← Акыда

Акыда · id 37348

رسالة الشرك ومظاهره

مبارك الميلي

Полный текст (448 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٧ - الشرك في قوم نوح • مبدأ الشرك: أول من عُرفوا بالشرك قوم نوح ﵇، وأول من وقعوا فيه منهم القبوريون المنصرفون بقلوبهم إلى الموتى من صلحائهم؛ فكان نوح أول رسول من الله لمقاومة الشرك وإقامة الحجة على المشركين؛ بتذكيرهم بنعم الله ووجوب شكرها، ودلالتهم على سوء مغبة الشرك ولزوم التبري منه، ولكن القوم غلب عليهم هوى الشرك، ففقدوا رشدهم، ولم يفقهوا جدال نبيهم، وأتوا في الدفاع عن وثنيتهم بما هو خارج عن موضوع النزاع. وهاك ما حكاه القرآن في هذا الشأن: • خبط المشركين في الانتصار لوثنيتهم: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود: ٢٥ - ٢٧]. فانظر إلى هذا السفه والخبال: يدعوهم إلى توحيد الخلاق المتعال،

стр. 107

فيردون عليه بأنه بشر، وأن من آمن به من الطبقة المنحطة في مجتمعهم، وأنه وهؤلاء المؤمنين لا يعلمون لهم فضلًا عليهم، كأنهم علموا للأصنام فضلاً على جميع الأنام فعبدوها، واستمروا على هذا الضلال عدة أجيال، يوصي فيها السلف الخلف؛ بأن يعضوا بالنواجذ على وثنيتهم: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣]. وأخذالخلف بوصية السلف، فلم يستمعوا لنبيهم على قوة حجته، ولم يتأثروا بآدابه على طول مدته، ولما لم يجدوا مدفعاً لبرهانه، واستبطؤوا عقوبة الله لهم بطوفانه، قالوا: ﴿يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [هود: ٣٢]. • ذكر نوح في الكتاب: [ما أحد] صَبَرَ صَبْرَ هذا الرسول وثَبَتَ ثباته، فخلدت ذكره سور القرآن وآياته، تجد حديثه في الأعراف ويونس وهود والأنبياء والمؤمنون والشعراء والعنكبوت والصافات والقمر، واختص بسورة من المفصل سميت سورة نوح، وتجد اسمه دون قصته في سور أخر. وفي تكرار قصته والعناية بتصريف القول فيها حض للدعاة على سلوك خطته، وزجر للأمم أن تحذو حذو أمته. وفي ذكرنا لتلك السور إحالة للقارئ على ما فيها من عبر، ونكتفي هنا بإثبات روايات فيها بيان عن الذريعة التي انتهت بهم إلى الشرك. • الأخبار في منشأ الشرك: ١ - ففي كتاب التفسير من " صحيح البخاري " عن ابن عباس ﵄؛ قال: " صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ود؛

стр. 108

فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع؛ فكانت لهذيل، وأما يغوث؛ فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق؛ فكانت لهمذان، وأما نسر؛ فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا؛ أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، وتنسخ العلم، عبدت " (٣٨). ٢ - وأخرج الفاكهي عن عبيد الله بن عبيد بن عمير، قال: " أول ما حدثت الأصنام على عهد نوح، وكانت الأبناء تبر الآباء، فمات رجل منهم، فجزع عليه، فجعل لا يصبر عنه، فاتخذ مثالًا على صورته، فكلما اشتاق إليه؛ نظره، ثم مات، ففعل به كما فعل، ثم تتابعوا على ذلك، فمات الآباء، فقال الأبناء: ما اتخذ هذه آباؤنا إلا أنها كانت آلهتهم، فعبدوها ". نقله الحافظ في " الفتح " (٨/ ٥٤٣)، والسيوطي في " الدر المنثور " (٦/ ٢٦٩)، والروايات الثلاث بعد من " الدر " أيضاً. وقوله: " فجزع عليه ": كذا نقله، من غير تصريح بفاعل الجزع، ولعل لفظة: " عليه " محرفة عن: " ابنه "، فيكون هو الفاعل، وبذلك ينسجم الكلام. ٣ - وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب ﵁ في قوله: ﴿وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾، قال: " كانوا قوماً صالحين بين آدم ونوح، فنشأ قوم بعدهم يأخذون كأخذهم في العبادة، فقال لهم إبليس: لو صورتم صورهم فكنتم تنظرون إليهم، فصوروا، ثم ماتوا، فنشأ قوم بعدهم، فقال لهم إبليس: إن الذين كانوا من قبلكم كانوا يعبدونها. فعبدوها ".

стр. 109

٤ - وأخرج أبو الشيخ في " العظمة " عن محمد بن كعب القرظي؛ قال: " كان لآدم خمسة بنين: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، فكانوا عباداً، فمات رجل منهم، فحزنوا عليه حزناً شديداً، فجاءهم الشيطان، فقال: حزنتم على صاحبكم هذا؛ قالوا: نعم. قال: هل لكم أن أصور لكم مثله في قبلتكم إذا نظرتم إليه ذكرتموه؛ قالوا: لا؛ نكره أن تجعل لنا في قبلتنا شيئاً نصلي إليه. قال: فأجعله في مؤخر المسجد؛ قالوا: نعم. فصوره لهم، حتى مات خمستهم، فصور صورهم في مؤخر المسجد، وأخرج الأشياء، حتى تركوا عبادة الله، وعبدوا هؤلاء، فبعث الله نوحاً، فقالوا: ﴿لَا تَذَرُنَّ وَدًّا ... ﴾ [نوح: ٢٠]، إلى آخر الآية ". وقوله: " وأخرج الأشياء ": لا يظهر له معنى، ولعل فيه تحريفاً وحذفاً، وأصله: وأدرك الأبناء وتناسلوا؛ كما يأتي نحوه في الرواية التالية. وفي " تفسير ابن كثير " عن ابن عباس: أن ودّاً ابن لآدم وأب لسواع ويغوث ويعوق ونسر. ٥ - وأخرج عبد بن حميد عن أبي مطهر، قال: " ذكروا عند أبي جعفر يزيد بن المهلب، فقال: أما إنه قتل في أول أرض عبد فيها غير الله، ثم ذكر ودّاً، قال: وكان ود رجلًا مسلماً، وكان محبباً في قومه، فلما مات، عسكروا حول قبره في أرض بابل، وجزعوا عليه، فلما رأى إبليس جزعهم عليه، تشبه في صورة إنسان، ثم قال: أرى جزعكم على هذا، فهل لكم أن أصور لكم مثله، فيكون في ناديكم، فتذكرونه به؛ قالوا: نعم. فصور لهم مثله، فوضعوه في ناديهم، وجعلوا يذكرونه، فلما رأى ما بهم من ذكره؛ قال: هل لكم أن أجعل لكم في منزل كل رجل تمثالًا مثله، فيكون في بيته، فتذكرونه؛ قالوا: نعم. فصور لكل أهل بيت تمثالاً مثله، فأقبلوا، فجعلوا يذكِّرونه به ". قال: " وأدرك

стр. 110

أبناؤهم، فجعلوا يرون ما يصنعونه به، وتناسلوا، ودرس أمر ذكرهم إياه، حتى اتخذوه إلهاً يعبدونه من دون الله ". قال: " وكان أول ما عبد غير الله في الأرض ود الصنم الذي سموه بود ". • الجمع بين الأخبار في منشأ الشرك: وبين بعض هذه الروايات اختلاف من أربع جهات: إحداها: هل الذين مع ود أبناء له أم إخوة له؟ وليس لهذا الاختلاف أهمية؛ فإن العهد بعيد، والأعلام قد تتعدد، والمقصود على كل حال متحد. ثانيتها: هل حدوث الأصنام وقع على عهد نوح كما تصرح به الرواية الثانية؟ أم قبله كما هو ظاهر الروايتين بعدها؟ ويمكن الجمع بأن من سميت بهم تلك الأصنام سابقون على نوح، وتسمية الأصنام بهم تأخرت إلى زمنه، فترجع الروايتان الثالثة والرابعة إلى الثانية، ولك أن ترجع الثانية إلى ما بعدها، بأن حدوث الأصنام كان قبل نوح، وإنما أضافته الرواية الثانية إلى عهده لما كان هو الذي عاب الأصنام وقبحها، وهذا الاحتمال الثاني أقرب؛ لأن الإِرسال لإِنكار الشرك إنما يكون بعد ذيوعه وانتشاره في الأمة وطول عهدهم بالتوحيد، ويتأيد ذلك بشدة إصرارهم عليه، مع لبث نوح في محاربته ألف سنة إلا خمسين عاماً. ثالثتها: هل ابتداع التماثيل من برور الأبناء بالآباء كما في الرواية الثانية، أم من ولوع المريد بشيخه كما في الرواية الثالثة؟ وليس هذا من الاختلاف المتعارض، إذ يمكن حدوثه من الفريقين مجتمعين أو متعاقبين.

