← Акыда

Акыда · id 37348

رسالة الشرك ومظاهره

مبارك الميلي

Полный текст (448 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ميل الطبع أو الحكمة، فتقول: أحب الرجل وأحب الصلاة، وأن الود يختص بميل الطبع، فتقول: أود الرجل، ولا تقول: أود الصلاة. وفرق أيضاً بين المحبة والإِرادة بأن الإِرادة تتعلق بالشيء لذاته، والمحبة تتعلق به لمعنى فيه، فتقول: أحببت زيداً، تريد نفعه وإكرامه، ولا تقل: أردته؛ بهذا المعنى [ص:٩٨ - ٩٩]. • أوجه المحبة: وقال الراغب: " المحبة إرادة ما تراه أو تظنه خيراً، وهي على ثلاثة أوجه: محبة للذة؛ كمحبة الرجل المرأة، ومنه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا﴾ [الإِنسان: ٨]. ومحبة للنفع، كمحبة شيء ينتفع به، ومنه: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣]. ومحبة للفضل؛ كمحبة أهل العلم بعضهم لبعض لأجل العلم، وربما فسرت المحبة بالإِرادة في نحو قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨]، وليس كذلك، فإن المحبة أبلغ من الإِرادة كما تقدم آنفاً، فكل محبة إرادة، وليس كل إرادة محبة ... ". • معنى المحبة في القرآن: وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]؛ فمحبة الله تعالى للعبد إنعامه عليه، ومحبة العبد له طلب الزلفى لديه. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي ... ﴾ [ص: ٣٢]، فمعناه: أحببت الخيل حبي للخير. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، أي: يثيبهم وينعم عليهم، وقال: ﴿لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦].

стр. 247

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ﴿لقمان: ١٨﴾، تنبيهاً أنه بارتكاب الآثام يصير بحيث لا يتوب لتماديه في ذلك، وإذا لم يتب، لم يحبه الله المحبة التي وعد بها التوابين والمتطهرين. هذا كلام الراغب، وقد وضعنا نقطاً للدلالة على أنا حذفنا من أثنائه ما لم نر نقله. • المحبة الدينية وثمرتها: وقد أورد في " مدارج السالكين " ثلاثين عبارة في تعريف المحبة، نقتصر منها على واحدة، وهي: " إرادة غرست أغصانها في القلب فأثمرت الموافقة والطاعة " (٣/ ٩). والمحبوب هذه المحبة إما الله أو غير الله، ومحبة الله من أسباب انشراح الصدر، ومحبة سواه مما يعذب القلب وينكد العيش. قال في " زاد المعاد ": " هما محبتان: محبة هي جنة الدنيا، وسرور النفس، ولذة القلب، ونعيم الروح وغذاؤها ودواؤها، بل حياتها وقرة عينها، وهي محبة الله وحده بكل القلب، وانجذاب قوى الميل والإِرادة والمحبة كلها إليه، ومحبة هي عذاب الروح وغم النفس وسجن القلب وضيق الصدر، وهي سبب الألم والنكد والعناء، وهي محبة ما سواه سبحانه " (١/ ١٥٣). • حكم المحبة الدينية: وقال في " الفتح ": " محبة الله على قسمين: فرض، وندب، فالفرض: المحبة التي تبعث على امتثال أوامره، والانتهاء عن معاصيه، والرضى بما يقدره؛ فمن وقع في معصية من فعل محرم أو ترك واجب؛ فلتقصيره في محبة الله، حيث قدم هوى نفسه، والتقصير تارة يكون مع الاسترسال في المباحات

стр. 248

والاستكثار منها، فيورث الغفلة المقتضية للتوسع في الرجاء، فيقدم على المعصية، أو تستمر الغفلة فيقع، وهذا الثاني يسرع إلى الإِقلاع مع الندم، وإلى الثاني يشير حديث: «لاَ يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (١٠٢)، والندب أن يواظب على النوافل، ويتجنب الوقوع في الشبهات، والمتصف عموماً بذلك نادر. وكذلك محبة الرسول على قسمين كما تقدم، ويزاد أن لا يتلقى شيئاً من المأمورات والمنهيات إلا من مشكاته، ولا يسلك إلا طريقته، ويرضى بما شرعه، حتى لا يجد في نفسه حرجاً مما قضاه، ويتخلق بأخلاقه في الجود والإِيثار والحلم والتواضع وغيرها " (١/ ٥٢). • علامة المحبة الدينية والباعث عليها: وقال أيضاً في الباعث على هذه المحبة وعلامة تحققها: " من استكمل الإِيمان، علم أن حق الله ورسوله آكد عليه من حق أبيه وأمه وولده وزوجه وجميع الناس؛ لأن الهدى من الضلال والخلاص من الناس إنما كان بالله على لسان رسوله، ومن علامات محبته نصر دينه بالقول والفعل، والذب عن شريعته، والتخلق بأخلاقه " (١٠/ ٣٨٠) • المحبة في الله ومع الله: ولا تنافي بين تخصيص ابن القيم المحبة المحمودة بالله وتعميم الحافظ لها وتعديتها إلى النبي ﷺ ؛ فإن محبة غير الله: إما أن تكون في الله، أو مع الله.

