Полный текст (247 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وحسن العمارة وسعة المكان، وقال لسان النظر لما شاهد جمالها الباهر وجلالها القاهر: ما في الإمكان أبدع مما كان، وكيف لا وقد تزينت بحلول من رَتَع العالم في ظل عدله بالأمان، صاحب البند والعلم والسيف والقلم، سَرَّ الله تعالى في الوجود المشرق بَدْرُه في أفق السعود، الملك الموفق للسداد، السلطان مراد، علا على كل سلطان بسطوته، وقدمته ملوك الأرض بصولته، وكيف لا وهو الخليفة على الخليقة، وصاحب السلطنة العظمى في الحقيقة، فلا زالت أصول دوحته الشريفة ثابتة، وفروعها بأنواع ثمار اللطائف
المنيفة نابتة، وأفلاك زهر العدل بدولته القاهرة مشرقة الأنوار، ورياض زهر الأمن بآياته الباهرة مونقة النوار، ولا برحت أركان البيوت العلوية بشرف همته العلية قائمة، وله من مسك الثناء على مكارم أخلاقه حسن الخاتمة.
عليك إذا ما رُمت ذكر مديحه ... يقول لسان الحال وهو صواب
تجاوزَ قدرَ المدحِ حتى كأنَّه ... بأحسنَ ما يثنى عليه يعاب
ولما أحلّنيها الحظْ، وسرّحت فيها اللحظْ:
رأيت بها ما يملأ العين قرةً ... ويُسْلي عن الأوطانِ كلّ غريب
غير أني أقول كما قيل:
كيف يلذ العيشُ في بلدةٍ ... سكان قلبي غير سُكّانها
لو أنها الجنة قد أُزْلِفَتْ ... لم أرْضَها إلا برضوانها
فأول مولى تشرفت بالمثول بين يديه، وتحققت أن السيادة قد طنبت لديه، المولى الذي تطرزت ديباجة هذه الرسالة، ببعض ألقابه التي هي لبدر محاسنه هالة.
أتيته فرأيت الناس في رجل ... والدهر في ساعة والأرض في دار
فلا زال سعيه الطالع مسعود الجناب، ولا بَرِح يحيا في سعد ممدود الإطناب، فقابلني بالقبول التام، وعاملني بالبر والإكرام:
بشاشة وجه المرء خير من القِرى ... فكيف الذي يأتي به وهو ضاحكُ
стр. 142
ولقد كنت أسمع بمحاسنه التي سارت بها الركبان، وشمائله التي تعطر بها شميم البان:
حتى إلتقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسنَ مما قد رأى بصري
وبالجملة فإنه المولى الذي حاز من الفضل منبع صفاته، وكأنَّه المعنيّ بقول القائل في بديع أبياته:
لو كفرَ العالمون نعمتَهُ ... لما عَدَتْ نفسُه سجاياها
كالشمس لا تبتغي بما صنعتْ ... منزلةً عندهم ولا جاها
أو هو كما قال:
ولقد سألت الناس عن أخلاقهِ ... وكمالهِ وعُلا نباهة قدرهِ
فوجدتهم صنفين فيه فقاصرٌ ... عن مدحه ومُقصِّرٌ عن شكرهِ
فلله جماله الذي به قد تفرّد، وكماله الذي إنفرد وتوحد، فلقد رأيت منه الأحنف وأبا حنيفة، وما عسى أن أودعه هذه الصحيفة؟
ولم أر أمثال الرجال تفاوتت ... لدى الفضلِ حتى عُدَّ ألفٌ بواحدِ
وقال:
وإني وإن أعطيتُ في القول بسطةً ... وطاوعني فيه الكلام المُحَبَّرُ
لأعلمُ أني في الثناء مُقصِّرٌ ... وأنَّ الذي قد نال أوفى وأوفرُ
ولكنني ما دمتُ حياً لَشَاكر ... وبشكره بعدي كتابي المسطَّرُ
وقال:
فيا كتابي إذا ما جئت منزله ... وزرتَ ذاك المقام المرتضى الحنفي
فحيّه وانتشق من عرفهِ أرجاً ... واشرح لديه اشتياقي في نحوه وِصفِ
ورأيت في مجلسه الشريف من الأفاضل والأعيان ما ذكرت به قول أبي الطيب:
مَنْ مخبر الأكوان أني في الورى ... لاقيت أرسطاليس والإسكندرا
ورأيت كلّ الفاضلين كأنَّما ... ردّ الإله زمانهم والأعصرا
وكنت استأذنت في الدخول على حضرة المولى المأمول بهذين البيتين:
أيها الماجدُ المعظمُ يحيى ... بك يحيا بيت الحيا والمعالي
إن عبداً بالباب يطلب إذناً ... لينال المُنى برؤيا الموالي
стр. 143
ثم إني اجتمعت بفخر الأغاوات وسردار السلطنة، المولى إدريس آغا وكان لي إليه مطلب ركبت له المهالك، فامتنع من ذلك، وكنت أعتقد أن الله تعالى سيجري على
يديه أنواع المبرّات، ويُسدي إليّ من جميل لطفه أصناف المسرات:
وما كلّ ما يحكي التوهم صادقاً ... ولا كلّ ما تحوي الظنون محصلا
مع أن أولى من لُحِظ من الصدقات السلطانية، دام نصرها بعين اللطف والإقبال، وأحق من شَمِلَتْه العواطف الخاقانية، لا انقضى خيرها على كلّ حال. وفي كلّ حال، العصابة العلوية التي اختصت من الزمان بالحرمان، والعترة النبوية التي لم تظفر من نوائب الحدثان بالأمان!!
وإن لم أفز حقاً إليك بنسبة ... لعزتها حسبي افتخاراً بهمتي
هذا وهو النفس الناطقة للسلطنة، والعين الناظرة لأهل الحرمين، وذلك بعد المعرفة والتعريف، والوقوف على ذلك الباب الشريف، وكان يقال من أمَّ الماء وجد الماء وما وقع العتاب إلا على الشراب:
لنا عتبٌ على سلمات سَلْعٍ ... وحاشا العامرية من عتابِ
وقال:
وقد صدرتُ ولكن بعد مهلكةٍ ... كما وردت لأمرٍ خُطَّ في الكتبِ
وهذه الشمسُ تلقى عكس مقصدها ... في كلّ يوم ولولا ذاك لم تغبِ
وقال:
وما هو إلا الحظُّ يعترضُ المُنى ... ولولاه كان الدهر أطوع مأمورِ
وكم في البرايا بين عَانٍ ومُطْلَقٍ ... وسالٍ ومحزونٍ ودان ومهجورِ
وقال:
فإذا سمعت بأنَّ محروماً أتى ... ماءً ليشربه فغاض فصدَّق
стр. 144
أو أن محظوظاً حوى في كفه ... عوداً فأثمر في يديه فحقَّق
وقال:
وليس رزق الفتى من حسن حيلته ... لكن حظوظٌ وأرزاقٌ بأقسامِ
كالصيد يُحْرمُهُ الرامي المجيد وقد ... يرمي ويرزقُه من ليس بالرامي
وقال:
فلو أنَّ السحاب هَمى بعقل ... لما أروى مع النخل القتادا
ولو أعطى على قدر المعالي ... سقى الهضبات واجتنب الوهادا
وقال:
وأعظم ما بي أنني بفضائلي ... حرمت ومالي غيرهن ذرائعُ
إذا لم يرد بي موردي غير غلّة ... فلا صدرت بالواردين شرائعُ
وقال:
علمي بسابقةِ المقدورِ ألزمني ... صبري وصمتي فلم أحرص ولم أسَلِ
لو نيل بالسعي مطلوب لما حرم الرؤ ... يا الكليمُ وكان الحظ للجبلِ
وحكمة العقل إن عزت وإن شرُفت ... جهالة عند حكم الرزق والأجلِ
وقال:
الرزق يأتي ولو لم يسع صاحبه ... حتماً ولكن شقاء المرء مكتوبُ
وفي القناعة كنز لا نفاد له ... وكلّ ما يملك الإنسانُ مسلوبُ
وقال:
ما لي وللمجد والأيام عابسة ... والحظ واللحظ طول الدهر في عَتَبِ
стр. 145
ما أصعب الشيء ترجوه فتُحرَمَهُ ... لا سيما بعد طول الجهد والتعبِ
وقال:
يا بانة الوادي التي سفكت دمي ... بلحاظها بل يا فتاة الأجْرَعِ
لي أن أبث إليك ما ألقاه من ... ألم النوى وعليك أن لا تسمعي
حكى القاضي شهاب التبريزي في كتاب الفوائد السنية، في محاسن القسطنطينية وهو القائل فيه:
فوائدي في مغاني الروم وافية ... وحسنها يجتليه من تَأمَّلهُ
سنية جُمعتْ منها محاسنها ... إنَّ الفوائد جمعٌ لا نظير لهُ
قال: قَصَدَ بعضُ أهل الأدب الوزير علي باشا، وكان من وزراء السلطان بايزيد بن السلطان محمد، في سنة سبعين وثمانمائة فلم ينل منه طائلاً، فهجاه هجواً بالغاً، فلما بلغه الهجاء بعث إليه بعطاء لم يتوقع منه، فقيل له في ذلك، فقال: إن الحسنات يذهبن السيئات. وأنشدوا:
إن العداوة تستحيل مودة ... بتدارك الهفوات بالحسناتِ
ثم قال: رُوي عن أمير المؤمنين عليّ ﵇ أنه قال: من عظمت نعمة الله عليه كثرت حوائج الناس إليه، فمن شكر الله تعالى تحمل تلك المؤن عنهم، وزاد الله في نعمته، ومَنْ لم يتحملها فقد عرّض النعمة للزوال في الدنيا وللنكال في الآخرة اعملوا آل داود شكراً، وقليلٌ من عباديَ الشكور.
