• الكرامة في الشرع:
فإذا عرفنا الكرامة في اللغة؛ سهل علينا أخذ المعنى الشرعي منها، فتكون في الشرع عبارة عما يصل من الله إلى الولي ويظهر عليه من كل نافع عزيز نفيس شريف.
وقد اختلف علماء الكلام في تحديد هذا الواصل من الله إلى الولي، والمعروف عن الأشاعرة في ذلك ثلاثة أقوال على طرفين وواسطة، والطرفان لأبي إسحاق الإِسفراييني وأبي بكر الباقلاني، والواسطة لأبي القاسم القشيري.
• تحديد الأشاعرة للكرامة:
فأما أبو إسحاق؛ فيقول: إن الكرامة لا تبلغ مبلغ خرق العادة، وإنما هي إجابة دعوة، أو موافاة ماء في غير موقع المياه، أو مضاهي ذلك، وكل ما جاز معجزة لنبي؛ لم يجز كرامة لولي.
وضبط أبو الحسن الماوردي الشافعي ما يخرج عن العادة في عشرة أقسام، ومنع من ظهور أحدها على غير وجه الإِعجاز، حتى لا تلتبس المعجزة بغيرها، ولأن صدق النبي لا يعلم إلا بها، وغير النبوة من الأقوال والأفعال قد يعلم الصدق فيها بالعيان والمشاهدة. ذكر ذلك في رسالته " أعلام النبوة " [ص:٢٠ - ٢٢]
وأما الباقلاني ومن معه، فيقولون: كل ما جاز أن يكون معجزة لنبي، جاز أن يكون كرامة لولي من غير استثناء، ومنعوا الالتباس بما لا ضرورة بنا إلى بسطه.
وأما القشيري؛ فيقيد إطلاق الباقلاني وموافقيه:
قال في باب كرامات الأولياء من " رسالته ": " ثم هذه الكرامات قد تكون
стр. 177
إجابة دعوة، وقد تكون إظهار طعام في أوان فاقة من غير سبب ظاهر، أو حصول ماء في زمان عطش، أو تسهيل قطع مسافة في مدة قريبة، أو تخليصاً من عدو، أو سماع خطاب من هاتف، أو غير ذلك من فنون الأفعال الناقضة للعادة.
واعلم أن كثيراً من المقدورات يعلم اليوم قطعاً أنه لا يجوز أن يظهر كرامة للأولياء، وبضرورة أو شبه ضرورة يعلم ذلك؛ فمنها حصول إنسان لا من أبوين، وقلب جماد بهيمة أو حيواناً وأمثال هذا كثيرة ".
ومال التاج السبكي في " طبقاته " إلى تقييد القشيري، فقال: " وهو حق لا ريب فيه " (٢/ ٦٥).
• شرط الكرامة:
وقيد النووي في " بستان العارفين " الكرامة بأن لا تؤدي إلى رفع أصل من أصول الدين، نقله ابن علان في " شرح رياض الصالحين " (٧/ ٣٦٢)، وهو كقول أبي إسحاق في " الموافقات ": " لا يصح أن تراعى وتعتبر؛ إلا بشرط أن لا تخرم حكماً شْرعيّاً ولا قاعدة دينية، فإن ما يخرم قاعدة شرعية أو حكماً شرعيّاً ليس بحق في نفسه، بل هو إما خيال أو وهم، وإما من إلقاء الشيطان " (٢/ ٢٦٦).
ولا نشك أن هذا القيد مراد لأصحاب الأقوال الثلاثة.
• ضابط الكرامة:
وبعد، فنحن نثبت كرامات الأولياء، ولا نقيد من ناحية العقل قدرة الله بنوع منها، ولكنا نقيدها من طريق الشرع بغير ما أعلمنا الله أنه من خواص الألوهية، حتى لا نغلو فيها غلوّاً ينتهي إلى الشرك والعياذ بالله.
وليست الكرامة هي دليل الولاية؛ لالتباسها على كثير من الناس بما ليس
стр. 178
بكرامة، بل الولاية هي دليل الكرامة، وليس للكرامة تأثير في الأحكام الشرعية، ولكنها كما قال أبو إسحاق في " الموافقات ": " تفيد لأصحابها يقيناً وعلماً بالله تعالى وقوة فيما هم عليه " (٤/ ٨٥).
وهذا صريح كلام أبي الحسن الشاذلي، إذ قال: " الكرامة كرامتان: كرامة الإِيمان بمزيد الإِيقان وشهود العيان، وكرامة العمل على الاقتداء والمتابعة ومجانبة الدعاوى والمخادعة؛ فمن أعطيهما ثم جعل يتشوف إلى غيرهما؛ فهو عبد كذاب مفتر، قد أخطأ في العلم والعمل بالصواب ". نقله العروسي في " حاشيته " على شرح " الرسالة القشيرية " (٤/ ١٥٥).
وأصل هذا كله قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
• الحكم على حادث معين بالكرامة:
وقال الشيخ محمد عبده آخر " رسالة التوحيد " بعدما أيد قول مثبتي الكرامة: " وإنما الذي يجب الالتفات إليه هو أن " أهل السنة وغيرهم في اتفاق على أنه لا يجب الاعتقاد بوقوع كرامة معينة على يد ولي معين بعد ظهور الإِسلام، فيجوز لكل مسلم بإجماع الأمة أن ينكر أية كرامة كانت من أي ولي كان، ولا يكون بإنكاره هذا مخالفاً لأصول الدين، ولا مائلًا عن سنة صحيحة، ولا منحرفاً عن الصراط المستقيم ".
• الكرامة عند العامة:
" أين هذا الأصل المجمع عليه مما يهذي به جمهور المسلمين في هذه الأيام، حيث يظنون أن الكرامات وخوارق العادات أصبحت من ضروب الصناعات، يتنافس فيها الأولياء، وتتفاخر فيها همم الأصفياء، وهو مما يتبرأ منه
стр. 179
الله ودينه وأولياؤه وأهل العلم أجمعون ".
ولقد صدق هذا الإِمام فيما وصف، ونصح فيما إليه أرشد، ولكنه لم يفصح ﵀ عن الخسران المبين، الذي أدى إليه هذيان أولئك المسلمين؛ فإنهم لا يقفون بالكرامة دون التصرف في الكون وعلم الغيب، بل لا يكادون يفهمون منها غير هذين الأمرين اللذين استأثر الله بهما، فهدموا بكرامتهم أصلين عظيمين من أصول الدين المقررة، وصاحوا في وجه من أنكر عليهم هذا المعنى منشدين:
وَأَثْبِتَنْ لِلْأَوْلِيَا الْكَرَامَهْ ... وَمَنْ نَفَاهَا فَانْبِذَنْ كَلَامَهُ
وإذا دعوتهم لتفصّل لهم هذا الإِجمال، ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥].