стр. 249

فالمحبة في الله أن تحب من يحبه الله، والله يحب المحسنين والمتقين والتوَّابين والمتطهِّرين، وإذن تكون محبة غير الله من معنى محبة الله مقوية لها غير متنافية معها، والمحبة مع الله أن يتعلق قلبك بسواه، فتغفل عن الله، وتتوجه إلى غيره بالرغبة والرهبة، فتكون محبتك هذه مغنية عن محبة الله منافية لها؛ فالمحبة في الله محمودة متعدية إلى كل داع إلى الله من الأنبياء المرسلين والأولياء الصالحين والعلماء العاملين، وهذه الحالة هي التي في كلام الحافظ، والمحبة مع الله ذميمة حاملة لكل ما في الشرك من مساوئ وأضرار. • ما جاء في المحبة: وقد جاء في الكتاب والسنة عطف الرسول على الله في المحبة؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]. وفي " الصحيحين " عن أنس ﵁؛ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ؛ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمّا سِواهُما، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلاّ للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ في الْكُفْرِ كَما يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ» (١٠٣). ومعنى محبة المرء لله أو في الله: أن لا تحبه لطمع في الدنيا؛ كما ذكره في " طبقات الحنابلة " عن أحمد [ص:٣٣]، بل تحبه لما عليه من الهدى والاستقامة.

стр. 250

وفي " الدر المنثور " من رواية ابن أبي حاتم، وأبي نعيم في " الحلية "، والحاكم، عن عائشة ﵂، أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «الشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ الذَّرِّ عَلَى الصَّفَا فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، وَأَدْنَاهُ أَنْ يُحِبَّ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْجَوْرِ، وَيُبْغِضَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْعَدْلِ، وَهَلِ الدِّينُ إِلَّا الْحُبُّ وَالْبُغْضُ فِي اللهِ؟ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قلْ إِنْ كنْتمْ تحِبّونَ اللهَ فَاتّبِعونِي يُحْبِبْكمُ اللهُ﴾ [ال عمران: ٣١]» (١٠٤) (٢/ ١٧). قال الحافظ في " الفتح ": " وقد اختلف في سبب نزول الآية " فأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن البصري، قال: كان قوم يزعمون أنهم يحبون الله، فأراد الله أن يجعل لقولهم تصديقاً من عمل، فأنزل الله هذه الآية، وذكر الكلبي في " تفسيره " عن ابن عباس أنها نزلت حين قال اليهود: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، وفي " تفسير " محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير: نزلت في نصارى نجران؛ قالوا: إنما نعبد المسيح حبّاً لله وتعظيماً له، وفي " تفسير " الضحاك عن ابن عباس؛ أنها نزلت في قريش، قالوا: إنما نعبد

стр. 251

الأصنام حبّاً لله لتقربنا إليه زلفى، فنزلت " (١٠/ ٤٥٩). • لوازم المحبة الشرعية: وقد أرشدت هاته الآية إلى آية الصدق في دعوى حب العبد ربه، وأثبتت آية المائدة لهؤلاء المحبين أربع صفات، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]: - فقوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾؛ معناه: الإِخبار عنهم بالسهولة والتواضع في رحمة وعطف مع إخوانهم في الدين، وبعزة النفس وشرف القوة مع خصومهم في الدين، وعن هاتين الصفتين عبر في سورة الفتح بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. - وقوله: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: إخبار عنهم ببذل نفوسهم وأموالهم في نصرة الدين في مواطن الحرب بالسيف، وفي مواضع السلم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. - وقوله: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾: إخبار عن عدم مبالاتهم بمن يغضبون من كلمة فيها رضى الرب. ومجموع ما أفادته آيتا آل عمران والمائدة خمس صفات هي الدلائل على صدق المحبة لله، وهي: اتباع الرسول ﷺ ، والتراحم مع الإِخوان في الدين، والشدة على الأعداء فيه، والقيام بكل ما يؤيد الدين، وعدم التقصير في الصدع بالحق مراعاة للناس.