ما أحسن ما قال:
إذا كنتَ في أمر فكن فيه محسناً ... فعما قريب أنت ماضٍ وتاركُه
فكم زاحت الأيام أربابَ دولةٍ ... وقد ملكوا أضعاف ما أنت مالكُه
وقال:
إن الولاية لا تدوم لواحد ... إن كنت تنكر ذا فأين الأُوَلُ
فاغرس من الفعل الجميل كرائماً ... فإذا عُزلت فإنها لا تعزلُ
ومما تدّون في محاسن الملك الكامل بن العادل أيوب، أنه كتب إليه بعض عماله رقعة يخبره أن المرّتب على بيت المال في كل سنة مائة ألف دينار وسبعون ألف
стр. 146
دينار صدقة، وذلك خلل في بيت المال، فكتب على ظهر الرقعة الغُرْبَة تذّل الأعناق، والفاقة مرة المذاق، والمال مال الله وهو الرزاق، فأجر الناس على عادتهم في الاستحقاق ما عندكم ينفد وما عند الله باق، وإنا لا نحب أن يؤرخ عنا
المنع وعن غيرنا الإطلاق، والآثار الحسنة من مكارم الأخلاق واليكم هذا الحديث يساق، وكان كثيراً ما يتمثل ببيتي حاتم:
شربنا بكاس الفقر يوماً وبالغنى ... وما منهما إلا سقانا به الدهرُ
فما زادنا بغياً على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بحسابنا الفقرُ
ونظير ذلك لما كثرت إنعامات الحاكم بأمر الله، توقف في إمضائها أمين الأمناء
حسين بن ظاهر الوزّان، فكتب إليه الحاكم بخطه: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله كما هو أهله: أصبحت لا أرجو ولا أتقي=إلا إلهي وله الفضلُ
جَدي نبيّ وإمامي أبي ... وديني التوحيد والعدلُ
المال مال الله والخلق عيال الله، ونحن أمناؤه في الأرض، أطلِق أرزاق الناس ولا تقطعها والسلام.
كل الأمور تبيد عنك وتنقضي ... إلا الثناء فإنه لك باقي
لو أنني خُيّرت كلّ فضيلة ... ما اخترتُ غيرَ مكارم الأخلاقِ
حكى المقريزي أن المرتّبات في أيام كافور الإخشيدي بلغت خمسمائة ألف دينار في السنة، لأرباب النعم والمسترفدين وأجناس الناس، ليس فيهم أحد من الجيش ولا من الحاشية، فحسّن له ابن الصلاح الكاتب أن يوفر من مال الرواتب، فلما جلس لذلك حكّه جبينُه فحكّه بقلمه، والحكاك يزيد، إلى أن قطع العمل لما به وقام فعولج بالحديد، حتى مات في سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، وفي ذلك
стр. 147
موعظة لمن توسط للناس بالسوء، كما قال تعالى ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله. وما أحسن ما قيل على لسان حال المِحْبَرة:
حلّفت من يكتب بي ... بالواحد الفرد الصمدْ
إن لا يمدّ مدةً ... في قطع رزق لأحدْ
حكى الشيخ عبد الرحمن البسطامي في كتاب مباهجُ التوسُّل في مناهج الترسُّل أن
شخصاً كتب إلى الصاحب يخبره أن رجلا مات عن ولد ومال له صورة، فكتب إليه الصاحب: النميمة قبيحة وإن كانت صحيحة، والمال ثمرة الله والساعي لعنه الله.
قيل: وُجِد مكتوب في خزانة الإسكندر، بالذهب الأحمر على الحرير الأخضر، ما نصه: حركات الأفلاك أجلَّ من أن تُبقي على أحد نعمة، أو تديم عليه نقمة، فمن وَليَ منكم الأمر فلتكن همته تقليد المنن أعناق الرجال، فإن الدولة تزول إما بشكر جميل، أو بذم طويل. والأيام صحائف الدهر فاعتبروا يا أولي الأبصار
فإن كنت لم تسمع بأخبارِ من مضى ... ولم تَرَ في الباقين ما يصنع الدهرُ
فلا بدّ تصحو حين ينكشفُ الغِطا ... وتذكر قولي حين لا ينفع الذكرُ
ورأيت بدار السعادة من الأغوات خلقاً جعلهم الله تعالى سبباً للرحمة على من سلف، وخدماً لو أراد اليراع أن يصفهم لَكَلَّ مَتْنُه ووقف:
ولكلٍ رأيتُ منهم مقاماً ... شرحه في الكتاب مما يطولُ
стр. 148
وقال:
وقد يتقارب الوصفان جداً ... وموصوفاهما متباعدانِ
وقال:
وقد ساقني دهري المُليمُ لفتية ... فتاهم ومن فيهم عزيز مكرّمُ
تحلّى بأسماءِ الشهورِ فكفّه ... جمادى وما ضمّت عليه المحرّمُ
السلطان مراد
وفي يوم الجمعة الثالث عشر من جمادى الآخرة، برز صاحب الوقت في موكبه لأداء صلاة الجمعة، في جامع أبيه المرحوم السلطان أحمد، فإذا هو كما قيل:
ملك إذا عاينتُ نور جبينهِ ... فارقتهُ والنورُ فوق جبيني
ولو التثمتُ يمينَه وبرزت من ... أبوابهِ لثمَ الأنامُ يميني
فلا زالت سيوف الشريعة في أيامه الشريفة مسلولة، وبقاع الأرض بندى عدله مطلولة، ولا برح في سيادة يخدمها المَلَوان، وسعادة يثنى على حسن حالها الأطيبان، والله تعالى يحسن ختام أموره، ويديم إشراق سعوده وبدوره.
ذكر نسب المولى المذكور
هو الملك المنصور السلطان مراد بن السلطان أحمد بن محمد بن مراد بن سليم الثاني بن سليمان ابن سليم بن بايزيد محمد بن مراد بن محمد خان بن بايزيد يلْدُرُمْ خان بن مراد الغازي بن أورخان بن عثمان ملك الروم الغازي، الذي ينسبون إليه.
стр. 149
قال القطبي: وهم من الترك التراكمة الرحّالة النزّالة من طائفة التتار، ويتصل نسبه بيافث بن نوح، وهو الجَد الأربعون لسليم، وأنشد فيهم لغيره:
ملوك بني عثمان إذ كان أصلهم ... كريماً لهم في المكرمات مفاخرُ
وإذا ولد المولود منهم تهلّلت ... له الأرض واهتزت إليه المنابرُ
تولى السلطان مراد الموفق للسداد، سنة اثنتين وثلاثين وألف من الهجرة، وقال فيه صاحبنا بكري الصرّاف:
لما أراد الله نفع عباده ... وَلّى مراداً مُلك خير بلادهِ
وأمدّه من فضله بعناية ... جعلت عِداه تحت نعل جوادهِ
وشدا لسانُ الحال في تاريخه ... بشرى له قد نال كلّ مرادهِ
وكانت ولايته بعد وفاة أخيه الشهيد السلطان عثمان، وفيه يقول بعض أدباء الشام:
قضى عثمانُ سلطانُ البرايا ... بأسياف العساكر والجنودِ
ووافته المنية في السرايا ... مؤرخة كعثمان الشهيدِ
أخبار آل عثمان
فائدة
سبب قيام آل عثمان عند ضرب النوبة، أن السلطان علاء الدين السلجوقي، لما شاهد عزم السلطان عثمان، وعلم قابليته في فتح أطراف تلك البلاد، أكرمه وأمده وبعث إليه الراية السلطانية والطبل والزمر ووسمه باسم السلطنة، تقوية ليده وشدّاً لعضده، فلما وصل إليه ذلك وضربت النوبة بين يديه، قام عند أول سماعه لها على قدميه تعظيماً لذلك، فهم يقومون عند ضرب النوبة إحياء
стр. 150
لتلك السُنّة، وكان جلوس السلطان عثمان على تخت السلطنة في سنة تسع وتسعين وستمائة، كذا في الإعلام للشيخ قطب الدين الحنفي. وكانت وفاة القطب النهرواني عام تسعين وتسعمائة بمكة المشرفة، وكان إمام المنثور والمنظوم، بارعاً في المنطوق والمفهوم، له البرق اليماني في الفتح العثماني وله الإعلام بأعلام بلد الله الحرام وله الكنز الأسمى في فنّ المعمَّى وله تذكرة جامعة، ورسائل في مسائل شتَّّّى، ورحلة أسفرت عن محاسن الوجوه، أخبرني بها الأمير محمد بن سويدان ولم أقف عليها، وكانت رحلته سنة خمس وستين وتسعمائة، لقي بها الأفاضل ونال الرياسة، وربما شكى فيها أو بكى، كما قال:
إذا حَمِد امرؤ يوماً صباحاً ... - وأنّّّى ذاك - لم يَحْمَد مساء
وله ديوان شعر لطيف، تقبل عليه القلوب لرقة ألفاظه ولطافة معانيه، ومن نظمه:
الملحُ والكُرّاثُ أشهى عندنا ... من أكل مأمونيّة بالسكرِ
ومشاهد الحرمينِ أعلى رتبةً ... من أن نقيم بدارِ ملك أكبرِ
ومن غُرَر قصائده قوله:
بسيف الحِجى عند اشتداد النوائب ... تقلّدت فاستغنيت عن كلّ ناضبِ
الطاعون
قال القاضي شهاب في الفوائد السنية: اشتهر أن ملك الروم لا يموت بالطاعون، كما أن صاحب مصر لا يموت بالفصل، كما أنَّ بغداد لا يموت بها خليفة، وفي
ذلك يقول عُمارة:
قضى ربها أن لا يموت خليفة ... بها، ما يشاء الله في خلقه يقضي
وعلى ذكر الفصل، لأبي عبد الله الفيومي:
أرى الفصلَ داء والرحيلُ دواؤهُ ... فلا تسكنوا في بلدةٍ قد حوت فصلا
стр. 151
وأملي لكم أن ترحلوا ببنيكم ... ولا تقتلوا أولادكم خشية الإملا
فمن يترحّل عنه يكفى شرورهُ ... ومن يتثبت يكسب الأجر والفضلا
رأيت في بعض التعاليق نقلاً عن العلامة بدر الدين الغزِّي، أن حَمْل كتابة خلاق عليم يدفع الطاعون وأنه مجرب. ويقال التختّم بالعقيق اليمني يمنع من الطاعون. فائدة صحيحة مجربة، إذا انقضت المدّة، لم تنفع العُدّة.