• • • • •
стр. 180
١٥ - التصرف في الكون
• أقسام نسبة الفعل للمخلوق:
التصرف في الكون خاص بالله سبحانه ... وكل لفظ فيه نسبة الفعل للمخلوق لا يخلو من ثلاث حالات:
إحداها: أن تكون النسبة على معنى التأثير في الفعل من دون الله.
ثانيتها: أن تكون على معنى التأثير بجعل الله وتفويضه.
ثالثتها: أن تكون على معنى الإِخبار عن عادة أجراها الله من غير تأثير ذاتي أو جعلي.
• حكم نسبة الفعل للمخلوق:
والحالتان الأوليان هما المحكيتان في الفصل الثامن عن وثنيي الكلدانيين، وعليهما حمل حديث زيد بن خالد الجهني كل من هأيناه تكلم عليه؛ مثل أبي بكر بن العربي الذي نقل كلامه الزرقاني في " شرح الموطأ " (١/ ٣٤٧)، وأبي الوليد الباجي في " المنتقى " (١/ ٣٣٤)، وقبلهما الإِمام الشافعي، ونذكر عبارته بعد إيراد حديث زيد الذي أخرجه مالك والشيخان عنه.
والحالة الثالثه ليست كفراً، ولكن يمنع منها ما فيه إيهام، كما صوح بذلك
стр. 181
الباجي في " المنتقى ".
• حديث الجهني في النوء:
وحديث زيد في " الموطأ " و " الصحيحين " هو قوله ﵁: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ؛ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، [قَالَ]: قَالَ: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِي؛ فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ؛ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا؛ فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» (٥٨).
• معنى النوء:
وقوله: " على إثْر سماء "؛ يريد: المطر، و (النوء): اشتقاقه من ناء ينوء إذا نهض بجهد ومشقة أو سقط؛ فهو من الأضداد؛ كما في " الصحاح "، قال: " والنوء: سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر وطلوع رقيبه من المشرق يقابله من ساعته في كل ليلة إلى ثلاثة عشر يوماً، وهكذا كل نجم منها إلى انقضاء السنة، ما خلا الجبهة، فإن لها أربعة عشر يوماً. قال أبو عبيد: ولم نسمع في النوء أنه السقوط إلا في هذا الموضع، وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها. وقال الأصمعي إلى الطالع منها في سلطانه، فتقول: مطرنا بنؤ كذا ".
• عبارة الشافعي في شرح حديث الجهني:
وعبارة الشافعي شاملة للأحوال الثلاثة، لكنه أجمل الحالتيني الأوليين في وجه واحد، وهي قوله في " الأم ":
стр. 182
" من قال: مطرنا بنؤ كذا وكذا على ما كان بعض أهل الشرك يعنون من إضافة المطر إلى أنه مطر نوء كذا؛ فذلك كفر، كما قال رسول الله ﷺ ؛ لأن النوء وقت، والوقت مخلوق، لا يملك لنفسه ولا لغيره ﷺ . ومن قال: مطرنا بنؤ كذا على معنى مطرنا في وقت كذا؛ فلا يكون كفراً، وغيره من الكلام أحب إلي منه ".
نقله الحافظ في " الفتح " (٢/ ٤١٩)، وقال عَقِبه: " يعني: حسماً للمادة، وعلى ذلك يحمل إطلاق الحديث.
وحكى ابن قتيبة في كتاب " الأنواء " أن العرب كانت في ذلك على مذهبين؛ على نحو ما ذكره الشافعي ".
• ما جاء في اختصاص الله بالتصرف:
وهذا الحديث إنباء عن اختصاص الله بالتصرف في الكون؛ كما أنبأت عنه آيات آل عمران والأنعام والأعراف والقصص والمنافقون ... وكثير في معناها:
قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠]، ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [المنافقون: ٧].
• عقيدة العامة في تصرف الأولياء:
ومن وقف على مقاصد الكثير من عوامنا في نسبة الأفعال إلى الأولياء وتصرفهم في الكون؛ لم يشك في انطباق الحالة الثانية عليهم؛ إذ يعتقدون أن
стр. 183
الأولياء أعزاء على الله، وقد فوض إليهم التصرف، وأنابهم عنه فيه، فما قضوه للناس، وافقهم الله عليه، وقد سمعنا من يعبر عن ذلك بقوله: " إنا نكذب والله يصدق ".
وفي " صحيح مسلم " عن جندب بن عبد الله؛ أنه ﷺ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ لا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلانٍ. قَالَ اللهُ : مَنْ ذا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أنْ لا أغْفِرَ لِفُلانٍ؛ إنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ، وَأحْبَطْتُ عَمَلَكَ» (٥٩).
بل منهم من ينتهي به الأمر إلى الحالة الأولى، فيعتقد في الولي أنه يفعل ما يفعل بقوته لا بقوة الله!!
وتجد من المخذولين من يدعي ذلك لنفسه!!
• حكايتان عن العامة:
فقد حدثني بقرية أبي سعادة من حضر مجلساً فيه كاهن سكير ممن يعرفون في العرف بالمرابطين، فطلب رجل من مرابطه ذلك ولداً ذكراً، فأعطاه إياه، وعيَّن له علامة تكون بجسمه عند الوضع، وقال له: إن وضع بها، فهو مني، وإن خلا منها؛ فهو من الله!!
ولهذه الطامة أشباه ونظائر يعرفها من اختلط بالعامة وسمع أخبارهم مع أوليائهم.
وقد كنت سنة أربع وأربعين مع فقيه ميلي بمقهى في قسنطينة، فقص
стр. 184
علينا رجل مصيبة أيس من السلامة منها، ثم حصل له الفرج، فعبر عن خطورتها قائلًا: لوما الناس الصالحين ... فقال له صاحبي مرشداً أو منكتاً: وربي؟ فأجابه: ربي والناس الصالحين. فقال له: وربي وحده. فلم يجاره، وقال له: هكذا سمعنا الناس يقولون.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
• • • • •
стр. 185
١٦ - علم الغيب
• معنى الغيب:
قال في " الأساس ": " أنا معكم لا أغايبكم، وأراهم يتشاهدون مرة ويتغايبون أخرى، وأوحشتني غيبة فلان، وقد أطلت غيبتك، وفلان حسن المحضر والمغيب، ولقيته عند غيبوبة الشمس، وتكلم بذلك عن ظهر الغيب، وسمعت صوتاً من وراء الغيب، أي: من موضع لا أراه، وشربت الدابة حتى وارت غيوب كلاها، وهي هزومها، جمع غيب، وهي الخمصة التي في موضع الكلية، ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٠]، وهي قعره، وكل ما غيب شيئاً؛ فهو غيابه، ووقعوا في غيابة من الأرض؛ أي: في هبطة، وكأنه ليث غابة، وهو من ليوث الغاب ".
وفي " مفردات الراغب ": أن " ما غاب عن الحاسة وعلم الإِنسان؛ فهو غيب ".
