← Акыда

Акыда · id 37348

رسالة الشرك ومظاهره

مبارك الميلي

Полный текст (448 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قال في " الصحاح ": " البركة: النماء والزيادة، والتبريك: الدعاء بالبركة، وطعام بريك: كأنه مبارك، ويقال: بارك الله لك وفيك وعليك وباركك، وقال تعالى: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٨]، و ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٤]؛ أي: بارك؛ مثل قاتل وتقاتل، إلا أن (فاعَلَ) يتعدى و (تَفاعَلَ) لا يتعدى، وتبركت به، أي: تيمنت به ". وقال الراغب: " البركة ثبوت الخير الإِلهي في الشيء، قال تعالى: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]، وسمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة، والمبارك ما فيه ذلك الخير ... ولما كان الخير الإِلهي يصدر من حيث لا يحس، وعلى وجه لا يحصى ولا يحصر؛ قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة: هو مبارك، وفيه بركة ". • ما جاء في التبرك: ١ - وفي كتاب الصلاة من " صحيح البخاري " (٤٠) باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي ﷺ ، ثم أسند إلى موسى بن عقبة، أنه قال: " رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق، فيصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي ﷺ يصلي في تلك الأمكنة ". ففي فعل عبد الله بن عمر ﵄ وابنه إثبات للتبرك بآثار النبي ﷺ . ٢ - وفي " موطأ مالك " و " سنن النسائي " عن محمد بن عمران الأنصاري عن أبيه؛ أنه قال: " عدل إليَّ عبد الله بن عمر ﵄ وأنا نازل تحت

стр. 142

سرحة بطريق مكة، فقال: ما أنزلك تحت هذه السرحة؛ فقلت: أردت ظلها. فقال: هل غير ذلك؛ فقلت: لا؛ ما أنزلني إلا ذلك. فقال عبد الله بن عمر: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا كُنْتَ بَيْنَ الأَخْشَبَيْنِ مِنْ مِنًى (وَنَفَخَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ)؛ فَإِنَّ هُنَالِكَ وَادِيًا، يُقَالُ لَهُ: السُّرَرُ، بِهِ شَجَرَةٌ سُرَّ تَحْتَهَا سَبْعُونَ نَبِيًّا» " (٤١). و (السرحة) كتمرة: شجرة طويلة ذات أغصان، و (الأخاشب): جبال مكة ومنى، و (الأخشبان) هنا: ما تحت العقبة بمنى وفوق مسجدها، و (نفخ): أشار، و (السرر) بضم السين وكسرها، و (سر) بالبناء للنائب: يحتمل أن يكون من السرة؛ أي: قطعت سرتهم هنالك، وقال مالك وابن حبيب: هو من السرور؛ أي: بشروا عندها بالنبوة. ودل الحديث على التبرك بمواضع النبيين، كما قاله الزرقاني في " شرحه " (٢/ ٢٨٥). ٣ - وفي " الصحيحين " عن ابن عمر ﵄: " كان النبي ﷺ يزور قباء راكباً وماشياً، فيصلي فيه ركعتين " (٤٢).

стр. 143

وفيه إثبات للتبرك أيضاً. ٤ - وفي " الموطأ " وكتاب الحج من " صحيح البخاري " عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، أنه قال للحجر الأسود: " أما والله؛ إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ استلمك؛ ما استلمتك " (٤٣). هذا لفظ البخاري، وفيه نفي للتبرك. قال الباجي في " المنتقى " ما خلاصته: " بيّن عمر للناس أن تقبيل ذلك الحجر إنما هو اقتداء بالرسول، وليس تعظيماً لذات الحجر أو لمعنى فيه حتى يكون من تعظيم الجاهلية أوثانها؛ لاعتقاد النفع والضر فيها " (٢/ ٢٨٧). ٥ - وفي رسالة " البدع والنهي عنها ": أن مؤلفها- ابن وضاح قال: سمعت عيسى بن يونس مفتي أهل طرسوس يقول: " أمر عمر بن الخطاب بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ ، فقطعها، لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها، فخاف عليهم من الفتنة " (٤٤).

стр. 144

قال عيسى بن يونس: " وهو عندنا من حديث ابن عون عن نافع " [ص:٤٢]. ٦ - وقال الحافظ في " الفتح ": " ثبت عن عمر أنه رأى الناس في سفر يتبادرون إلى مكان، فسأل عن ذلك؛ فقالوا: قد صلى فيه النبي ﷺ . فقال: من عرضت له الصلاة؛ فليصل، وإلا، فليمض، فإنما هلك أهل الكتاب لأنهم تتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعاً " (٤٥) (١/ ٤٥٠). ورواه ابن وضاح في " رسالته " بنحوه، وبين في روايته أن ذهاب الناس إلى مصلاه ﷺ كان للصلاة فيه، ثم نقل عن مالك وغيره من علماء المدينة كراهية إتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي ﷺ ، ما عدا قباء وحده، ونقل عن سفيان الثوري ووكيع وغيرهما ممن يقتدى به عدم تتبع الآثار والصلاة فيها، ثم قال: " فعليكم بالاتباع لأئمة الهدى المعروفين، فقد قال بعض من مضى: كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكراً عند بعض من مضى، ومتحبب إليه بما يبغضه عليه، ومتقرب إليه بما يبعده منه، وكل بدعة عليها زينة وبهجة " [ص:٤٣]. • الجمع بين ما جاء في التبرك: فأنت ترى من هذا إثبات بعض الأخبار للتبرك ونفي بعضها له، حتى إن

стр. 145

عمر وابنه لم يتواردا على التبرك بآثاره ﷺ ، ومنزلتهما عظيمة في العلم والدين ومحبة أكرم المرسلين. ثم التبرك حيث أثبت في روايات الإِثبات؛ فإنما المقصود منه طلب الزيادة في ثواب الطاعة. قال الباجي في " المنتقى " موجهاً إعلامه ﷺ لأمته بقصة وادي السرر: " وإنما أعلم بذلك ﷺ فيما يظهر إلي والله أعلم لفضل الذكر عندها لمن مر بها، ورجاء إجابة الدعاء، وتنزل الرحمة عندها " (٣/ ٨١). والتبرك على هذا الوجه عندي معقول لأن ذكرى الأنبياء والصالحين ورؤية آثارهم مما يزيد الموحدين خشوعاً وتعريفاً بتقصيرهم في طاعة خالقهم، فتخلص بذلك عبوديتهم لله تعالى، وحينئذ تكون الإِثابة على عبادتهم أسمى، وقبول دعائهم أرجى، وطمعهم في تنزل الرحمة أقوى، وروايات نفي التبرك غير معارضة لروايات إثباته بهذا المعنى، لأن النافين إنما يقصدون الاحتياط على عقائد العامة أن تزيغ كما سبق في توجيه مخاطبة عمر للحجر الأسود، وأنه قطع الشجرة خوف الفتنة، وأنه حذرهم أن يهلكوا بتتبع الآثار هلاك أهل الكتاب. • الاحتياط: والاحتياط من الضلال مشروع؛ ففي " الموطأ " و " الصحيحين " عن عائشة ﵂؛ أن النبي ﷺ قال: «أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ». قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلَا تَرُدَّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ؛ لَفَعَلْتُ» (٤٦).