стр. 111

رابعتها: نسبة هذا الابتداع إلى الناس تارة، وإلى إبليس أخرى، وإلى شيطان في صورة إنسان في رواية. وكل ذلك من اختلاف العبارات الذي لا يختلف به المعنى، فإن شياطين الإِنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً. • • • • •

стр. 112

٨ - الشرك في قوم إبراهيم • نبات الشرك بعد الطوفان: غسل الأرضَ الطوفان من وضر الشرك والعصيان، فلم يبق يومئذ على وجهها إلا ناصع الإِيمان، ثم تعاقبت الأجيال، حتى حنت الطباع إلى معتاد الضلال، ففاء الشرك بعد الزوال، وأرسل الله المرسلين مبشرين ومنذرين، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ... ﴾ [يوسف: ١٠٣]. بعد الطوفان بأزمان ظهرت ببابل من أرض العراق أمة الكلدان التي منها النبط قوم إبراهيم ﵇، فكانوا يعرفون الله ويعبدونه ويشركون به الكواكب ويتخذون لها الأصنام تماثيل. • الكلدان ومعارفهم: قال صاعد بن أحمد في كتابه " طبقات الأمم ": " وكانت لهم علوم بأرصاد الكواكب، وتحقق بعلم أسرار الفلك، ومعرفة مشهورة بطبائع النجوم وأحكامها وخواص المولدات وقواها، وهم نهجوا لأهل الشق الآخر من معمور الأرض الطريق إلى تدبير الهيكل لاستجلاب قوى الكواكب، وإظهار طبائعها، وطرح شعاعاتها عليها؛ بأنواع القرابين المؤلفة لها، وضروب التدابير المخصوصة بها،

стр. 113

فظهرت منهم الأفاعيل الغريبة، والنتائج العجيبة؛ من إنشاء الطلسمات وغيرها من صناعة السر " [ص:١٨]. • آلهة الكلدان وعبادتهم: وقال أبو بكر الرازي الجصاص في كتابه " أحكام القرآن ": " وكانت علوم أهل بابل الحيل والنيرنجيات وأحكام النجوم، وكانوا يعبدون أوثاناً عملوها على أسماء الكواكب السبعة، وجعلوا لكل واحد منها هيكلاً فيه صنمه، ويتقربون إليها بضروب من الأفعال على حسب اعتقاداتهم من موافقة ذلك للكوكب الذي يطلبون منه بزعمهم فعل خير أو شر؛ فمن أراد شيئاً من الخير والصلاح يتقرب إليه بما يوافق المشتري من الدخن والرقى والعقد والنفث عليها، ومن طلب شيئاً من الشر والحرب والموت والبوار لغيره؛ تقرب بزعمه إلى زحل بما يوافقه من ذلك، ومن أراد البرق والحرق والطاعون؛ تقرب بزعمه إلى المريخ بما يوافقه من ذلك من ذبح بعض الحيوانات. وجميع تلك الرقى بالنبطية تشتمل على تعظيم تلك الكواكب إلى ما يريدون من خير أو شر ومحبة وبغض، فيعطيهم ما شاؤوا من ذلك، فيزعمون أنهم عند ذلك يفعلون ما شاؤوا في غيرهم، من غير مماسة ولا ملامسة، سوى ما قدموه من القربات للكوكب الذي طلبوا ذلك منه؛ فمن العامة من يزعم أنه يقلب الإِنسان حماراً أو كلباً، ثم إذا شاء أعاده، ويركب البيضة والمكنسة والخابية ويطير في الهواء فيمضي من العراق إلى الهند وإلى ما شاء من البلدان ثم يرجع من ليلته، وكانت عوامهم تعتقد ذلك؛ لأنهم كانوا يعبدون الكواكب، وكل ما دعا إلى تعظيمها اعتقدوه " (١/ ٤٤). وقال رشيد رضا في " تفسير المنار ": " اتخذوا الكواكب أرباباً لما لها من التأثير السببي أو الوهمي في الأرض، وتوسعوا في إسناد التأثير إليها، حتى

стр. 114

اخترعوا من ذلك ما لا شبهة له، فكانوا يعتقدون أن الشمس رب النار ونير الأرض، والسماء يدبر الملوك ويفيض عليهم روح الشجاعة والإِقدام، وينصر جندهم، ويخذل عدوهم، ويمزقه كل ممزق، ويعتقدون نحو ذلك في زحل، واسمه (بيني)، ويعتقدون أن مرداخ (وهو المشتري) شيخ الأرباب ورب العدل والأحكام، حافظ الأبواب التي يدخلها الخصوم لفصل الخصومات، وأن رنكال (وهو المريخ) كمي الأرباب ورب الصيد وسلطان الحرب، فهو يشترك مع زحل في تدبيره؛ إلا أن هذا هو المقدم في الصيد، وذلك المقدم في الحرب، وأن عشتار (أو: نانا، وهي الزهرة) ربة الغبطة والسعادة، ومفيضة السرور على الناس، وتمثل في الآثار بامرأة عارية، وأن نبو (وهو عطارد) رب العلم والحكمة " (٧/ ٥٧٠). • عقائد الكلدان: وقسم ابن حجر الهيتمي في " الزواجر " وأبو السعود في " تفسيره " الكلدانيين باعتبار عقائدهم إلى صابئة دهرية وإلى وثنية مشركة، ثم الوثنيون على طبقتين، فكانوا ثلاث فرق: الأولى: تقول بقدم الكواكب والأفلاك، وأنها المدبرة لعالم الكون والفساد، وغنية عن الخالق المدبر. والثانية: تقول بألوهيتها وتأثيرها في الحوادث بأنفسها. والثالثة: تقول بحدوثها، وأن لها فاعلًا مختاراً، ولكن منحها النفوذ في العالم، وفوض تدبيره إليها. • موازنة بين شرك الكلدان وقوم نوح: تطور الشرك عند الكلدانيين؛ فبعد أن كان بسيطاً مستمدّاً من حسن الظن

стр. 115

ببعض العباد والمبالغة في تعظيمهم من غير وقوف عند حد مشروع؛ أصبح نظريّاً مستمدّاً من خطا العقل وخيال الفلسفة الشعرية؛ فإذا كان شرك قوم نوح يرجع إلى مظاهر الصلاح في الناس؛ فإن شرك قوم إبراهيم ناشئ عن أسرار الطبيعة ودقائق الفلك؛ فشرك الأولين من شرك التقريب والشفاعة، وشرك هؤلاء من شرك الأسباب والإِعانة، ولكن فيه روحاً من شرك التقريب أيضاً؛ لأن فيهم من يعبدون الأصنام التي تمثل لهم الكواكب باعتبارها واسطة بينهم وبين الله، وهؤلاء يستعظمون التوجه لله من غير واسطة. قال ابن النديم في " الفهرست ": " ويقول بعضهم: إنه إذا قرب باسم الباري كانت دلالة القربان رديئة؛ لأنه عندهم تعدٍّ إلى أمر عظيم، وترك ما هو دونه لما جعله متوسطاً في التدبير " [ص:٤٤٣﴾. • دعوة إبراهيم للكلدان وما لقي منهم: هؤلاء الكلدانيون هم الذين بعث الله إليهم خليله إبراهيم ﵇، وحاجَّهم، فلم يدافعوه بغير التقليد لآبائهم، ونبههم إلى صفات المعبود بسؤالهم عن قدرة أصنامهم على النفع والضر وسماع من يستغيثها وتكليمهم، فاعترفوا بعجزها، ولكن حملتهم الحميَّة على الانتقام لها؛ كما تساءل عن أكل تلك الأصنام لما يقدم لها؛ تنبيهاً على خطل رأي فاعليه. ففي الصافات: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ * فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩١ - ٩٦]، ومعنى (راغ): مال، و (يزفون): يسرعون. والمعنى: أن إبراهيم كسر الأصنام بعد سؤاله لها سؤال استخفاف، فأسرع إليه عبدتها منكرين، فوبخهم على عبادتهم لما صنعوه بأيديهم.