وفي " منتقى الباجي ": " الغيب هو المعدوم، وما غاب عن الناس " (١/ ٣٣٤).
وفي " أحكام ابن العربي ": " حقيقة الغيب ما غاب عن الحواس مما لا
стр. 186
يوصل إليه إلا بالخبر دون النظر " (١/ ٥).
• ما جاء في اختصاص الله بعلم الغيب:
وقد جاءت آيات وأحاديث في إفراد الله وحده بعلم الغيب، وهي كثيرة، تقدم بعضها:
ونقتصر هنا من الآيات على ما في الأنعام والنمل والجن:
قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧].
ومن الأحاديث على حديثي ابن عمر عند البخاري وعائشة عند مسلم:
فالذي في " البخاري " قوله ﷺ : «مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ﴿لقمان: ٣٤] " (٦٠).
стр. 187
ورواه أحمد بلفظ (٦١): " أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا الْخَمْسَ (وذكر الآية) ".
والذي في " مسلم " هو قول عائشة ﵂: " ثَلَاثٌ مَنْ تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ ... " إلى أن قالت في بيان الثالثة: " وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ، والله يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ﴿النمل: ٦٥، " (٦٢).
стр. 188
• حكم إضافة علم الغيب للمخلوق:
وقد بسط القول في تحليل مفاتح الغيب أبو بكر بن العربي في " أحكامه " أول سورة الأنعام، وحكم بكفر من ادعى علم واحدة منها؛ إلا من استند في الساعة إلى أماراتها التي أخبر بها النبي ﷺ ، أو من جرى في تعيين ما في الرحم من ذكر أو أنثى على تجربة عادية لم يوجبها في الخلقة، أو من أخبر بالكسوف والخسوف اعتماداً على الحساب، لكن هذا الحاسب يؤدب ويسجن لإِدخاله الشك على العامة في تعليق العلم بالغيب المستأنف، وهم لا يدرون قدر الفرق بين هذا وغيره، فتشوش عقائدهم في الدين. هذا تحصيل كلامه ﵀.
وحكى ابن الحاج في " حاشيته على صغير ميارة " الاتفاق على كفر من يقول: إن الأنبياء يعلمون ما كان وما يكون إلى يوم القيامة. (٢/ ٥٩).
ونقل ابن حجر الهيتمي في رسالته " الإِعلام بقواطع الإِسلام " عن الرافعي وغيره كفْر من ادعى علم الغيب، لكنه بحث في هذا الإِطلاق، وقيده بمن ادعى الغيب في سائر القضايا دون من ادعاه في بعضها، وجرى على هذا التفصيل في " فتاويه الحديثية " أيضاً، وهي تفرقة حمله عليها حكايات عن الأولياء، رآها من قبيل علم الغيب، ولكن الصحيح من تلك الحكايات لا يتناوله علم الغيب، والذي يدخل منها فيه لا يقوم له سند، والصواب الإِطلاق، وهو الذي يتمشى مع إطلاق الكتاب والسنة.
قال أبو إسحاق في " الموافقات ": " وقد تعاضدت الآيات والأخبار وتكررت في أنه لا يعلم الغيب إلا الله، وهو يفيد صحة العموم من تلك
стр. 189
الظواهر، حسبما مر في باب العموم من هذا الكتاب؛ فإذا كان كذلك؛ خرج مَن سوى الأنبياء من أن يشتركوا مع الأنبياء صلوات الله عليهم في العلم بالمغيبات " (٤/ ٨٤).
ومراده بعلم الأنبياء بالغيب ما كان عن طريق الوحي كما لا يخفى.
• ابتداع نسبة علم الغيب للمخلوق:
وقد بين ابن قتيبة- لسان أهل السنة في القرن الثالث- مبتدعي نسبة علم الغيب للمخلوق مع الحكم بكفرهم، فقال في رسالة " الاختلاف في اللفظ ":
" غلت الرافضة في حبّ عليًّ وتقديمه على من قدمه رسول الله ﷺ وصحابته عليه، وادعائهم له شركة النبي [ ﷺ ]، في نبوته وعلم الغيب للأئمة من ولده، وتلك الأقاويل والأمور السرية التي جمدت إلى الكذب والكفر إفراط الجهل والغباوة " [ص:٤٧].
وقد سرت هذه البدعة من الرافضة إلى متأخري الصوفية؛ لاندماج الطائفتين بعضهما في بعض، وانتحال الصوفية كثيراً من العقائد التي ابتدعها الرافضة.
• كلام الرازي في علم الغيب:
وقال الفخر الرازي أوائل تفسير سورة البقرة: " الغيب ينقسم إلى ما عليه دليل، وإلى ما لا دليل عليه، أما ما لا دليل عليه، فهو العالم به لا غيره، وأما الذي عليه دليل، فلا يمتنع أن تقول: نعلم من الغيب ما لنا عليه دليل " (١/ ٢٥١).
وذكر في تفسير آل عمران أن الحكمة في ما أصاب المؤمنين يوم أحد تمييز المنافق من المؤمن، ثم قال:
стр. 190
" بيَّن سبحانه أنه لا يحصل ذلك التمييز بأن يطلعكم الله على غيبه، فيقول: إن فلاناً منافق وفلاناً مؤمن، وفلاناً من أهل الجنة وفلاناً من أهل النار؛ فإن سنة الله جارية بأنه لا يطلع عوام الناس على غيبه، بل لا سبيل لكم إلى معرفة ذلك الامتياز إلا بالامتحانات، مثل ما ذكرنا من وقوع المحن والآفات، حتى يتميز عندها الموافق من المنافق؛ فأما معرفة ذلك على سبيل الاطلاع من الغيب، فهو من خواص الأنبياء، فلهذا قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩] " (٣/ ١٥٥).
• تأويل الرازي لآية الجن:
وتأول آية سورة الجن على التخصيص، وصرفها عن العموم لكل المغيبات، واستدل لتأويله بأربعة أمور:
الأول: صدق بعض أخبار شق وسطيح الكاهنين قبل الإِسلام، وشيوع ذلك عنهما في العرب.
ثائيها: اعتبار جميع الملل والأديان لعلم التعبير الذي فيه الإِخبار بالمغيبات.
ثالثها: صدق أخبار مغيبة وقعت من الكاهنة البغدادية التي نقلها السلطان سنجر بن ملك شاه من بغداد إلى خراسان.
رابعها: تحقق إلهامات وقعت من الأولياء وغيرهم من السحرة، ومطابقة بعض الأحكام النجومية.
هكذا رتب أدلته، وحقه إدخال الدليل الثالث في الأول؛ لشمول الكهانة لهما، ثم تفصيل الرابع إلى دليلين، لأن أحكام النجوم غير الإِلهامات؛ فلا يجمعهما دليل واحد.
