يلقه إلا يهودي، فاغتمَّ لذلك ثم عزم على أن لا يحل ما عقده مع الله تعالى، فاستشار اليهودي فقال له: إن الله تعالى يقول: هو الذي يسيركم في البر والبحر فلولا أن البرّ أفضل من البحر لما قدّمه عليه، فرجع الشيخ مسروراً بذلك والله وليّ التوفيق. الشيخ الفرفوري: أبا خالد أحسنت لا زلت محسناً ... رفيقاً بمن يهوى جواريك هاديا ثنيتُ عِنان الفُلك عنك مودعاً ... وداع امرئ لا يرجع الدهر ثانيا وقال آخر: ولقد ركبتُ البحرَ أرجو راحةً ... فشهدتُ فيه مواقعَ الأهوالِ وعزمت أن لا عدت فيه ثانياً ... وهجرته في سائر الأحوالِ فائدة يقال من خواص الفَيْروزَج أنه ما رؤي في إصبع غريق قط، قال بعض فقهاء اليمن: وكان في نفسي شيء من ذلك فاتّفق أنّا وجدنا غريقاً في نهر وقد بقى فيه رمق، فحملناه إلى اليبس، فلما سكن جأشه قال: ما هذا الموضع؟ فسمّيناه له. فقال: إني وقعت بأرض كذا. فإذا بين الموضعين سفر خمسة أيام!! ثم إنه طلب مأكولاً فذهبنا لإحضاره، فانقضَّ عليه الجدار الذي كان تحته فقضى عليه، فعجبنا من مسامحة البحر وتعدّي الجدار، فلما أخذنا في تجهيزه رأينا في يده خاتم فضة فيروزج، فعلمنا صحة خاصيته، ثم بعناه وجهزناه به، انتهى. بمعناه من كتاب عقود النحر في نوادر البحر. ولا يخفى عليك أن الخاصية قد تتخلف، وهي طبيعة مجهولة ولله درّ القائل: لي مدة لا بد أبلغها ... محتومة فإذا انقضت مت لو ساورتني الأسدُ ضارية ... لغلبتها إن لم يجئ وقت

стр. 134

ومن كتاب البحر: ينبغي لراكبه أن يكون ممتلئاً من الطعام عند ركوبه، فإذا حصل له القيء كان في معدته ما يستخرجه، ويستحب له مسح ظاهر الأنف وباطنه بالإسْفيداج، وشمَّ الصندل والماورد، واستعمال شراب الحِصْرِم. ثم لم نزل كذلك، نجوب فيافي المهالك، حتى نظر الباري تعالى إلينا بعين الرحمة، وكشف عنّا بمنِّه غمائم الغُمَّة، ونحن في موج يرفع ويخفض ويجرجرنا إلى ما يُسقم ويُمرض، والريح تضرب الشراع وتمزق القلاع: فيا ليت ما بيني وبين أحبتي ... من البعد ما بيني وبين المراجعِ فأقمنا على الماءِ تجاه جبال رودس أياماً لوقوف الريح: ونحن في مركب كالنون يذكرنا ... موسى بن عمران في يم بتابوتِ ما كان أغناك عن بحر وعن خطرٍ ... وبُعْد أهل وتغريب وتشتيتِ قد شابت رؤوس الجبال واكتست عمائم الثلج، وخاضت آراء الرجال في الهَرْج والمَرْج، وتمزقت بالأهوية القلوب والأستار، والبارق يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار. هذي خُفوق البرق والقلب الذي ... ضُمَّت عليه جوانحي خَفَقَان ولما أمسينا ذات ليلة هبت علينا نسمة سارت بها الركبان، فوصلنا إلى رودس أقل ما كان يتوقع، بل ربما كان ذلك في الواقع: كعرشِ بلقيس لما جاء مُختطَفاً ... إلى سليمان يسعى من رسوم سبا فنزلنا من تلك المينا الأمينة إلى هاتيك المدينة، وقد أسفر الصباح عن اليوم الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول، فإذا هي بلدة لطيفة الشمائل وريفة المنازل، ذات أسوار مانعة وأشجار يانعة، وطيور مختلفة وقصور مؤتلفة، إلا أن ماءها أثقل من الرصاص، والإقامة بها تقوم مقام القصاص، وقد قامت بها سوق الفسوق