стр. 116

وفي الشعراء: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٦٩ - ٧٤]. وفي سورة الأنبياء: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٢ - ٦٨]. • ثبات إبراهيم وإصرار قومه: أصر الكلدانيون على وثنتيهم مع قيام الحجة عليهم، ولجؤوا بعد هذا العناد إلى القوة شأن أهل البغي والاستبداد، ولم يقطع إبراهيم أمام تصلبهم دعوته، ولا خفف لتوعدهم إياه لهجته، بل استمر يقرع بآيات التوحيد آذانهم، حتى غصوا به على انفراده واجتماعهم، وكون السلطان سلطانهم، وإذ لم ينتفعوا برجاحة حجته وصراحة كلمته- فما أضيع البرهان عند المقلد-، وإذا هو لم يخضع لطغيانهم ولم يبال بتهديدهم، فإن سلطان الله فوق سلطانهم، ووعده أصدق من وعيدهم؛ فقد جعله في سلام من الحريق الأليم، وبشره بغلام حليم، وتلك عاقبة المصلحين التي وعدهم بها رب العالمين إذ قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. • • • • •

стр. 117

٩ - الشرك في العرب • وجه الاقتصار على بيان شرك بعض الأمم: قدمنا الخبر عن شرك قوم نوح لما كانوا أئمة المشركين وقدوتهم الأولين، وأعقبناه بشرك قوم إبراهيم؛ إذ كانت وثنيتهم مركبة من وثنية قوم نوح، والضلال في درس الطبيعة، واقتفاء خيال الشعر دون الاكتفاء بحقائق العلم، وقفينا على ذلك بشرك العرب؛ لأنه متصل بالفريقين بأوثق سبب، وختمنا به هذا الحديث، لانتهائه ببعثة خاتم النبيين، الذي بشريعته ندين، ومنها تعرفنا أخبار المشركين. • علاقة العرب بإبراهيم وقومه وقوم نوح: شرك العرب متحد النوع بشرك قوم نوح، حتى إن أوثان أولئك وقعت إلى هؤلاء، وسبب ابتداع الشركين واحد عند الفريقين، وللعرب اتصال بالكلدانيين، فإن الجميع أبناء سام، ولغاتهم متحدة الأصل، ولهم علاقة خاصة بإبراهيم؛ فهو جد العدنانيين، ومن بني عمومة القحطانيين، ثم هو الذي رفع قواعد البيت معقد عزهم ومنتهى فخرهم (*)، وترك بينهم ابنه إسماعيل ظهيره في مأثرة بناء الكعبة، ينشر فيهم الحنيفية، وينثر عليهم مما في صحف إبراهيم

стр. 118

الذي وفى (*)، وكانوا يعرفون تلك الرابطة النسبية، ويعترفون له بتلك المأثرة التاريخية، ويزعمون أنهم حنفاء على ملته، فلم ينكر القرآن عليهم إلا زعمهم هذا، إذ جاء فيه: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧]. • العناية بتوضيح الشرك: والذي دعانا إلى بيان الشرك في هذه الطبقات الثلاث هو الرغبة في شرح حاله، وتوضيحه فصل توضيح، وخصصنا هذه الأمم بالذكر لما بينها من الروابط والأشباه، واقتصرنا عليهم لشهرتهم في وصف الشرك، ولم نتوسع بالتعرض لغيرهم؛ لأنا لم نقصد إلى تاريخ الأديان في مختلف الأزمان والأوطان، ولا إلى تقصي ما ذكر منها في القرآن. • ابتداع الوثنية في العرب: وسبب مفارقة العرب للحنيفية وتسرب الوثنية إليهم ما جاء في " الصحيحين " عن أبي هريرة ﵁؛ أنه ﷺ قال: «رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ بْنَ لُحَيٍّ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ» (٣٩). هذا

стр. 119

لفظ البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، زاد مسلم في روايته: " وبحر البحيرة، وغير دين إسماعيل ". و (لحي)؛ بضم ففتح، و (القصب)؛ بضم فسكون، يجمع على أقصاب، وهي الأمعاء، وفي كتب الإِخباريين وأصحاب السير تفصيل عن نشؤ الشرك في العرب، وسبب وثنية عمرو بن لحي تجده في " سيرة ابن هشام "، وفي " أخبار مكة " للأزرقي، ونسوقه هنا من لفظ ابن الكلبي: قال في فاتحة كتابه " الأصنام ": " حدثني أبي وغيره- وقد أثبت حديثهم جميعاً- أن إسماعيل بن إبراهيم ﵉ لما سكن مكة، وولد له بها أولاد كثير، حتى ملؤوا مكة، ونفوا من كان بها من العماليق؛ ضاقت عليهم مكة، ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضاً، فتفسحوا في البلاد والتماس (*) المعاش. وكان الذي سلخ بهم إلى عبادة الأوثان والحجارة أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجراً من حجارة الحرم؛ تعظيماً للحرم، وصبابة بمكة، فحيثما حلوا؛ وضعوه، وطافوا به كطوافهم بالكعبة؛ تيمناً منهم بها، وصبابة بالحرم، وحبّاً له، وهم بعد يعظمون الكعبة ومكة، ويحجون، ويعتمرون، على إرث إبراهيم وإسماعيل ﵉. ثم سلخ بهم ذلك إلى أن عبدوا ما استحبوا، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره؛ فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت

стр. 120

عليه الأمم من قبلهم، وانتجثوا (استخرجوا) ما كان يعبد قوم نوح ﵇ منها على إرث ما بقي فيهم من ذكرها. وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل يتنسكون بها من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة والوقوف على عرفة ومزدلفة وإهداء البدن والإِهلال بالحج والعمرة، مع إدخالهم فيه ما ليس منه: فكانت نزار تقول إذا ما أهلت: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريك لك، تمكله وما ملك؛ فيوحدونه بالتلبية، ويدخلون معه آلهتهم، ويجعلون ملكها بيده، يقول الله لنبيه ﷺ : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾؛ أي: ما يوحدونني بمعرفة حقي؛ إلا جعلوا معي شريكاً من خلقي. وكانت تلبية عك إذا خرجوا حجاجاً؛ قدموا أمامهم غلامين أسودين من غلمانهم، فكانا أمام ركبهم، فيقولان: نحن غرابا عك. فتقول عك في بعدهما: عك إليك عانيه، عبادك اليمانيه، كيما نحج الثانيه. وكانت ربيعة إذا حجت فقضت المناسك ووقفت في المواقف، نفرت في النفر الأول، ولم تقم إلى آخر التشريق. فكان أول من غير دين إسماعيل ﵇؛ فنصب الأوثان، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وبحر البحيرة، وحمى الحامية: عمرو بن ربيعة، وهو لحي بن حارثة بن عمرو بن عامر الأزدي، وهو أبو خزاعة، وكانت أم عمرو بن لحي فهيرة بنت عمرو بن الحارث، ويقال: قمعة بنت مضاض الجرهمي (قمعة بفتحتين وبكسر فتشديد)، وكان الحارث هو الذي يلي أمر الكعبة، فلما بلغ عمرو بن لحي، نازعه في الولاية، وقاتل جرهماً ببني إسماعيل، فظفر بهم، وأجلاهم عن الكعبة، ونفاهم من بلاد مكة، وتولى حجابة البيت بعدهم.