стр. 252

• مظاهر المحبة الشركية: تلك لوازم المحبة الشرعية، وخلافها المحبة الشركية، وهي كل محبة تغر في الدين وتبعث على الاكتفاء بها دون الجد في الصالحات وتحري المشروع منها، ولا تثمر ربط القلوب وصلتها بعضها ببعض إذا اتحدت على الشهادتين، ولا توجب النفور من كل من يحاول هدم تعاليم الإِسلام، ولا تدعو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تعود صاحبها على استعذاب العذاب في خدمة المبدإ الحق المجمل في الشهادتين، وهذه المحبة الشركية هي التي ردها الله على مشركي قريش وضلال اليهود والنصارى بآية آل عمران المتقدمة، وبقوله في المائدة: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨]. ومن كلام الحسن البصري: " ابن آدم! لا يغرنك أن تقول: المرء مع من أحب؛ فإنك لن تلحق الأبرار إلا بأعمالهم، وإن اليهود والنصارى ليحبون أنبياءهم، ولا والله؛ ما يحشرون معهم، ولا يدخلون في زمرتهم، وإنهم لحطب جهنم هم لها واردون ". نقله ابن الجوزي في " رسالته " [ص:٣٢]. • فائدة المحبة الشرعية: وقد أشارت هذه الآية إلى فائدة المحبة المشروعة، وأنها النجاة من العذاب، وأفاد حديث " الصحيحين " عن أنس ﵁؛ أنه ﷺ قال: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» (١٠٥): فائدة أخرى، وهي أن من أنجته محبته؛ ألحقته

стр. 253

بحبيبه في الدرجة وإن كان دونه في العمل. • حكاية في المحبة: حكى في " كشف الخفاء " عن البيهقي، أن رجلًا من أهل بغداد سأل أبا عثمان الواعظ: متى يكون الرجل صادقاً في حب مولاه؛ فقال: " إذا خلا من خلافه كان صادقاً في حبه ". فوضع الرجل التراب على رأسه وصاح وقال: كيف أدعي حبه ولم أخل طرفة عين من خلافه؟! فبكى أبو عثمان وأهل المجلس، وصار أبو عثمان يقول في بكائه: " صادق في حبه، مقصر في حقه " (٢/ ٢٠٣). • عدم الاتكال على المحبة: وليس معنى هاته الحكاية أن الرجل كان متكلاً على المحبة معرضاً عن العمل، وإنما معناها أنه كان مستقلّا لعمله مستكثراً لذنبه. ومما أورده في " مدارج السالكين " من عبارات العلماء عن المحبة قولهم: " استكثار القليل من جنايتك، واستقلال الكثير من طاعتك " (٣/ ٨). فلا تظن من هذه الحكاية إسقاط العمل اكتفاء بالمحبة؛ فقد نقل في " كشف الخفاء " عن بعض العلماء بعدما أورد حديث «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» ورواياته أنه: " مشروط بشرط، وعنى ﷺ : أنه إذا أحبهم عمل بمثل أعمالهم ".

стр. 254

ولقد صدق القائل: تَعْصِي الْإِلَهَ وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ ... هَذَا لَعَمْرِي فِي الْقِيَاسِ بَدِيعُ لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لَأَطَعْتَهُ ... إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ • • • • •

стр. 255

٢٢ - الدعاء • معنى الدعاء: فسروا الدعاء بالسؤال والطلب والرغبة: ففي " المصباح ": " دعوت الله أدعوه دعاء: ابتهلت إليه بالسؤال، ورغبت فيما عنده من الخير، ودعوت زيداً: ناديته وطلبت إقباله ". وفي " المفردات ": " دعوته: إذا سألته وإذا استغثته ". وفي " الفتح " عن الطيبي: " الدعاء هو إظهار غاية التذلل والافتقار إلى الله والاستكانة له، وما شرعت العبادات إلا للخضوع للباري وإظهار الافتقار إليه " (١١/ ٧٩). وللدعاء أخوات في المادة ومعان في الاستعمال مرجعها إلى السؤال في ضراعة والرغبة في استكانة. وعن هذا المعنى عبر في " تفسير المنار " بقوله: " وحقيقة الدعاء هي شعور القلب بالحاجة إلى عناية الله تعالى فيما يطلب، وصدق التوجه إليه فيما يرغب " (٢/ ١٥)؛ فإن ذلك الشعور الباطني يوجب الضراعة ويثمر صدق التوجه بالسؤال.