стр. 135

على ساق، وتجاهر بالمعاصي فيها الفُسّاق، فلم يفرّق فيها بين الراح والماء القراح، والله غالب على أمره، وهو المسؤول في السلامة من كيد الزمان قهره. فائدة في معرفة ثقيل الماء وخفيفه: تُبلُّ قطنتان متساويتان وتجففان في الظل، والماء الذي قطنته أخف فهو أخف، كذا في تذكرة الشيخ جمال الدين العصامي. ثم إني دخلت خاويَ الوفاض، بادي الإنفاض، لا أملك بلغه، ولا أجد في جرابي مضغة، فطفقت أجوب طرقاتها كالهائم، وأجول في حوماتها جولان الحائم، أورد في مسارح لمحاتي، ومسانح غدواتي وروحاتي، كريماً أخلق له ديباجتي وأبوح إليه بحاجتي، وأديباً تُفرِّج رؤيته غُمَّتي وتروي روايته غُلّتي، فانصرفت من حيث أتيت وقضيت العجب مما رأيت، وهكذا شأن من لفظته معاول الإرفاق إلى مفاوز الآفاق، ومن اقتعد غارب الإغتراب، وأنأته المتربة عن الأتراب، رأى من تقلب حاله ما لا يجرى في خياله. وإنّ اغتراب المرء من غير فاقة ... ولا حاجة يسمو لها لعجيب وحسب الفتى ذلاً وإن أدرك الغنى ... وإن نال مجداً أن يقال غريب فأقمت بها مدة تناهز مدة الهلال، وعِدّة لم تُسْفر فيها وجوه الآمال، فلا مسامر في تلك المسامر، ولا منادم بوجه سافر. مدادي مدامي والكؤوس مَحَابري ... نداماي أقلامي وفاكهتي شِعري ومسمعتي ورقاء ضنّت بحسنها ... فأسدلت الأستار من ورق خضر

стр. 136

وأنا من سكانها بين خلق في صورة البشر، وأعيان جمعوا بين الحماقة والأشَر، فما أولاني في تلك الحال، بقول من قال: يا ضيعة العمر في قوم تخالهم ... ناساً ولا غير أثواب على صور لو أن ذا الحلم حَلَّ بينهم ... لودّ فيهم ذهاب السمع والبصر لهم كلام تقشعر منه الآذان، بأصوات مقلوبة ما دقت باب الدخول، ولا فرقت بين الفروع والأصول، فكم أطربت ولا أطربت وكم أغربت ولا أغربت. وكم حوت رودس مع حسن بهجتها ... من كلّ فدم بليد الطبع فاسده فكنت كما قال: أصبحت في بلدة غراء تجهلني ... وكلّ ثاوٍ بدار الجهل مجهولُ في معشر ما لأهل الفضل عندهم ... قدر ولا لبني الآداب تفضيلُ دار من مزخرفة الأركان ليس بها ... إذا سلكت الهدى إلا التماثيلُ فحق أن أذكر الزورا وجيرتها ... وروضة الطهر فهي القصد والسُولُ لا أبعد الله هاتيك الرياض ولا ... زالت لها من سحاب الخير تظليلُ فلا غرو أن أذكر معاهد الفضل ومواطنه، وأمتدح موارد الأدب ومعادنه، وأبوح بهوى تلك البقاع البهيّة، وأنوح متشوقاً إلى هاتيك الرباع الحرمية. بلاد بها نيطت عليّ تمائمي ... وأول أرض مَسَّ جلدي ترابُها فلا برحت تزهو على الأفق بالبها ... ولا زال يهمي في الرياض سحابُها رودس ورودس هذه جزيرة في البحر الرومي، ساحتها ثلاثة فراسخ وعمارتها فرسخ، وعليها ثلاثة أسوار منيعة، وثلاثة من الخنادق، وتمشي في عرض السور ثلاث عربات، وهو مخرق من أعلاه إلى أسفله، في كلّ كوة مدفع يضرب ما يحاذيه، ولا يؤثر في هذا الحصار شيء من المدافع، وفي بابه سلسلة عظيمة في وسط