стр. 121

ثم إنه مرض مرضاً شديداً، فقيل له: إن بالبلقاء من الشام حمة إن أتيتها برئت. فأتاها، فاستحم بها، فبرأ، ووجد أهلها يعبدون الأصنام، فقال: ما هذه؛ فقالوا: نستسقي بها المطر، ونستنصر بها على العدو. فسألهم أن يعطوه منها، ففعلوا، فقدم بها مكة، ونصبها حول الكعبة ". ثم ذكر إسافاً ونائلة، والأصنام الخمسة التي كانت لقوم نوح، ثم قال: " فلما صنع هذا عمرو بن لحي، دانت العرب للأصنام وعبدوها واتخذوها ". ومصير أصنام قوم نوح إلى العرب تقدم عن ابن عباس في الفصل السابع، ولم نر في وجه ظهور تلك الأصنام في العرب رواية تطمئن لها النفس؛ إلا ما نقله الحافظ في " الفتح " عن السهيلي؛ أنه قال في كتابه " التعريف ": " إن يغوث هو ابن شيث ابن آدم فيما قيل، وكذلك سواع وما بعده، وكانوا يتبركون بدعائهم، فلمّا مات منهم أحد، مثلوا صورته، وتمسحوا بها، إلى زمن مهلاييل، فعبدوها بتدريج الشيطان لهم، ثم صارت سنة في العرب في الجاهلية، ولا أدري من أين سرت لهم تلك الأسماء؛ أمن (*) قبل الهند؛ فقد قيل: إنهم كانوا المبدأ في عبادة الأصنام بعد نوح، أم الشيطان ألهم العرب ذلك؟ " (٨/ ٥٤٢). • الجمع بين الأخبار في ابتداع وثنية العرب: وكلام ابن الكلبي أولاً يعطي أن منشأ وثنية العرب تبرك المغلوبين من بني إسماعيل على الحرم بحجارته، وذلك قبل رئاسة عمرو بن لحي التي انتزعها من جرهم أخوال بني إسماعيل، وكلامه أخيراً صريح في أن عمرو بن لحي هو الذي أحدث هذه الوثنية، فاقتدى به العرب، والأول بالبساطة أنسب، وإلى بداوة العرب أقرب، وبسنة النشوء والارتقاء أشبه، والثاني هو صريح خبر المعصوم، الذي هو حق لا ريب فيه، ولكنا نرى الجمع بين الأمرين ميسوراً،

стр. 122

فلا ضرورة بنا إلى الترجيح. ذلك أن عصر المنازعات بين بني إسماعيل الذي حدث فيه التبرك بحجارة الحرم قبل أيام عمرو بن لحي إنما وقع فيه ذلك التبرك من النازحين عن الحرم، المتقلبين في البوادي، فكان ذلك التبرك ذريعة إلى الوثنية في بعض بني إسماعيل ومن رأى رأيهم من القبائل البادية النائية عن الحرم. أما وثنية عمرو بن لحي التي نقلها من الشام؛ فأظهرها بالحرم نفسه، وفرقها في الحجاج، فلم تكن قبله أصنام بالحرم حينما كان بنو إسماعيل ينقلون حجارته للطواف بها، ولو كانت به يومئذ أصنام؛ لقدموا نقلها على نقل مطلق الحجارة، وتقدم هذا الطواف بالحجارة خارج الحرم هو الذي سهل على عمرو ابن لحي إعلان الوثنية داخله وخارجه؛ إذ لو لم يأنس الناس قبله بمبادئ الوثنية؛ ما قبلوها منه لمّا دعاهم إليها؛ فبنو إسماعيل أول من ابتدع في العرب مبادئ الوثنية، ولكن على وجه ضعيف غير مشتهر ولا منتشر، وعمرو بن لحي أول من ابتدع فيهم صريح الوثنية على وجه قوي. وبصفة عامة هذا وجه الجمع عندي بين حديث المعصوم وخبر النقلة، وإطلاق القول بأن عمرو بن لحي أول من غير دين إسماعيل صحيح؛ نظراً لكونه الرئيس المطاع بالحرم، والحرم معقل الدين، وبأهله يقتدي سواهم؛ فظهور الوثنية منه هو الذي سهل تعميمها في سائر الأحياء والقبائل، وضمن لها الحياة والرسوخ؛ كما أن إسلام الحرم بعد فتح مكة هو الذي عمم هذا الدين بين العرب، وسهل عليهم مفارقة ما ألفوه في جاهليتهم؛ فلولا ابتداع عمرو بن لحي؛ لبقي الحرم سالماً من الوثنية، فلم يكن لظهور مباديها ببعض البوادي شأن، ولم ترسخ عروقها في الجهات التي ظهرت بها، ولم تقو على الانتشار منها إلى جهات أخر، ولم تتعاص على أي محارب لها؛ فكان المسؤول عن هذه الوثنية هم أهل الحرم، والمسؤول عنهم هو رئيسهم عمرو بن لحي؛ فكان هو

стр. 123

أول من غير الحنيفية بإطلاق. • عقيدة العرب: ومشركو العرب كأغلب من قبلهم لم يكونوا يعتقدون في شركائهم أنهم يماثلون الله في صفاته أو يشاركونه في إيجاد مخلوقاته، وإنما كان شركهم شرك تقريب وتقليد؛ فقد أخبر عنهم القرآن أنهم يفردون الله بالقدرة على الخلق والإِيجاد، وبالملك للعالم علويه وسفليه، ونطقت أشعارهم بإحاطة علم الله بكل شيء، وحسابه الخلائق في الدار الأخرى، وما دلت عليه الآيات من إنكارهم للبعث لا يوجب أن يكون ذلك عقيدة لهم عامة؛ فقد يكون عقيدة لبعضهم، وقد يكون علالة للنفس وإجابة لهواها في الفرار من ضبط الإِسلام لأعمالها وفطمه لها عن كثير من شهواتها، ولم تزد عقيدتهم في أوليائهم وشركائهم عن تعليقهم الآمال عليهم في تحقيق مآربهم من الله، لما لهم عنده - في زعمهم- من المنزلة والجاه؛ كما ينظر الناس إلى من يتصلون به من حاشية أمير أو ملك في إسماعه مطالبهم. • عقيدتهم في أوليائهم: فأما عقيدتهم في أوليائهم الذين يسميهم القرآن بهذا الاسم، وبالشركاء وبالشفعاء وبالآلهة، فقد أعربت عنها آيتا يونس والزمر، وهما: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. • عقيدتهم في الله وصفاته: وأما عقيدتهم في ملك الله وقدرته، فقد أفصحت عنها آيات: منها في سورة المؤمنون: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ *

стр. 124

سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]. ومنها في الزمر: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨]. ومنها في الزخرف: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]. وأما عقيدتهم في علم الله والبعث؛ فقال زهير في معلقته: فَلَا تَكْتُمُنَّ اللَّهَ مَا فِي نُفُوسِكُمْ ... لِيَخْفَى وَمَهْمَا يُكْتَمِ اللَّهُ يَعْلَمِ يُؤَخَّرْ فَيُوضَعْ فِي كِتَابٍ فَيُدَّخَرْ ... لِيَوْمِ الْحِسَابِ أَوْ يُعَجَّلْ فَيَنْقُمِ و (الله) في الموضعين من البيت الأول منصوب، و (يكتم) وما بعده من الأفعال مبنية للنائب ما عدا (يعلم) و (ينقم) آخر البيتين، وتقدمت صيغة تلبيتهم المحددة لوثنيتهم. • الحاجة إلى رسالة عامة: ولم تزل وثنية العرب من زمن عمرو بن لحي تطغى وتشتد وتنتشر وتمتد وتمتص على رقتها أزهار الفضائل، وتقتص على ضعفها آثار الرذائل، حتى عم الفساد كل حي وناد، وقلبت الطباع جل ما للحياة من سنن وأوضاع، فكان احتياج تام إلى إصلاح عام، يشمل الفرد والمجتمع، وينزع بهما أكمل منزع، يرجع للعقول رشدها، وللقلوب طهرها، وللنفوس تقاها، ولا يقوى ذلك