стр. 256

والدعاء بهذا المعنى يصدق بالاستعاذة [والاستعانة] والاستغاثة وغيرهن مما فيه معنى الطلب؛ لأنها طلب العوذ والعون والغوث؛ كاستنصره واستصرخه واستعداه: إذا طلب نصره وصراخه وعدواه، والعوذ: الالتجاء إلى آخر والتعلق به على معنى الامتناع به من المكروه، والغوث والعون والصراخ والعدوى- بالفتح كلها- تحمل معنى النصر والتقوية، تقول: استعذته واستعذت به فأعاذني، واستعنت به فأعانني، واستغثته واستغثت به فأغاثني، واستنصرته فنصرني، واستعديت الأمير على الظالم فأعداني، واستصرخت ابن العم فأصرخني. ويتضمن الدعاء وجود المدعو وغناه وسمعه وجوده ورحمته وقدرته؛ إذ لا يدعى المعدوم ولا الفقير ولا الأصم ولا البخيل ولا القاسي ولا العاجز. • صفات المدعو الدعاء العادي: فإذا طلبت العوذ أو العون أو أمراً آخر من المخلوق القادر عليه عادة، لم يكن طلبك عبادة، فلم يختص بالله، ولم تكن به مشركاً، وكذلك إذا نسبت شيئاً من ذلك لغير الله [لكونه] سبباً عاديّاً فتقول: استعذت بالحاكم من الظالم، واستغثت بالجيران على اللصوص، واستصرخت ذا الغيرة على المغير. • ما جاء في الدعاء العادي: وقالوا: " الصوم عون على العفة "، وفي المثل: " عبد صريخه أمة "، وقال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥]، ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: ٧٢]. • الدعاء الديني: وإذا كان المطلوب لا يقدر عليه إلا من له قوة غيبية، وهو فوق الأسباب

стр. 257

العادية؛ كان الطلب عبادة تختص بالله تعالى، ويكون طلب غيره حينئذ شركاً بالله. • ما جاء في الدعاء الديني: قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإِسراء: ١١٠]، ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]، ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]، ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢]. وجاءت أحاديث في الحث على الدعاء وأنه من العبادة: ١ - فعن أبي هريرة ﵁؛ أنه ﷺ قال: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الدُّعَاءِ» (١٠٦). أخرجه الترمذي، وصححه ابن حبان والحاكم، كما في

стр. 258

" بلوغ المرام " للحافظ ابن حجر. وفي " تحفة الذاكرين " للشوكاني؛ أنه من حديث عائشة عند أحمد والبخاري في " التاريخ " وابن ماجه، وأن الذهبي أقر تصحيح الحاكم [ص:٢١]. ورأيته في " الأدب المفرد " عن أبي هريرة. ٢ - وعنه أيضاً؛ أنه ﷺ قال: «مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ» (١٠٧). أخرجه في " الأدب المفرد " بهذا اللفظ، ونسبه في " تحفة الذاكرين " للترمذي والحاكم، زاد في " الفتح " أحمد وابن ماجه والبزار والحاكم، وكلهم أخرجوه من رواية أبي صالح الخوزي- بضم الخاء-: ضعفه ابن معين، وقواه أبو زرعة؛ كما في " الفتح " (١١/ ٧٩). ٣ - وعن أنس؛ أنه ﷺ قال: «الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ» (١٠٨). أخرجه الترمذي.