стр. 146

• شروط التبرك: والذي تفيده النقول السابقة في مجموعها إثباتاً ونفياً وتوجيهاً: أن التبرك مشروع، ولكنه مقيد بقيود: أحدها: أن يكون التبرك بفعل طاعة مشروعة؛ كصلاة، ودعاء، ورجاء القبول، وزيادة الأجر، لا بِحَمْلِ تراب أو بخور وغيرهما من أجزاء المكان المتبرك به، أو الأشياء الموضوعة فيه. نعم؛ ثبت عن الصحابة أنهم تبركوا بالتمسح بفضل وضوئه ﷺ والتدلك بنخامته (٤٧)، بل إن منهم من شرب دم (٤٨) حجامته ﷺ ، ولكن لم يرد أنهم فعلوا

стр. 147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 148

نحو ذلك مع غيره شيئاً من خلفائه الراشدين وأهل بيته الطاهرين، فيكون هذا الضرب من التبرك مقصوراً على ذاته الشريفة، منقطعاً بموته، وقد بسط الحديث في ذلك صاحب " الاعتصام " (٢/ ٦ - ٩). ثانيها: أن لا يحمل المتبرك غيره على التبرك، ولا أن يدعوه إليه؛ فلا ينصب شيء للعموم يتبركون به. ثالثها: أن يتفق له المرور بمكان التبرك، لا أن يقصد إليه من بعيد ويقتحم السفر من أجله. رابعها: أن يكون من المعرفة بدينه بحيث لا تضله خطرات النفس، ولا نزغات الشيطان، لا أن يكون ضعيف الإِيمان قليل المعرفة. ولقلة اطلاعي؛ لم أر من أفصح عن هذه الشروط، ولكنها مقتضى العلم ووحي النصيحة، وقد كان النبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم يحتاطون على

стр. 149

الاعتقاد أي احتياط، حتى لا يزل أو يكدر بالاختلاط. • سد الذرائع: ومن الاحتياط القول بسد الذرائع، وهو مذهب مالك وأصحابه، ومروي عن أحمد بن حنبل، وبهذا الأصل منع المالكية صوراً من بيع العينة وبيوع الآجال. • معنى الذريعة لغة وشرعاً: وضبط ذلك خليل في " مختصره " بقوله: " ومنع للتهمة ما كثر قصده ". قال في " الصحاح ": " و (الذريعة): الوسيلة، وقد تذرع فلان بذريعة؛ أي: توسل، والجمع الذرائع ". وفرق أبو هلال العسكري في " فروقه " بين الذريعة والوسيلة، فقال: " الوسيلة عند أهل اللغة هي القربة، والذريعة إلى الشيء هي الطريقة إليه، وليست الوسيلة هي الطريقة نفسها " [ص:٢٤٨]. ومعناها في الشرع ما قاله القرطبي في " تفسيره ": " الذريعة عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه، يخاف من ارتكابه الوقوع في ممنوع " (٢/ ٥٨). وبنحو هذا عرف الفقهاء بيوع الآجال. ويشهد لسد الذرائع من الكتاب والسنة نصوص وظواهر نقتصر منها على مايلي: • أدلة سد الذرائع: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨].

стр. 150

فنهى عن سب الآلهة الباطلة حتى لا يسب الإِله الحق. ٢ - وقال أيضاً: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣]. وذلك أن الله حرم عليهم الصيد يوم السبت، فأمنتهم الحيتان، وصارت تظهر لهم ذلك اليوم، فسدوا عليها فيه تذرعاً بالسد للصيد يوم الأحد، فعاقبهم الله على ذلك، وحكاه على معنى التحذير. ٣ - وفي " الصحيحين " عن عائشة؛ أن أم حبيبة وأم سلمة ﵅ ذَكَرَتَا لرسول الله ﷺ كنيسة رأتاها بالحبشة فيها تصاوير، فقال: «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، فَمَاتَ؛ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ» (٤٩). ٤ - وفيهما عن النعمان بن بشير ﵄، أنه ﷺ قال: «إنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ؛ فَقْد اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ، وَقَعَ فِي الْحَرَامِ؛ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ ... » الحديث (٥٠).

стр. 151

٥ - وفيهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ أنه ﷺ قال: «مِنَ الْكَبَائِر شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيهِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؛ قَالَ: «نَعَمْ؛ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ» (٥١). فجعل التعرض لسب الآباء كسبهم. ولقد أصاب من قال: إِنَّ السَّلَامَةَ مِنْ سَلْمَى وَجَارَتِهَا ... أَنْ لَا تَحِلَّ عَلَى حَالٍ بِوَادِيهَا • • • • •

стр. 152

١٢ - آثار الشرك في المسلمين • آثار فقد العلم النافع في الأمم: إن الأمّة متى فقدت العالم البصير، والدليل الناصح، والمرشد المهتدي، تراكمت على عقولها سحائب الجهالات، وران على بصائرها قبائح العادات، وسهل عليها الإِيمان بالخيالات؛ فانقادت لعالم طماع، وجاهل خداع، ومرشد دجال، ودليل محتال، وازدادت بهم حيرتها، واختلت سيرتها، والتبست عليها الطرائق، وانعكست لديها الحقائق؛ فتتهم العقل، وتقبل المحال، وتشرد من الصواب، وتأنس بالسراب ... هذا يتقدم إليها بما له [مِنْ] أسباب خفية؛ فتراه تصرفاً في الكون، وذلك يلقي إليها بأقوال مجملة ينزلها كل سامع على ما في نفسه، فتراه من علم الغيب، وتقول: " سيدي فلان جاء بالخبر "، ثم نجد من تسميه عالماً يثبت قدمها في هذا الخبال، ويزعم لها أن الحقيقة في هذا الخيال ... وفي مثل هذه الحالة جاء حديث " الصحيحين " عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا ; اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَّلُوا

стр. 153

وَأَضَلُّوا» (٥٢). • موازنة بين الجاهلية الغابرة والجاهلية الحاضرة: ولقد سادت هذه الحالة العالم الإِسلامي، فانتهوا إلى جاهلية كجاهلية العرب في الدين لا في اللسان والبيان، فقد ارتقى العرب أيام جاهليتهم في معرفة معاني الكلام والإِبانة عما في أنفسهم بالألفاظ المؤدية لأصل المعنى، ولكن المسلمين شمل انحطاطهم هذه الناحية أيضاً؛ فلم يكونوا مثل أولئك العرب في فصاحة اللسان ووضع الأسماء على مسمياتها؛ فتراهم يعتقدون في الغوث والقطب وصاحب الكشف والتصريف معنى الألوهية، ولكن لا يسمونهم آلهة!! ويخضعون لأوليائهم ويخشونهم كخشية الله أو أشد، ولا يسمون ذلك عبادة!! • محاولة التفرقة بين الجاهليتين في الدين: ويفرقون بينهم وبين من سماهم القرآن مشركين؛ بأنهم لم يعبدوا غير الله، ولم يتخذوا معه إلهاً آخر كأولئك المشركين، وربما مازوا أنفسهم من الجاهلية الأولى بأن وصفهم بالشرك جاء من قبل اعتقادهم في الجماد وغير الصالحين من العباد، أو أن أحداً غير الله يماثله في الخلق والإِيجاد، ويقولون: نحن إنما نعتقد في الصالحين الأخيار أن الله جعل لهم النفع والضر في هذه الدار وتلك الدار، فهم يعطون أو يمنعون، وبأيديهم مفاتح مخيبه، وتحت قبضتهم خزائن فضله؛ ينزلون الأمطار متى شاؤوا، ويعافون من أحبوا، ويبتلون