стр. 137

البحر تمنع وصول شيء من المراكب إلى الباب، وهو قديم البناء محيط به البحر من جانب وبر الجزيرة من جانبين، وفيها بساتين، وكنايس عظيمة صارت مساجد، وحمام، وسوق كبيرة وهي الآن في ثوب البهاء، وخارج العمارة بساتين مختلفة الثمار والأزهار. ولها خبر طويل في الفتوحات السليمانية افتتحها السلطان سليم سنة تسع وعشرين وتسعمائة، فحصل بذلك لأهل الإسلام كمال المسرة، وعملوا تواريخ منها يفرح المؤمنون بنصر الله، قاله القطبي في الأعلام. وأما البحر الرومي وهو بحر الشام والقسطنطينية، فهو يخرج في الإقليم الرابع من المحيط، فيمر مشرقاً بشمال الأندلس إلى القسطنطينية، ويمتد ببلاد الجنوب إلى سبته إلى طرابلس الغرب إلى الإسكندرية، ثم إلى سواحل الشام وإلى أنطاكية. قال المقريزي: وطول هذا البحر خمسة آلاف ميل وعرضه من سبعمائة إلى ثلاثمائة، وفيه مائة وسبعون جزيرة عامرة فيها أمم كثيرة معروفة، وحكى بعض الفلاسفة أنه كان ما بين الإسكندرية والقسطنطينية في قديم الزمان أرض تنبت الجميز، وكانت وخيمة وسكانها من اليونان، إلى أن خرق الاسكندر إليها البحر، فغلب على تلك الأرض. ولما كان آخر جمادى الأولى، ركبت البحر صحبة أمير لواء البحر السكندري جمال الأمراء محمد بن سويدان، لا زال في كلاءة الملك الديان، فظفرت منه بما شغلني عن السكن والأهل والوطن، ولم أزل من مسامرته مدة مسايرته، فيما أنساني بإحسانه شتات الليالي، وأولاني من منثور فوائده ما هو أشرف من عقود اللآلي، فيا له من بحر يسير على بحر، وواسطة عقد محله من جيد المعالي ما بين السحر والنَحْر، وقد اختصرت فيما سطّرت، واقتصرت على ما ذكرت، فاقنعن من صفات مجد طويل بمقالي، فإن الكتاب قصير. ولما رآني وجهت إليه آمالي، وعولت فيما قصدت عليه، حقّق لي أملي، ولم ينظر إلى عملي، وأذكرني ما حكى المدايني، أن رجلاً

стр. 138

دخل على الملك العظيم عيسى فأراد أن يعاقبه، وكان عنده ابن شبرمة، فقال له الملك: أتعرف هذا الرجل؟ قال: نعم إن له بيتاً وشرفاً وقدماً. فأمر بإطلاقه وأحسن إليه. فقيل لإبن شبرمة: هل عرفته قبل ذلك؟ قال: ما رأيته قبل هذا الوقت، ولكن لما نظر إلي فأمّل فيّ الخير كرهت أن أخذله. قيل: فكيف نعته؟ قال: أعلم أن له بيتاً يأوي إليه، وشرفه أذناه ومنكباه، وقدمه الذي يمشي عليه، فلله هذا الاشتراك الذي لولاه ما تهيأ لمستتر مراد. ما أحسن ما قال: إن للهِ غير أرضك مرعى ... نرتعيه وغير مائك ماء إن لِله في الخلائقِ لطفاً ... سبق الأمهات والآباء ثم إني سرت في صحبة هذا العزيز محفوظاً بجنابه الحريز، وقد طار بنا ذلك الغراب الرحب الجناب، وقد أقبل الشتاء وجنوده، وزمجرت رعوده، وأشهر لوامع البرق، ورمى سهام أمطاره ما بين الغرب والشرق. بسحابٍ إذا همى الماءُ منه ... ألهب الرعدُ في هواه البروقا مثل ماء العيون لم يجر إلا ... ظل يذكي على القلوب حريقا ونحن نسأل الله تعالى السلامة، وأن يخرجنا من هذا البحر وقد شملتنا منه كلّ منة وكرامة، وعلى ذكر الشتاء فما ألطف قول القطب مورياً بالبرد: توقّ من الشتاءِ ولا تخاطر ... بنفسك قائلا إني جليد فرضنا أن جسمك من حديد ... فهل يقوى على البردِ الحديد