стр. 125

الإِصلاح على التغلب في ميدان الكفاح؛ إلا أن يصدر عن نفس تثبت للعوادي التي تتزلزل لها الرواسي، وتدفع عنها عدوى الأدناس ولو اختلطت بكل الناس، ثم يقوم على أصول مجلوة كتلك النفس ثباتاً وقوة، لا تبلي الأيام جدتها، ولا تنهي الطبيعة مدتها، بل تصبو إليها العقول في رقيها، ولا تنبو هي عن الأذهان في هويها. • رسالة خاتم النبيين: ولقد منَّ الرب الرحيم القادر الحليم بتلك النفس، فكانت نفس محمد الفذة في الطهارة والقدس، وبتلك الأصول المجلوة، فكانت آيات الكتاب المتلوة، هنالك نهض الإِصلاح نهضته، وأبلغ العالم دعوته؛ فسمع الأصم نبراته، وأبصر الأعمى آياته. ولم تزل سيرة ذلك الرسول هي السيرة الراقية، ولم تزل حجة ذلك الكتاب هي الحجة الباقية، ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢]. • • • • •

стр. 126

١٠ - العبادة والنسك • المبالغة في التعظيم: الذي أوقع الجهال في الشرك والضلال هو المبالغة في تعظيم بعض المخلوقات، حتى ألحقوه بالتعظيم الخاص برب الأرض والسماوات، ومن هنا نشأت عبادة غير الله، التي استحق أصحابها وصف الشرك، واستوجبوا بها سخط مالك الملك، فدعت الحاجة إلى بيان معنى العبادة؛ ليفرق بين ما هو منها شرعي وما هو منها شركي. • العبادة في اللغة: في " المصباح ": " عبدت الله أعبده عبادة، وهي: الانقياد والخضوع، والفاعل عابد، والجمع عباد وعبدة؛ مثل كافر وكفار وكفرة، ثم استعمل فيمن اتخذ إلهاً غير الله، وتقرب إليه، فقيل: عابد الوثن والشمس وغير ذلك ". وفي " الصحاح ": " تقول: عبد بين العبودة والعبودية، وأصل العبودية الخضوع والذل، والتعبيد التذليل؛ يقال: طريق معبد، والبعير المعبد المهنوء بالقطران المذلل ... والعبادة الطاعة، والتعبد التنسك ". وفي " مفردات الراغب ": " العبودية إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها،

стр. 127

لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإِفضال، وهو الله تعالى، ولهذا قال: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ... ﴾ [الإِسراء: ٢٣]، ويقال: طريق معبد، أي: مذلل بالوطء، وبعير معبد: مذلل بالقطران، وعبدت فلاناً: إذا ذللته وإذا اتخذته عبداً، قال تعالى: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢]. • الفرق بين العبادة والطاعة: وفي " فروق العسكري ": " الفرق بين العبادة والطاعة أن العبادة غاية الخضوع، ولا تستحق إلا بغاية الإِنعام، ولهذا لا يجوز أن يعبد غير الله تعالى، ولا تكون العبادة إلا مع المعرفة بالمعبود، والطاعة الفعل الواقع على حسب ما أراده المريد متى كان المريد أعلى رتبة ممَّن يفعل ذلك، وتكون للخالق والمخلوق، والعبادة لا تكون إلا للخالق، والطاعة في مجاز اللغة تكون اتباع المدعو الداعي إلى ما دعاه إليه، وإن لم يقصد التبع؛ كالإِنسان، يكون مطيعاً للشيطان وإن لم يقصد أن يطيعه، ولكنه اتبع دعاءه وإرادته " [ص:١٨٢]. ومجاز الطاعة الذي ذكره العسكري لا يختص بها، بل تستعمل فيه العبادة أيضاً، ففي الكتاب العزيز: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٥]، ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٤]. وقال الأعشى: وَلَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ وَاللهَ فَاعْبُدَا • تحرير القول في العبادة لغة وشرعاً: ودل كلام هؤلاء الأئمة أولًا أن العبادة كيفما عبر عنها وكيفما تصرفت في الاستعمال تحمل معنى الذل والسهولة، فالعبد المملوك ذليل بالرق، والطريق

стр. 128

المعبد سهل على المارة، وتفسير العبادة بالانقياد والخضوع لأنهما لازمان للذل والسهولة، وتفسيرها بالطاعة توسع. والعبارة المُعْرِبة عن العبادة هي ما يعبر عنه الجمع بين كلام " المصباح " أوله وآخره، وهو الانقياد والخضوع على وجه التقرب، وثانياً: أن سببها الذي تستحق به هو الإِنعام والإِفضال، وثالثاً: أن شرطها معرفة المعبود، ورابعاً: أن مستحقها هو الله وحده. والتعريف الذي استخلصناه من " المصباح " يتضمن ذلك كله؛ فإن الانقياد والخضوع إلى أحد يبعث عليهما الرغبة فيما يملك من نعمة، والتقرب إليه يستدعي معرفته، ثم من اعتقد انفراد الله بالنعم؛ تقرب إليه وحده بالعبادة، ومن جهل فظن غير الله منعماً بشيء، اعتقد استحقاقه أيضاً للعبادة، فوقع في الشرك، فكان هذا التعريف أصدق عبارة عن معنى العبادة. وترى الشيخ محمد عبده في " تفسير المنار " يتبرم من قصور عبارة المتقدمين عن تحديد معنى العبادة، ويطيل القول في تقرير ذلك القصور، ثم يجهد نفسه في استخراج معناها من تتبع آي القرآن وأساليب اللغة واستعمال العرب، فإذا هو لا يخرج عند التأمل عن التعريف الذي ذكرنا، ولكن ننقل من كلامه ما يصلح إيضاحاً وافياً لتعريفنا، ونرضى عن طوله لبلاغته وعظم فائدته. قال ﵀: " تدل الأساليب الصحيحة والاستعمال العربي الصراح على أن العبادة ضرب من الخضوع بالغ حد النهاية، ناشئ عن استشعار القلب عظمة للمعبود لا يعرف منشأها، واعتقاده بسلطة له لا يدرك كنهها وماهيتها، وقصارى ما يعرفه منها أنها محيطة به، ولكنها فوق إدراكه؛ فمن ينتهي إلى أقصى الذل لملك من الملوك لا يقال: إنه عبده، وإن قبل موطئ أقدامه، ما دام سبب الذل والخضوع معروفاً، وهو الخوف من ظلمه المعهود، أو الرجاء

стр. 129

بكرمه المحدود، اللهم إلا بالنسبة للذين يعتقدون أن الملك قوة غيبية سماوية أفيضت على الملوك من الملأ الأعلى، واختارتهم للاستعلاء على سائر أهل الدنيا، لأنهم أطيب الناس عنصراً، وأكرمهم جوهراً، وهؤلاء هم الذين انتهى بهم هذا الاعتقاد إلى الكفر والإِلحاد، فاتخذوا الملوك آلهة وأرباباً، وعبدوهم عبادة حقيقية " (١/ ٥٧). • النسك: وتقدم عن الجوهري قوله: " والتعبد التنسك "، فلنشرح هذه المادة أيضاً تمكيناً لمعنى العبادة في الذهن: تقول: نسك ينسك فهو ناسك وهم نساك؛ كعبد يعبد فهو عابد وهم عباد، وزناً ومعنى، والنّسُك- بضمتين- يكون مصدراً بمعنى التعبد والتطوع بالقربة، واسماً للقربة المتطوع بها، وجمع نسيكة، والمَنْسِك- بفتح السين وكسرها- يرد مصدراً وزماناً ومكاناً لذبح النسيكة؛ قال تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: ١٢٨]؛ يريد متعبَّداتنا، وغلبت المناسك في طاعات الحج؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وغلب النسك على الذبيحة يجبر بها نقص في الحج، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والنسيكة كذبيحة وزناً ومعنى، وتكون بمعنى السبيكة من الفضة. قال في " القاموس ": " وكأميرٍ الذهبُ والفضةُ، وكسفينةٍ القطعةُ الغليظةُ منه ". وقوله: " منه ": صوابه: منها؛ أي: الفضة؛ كما نبه عليه ناقدوه. وفي " الصحاح ": " نسكت الشيء: غسلته بالماء وطهرته؛ فهو منسوك،