стр. 154

من أبغضوا، ويهبون لمن أرادوا ذكوراً أو إناثاً، أو يزوجونهم ذكراناً وإناثاً، ويجعلون من غضبوا عليه عقيماً. • عدم جدوى هذه التفرقة: وقد قدمنا بيان معنى الألوهية والعبادة، فتذكره، ثم أجد (*) النظر في حال مسلمي اليوم، تجد منهم من ألهوا المخلوق وعبدوه، وتبرؤهم من اللفظ إنما هو لضرورة حكمه الشرعي وجهلهم بالمعنى اللغوي، وما مازوا به أنفسهم عن الجاهلية الأولى فرارٌ أيضاً من حكم الشرك الذي هو ضروري، وجهلهم بمدلوله في الشرع والوضع، وقد كشفنا الغطاء على معنى الشرك، وصورنا حقيقته عند العرب ومن قبلهم في فصول مرت، فارجع إليها، تر تلك التفرقة غير مجدية عند الشارع، ولا صحيحة في الواقع. ثم إن من هؤلاء المسلمين من يعتقدون في الأحجار وغير الصالحين من الأشرار، ولا يفرقون بين قدرتهم وقدرة الواحد القهار!! وهم بعد مسلمون سنيون، متى رضي عنهم شيوخ الطرق أو المرابطون! • مساواة هذه الأمة لمن قبلها في حكم السنن الإِلهية: إن ما وقع فيه العرب ومن قبلهم يقع فيه غيرهم بعدهم إذا ما جهلوا مثلهم أصول الدين وبالغوا في التبرك بالصالحين؛ فإن الله يقول: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: ٢٣]، وعلماء الاجتماع يقولون: " التاريخ يعيد نفسه "، والمتكلمون يحكمون بأن " ما جرى على المثل يجري على المماثل "؛ فإذا كان مجموع المسلمين قد انتهوا في الدين إلى جهالة المشركين؛ فمحاولة تبرئتهم من الشرك غش وتضليل، وجحد للشريعة وتعطيل.

стр. 155

• صور من الوثنية الحاضرة: ألست ترى في أوساطهم قباباً تبذل في شيدها الأموال، وتشد لزيارتها الرحال؟! أم لست تسمع منهم استغاثات وطلب حاجات من الغائبين والأموات؛! أم لم تعلم بدور تنعت بدار الضمان تشترى ضمانتها بالأثمان؛! أم لم تجتمع بذرية نسب للمرابطين إعطاؤها بقوة غيبية؟! أم لم تتكرر عليك مناظر مكلفين إباحيين يقدسون بصفتهم مرابطين أو طرقيين؟! هذا إلى اجتماعات تنتهك فيها كل الحرمات باسم الزردات، أو تحت ستار الاعتقادات والدعوة إلى أوضاع مبتدعة صدت الناس عن اتباع السنة المطهرة. والخبير بحياة أهل عصره، العالم بأصول دينه، لا يتردد في ظهور الشرك وانتشاره، وتعدد مظاهره وآثاره، والعامي الفطري لو سألته وأفهمته؛ لوجدت عنده الخبر اليقين لإِثبات أن أمثاله- وما أكثرهم- في ضلال مبين. هذا إجمال تفصيله فيما بعد من الفصول. • دخول الوثنية في أركان الإِسلام الخمس: وارجع البصر نحو أركان الإِسلام الخمس التي ليس في كونها عبادة لبس؛ هل تجد المسلمين يأتون بها على وجهها؛ أم يخصون بها الخالق جل وعلا؛ إنك تجدهم يشهدون شهادة الإِخلاص، ثم لا يخلصون لله، بل يفزعون لأوليائهم، ويخشونهم خشية تأليه، وتراهم يصلون، ولكن لا يخشعون؛ إلا بين يدي من به يتبركون، ويتساهلون في إخراج الزكوات، ويتشددون في الوفاء بما ينذرون للمزارات والمقامات، بل يشحون بما هو منها واجب مشروع، ويسخون بالمقدار المبدوع، كالمكيال المقرر في الحبوب للشيخ عبد القادر الجيلاني، ويصومون رمضان معرضين عن الحجة الشرعية في ثبوته وانقضائه، متعمدين مخالفتها إلى أوامر رؤسائهم الروحيين من المرابطين والطرقيين، ويصبرون على

стр. 156

الجوع والعطش في زيارة هؤلاء الرؤساء، ويألمون لذلك في الصيام لله، ويحجون بقلة، ويزورون سادتهم بكثرة، ويطوفون ببعض المزارات، ويوقتون لها الأوقات، ويجعلون أعداداً منها تقوم مقام الحج إلى البيت الحرام؛ فهل تفرق مع هذا [بين] (*) جاهلية عصر الوحي وجاهليه زمن الاستعباد والبغي؟! • وجوه الشبه بين الوثنيتين: الحاضرة، والغابرة: لا فرق بينهما في الجهل بما ينافي التوحيد، ولا في الابتلاء بالمبتدعين والدجالين، ولا في التبرك بالآثار احتماء من الأقدار، ولا في التقرب من الأحجار والنفور من المرشدين الأخيار، ولا في عصيان من خلقهم وعبادة ما نحتوه، ولا في افتراق الكلمة والانقسام إلى شيع متعادية، أما الذل والخوف والفقر، فحظ زماننا منها أوفر. • علة الانحطاط الحاضر: إن لم نخسر أنفسنا وبقي فيها مكان للإِنصاف وشعور بحب السلامة؛ اعترفنا بدائنا، وبحثنا عن دوائنا، ولا داء إلا ما نزل بالعقول من الجهالة، وران على القلوب من الضلالة؛ فلا علم بما يصحح العقيدة، ولا شعور بما يبعث على الفضيلة؛ إلا من رحم ربك، وقليل ما هم، وعلى قلتهم لم تعرفهم العامة فتحتذيهم في العقيدة (**) والسيرة، ومن عرفت منهم لم تعرف غير أسمائهم، فاكتفت بمجرد محبتهم، فهي لا تفتح أبصارها إلا على مناظر البدعة، واجتماعات التدجيل، ولا تعرف بصائرها إلا الاعتماد على البركات التي ألصقها الوهم ببعض الجمادات، أو من يرون لهم من الناس خصوصيات، ولا تعد من صالح أعمالها الذي تعده ليوم مالها إلا المبالغة في تعظيم آباء وشيوخ، وكل ما