стр. 139

ثم لم أزل كذلك على ظهر ذلك البحر الأسود، وأنا أتمنى فراقه ولا أقول العود أحمد ولولا ما حصل للخاطر في ذلك المقام من الجمع التام، لدى ذلك المقام العالي الأعز المتلالي، فإني وجدت في خزانته من الكتب المفتخرة، والدفاتر المعتبرة، ما وقعت به على ضالتي المنشودة، وبقية روحي المفقودة، فكنت أسرّح طرفي في طرفها، وأسْرَح في رياضها فأجتني اللطائف من مبسوطها ونتفها. إذا ما خلوتُ من المؤنسين ... طلبت المؤانسَ في الدفترِ فلم أخلُ من شاعر محسنٍ ... ومن فاضلٍ ناصح منذرِ ومن حكم بين أثنائها ... فوائد للناظر المُفكرِ فلست أرى مؤثراً ما حييت ... نديماً عليها إلى المحشرِ ومن إملاه دام علاه: لا تقعدن على ضيم ومسغَبةٍ ... لكي يقال عزيز النفس مُصطبرُ وأنظر بعينك هل أرض مُعطلة ... من النبات كأرض حفّها الشجرُ فعدّ عما يشير الأغبياء بهِ ... فأيُّ فضل لعود ماله ثمرُ وانقل ركابك عن ربع ظمئتَ به ... إلى الجناب الذي يَهمى به المطرُ واستنزل الري من درِّ السحاب فإن ... بُلّت يداكَ به فليهنك الظفرُ وإن رُددت في الردِّ منه منقصة ... عليك قد رُدَّ موسى قبل والخضرُ ولما كان اليوم الثاني عشر من جمادى الآخرة، وصلنا إلى صاقص، وهو بالتركية اسم للمصطكي سمّيت به تلك الجزيرة لأنَّه لا يوجد إلا بها، قيل يخرج منها مائة صندوق في كلّ عام، فتوزع على سائر البلاد، في كلّ صندوق مائة أقة بوزن البلاد، وما زاد على ذلك رُمي في البحر كيلا يرخص