стр. 191
• بحث في مستند الرازي في ذلك التأويل:
وليس في أدلته تلك ما يفيد تخصيص الآية:
أما أولاً، فإنها معارضة بكثرة الظواهر التي تخص الله بعلم الغيب، وذلك يفيد العموم؛ كما قدمنا عن " الموافقات ".
وأما ثانياً؛ فإن تلك الوجوه التي جلبها ليست من علم الغيب.
أما الكهانة، فيختلط حقها بباطلها، وذلك يمنع من إطلاق العلم عليها، وكذلك ما لم يضبط من أحكام النجوم، وما ضبط منها بالحساب لم يبق في طي الغيب عند العارفين بقواعده.
وأما التعبير والإِلهام؛ فهما من غير المعصوم غير معصومين من الخطأ، فلا يسميان علماً ما داما في الغيب، فإذا تحققا في الخارج، وصدق عليهما وصف العلم؛ ارتفع عنهما حكم الغيب، فإلهام الولي ورؤياه لا يتناولهما علم الغيب، وهذا بخلاف رؤيا الأنبياء وإلهاماتهم، فإنها حق يصدق عليها علم الغيب بإعلام الله لهم.
وقد جعل رسول الله ﷺ رؤيا الأولياء جزءً ضعيفاً من النبوة، نازلاً عنها بخمسة وأربعين جزءً، فقال: «الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» (٦٣). أخرجه مالك والبخاري.
• الباعث على تأويل المتأولين لنصوص اختصاص الله بعلم الغيب:
وقد عد بعض المتكلمين في كرامات الأولياء رؤاهم وإلهاماتهم في علم الغيب، وكثرت عندهم، حتى قامت مقام التواتر المعنوي، فلم يجدوا بدّاً من
стр. 192
تأويل نصوص الدين في اختصاص الله بعلم الغيب، والحق إبقاء تلك النصوص على عمومها، وإخراج ما هو من قبيل الإِلهام والرؤيا عن علم الغيب، وصرف ما يراد منه علم الغيب من الحكايات عن باب الكرامات بما يناسبها من وجوه الصرف.
هذا تقويمنا لكلام الرازي في تفسير سورة الجن الذي نقض به ما صرح به في تفسير سورتي البقرة وآل عمران.
والذي أوقعه في هذه المناقضة وأنساه ما أصَّله أولاً ولوعه بمناقضة الزمخشري؛ فإنه ادعى في " كشافه " أن آية الجن مبطلة للكرامات، ولكن ابن المنير في " حاشيته " عليه أقام حيفه من غير أن ينقض ما أصله القرآن، فقال: " ادعى عامّاً واستدل خاصّاً، فإن دعواه إبطال الكرامات بجميع أنواعها، والمدلول عليه بالآية إبطال اطلاع الولي على الغيب خاصة ".
• بيان وجهة نظر ابن خلدون في كلامه على علم المخلوق الغيب:
وكلام ابن خلدون في بعض فصول الفصل السادس من " مقدمته " لم ينظر فيه إلى الناحية الدينية، وإنما تأثر فيه بالحكايات التي ظاهرها عدم اختصاص الله بعلم الغيب مما هو منتشر بين العامة أكثر مما هو معلوم للخاصة، فحاول تعليلها تعليلًا فلسفيّاً، فكان بذلك متطلعاً لفهم أسرار الطبيعة، لا متقيداً بتقرير أحكام الشريعة.
ونحن نعتقد أن عقول البشر قاصرة عن الإِحاطة بأسرار الخليقة، وأن التسليم لنصوص الكتاب والسنة أولى من التخرص في تعليل مظاهر الكون بما يخالف تلك النصوص.
• الإِلهام والتحديث والفراسة:
وإذ [قد] فرقنا بين علم الغيب وما يلتبس به من الرؤيا والإلهام، فلنذكر
стр. 193
كلمة الشارع في الرؤيا والإلهام، ثم نمثل لهما بمثالين كثر إيرادهما في مبحث الكرامات:
أما الإِلهام؛ فالمراد به الإِلهام الخاص دون العام الذي قال الله فيه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ٨].
والإِلهام الخاص هو الذي عبر عنه النبي ﷺ بالتحديث؛ إذ قال: «لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ نَاسٌ مُحَدَّثُونَ؛ فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ؛ فَإِنَّهُ عُمَرُ» (٦٤). أخرجه الشيخان.
وعبر عنه أيضاً بالفراسة، فقال ﷺ : «اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ؛ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ»، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] (٦٥)؛ قال: " المتفرسين ".
стр. 194
أخرجه عن أبي سعيد الخدري: البخاري في " تاريخه "، والترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن السني، وأبو نعيم في " الطب "، وابن مردويه، والخطيب، قاله في " الدر المنثور " (٤/ ١٠٣).
وهذه الفراسة الناشئة عن الإِيمان غير الفراسة الطبيعية والرياضية، كما في " شرح العقيدة الطحاوية " [ص:٤٢٥].
• قول عمر: " يا سارية ... ":
ومثاله قول عمر ﵁: " يا سارية! الجبل " (٦٦)؛ قاله وهو يخطب على منبر المدينة المنورة، وسارية أمير جيشه عند جبل نهاوند من أرض العجم، وقد كاد يغلبه العدو، فلما قال عمر كلمته؛ سمعها سارية، وانحاز إلى الجبل.
أخرج القصة غير واحد، وحسن سندها الحافظ في " الإِصابة ".
فأنت ترى أن عمر ألهم حالة أمير جيشه مع عدوه، وألهم تلك الكلمة التي أبلغها الله إلى أذن سارية، فنبهته إلى ما كان غافلًا عنه من التحصن بالجبل.
стр. 195
• الرؤيا:
وأما الرؤيا؛ فأخرج البخاري في كتاب التعبير من " صحيحه " عن أبي هريرة ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يَقُولُ: «لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ». قَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ» (٦٧).
• صدق إخبار أبي بكر عما في بطن زوجه:
ومن أمثلتها إخبار أبي بكر ﵁ عما في بطن زوجه حبيبة بنت خارجة ﵂ بأنه أنثى، فكان كذلك، ووضعت بعد موته حبيبة بنتاً سميت أم كلثوم.
وقد أخرج مالك في " الموطأ " قصة ذلك عن الزهري عن عروة عن عائشة؛ فالسند كما ترى من الصحة والعلو والاشتمال على الأئمة.
وملخص القصة: أن أبا بكر كان نحل ابنته عائشة مبلغ عشرين وسقاً من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة، رده إلى الورثة، وطيب خاطرها بقوله: " إنما هو اليوم مال وارث، وإنما هما أخواك وأختاك "، ولم يكن لعائشة يومئذ أخت غير أسماء، فاستفهمته عن الأخرى، فقال: " ذو بطن بنت خارجة أراها جارية " (٦٨).
стр. 196
وإنما جعلنا هذا الخبر من أمثلة الرؤيا، لقول ابن مزين: " قال بعض فقهائنا: وذلك لرؤيا رآها أبو بكر تأول فيها ذلك "، نقله الباجي في " المنتقى " (٦/ ١٠٤)، ولولا هذا النقل، لعددناها من الإِلهام.