وإذا المنيةُ أنشبتْ أظفارها ... ألفيت كلّ تميمةٍ لا تنفعُ
حكى الخطيب علي بن عراق في التذكرة أنه ظهر الطاعون بدمشق أيام عبد الملك بن مروان، فخرج عبد الملك من البلد ومعه غلام له، فكان يغلبه النوم والفرس يعْدِل به عن الجادة، فقال لغلامه: ويلك حدثني بما تحدث به أمثالك. فقال: بلغني أن ثعلباً صادق أسداً على أن يجيره من السباع، فكان أبداً بين يديه، فظهر في يوم من الأيام عقاب في الهواء، فخافه الثعلب ووثب على ظهر الأسد، فانحطّ العقاب واختطفه. فقال الثعلب: يا أبا الحارث، العهد!! فقال: إنَّما عاهدتك على أن أحفظك من أهل الأرض، وأما أهل السماء فلا قدرة لي عليهم. فقال عبد الملك: لقد وعظتني يا غلام. ورجع إلى الشام وهو يقول: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم توفي سنة ست وثمانين، وفيها كان طاعون الفتيات، وسُمِّي بذلك لأنَّه بدأ بالنساء. ما أحسن ما قال:
стр. 152
ما قد قضي يا نفس فاصطبري لهُ ... ولك الأمانُ من الذي لم يقدرِ
وتيقني أن المقدر كائنٌ ... حتماً عليك صبرت أم لم تصبرِ
وقال:
لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعي الفتى وهو مخبوء له القدرُ
والمرء ما عاش ممدود له أمل ... فالنفس واحدة والهم منتشرُ
ما أوعظ ما قال:
ملكنا أقاليمَ البلاد فأذنت ... لنا رغبة أو رهبة عظماؤها
فلما انتهت أيامنا علقت بنا ... شدائد أيامٍ توالى رخاؤها
إذا ما هممنا أن نبوح بما جنت ... علينا الليالي لم يدعنا حياؤها
وكنا نلاقي النائبات بأوجه ... رقاق الحواشي كاد يقطر ماؤها
الطاعون يوناني، قال البصري: وهو كلّ ورم يظهر للحس، ثم خص بالحار القتال السريع التعفن، ويطلق على الوباء للتلازم الحاصل بينهما غالباً، وإلا فبينهما عموم وخصوص.
بغداد
(وأما بغداد) فهي قاعدة أرض العراق، بناها المنصور العباسي في الجانب الغربي على الدجلة، وبلغت النفقة عليها أربعة آلاف ألف دينار، وحُصِرت حمّاماتها فكانت ستين ألفاً، حكاه الطبري في تاريخه.
يقال إن المنصور بنى أربع مدن على أربع طوالع فلا تخرب إلا بخراب الدنيا، وهي الرافعة بأرض الجزيرة، والمِصيصة بكسر الميم على بحر الشام، والمنصورة بالسند وطولها ميل في ميل، وبغداد بالعراق وهي مدّورة الشكل، وتسمى الزوراء لازورار قبلتها، وفيها يقول بعض واصفيها:
بلد طيب وماء معين ... وترى طينهُ يفوح عبيرا
وإذا المرءُ قدر السير منهُ ... فهو ينهاهُ باسمه أن يسيرا
стр. 153
وقال:
لهفي على بغداد من بلدةٍ ... كانت من الأسقام لي جُنَّه
كأنّني عند فراقي لها ... آدم لما فارق الجنَّه
هذا والقاضي عبد الوهاب المالكي لما نبت به تلك الديار، وخرج منها طالباً مصر، قال بحسب حاله والحكم يدور مع العلة:
بغداد دار الأهل المال طيبة ... وللمفاليس دار الضنكِ والضيقِ
ظللت حيران أمشي في أزقّتها ... كأنني مصحف في دار زِنديقِ
وممن تشرفت بحضرته، وتمليت بسنا طلعته، فخر قضاه العساكر، وليث الفضاء الكاسر، المولى أبو سعيد محمد بن أسعد، لا زال هام الفراقد يصعد، فإذا هو أعز الله تعالى قدره، وأطلع في أفق المعالي بدره، قرة عين الأعيان، وغرة جبهة الزمان، وهو القائل فيه:
عَلتْ درجات الفضل واتضحت ... دقائق من معاني لفظه البهجِ
هذا وليل الشباب الجون منسدل ... فكيف حتى يضئ الشيب بالسرجِ
يا حبذا أعين الأوصاف ساهرة ... بين الدقائق من علياه والدرجِ
كيف لا وهو الذي أثنت علوم الأوائل على طبعه السليم، وذوقه المستقيم، وشهدت بفضله رواة الحديث النبوي، فما أعلى قدر من شهد بفضله الحديث والقديم:
-
فالدهر يرقص والأيام تنشده ... هذا هو العيش إلا أنه الهاني
فلا زال متفقها في الخيرات ومدرساً ومعيداً، وكما أسعد براعة ابتدائه يجعل ختامه سعيداً.
فإني وإن بالغت في الشكر والثنا ... عليه مقر بالقصور وبالعجزِ
стр. 154
ولكنني أرجو الذي عَمَّ فضله ... يجازيه عني فهو أكرم يجزى
من لطائفه زاد الله في عواطفه، أني قصدت زيارته فرأيت على أعتابه الشريفة
من القضاة وطالبي المناصب خلقاً، قد تسربلوا بأنواع القماش، ونفخوا روح العظمة في هيكل الشاش، فأردت الدخول فلم يؤذن لي، فتصاغرت نفسي، وفقدت بالوحشة أنسي، وقلت هذه أثمان المطامع، خصوصاً بغير الطالع، فكتبت هذين البيتين:
إني أتيتُ لبابكَ العالي لكي ... أحظى بتقبيل الأيادي العاليه
فمنعتُ من حجابِ حضرتك التي ... هي للوفودِ مكارم متواليه
وبعثتهما مع غلام له، توسمت فيه جمال اللطف ولطف الجمال، فجاء الإذن فدخلت، وأخذت حظاً من مكارم أخلاقه، فلما أردت الخروج وضع في الرقعة شيئاً من فاقع اللون الذي يسر الناظرين، بحيث لم يفهم ذلك من كان هنالك، وقال: احتفظ الرقعة لتعود بها، فخرجت وأولئك القوم بحالهم على تلك الأبواب، وأظن العرق فيهم على مراتبهم، لشدة الحرّ والزحام، والانتظار الذي حيل بينه وبين المرام.
يقولون عيش البرمكيين طيب ... فقلت وعيشي بالسلامة أطيبُ
لطيفة
كتب المولى جمال الدين العصامي إلى الشيخ قطب الدين المكي يهنّيه بشهر رمضان:
يا قطب أهل العلم في أمِّ القرى ... رمضان هلّ ببهجةٍ لا توصفِ
فتهنّ وحدك إنّ ذاتك أصبحت ... هي أشرف في أشرف في أشرفِ
فكتب إليه الجواب وجعل في القرطاس أشرفيا:
يا ألطف الفضلاء أنت جمالنا ... فَتَهَنَّ بالشهر الشريف الأشرفِ
стр. 155
شِعرٌ بِشعرٍ ليس فيه رباً وقد ... زاد العيار بوزن هذا الأشرفي
وحكى النواجي في حَلْبَة الكُمَيْت أن أعرابياً قصد المأمون وقال له: قلت فيك
شعراً. قال: أنشده. فأنشد:
-
حياك ربُّ العرشِ حياكا ... إذ بجمال الوجه رقّاكا
بغداد من نورك أشرقت ... وأورقَ العودُ بجدواكا
فقال المأمون: يا أعرابي قلت فيك شعراً، وأنشد:
حياك رب العرش حياكا ... إن الذي أملت أخطاكا
أتيت شخصاً قد خلا كيسهُ ... ولو حوى شيئاً لأعطاكا
فقال الأعرابي يا أمير المؤمنين إن بيع الشِعر بالشِعر رباً، فاجعل بينهما شيئاً حتى يستطاب. فضحك المأمون وأمر له بصلة.
وكان ظافر الشاعر حسن البديهة، قال القاضي أبو عبد الله الآمدي حاكم الإسكندرية: دخلت على الأمير ابن طقز في أيام ولايته للثغر، وفي يده خاتم قد ضاق على يده حتى ورمت إصبعه جداً، فأستدعى الحدّاد وقطع الحلْقة، فأنشده ظافر على البديهة:
قصَّر في وصافك العالمُ ... وكثر الناظم والناثرُ
من يكن البحر له راحة ... يضيق عن خنصر الخاتمُ
فاستحسن الأمير ذلك ووهب له الخاتم، وكان من ذهب! وكان عند الأمير غزال مستأنس به، قد ربض ثم جعل رأسه في حجر الأمير، فقال ظافر المذكور:
عجبت لجرأة هذا الغزال ... وأمْن تخطّى به واعتمد
وأعجبه إذ بدا جاثماً ... وقد اطمأنَّ وأنت الأسد
فزاد الأمير والحاضرون في استحسان ذلك، ثم انصرف وتركنا متعجبين من بديهته.