стр. 140

عن قيمته، وهو عجيب. قال البصير في التذكرة: المصطكي وهو العِلْك الرومي، ولا يوجد إلا بصاقص من أعمال رودس في الخامس، وقيل يوجد بإشبيلية من الأندلس إلا أنه غير جيد، وشجره في البساطة ولطف العود والورق كشجر الأراك، يُؤخذ صمغه في شمس الجوزاء فتبقى قوته نحو عشرين سنة، وهو حار في الثانية يابس في الثالثة، أجوده الأحمر البراق والأبيض المُفْرِط في اليبس الهيِّن الانفراط، ومن خواصه تسهيل البلغم مضغاً وإذهاب الصداع وحديث النفس، وإذا بُخِّر به قطن بُلَّ بماء ورد وجُعِل على العين سكن الرمد والوجع، قال وهو مجرب. ثم قمنا منها وقد أغرقتنا الأنواء بالغمام، فتوقعنا قبل الوصول للحمى وِصَال الحِمام، وبلينا من خفق الغراب بأليم العذاب، وقد اسودَّ السحاب فشابت منه ناصية البحر، وبات الثلج منا ما بين السحر والنحر، وقد تطايرت القلوب من ليل هو أشد سواداً من الغراب، وغراب هو أعظم في تقلّبه من الطائر النعاب، فكنت كما قال: وركبت بحر الروم وهو كحَلْبَة ... والموج تحسبه جواداً يركض كم من غراب للقطيعة أسود ... فيه يطير به جناح أبيض الديار العثمانية فلم نزال كذلك حتى نزلنا على مَرْمَرَة، وهي قرية لطيفة يحمل منها أحجار المرمر إلى تلك البلدان، ثم أتينا إلى البُغاز وهو في اللغة التركية بمعنى المأزمين في العربية، وهو مضيق بين جبلين تحت كلّ منهما قصبة وقاض، وفيهما عمال السلطنة فلا يخرج عنهما مراكب إلا بتمسك. ولما كان يوم الثلاثاء الثاني والعشرون من جمادي الآخرة أقبلنا على القسطنطينية المحمية، ولاحت لنا بهجة تلك الأراضي السَنِيّة، وارتفعت أعلام تلك الديار العثمانية، وأضاءت أنوار القباب الخاقانية، فإذا هي بلدة تعطرت أرجاؤها عبهراً وعبيراً، وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعيماً وَمُلْكاً كَبِيراً قد تفردت بالكبر

стр. 141

وحسن العمارة وسعة المكان، وقال لسان النظر لما شاهد جمالها الباهر وجلالها القاهر: ما في الإمكان أبدع مما كان، وكيف لا وقد تزينت بحلول من رَتَع العالم في ظل عدله بالأمان، صاحب البند والعلم والسيف والقلم، سَرَّ الله تعالى في الوجود المشرق بَدْرُه في أفق السعود، الملك الموفق للسداد، السلطان مراد، علا على كل سلطان بسطوته، وقدمته ملوك الأرض بصولته، وكيف لا وهو الخليفة على الخليقة، وصاحب السلطنة العظمى في الحقيقة، فلا زالت أصول دوحته الشريفة ثابتة، وفروعها بأنواع ثمار اللطائف المنيفة نابتة، وأفلاك زهر العدل بدولته القاهرة مشرقة الأنوار، ورياض زهر الأمن بآياته الباهرة مونقة النوار، ولا برحت أركان البيوت العلوية بشرف همته العلية قائمة، وله من مسك الثناء على مكارم أخلاقه حسن الخاتمة. عليك إذا ما رُمت ذكر مديحه ... يقول لسان الحال وهو صواب تجاوزَ قدرَ المدحِ حتى كأنَّه ... بأحسنَ ما يثنى عليه يعاب ولما أحلّنيها الحظْ، وسرّحت فيها اللحظْ: رأيت بها ما يملأ العين قرةً ... ويُسْلي عن الأوطانِ كلّ غريب غير أني أقول كما قيل: كيف يلذ العيشُ في بلدةٍ ... سكان قلبي غير سُكّانها لو أنها الجنة قد أُزْلِفَتْ ... لم أرْضَها إلا برضوانها فأول مولى تشرفت بالمثول بين يديه، وتحققت أن السيادة قد طنبت لديه، المولى الذي تطرزت ديباجة هذه الرسالة، ببعض ألقابه التي هي لبدر محاسنه هالة. أتيته فرأيت الناس في رجل ... والدهر في ساعة والأرض في دار فلا زال سعيه الطالع مسعود الجناب، ولا بَرِح يحيا في سعد ممدود الإطناب، فقابلني بالقبول التام، وعاملني بالبر والإكرام: بشاشة وجه المرء خير من القِرى ... فكيف الذي يأتي به وهو ضاحكُ