• خروج الإِلهام والرؤيا عن علم الغيب:
وتأمل قول أبي بكر ﵁: " أراها جارية "، على الظن من غير جزم؛ تجده كما قلنا آنفاً: إن إلهام وتعبير غير المعصوم غير معصومين.
قال أبو إسحاق الشاطبي في " الموافقات ": " إذا لاح لأحد من أولياء الله شيء من أحوال الغيب؛ فلا يكون على علم منها محقق لا شك فيه، بل على الحال التي يقال فيها: أرى، أو: أظن، فإذا وقع مطابقاً في الوجود، وفرض تحققه بجهة المطابقة أولاً والاطراد ثانياً؛ فلا يبقى للإِخبار به بعد ذلك حكم؛ لأنه صار من باب الحكم على الواقع " (٤/ ٨٥).
• بشرى الأولياء:
وقد جعل الله لأوليائه البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة؛ ففسرت البشرى الدنيوية بالرؤيا، كما روي عن جمع [من] الصحابة مرفوعاً وموقوفاً تتبعها صاحب " الدر المنثور " (٣/ ٣١١)، وتنزل الملائكة عليهم- كما في آية فصلت- يكون عند الموت وفي القبر وحال البعث، كما في " تفسير البغوي " عن وكيع بن الجراح و " تفسير ابن كثير " عن زيد بن أسلم، وذلك خارج عن حكم الدنيا؛ فلهذا خص الحديث المبشرات بالرؤيا، ولم يبق بعد خاتم النبيين وحي
стр. 197
تنزل به الملائكة على أحد، ولا علم غيب يجزم به قبل تحققه وارتفاع الغيب عنه.
• الكشف:
ولم يبق بعد بيان حكم الرؤيا والإِلهام إلا الكشف الذي كثر من يلفظ به ويردده، وقل من يفهمه أو يحدده.
وقد فسر القشيري في " رسالته " كلمة المكاشفة بعبارات غامضة، مرجعها إلى التمكن في العلم، حتى يصير النظري عند المكاشف في حكم الضروري.
ومثل في " الموافقات " للمكاشفات بالامتناع من تناول أشياء ظاهرها الجواز؛ كامتناع الشبلي من تناول التين من شجرة ببادية ظنها مواتاً، فأخبرته أنها مملوكة، وكندامة عباس بن المهتدي على التزوج بامرأة، فامتنع من البناء بها، وبعد ثلاثة أيام تبين أن لها زوجاً، وكما كان للحارث المحاسبي عرق في بعض أصابعه يتحرك إذا مد يده إلى ما فيه شبهة فيمتنع عنه (٢/ ٢٦٩).
ثم بين أن مثل هذه الحكايات يرجع إلى اجتناب حزاز القلب، لا إلى الحكم بعلم الغيب، وذلك لحديث وابصة بن معبد ﵁؛ قال: أتيت النبي ﷺ ، فقال: «جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ» (٦٩). أخرجه أحمد والدارمي في
стр. 198
" مسنديهما "، وحسنه النووي في " الأربعين "، وذكر له الحافظ ابن رجب في شرحه المسمى " جامع العلوم والحكم " روايات وشواهد.
• نسبة العامة علم الغيب لبعض الناس:
والعوام ينسبون علم الغيب المطلق إلى من اتخذوهم أولياء، سواء سماهم الشرع أولياء أو كهاناً أو سحرة أو مردة أو مجانين، فيخشون في غيبتهم أن يطلعوا على ما لا يرضونه منهم، ويشدون إليهم الرحال استعلاماً عن سرقة، أو استفتاء عن عاقبة حركة.
وبوادي القطن قرب ميلة شرقيها كاهن اسمه سيدي مبارك، يأتيه المستطلعون للغيب من مئات الأميال كسوق هراص وأراضي الحراكتة، ومات، فقام ابنه مقامه، ولم يزل حيّاً- أو: حية- على الجهال، ومثله كثيرون، وإن اختلفت شهرتهم ضيقاً واتساعاً.
• حكايتان عن العامة:
وحدثني ميليان لم يزالا حيين:
قال أحدهما: كنت عند باش تارزي شيخ الطريقة الرحمانية بقسنطينة أعلم القرآن، وكنت فتى تدعوني نفسي إلى غشيان النساء، فلم يكن يمنعني إلا خشية الشيخ أن يطلع علي من طريق الغيب.
وقال الآخر: كنت ذا (*) سوق في تاجنانت من أرض أولاد عبد النور، وبقربي
стр. 199
اثنان يتنازعان، فحلف أحدهما للآخر بسيده عبد الرحمن بن الحملاوي- شيخ من شيوخ الطريقة الرحمانية- قرب سقان، فتغير وجه المحلوف له، وأنكر على الحالف قائلًا: أليس الشيخ عالماً بما يجري الآن بيننا؟ قال محدثي: ظننته لأول سماع إنكاره أنه ينهاه عن الحلف بالمخلوق؛ فإذا هو يكبره عن الحلف به، ويشركه مع الله في غيبه!!
والحكايات في مثل هذه الضلالات مما لا تسعه المجلدات؛ فإن نسبة الغيب المطلق إلى الأولياء مما شاع وذاع، وملأ الحزن والقاع، وهو شرك بإجماع، وإنما حسنه الجهل، والقعود عن العلم حتى فقد طلابه، وتنوعت عقباته وصعابه، ولم يبق من أهله إلا من يدعي فقه الفروع على قلة وجمود.
• الفقه الأكبر:
أما الفقه الأكبر بالتفقه في الكتاب والسنة، وتصحيح العقائد والأعمال عليهما، وأخذ المواعظ منهما، فقد انقطع منذ أزمان من وطننا، حتى أحياه من ارتحلوا في طلبه ممن تكونت منهم جمعية العلماء، فكانت بهم للوطن توبة، عملوا فيها بآية التوبة: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
• • • • •
стр. 200
١٧ - الكهانة وما في حكمها
• معنى الكهانة:
الكهانة مما فيه معنى الغيب، ومثلها في ذلك العرافة والعيافة والطيرة والطرق والتنجيم.
قال في " القاموس ": " كهن له كمنع ونصر وكرم كهانة بالفتح، وتكهن تكهناً: قضى له بالغيب؛ فهو كاهن، والجمع كهنة وكهان، وحرفته الكهانة بالكسر ".
• الفرق بينها وبين العرافة:
وفي " المصباح ": " العراف مثقل: بمعنى المنجم والكاهن، وقيل: العراف يخبر عن الماضي، والكاهن يخبر عن الماضي والمستقبل ".
وفي " مفردات الراغب ": " الكاهن هو الذي يخبر بالأخبار الماضية الخفية بضرب من الظن، والعراف الذي يخبر بالأخبار المستقبلة على نحو ذلك ".