اقتباس لبعضهم:
стр. 156
قناعة المرءِ بما عندهُ ... مملكةٌ ما مثلها مملكه
فارضَوْا بما قد جاء عفواً ولا ... تلقوا بأيديكم إلى التهلكه
مثله:
ولا تطلبوا ما بأيدي الأنام ... تصيروا بذلك أعداءهم
لذلك قد قال رب العباد ... ولا تسألوا الناس أشياءهم
ما أصدق ما قال:
لا تحسبنَّ الشعر فضلا بارعاً ... ما الشعر إلا محنة وخَبالُ
الهجو قذف والرثاء نباهة ... والعتب ضغن والمديح سؤالُ
يقول ابن تميم:
وما الشعر مما أرتضي نسبتي به ... لعمري ولا وصفي في المحافلِ
ولا قلته كي أبتغي بمقاله ... ثناء ولا أجزى عليه بنائلِ
ولكن دعتني شيمةٌ عربية ... إلى قوله معروفة في القبائلِ
فأبديت ما قد حاك في النفس سالكاً ... بإبداء ما أبديت سُبل الأفاضلِ
فلا تنكروا ما أبْرَزَته سجية ... طُبعت عليها من سجايا الأوائلِ
فما تنكر الأقوام سجع حمامة ... إذا هتفت في صحبها والأصائلِ
ابن دقيق العيد:
وزهدني في الشعر أن سجيتي ... بما تستجيد الناس ليس تجودُ
وتأبى طباعي أن أصوغ رديَّهُ ... فأصرفه عن خاطري وأذودُ
الشهاب الفاضل:
وما الشعر فخر للفتى ومزيّة ... إذا لم يكن عن كلّ فضل يترجم
ولكنه عنوان ذوق وفطنة ... ورقة طبع وهو للفضل أسلم
وممّن تشرفتُ بالاجتماع به، وتحليت بمحاسن أدبه المولى محمد أفندي الحياتي
فإني وجدت منه نديماً للسرور مديماً، ونفس حر قد لبس من مكارم
стр. 157
الأخلاق أديما، فأزلت بطلعته السنية عن مرآة القلب صدأ القسوة والغم، وسمعت من حديثه ما يسلو به الخاطر وينجلي الهم.
قال:
وكنت إذا حدّثته أو رأيته ... تزول حرارات الصبابة والجوى
ولا سيما إن ظلّ يتلو لمسمعي ... أحاديث أرباب المحبة والهوى
وقال:
عرفتك دهري ليس لي فيك حيلة ... يروج بها فضلي لديك وأسلك
سوى اليأس مما في يديك وإن يكن ... رجاء ففي الأخرى التي لست تملك
وقال:
ألا قل لأصحابي عن القهوة انتهوا ... ولا تجلسوا في مجلس هي فيهِ
وما ذاك عن بغض ولا عن كراهة ... ولكن غدت مشروب كلّ سفيهِ
وكأنَّه مأخوذ من قول القائل:
إذا وقع الذباب على طعام ... رفعت يدي ونفسي تشتهيهِ
وتجتنب الأسودُ ورودَ ماءٍ ... إذا كان الكلاب ولغن فيهِ
وأين ذاك من قول الآخر:
إذا شوركت في أمر بدون ... فلا يلحقك عار أو نفور
ففي الحيوان يشترك اضطراراً ... أرسطاليس والكلب العقور
حُكي أن الوزير مسيح باشا أمر بإبطال القهوة، فقال له بعض الفقراء إن القهوة لا تبطل، قال: ولِمَ؟ قال: لأن حسابها موافق اسم الله تعالى قوي. بمعنى أن كلا منهما له من العدد مائة وستة عشر، فلها منه الاستمداد، فأمرُها وشأنُها
стр. 158
قوي. فلم يسعه التأخر لأمر السلطان مراد، فما أفاد المنع، وكان الأمر كما قيل. واشتهر
استعمال لفظ جبا عند تقديمها، ولا أعلم ما أصله إلا أنه ورد مورد الهبة، ولا يخفى ما فيها من الفرح الذاتي. وثَمَّ لطيفة حسابية وهي أن عدد جبا ست، فكان القائل يقول: جلبت لك المسرة والصفا من الست الجهات.
تُوفي العلامة المفتي أبو سعد سنة اثنتين وثمانين وتسعمائة، وتاريخه للفاضل أحمد الرومي قد مات أبو السعود مولى العلم وأنشدني لغيره:
وللناسِ عاداتٌ وقد أَلفوا بها ... لها سُنن يدعونها وفروضُ
فمن لم يعاشرهم على العُرف بينهم ... فذاك ثقيلٌ عندهم وبغيضُ
وأنشدني لنفسه في مرج دمشق:
بصبا المرج المبلل ذيلُه ... علّلِ القلبَ عَلّ يبرد ويلُه
ومُرِ الروحَ أن تسيل دموعاً ... إن أبى الجفنُ أن يغيثك سيلُه
وادّكِرْ بالرياض يومي حبيب ... سلفاً والسلاف تربع خيلُه
стр. 159
وتمسّك بسالفيه على البع ... دِّ عسى الكربُ ينجلي عنك ليلُه
ومن ذلك أيضاً:
تَأنَّ ولا تجزع لأمر تحاولُه ... فخيرُ اختيار المرء ما الله فاعلُه
وما ضَمِن الرحمن لا تخشَ فَوْتَه ... ومالاً فلا تجهد فما أنت نائلُه
دع السعي فالمسعودُ تطلُبه المُنى ... وسعيٌ بلا سعد محال تحاولُه
هو السعد يدعو آخر الأمر ساعياً ... وحسبك سعياً في المرام تناولُه
ولا تبتئس إن أخلفَ المجدُ واصطبر ... هو الشهد قد شيبت بصبر أوائلُه
وما المجدُ إلا الصبر فهو أبو التقى ... وكم خامل بالصبر عزّت منازلُه
تفيّأ بظلِّ الله من روض قولِه ... أليس بكافٍ تلحقنك فواضلُه
وعِزَّتَهن دنياك واغْنَ بتركها ... ولا تحفلن بالرزقِ فاللهُ كافلُه
تَحلَّ بتاج القَنْع تَغْدُ مملَّكاً ... تطول على هام الرجالِ كواهلُه
وسمعت منه قصيدة رأيته أمتدح بها عزمي زاده، وقد تضمنت من الحكم والأمثال ما يعجز الفكر الثاقب عن إبداء مكنونها، فلو رآها المتنبي لتبرأ من دعواه وقال إنه صاحب المعجزة. ورأيت حاشيته على البيضاوي أتى فيها بالأبحاث الرائقة، والتحقيقات الفائقة، وله رحلة جامعة لفرائد الفوائد، سَمَّاها الإسفار عن الأسفار، وديوان شعر جيد اللفظ والمعنى، وله تعليقات على فنون من الحكمة، ورأيت بعض أهل الشام يقدح في شأنه وشرف مكانه، على قاعدة المرضى من علماء الظاهر، وكان الأولى بالإنسان أن يمنعه من الوقوع في غيره ما يعلمه من نفسه، وما أظن الحال معهم إلا كما قيل في هذا الابتلاء العام وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا
стр. 160
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... والقومُ أعداء له وخصومُ
كضرائرِ الحسناء قلنَ لوجهها ... حسداً وبغضاً إنه لدميمُ
وأنشدني للحلّي، وكانت له لغات متعددة:
بقدرِ لغاتِ المرءِ يكثرُ نفعه ... وتلكَ له عند الملمات أعوانُ
فهافت على حسنِ اللغات مجاهداً ... فكل لسانٍ في الحقيقة إنسانُ
وبحسب الحال أقول:
لا تقصد الروم خالٍ من لغاتهم ... ولا تظنَّ الغنى في منطق العربِ
فلو أتيت بمضمون الصحاح فما ... أتيت فيهم بما يدني من الأربِ
وبالجملة فإنه لا فرق بين الجماد وبين مَنْ لم يفهم ما تقول، حتى في المغاني، وإذا دارت الأمور في العتاب فالعبرة باليد العليا فلا تلوموني ولوموا أنفسكم
إذا كان قدرُ المرءِ إن جاء طالباً ... أقل قليل كيف يطمعُ في الفضلِ
وبالله أن الذلّ في وجه سائلٍ ... أمر من المرّان ناهيك بالذلِّ
حكى السيوطي في تاريخ الخلفاء أن عبد الله بن الزبير كان له مائة غلام، يتكلم كلّ غلام بلغة أخرى، وكان يكلم كلَّ واحد منهم بلغته، عبد الله السواكني المدني:
رأيت بلاد الروم لا عيشَ عندهم ... يطيبُ ولا صفوٌ يعادل أكداري
وكيف يطيبُ العيشُ لي بين فتيةٍ ... نهاراً وليلاً يعرضون على النارِ
فقلت محوّلاً للمعنى بتغيير يسير:
رأيت بلاد الروم عيشي عندهم ... يطيب وصفوي لا يشاب بأكدارِ
стр. 161
فقد ضل من قد قال فيهم بأنهم ... نهاراً وليلاً يعرضون على النارِ
فلما كان يوم الخامس والعشرين من جمادى الآخرة، قدم علينا الشيخ العارف شيخ القادرية بمدينة خير البرية، فسمعت منه حديث طيْبَة طيِّباً ًًُ كأنَّه في صفحات فكري رقيم، وظفرت من أخلاقه بمحاسن يجد السلوَّ بها الفؤاد السقيم، أنشدني للخطيب يوسف الثقفي قال: أنشدنيهما لما قدمت عليه بدمشق:
من رامَ يحظى بالمسَرَّةِ والهنا ... فليصْحَبَنّ العارفَ المدنيّا
فحديثهُ يشفي السقامَ وشكله ... في أيِّ زيٍّ شئتَه يتزيّا
وأنشدني لما نزل بدار مصطفى جلبي قصاب باشي:
إن في الروم سادة بلقاهم ... زال ما أشتكيه من أوصابِ
فاعذروني إذا انتميتُم لأسدٍ ... فأنا كلبُ مصطفى القصّابِ
وأنشدني فيما يناسب الحال:
إن الغنى يستهابُ كلّما اعتكرت ... دجى الكروبِ جلا عنها حنادسُها
لا تنفع الخمسة الأشياء مُحْدقة ... لديك إلا إذا ما كان سادسُها
وفي أول ليلة جمعة من شهر رجب الفرد، أُوقِدتْ المناير وعُمرت المساجد بصلاة الرغايب، وهي غير معروفة بالحرمين الشريفين. قال ابن الأثير في جامع الأصول: وهي أول ليلة جمعة من رجب تصلى فيما بين العشاءين ثنتي عشرة ركعة بست تسليمات، كلّ ركعة بفاتحة الكتاب مرة والقدر ثلاثاً والإخلاص ثنتي عشرة مرة. فإذا فرغ من صلاته قال اللهم صَلِّ على محمد النبي الأمي وعلى آله
بعد ما يسلِّم سبعين مرة، ثم يسجد سجدة ويقول فيها: سبوح قدوس رب الملائكة والروح سبعين مرة، ثم يرفع رأسه ويقول ربِّ اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك أنت العلي الأعظم، وفي الأخرى الأعز الأكرم سبعين مرة، ثم يسجد ويقول مثل ما قال في السجدة الأولى، ثم يسأل الله تعالى.