стр. 157

يجعل قدمها راسخة في الشرك والرذيلة كل الرسوخ، أما العز والأمن، أما السيادة والغنى، أما الإِباء والشمم؛ فتلك صفات ذهب بها أمس، وتوارت عن الحس، لم يعرفها جيلنا حتى ينشدها، ولم يتذوقها حتى يألم لفقدها، بل انعكست حقائقها لديه فيما انعكس عليه من الحقائق؛ فالعز جبروت، والأمن جبانة، والسيادة وظيف حكومي، والغنى فسوق عمومي، والإِباء جناية، والشمم كبر. إن للشرك آثاراً تختفي في العقائد الباطنة، وتجري مع الأقوال اللفظية، وتظهر في الأفعال البدنية، وتبدو في النفقات المالية. وفي الفصول الآتية نعرض- إن شاء الله- لفصول من تلك الآثار، ونفصل منها ما يلتبس شركيه وشرعيه ببيان فيه مقمع للمكابر، ومقنع للمتردد الحائر، وجلاء للعقول الصدئة، وطهارة للنفوس الدنسة، وحياة للقلوب الآثمة. • نصيحة: ومن شعر عبد الله بن المبارك: رَأَيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ الْقُلُوبَ ... وَقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إِدْمَانُهَا وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَيَاةُ الْقُلُوبِ ... وَخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيَانُهَا وتلك هي التقوى التي قال فيها ابن المعتز: خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا ... وَكَبِيرَهَا فَهُوَ التُّقَى وَاصْنَعْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ... ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً ... إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى • • • • •

стр. 158

١٣ - الولاية • وجه الابتداء في مظاهر الشرك بالولاية: الولاية والكرامة من الألفاظ الدينية المشهورة عند العامة، ولكن التبس عليهم المعنى الشرعي لها بالمدلول الشركي، فاستغل ذلك الالتباس لتضليل الناس أهل الزهد في العلم والحرص على المال من رؤساء الطرق، وكل من شايعهم وخدمهم من علمائهم أضل من الجهال، ولبَّسوا بتلك الألفاظ على النقاد والوعاظ، فكادوا يلبسون دعوة المصلحين غير لباسها، ويصلون إلى أمنيتهم في نقضها من أساسها، ولكن الثقة بالله حصن لا يقوض، وسنته في علو الحق على الباطل ثابتة لا تنقض ... فكم عولوا على ما قولوا، وأجملوا فيما هولوا، وبهتوا فيما نعتوا، وشتموا بما لم يعلموا؛ كإلقائهم إلى الحكومة بأنا وطنيون نعمل للاستقلال، وبثهم بين العامة أنا وهابيون معتزليون ... إلى أقوال هي أبعد في الخيال من أحاديث الأغوال، وإن كانت إياها في التهويل والتضليل، عند من ليس له في دينه كبير تحصيل. وأقوى دعاية أثرت فيمن لم يعنوا بالبحث عن الحق بعض عناية نسبتنا إلى نكران الكرامة والولاية، وما أكثر في أمتنا اليوم هذا الفريق، الذي هو بالرثاء له

стр. 159

لا بالجزع منه خليق. ولهذا قدمنا القول في الولاية، وقفينا عليه بالكرامة، بعد أن أزحنا الشك عن معنى الشرك. • المعنى اللغوي: الولي- بفتح فسكون-: القرب والدنو، وحصول ثان بعد أول من غير فصل، يقال: تباعد بعد ولي، وكل مما يليك، أي: يقاربك، ويقال: سقط الولي، وهو المطر، يلي الوسمي ويحصل بعده، والمطر الولي يقال أيضاً بوزن فعيل. والولاء- بالفتح-: القرابة والنصرة، يقال: بينهما ولاء، وبالكسر: الموالاة والمتابعة، تقول: أفعل هذه الأشياء على الولاء، وتوالى عليه شهران، والموالاة بين شخصين تكون أيضاً مضادة للمعاداة. والولاية- بالكسر-: السلطان، يقال: وليت الأمر أليه؛ فأنا وال ونحن ولاة، وبالفتح: النصرة، يقال: هم على ولاية: إذا اجتمعوا على النصرة، وتكون الولاية بالكسر على هذا المعنى عند الجمهور، وجعلها سيبويه اسماً لما توليته وقصت به. والمولى: ابن العم، والعاصب، والحليف، والناصر، والجار. والولي- وزان فعيل- ضد العدو، من وليه: إذا قام به، يكون بمعنى فاعل وبمعنى مفعول، فمن الأول: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]، ومن الثاني: المؤمن ولي الله؛ للمطيع له، وكل من ولي أمر غيره؛ فهو وليه، ويطلق على ابن الم والناصر والصديق والمحب؛ تقول: توليته: إذا جعلته وليّاً، ومنه: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١].

стр. 160

كل هذا من " الصحاح "، و " القاموس "، و " الأساس "، و " المصباح ". • العداوة: وفي " فروق أبي هلال العسكري " (١٠٦): " (العداوة): البعاد من حال النصرة، ونقيضها الولاية، وهي القرب من حال النصرة "، وفي الأصل: " الهرب "؛ مكان: القرب، وهو تحريف بيّن. ثم قال في الصفحة بعدها: " العداوة إرادة السوء لما تعاديه، وأصله الميل، ومنه: عدوة الوادي، وهي جانبه، ويجوز أن يكون أصله البعد، ومنه: عدواء الدار، أي: بعدها، وعدا الشيء يعدوه: إذا تجاوزه؛ كأنه بعد عن التوسط ". وقال أيضاً [ص:١٥٦]: " الولاية قد تكون بإخلاص المودة، والنصرة تكون بالمعونة والتقوية، وقد لا تمكن النصرة مع حصول الولاية ... والولاية - بالفتح-: النصرة لمحبة المنصور، لا للرياء والسمعة؛ لأنها تضاد العداوة، والنصرة تكون على الوجهين ". ونقلنا كلامه في أصل العداوة زيادة في توضيح ضدها (الولاية). • الولي والمولى: وقال في المولى والولي: " الولي يجري في الصفة على المُعان والمُعين، تقول: الله ولي المؤمنين؛ أي: معينهم، والمؤمن ولي الله، أي: المعان بنصر الله . ويقال أيضاً: المؤمن ولي الله، والمراد أنه ناصر لأوليائه ودينه، ويجوز أن يقال: الله ولي المؤمنين، بمعنى أنه يلي حفظهم وكلاءتهم؛ كولي الطفل المتولي شأنه. ويكون الولي على وجوه: منها: المسلم الذي يلزمه القيام بحقه إذا احتاج