• أقسام الكهانة:
وفي " معالم السنن " للخطابي: " الكاهن هو الذي يدعي مطالعة علم الغيب، ويخبر الناس عن الكوائن، وكان في العرب كهنة يدعون أنهم يعرفون
стр. 201
كثيراً من الأمور، فمنهم من كان يزعم أن له رئيا من الجن وتابعة تلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يدعي أنه يستدرك الأمور بفهم أعطيه، وكان منهم من يسمى عرافاً، وهو الذي يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها؛ كالشيء يسرق فيعرف المظنون به السرقة، وتتهم المرأة بالزنية فيعرف من صاحبها، ونحو ذلك من الأمور، ومنهم من يسمي المنجم كاهناً " (٤/ ٢٢٩).
• معنى العيافة:
والعيافة الزجر.
قال في " القاموس ": " وعفت الطير أعافها عيافة: زجرتها، وهو أن تعتبر بأسمائها ومساقطها وأنوائها، فتتسعد أو تتشاءم، والعائف: المتكهن بالطير أو غيرها ".
ونحوه في " الصحاح "، لكنه قال: " وأصواتها "، مكان؛ " أنوائها ".
• معنى الطيرة:
والطيرة: التشاؤم، يقال: تطيرت من الشيء وبالشيء إذا تشاءمت به؛ كما في " الصحاح ".
وقال القرافي في " فروقه ": " التطير: هو الظن السئ الكائن في القلب، والطيرة: الفعل المرتب على هذا الظن من فرار أو غيره " (٤/ ٢٣٨).
وقال الحافظ في " الفتح ": " أصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير؛ فإذا خرج أحدهم لأمر؛ فإن رأى الطير طار يمنة؛ تيمن به واستمر، وإن رآه طار يسرة؛ تشاءم به ورجع، وربما كان أحدهم يهيج الطير ليطير فيعتمدها، وليس في شيء من ذلك ما يقتضي ما اعتقدوه، وإنما هو تكلف
стр. 202
بتعاطي ما لا أصل له؛ إذ لا نطق للطير ولا تمييز فيستدل بفعله على مضمون معنى فيه، وطلب العلم من غير مظانه جهل من فاعله، وقد كان بعض عقلاء الجاهلية ينكر التطير ويتمدّح بتركه، وكان أكثرهم يتطيرون ويعتمدون على ذلك، ويصح معهم غالباً؛ لتزيين الشيطان ذلك، وبقيت من ذلك بقايا في كثير من المسلمين " (١٠/ ١٧٤)، وقد حذفنا من كلامه ما لا تمس الحاجة إليه.
• الفرق بين الطيرة والفأل:
والفأل عكس الطيرة، وقد يلتبس بها فيلحق بها.
فأصل الفأل المستحسن شرعاً: أن تسمع كلمة توافق ما أنت بصدده وتبعثك على المضي فيه.
قال في " الفروق ": " وأما الفأل الحرام، فقال الطرطوشي في " تعليقه ": إن أخذ الفأل من المصحف وضرب الرمل والقرعة والضرب بالشعير وجميع هذا النوع حرام؛ لأنه من باب الاستقسام بالأزلام. والأزلام: أعواد كانت في الجاهلية، مكتوب على أحدها: افعل، وعلى الآخر: لا تفعل، وعلى الآخر غفل، فيخرج أحدها، فإن وجد عليه: افعل؛ أقدم على حاجته التي يقصدها، أو: لا تفعل، أعرض عنها واعتقد أنها ذميمة، أو خرج المكتوب عليه غفل، أعاد الضرب، فهو يطلب قسمه من الغيب بتلك الأعواد؛ فهو استقسام؛ أي: طلب القسم الجيد يتبعه والرديء يتركه، وكذلك من أخذ الفأل من المصحف أو غيره إنما يعتقد هذا المقصد إن خرج جيداً اتبعه أو رديّاً اجتنبه؛ فهو عين الاستقسام بالأزلام الذي ورد القرآن بتحريمه فيحرم، وما رأيته حكى في ذلك خلافاً " (٤/ ٢٤١).
• معنى الطرق والتنجيم:
والطرق قال في " الصحاح ": " الضرب بالحصى، وهو ضرب من
стр. 203
التكهن، والطراق المتكهنون، والطوارق المتكهنات ".
وفي " مفردات الراغب ": " التنجيم: الحكم بالنجوم ".
ونحوه في " الأساس ".
وقد بسط القرافي حكم تعلم النجوم في الفرق الحادي والسبعين والمئتين.
• نظر الشريعة إلى بعض علوم العرب:
وكل هذه الأشياء من علوم العرب في الجاهلية.
قال في " الموافقات " أثناء تعداده لعلوم العرب: " ومنها ما كان أكثره باطلاً أو جميعه، كعلم العيافة، والزجر، والكهانة، وخط الرمل، والضرب بالحصى، والطيرة؛ فأبطلت الشريعة من ذلك الباطل ونهت عنه، كالكهانة والزجر وخط الرمل، وأقرت الفأل، لا من جهة تطلب الغيب، فإن الكهانة والزجر كذلك، وأكثر هذه الأمور تخرص على علم الغيب من غير دليل، فجاء النبي ﷺ بجهة من تعرف علم الغيب مما هو حق محض، وهو الوحي والإِلهام، وأبقى للناس من ذلك بعد موته ﷺ جزءً من النبوة، وهو الرؤيا الصالحة، وأنموذجاً من غيره لبعض الخاصة، وهو الإِلهام والفراسة " (٢/ ٧٤).
• ضروب من الكهانة:
وذكر ابن الحاج في كتاب التصوف من " حاشيته على صغير ميارة " ضروباً من الكهانة، بعضها منظوم في أبيات لابن عرضون من مشطور الرجز، فيها أخطاء عربية، والشطر السادس منها غير مستقيم الوزن، ولا ظاهر المعنى، ولكنا لم نرها في غير تلك الحاشية، وأحببنا إيرادها؛ فها هي كما هي:
وَقُرْعَةُ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ ... وَأَخْذُ مُصْحَفٍ لِأَجْلِ الْفَالِ
стр. 204
وَالْخَطُّ وَالْجَزْمُ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ ... مِنَ الْكِهَانَةِ وَوِزْرُهُمْ كَبِيْرُ
فَاعِلُهُمْ مُجَرَّحُ الشَّهَادَةْ ... وَلَا يَوْمَ لَهَا عَلَى السِّمَادَةْ
وَمَا بِهِ اكْتَسَبَهُ حَرَامُ ... نَصَّ عَلَى ذَا كُلِّهُ الْأَعْلَامُ
وَكَلُّ مَنْ يَسْمَعُ كَاهِناً فَقَدْ ... عَصَى إِلَهَهُ وَدِينَهُ فَقَدْ
لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ سِوَى اللَّهِ الْعَظِيمِ ... سُبْحَانَهُ جَلَّ إِلَهُنَا الْعَلِيمُ
• حكم حلوان الكاهن ومن في معناه وحكم إتيانهم:
وفي " زاد المعاد " عن ابن عبد البر: " لا خلاف في حلوان الكاهن أنه ما يعطاه على كهانته، وهو من أكل المال بالباطل، والحلوان في أصل اللغة: العطية ".