стр. 142

ولقد كنت أسمع بمحاسنه التي سارت بها الركبان، وشمائله التي تعطر بها شميم البان: حتى إلتقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسنَ مما قد رأى بصري وبالجملة فإنه المولى الذي حاز من الفضل منبع صفاته، وكأنَّه المعنيّ بقول القائل في بديع أبياته: لو كفرَ العالمون نعمتَهُ ... لما عَدَتْ نفسُه سجاياها كالشمس لا تبتغي بما صنعتْ ... منزلةً عندهم ولا جاها أو هو كما قال: ولقد سألت الناس عن أخلاقهِ ... وكمالهِ وعُلا نباهة قدرهِ فوجدتهم صنفين فيه فقاصرٌ ... عن مدحه ومُقصِّرٌ عن شكرهِ فلله جماله الذي به قد تفرّد، وكماله الذي إنفرد وتوحد، فلقد رأيت منه الأحنف وأبا حنيفة، وما عسى أن أودعه هذه الصحيفة؟ ولم أر أمثال الرجال تفاوتت ... لدى الفضلِ حتى عُدَّ ألفٌ بواحدِ وقال: وإني وإن أعطيتُ في القول بسطةً ... وطاوعني فيه الكلام المُحَبَّرُ لأعلمُ أني في الثناء مُقصِّرٌ ... وأنَّ الذي قد نال أوفى وأوفرُ ولكنني ما دمتُ حياً لَشَاكر ... وبشكره بعدي كتابي المسطَّرُ وقال: فيا كتابي إذا ما جئت منزله ... وزرتَ ذاك المقام المرتضى الحنفي فحيّه وانتشق من عرفهِ أرجاً ... واشرح لديه اشتياقي في نحوه وِصفِ ورأيت في مجلسه الشريف من الأفاضل والأعيان ما ذكرت به قول أبي الطيب: مَنْ مخبر الأكوان أني في الورى ... لاقيت أرسطاليس والإسكندرا ورأيت كلّ الفاضلين كأنَّما ... ردّ الإله زمانهم والأعصرا وكنت استأذنت في الدخول على حضرة المولى المأمول بهذين البيتين: أيها الماجدُ المعظمُ يحيى ... بك يحيا بيت الحيا والمعالي إن عبداً بالباب يطلب إذناً ... لينال المُنى برؤيا الموالي

стр. 143

ثم إني اجتمعت بفخر الأغاوات وسردار السلطنة، المولى إدريس آغا وكان لي إليه مطلب ركبت له المهالك، فامتنع من ذلك، وكنت أعتقد أن الله تعالى سيجري على يديه أنواع المبرّات، ويُسدي إليّ من جميل لطفه أصناف المسرات: وما كلّ ما يحكي التوهم صادقاً ... ولا كلّ ما تحوي الظنون محصلا مع أن أولى من لُحِظ من الصدقات السلطانية، دام نصرها بعين اللطف والإقبال، وأحق من شَمِلَتْه العواطف الخاقانية، لا انقضى خيرها على كلّ حال. وفي كلّ حال، العصابة العلوية التي اختصت من الزمان بالحرمان، والعترة النبوية التي لم تظفر من نوائب الحدثان بالأمان!! وإن لم أفز حقاً إليك بنسبة ... لعزتها حسبي افتخاراً بهمتي هذا وهو النفس الناطقة للسلطنة، والعين الناظرة لأهل الحرمين، وذلك بعد المعرفة والتعريف، والوقوف على ذلك الباب الشريف، وكان يقال من أمَّ الماء وجد الماء وما وقع العتاب إلا على الشراب: لنا عتبٌ على سلمات سَلْعٍ ... وحاشا العامرية من عتابِ وقال: وقد صدرتُ ولكن بعد مهلكةٍ ... كما وردت لأمرٍ خُطَّ في الكتبِ وهذه الشمسُ تلقى عكس مقصدها ... في كلّ يوم ولولا ذاك لم تغبِ وقال: وما هو إلا الحظُّ يعترضُ المُنى ... ولولاه كان الدهر أطوع مأمورِ وكم في البرايا بين عَانٍ ومُطْلَقٍ ... وسالٍ ومحزونٍ ودان ومهجورِ وقال: فإذا سمعت بأنَّ محروماً أتى ... ماءً ليشربه فغاض فصدَّق