стр. 162
وهو مَرْويٌّ عن أنس، ولم يوجد في الستة، والحديث مطعون فيه، انتهى كلامه.
وهذه الليلة عندهم من قبيل الأعياد، يتهادون فيها ويتزاورون وتفتح لها الأسواق. وابن الأثير هذا هو المحدِّث العلامة مجد الدين أبو السعادات:
وبنو الأثير ثلاثة ... قد حاز كلّ مفتخر
فمؤرخٌ جمع العلوم ... وآخر ولي الوزر
ومحدّثٌ كتب الحدي ... ث له النهاية في الأثر
وممّن تشرفت بحضرته المولى الأجل نقيب السادة الأشراف، واسطة عقد نزار في آل عبد مناف، مولانا شيخ أفندي العلامة، رفع الله على منار الشرف أعلامه، ولا زالت تتناسق الألفاظ في ميادين مدحه المطابق للواقع، بذكر شمائله الشائقة، ونوافله الفائقة، وإحسانه المتتابع.
وإن أحسن قولٍ أنت قائلهُ ... قول يقال إذا ما قلته صدقا
ولا غرو إذ كان من دوحةٍ أثمرت ملوكاً نتجوا من عنصر النبوة والرسالة، وأنتجوا مكارم الفتوّة والبسالة.
لكم يا بني الزهراء في الذكرِ آية ... فجاحدها في الناس لاشك ملحد
إذا الله أثنى في الكتاب عليكم ... فما قدر ما تُثنى الأنام وتنشد
رفعت يوماً إلى معاطفه الرحيمة قصة وضمنتها هذا النظم:
يا ابن خير الخلق كن لي ... شافعاً في بسط قبضي
فأولوا الأرحامِ نصاً ... بعضهم أولى ببعضِ
فعطف عليّ بإحسانه، وتعطف بتلطفه وامتنانه، فما زلت في ظل مجده الوريف، منشداً في شأنه الشريف:
إذا ذكر الراوي أحاديث فضله ... يقول الورى هذا الحديث المصدّق
وممن تشرفت بطلعته السنية في تلك الديار، وساعدتْ بلقائه الأقدار، مولانا عبد الرحمن
стр. 163
أفندي العشاقي، لا زال في كلاءة القدير الباقي، فرأيت منه مَتَّعه الله بحياته وأمدَّه بسنيِّ صلاته، مولى قد استغنى عن الألقاب، بما حواه من شرف الجناب:
وليس يصحّ في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
ولم أكن أعرف ذاته الشريفة، ولا استنشقت عرف شمائله الوريفة، حتى دعتني إليه مكارمه، وأمدتني بمعروفه مراحمه، وأنشد في شأنه عندليب إحسانه:
لا عيب في جودهِ إلا ترادفهُ ... قبل السؤال فراجيه كخجلانِ
ومما جرى به القلم، في شأن هذا المفرد العلم:
قد قلت للمجد من تهوى تواصله ... وكلنا لك ذو وَجْدٍ وأشواقِ
فقال لي بلسانٍ غير معتذر ... لا أشتهي أن أوافي غير عشاقي
ولعل هذه معرفة نشأت عن العهد القديم، فانتشرت روائح عرفها الشميم، حتى أقول هذا مبتدأ ودادٍ لابد وأن يُرْفع خَبَرُه، وصِدْقُ ولاءٍ لاغَرْوَ أن يبدو على باب الصفاء أثره:
فأبقِ لي ودّه يا دهرُ متصلاً ... وخذ بقيةَ ما أبقيت من أملي
ذكر القسطنطينية العظمى
حكى الشيخ الأكبر في كتاب محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار في غَزاة مَسْلَمَة بن عبد الملك بلاد الروم ودخوله فيها، أن جزيرتها ثمانية فراسخ، في المدينة منها أربعة فراسخ، ولما قَدِم مَسْلَمَة على عمر بن عبد العزيز وأخذ يصفها له، قال: ما
رأيت بلاداً تحكيها، هي مدينة بريّة بحرية، كثيرة الفاكهة والطعام واللباس، سورها من الحجر، وعرضه يسير عليه مائة فارس عرضاً، وأمّا الأبواب فإنّها حديد، وعرض ما بين كلّ بابين ميل، انتهى. وفي الخريدة هي مثلثة الشكل، منها جانبان في البحر وجانب في البر، وفيه باب الذهب، وطولها تسعة أميال، وعليها سور حصين ارتفاعه أحد وعشرون ذراعاً، ويحيط به سور آخر يسمى الفصيل وارتفاعه عشرة أذرع، وله مائة باب أعظمها المُمَوَّه بالذهب، وبها منارة بالقرب من دار الشفاء، قد ألبست جميعها من نحاس أصفر كالذهب محكم الصنعة والتحزيم، وعليها قبر قسطنطين، وعلى قبره صورة فرس من نحاس، عليه
стр. 164
شخص على صورة الملك، وقوائم الفرس محكمة بالرصاص ماعدا يده اليمنى فإنها موقوفة في الجو، وقد فتح يده اليمنى مشيراً بها نحو بلاد المسلمين، وفي يده اليسرى كرة - قيل في اليمنى - طِلَّسْم يمنع العدوّ، وعلى اليسرى مكتوب ملكت الدنيا حتى صارت في يدي مثل هذه الكرة، وخرجت هكذا لا أملك منها شيئاً وفي المعنى:
وفي قبض كفّ الطفلِ عند ظهوره ... دليل على الحرص المركّب في الحيّ
وفي بسطها عند الممات إشارة ... ألا فأنظروني قد خرجت بلا شيّ
وبلفظ آخر:
دليل على حرص ابن آدم أنهُ ... ترى كفه مضمومةٌ عند وضعهِ
وفي بسطها عند المماتِ إشارة ... إلى صفرها مما حوى بعد جمعهِ
حكى القاضي شهاب في الفوائد السنية أن قسطنطين من أبناء الملك الأعظم الملقب قيصر، نشأ بمدينة الرها ونقل العلوم، ولم يزل في غاية من السعادة والظفر منصوراً على من ناواه، وكان في أول أمره على دين المجوس، شديداً على النصارى ماقتاً لدينهم، ثم رجع إليه، وسببه أنه ابتلي بجذام ظهر عليه فأغتمَّ لذلك،
وجمع الحذاق من الأطباء فاتفقوا على أدوية دبّروها له، وأمروه أن يستنقع بعد أخذ تلك الأدوية في صهريج مملوء من دماء أطفال رُضَّع ساعة، فأمر بجمع جملة من أطفال الناس وذبحهم ليستنقع في دمائهم وهي طرية، فجمعت الأطفال لذلك وعظم ضجيج أمهاتهم، فرحمهنَّ وقال: احتمال علَّتي أولى وأوجب من هلاك هذه العدة العظيمة من البشر، فأمر برد الأطفال إلى أمهاتهم، فانصرف النساء بأولادهن، فلما صار من الليل إلى مَضْجِعه، رأى في منامه قائلاً يقول له: إنك رحمت الأطفال وأمهاتهم، ورأيت احتمال عِلّتك أولى من ذبحهم، فقد رحمك الله تعالى ووهبك السلامة، فابعث إلى رجل من أهل الإيمان يدعى شلبشته وقِفْ عند ما يأمرك به. فانتبه مذعوراً وبعث في طلب الرجل، فلمَّا أتى به إليه أخبره بما رآه في منامه فَقصَّ عليه دين النصرانية فالتزمه، وشفاه الله تعالى. فأعلن بدين المسيح ﵇، فخلع طاعته أهل رومية فخرج عنها وبنى مدينة القسطنطينية، فعرفت به فسكنها وصارت تخت الملك، ثم خرج إلى رومية فلما دنا منهم
стр. 165
أذعنوا له والتزموا طاعته.
وفي القاموس: رومية سوق الدجاج بها ثلاثة فراسخ، حكى المقريزي أن القسطنطينية من الإقليم السادس، وهو حيث يكون النهار الأطول خمس عشرة ساعة ونصف ساعة، وارتفاع القطب الشمالي، وهو العرض خمساً وأربعين درجة وخمس درجة، ومسافة هذا الإقليم مائتا ميل وعشرة أميال، وفيه من الجبال الطوال اثنان وعشرون جبلاً، ومن الأنهار الطوال اثنان وثلاثون نهراً، ومن المدن الكبار تسعون مدينة، والغالب على ألوان أهلها الشُقْرة والبياض.
فائدة
أول من ملك القسطنطينية من آل عثمان أبو الفتح السلطان محمد خان، وساق إليها السفن في البر والبحر، وحاصرها خمسين ليلة أشد الحصار، وكان الفتح في
سنة سبع وخمسين وثمانمائة، وصلَّى الجمعة في أكبر كنائسها وهي أيا صوفيا، وهي قبة تسامي قبة السِّماك، كأن أبراجها الأفلاك، ومسامير أبوابها نجوم السماك. وتوفي سنة ست وثمانين وثمانمائة، ووليَ بعده السلطان بايزيد، قاله القطبي. وموضع قبره مع ما يليه من جانب المرحوم شاه زاده، يكاد يكون قاعدة تلك الديار لما اشتمل عليه من المحاسن، وفي أيام السلطان بايزيد المذكور كان المولى شمس الدين الفناري، من أخباره أن الطلبة كانوا يعطِّلون يومي الجمعة والثلاثاء، فأضاف إليهما يوم الاثنين، والسبب في ذلك أنه اشتهر في زمانه تصانيف السعد التفتازاني، ورغب الطلبة في قراءتها فلم توجد تلك الكتب، لعدم انتشار نسخها، فاحتاجوا إلى كتابتها، فلذلك أضاف إليها يوم الاثنين لضيق الوقت عن الكتابة، كذا في الشقائق النعمانية، في علماء الدولة العثمانية ومن محاسنها جامع المرحوم السلطان أحمد، فإنه ناطق بألسن الآثار كما قيل:
همم الملوكِ إذا أرادوا ذكرها ... من بعدهم فبألسن البنيانِ
إن البناَء إذا تعاظم شأنُه ... أضحى يدل على عظيم الباني
وبالجملة فإن ما اشتمل عليه من الإشراق وكمال الصفاء لا يكاد يوجد في غيره، فلقد كنت أراها مظلمة من سائر الجهات آخر النهار ما خلا هذه البقعة المباركة، فإني كنت أصلي المغرب في الجامع المذكور وأبرز إلى الميدان فأظن
стр. 166
الوقت صباحاً، لما أجده من الإشراق والسرور الذي لا أعلم له سبباً، مع ما كان في الخاطر مما لا يليق ذكره، على ذلك أقول:
قد قلت للميدان أحرزت البها ... وأراك عن تلك البقاع بمعزلِ
ما ذاك إلا من جوارك أحمدا ... والسرّ في السكان لا في المنزلِ
وقيل في تاريخ بناء هذا الجامع:
تاريخ جامع أحمد ... من نص قرآن مبين
قد جاء فيه قوله ... لنعم دار المتقين
توفي السلطان أحمد سنة ست وعشرين وألف.
فقل للدهرِ أنت أصبت فالبَس ... برغم منك أثوابَ الحدادِ
ومن محاسنها، بل من محاسن الوجود السليمانية، فلا زالت أثراً لمحاسن الدولة العثمانية:
الملك لله الذي لم يزل ... يُودعه في آل عثمانِ
من شك فيما قيل في شأنهم ... فلينظر الوضع السليماني
وهذه شذور من فوائد الفوائد السنية للقاضي شهاب، فمن ذلك هذا الغزل الذي تَحنُّ إليه الجوارح، ويتحرّك له ساكن الغرام:
إنّ في الروم للحسان عيوناً ... ذكّرت صبّها بحرب البسوسِ
стр. 167
وقدوداً هي الرماحُ تبدّت ... مُرْخِصات لغاليات النفوسِ
أسبلوا الشعر فوق مَرْمَر جيد ... مخجل نوره ضياء الشموسِ
وأبانوا عوارضاً وخدوداً ... مشبهات للعاج في الأبنوسِ
وأداروا من الرُضاب حميّا ... فعلها أين منه راح الشموسِ
وقال:
لم تترك الترك في شمس ولا قمر ... حسناً لغيرهم يُعزى وينتسبُ
لكنهم لم يفوا إن عاهدوك على ... ودٍّ وما هكذا في فعلها العربُ
وقال:
فتنت بظبي من بني الترك أدمعي ... لهجرانه تنهلّ عسفا على خدّي
تملّك رقي وهو ملكي برقّة ... فوا رحمتا لي إذ غدا سيدي عبدي
وقال:
بحمّام السراي غزال سرب ... رقيق الطبعِ لا يصغي لواشي
يقول لعاشقيه يفوز مني ... بوصل من طواشي للطواشي
وقال:
إياك والأتراك إن لبعضهم ... أشخاص غزلان وفعل أُسودِ
أجسامهم كالماء إلا أنها ... حملت قلوباً من صفا الجلمودِ
ومن الوصايا المليحة عن الأخلاق القبيحة:
إذا كنت والمحبوب يوماً بخلوةٍ ... ودارت لك الكاسات واكتمل البسطُ
فإياك والفعل المحرّم إنه ... به المرء من أوج السعادة ينحطُ
فإن عفاف الذيل في شرعة الهوى ... لمن شاقه وصل الحبيب هو الشرطُ
стр. 168
وما أصدق ما قال:
بالروح يلعب في بداية أمره ... وسوى الغرام به فغير غرامِ
ماذا تكون نهايتي في عشقه ... والبدء فيه تحلّل الأجسامِ
وقال:
تَعِسَ القياس فللغرام قضية ... ليست على نهج الحجى تنقادُ
منها بقاء الشوق وهو بزعمهم ... عرض وتفنى دونه الأجسادُ
وقال:
تعلمتُ أسباب الرضا خوف هجرهِ ... وعلّمه حبّي له كيف يغضب
ولي ألف وجه قد عرفت طريقه ... ولكن بلا قلب إلى أين أذهب
وقال:
تعشّقت منه حالة لست قادراً ... على وصفها إذ لم يذقها سوى قلبي
تيقنت أني فيه أصبحت مغرماً ... ولكنني لم أدر ما سبب الحبِ
وقال:
إذا دعا باسمه داع يحدثني ... كادت له شعبة من مهجتي تقع
لا أحمل اللومَ فيه والغرام به ... لا يكلف الله نفساً فوق ما تسع
وقال:
زعمت بأني قد بلغت من الهوى ... إلى غاية ما بعدها إليّ مذهبُ
ولما تفرّقنا تذكرتُ ما مضى ... وأيقنت أني إنَّما كنتُ ألعبُ
وقال:
وبدا له من بعد ما أندمل الهوى ... برق تألق موهناً لمعانهُ
стр. 169
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه ... والماء ما سمحت به أجفانهُ
وقال:
سكنوا بقلب آنسوه وأوحشوا ... لحظاً جرى من بعدهم وتدفّقا
هذاك عندهم وذاك محجّب ... سبحان من كتب السعادة والشقا
وقال:
أبكي إلى الغرب إذ لاحت منازلهم ... من جانب الشرق خوف القيل والقالِ
أقول في الخدّ خال حين أنعته ... خوف الرقيب وما بالخدِّ من خالِ
وقال:
في خدّه عرق بدا ... ذا حمرة لصفائهِ
هذا يصدّق قولهم ... الماء لون إنائهِ
وقال:
عليّ لربع العامريّة وقفة ... ليملي عليّ الشوق والدمع كاتبُ
ومن مذهبي حبِّ الديار لأهلها ... وللناسِ فيما يعشقون مذاهبُ
وقال:
وفي الحب تعذيب وفيه عُذوبة ... فسل عنه صبّاً حكّمته التجاربُ
وكل امرئ يهوى على قدر عقله ... وللناس فيما يعشقون مذاهبُ
стр. 170
وقال:
وما العيش إلا ما يُلذ ويُشتهى ... وإن لام فيه ذو الشنان وفنّدا
بكيت الصبا جهدي فمن شاء لامني ... ومن شاء آسى في البكاء وأسعدا
وقال:
يا كاملاً شوقي إليه وافر ... وبسيط وجدي في هواه عزيزُ
عاملتَ أسبابي لديك بقطعها ... والقطع في الأسباب ليس يجوزُ
وقال:
يا كتابي إذا وصلت إلى من ... حبه صيّر الفؤاد جذاذا
قل له ما عليك في البعد عتب ... سوء حظي أنالني منك هذا
وقال:
إني أبث إليك بالعلمِ الذي ... يقضي عليك بحرمتي وذمامي
وقرابة الأدباء يقصر دونها ... عند الكرام قرابة الأرحامِ
وقال:
ما بال عينك حين تلحظني ... يا ابن الكرام تعدّني هملا
لو كان لي ذنب لبحت به ... كيلا يقال هجرتني مللا
стр. 171
وقال:
لا تعتب الدهر في خطب رماك به ... إن استردّ فقل يا طالما وهبا
وانظر زمانك في حالي تقلّبهِ ... تجده أعطاك أضعافَ الذي ذهبا
وقال:
شاد الملوك قصورهم وتحجّبوا ... عن كلّ طالب حاجة أو راغبِ
فإرغب إلى ملك الملوك ولا تكن ... يا ذا الضراعةِ طالباً من طالبِ
وقال:
وقائل ما الملك قلت الغنى ... فقال لا بل راحة القلبِ
وصون ماء الوجه عن بذله ... في نيلِ ما ينفد عن قربِ
وقال:
لا تصحبن ملكاً أو من يلوذ به ... وإن تنل منهم عزاً وتمكينا
يستخدمونك في لذات أنفسهم ... فيذهب العمر لا دنيا ولا دينا
وقال آخر:
إذا صحبت الملوك فالبس ... من التوقّي أجلَّ ملبس
وادخل إذا ما دخلت أعمى ... واخرج إذا ما خرجت أخرس
وقال:
ومصاحب السلطان مثل سفينة ... في البحر ترجف دائماً من خوفهِ
إن أدخلت في جوفها من مائهِ ... أدخلها وماءها في جوفهِ
وقال:
لا بد للكامل من زلة ... تخبره أنه ليس بالكاملِ
بينا يُرى يضحك من جاهل ... حتى يُرى مضحكة الجاهلِ
ومن النصائح:
لا تقعدنّ بمجلس في صدره ... إلا إذا ما كان ذلك منزلَك
واترك لمن هو فوق قدرك موضعاً ... فلقد أحطّك رتبة من أنزلَك
وإذا جلست فخلِّ فوقك فسحة ... إن جاء صاحبها وإلا فهي لَك
стр. 172
وقال:
أقول للقلبِ لا تجزع لفائتةٍ ... أخِلْتَ باب التمني غيرَ مفتوحِ؟
فقال حقاً ولكن عند ذي أدبٍ ... لا شيء أوجع من ترجيح مرجوحِ
وقال آخر:
نوبُ الزمانِ كثيرةٌ وأشدها ... شمل تحكّم فيه يوم فراقِ
يا قلب لم عرّضت نفسك للهوى ... أوَ ما رأيت مصارع العشاقِ
فائدة
كتاب مصارع العشاق كتاب في الأدب مؤلفه أبو محمد جعفر السراج وهو اثنان وعشرون جزءاً، رأيت منه الجزء الأول بالديار الرومية وعليه ما صورته:
هذا كتابُ مصارع العشاقِ ... صرعى أيادي البين والأشواقِ
فإذا تصفحه اللبيب رثى لهم ... أسرى هوى أيِسوا من الإطلاقِ
ومادته لابن أبي حجلة، ومنازل الأحباب للشهاب محمود:
يا خاطري كم ذا تكون مخاطراً ... متولّعاً بالجيد والأحداقِ
إن شئت تعلم ما نهاية ما ترى ... فانظر كتاب مصارع العشاقِ
وقال آخر:
تأمّلْ ذا الوجود بعين فِكر ... ترى الدنيا الدنيّة كالخيالِ
وما فيها جميعاً سوف يفنى ... ويبقى وجه ربك ذي الجلالِ
وقال آخر:
دع المقادير تجري في أعنتها ... واصبر فليس لها صبر على حالِ
يوماً يريك وضيع القدر مرتفعاً ... إلى السماء ويوماً يخفض العالي
وقال آخر:
ومن يحمد الدنيا لأمر يسرّه ... فسوف لعمري عن قريب يلومها
إذا أدبرت كانت على المرء حسرة ... وإن أقبلت كانت كثيراً همومها
وقال آخر:
وما هي إلا جيفة مستحيلة ... عليها كلاب همهن اجتذابها
стр. 173
فإن تجتنبها كنت سلماً لأهلها ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها
وقال آخر:
وما شيء بأثقل وهو حق ... على الأعناق من مِنَنِ الرجالِ
فلا تفرح بشيء تشتريه ... بوجهك إنه بالوجه غالي
وقال آخر:
من كنت عن ماله غنيَّاً ... فلا أبالي إذا جفاني
ومن رآني بعين نقصٍ ... رأيته بالذي يراني
وقال آخر:
لا تقطعنْ عادة الإحسان عن أحد ... ما دام يمكن في الإمكان تاراتِ
واشكر صنائع لطف الله إذ جعلت ... إليك لا لك عند الناس حاجاتِ
وقال:
لنَفعي للصديق أحقُ عندي ... وحق أبيك من خيلي ورَجلي
ولكن لانكماشي في معاشي ... على قدر الفراش مددت رجلي
وقال:
إن أوصل الدهر أيدينا لمكرمة ... ثم امتنعنا فلا نلنا أمانينا
أو مانع الدهر إذ بالعجز أقعدنا ... فالذنب للعجز كفَّ العجز أيدينا
وقال:
محن الزمان كثيرة لا تنقضي ... وسروره يأتيك كالأعيادِ
ملك الأماجد فاسترقّ رقابهم ... وتراه رقّاً بيد الأوغادِ
وقال ابن جابر الأندلسي:
لا تعادِ الناسَ في أوطانهم ... قلما يُرعى غريب الوطن
وإذا ما رُمْتَ عيشاً بينهم ... خالقِ الناس بخلق حسن
وقال آخر:
قيامي للعزيز عليّ فرض ... وترك الفرض ما لا يستقيمُ
فهل أحد له عقل ولبٌ ... ومعرفةٌ يراك ولا يقومُ
стр. 174
انتهى ما نقلته من الفوائد مضافاً إليها ما تستعذب به موارده الهنيّة، وهذه الأبيات مما جرى بها القلم، وتطفلت بها على حضرة مولانا شيخ الإسلام، وإنَّما أثبتها لما اشتملت عليه من ذكر بعض مناقبه، الشريفة بل على وفق ما قيل:
ما إن مدحت مُكمّلاً في ذاته ... لكنْ مدحت مقالتي بصفاتهِ
وإلا فالحال كما يقال:
لو أن في بابه للنظم مفخرة ... ألّفتُ في مدحه ألفاً من الكتبِ
لكنه البحر في كلّ الفنون فما ... إهداء در إلى بحر الأدبِ؟
وفي اليوم السادس من شهر رجب الفرد، برزت صرَّة الحرمين في موكب لطيف، وكان يوماً مطيراً وبالنسبة إليّ يوماً عبوساً قمطريراً.
وقد هاج لي شوق ليثربَ ليتني ... قضيتُ ولا يقضى عليّ بُعادها
فيا رب جُد لي قبل موتي بقربها ... ففي حبّها لعيني سُعادها
وهو يوم مشهود، ووقت معهود، يجتمع له البادي والحاضر، وأذِّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كلّ ضامر وفي ذلك اليوم حصل لأبناء الحرمين ومن هو في زيهم من الإهانة أقل ما يستوجبون، وذلك لازدحامهم على الصدقات، وكانت تأتي إليهم الدراهم بعد التفاصيل بالجمل، وطالما قال جود السراي لكلّ حاتم هذه التي لا ناقة لك فيها ولا جمل وكم أنشد لسان حالها في بهجة جمالها:
للهِ كم حال امرئ معدم ... قضيت في الروم بتنفيسهِ
ودرهم ولّى ولكنّه ... قد أخذ الأجر على كيسهِ
فسبحان من قام على التناقض ملكه، وجرت بخفيّ تدبيره نيرات أفلاكه، كما سبحت باللطف في بحار حكمته فُلْكُه، وما زلت مقيماً بها إلى العشرين والتردد
شعاري، والتعهد دثاري، وأنا في تلك الحال، على إثر تمني المحال:
أقطع الوقت بالرجاء وناهي ... ك بقلب غذاؤه التعليلُ
стр. 175
كلما جاء كأسُ يأسٍ مريرٍ ... جاء كأسٌ من الرجا معسولُ
وقد رمتني الحوادث بسهامها، وعبست الأيام بعد ابتسامها، فلله ما لاقيته من المتاعب في تلك المطالب، ولقد كنت في سعة عن مطالب هاتيك المتاعب:
ولكنّ أسباب الضروراتِ لم تزل ... إلى غيرِ ما تهوى النفوس تقودُ
ومثله:
أقمتُ بها شهرين في حال غربةٍ ... أرجّي نداها والجنونُ فنونُ
وما نلتُ منها طائلاً غير أنني ... تعلمتُ طعمَ الذل كيفَ يكونُ
وقال غيره:
لي كلّما ابتسم النهارُ تعلّة ... بمحدّث ما شان قلبي شأنهُ
فإذا الدجى وافى وأقبل جُنحه ... فهناك يدري الهمُّ أين مكانهُ
وقال غيره:
غِنىً في يدِ الآمالِ لا أستفيدهُ ... ودَينٌ على الأيامِ لا أتقاضاهُ
يرى الصبر محمودَ العواقبِ معشرٌ ... وما كلّ صبر يحمد المرء عقباهُ
فكنت كمن ترك الوقار وكان من أهله، وسُلب القرار لذهاب عقله، وغدا يساور الهموم، ويسامر النجوم، فلا يطيب له المقيل، والحال كما قيل:
يبيت كما بات السليم مسهدّاً ... وفي قلبهِ نارٌ يشب لها وَقْدُ
وقد هجرَ الخلان من غيرِ ما قِلى ... وأفرده الهمُّ المبرح والوجدُ
فلم يَرْثِ لي دهري الخؤون، ولا رَقَّ لي زماني المفتون، حتى كأني في
стр. 176
جفن الدهر قذى، أو في حلقه شجاً وأذى، يدافعني نيل الأمنيّة، ويكاد يسلمني إلى المنية، قلت:
وكادت ديارُ الروم من فَرْطِ محنتي ... بما رحُبت غماً عليَّ تضيق
وأنا مع ذلك أدافع الأيام، وأعلل النفس ببلوغ المرام، متلفّعاً بالقناعة والكفاف، متقنعاً بالنزاهة والعفاف.
إذا قيل هذا منهلٌ قلتُ قد رأى ... ولكنّ نفس الحرِّ تحتملُ الظما
فما كلّ برقٍ لاحَ لي يستفزّني ... ولا كلّ من لاقيت أرضاهُ منعما
وقد ذكرت بتلك الأبواب الفسيحة الرحاب، المنيعة الجناب، بيتين لبعض الفضلاء، وهما قوله:
وأكرمُ من يدقّ البابَ شخص ... ثقيلُ الحملِ مشغول اليدينِ
ينوء إذا مشى ثقلاً وحملا ... ويدفع بابهُ بالركبتينِ
وما أصدق ما قال الزمخشري:
وإذا رأيت صعوبة في مطلب ... فاحمل صعوبته على الدينارِ
وابعثه فيما تشتهيه فإنَّه ... حجر يُليّن سائر الأحجارِ
وما أحسن ما قال:
دع السحر يا من تيَّم الحبّ قلبه ... فما السحر إلا في نقوشِ الدراهمِ
إذا ما دعوت الطيرَ لبَّاك مسرعاً ... بدرهمك المنقوشِ لا بالعزائمِِ
стр. 177
وقلت:
إذا عزَّ من تهوى ولم ترَ حيلةً ... فليس سوى الدينار أرجى وأرجحُ
يهوّن صعب الأمر في كلّ معضل ... وفي كلّ أمر فهو أنجى وأنجحُ
ولقد كنت أزعم أن أصير باختلاطي بالروم بعد العرب جامع الفضيلتين، ولا أقول القياس إنَّما يتبع أخس المقدمتين، إلا أنني حصلت من الفقه على مسائل الطهارة، وفي الإشارة ما يغني عن العبارة، وصرت لا أعرف من النحو بعد ذلك الثبوت إلا كثر شربي السَويق وهو مَلْتوت ولا أفهم من التصريف مقالاً، إلا قاتل يقاتل
مقاتلة وقتالاً، ولا من المنطق بعد بذل المجهود، إلا إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، ولو شرحت مطوَّل جهلي بالأصول، وقلة مالي فيه من المحصول، لتلخَّص للطالب من مختصر التلخيص تخليص، وتخصيص من تهذيب الكلام بأوفى تخصيص.
ولرحمة المتوجعين حرارة ... في القلب مثل شماتة الأعداءِ
وقال:
وحار لُبِّي لِما بليتُ بهِ ... من الليالي وصرفها عَجَبُ
وقال:
وضاقَ ذرعي لضيقِ ذاتِ يدي ... وساورتني الهموم والكرَبُ
وقادني دهريَ الملوم إلى ... سلوك ما يستشينه الحسَبُ
ولقد كان يخطر مثل ذلك بالبال، ويُرسم في لوح الخيال، لما اشتهر من مذلّة السؤال، وقلة الاحتفال، ولقد سلمت من المصائب، لو تحققت بقول علي بن أبي طالب، وذلك في وصيته لابنه الحسن عند انصرافه من صفين، والله تعالى الموفق والمعين: يا بنيَّ إن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله تعالى ذو نعمة فافعل، فإنك مدرك قسمك، وآخذ سهمك، وإن اليسير من الله تعالى سبحانه، أكرم وأعظم من الكثير من خلقه، وإن كان كلّ منه، قلت لله ما أحلى هذا الوصل، فليتني تحققت به وأخذت بسببه.
وإذا جرّب المجرّبَ غَمْرٌ ... فعليه إذا أصيب المَلامُ
стр. 178
فأقمت لا منقول في المنقول، ولا معوّل في المعقول، وأنا أفصح عني ولكني أكسي:
وصرت أذل من معنى دقيقٍ ... به فقر إلى فهم جليلِ
هذا والحديث ذوشجون وما أتلوه من الأقوال، نوع من ضرب الأعمال، وما يعقلها
إلا العالمون:
إن الليالي والأيام لو سُئلت ... عن عيبِ أنفسها لم تكتم الخبرا
فكنت أخالطهم مخالطة مسالمة، وأجالسهم مباسمه، لعلمي أن من لزم اليأس من الناس، فقد سلم من البأس، وأن الإجمال في الطلب والإنتقال عن مظان العطب، يؤمان إلى النجاح ويؤمنان من الافتضاح.
مجاملة الإنسان تكسب عيشه ... صفاء تحبوه الجميل من الذكرِ
على أن صبري للذي قد لقيته ... وأردافه بالعذر قبض على الجمرِ
وقد تحجب أهل الكرم في الأبنية، فلم أر من السعودات إلا سعد الأخبية، ولعمر الله إنهم معذورون في ذلك، فلقد رأيت فيما هنالك من الطوائف القدسيين والشاميين، وغيرهم ذوي عمائم كالأبراج، وأكمام كالأخراج، وقد لزموا تلك الأبواب لزوم الكاتبين، وصار أحدهم مع الرئيس كالخصمين المتحاسبين، يطالبه بجائزة شعر، لو شعر بحقيقة أمره، لاستحيا منه ولزم حده بقية عمره.
قد بان لي عذرُ الكرام قصدهم ... عن أكثر الشعراء ليس بعارِ
لم يسأموا بذل النوالِ وإنَّما ... جَمُد الندى لبرودة الأشعارِ
أو كما قال الشريف العباسي:
ربَّ خذ للشعر من زمر ... أسمعونا فيه ما أضنى
مثلَ مضغ الماءِ ليس لهُ ... في فمي طعمٌ ولا معنى
فلذلك انقطعت السبل عن أهل الحياء، ونفق في سوق النفاق عرض أهل الرياء، فلم يجر باسم الفضلاء قلم لباري، ورضى العالم غاية استأثر بها الباري، ولله در القائل:
لا تغضبن على امرئٍ ... لك مانعٌ ما في يديهِ
وإغضب على الطمعِ الذي ... استدعاك تطلبُ ما لديهِ
стр. 179
وقال:
لا تكن طالباً لِما في يدِ النا ... س فيزّورّ عن لقاءكَ الصديقُ
إنَّما الذلُّ في سؤالك للنا ... س ولو في سؤال أين الطريقُ
وقال:
لا أبتغي بالشعرِ رزقاً ولو ... كنت على جيده أقدرُ
كيف وعلمي أن لي رازقاً ... يرزقني من حيث لا أشعرُ
وقال:
من عفّ خفّ عن الصديق لقاؤهُ ... وأخو الحوائجِ وجههُ مملولُ
وأخوكَ من وفرت ما في كيسهِ ... فإذا اعترضت له فأنت ثقيلُ
فها أنا أخفض لهم الجناح، وأرفع عنهم الجناح، لأن الأمر مراحمه لا مزاحمه، ومحاسنه لا مخاشنه، ومناسبة لا محاسبة:
وعني بالتلويح يفهم ذائق ... غنيٌّ عن التصريح للمتعنت
فمشيت على هذا السنن القويم، والمسلك المستقيم، متحاشياً عن المباراة متجنباً ما إستطعت عن المماراة، فإنهما يهدمان الدين ويعدمان اليقين:
وما كنتُ أدري قبل عزةَ ما البُكا ... ولاموجعات القلبِ حتى تولتِ
فإن أجنِ من غرسِ المُنى ثمر العنا ... فللهِ نفس في مُناها تمنتِ
ولست بالمتصدي للقيل والقال، ولا المتعدي بالجدال إلى المحال، وكم من متشبه لم يحك المثال، وناقل لم يحك عن النوال، وأين الماء من السماء؟ وموقع السيل من مطلع سهيل؟
تعرض قومٌ للغرامِ وأعرضوا ... بجانبهم عن صحبةٍ فيه واعتلوا
رضوا بالأماني وابْتُلُوا بحظوظهم ... وخاضوا بحارَ الحبِّ دعوى فما ابتَّلوا
هذا ومن أجاب داعي الهوى يوشك أن لا يجاب، إذا هو في هوّة الهوان، لا جرم
أن العثار سابق إلى قدمه، والاغترار سائق إلى ندمه، ألا يرى حسن
стр. 180
اخضرار العود، فإذا فارق منبته استعدّ للوقود، ولا يزال المرء حسن الظن في نفسه، قليل التفحص عن رؤية حدسه، يتستَّر بالمحال، على غير العلم بالحال:
والمرءُ تلقاه مضياعاً لفرصتهِ ... حتى إذا فات أمرٌ عاتبَ القدرا
فها أنا أستغرق تارة في الجهل والطيش، فأراني في لذة العيش، وتارة تلاحظني بقايا العناية، فأعلم أني من الجهل في غاية، فمن شاهدني قال الجنون فنون، ومن تحققني أنشدني كأن لم يكن بين الحجون:
فليت أيّامَ هذا الدَّهر تمدحني ... ببيتِ شعرٍ قديمٍ سارَ في الناسِ
دعِ المكارمَ لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإِنك أنت الطاعمُ الكاسي
وقال:
وفي الناس من يرضى بميسورِ عيشهِ ... ومركوبهُ رجلاهُ والثوبُ جلده
ولكن قلبا بين جنبيّ ما له ... مدى ينتهي بي في مرام أحده
وقال:
وكانت على الأيامِ نفسي عزيزةٌ ... فلما رأيت صبري على الذلِّ ذلتِ
فقلت لها يا نفسُ موتي كريمةً ... فقد كانت الدنيا لنا ثم ولتِ
هذا وشريف النفس هو الذي لا يرى الدنيا لها ثمناً، ولا يرتضيها لنفسه سكناً، حيث لم يبسطها الباري تعالى إلا اختياراً، ولم يقبضها إلا اختباراً، على أنها كزيارة ضيف، وسحابة صيف.
следующие страницы →