стр. 259

٤ - وعن النعمان بن بشير؛ أنه ﷺ قال: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ»، ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٥] (١٠٩). قال في " كشف الخفاء ": " هو عند: ابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري في " الأدب المفرد "، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وقال الترمذي: حسن صحيح " (١/ ٤٠٣). وتقرير الربط بين صدر الآية وعجزها هو أن الدعاء أخص من العبادة وهي أعم؛ فمن استكبر عنها، استكبر عنه، وهذا تقرير التقي السبكي، ونقله غير واحد. وفي " تفسير الثعالبي " عن ابن رشد، أنه قال في " البيان ": " الدعاء عبادة من العبادات، يؤجر فيها الأجر العظيم، أجيبت دعوته فيما دعا به أم لم تجب "

стр. 260

(١/ ١٤١). وقد وصفوا الدعاء بالاستحباب الذي هو من خواص العبادة، فكون الدعاء عبادة دل عليه الكتاب والسنة وكلام الأئمة. • الدعاء بالمأثور وفوائده: وإذا كان الدعاء عبادة؛ وجب أن يختص بالله، وأن يحترز فيه من الوقوع في الشرك أو فيما هو ذريعة إليه، ولهذا نصح العلماء للداعين أن يدعوا بالمأثور: ففي " شرح ابن علان للأذكار النووية " عن عياض، أنه قال: " أذن الله في دعائه، وعلم الدعاء في كتابه لخليقته، وعلم النبي ﷺ الدعاء لأمته، واجتمع فيه ثلاثة أشياء: العلم بالتوحيد، والعلم باللغة، والنصيحة للأمة؛ فلا ينبغي لأحد أن يعدل عن دعائه ﷺ ، وقد احتال الشيطان للناس من هذا المقام؛ فقيض لهم قوم سوء يخترعون لهم أدعية يشتغلون بها عن الاقتداء بالنبي ﷺ ، وأشد ما في الحال أنهم ينسبونها إلى الأنبياء والصالحين، فيقولون: دعاء نوح! دعاء يونس! دعاء أبي بكر الصديق!! فاتقوا الله في أنفسكم، لا تشتغلوا من الحديث إلا بالصحيح " (١/ ١٧). • أقسام الدعاء الديني: والداعي: إما أن يدعو بنفسه، أو يدعو له غيره، والداعي بنفسه أو لغيره: إما أن يدعو الله أو غير الله، بتوسل أو بدونه، فالتوسل يأتي إن شاء الله في الفصل التالي، والدعاء من غير توسل ثلاثة أقسام: هي دعاؤك الله وحده، ودعاء آخر لك، ودعاء غير الله.

стр. 261

• دعاء الله لنفسك: القسم الأول: دعاء الله وحده في غير توسل، وهو توحيد محض وعبادة خالصة، إن لم يَعْتَدِ الداعي في دعائه. وقد ختم القرافي " فروقه " ببيان ما هو من دعاء الله وحده كفر أو معصية محرمة أو مكروهة، وبسط القول في ذلك في " الفروق " الثاني والثالث والرابع بعد السبعين والمئتين، وتجد في كتب الأدعية والأذكار آداباً للدعاء وشروطاً وأحكاماً ليس تفصيلها من غرضنا، وهذه أمثلة لهذا القسم من الكتاب والسنة. • أمثلته: ١ - قال تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]. ٢ - وقال أيضاً: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]. ٣ - وقال أيضاً: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: ٣٨]. ٤ - وفي " مسلم " وغيره، أنه ﷺ قال: «اللَّهُمَّ! إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى» (١١٠). ٥ - وفي " سنن أبي داود " وغيره؛ أنه ﷺ قال: «اللَّهُمَّ! أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ

стр. 262

وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (١١١). ٦ - وفي " مسلم "؛ أنه ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ! أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ» (١١٢). وقد خصت الأدعية النبوية بالتأليف، ومما هو متداول منها اليوم: " الأذكار النووية "، و " الحصن الحصين " لابن الجزري.

стр. 263

• دعاء الله لغيرك، وحكم الدعاء للغير بلا طلب منه: القسم الثاني: دعاء غيرك لك، وهو جائز إذا سأل لك الله، سواء طلبت منه الدعاء أم لم تطلبه. فأما دعاؤه لك من غير طلب؛ فقد وردت به الآيات والأحاديث: ١ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]. ٢ - وقال أيضاً: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]. ٣ - وحكى عن إبراهيم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبرا هيم: ٤١]. ٤ - وحكى عن نوح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٣٨]. ٥ - وفي " صحيح مسلم " عن أبي الدرداء؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، إِلَّا قَالَ الْمَلَكُ: وَلَكَ بِمِثْلٍ» (١١٣). • حكم الدعاء للغير بطلب منه: وأما الدعاء لآخر بطلب منه؛ فقد كان الصحابة يسألون الدعاء من النبي ﷺ ، ويأتونه بأبنائهم يحنكهم ويدعو لهم (١١٤).