стр. 161

إليه. ومنها: الولي المحالف المعاقد. ومنها: ولي المرأة القائم بأمرها. ومنها: ولي المقتول الذي هو أحق بالمطالبة بدمه. وأصل الولي جَعْل الثاني بعد الأول من غير فصل، من قولهم: هذا يلي ذاك ولياً، وولاه الله: كأنه يلي أمره ولم يكله إلى غيره، وولاه أمره: وكله إليه، كأنه جعله بيده، وتولى أمر نفسه: قام به من غير وسيطة ... ويجوز أن يقال: معنى الولي: أنه يحب الخير لوليه؛ كما أن معنى العدو أنه يريد الضرر لعدوه. والمولى على وجوه: هو السيد، والمملوك، والحليف، وابن العم، والأولى بالشيء والصاحب ... وتقول: الله مولى المؤمنين؛ بمعنى: أنه معينهم، ولا يقال: إنهم مواليه؛ بمعنى: إنهم معينو أوليائه، كما تقول: إنهم أولياؤه بهذا المعنى " [ص:٢٣٥]. وفي " مفردات الراغب ": " الولاء والتوالي أن يحصل شيئان فصاعداً حصولًا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد، والولاية النصرة، والولاية تولي الأمر، وقيل: الوَلاية والوِلاية واحدة؛ نحو الدَّلالة والدِّلالة، وحقيقته تولي الأمر. والولي والمولى يستعملان في ذلك، كل واحد منهما يقال في معنى الفاعل؛ أي: الموالي، وفي معنى المفعول؛ أي: الموالى؛ يقال للمؤمن: هو ولي الله ، ولم يرد مولاه، وقد يقال: الله تعالى ولي المؤمنين ومولاهم. فمن الأول: قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]، ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد: ١١]، ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٤٠]، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى﴾ [الحج: ٧٨].

стр. 162

ومن الثاني: قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ [الجمعة: ٦]، ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾ [التحريم: ٤]، ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢] ". وفي " تفسير الثعالبي ": " إذا لازم أحد أحداً بنصره ووده واهتباله؛ فهو وليه، هذا عرفه لغة " (١/ ٢٠٣). • خلاصة معنى الولاية: وإذا أجلت النظر فيما جلبناه؛ ألفيت مرجع الولاية إلى النصرة والعون في محبة وعطف، وإنما أطلنا فيما نقلنا من تفاصيل استعمالاتها؛ ليسهل عليك فهم تصرفات القرآن فيها، إثباتاً ونفياً، ومدحاً وذماً، وإفراداً وعطفاً. • الولاية الدنيوية الناقصة: فقد أثبتها تعالى بين الكفار والشياطين على معنى الذم لهم في آيات، منها: في النساء: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ [النساء: ٧٦]. وفي الأعراف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧]، ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠]. وفي الأنفال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]. وهذا الضرب من الولاية موالاة دنيوية غير خالصة ولا نافعة في الأخرى؛ لقوله تعالى في أهلها: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤]، ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر: ١٦]، ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدخان: ٤١].

стр. 163

• نفي الولاية بين أهل الحق وأهل الباطل: ونفاها تعالى بين المؤمنين والكافرين، ونهى عنها في مثل آيات العقود، والأنفال، وبراءة، والممتحنة؛ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١]، ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٨١]، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ [التوبة: ٢٣]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١]،. • إثبات الولاية بين أهل الحق: وأثبتها بين المؤمنين [تشريعاً و] تشريفاً في مثل ما في الأنفال وبراءة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ١٧٢﴾، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]. • إفراد الله بالولاية: وَخَصَّ- تعالى- نفسه بها، وأبطل ولاية غيره في آيات بالبقرة، والأنعام، والأعراف، وهود، ويوسف، والشورى؛ فقال: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤]، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣]، ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣]، ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي

стр. 164

فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٥١]، ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ [الشورى: ٩]، ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨]. • الولاية التي [لا] تختص بالله: وعطف تعالى غيره عليه فيها في مثل ما في العقود والتحريم؛ فقال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٥ - ٥٦]، ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤]. • الولاية الخاصة: واختص تعالى من خلقه طبقة سماهم أولياء، وأثنى عليهم، وبشرهم، فقال في سورة يونس: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤]. • بيان المراد من تصرفات القرآن في الولاية: وليس بين كل هذه المواضيع تعارض، بل هي تجري على سنن من الارتباط إلى غاية من البيان، فالولاية بين العباد معناها التناصر والتعاون بما يملكون من أسباب النصر والإِعانة حسب جري العادة، وذلك ممدوح في الحق والخير، مذموم في الباطل والشر، ممكن في الدنيا بين الأبرار وبين الفجار. وتختص الولاية بالله إذا كانت للفاعل، من وَلِيَهُ: إذا قام به وأعانه وتولى حفظه ورعايته، لأنه تعالى هو القائم على كل نفس بما كسبت، والناصر للعبد،

стр. 165

الذي يهيئ له الأسباب العادية، ويعينه بما هو خارج عن الأسباب، ويلطف به فيما يلم به، فمن اتخذ وليّاً غير الله بهذا المعنى، فقد اتخذ معه شريكاً، ولهذا قال في سورة الرعد: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ [الرعد: ٣٣]. ويشترك غير الله به فيها إذا كانت للمفعول، فإن العبد يوالي الله وأولياءه، فمعنى ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾: إنما الولي الذي توالونه وتتولونه، لقوله بعد: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾، ومعنى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: المولى الذي يتولاه رسول الله ﷺ ، ولهذا جعل الراغب فيما تقدم عنه المولى هنا بمعنى اسم المفعول. • معنى الولي في الشرع: والأولياء الذين شرفهم الله بإضافتهم إليه في سورة يونس يصح كما سبق عن العسكري أن يكونوا بمعنى الفاعل، لنصرهم دين الله والدعاة إليه، وأن يكونوا بمعنى المفعول؛ لإِعانة الله لهم على الإِخلاص في الطاعة، وعلى التقديرين؛ فهم من جمع إلى صحة العقيدة القيام بالفرائض، والوقوف عند الحدود، والتزود بالنوافل، وهذا معنى وصفهم في نفس الآية بالإِيمان والتقوى، ووصفهم في غيرها بالإِيمان مع الإِسلام، أو مع الاستقامة، أو مع العمل الصالح، أو ما في معنى ذلك. قال تعالى في البقرة، وفي النحل، وفي الزمر، وفي فصلت، وفي الزخرف: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥]، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ

стр. 166

أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٥]، ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٨ - ٦٩]. وفصل هذا المعنى أول سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، وحكم لأهله بقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١ - ١٠]. ووردت في هؤلاء الأولياء أحاديث أشرفها- كما قال ابن رجب في " جامع العلوم والحكم " - حديث البخاري: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا؛ فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَال عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِل حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ؛ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» (٥٣). قال القشيري في باب الولاية من " رسالته ": " الولي له معنيان: أحدهما: فعيل بمعنى مفعول، وهو من يتولى الله أمره؛ قال الله سبحانه: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]؛ فلا يكله إلى نفسه لحظة، بل يتولى الحق سبحانه رعايته. والثاني: فعيل مبالغة من الفاعل، وهو الذي يتولى عبادة الله وطاعته؛

стр. 167

فعبادته تجري على التوالي من غير أن يتخللها عصيان. وكلا الوصفين واجب حتى يكون الولي وليّاً ". ومراده بكون عبادة الولي لا يتخللها عصيان، أنه إن وقع منه الذنب؛ تاب، ولم يصر عليه، كما صرح به في موضع اخر، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]. والوصفان اللذان يجبان لاستحقاق العبد الولاية ليسا جميعاً من كسبه، وإنما الذي من كسبه هو الوصف الثاني بمعنى الفاعل، ولكن متى صدق العبد فيه؛ أنعم الله عليه بالوصف الآخر الذي بمعنى المفعول. • التحذير من الغلو في الولي: وإذا عرفت معنى الولي شرعاً من القرآن والحديث وكلام أهل السنة والجماعة؛ فإياك أن تعدو ذلك الحد فيه إن كنت تؤمن بكتاب الله وما صح عن نبيه ﷺ ، أما إن كنت تركن إلى علم المتقدمين، أو تقبل أقوال الأشاعرة، أو تثق بآراء الصوفية، فإن القشيري ولد في القرن الرابع، وهو من الطبقة الرابعة في الأشعريين. قال ابن عساكر في " تبيينه ": " ولولا تأخر وفاته؛ لذكرته في الثالثة، ثم هو في الصوفية أشهر، وعلى الحسن من أحوالهم أغير ". وإن بقي بعد هذا في قلبك من شيء، ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].

стр. 168

• منزلة الولي بين الناس: وحق الولي حقّاً على العباد أن يوالوه ولا يعادوه، وأن يحبوه ولا يبغضوه، وأن يحترموه ولا يهينوه، فقد جاء عنه ﷺ : «الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ مِنَ الْإِيمَانِ» (٥٤). أخرجه أبو داود وغيره عن أبي أمامة ﵁، ومن أحب أحداً، احترمه، وتقدم حديث البخاري في الأولياء وشدة توعد من آذاهم وعاداهم، وعد ابن حجر الهيتمي في " الزواجر " معاداة الأولياء من الكبائر. • خفاء الولي على الناس: والولاية راجعة في الحقيقة إلى أمر باطن لا يعلمه إلا الله؛ فربما ادعيت الولاية لمن ليس بولي، أو ادعاها هو لنفسه، أو أظهر خارقة من الخوارق لكنها سحر أو شعوذة، لا أنها كرامة، فيظنها من لا يفرق بين الكرامة وغيرها كرامة، ويعتقد أن صاحبها ولي، فيضل ضلالًا بعيداً. هذا كلام صاحب " الاعتصام " (٢/ ٨).

стр. 169

• الحكم لمعين بالجنة: ثم من صحت ولايته، فهو من أهل الجنة قطعاً، ولكنا لا نجزم لأحد بالجنة إلا عن نص وارد فيه؛ لحديث أم العلاء الأنصارية ﵂ عند البخاري، أنه لما توفي أبو السائب- عثمان بن مظعون- ﵁، ودخل عليه النبي ﷺ ، قَالَتْ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ! شَهَادَتِي عَلَيْكَ، لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ؟!». فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ وَإِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي». قالت: فقلت: وَاللهِ؛ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَداً (٥٥). قال الحافظ ابن كثير بعد إيراده في " تفسيره " عن البخاري وأحمد: " وفي هذا وأمثاله دلالة على أنه لا يقطع لمعين بالجنة؛ إلا الذين نص الشارع على تعيينهم " (٧/ ٧ ٤٥٧). • الحكم لمعين بالولاية: وإذا لم يجز لنا الجزم لأحد بالجنة مع عدم ورود النص فيه؛ لم يجز لنا الجزم بولايته. قال القرطبي في " تفسيره ": " قال علماؤنا رحمة الله عليهم: ومن أظهر الله على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق للعادات؛ فليس ذلك دالَّا على

стр. 170

ولايته؛ خلافاً لبعض الصوفية والرافضة ... ودليلنا أن العلم بأن الواحد منا ولي لله تعالى لا يصح إلا بعد العلم بانه يموت مؤمناً، وإذا لم يعلم أنه يموت مؤمناً، لم يمكننا أن نقطع على أنه ولي لله تعالى " (١/ ٢٩٧). نعم؛ نحسن الظن بمن صلح ظاهره ونرجو له الخير. وقد نقل الفخر الرازي في " تفسيره " عن المتكلمين: " إن ولي الله من يكون آتياً بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل، ويكون آتياً بالأعمال الصالحة على وفق ما وردت به الشريعة " (٥/ ١٤). ومحصله أن الولاية تقوم على ثلاث قواعد: إحداها: الإِيمان الصحيح. وثانيتها: العمل الخالص لله. وثالثتها: موافقة السنة. فمن ظهرت عليه هذه الأشياء وتحققت فيه، فهو الولي الشرعي. • الولي عند العامة وعقيدتهم فيه: أما الولي عند الناس اليوم؛ فهو إما من انتصب للإِذن بالأوراد الطرقية، ولو كان في جهله بدينه مساوياً لحماره، وإما من اشتهر بالكهانة، وسموه حسب اصطلاحهم (مرابطاً)، ولو تجاهر بترك الصلاة وأعلن شرب المسكرات، وإما من انتمى إلى مشهور بالولاية، ولو كان إباحيّاً لا يحرم حراماً، وحق هؤلاء الأولياء على الناس الجزم بولايتهم، وعدم التوقف في دخولهم الجنة، ثم الطاعة العمياء، ولو في معصية الله، وبذل المال لهم، ولو أخل بحق زوجته وصبيته، والثقة بهم، ولو خلوا بالخُرُد العين، وبعد، فهم المطلوبون في كل شدة، ولكل محتم بهم عدة، وهم حماة للأشخاص وللقرى والمدن، كبيرها وصغيرها، حاضرها

стр. 171

وباديها؛ فما من قرية بلغت ما بلغت في البداوة أو الحضارة، إلا ولها ولي تنسب إليه، فيقال: سيدي فلان هو مولى البلد الفلاني، ويجب عند هؤلاء الناس أن يكون علماء الدين خدمة لهؤلاء الأولياء، مقرين لأعمالهم وأحوالهم، غير منكرين لشيء منها، وإلا، أوذوا بضروب السباب ومستقبح الألقاب، وسلبوا الثقة بعلمهم، ووشي بهم إلى الحكام، وذلك حظ الدعاة إلى السنة من مبتدعي هذه الأمة. • حرص المبتدعة على بدعهم وسلاحهم في حمايتها: قال أبو إسحاق الشاطبي في " الاعتصام ": " إن شأن البدعة في الواقع المداومة والحرص على أن لا تزال من موضعها، وأن تقوم على تاركها القيامة، وتنطلق عليه ألسنة الملامة، ويرمى بالتسفيه والتجهيل، وينبز بالتبديع والتضليل، ضد ما كان عليه سلف هذه الأمة والمقتدى بهم من الأئمة. والدليل على ذلك الاعتبار والنقل؛ فإن أهل البدع كان من شأنهم القيام بالنكير على أهل السنة، إن كان لهم عصبة، أو لصقوا بسلطان تجري أحكامه في الناس وتنفذ أوامره في الأقطار، ومن طالع سير المتقدمين؛ وجد من ذلك ما لا يخفى (لعله ما لا يحصى)، وأما النقل، فما ذكره السلف من أن البدعة إذا أحدثت لا تزيد إلا مضيّاً " (٢/ ٥٧). • حكم التعيش بالسعاية: ومن الناس من يرى معيشته في السعاية بالعلماء المرشدين، وفي مثلهم جاء حديث المستورد بن شداد ﵁، أنه ﷺ قال: «مَنْ أَكَلَ بِمُسْلِمٍ أَكْلَةً؛ أَطْعَمَهُ اللَّهُ بِهَا أَكْلَةً مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ قَامَ بِمُسْلِمٍ مَقَامَ سُمْعَةٍ؛ أَقَامَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَقَامَ رِيَاءٍ وَسُمْعَةٍ، وَمَنْ اكْتَسَى بِمُسْلِمٍ ثَوْبًا؛ كَسَاهُ

стр. 172

اللَّهُ ثَوْبًا مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٥٦). أخرجه الحاكم. قال ابن القيم في " إعلام الموقعيت ": " ومعنى الحديث: أنه توصل إلى ذلك وتوسل إليه بأذى أخيه المسلم؛ من كذب عليه، أو سخرية، أو همزة، أو لمزة، أو غيبة، والطعن عليه، والازدراء به، والشهادة عليه بالزور، والنيل من عرضه عند عدوه، ونحو ذلك ". ساق ذلك في جملة [من] الكبائر (٣/ ٥٦٣). • حكم الولاية العامية: إن الولاية [العامية] التي صورناها ولاية بدعية شركية نهى الله عن اتخاذها بمثل قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣]. قال البغوي: " أي: لا تتخذوا غيره أولياء تطيعونهم في معصية الله ". وهو تفسير بما هو أخفى في الشرك، يشير بالأولى إلى المنع من الاعتماد عليهم فيما هو خارج عن الأسباب العادية. وقد سئل الجلال السيوطي عن قول الناس: ما لي إلا الله وأنت؛ هل يجوز عملاً بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]؛ فأجاب بأن ذلك القول لا تشهد لصحته الآية، لأن قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ معطوف على الكاف لا على لفظ الجلالة، فيكون المعنى: الله

стр. 173

حسبك وحسب من اتبعك، واستدل لعدم الجواز بما ورد أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَا شَاءَ اللَّهُ، وَشِئْتَ. فَقَالَ لَهُ ﷺ : «بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ» (٥٧). وقد تقدم الحديث في الفصل الخامس، وجواب السيوطي ذكره في " الحاوي " (١/ ٣٣٧). • غرور من حكم للولاية العامية بحكم الولاية الشرعية: علم العلماء الناصحون الفرق بين الولايتين الشرعية والشركية فأعلنوا به، وجهله خصومهم المغرضون، وأخفاه مَن علمه منهم إيثاراً لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فشوهوا وموهوا، ولبسوا ودلسوا، وبدعوا وشنعوا، ولمزوا ونبزوا، ولقن ذلك من أعماه الغرض كلّ من في قلبه مرض، ثم اغتروا، فهنَّؤوا نفوسهم بالمحافظة على عقيدة أهل السنة والجماعة، وما سنتهم إلا سنة القبوريين والطرقيين، وما جماعتهم إلا جماعة المغرورين والطماعين. • واجب العامة في طلب الحق: ونصيحتنا لهؤلاء أن يربعوا على أنفسهم، ويسألوا أهل الذكر عن حقائق دينهم، ولا يَقْفوا ما ليس لهم به علم، ويخلصوا في طلب الحق، عسى أن يوفقوا للظفر به، ولا يخدعوا في علمائه المرشدين، فإنهم لهم من الناصحين، ومن عاقبة سكوتهم وضلال أبناء دينهم مشفقون، وأن لا تستحل أعراضهم؛ فإن إذايتهم محاربة للدين. • التحذير من الوقيعة في علماء الدين: قال ابن عساكر في " تبيينه " [ص:٢٩]: " واعلم يا أخي- وفقنا الله وإياك

стр. 174

لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته- أن لحوم العلماء رحمة الله عليهم مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة؛ لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمره عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاق على من اختاره الله منهم لنعش العلم خلق ذميم، والاقتداء بما مدح الله به قول المتبعين من الاستغفار لمن سبقهم وصف كريم، إذ قال مثنياً عليهم في كتابه- وهو بمكارم الأخلاق وضدها عليم-: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٥]، والارتكاب لنهي النبي ﷺ عن الاغتياب وسب الأموات جسيم؛ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] ". • • • • •

стр. 175

١٤ - الكرامة • الكرامة في اللغة: كرم الشيء- بضم الراء- كرماً- بفتحتين- وكرامة: إذا نفس وعز؛ فهو كريم، وله علي كرامة، أي: عزازة، وكل شيء شرف في بابه، فإنه يوصف بالكرم، ولا يقال في الإِنسان: كريم، حتى تظهر منه أخلاق وأفعال محمودة. وكرمته تكريماً وأكرمته إكراماً: عظمته ونزهته. والمكرمة- بضم الراء- اسم من الكرم والتكريم، تقول: فعل الخير مكرمة، أي: سبب للكرم أو التكريم. وتكون الكرامة اسماً أيضاً من الإِكرام والتكريم، تقول: نعم وحبّاً وكرامة، وليس ذلك لهم ولا كرامة. والإِكرام والتكريم أن يوصل إلى الإِنسان إكرام- أي: نفع لا يلحقه فيه غضاضة-، أو أن يجعل ما يوصل إليه شيئاً كريماً، أي: شريفاً. هذا كله من " الصحاح " و " القاموس " و " المصباح " و " مفردات الراغب ". وقابل الشاعر الكرامة بالمساءة، فقال: جَزَانِي الزُّهْدُمَانُ جَزَاءَ سَوْءٍ ... وَكُنْتُ الْمَرْءَ يُجْزَى بِالْكَرَامَهْ

стр. 176

• الكرامة في الشرع: فإذا عرفنا الكرامة في اللغة؛ سهل علينا أخذ المعنى الشرعي منها، فتكون في الشرع عبارة عما يصل من الله إلى الولي ويظهر عليه من كل نافع عزيز نفيس شريف. وقد اختلف علماء الكلام في تحديد هذا الواصل من الله إلى الولي، والمعروف عن الأشاعرة في ذلك ثلاثة أقوال على طرفين وواسطة، والطرفان لأبي إسحاق الإِسفراييني وأبي بكر الباقلاني، والواسطة لأبي القاسم القشيري. • تحديد الأشاعرة للكرامة: فأما أبو إسحاق؛ فيقول: إن الكرامة لا تبلغ مبلغ خرق العادة، وإنما هي إجابة دعوة، أو موافاة ماء في غير موقع المياه، أو مضاهي ذلك، وكل ما جاز معجزة لنبي؛ لم يجز كرامة لولي. وضبط أبو الحسن الماوردي الشافعي ما يخرج عن العادة في عشرة أقسام، ومنع من ظهور أحدها على غير وجه الإِعجاز، حتى لا تلتبس المعجزة بغيرها، ولأن صدق النبي لا يعلم إلا بها، وغير النبوة من الأقوال والأفعال قد يعلم الصدق فيها بالعيان والمشاهدة. ذكر ذلك في رسالته " أعلام النبوة " [ص:٢٠ - ٢٢] وأما الباقلاني ومن معه، فيقولون: كل ما جاز أن يكون معجزة لنبي، جاز أن يكون كرامة لولي من غير استثناء، ومنعوا الالتباس بما لا ضرورة بنا إلى بسطه. وأما القشيري؛ فيقيد إطلاق الباقلاني وموافقيه: قال في باب كرامات الأولياء من " رسالته ": " ثم هذه الكرامات قد تكون

стр. 177

إجابة دعوة، وقد تكون إظهار طعام في أوان فاقة من غير سبب ظاهر، أو حصول ماء في زمان عطش، أو تسهيل قطع مسافة في مدة قريبة، أو تخليصاً من عدو، أو سماع خطاب من هاتف، أو غير ذلك من فنون الأفعال الناقضة للعادة. واعلم أن كثيراً من المقدورات يعلم اليوم قطعاً أنه لا يجوز أن يظهر كرامة للأولياء، وبضرورة أو شبه ضرورة يعلم ذلك؛ فمنها حصول إنسان لا من أبوين، وقلب جماد بهيمة أو حيواناً وأمثال هذا كثيرة ". ومال التاج السبكي في " طبقاته " إلى تقييد القشيري، فقال: " وهو حق لا ريب فيه " (٢/ ٦٥). • شرط الكرامة: وقيد النووي في " بستان العارفين " الكرامة بأن لا تؤدي إلى رفع أصل من أصول الدين، نقله ابن علان في " شرح رياض الصالحين " (٧/ ٣٦٢)، وهو كقول أبي إسحاق في " الموافقات ": " لا يصح أن تراعى وتعتبر؛ إلا بشرط أن لا تخرم حكماً شْرعيّاً ولا قاعدة دينية، فإن ما يخرم قاعدة شرعية أو حكماً شرعيّاً ليس بحق في نفسه، بل هو إما خيال أو وهم، وإما من إلقاء الشيطان " (٢/ ٢٦٦). ولا نشك أن هذا القيد مراد لأصحاب الأقوال الثلاثة. • ضابط الكرامة: وبعد، فنحن نثبت كرامات الأولياء، ولا نقيد من ناحية العقل قدرة الله بنوع منها، ولكنا نقيدها من طريق الشرع بغير ما أعلمنا الله أنه من خواص الألوهية، حتى لا نغلو فيها غلوّاً ينتهي إلى الشرك والعياذ بالله. وليست الكرامة هي دليل الولاية؛ لالتباسها على كثير من الناس بما ليس

стр. 178

بكرامة، بل الولاية هي دليل الكرامة، وليس للكرامة تأثير في الأحكام الشرعية، ولكنها كما قال أبو إسحاق في " الموافقات ": " تفيد لأصحابها يقيناً وعلماً بالله تعالى وقوة فيما هم عليه " (٤/ ٨٥). وهذا صريح كلام أبي الحسن الشاذلي، إذ قال: " الكرامة كرامتان: كرامة الإِيمان بمزيد الإِيقان وشهود العيان، وكرامة العمل على الاقتداء والمتابعة ومجانبة الدعاوى والمخادعة؛ فمن أعطيهما ثم جعل يتشوف إلى غيرهما؛ فهو عبد كذاب مفتر، قد أخطأ في العلم والعمل بالصواب ". نقله العروسي في " حاشيته " على شرح " الرسالة القشيرية " (٤/ ١٥٥). وأصل هذا كله قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. • الحكم على حادث معين بالكرامة: وقال الشيخ محمد عبده آخر " رسالة التوحيد " بعدما أيد قول مثبتي الكرامة: " وإنما الذي يجب الالتفات إليه هو أن " أهل السنة وغيرهم في اتفاق على أنه لا يجب الاعتقاد بوقوع كرامة معينة على يد ولي معين بعد ظهور الإِسلام، فيجوز لكل مسلم بإجماع الأمة أن ينكر أية كرامة كانت من أي ولي كان، ولا يكون بإنكاره هذا مخالفاً لأصول الدين، ولا مائلًا عن سنة صحيحة، ولا منحرفاً عن الصراط المستقيم ". • الكرامة عند العامة: " أين هذا الأصل المجمع عليه مما يهذي به جمهور المسلمين في هذه الأيام، حيث يظنون أن الكرامات وخوارق العادات أصبحت من ضروب الصناعات، يتنافس فيها الأولياء، وتتفاخر فيها همم الأصفياء، وهو مما يتبرأ منه

стр. 179

الله ودينه وأولياؤه وأهل العلم أجمعون ". ولقد صدق هذا الإِمام فيما وصف، ونصح فيما إليه أرشد، ولكنه لم يفصح ﵀ عن الخسران المبين، الذي أدى إليه هذيان أولئك المسلمين؛ فإنهم لا يقفون بالكرامة دون التصرف في الكون وعلم الغيب، بل لا يكادون يفهمون منها غير هذين الأمرين اللذين استأثر الله بهما، فهدموا بكرامتهم أصلين عظيمين من أصول الدين المقررة، وصاحوا في وجه من أنكر عليهم هذا المعنى منشدين: وَأَثْبِتَنْ لِلْأَوْلِيَا الْكَرَامَهْ ... وَمَنْ نَفَاهَا فَانْبِذَنْ كَلَامَهُ وإذا دعوتهم لتفصّل لهم هذا الإِجمال، ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥]. • • • • •

стр. 180

١٥ - التصرف في الكون • أقسام نسبة الفعل للمخلوق: التصرف في الكون خاص بالله سبحانه ... وكل لفظ فيه نسبة الفعل للمخلوق لا يخلو من ثلاث حالات: إحداها: أن تكون النسبة على معنى التأثير في الفعل من دون الله. ثانيتها: أن تكون على معنى التأثير بجعل الله وتفويضه. ثالثتها: أن تكون على معنى الإِخبار عن عادة أجراها الله من غير تأثير ذاتي أو جعلي. • حكم نسبة الفعل للمخلوق: والحالتان الأوليان هما المحكيتان في الفصل الثامن عن وثنيي الكلدانيين، وعليهما حمل حديث زيد بن خالد الجهني كل من هأيناه تكلم عليه؛ مثل أبي بكر بن العربي الذي نقل كلامه الزرقاني في " شرح الموطأ " (١/ ٣٤٧)، وأبي الوليد الباجي في " المنتقى " (١/ ٣٣٤)، وقبلهما الإِمام الشافعي، ونذكر عبارته بعد إيراد حديث زيد الذي أخرجه مالك والشيخان عنه. والحالة الثالثه ليست كفراً، ولكن يمنع منها ما فيه إيهام، كما صوح بذلك
следующие страницы →