وقال إثره: " وتحريم حلوان الكاهن تنبيه على تحريم حلوان المنجم والزاجر وصاحب القرعة التي هي شقيقة الأزلام وضاربة الحصى والعراف والرمَّال ونحوهم ممن تطلب منهم الأخبار عن المغيبات، وقد نهى النبي ﷺ عن إتيان الكهان، وأخبر أن من أتى عرافاً، فصدقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل عليه ﷺ .
ولاريب أن الإِيمان بما جاء به محمد ﷺ وبما يجيء به هؤلاء لا يجتمعان في قلب واحد، وإن كان أحدهم قد يصدق أحياناً؛ فصدقه بالنسبة إلى كذبه قليل من كثير، وشيطانه الذي يأتيه بالأخبار لا بد أن يصدقه أحياناً، ليغوي به الناس ويفتنهم به، وأكثر الناس مستجيبون لهؤلاء مؤمنون بهم، ولا سيما ضعفاء العقول؛ كالسفهاء والجهال والنساء وأهل البوادي ومن لا علم لهم بحقائق الإِيمان؛ فهؤلاء هم المفتونون بهم، وكثير منهم يحسن الظن بأحدهم، ولو كان مشركاً كافراً بالله مجاهراً بذلك، ويزوره، وينذر له، ويلتمس دعاءه، فقد رأينا وسمعنا من ذلك كثيراً، وسبب هذا كله خفاء ما بعث الله به رسوله من
стр. 205
الهدى ودين الحق على هؤلاء وأمثالهم، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] " (٤/ ٢٥٤).
• ما جاء في الكهانة وما في حكمها:
ولنختم هذا الفصل بأخبار وأشعار في الكهانة وما في حكمها:
١ - عن أبي هريرة ﵁؛ أنه ﷺ قال: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» (٧٠). أخرجه أحمد ومسلم.
стр. 206
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=
" الترغيب " (٥/ ٢٤٦/ ٤٣٨٨).
٢ - حديث أنس، ولفظه: " من أتى كاهناً فصدّقه بما يقول؛ فقد برئ مما أنزل على محمد ﷺ ، ومن أتاه غير مصدِّقٍ له؛ لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة ".
قال الهيثمي (٥/ ١١٨): " رواه الطبراني في " الأوسط "، وفيه رشدين بن سعد وهو ضعيف، وفيه توثيق في أحاديث الرقاق، وبقية رجاله ثقات ".
وقال في " الفتح " (١٠/ ٢١٧): " ... بسند ليّن .. ".
٣ - حديث واثلة بن الأسقع ﵁ مرفوعاً: " من أتى كاهناً فسأله عن شيء؛ حجبت عنه التوبة أربعين ليلة، فإن صدَّقه بما قال، كفر ".
رواه الطبراني في " معجمه الكبير " (٢٢/ ٦٩/ ١٦٩) بإسناد ضعيف جداً، فيه سليمان بن أحمد الواسطي " وهو متروك " كما في " المجمع " (٥/ ١١٨)، وعيسى بن سنان الشامي الفلسطيني " ضعيف "، وأبو بكر بن بشير، لعلّه الذي في " الجرح والتعديل " (٩/ ٣٤٢/ ١٥٢٢)؛ قال: " روى عن كعب بن عجرة، روى عنه عبد الملك بن أبي جميلة، سمعت أبي يقول ذلك "، فلم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً!
٤ - حديث عمران بن حُصين مرفوعاً: " ليس منّا مَنْ تطيّر أو تُطُيِّر له، أو تكهَّن أو تُكُهِّن له، أو سَحَر أو سُحِر له، ومن عقد عُقدة- أو قال:- عُقد عقدة، ومن أتى كاهناً فصدّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ".
أخرجه البزار (٣/ ٣٩٩ - ٤٠٠/ ٣٠٤٤)، وقال: " قد روي بعضه من غير وجه، فأما بتمامه ولفظه؛ فلا نعلمه إلّا عن عمران بهذا الطريق، وأبو حمزة بصري لا بأس به ".
وقال الهيثمي (٥/ ١١٧): " ورجاله رجال الصحيح؛ خلا إسحاق بن الربيع وهو ثقة ".
قلتُ: لكنه من رواية الحسن- وهو البصري- عن عمران، وقد اختلفوا في سماعه منه كما في " جامع التحصيل " [ص:١٦٣] و " نصب الراية " (١/ ٩٠) وغيرهما، فإن ثبت فعلَّته عنعنة الحسن؛ فإنه مدلس معروف بذلك، ومنه يعلم أن قول المنذري في " الترغيب " (٥/ ٢٤٥)، ثم الحافظ في " الفتح " (١٠/ ٢١٧): " بإسناد جيّد "! غير جيّد، والله أعلم.
نعم، الحديث صحيح، له شاهد رواه البزار (٣/ ٣٩٩/ ٣٠٤٣)، والطبراني في " الأوسط " من حديث ابن عباس دون قوله: " ومن أتى- إلى آخره "، وفيه زمعة بن صالح وهو ضعيف؛ =
стр. 207
ورواه البزار عن جابر بن عبد الله مرفوعاً وعن ابن مسعود موقوفاً، والطبراني عن أنس وواثلة مرفوعاً، ذكر رواياتهم الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٥/ ١١٧ - ١١٨)، وأخرجه أبو داود عن أبي هريرة بنحو ما تقدم.
٢ - وعن عائشة ﵂؛ قالت: سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَاسٌ عَنِ الكُهَّانِ، فَقَالَ: «لَيْسُوا بِشَيْءٍ». فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَنَا أَحْيَانًا بِشَيْءٍ فَيَكُونُ حَقًّا! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: «تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ، يَخْطَفُهَا الجِنِّيُّ، فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ، فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مئَةَ كَذْبَةٍ» (٧١). أخرجه الشيخان، وقوله: «يَقُرُّهَا»؛ بوزن: يردها، من القر، وهو ترديد الكلام في أذن المخاطب حتى يفهم.
٣ - وعن أبي مسعودرضي الله عنه، قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن (٧٢). أخرجه الشيخان وغيرهما.
стр. 208
٤ - وعن ابن مسعود ﵁؛ أنه ﷺ قال: " الطيرة شرك، وما منا إلّا ... ولكن الله يذهبه بالتوكل " (٧٣). أخرجه أبو داود والترمذي، وصححه هو وابن حبان، وبين الحافظ في " الفتح " أن قوله: " وما منا " من كلام ابن مسعود (١٠/ ١٧٤).