стр. 264

وعن عمر بن الخطاب؛ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْعُمْرَةِ، فَأَذِنَ لَهُ، وَقَالَ: «لَا تَنْسَنَا يَا أَخِي مِنْ دُعَائِكَ» (١١٥). أخرجه الترمذي، وقال: " حسن صحيح ". وفيه دلالة على أن سائل الدعاء قد يكون أفضل من المسؤول منه. • الاحتياط في إجابة طلب الدعاء: وينبغي طلباً للسلامة أن لا ينصب المطلوب منه نفسه للدعاء، وأن لا يعتقد أنه أفضل من الطالب. وقد ذكر في " الاعتصام " [آثاراً في] امتناع الصحابة من الدعاء لمن سأله منهم، وأن امتناعهم ليس لذات الدعاء، وإنما هو لأمر زائد؛ قال: " هو أن يعتقد فيه أنه مثل النبي، أو أنه وسيلة إلى أن يعتقد ذلك، أو يعتقد أنه سنة تلزم، أو

стр. 265

يجري في الناس مجرى السنن الملتزمة " (٢/ ٢٥). ونقل القرافي في أواخر " فروقه " عن مالك وجماعة من العلماء كراهة الانتصاب للدعاء من أئمة المساجد وغيرهم، وعلل الكراهة بتوقع فساد القلوب، وحصول الكبر والخيلاء، ومعلوم أنه إذا تحقق ذلك المتوقع، كان الانتصاب محرماً، وقد يفضي بالمنتصب أو غيره إلى الشرك باعتقاد أنه واسطة بين الخلق والحق في قضاء الحاجات واستدرار الخيرات وربح خصومة أو نيل منصب في حكومة. • مفاسد الانتصاب للدعاء: وقد وُجِدَ في عصرنا من الطرقيين والمرابطين من ينتصب للدعاء، ويصرح بكونه واسطة بين الله وخلقه في جلب المحبوب ودفع المكروه؛ فإذا رضي عن أحد، ضمن له ما يشتهي من حاجات من الدنيا ونعيم الآخرة، وإذا غضب عن آخر، توعده بحلول النقمة، ورضاه وغضبه تابعان لمطامعه فيما في أيدي الناس، ورأينا من الجهال المعتقدين في لصوص الدين هؤلاء من يبذل فوق طاقته طلباً لرضاهم عنه وفوزه بدعوة منهم له، ويشتري ما ينتسب إليهم من شمع وبخور مزايدة بأرفع الأثمان، ليقوم ذلك الشيء المشترى مقام دعوة صاحبه؛ ففي الانتصاب للدعاء وسؤاله ذريعة إلى الشرك والعياذ بالله. • دعاء غير الله وحكمه: القسم الثالث: دعاء غير الله، وهو في مقابلة القسم الأول؛ فهو شرك صريح وكفر قبيح، وله نوعان: أحدهما: دعاء غير الله مع الله؛ كالذي يقول: يا ربي وشيخي! يا ربي وجدي! يا ألله وناسه! يا ألله يا سيدى عبد القادر! وسمعت كثيراً يحكون أنهم كثيراً ما يسمعون فلاناً يقول: يا ربي يا سيدي يوسف! اغفر لي. ويوسف هذا

стр. 266

من أولاد ابن الدرويش إحدى فصائل أولاد العابد من متصرفية الميلية توفي حديثاً. وإطلاق الشرك على هذا النوع واضح؛ لأن الداعي عطف غير الله على الله بالواو ثابتة أو محذوفة، وهي تقتضي مشاركة ما بعدها لما قبلها في الحكم، والحكم المشترك فيه هنا هو عبادة الدعاء. النوع الثاني: دعاء غير الله من دون الله؛ كالذي يقول: يا رجال الدالة! يا ديوان الصالحين! وإطلاق الشرك على هذا النوع باعتبار أن الداعي وإن اقتصر على المخلوق في اللفظ، لم ينكر الله ولم يبرأ منه في العقد، فكأن الله في كلامه مضمر. ويصح في النوع الأول إطلاق أنه دعاء غير الله من دون الله أيضاً، لأن الداعي لما أشرك بالله في دعائه؛ لم يكن داعياً على الوجه المشروع، فكأنه لم يذكر الله لفظاً، لأن المعدوم شرعاً كالمعدوم حسّاً، والمعدوم هنا هو ذكر الله مشركاً بسواه. • إنكار القرآن لدعاء غير الله: كان القسم الثالث معهوداً بنوعيه عند العرب في جاهليتهم، فعالجهم الكتاب العزيز ليصرفهم عنه: تارة بتوجيههم إلى سؤال الله، وأخرى بتعجيز المسؤولين من دون الله، وأحياناً بتذكيرهم بما كمن في نفوسهم من توحيد الله وظهور ذلك في ألسنتهم عند اشتداد الخطب وغلبة اليأس، وتارات بالإِخبار عن تعاديهم عند البعث مع أوليائهم الذين يدعونهم اليوم، أتاهم الكتاب من هذه الجهات الأربع ليقتلع من نفوسهم جذور الشرك. • ما جاء في توجيه الداعي إلى الله: ١ - فمن الآيات في الجهة الأولى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ

стр. 267

أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]. • ما جاء في تعجيز المسؤولين: ٢ - ومنها في الجهة الثانية: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٦ - ١٠٧]، ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢٠ - ٢١]، ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإِسراء: ٥٦]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣ - ٧٤]. • ما جاء في تذكير السائلين بالتوحيد: ٣ - ومنها في الجهة الثالثة: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠ - ٤١]، ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢]، ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإِسراء: ٦٧]، ﴿فَإِذَا

стр. 268

رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]. • ما جاء في تعادي السائلين والمسؤولين: ٤ - ومنها في الجهة الرابعة: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦]، ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥]، ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]. • حديث ابن عباس: هذا بعض ما في المقام من الآيات، أما الأحاديث، فنقتصر منها على حديث ابن عباس ﵄؛ قَالَ: كُنْتَ خَلْفَ النَّبِيّ ﷺ يَوْماً، فقال: «يَا غُلامُ! إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ الله؛ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ الله؛ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ؛ فَاسْأَلِ الله، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ؛ فَاسْتَعِنْ بِالله، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ؛ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ؛ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» (١١٦). أخرجه الترمذي وقال: " حديث حسن

стр. 269

صحيح "، ورواه غيره بروايات فيها زيادات. ولعظمه في الدين ذكره النووي في " الأربعين حديثاً "، وأفرد الحافظ ابن رجب الكلام على رواياته ومعانيها برسالة سماها: " نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي ﷺ لابن عباس ". • عموم عجز المخلوق: تأمل تعجيز النبي ﷺ لجميع الأمة على اجتماعها عن إسداء الخير أو الإِيذاء بالشر من غير أن يستثني ملكاً مقرباً، أو نبياً مرسلاً، أو وليّاً صالحاً، أو شجرة عتيقة، أو صخرة ضخمة، وهذا التعميم في التعجيز هو ما تنادي به الآيات السابقة وغيرها، حيث صرح بأن خيار خلقه الذين يبتغون التقرب منه ويرجونه ويخافونه لا يملكون كشف الضر عن أحد ولا تحويله. • فشو دعاء غير الله: ولقد فشا في المسلمين دعاء غير الله على شدة إنكار كتابهم له وتحذير نبيهم منه، حتى صار الجهلة ومن قرب منهم يؤثرونه على دعاء الله وحده،

стр. 270

والاستشهاد لذلك بالحكايات عنهم واستيعابها ممل معجز؛ فلنقتصر على حكاية واحدة. • الحكاية العاشورية: ففي سنة سبع وأربعين قتل شيخنا محمد الميلي ﵀، فأتيت من الأغواط، وجاء للتعزية الشيخ عاشور صاحب " منار الأشراف " وملقب نفسه: كليب الهامل، والهامل قرية بالحضنة قرب أبي سعادة، بها زاوية كانت تمده بالمال، فحضرت مجلسه، ولم أشعره بحضوري؛ إذ كان قد اجتمع عليه العمى والصمم، وذلك لئلا يحترز في حديثه أو نقع في حديث غير مناسب للمقام. سمعت في ذلك المجلس بأذني كليب الهامل يحكي مناقضاً لدعوة الإِصلاح التي اشتهرت يومئذ: أن شيخاً من شيوخ الطرق الصوفية كان مع مريديه في سفينة، فهاج بهم البحر، وعلت أمواجه، فلجؤوا جميعاً إلى الله يسألون الفرج والسلامة، وكان الشيخ منفرداً في غرفة يدعو، فلم تنفرج الأزمة، وعادته أن لا يبطأ عليه بالإِجابة، فوقع في روعه أنه أتي من قبل أتباعه، لا لنقص فيه يوجب هذا الإِعراض عنه، فخرج على أتباعه مغضباً، يقول: ماذا صنعتم في هذه الشدة؟ فقالوا: دعونا الله مخلصين له الدين بلسان المضطرين (إشارة لقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢])، فنكر عليهم اللجوء إلى الله مباشرة، ووبخهم عليه، وعرفهم أن ذلك هو الحائل دون استجابة دعائه، وأنذرهم عاقبة استمرارهم على التوجه إلى ربهم، وأنه الغرق، وعلمهم أن واجبهم هو التوجه إليه وسؤاله، ثم هو وحده يتوجّه إلى الله، فتابوا من دعاء الموحدين، وامتثلوا تعليم الشيخ المخالف لتعليم رب العالمين، وعاد الشيخ إلى غرفته يدعو متوسطاً بين الله ومريديه، فانكشفت الغمة، وسلمت السفينة، وحمد الشيخ ثقته بنفسه وفقهه سر البطء عن استجابة دعائه