стр. 144

أو أن محظوظاً حوى في كفه ... عوداً فأثمر في يديه فحقَّق وقال: وليس رزق الفتى من حسن حيلته ... لكن حظوظٌ وأرزاقٌ بأقسامِ كالصيد يُحْرمُهُ الرامي المجيد وقد ... يرمي ويرزقُه من ليس بالرامي وقال: فلو أنَّ السحاب هَمى بعقل ... لما أروى مع النخل القتادا ولو أعطى على قدر المعالي ... سقى الهضبات واجتنب الوهادا وقال: وأعظم ما بي أنني بفضائلي ... حرمت ومالي غيرهن ذرائعُ إذا لم يرد بي موردي غير غلّة ... فلا صدرت بالواردين شرائعُ وقال: علمي بسابقةِ المقدورِ ألزمني ... صبري وصمتي فلم أحرص ولم أسَلِ لو نيل بالسعي مطلوب لما حرم الرؤ ... يا الكليمُ وكان الحظ للجبلِ وحكمة العقل إن عزت وإن شرُفت ... جهالة عند حكم الرزق والأجلِ وقال: الرزق يأتي ولو لم يسع صاحبه ... حتماً ولكن شقاء المرء مكتوبُ وفي القناعة كنز لا نفاد له ... وكلّ ما يملك الإنسانُ مسلوبُ وقال: ما لي وللمجد والأيام عابسة ... والحظ واللحظ طول الدهر في عَتَبِ

стр. 145

ما أصعب الشيء ترجوه فتُحرَمَهُ ... لا سيما بعد طول الجهد والتعبِ وقال: يا بانة الوادي التي سفكت دمي ... بلحاظها بل يا فتاة الأجْرَعِ لي أن أبث إليك ما ألقاه من ... ألم النوى وعليك أن لا تسمعي حكى القاضي شهاب التبريزي في كتاب الفوائد السنية، في محاسن القسطنطينية وهو القائل فيه: فوائدي في مغاني الروم وافية ... وحسنها يجتليه من تَأمَّلهُ سنية جُمعتْ منها محاسنها ... إنَّ الفوائد جمعٌ لا نظير لهُ قال: قَصَدَ بعضُ أهل الأدب الوزير علي باشا، وكان من وزراء السلطان بايزيد بن السلطان محمد، في سنة سبعين وثمانمائة فلم ينل منه طائلاً، فهجاه هجواً بالغاً، فلما بلغه الهجاء بعث إليه بعطاء لم يتوقع منه، فقيل له في ذلك، فقال: إن الحسنات يذهبن السيئات. وأنشدوا: إن العداوة تستحيل مودة ... بتدارك الهفوات بالحسناتِ ثم قال: رُوي عن أمير المؤمنين عليّ ﵇ أنه قال: من عظمت نعمة الله عليه كثرت حوائج الناس إليه، فمن شكر الله تعالى تحمل تلك المؤن عنهم، وزاد الله في نعمته، ومَنْ لم يتحملها فقد عرّض النعمة للزوال في الدنيا وللنكال في الآخرة اعملوا آل داود شكراً، وقليلٌ من عباديَ الشكور. ما أحسن ما قال: إذا كنتَ في أمر فكن فيه محسناً ... فعما قريب أنت ماضٍ وتاركُه فكم زاحت الأيام أربابَ دولةٍ ... وقد ملكوا أضعاف ما أنت مالكُه وقال: إن الولاية لا تدوم لواحد ... إن كنت تنكر ذا فأين الأُوَلُ فاغرس من الفعل الجميل كرائماً ... فإذا عُزلت فإنها لا تعزلُ ومما تدّون في محاسن الملك الكامل بن العادل أيوب، أنه كتب إليه بعض عماله رقعة يخبره أن المرّتب على بيت المال في كل سنة مائة ألف دينار وسبعون ألف
следующие страницы →