٥ - وعن رويفع بن ثابت ﵁؛ أنه ﷺ قال: " من ردته الطيرة
стр. 209
عن شيء؛ فقد قارف الشرك " (٧٤). رواه البزار عن شيخه إبراهيم غير منسوب، وفيه سعيد بن أسد بن موسى، روى عنه أبو زرعة الرازي، ولم يضعفه أحد، وبقية رجاله ثقات، قاله في " مجمع الزوائد " (٥/ ١٠٥).
• حكمة مدح الفأل وذم الطيرة:
٦ - وعن أبي هريرة ﵁؛ أنه ﷺ قال: «لاَ طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا الْفأْلُ» قَالُوا: وَمَا الْفأْلُ؟ قَالَ: «الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةِ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ» (٧٥). أخرجه الشيخان.
وفي " فتح المجيد " عن الحليمي: " وإنما كان ﷺ يعجبه الفأل، لأن التشاؤم سوء ظن بالله تعالى بغير سبب محقق، والتفاؤل حسن ظن به، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال " [ص:٣٢٥].
٧ - وعن عمران بن حصين ﵁، أنه ﷺ قال: " ليس منا من
стр. 210
تطير أو تطير له، أو تكهن له، أو سحر أو سحر له " (٧٦). رواه الطبراني، وفيه إسحاق بن الربيع العطار، وثقه أبو حاتم، وضعفه عمرو بن علي، وبقية رجاله ثقات. وأخرجه البزار أيضاً، ورجاله رجال الصحيح؛ خلا إسحاق بن الربيع، وهو ثقة، قاله في " مجمع افزوائد " (٥/ ١٠٤، ١١٧).
٨ - وعن العباس بن عبد المطلب ﵁؛ قال: خرجت مع رسول الله ﷺ من المدينة، فالتفت إليها، فقال: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَرَّأَ هَذِهِ الْجَزِيرَةَ مِنَ الشِّرْكِ» (٧٧)، وفي رواية: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ طَهَّرَ هَذِهِ الْقَرْيَةَ مِنَ الشِّرْكِ إِنْ لَمْ
стр. 211
تُضِلُّهُمُ النُّجُومُ». رواه أبو يعلى والطبراني في " الكبير " و " الأوسط "، وفيه قيس ابن الربيع، وثقه شعبة والثوري، وضعفه الناس، وبقية رجاله ثقات، قاله في " مجمع الزوائد ".
• حكم التنجيم:
٩ - وعن ابن عباس ﵄؛ أنه ﷺ قال: «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ، اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، زَادَ مَا زَادَ» (٧٨). رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه
стр. 212
بإسناد رجاله ثقات، وصححه النووي في " رياض الصالحين ".
قال ابن رسلان في " شرح السنن ": " والمنهي عنه ما يدعيه أهل التنجيم من علم الحوادث والكوائن التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان، ويزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها، وهذا تعاط لعلم استأثر الله بعلمه ... وأما علم النجوم الذي يعرف به الزوال وجهة القبلة، وكم مضى وكم بقي؛ فغير داخل فيما نهي عنه، ومن المنهي عنه: التحدث بمجيء المطر، ووقوع الثلج، وهبوب الرياح (*)، وتغير الأسعار ". نقله الشوكاني في " نيل الأوطار " (٧/ ١٥٢).
١٠ - وقال ﷺ : «الْعِيَافَةُ وَالطِّيَرَةُ وَالطَّرْقُ مِنَ الْجِبْتِ» (٧٩). رواه: أبو داود، والنسائي، وابن حبان في " صحيحه "، وحسنه في " رياض الصالحين ".
стр. 213
والجبت: كل ما عبد من دون الله، ويطلق على الساحر والكاهن، قاله الراغب في " مفرداته "، والجوهري في " صحاحه ".
ومما قاله الشعراء في هذا الباب قول لبيد:
لَعَمْرُكَ مَا تَدْرِي الطَّوَارِقُ بِالْحَصَا ... وَلَا زَاجِرَاتُ الطَّيْرِ مَا اللهُ صَانِعُ
آخر:
تَعَلَّمْ أَنَّهُ لَا طَيْرَ إِلَّا ... عَلَى مُتَطَيِّرٍ وَهُوَ الثَّبُورُ
آخر:
الزَّجْرُ وَالطَّيْرُ وَالْكُهَّانُ كُلَّهُمُ ... مُضَلِّلُونَ وَدُونَ الْغَيْبِ أَقْفَالُ
• • • • •
стр. 214
١٨ - السحر
السحر- بكسر فسكون- مما يلتبس بالكرامات، ويظن صاحبه قادراً على التصرف في الكائنات، نافذاً علمه في حجب المغيبات، فلزم أن نتحدث عنه.
• السحر في اللغة:
السحر- بفتحتين وبسكون ثانيه مع ضم أوله أو فتحه- هو الرئة، يقال: كل ذي سحر يتنفس ويتطلب الغذاء، ثم قد يطلق على الغذاء نفسه وعلى آخر الليل، لأنه متنفس الصبح، وكل هذا فيه معنى الخفاء، فإن الرئة خفية في ذات الحيوان، والنفس ألطف شيء فيه، والغذاء تخفى مجاريه في البدن ويدق تأثيره، ويطلق السحر بمعنى التعليل والتلهية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٥]: فسر بالمعللين، وبمَن خُلِق ذا سحر، ويطلق بمعنى الخداع، تقول: سحرت الصبي إذا خدعته، وبمعنى الصرف والاستمالة، وعليه حمل حديث ابن عمر ﵄ عند أحمد والبخاري وغيرهما؛ أنه ﷺ قال: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» (٨٠).
стр. 215
قال في " القاموس ": " معناه- والله أعلم- أنه يمدح الإِنسان فيصدق فيه حتى يصرف قلوب السامعين إليه، ويذمه فيصدق فيه حتى يصرف قلوبهم أيضاً عنه ".
• السحر في الشرع:
فالسحر يرجع في معناه إلى الخفاء واللطافة، وإلى الخداع والتمويه، وإلى التلهية والتعليل، وإلى الصرف والاستمالة، وعرفه الجصاص في " أحكامه " بقوله: " كل أمر خفي سببه، وتخيل على غير حقيقته، وجرى مجرى التمويه والخداع " (١/ ٤٢).
وقال ابن العربي في " أحكامه ": " حقيقته أنه كلام مؤلف يعظم به غير الله تعالى، وتنسب إليه فيه المقادير والكائنات " (١/ ١٤).
• أنواع السحر:
ونوع الراغب في " مفرداته " السحر إلى ثلاثة أنواع، ونوعه الفخر الرازي في " تفسيره " إلى ثمانية تدخل فيها أنواع الراغب، ونحن نلخصها فيما يلي - توضيحاً لمعناه، وتفصيلًا لأحكامه-: