← Акыда

Акыда · id 37348

رسالة الشرك ومظاهره

مبارك الميلي

Полный текст (448 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

تُضِلُّهُمُ النُّجُومُ». رواه أبو يعلى والطبراني في " الكبير " و " الأوسط "، وفيه قيس ابن الربيع، وثقه شعبة والثوري، وضعفه الناس، وبقية رجاله ثقات، قاله في " مجمع الزوائد ". • حكم التنجيم: ٩ - وعن ابن عباس ﵄؛ أنه ﷺ قال: «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ، اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، زَادَ مَا زَادَ» (٧٨). رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه

стр. 212

بإسناد رجاله ثقات، وصححه النووي في " رياض الصالحين ". قال ابن رسلان في " شرح السنن ": " والمنهي عنه ما يدعيه أهل التنجيم من علم الحوادث والكوائن التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان، ويزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها، وهذا تعاط لعلم استأثر الله بعلمه ... وأما علم النجوم الذي يعرف به الزوال وجهة القبلة، وكم مضى وكم بقي؛ فغير داخل فيما نهي عنه، ومن المنهي عنه: التحدث بمجيء المطر، ووقوع الثلج، وهبوب الرياح (*)، وتغير الأسعار ". نقله الشوكاني في " نيل الأوطار " (٧/ ١٥٢). ١٠ - وقال ﷺ : «الْعِيَافَةُ وَالطِّيَرَةُ وَالطَّرْقُ مِنَ الْجِبْتِ» (٧٩). رواه: أبو داود، والنسائي، وابن حبان في " صحيحه "، وحسنه في " رياض الصالحين ".

стр. 213

والجبت: كل ما عبد من دون الله، ويطلق على الساحر والكاهن، قاله الراغب في " مفرداته "، والجوهري في " صحاحه ". ومما قاله الشعراء في هذا الباب قول لبيد: لَعَمْرُكَ مَا تَدْرِي الطَّوَارِقُ بِالْحَصَا ... وَلَا زَاجِرَاتُ الطَّيْرِ مَا اللهُ صَانِعُ آخر: تَعَلَّمْ أَنَّهُ لَا طَيْرَ إِلَّا ... عَلَى مُتَطَيِّرٍ وَهُوَ الثَّبُورُ آخر: الزَّجْرُ وَالطَّيْرُ وَالْكُهَّانُ كُلَّهُمُ ... مُضَلِّلُونَ وَدُونَ الْغَيْبِ أَقْفَالُ • • • • •

стр. 214

١٨ - السحر السحر- بكسر فسكون- مما يلتبس بالكرامات، ويظن صاحبه قادراً على التصرف في الكائنات، نافذاً علمه في حجب المغيبات، فلزم أن نتحدث عنه. • السحر في اللغة: السحر- بفتحتين وبسكون ثانيه مع ضم أوله أو فتحه- هو الرئة، يقال: كل ذي سحر يتنفس ويتطلب الغذاء، ثم قد يطلق على الغذاء نفسه وعلى آخر الليل، لأنه متنفس الصبح، وكل هذا فيه معنى الخفاء، فإن الرئة خفية في ذات الحيوان، والنفس ألطف شيء فيه، والغذاء تخفى مجاريه في البدن ويدق تأثيره، ويطلق السحر بمعنى التعليل والتلهية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٥]: فسر بالمعللين، وبمَن خُلِق ذا سحر، ويطلق بمعنى الخداع، تقول: سحرت الصبي إذا خدعته، وبمعنى الصرف والاستمالة، وعليه حمل حديث ابن عمر ﵄ عند أحمد والبخاري وغيرهما؛ أنه ﷺ قال: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» (٨٠).

стр. 215

قال في " القاموس ": " معناه- والله أعلم- أنه يمدح الإِنسان فيصدق فيه حتى يصرف قلوب السامعين إليه، ويذمه فيصدق فيه حتى يصرف قلوبهم أيضاً عنه ". • السحر في الشرع: فالسحر يرجع في معناه إلى الخفاء واللطافة، وإلى الخداع والتمويه، وإلى التلهية والتعليل، وإلى الصرف والاستمالة، وعرفه الجصاص في " أحكامه " بقوله: " كل أمر خفي سببه، وتخيل على غير حقيقته، وجرى مجرى التمويه والخداع " (١/ ٤٢). وقال ابن العربي في " أحكامه ": " حقيقته أنه كلام مؤلف يعظم به غير الله تعالى، وتنسب إليه فيه المقادير والكائنات " (١/ ١٤). • أنواع السحر: ونوع الراغب في " مفرداته " السحر إلى ثلاثة أنواع، ونوعه الفخر الرازي في " تفسيره " إلى ثمانية تدخل فيها أنواع الراغب، ونحن نلخصها فيما يلي - توضيحاً لمعناه، وتفصيلًا لأحكامه-:

стр. 216

• سحر البابليين: النوع الأول: سحر البابليين من الكلدان الذين كانوا يعبدون الكواكب، ويرونها مدبرة هذا العالم، فيستميلونها إليهم، أو يصرفون ضررها عنهم بالرقى والدخن وكل ما يناسب الكواكب ويقرب منها في رأيهم. • سحر أصحاب الأحوال: النوع الثاني: سحر أصحاب الأحوال ذوي النفوس القوية المؤثرة عندهم، يعملون لتقويتها بتقليل الغذاء والعزلة عن الناس وقطع المألوفات والمشتهيات، ويستعينون على تأثيرها بالرقى والدخن. قال ابن كثير في " تفسيره ": " والتصرف بالحال على قسمين: تارة تكون حالًا صحيحة شرعية يتصرف بها فيما أمر الله ورسوله ﷺ ، ويترك ما نهى الله تعالى عنه ورسوله ﷺ ؛ فهذه الأحوال مواهب من الله تعالى وكرامات للصالحين من هذه الأمة، ولا يسمى هذا سحراً في الشرع، وتارة تكون الحال فاسدة لا يمتثل صاحبها ما أمر الله ورسوله ﷺ ، ولا يتصرف بها في ذلك، فهذه حال الأشقياء المخالفين للشريعة، ولا يدل إعطاء الله إياهم هذه الأحوال على محبة لهم؛ كما أن الدجال له من الخوارق للعادات ما دلت عليه الأحاديث الكثيرة، مع أنه مذموم شرعاً لعنه الله " (١/ ٢٦٦). • سحر أصحاب العزائم: النوع الثالث: سحر عبدة الشياطين وخدمة الجان، يتقربون إليهم بالرقى والعزائم والدخن، يزعمون عن خيال ووهم زعماً لا يشهد له عقل ولا أثارة من علم أن ما يعزمون به أسماء لله تعالى كانت الملائكة تتصرف بها في الجن على عهد سليمان فمتى ذكَرهَا المعزم؛ انقادت له الجن في استخراج الخبايا أو الخروج من الممسوس.

стр. 217

• سحر أصحاب الشعوذة: النوع الرابع: سحر المشعوذين يخدعون الناس بحركات خفيفة، يصرفون بها الأنظار عما يريدون فعله والاحتيال فيه إلى شيء معين يحدق الحاضرون إليه بأعينهم. • سحر أصحاب التخييل بالصنعة: النوع الخامس: سحر حذاق أهل الصنعة؛ كتركيب آلات على نسب هندسية تظهر منها أعمال عجيبة، والصناعات- كالعلوم- منها الجلي الذي يدركه كل عاقل رآه أو سمعه، ومنها الخفي الذي لا يدركه إلا الخواص ممن عنوا به، وقد قيل: إن سحر القبط من النوع الرابع، وقيل: من هذا النوع، عمدوا إلى الحبال والعصي، فحشوها زئبقاً، وصارت تتلوى، فخيل للناظرين أنه تسعى باختيارها، وإنما يعد هذا في السحر إذا كتم الصانع أسباب عمله الخفية، وزعم أنه يفعل ذلك خارقاً للعادة بقوة نفسه أو بجاهه عند الله، كالذين يحملون العصي الخاصة لصرخ البارود، يوهمون العامة أنها عصي عادية تصرخ كرامة لهم. • سحر أصحاب التخييل بالخواص: النوع السادس: سحر الواقفين على خواص الأشياء، كخواص الأعداد المعبر عنها عندنا بعلم الجدول، وكخواص الأعشاب، وكخواص الأحجار مثل المغناطيس، فإن للأشياء كما للعباد طبائع وخواص، إنما بعضها ضروري كإرواء الماء وإحراق النار، وبعضها نظري غامض لا يهتدي إليه إلا القليل من الباحثين. قال ابن كثير في " تفسيره ": " يدخل في هذا القبيل كثير ممن يدعي الفقر، ويتحيل على جهلة الناس بهذه الخواص، مدعياً أنها أحوال له؛ [من] مخالطة

стр. 218

النيران، ومسك الحيات ... إلى غير ذلك من المحالات ". قلت: وقد ارتقى اليوم علم الكيمياء ارتقاء بديعاً، وصارت المركبات الكيماوية بضائع مبتذلة، فتجد عبدة الخوارق يقتنون منها ويدجلون بها على البداة الذين لم يزالوا على الفطرة لم يشعروا بالمدنية الحاضوة وغرائبها. • سحر أصحاب التنويم: النوع السابع: سحر التنويم، وعبر عنه الرازي بتعليق القلب، وهو أن يهول الساحر على ضعيف العقل قليل التمييز، ويوهمه أنه يتصرف في الجن حتى يؤثر عليه، فيصدقه، ويتعلق قلبه به، ويسلب شعوره من الرعب، فيكون معه كالنائم، وهنالك يفعل الساحر به ما شاء، وعامتنا تعبر عن هذا الساحر بالمصروع، وعن حركاته بالتهوال. • سحر النمام: النوع الثامن: سحر النميمة بالسعي بين الناس من وجوه خفية لطيفة، ولم ينفرد الرازي بإدخال النميمة في السحر، بل سبقه إليه أبو بكر الجصاص في " أحكامه "، وفعله أيضاً الراغب في " مفرداته "، وهو مقتضى ما أخرجه مسلم عن ابن مسعود رضى الله عنه، أنه ﷺ قال: «أَلَا هَلْ أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ» (٨١). والعضه- بفتح فسكون-: السحر في لغة قريش، والعاضه: الساحر عندهم، قاله في " الصحاح ".

стр. 219

وقال يحيى بن أبي كثير: " يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة ". ومقتضاه أن النمام غير الساحر، ولكن يلتحق به في المعنى. والهيتمي في " الزواجر " تبع الرازي في عَدِّه أنواع السحر بترتيبه وألفاظه، إلا في هذا النوع، فإنه أسقطه. وصرح في " الفتاوى الحديثية " بأن من السحرة أو في معناهم من تجتمع عليهم الخلق في الطرقات لإِلهاء الناس بأشياء عجيبه؛ كقطع رأس الإِنسان وإعادتها، وندائهم له بعد ذلك فيجيبهم، وجعل نحو دارهم من التراب وغير ذلك مما هو مشهور عنهم، وكذلك من يكتبون للمحبة والقبول وإخراج الجان. • ما يقع بالسحر: قال القرطبي في " تفسيره ": " قال علماؤنا: لا ينكر أن يظهر على يد الساحر خرق العادات بما ليس في مقدور البشر من مرض وتفريق وزوال عقل وتعويج عضو ... إلى غير ذلك مما قام الدليل على استحالة كونه من مقدورات البشر. قالوا: ولا يبعد في السحر أن يستدق جسم الساحر حتى يتولج في الكوّات والخوخات، والانتصاب على رأس قصبة، والجري على خيط مستدق، والطيران في الهواء، والمشي على الماء، وركوب كلب، وغير ذلك، ومع ذلك؛ فلا يكون السحر موجباً لذلك، ولا علة لوقوعه، ولا سبباً مولداً، ولا يكون الساحر مستقلًّا به، وإنما يخلق الله تعالى هذه الأشياء ويحدثها عند وجود السحر، كما يخلق الشبع عند الأكل، والري عند شرب الماء ". وروى سفيان عن عمار الدّهني أن ساحراً كان عند الوليد بن عقبة يمشي على الحبل ويدخل في است الحمار ويخرج من فيه، فاشتمل له جندب على

стр. 220

السيف، فقتله جندب (٨٢). هذا هو جندب بن كعب الأزدي- ويقال: البجلي-، وهو الذي قال في حقه النبي ﷺ : «يَكُونُ فِي أُمَّتِي رَجُلٌ، يُقَالُ لَهُ: جُنْدُبٌ، يَضْرِبُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ، يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ»؛ فَكَانُوا يَرَوْنَهُ جُنْدُبًا هَذَا قَاتِلُ السَّاحِرِ (٨٣).

стр. 221

• ما لا يقع بالسحر: " وأجمع المسلمون على أنه ليس من السحر ما يفعل الله عنده إنزال الجراد، والقمل، والضفاح، وفلق البحر، وقلب العصا، وإحياء الموتى، وإنطاق العجماء، وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل ﵈؛ فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون ولا يفعله الله عند إرادة الساحر. قال القاضي أبو بكر بن الطيب: " وإنما منعنا ذلك بالإِجماع، ولولاه؛ لأجزناه " (٢/ ٤٧). • ساحر الوليد: وذكر ابن عبد البر في " الاستيعاب " والحافظ في " الإِصابة " جندباً هذا والحديث الذي ورد في حقه، وحديثه مع ساحر الوليد، وأن ذلك الساحر كان يلعب بين يدي الوليد بن عقبة، وهو أمير بالعراق، فيرى أنه يقطع رأس رجل ثم يعيده، أو يضرب رأس نفسه، فيرمي به، ثم يشتد، فيأخذه، ثم يعيده مكانه، فجاءه جندب، فضرب عنقه، وقال: قولوا له: فليحي نفسه الآن ". • حكم السحر: وقال القرطبي في " تفسيره " أيضاً: " من السحر ما يكون كفراً من فاعله، مثل ما يدعون من تغيير صور الناس وإخراجهم في هيئة بهيمة، وقطع مسافة شهر في ليلة، والطيران في الهواء، فكل من فعل هذا ليوهم الناس أنه مُحِقٌّ؛ فذلك كفر منه ".

стр. 222

وفي " تفسير ابن كثير " عن ابن هبيرة؛ أنه قال في كتابه " الإِشراف على مذاهب الأشراف ": " واختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يكفر بذلك. ومن أصحاب أبي حنيفة من قال: إن تعلمه ليتقيه أو يجتنبه؛ فلا يكفر، ومن تعلمه معتقداً جوازه أو أنه ينفعه؛ كفر، وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء؛ فهو كافر. وقال الشافعي ﵀: إذا تعلم السحر؛ قلنا له: صف لنا سحرك، فإن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يُلتمس منها؛ فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر؛ فإن اعتقد إباحته؛ فهو كافر " (١/ ٢٧٠). وما نسبه لبعض أصحاب أبي حنيفة من عدم تكفير متعلمه اتقاء له ليس معناه الجواز؛ فإن بين الكفر والجواز درجات. قال أبو البقاء الحنفي في " كلياته ": " والصحيح من مذهب أصحابنا أن تعلمه حرام مطلقاً، لأنه توسل إلى محظور عنه غني، وتوقيه بالتجنب أصلح وأحوط " [ص:٢٠٨]. وقال الهيتمي في " الفتاوى الحديثية ": " الصواب أن التقرب إلى الروحانيات وخدمة ملوك الجان من السحر، وهو الذي أضل الحاكم العبيدي لعنه الله حتى ادعى الألوهية، ولعبت به الشياطين حتى طلب المحال " [ص:٨٨]. • ما جاء في السحر: وهذا بعض ما جاء في السحر: ١ - قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ... ﴾ الآية [البقرة: ١٠٢].

стр. 223

٢ - وقال حكاية عن موسى وخطابه للسحرة: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]. ٣ - وقال جل شأنه: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩]. ٤ - وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة ﵁؛ أنه ﷺ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا هُنَّ؛ قال: «الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاَتِ» (٨٤). فجعل ﷺ السحر متصلاً بالشرك العلني، ومتقدماً على القتل. ٥ - وأخرج النسائي عن الحسن عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً، ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا؛ فَقَدْ سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ، فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَعَلَّقَ ِشَيْئاً وُكِّلَ إلَيْهِ» (٨٥). قال في " الزواجر ": " ولم يسمع الحسن من أبي هريرة عند الجمهور " (٢/ ٩٣).

стр. 224

٦ - وروى البزار أن عبد الله ﵁، قال: " من أتى كاهناً أو ساحراً، فصدقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد [ ﷺ ] " (٨٦). قال ابن كثير: " وإسناده صحيح، وله شواهد أخر ". • ضرر السحر في الدين: تلك أقوال الفقهاء مجمعة على أن السحر معصية، ثم جلهم يرونها معصية شرك وكفر بإطلاق، وبعضهم لا ينتهي بها إلى الكفر ما لم ينضم إليها: إما استحلال لها، وإما اعتقاد ينافي التوحيد، وإما فعل يخالف الإِسلام. وهذه الآيات والآثار تنكر على الساحر أي إنكار، وتحذر من السحر كل تحذير، وما ذلك إلا لشدة ضرر هاته الآفة في الدين والدنيا، وأول أضرارها الصد عن كتاب الله، وهذا ما وقع فيه قبلنا بنو إسرائيل، فعابه القرآن عليهم في آية ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠١ - ١٠٢].

стр. 225

• ولوع بعض الطبقات به: أبَعْدَ هذا التنبيه وذلك التحذير يتسابق أصحاب هذا الكتاب وأتباع ذلك الرسول إلى ضروب السحر، ويتنافسون في إتقانها، ويفخر فاخرهم بالمهارة فيها؟! تجد بعض المنتسبين إلى بيوت الصلاح أو دور الطرق الصوفية- وما أكثرهم! - يدجلون على بله العوام بمخاريق سحرية، يوهمونهم بها أنهم ذوو كرامات أولوا تصرف في الروحانيات، وترى بعض من تعلموا القراءة والكتابة يكبون على شمس المعارف للبوني، يأخذون منها أقوالاً وأعمالًا مبنية على علم الحروف المنظور فيه إلى طبائع الكواكب المزعوم أنها الحاكمة في هذا العالم، فيعتقدون اعتقاد الكلدان، ويلبسون لباس أهل القرآن، كل ذلك لينعتوا بالحكمة، ويشار إليهم بتطويع ملوك الجان. • العبيدي الميلي: وقد أدركت بميلة جيلاً كله إعجاب برجل يدعونه: العبيدي، وينقلون في مجالسهم أحاديث تصرفه في الجن (*)؛ فهذا يقول: أخرجه من فلانة وسجنه في زجاجة!! وذاك يحدثك عن إحراقه وتصاعد دخانه!! وآخر يروي لك توبيخه لهم وتهديده إياهم!! فهذا الحكيم العبيدي بميلة يكاد يحظى حظوة ذلك الحاكم العبيدي بمصر، وقد قرأت القرآن على من ورث العبيدي الميلي في صنعته، وإن كان دون شهرته، وكنت أتمنى لو يطلعني شيخي على هذا السر، فحفظني الله من ذلك الشر. • ولوع النساء بالسحر: أما النساء؛ فلا تسأل ... هذه تربط الزوج عن زوجه أوتحله، وتلك تبلد

стр. 226

الرجل حتى تروج عليه زوجه كل شيء، وماهرة تنزل القمر في القصعة كأن القمر خبزة، ولا تجد في الأغلب من تتزوج إلا وهي متزوده من العجائز بوصايا سحرية ورقى وأدوية (وفيهن- لا نكذب- نساء صوالح)، ولو عنيت أمتنا بالعلم عنايتها بالسحر، لم تنحرف في حياتها عن سلم الرقي، ولكنها حادت عن سنة التقدم، وأحاطت بها خطاياها، فحاق بها سوء عملها، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. • • • • •

стр. 227

١٩ - الرقية والعزيمة • الرقية في اللغة: الرقية: المرة من الرقي، والاسم للألفاظ التي يرقى بها، وجمعها رقى، كمدية ومدى، والفعل رقى؛ كرمى، ومعناها: التعويذة بقراءة كلمات على المصاب رجاء البرء، تقول: استرقيته فرقاني؛ فهو راق وهي راقية، وهن رواق. قال الراجز: لَقَدْ عَلِمْتُ وَالْآجِلُ الْبَاقِي ... أَنْ لَا تَرُدُّ الْقَدَرَ الرَّوَاقِي أما الرقي بمعنى الصعود؛ فهو بضم أوله وكسر ثانيه وشد آخره، وفعله رقي؛ كرضي، يقال: رقي فهو راق، وارتقى مثله، والترقوة ما يترقى فيه النفس من مقدم الحلق في أعلى الصدر. • معنى العزيمة: ويقال للرقية عزيمة، وجمعها عزائم، تقول: عزم الراقي كضرب، وعزم تعزيماً إذا قرأ العزيمة والرقية، وأصل العزم والعزيمة عقد القلب على إمضاء الأمر، تقول: عزمت الأمر وعلى الأمر واعتزمته واعتزمت عليه. قال الراغب: " والعزيمة تعويذ، كأنه تصور أنك قد عقدت بها على

стр. 228

الشيطان أن يمضي إرادته فيك ". • الفرق بين الرقية والسحر: هذا كلام اللغويين، وظاهره اتحاد الرقية والعزيمة في الاستعمال، واختصاصهما بما يراد به نفع المرقي. وصرح القرافي في " فروقه " بذلك الاختصاص، فقال: " ولا يقال لفظ الرقى على ما يحدث ضرراً، بل ذلك يقال له: السحر " (٤/ ١٤٧). فأفاد مباينة الرقية للسحر، ولعل هذا في أغلب الاستعمال، وإلا، فإن تصرف الأخبار والآثار على أن بينهما عموماً وجهيّاً. • الفرق بين العزيمة والرقية: وفرق القرافي بين الرقية والعزيمة: فشرح الأولى بقوله: " هي ألفاظ خاصة يحدث عندها الشفاء من الأسقام والأدواء والأسباب المهلكة ". وشرح الثانية بما حاصله: " كلمات تعظمها ملائكة متصرفة في قبائل الجن، متى أقسم المعزم عليها بها؛ أجابت إلى ما طلب منها ". والعزيمة بهذا المعنى من السحر كما تقدم، وهو المعروف عند عامتنا، ويعبرون عن الرقية بالتسبب، فيقولون: " تسبب لي سيدي فلان في هذا الماء أو الزيت "، ولفظ (الرقية) موجود في لسانهم، ولكنهم يريدون منه معنى الطرق المتقدم في فعل الكهانة. • اتحاد حكم الرقية والعزيمة: وسواء كانت العزيمة بمعنى الرقية أم خصت بما يقرأ على المصاب

стр. 229

بالجن؛ فإن حكمها وحكم الرقية واحد، كما قال ابن الشاط في " حاشية الفروق "، فكل ما ورد في أحدهما ينسحب على الآخر إذناً ونهياً. • النهي عن الرقية: ١ - قال تعالى فيما يستعاذ منه: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]، وهن السواحر يرقين بكلام فيه شرك وينفثن حال الرقي. قال الجصاص في أحكامه عن قتادة: " إياكم وما يخالط السحر من هذه الرقى " (٣/ ٤٧٨). ٢ - وقال في التذكير بحال الاحتضار: " ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة: ٢٦ - ٢٧]: إذا كان الراقي من الرقية، والاستفهام للإِنكار؛ أفاد ذم الرقية، ويكون المعنى كما قال الشاعر: هَلْ لِلْفَتَى مِنْ بَنَاتِ الْمَوْتِ مِنْ وَاقِي ... أَمْ هَلْ لَهُ مِنْ حِمَامِ الْمَوْتِ مِنْ رَاقِي وهذا المعنى للآية أحد قولين؛ فيها نظمهما الديريني في رجزه " التيسير " بقوله: وقِيلَ مَنْ رَاقٍ لِمَنْ يَرْقِيهِ ... مِنَ الرُّقَى لَعَلَّهُ يَسْقِيهِ وَقِيلَ مَنْ يَرْقِي مِنَ الْمَلَائِكَهْ ... بِالرُّوحِ هَلْ نَاجِيَةٌّ أَمْ هَالِكَهْ ٣ - وعن زينب عن زوجها عبد الله بن مسعود ﵄؛ أنه قال لها: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتَّوَلَةَ شِرْكٌ» (٨٧).

стр. 230

قالت: قلت: لم تقول هذا؛ والله؛ لقد كانت عيني تقذف فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيني، فإذا رقاني، سكنت. قال عبد الله: إنما ذلك عمل الشيطان، كان ينخسها بيده، فإذا رقاها؛ كف عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله ﷺ يقول: «أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا». أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم، وصححه [هو و] ابن حبان. والتولة- كهُمَزَة، وتكسر-: ما تتحبب به المرأة إلى زوجها من ضروب السحر. قال ابن العربي في " أحكامه ": " من أقسام السحر فعل ما يفرق به بين المرء وزوجه، ومنه ما يجمع بين المرء وزوجه، ويسمى التولة، وكلاهما كفر، والكل حرام كفر، قاله مالك " (١/ ١٤). ٤ - وعن أبي أمامة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ مِنَ السِّحْرِ: الرُّقَى، وَالتَّوَلُ، وَالتَّمَائِمُ» (٨٨). رواه الطبراني، وفيه علي بن يزيد

стр. 231

الألهاني، وهو ضعيف، قاله في " مجمع الزوائد "، لكنه يصلح شاهداً للحديث قبله. وهذه الأدلة تفيد ذم الرقى والعزائم والنهي عنها. • الترخيص في الرقية: وجاء ما يفيد الإِذن ورفع الحرج: ٥ - فعن عائشة ﵂: رخص النبي ﷺ في الرقية من كل ذي حمة (٨٩). والحمة- بضم ففتح-: السم من الحية والعقرب وغيرهما. ٦ - وعن عوف بن مالك ﵁، قال: كنا نرقي في الجاهلية،

стр. 232

فقلنا: يا رسول الله! كيف ترى في ذلك؛ فقال: «اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى، مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» (٩٠). أخرجه مسلم وأبوداود. ٧ - وعن عبادة بن الصامت، قَالَ: كُنْتُ أَرْقِي مِنْ حُمَّةَ الْعَيْنِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا أَسْلَمْتُ؛ ذَكَرْتُهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فقال: «أَعْرِضْهَا عَلَيَّ». فعرضتها عليه، فقال: «ارْقِ بِهَا؛ فَلَا بَأْسَ بِهَا». وَلَوْلا ذَلِكَ مَا رَقِيتُ بِهَا إِنْسَانًا أَبَدًا (٩١). رواه الطبراني بإسناد حسن. • أقسام الرقية وأحكامها: واختلاف الأحاديث في شأن الرقية ليس اختلافاً في حكمها، وإنما هو لاختلاف أحوالها، فإن الرقية على أربعة أوجه: أحدها: أن تكون بألفاظ شركية، أو ينسب إليها النفع والضر؛ فذلك كفر وشرك. ثانيها: أن تكون بألفاظ منقولة غير معقولة المعنى، فهي ذريعة إلى الشرك، محرمة، أفتى بحرمتها ابن رشد المالكي وابن عبد السلام الشافعي وجماعة من أئمة الحنفية وغيرهم، نقل ذلك الهيتمي في " الفتاوى الحديثية ". ثالثها: أن تكون بأسماء غير الله من ملك أو نبي وكل معظم شرعاً؛ فهي غير مشروعة، وحكمها حكم الحلف بغير الله، كما نقله في " الفتح " عن القرطبي (١٠/ ١٦١).

стр. 233

رابعها: أن تكون بأسماء الله أو بكلامه أو ما أثر عن النبي ﷺ ؛ فهذا مشروع، وكلام الله وحديث رسوله مقدمان على سواهما مما هو بأسماء الله. • شروط الرقية: قال الزرقاني في " شرح الموطأ ": " الرقية المأذون فيها ما كانت باللسان العربي- أو بما يفهم معناه- ويجوز شرعاً، مع اعتقاد أنها لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير الله، والمنهي عنها ما فقد منها شرط من ذلك " (٤/ ١٥٢). وقال الباجي في " منتقاه ": " في المستخرجة عن مالك: لا أحب رقى أهل الكتاب "، وكرهه. • قول مالك في بعض ضروب الرقية: وذلك- والله أعلم- إذا لم تكن رقيتهم موافقة لما في كتاب الله تعالى، وإنما كانت من جنس السحر وما فيه كفر مناف للشرع. وروى ابن وهب عنه عن المرأة التي ترقي بالحديدة والملح، وعن الذي يكتب الحرز ويعقد فيما يعلقه به عقداً، والذي يكتب حرز سليمان؛ أنه كره ذلك كله، وكان العقد في ذلك عنده أشد كراهية، لما في ذلك من مشابهة السحر، ولعله تأول قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]، والله أعلم. (٧/ ٢٦١). • حكم ما يعطى على الرقية: وفي " الفتاوى الحديثية " عن ابن أبي زيد: " لا يجوز الجعل على إخراج الجان من الإِنسان، لأنه لا يعرف حقيقته ولا يوقف عليه، ولا ينبغي لأهل الورع فعله ولا لغيرهم، وكذا الجعل على حل المربوط والمسحور " [ص:٨٨]. وفعل هؤلاء [إن كان على الوجه الممنوع؛ فعدم جواز جعلهم لذلك، و]

стр. 234

إن كان على الوجه المشروع " فالجهل بحقيقة الإصابة غير ضار؛ لأن الجعل على الشفاء، وهو معلوم " إلا أن يريد أن الجني (*) قد يعود، وأن الجعل على إخراجه الذي لا عود معه، وإلا، تنافى مع ما في " صحيح البخاري " عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَتَوْا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ، فَلَمْ يَقْرُوهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ، فَقَالُوا: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ رَاقٍ؟ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا، وَلاَ نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا. فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا مِنَ الشَّاءِ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ، وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ، وَيَتْفِلُ، فَبَرَأَ، فَأَتَوْا بِالشَّاءِ، فَقَالُوا: لاَ نَأْخُذُهُ حَتَّى نَسْأَلَ - النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَأَلُوهُ فَضَحِكَ وَقَالَ: «وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ» (٩٢). وفيه أيضاً عن ابن عباس ﵄ حديث هذه القصة: وأن رسول الله ﷺ قال فيها: «إِنَّ أَحقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ» (٩٣). • صفة الرقية: وصفة الرقية أن يقرأ القارئ على محل الألم أو على يديه للمسح بهما، أو في ماء ونحوه، وينفث أثر القراءة نفثاً خالياً من البزاق، وإنما هو نفس معه بلل من الريق. روى البخاري (٩٤) عن عائشة من حديث معمر عن الزهري؛ قالت: كان

стр. 235

النبي ﷺ ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات، فلما ثقل؛ كنت أنفث عنه بهن، وأمسح بيد نفثه لبركتها. فسألت الزهري: كيف ينفث؛ قال: كان ينفث على يديه، ثم يمسح بهما وجهه. والمعوذات هن: سورة الإِخلاص، والفلق، والناس؛ كما في " الفتح ". • صفة العزيمة: وصفة العزيمة جاءت في حديث أبي بن كعب؛ قال: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنَّ لِي أَخًا وَبِهِ وَجَعٌ. قَالَ: «وَمَا وَجَعُهُ؟». قَالَ: بِهِ لَمَمٌ. قَالَ: «فَأْتِنِي بِهِ». فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَوَّذَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَأَرْبَعِ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَثَلَاثِ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَآيَةٍ مِنْ آلِ عِمْرَانَ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، وَآيَةٍ مِنَ الْأَعْرَافِ ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، وَآخِرِ [آيَةِ] الْمُؤْمِنِينَ ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٦]، وَآيَةٍ مِنْ سُورَةِ الْجِنِّ ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن: ٣]، وَعَشْرِ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾، وَثَلَاثِ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ. فَقَامَ الرَّجُلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَشْتَكِ قَطُّ (٩٥). رواه عبد الله بن أحمد، وفيه

стр. 236

أبو جناب، وهو ضعيف لكثرة تدليسه، وقد وثقه ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح. قاله في " مجمع الزوائد " (٥/ ١١٥). واللمم: ما ينزل بالمرء ويلم به من الجن. • صفة العزيمة اليوم: وصفة العزيمة اليوم عندنا أن يقرأ القارئ على من يظن به مس الجن بسورة الجن غالباً، وبيده فتيلة قد أحرق رأسها، يكوي بها أنف المصاب، وقد يدخن له ببخور، وقد يكتب له مما هو مدون في نحو " شمس المعارف "، وأكثر من يدعي الصرع بالجن النساء، وأكثرهن فاجرات، يتخذن الصرع وسيلة إلى أهوائهن في المعروفين بالعزائم، فترى المعزم يتلو القرآن بلسانه، ويهوي إلى

стр. 237

لمس الصريعة بأركانه، ويتحرق لبلوغ أمنيته منها بجنانه. فَهُوَ كَالْجَزَّارِ فِيْنَا ... يَذْكُرُ اللهَ وَيَذْبَحْ • مفاسد أصحاب الرقية والعزيمة: قد احترف أناس ممن أصيبوا في مروءتهم بالإِفلاس الرقية بكل ما ليس بمشروع، والعزيمة بما في نحو كتاب " الرحمة " على كل مصروع، وأحدثوا في ذلك الأحداث، وأرخوا الستائر دون الحرائر والأحداث، وهم بين منحل جملة من الدين ومصر على الحرام المهين، ولهم قبول عند ضعفة العقول، يزين لهم تلك الحال، ويغريهم بالمضي في هذا الضلال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. • • • • •

стр. 238

٢٠ - التميمة • التميمة في اللغة: التميمة في الأصل: وصف للذات التامة الخلق، تقول: رجل تميم وامرأة تميمة، وتم الشيء يتم- بالكسر-: اشتد وصلب، والمراد هنا: ما يعلق على الإِنسان لدفع الآفات عنه، وأكثر ما تعلق على الرضيع، ويقال فيها: عوذة - بالضم- ومعاذة- بالفتح- وتعويذة، تقول: تعلق عوذة ومعاذة وتعويذة؛ كما تقول: تعلق تميمة. وفي " القاموس ": " التميمة: خرزة رقطاء تنظم في العنق ". وفي " الأساس ": " صبي متمم: علقت عليه التمائم، وتممت عنه العين أتمها تمّاً، أي: دفعتها عنه بتعليق التميمة عليه ". • تعليق التميمة: وتعليق التمائم من فعل الجاهلية، كانوا يعتقدون أنه يدفع عنهم الآفات. قال أبو ذؤيب الهذلي: وَإِذَا الْمَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا ... أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لَا تَنْفَعُ

стр. 239

وقال امرؤ القيس: فَمِثْلُكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ وَمُرْضِعٌ ... فَأَلْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْوِلِ • إنكار الشرع لتعليق التميمة: ولما في هذا التعليق من اللجوء إلى غير الله في جلب الخير ودفع الضر، بما لم يجعله الله سبباً لذلك، جعله الإِسلام من الشرك والسحر؛ كما في حديثي ابن مسعود وأبي أمامة المتقدمين (*) في فصل الرقية، وسبق في فصل السحر حديث أبي هريرة، وفيه: «مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا، وُكِلَ إِلَيْهِ» (٩٦)، وذلك كاف للمؤمن في النفور من هذه التمائم. وردت في الموضوع أحاديث نقتصر على بعض ما جاء منها في " مجمع الزوائد ". ١ - فعن عقبة بن عامر ﵁؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً، فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً، فَلَا وَدَعَ اللَّهُ لَهُ» (٩٧). رواه:

стр. 240

أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، ورجالهم ثقات. وذكر في " فتح المجيد " أن الحاكم رواه أيضاً وصححه وأقره الذهبي [ص:٨٦]. و (ودع): فعل ماض بمعنى ترك، والكثير في استعماله أن يجيء مضارعاً وأمراً. و (الودعة): خرزة ييضاء يلفظها البحر، وهي بفتح الدال وسكونها وبالتاء وتركها؛ قال: إِنَّ الرُّوَاةَ بِلَا فَهْمٍ لِمَا حَفِظُوا ... مِثْلُ الْجِمَالِ عَلَيْهَا يُحْمَلُ الْوَدَعُ لَا الْوَدْعُ يَنْفَعُهُ حَمْلُ الْجِمَالِ لَهُ ... وَلَا الْجِمَالُ بِحَمْلِ الْوَدْعِ تَنْتَفِعُ ٢ - وعنه أيضاً أن رهطاً أقبلوا إلى رسول الله ﷺ ، فَبَايَعَ تِسْعَةً، وَأَمْسَكَ عَنْ وَاحِدٍ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَايَعْتَ تِسْعَةً وَأَمْسَكْتَ عَنْ هَذَا؟ قَالَ: «إِنَّ عَلَيْهِ تَمِيمَةً». فَأَدْخَلَ يَدَهُ، فَقَطَعَهَا، فَبَايَعَهُ، وَقَالَ: «مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً؛ فَقَدْ أَشْرَكَ» (٩٨). رواه: أحمد، والطبراني، ورجال أحمد ثقات. ٣ - وعن عيسى؛ قال: دخلنا على أبي معبد نعوده، فقلنا: ألا تعلق شيئاً؛ فقال: الموت أقرب من ذلك، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ

стр. 241

عَلَّقَ شَيْئًا؛ وُكِلَ إِلَيْهِ» (٩٩). رواه الطبراني، وفي إسناده محمد بن أبي ليلى، وهو سيئ الحفظ، وبقية رجاله ثقات. قلت: يقويه حديث أبي هريرة عند النسائي، وقد مر في السحر. ٤ - وعن عمران بن حصين ﵁؛ أن رسول الله ﷺ أَبْصَرَ عَلَى عَضُدِ رَجُلٍ حَلْقَةً (أُرَاهُ قَالَ: مِنْ صُفْرٍ)، قَالَ: «وَيْحَكَ! مَا هَذِهِ؟!». قَالَ: مِنَ الْوَاهِنَةِ. قَالَ: «أَمَا إِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا، انْبِذْهَا عَنْكَ؛ فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا» (١٠٠). رواه أحمد والطبراني، وفيه مبارك بن فضالة، وهو

стр. 242

ثقة، وفيه ضعف. و (الصفر)؛ بضم فسكون: النحاس الأصفر. و (الواهنة): الضعف، أو ريح تأخذ في المنكبين أو في العضد. وفي " فتح المجيد "؛ أن حديث عمران أخرجه أيضاً بنحوه ابن حبان في " صحيحه "، والحاكم وقال: " صحيح الإِسناد "، وأقره الذهبي (٨٤). • الإِصرار على تعليق التميمة: وما زال الناس بعد هذا التشديد ممن هو بالمؤمنين رؤوف رحيم ينظمون الودعات للصبيان، أو يضعون لهم عقرباً في جعبة، ثم تعلق بأعناقهم ... إلى غير ذلك من التمائم الجاهلية. قال السندي في شرح حديث النسائي: " «وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا»؛ أي: علّق شيئاً بعنقه أو عنق صغير- من التعلق بمعنى التعنيق-. قيل: المراد تمائم الجاهلية؛ مثل: الخرزات، وأظفار السباع، وعظامها، وأما ما يكون من القرآن والأسماء الإِلهية، فهو خارج عن هذا الحكم، بل هو جائز؛ لحديث عبد الله ابن عمرو أنه كان يعلق على الصغار بعض ذلك (١٠١). وقيل: القبح إذا علق شيئاً

стр. 243

معتقداً جلب نفع أو دفع ضر، أما للتبرك؛ فيجوز، وقال القاضي أبو بكر في " شرح الترمذي ": تعليق القرآن ليس من طريق السنة، وإنما السنة فيه الذكر دون التعليق " (٧/ ١١٢). • صور تعليق التميمة وأحكامها: وقول السندي: " قيل: المراد تمائم الجاهلية "، ثم قوله: و " قيل: القبح ": ليس حكاية خلاف معنوي، بل الحالتان معاً ذميمتان؛ لأن اعتقاد جلب النفع أو درء الضر من غير الطريق المشروع شرك وإلحاد، ومشابهة الجاهلية ضلال يشبه العناد. ويخرج من كلام السندي أن للتعليق ثلاث صور: إحداها: اعتقاد نفع المعلق، وهذا شرك، ومنه تعليق المرضى والمحمومين في عهدنا لتراب الأضرحة والمزارات وما أشبهه، وقد حدثوني أن في زواغة غربي ميلة مرابطاً، له أشجار من الشجر المدعو عندنا: الهندي، يعلقون منها في أعناقهم دفاعاً للحمى، وأن هذا التعليق شائع بينهم، وهذا الضرب من التعليق إنما هو لذلك الاعتقاد، وإنكاره إما جهل بحقيقة ما عند

стр. 244

الناس أو عناد. ثانيتها: مشابهة الجاهلية بتعليق ما لا يتبرك به من نحو حلقة أو عقرب أو ودعة، مع السلامة من اعتقاد المشركين؛ فهذا غير شرك، ولكنه ممنوع؛ سدّاً للذريعة، وعملًا بأحاديث الأمر بمخالفة أهل الكتاب والمجوس. ثالثتها: التبرك بما يتبرك به شرعاً من أسماء الله وكتابه، مع السلامة من ذلك الاعتقاد، فهذا الذي قال فيه أبو بكر بن العربي: " ليس من السنة "، وأجازه غيره، وليس ذلك اختلافاً؛ فإن ما ليس من السنة قد يكون خفيفاً خلاف الأولى فقط، فيتصف بالجواز، وفعل أحد الصحابة للشيء من غير أن ينسبه إلى الرسول لا يوجب أن يكون من السنة. وفي " فتح المجيد " أن علماء الصحابة والتابعين فمن بعدهم اختلفوا في تعليق التمائم التي من القرآن وأسماء الله وصفاته، فأجازه عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو ظاهر ما روي عن عائشة، وقال به الباقر وأحمد في رواية، ومنعه ابن مسعود وابن عباس، وهو ظاهر قول حذيفة وعقبة بن عامر وابن عكيم، وقال به من التابعين أصحاب ابن مسعود، وهو رواية عن أحمد اختارها كثير من أصحابه وجزم بها المتأخرون [ص:٩١]. وقد علمت من الأحاديث السابقة استعظام من استعظم من الصحابة للتعليق، حتى قال: " الموت أقرب من ذلك "، هذا على كمال توحيدهم ومعرفتهم بربهم. فلندع التمائم وما في معناها، ولنقو إيماننا بآية: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١]. • • • • •

стр. 245

٢١ - المحبة المحبة من المعاني التي يلتبس شرعيها بشركيها، وتدخل في العقائد الباطنة، كالولاية؛ فرأينا أن نختم بها هذه المباحث في الولاية والكرامة وما يلتبس بها من كهانة وسحر، وما يلابس السحر من رقى وتمائم، ثم نعقبها بمظاهر الشرك القولية كالدعاء، والفعلية كالزيارة، والمالية كالذبائح. • معنى المحبة في اللغة: المحبة والحب: الوداد وإرادة الخير، وتستعمل هذه المادة في معان مرجعها- كما في " مدارج السالكين " - إما إلى الصفاء والبياض، ومنه الحبب - بفتحتين- لتنضد الأسنان، وإما إلى العلو والظهور، ومنه حباب الماء - بالفتح- للفقاقيع التي تعلوه كأنها القوارير، يقال: طفا الحباب على الشراب، وإما إلى اللزوم والثبات، ومنه أحباب البعير، أي: بروكه، يقال: أحب البعير أحباباً: إذا أصابه مرض أو كسر فلا يبرح مكانه حتى يبرأ أو يموت، وإما إلى الأصل واللب، ومنه الحبة من الحنطة ونحوها، وحبة القلب سويداؤه، وإما إلى الحفظ والإِمساك، ومنه الحب- بالضم- للجرة واحدة الجرار، وكل هذه المعاني الخمس لازمة للمحبة بمعنى المودة. وفرق أبو هلال العسكري بين الحب والود بأن الحب يكون فيما يوجبه

стр. 246

ميل الطبع أو الحكمة، فتقول: أحب الرجل وأحب الصلاة، وأن الود يختص بميل الطبع، فتقول: أود الرجل، ولا تقول: أود الصلاة. وفرق أيضاً بين المحبة والإِرادة بأن الإِرادة تتعلق بالشيء لذاته، والمحبة تتعلق به لمعنى فيه، فتقول: أحببت زيداً، تريد نفعه وإكرامه، ولا تقل: أردته؛ بهذا المعنى [ص:٩٨ - ٩٩]. • أوجه المحبة: وقال الراغب: " المحبة إرادة ما تراه أو تظنه خيراً، وهي على ثلاثة أوجه: محبة للذة؛ كمحبة الرجل المرأة، ومنه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا﴾ [الإِنسان: ٨]. ومحبة للنفع، كمحبة شيء ينتفع به، ومنه: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣]. ومحبة للفضل؛ كمحبة أهل العلم بعضهم لبعض لأجل العلم، وربما فسرت المحبة بالإِرادة في نحو قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨]، وليس كذلك، فإن المحبة أبلغ من الإِرادة كما تقدم آنفاً، فكل محبة إرادة، وليس كل إرادة محبة ... ". • معنى المحبة في القرآن: وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]؛ فمحبة الله تعالى للعبد إنعامه عليه، ومحبة العبد له طلب الزلفى لديه. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي ... ﴾ [ص: ٣٢]، فمعناه: أحببت الخيل حبي للخير. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، أي: يثيبهم وينعم عليهم، وقال: ﴿لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦].

стр. 247

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ﴿لقمان: ١٨﴾، تنبيهاً أنه بارتكاب الآثام يصير بحيث لا يتوب لتماديه في ذلك، وإذا لم يتب، لم يحبه الله المحبة التي وعد بها التوابين والمتطهرين. هذا كلام الراغب، وقد وضعنا نقطاً للدلالة على أنا حذفنا من أثنائه ما لم نر نقله. • المحبة الدينية وثمرتها: وقد أورد في " مدارج السالكين " ثلاثين عبارة في تعريف المحبة، نقتصر منها على واحدة، وهي: " إرادة غرست أغصانها في القلب فأثمرت الموافقة والطاعة " (٣/ ٩). والمحبوب هذه المحبة إما الله أو غير الله، ومحبة الله من أسباب انشراح الصدر، ومحبة سواه مما يعذب القلب وينكد العيش. قال في " زاد المعاد ": " هما محبتان: محبة هي جنة الدنيا، وسرور النفس، ولذة القلب، ونعيم الروح وغذاؤها ودواؤها، بل حياتها وقرة عينها، وهي محبة الله وحده بكل القلب، وانجذاب قوى الميل والإِرادة والمحبة كلها إليه، ومحبة هي عذاب الروح وغم النفس وسجن القلب وضيق الصدر، وهي سبب الألم والنكد والعناء، وهي محبة ما سواه سبحانه " (١/ ١٥٣). • حكم المحبة الدينية: وقال في " الفتح ": " محبة الله على قسمين: فرض، وندب، فالفرض: المحبة التي تبعث على امتثال أوامره، والانتهاء عن معاصيه، والرضى بما يقدره؛ فمن وقع في معصية من فعل محرم أو ترك واجب؛ فلتقصيره في محبة الله، حيث قدم هوى نفسه، والتقصير تارة يكون مع الاسترسال في المباحات

стр. 248

والاستكثار منها، فيورث الغفلة المقتضية للتوسع في الرجاء، فيقدم على المعصية، أو تستمر الغفلة فيقع، وهذا الثاني يسرع إلى الإِقلاع مع الندم، وإلى الثاني يشير حديث: «لاَ يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (١٠٢)، والندب أن يواظب على النوافل، ويتجنب الوقوع في الشبهات، والمتصف عموماً بذلك نادر. وكذلك محبة الرسول على قسمين كما تقدم، ويزاد أن لا يتلقى شيئاً من المأمورات والمنهيات إلا من مشكاته، ولا يسلك إلا طريقته، ويرضى بما شرعه، حتى لا يجد في نفسه حرجاً مما قضاه، ويتخلق بأخلاقه في الجود والإِيثار والحلم والتواضع وغيرها " (١/ ٥٢). • علامة المحبة الدينية والباعث عليها: وقال أيضاً في الباعث على هذه المحبة وعلامة تحققها: " من استكمل الإِيمان، علم أن حق الله ورسوله آكد عليه من حق أبيه وأمه وولده وزوجه وجميع الناس؛ لأن الهدى من الضلال والخلاص من الناس إنما كان بالله على لسان رسوله، ومن علامات محبته نصر دينه بالقول والفعل، والذب عن شريعته، والتخلق بأخلاقه " (١٠/ ٣٨٠) • المحبة في الله ومع الله: ولا تنافي بين تخصيص ابن القيم المحبة المحمودة بالله وتعميم الحافظ لها وتعديتها إلى النبي ﷺ ؛ فإن محبة غير الله: إما أن تكون في الله، أو مع الله.

стр. 249

فالمحبة في الله أن تحب من يحبه الله، والله يحب المحسنين والمتقين والتوَّابين والمتطهِّرين، وإذن تكون محبة غير الله من معنى محبة الله مقوية لها غير متنافية معها، والمحبة مع الله أن يتعلق قلبك بسواه، فتغفل عن الله، وتتوجه إلى غيره بالرغبة والرهبة، فتكون محبتك هذه مغنية عن محبة الله منافية لها؛ فالمحبة في الله محمودة متعدية إلى كل داع إلى الله من الأنبياء المرسلين والأولياء الصالحين والعلماء العاملين، وهذه الحالة هي التي في كلام الحافظ، والمحبة مع الله ذميمة حاملة لكل ما في الشرك من مساوئ وأضرار. • ما جاء في المحبة: وقد جاء في الكتاب والسنة عطف الرسول على الله في المحبة؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]. وفي " الصحيحين " عن أنس ﵁؛ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ؛ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمّا سِواهُما، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلاّ للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ في الْكُفْرِ كَما يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ» (١٠٣). ومعنى محبة المرء لله أو في الله: أن لا تحبه لطمع في الدنيا؛ كما ذكره في " طبقات الحنابلة " عن أحمد [ص:٣٣]، بل تحبه لما عليه من الهدى والاستقامة.

стр. 250

وفي " الدر المنثور " من رواية ابن أبي حاتم، وأبي نعيم في " الحلية "، والحاكم، عن عائشة ﵂، أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «الشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ الذَّرِّ عَلَى الصَّفَا فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، وَأَدْنَاهُ أَنْ يُحِبَّ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْجَوْرِ، وَيُبْغِضَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْعَدْلِ، وَهَلِ الدِّينُ إِلَّا الْحُبُّ وَالْبُغْضُ فِي اللهِ؟ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قلْ إِنْ كنْتمْ تحِبّونَ اللهَ فَاتّبِعونِي يُحْبِبْكمُ اللهُ﴾ [ال عمران: ٣١]» (١٠٤) (٢/ ١٧). قال الحافظ في " الفتح ": " وقد اختلف في سبب نزول الآية " فأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن البصري، قال: كان قوم يزعمون أنهم يحبون الله، فأراد الله أن يجعل لقولهم تصديقاً من عمل، فأنزل الله هذه الآية، وذكر الكلبي في " تفسيره " عن ابن عباس أنها نزلت حين قال اليهود: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، وفي " تفسير " محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير: نزلت في نصارى نجران؛ قالوا: إنما نعبد المسيح حبّاً لله وتعظيماً له، وفي " تفسير " الضحاك عن ابن عباس؛ أنها نزلت في قريش، قالوا: إنما نعبد
следующие страницы →