стр. 130

سمعته من بعض أهل العلم، وأنشد: وَلَا تُنْبِتُ الْمَرْعَى سِبَاخُ عُرَاعِرٍ ... وَلَوْ نُسِكَتْ بِالْمَاءِ سِتَّةَ أَشْهُرِ ونبه القرطبي في " تفسيره " على ما بين العبادة والغسل والسبك من التناسب، فقال في المناسبة بين الأولين: " كأن العابد غسل نفسه من أدران الذنوب بالعبادة "، وقال في مناسبة العبادة للسبك: " كأن العابد خلص نفسه من دنس الآثام وسبكها " (٢/ ٣٨٦). • التأله: ويقال بمعنى التعبد والتَّنسُّك التَّألُّه أيضاً، تقول: أله فلان- كفرح- إلاهة: إذا عبد عبادة، وهو يتأله: يتعبد ويتنسك. قال في " الصحاح ": " والآلهة الأصنام، سموها بذلك لاعتقادهم أن العبادة تحق لها، وأسماؤهم تتبع اعتقاداتهم، لا ما عليه الشيء في نفسه ". قلت: يا حبذا لو أن عامتنا اليوم تسمي الأشياء تسمية تصور بها عقيدتها فيها، إذن، لاسترحنا من عناء هذه الأبحاث، واستراحوا من كلفة التأويل، ولم يبق إلا تعريفهم بحكم الدين: فإما إيمان وتسليم، وإما كفر وتصميم. • معنى الإِله: وإذا كانت العبادة هي الانقياد والخضوع على وجه التقرب؛ فإن الإِله هو المعبود تلك العبادة، فمن قصرها على الله، فقد وحّده وعبد عبادة شرعية، ومن وجد هذا المعنى في نفسه لغير الله؛ فقد اتخذ ذلك الغير إلهاً، وكانت عبادته شركية، سواء سماه إلهاً أم لم يسمه إلهاً، وسواء عبر عن المعنى الذي في نفسه بالعبادة أم عبر عنه بعبارة أخرى، فإن تسمية الشيء بغير اسمه لا يبطل حقيقته،

стр. 131

ولا يغير حكمه، وهل ينتفي الإِسكار أو الحرمة عن الخمر إذا سميتها ماء مطلقاً؟! • صور العبادة عند العرب: وإذا تصورنا معنى العبادة، فلنتعرف بعض صورها المعهودة عند العرب ... ذلك أن عبادتهم لأصنامهم كانت بالمبالغة في تعظيمها، والبناء عليها، والطواف حولها، والتمسح بها، واتخاذ ما يذكر بها في منازلهم؛ فلا يسافر مسافرهم حتى يكون آخر ما يصنع في منزله التمسح بصنمه، ولا يقدم قادمهم حتى يكون أول ما يصنع إذا دخل بيته التمسح به أيضاً. ومن صور عبادتهم لها زيارتها، والنذر لها، وجعل نصيب لها في حروثهم وأنعامهم، والذبح عندها، ثم قسم ما ذبح على الحاضرين، واستشارتها فيما ينوون إحداثه، ويعتقدون أنهم يكلمون منها، ووضع الأقداح عندها للاستقسام بها، وذلك من استشارتها؛ فإذا عزموا على عمل أو سفر، أو وقعت بينهم خصومة، كانت الحكومة للأصنام بواسطة الأقداح، فإذا استقسموا بها؛ عملوا على ما خرج منها، وانتهوا إليه. ومن ضروب عبادتهم لها الحلف بها: قال أوس بن حجر: وَبِاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَمَنْ دَانَ دِينَهَا ... وَبِاللَّهِ إِنَّ اللَّهَ مِنْهُنَّ أَكْبَرُ وقد حكى الله عنهم نذرهم في حروثهم وأنعامهم، فقال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا

стр. 132

يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦]. قال البغوي: " كان المشركون يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيباً، وللأوثان نصيباً؛ فما جعلوه لله، صرفوه إلى الضيفان والمساكين، وما جعلوه للأصنام، أنفقوه على الأصنام وخدمها؛ فإن سقط شيء مما جعلوه لله في نصيب الأوثان، تركوه، وقالوا: إن الله غني عن هذا، وإن سقط شيء من نصيب الأصنام فيما جعلوه لله؛ ردوه إلى الأوثان، وقالوا: إنها محتاجة، وكان إذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوه لله، لم يبالوا به، وإذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوا للأصنام، جبروه بما جعلوا لله ". • الفرع: ومن نسائكهم التي كانوا ينسكونها الفرع و العتيرة: أما الفرع، فهو بفتحتين، والفرعة مثله، وهو أول نتاج من الإِبل والغنم؛ يقال: أفرع القوم: إذا ذبحوا الفرع، يتقربون بهذا الفرع لآلهتهم، يطلبون البركة [به] في مواشيهم؛ كما نقله الحافظ في " الفتح " عن الشافعي (٩/ ٤٩١)، ويرون في جلده من البركة نحو ما يراه عوامنا اليوم في جلد الأضحية، كما يؤخذ من أشعارهم. • العتيرة: وأما العتيرة، ففعيلة من العتر، تقول: عتر يعتر عتراً؛ وزان ضرب يضرب ضرباً: إذا ذبح العتيرة، وتسمى الرجبية أيضاً، لذبحها في رجب؛ يقولون: هذه أيام ترجيب وتعتار، وهي العشر الأول من رجب كما في " الفتح "، ينذر أحدهم لصنمه هذه العتيرة، فيقول: إن بلغ الله غنمي مئة؛ ذبحت منها واحدة- كما في " الزوزني على المعلقات " -، وإن رزقني الله مئة شاة، ذبحت عن كل عشر

стр. 133

شاة في رجب- كما في " شرح المعلقات " للتبريزي-، وربما ضن الناذر بالشاة المنذورة، فيصطاد مكانها ظبياً. قال الحارث بن حلزة في " معلقته ": عَنَنًا بَاطِلًا وَظُلْمًا كَمَا تَعْـ ... ـتَرُّ عَنْ حُجْرَةِ الرَّبِيضِ الظِّبَاءُ و (العنن)؛ بنونين: الاعتراض من عن يعن، و (الحجرة): الناحية، وهي هنا موضع الغنم، و (الربيض): جماعة الغنم ومكانها، يقال فيه: ربض، والمعنى: إنكم تطالبوننا بذنوب غيرنا كما ذبح أولئك الظباء عن الشياه. وكان من أصنامهم نهم- بضم فسكون- يسدنه رجل يسمى خزاعي بن عبد نهم من مزينة، فلما سمع بالنبي ﷺ ، ثار إلى الصنم، فكسره، وأنشأ يقول: ذَهَبْتُ إِلَى نُهْمٍ لِأَذْبَحَ عِنْدَهُ ... عَتِيرَةَ نُسْكٍ كَالَّذِي كُنْتُ أَفْعَلُ فَقُلْتُ لِنَفْسِي حِينَ رَاجَعْتُ عَقْلَهَا ... أَهَذَا إِلَهٌ أَبْكَمٌ لَيْسَ يَعْقِلُ أَبَيْتُ فَدِينِي الْيَوْمَ دِينُ مُحَمَّدٍ ... إِلَهُ السَّمَاءِ الْماجِدُ الْمُتَفَضِّلُ وقال أحد الكلبيين وقد مر بصنم يدعى سعيراً بالتصغير: نَفَرَتْ قَلُوصِي مِنْ عَتَائِرَ صُرِّعَتْ ... حَوْلَ السُّعَيْرِ تَزُورُهُ ابْنَا يَقْدُمِ وجُمُوعُ يُذْكَرُ مُهْطِعِينَ جَنَابَهُ ... مَا إِنْ يَحِيرُ إِلَيْهِمُ بِتَكَلُّمِ هذه ضروب من عبادة العرب لأصنامهم؛ تجد شواهدها وتفاصيلها في " كتاب الأصنام " لابن الكلبي، و " سيرة ابن هشام "، و " أخبار مكة " للأزرقي، وقد أفاض ابن النديم في " الفهرست " القول في عبادة الكلدانيين، فاستغرقت أكثر من عشر صفحات (٤٤٢ - ٤٥٦).

стр. 134

• الغرض من العبادة: وكان غرض المشركين من هذه العبادة التوقي من المكروه، والترجي للمحبوب؛ باتخاذ الأصنام وسائط بينهم وبين الله؛ لاعتقادهم أنهم أقل من أن يرحمهم الله بدون توسطها، فاشتد لذلك خوفهم من الأصنام، وتعلقت قلوبهم بها في الاستشفاء، والاستسقاء، واستدرار الأموال، واستيهاب الذرية، وتعرف العواقب للإِقدام أو الإِحجام على إنشاء سفر أو عقد نكاح أو غيرهما. ومن العرب من أنكر عبادة الأصنام قبل الإِسلام؛ منهم زيد بن عمرو بن نفيل؛ قال: تَرَكْتُ اللّاتَ وَالْعُزَّى جَمِيعًا ... كَذَلِكَ يَفْعَلُ الْجَلِدُ الصَّبُورُ فَلَا الْعُزَّى أَدِينُ وَلَا ابْنَتَيْهَا ... وَلَا صَنَمَيْ بَنِي غُنْمٍ أَزُورُ وَلَا هُبَلاً أَزُورُ وَكَانَ رَبًّا ... لَنَا فِي الدَّهْرِ إِذْ حُلُمِي صَغِيرُ • تشديد القرآن في نكران عبادة الأوثان: ولكن لم يقتد بهؤلاء العقلاء القليلين غيرهم، فلم يثمر إنكارهم ثمرة في المجتمع، حتى جاء الإِسلام بقوته الروحية ومبادئه الراسية، فأعلن القرآن أن التقرب لغير الله لنيل غرض من أغراض الحياة على غير الوجه المعتاد شرك بالله؛ يبعد من رحمته، ويستنزل شديد نقمته، وكشف عن هذا الضلال بضرب كثير من الأمثال: ففي سورة النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]. وفي الحج: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١].

стр. 135

وفي العنكبوت: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١]،. وفي النحل: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٥ - ٧٦]. وفي الزمر: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩]. • اتخاذ الوسائط: ونفى تعالى اتخاذ الوسائط في قبول التوبة والجزاء على الأعمال، فقال: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢]، ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ١١٢]، ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦]. قال القرطبي في " تفسيره ": " ليس لأحد أن يقبل توبة من أسرف على نفسه، ولا أن يعفو عنه. قال علماؤنا: وقد كفرت اليهود والنصارى بهذا الأصل العظيم في الدين، اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وجعلوا لمن أذنب أن يأتي الحبر أو الراهب فيعطيه شيئاً، ويحط عنه ذنوبه؛ افتراء على الله، قد ضلوا وما كانوا مهتدين " (١/ ٣٢٦).

стр. 136

• الخوف من المخلوق: ونفى الخوف من المخلوق بلا سبب عادي، فقال عن إبراهيم: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨٠ - ١٨١]. وحكى ما دار بين هود وقومه بقوله: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٥]. وخاطب خاتم النبيين بقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٣٦]. وضرب مثلًا لهذا الخوف، فقال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨]. وقد عقد القرافي في " فروقه " الفرق الخامس والستين والمئتين للفرق بين خوف المخلوق المحظور وغير المحظور، وأبدى وجهاً نفيساً للتشبيه في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠]. • نسبة النفع والضر لغير الله: وأنكر نسبة النفع والضر لسوى الله، فقال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧]،

стр. 137

﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر: ٣٨]، ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإِسراء: ٥٦ - ٥٧]. • إفراد الله بالتصرف والغيب: وقال في الاستشفاء عن الخليل: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]. وقال في الاستمطار: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]. وقال في الاستحفاظ من الآفات: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢]. وقال في استمناح الذرية: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠]. وقال في استطلاع الغيب: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. • تحيل الشيطان لإِحياء ما أماته القرآن: وكل أنواع ضلال المشركين قد تعددت فيها آيات القرآن، وتنوعت لها أساليبه، فكشفتها كل الكشف، ووصفت أدواءها غاية الوصف، وأبانت وجه الحق فيها أبلغ إبانة، وأعانت على سلوك الكمال لمن وُفِّق إليه أنفع إعانة، فولى

стр. 138

الشرك إذ ذاك الأدبار، واختفى أيام ظهور القرآن عن الأبصار، فأصبح اسمه من أنصاره بالأمس مهجوراً، ولم يبق في مظاهره بالاحترام مذكوراً. فلما اختفت عنا معاني القرآن؛ خلع عليه الشيطان ما شاء من ألوان، وقدمه لنا بعناوين أخر، غرت من لم يكن تحت راية القرآن والأثر، فقبلوا آثاره دون اسمه، ولم يهتم إبليس للنفار من اسمه بعد حياة رسمه، وتمثل الشرك لهذه الحال بقول من قال: تِلْكَ آثَارُنَا تَدُلُّ عَلَيْنَا ... فَانْظُرُوا بَعْدَنَا إِلَى الْآثَارِ • • • • •

стр. 139

١١ - التبرك وسد الذرائع • انبناء الحياة على الأسباب: إن الباحث في أسرار الحياة وما يحدث في هذا العالم من أحداث يجد لكل شيء سبباً، وينتهي إلى الشعور بقوة غيبية تعلو عن الأسباب وتستغني عنها، ونفتقر نحن إليها في تيسير الأسباب لتسيير الأعمال، ومن أظهر مقومات الإِيمان توحيد تلك القوة الغيبية وتخصيصها بالله. وفي الذكر الحكيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]. • الخوارق والمخاريق: ثم إن من الأعمال ما تكون له أسباب خفية لا يدركها قاصر النظر، فيرى أن أصحابها ارتفعوا عن الحاجة إلى الأسباب العادية، وأصبحوا ذوي مكانة غيبية وأولي منزلة خصوصية، ومن الناس من تظهر على أيديهم وفي أحوالهم آيات يعبر عنها المتكلمون بالمعجزات في حق الأنبياء، وبالكرامات في حق الأولياء، فيكون هؤلاء الأنبياء والأولياء مظهراً من مظاهر قدرة الله تعالى، يدعو المتبصر إلى احترامهم والائتساء بهم.

стр. 140

• الاعتقاد في أصحاب الخوارق والمخاريق: ولضعاف الإِيمان وقليلي المعرفة وبسطاء العقول أمام الفريقين- أهل الآيات الغيبية وأصحاب الأسباب الخفية- موقفان: أحدهما: اعتقاد أن ذواتهم مصدر لتلك الخوارق الحقيقية أو الوهمية؛ فلا يضيفونها إلى الله. وثانيهما: اعتقاد أن لهم نفوذاً في إرادة الله وتحكماً في قدرته يستوجبان التوسط بهم إليه في تحصيل ما قصرت عنه الأسباب. ومن اعتقد أحد هذين الاعتقادين؛ فقد اعتقد عقيدة الكلدان في الكواكب، أو عقيدة العرب في الأصنام، فكان مشركاً صرفاً، وإن أشبه الموحدين في شيء من أقوالهم وأفعالهم الدينية. • التبرك: وهنالك موقف ثالث مع ذينك الفريقين، وهو التبرك بآثارهم وأماكنهم، وما يضاف إليهم في حياتهم من نحو ثيابهم وحيواناتهم، أو ينسب إليهم بعد مماتهم من مثل تماثيلهم وأبنية قبابهم. وليس هذا التبرك نفسه شركاً، ولكنه قد يكون ذريعة إليه، كما وقع لقوم نوح في التبرك بصالحيهم، وللعرب في التبرك بحجارة حرمهم، وتشابه الباعث على الوثنية في أمتين بينهما آلاف السنين، مما يبعث على الحذر من هذا التبرك، ويقوي الظن في اقتضائه للشرك. • معنى التبرك: ونحن نشرح مادة التبرك، ثم نقفي عليه بما جاء فيه إثباتاً ونفياً، ونعقبه بوجه الجمع بين الروايات.

стр. 141

قال في " الصحاح ": " البركة: النماء والزيادة، والتبريك: الدعاء بالبركة، وطعام بريك: كأنه مبارك، ويقال: بارك الله لك وفيك وعليك وباركك، وقال تعالى: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٨]، و ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٤]؛ أي: بارك؛ مثل قاتل وتقاتل، إلا أن (فاعَلَ) يتعدى و (تَفاعَلَ) لا يتعدى، وتبركت به، أي: تيمنت به ". وقال الراغب: " البركة ثبوت الخير الإِلهي في الشيء، قال تعالى: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]، وسمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة، والمبارك ما فيه ذلك الخير ... ولما كان الخير الإِلهي يصدر من حيث لا يحس، وعلى وجه لا يحصى ولا يحصر؛ قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة: هو مبارك، وفيه بركة ". • ما جاء في التبرك: ١ - وفي كتاب الصلاة من " صحيح البخاري " (٤٠) باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي ﷺ ، ثم أسند إلى موسى بن عقبة، أنه قال: " رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق، فيصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي ﷺ يصلي في تلك الأمكنة ". ففي فعل عبد الله بن عمر ﵄ وابنه إثبات للتبرك بآثار النبي ﷺ . ٢ - وفي " موطأ مالك " و " سنن النسائي " عن محمد بن عمران الأنصاري عن أبيه؛ أنه قال: " عدل إليَّ عبد الله بن عمر ﵄ وأنا نازل تحت

стр. 142

سرحة بطريق مكة، فقال: ما أنزلك تحت هذه السرحة؛ فقلت: أردت ظلها. فقال: هل غير ذلك؛ فقلت: لا؛ ما أنزلني إلا ذلك. فقال عبد الله بن عمر: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا كُنْتَ بَيْنَ الأَخْشَبَيْنِ مِنْ مِنًى (وَنَفَخَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ)؛ فَإِنَّ هُنَالِكَ وَادِيًا، يُقَالُ لَهُ: السُّرَرُ، بِهِ شَجَرَةٌ سُرَّ تَحْتَهَا سَبْعُونَ نَبِيًّا» " (٤١). و (السرحة) كتمرة: شجرة طويلة ذات أغصان، و (الأخاشب): جبال مكة ومنى، و (الأخشبان) هنا: ما تحت العقبة بمنى وفوق مسجدها، و (نفخ): أشار، و (السرر) بضم السين وكسرها، و (سر) بالبناء للنائب: يحتمل أن يكون من السرة؛ أي: قطعت سرتهم هنالك، وقال مالك وابن حبيب: هو من السرور؛ أي: بشروا عندها بالنبوة. ودل الحديث على التبرك بمواضع النبيين، كما قاله الزرقاني في " شرحه " (٢/ ٢٨٥). ٣ - وفي " الصحيحين " عن ابن عمر ﵄: " كان النبي ﷺ يزور قباء راكباً وماشياً، فيصلي فيه ركعتين " (٤٢).

стр. 143

وفيه إثبات للتبرك أيضاً. ٤ - وفي " الموطأ " وكتاب الحج من " صحيح البخاري " عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، أنه قال للحجر الأسود: " أما والله؛ إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ استلمك؛ ما استلمتك " (٤٣). هذا لفظ البخاري، وفيه نفي للتبرك. قال الباجي في " المنتقى " ما خلاصته: " بيّن عمر للناس أن تقبيل ذلك الحجر إنما هو اقتداء بالرسول، وليس تعظيماً لذات الحجر أو لمعنى فيه حتى يكون من تعظيم الجاهلية أوثانها؛ لاعتقاد النفع والضر فيها " (٢/ ٢٨٧). ٥ - وفي رسالة " البدع والنهي عنها ": أن مؤلفها- ابن وضاح قال: سمعت عيسى بن يونس مفتي أهل طرسوس يقول: " أمر عمر بن الخطاب بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ ، فقطعها، لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها، فخاف عليهم من الفتنة " (٤٤).

стр. 144

قال عيسى بن يونس: " وهو عندنا من حديث ابن عون عن نافع " [ص:٤٢]. ٦ - وقال الحافظ في " الفتح ": " ثبت عن عمر أنه رأى الناس في سفر يتبادرون إلى مكان، فسأل عن ذلك؛ فقالوا: قد صلى فيه النبي ﷺ . فقال: من عرضت له الصلاة؛ فليصل، وإلا، فليمض، فإنما هلك أهل الكتاب لأنهم تتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعاً " (٤٥) (١/ ٤٥٠). ورواه ابن وضاح في " رسالته " بنحوه، وبين في روايته أن ذهاب الناس إلى مصلاه ﷺ كان للصلاة فيه، ثم نقل عن مالك وغيره من علماء المدينة كراهية إتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي ﷺ ، ما عدا قباء وحده، ونقل عن سفيان الثوري ووكيع وغيرهما ممن يقتدى به عدم تتبع الآثار والصلاة فيها، ثم قال: " فعليكم بالاتباع لأئمة الهدى المعروفين، فقد قال بعض من مضى: كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكراً عند بعض من مضى، ومتحبب إليه بما يبغضه عليه، ومتقرب إليه بما يبعده منه، وكل بدعة عليها زينة وبهجة " [ص:٤٣]. • الجمع بين ما جاء في التبرك: فأنت ترى من هذا إثبات بعض الأخبار للتبرك ونفي بعضها له، حتى إن

стр. 145

عمر وابنه لم يتواردا على التبرك بآثاره ﷺ ، ومنزلتهما عظيمة في العلم والدين ومحبة أكرم المرسلين. ثم التبرك حيث أثبت في روايات الإِثبات؛ فإنما المقصود منه طلب الزيادة في ثواب الطاعة. قال الباجي في " المنتقى " موجهاً إعلامه ﷺ لأمته بقصة وادي السرر: " وإنما أعلم بذلك ﷺ فيما يظهر إلي والله أعلم لفضل الذكر عندها لمن مر بها، ورجاء إجابة الدعاء، وتنزل الرحمة عندها " (٣/ ٨١). والتبرك على هذا الوجه عندي معقول لأن ذكرى الأنبياء والصالحين ورؤية آثارهم مما يزيد الموحدين خشوعاً وتعريفاً بتقصيرهم في طاعة خالقهم، فتخلص بذلك عبوديتهم لله تعالى، وحينئذ تكون الإِثابة على عبادتهم أسمى، وقبول دعائهم أرجى، وطمعهم في تنزل الرحمة أقوى، وروايات نفي التبرك غير معارضة لروايات إثباته بهذا المعنى، لأن النافين إنما يقصدون الاحتياط على عقائد العامة أن تزيغ كما سبق في توجيه مخاطبة عمر للحجر الأسود، وأنه قطع الشجرة خوف الفتنة، وأنه حذرهم أن يهلكوا بتتبع الآثار هلاك أهل الكتاب. • الاحتياط: والاحتياط من الضلال مشروع؛ ففي " الموطأ " و " الصحيحين " عن عائشة ﵂؛ أن النبي ﷺ قال: «أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ». قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلَا تَرُدَّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ؛ لَفَعَلْتُ» (٤٦).
следующие страницы →