стр. 271

وتفقيهه لأتباعه سر النجاة وصرفهم إلى الثقة به عن الثقة بالله. هذا معنى ما سمعته من كليب الهامل، ولم أقيد الحكاية حين السماع حتى أؤديها بلفظها وأصورها بنصها، ولم يسعني وأنا في مقام التحذير من الشرك اجتناب إدراج ما ينافي غرض الحاكي في الحكاية حتى تتم ثم أعلق عليها؛ لئلا يعلق بذهن القارئ شيء من الشرك، ولو إلى حين، ولم أميز المدرج في الحكاية؛ لأنه لا يخفى على العارف بحال المعارضين لدعاة الإِصلاح الديني. يستدل الشيخ عاشور وأشباهه بأمثال هذه الحكاية على لزوم التعلق بشيوخ الزوايا وتوسيطهم بين العباد وربهم ناسخين بها نصوص الشريعة الكثيرة المحكمة، وتتلقفها منهم العامة بقلوبها، وتتمسك بها في الاحتجاج لإِيثار دعاء غير الله، وتعتقد أن ذلك أليق بحالها من أن تخاطب بنفسها أرحم الراحمين؛ سنة المشركين من قديم كما تقدم عن الكلدانيين. • إعراض المبتدعين عن محكم الكتاب وصحيح السنة: والحكاية العاشورية تدل على أن معتقدها أحط فكراً وأقبح جهلاً وأبعد كفراً من مشركي العرب، الذين يخلصون الدعاء لله في حال الشدة واضطراب الموج. ولم يزل من يعظ الناس بنحو تلك الحكاية، ويغرس في القلوب ضريب تلك العقيدة، ولا يرجعون في تمحيص ذلك إلى الكتاب والسنة؛ فإن اضطروا إليهما؛ تمسكوا بمتشابه الكتاب؛ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وبضعيف الحديث المتداعي والموضوع الذي لا تحل روايته إلا للتحذير منه، وتلك عادة المبتدعين من قديم، لا يعنون بمحكم الذكر وصحيح الأثر، ولكن بالحكايات المختلقات والأضاليل الملفقات، فإن نصح لهم ناصح؛ رموه بخبال في الرأي أو ضلال في الفهم أو زيغ في العقد، لا عن حجة وبيان، ولكن ثقة بالذين

стр. 272

يصدقونهم في كل بهتان. قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦]، ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥ - ٥٥]. • • • • •

стр. 273

٢٣ - الوسيلة • معنى الوسيلة في اللغة: في " القاموس ": " الوسيلة: هي المنزلة عند الملك والدرجة والقربه ". وفي " الصحاح " و " المصباح ": " هي ما يتقرب به إلى الشيء ". وفي " المفردات ": " هي التوصل إلى الشيء برغبة ". وفي " فروق أبي هلال ": " الوسيلة عند أهل اللغة هي القربة، وأصلها من قولك: سألت أسأل؛ أي: طلبت، وهما يتواسلان؛ أي: يطلبان القربة التي ينبغي أن يطلب مثلها، وتقول: توسلت إليه بكذا، فتجعل كذا طريقاً إلى بغيتك عنده ". • الفرق بين الوسيلة والذريعة: " والذريعة إلى الشيء هي الطريقة إليه، ولهذا يقال: جعلت كذا ذريعة إلى كذا، فتجعل الذريعة هي الطريقة نفسها، وليست الوسيلة هي الطريقة، فالفرق بينهما بيِّن " [ص:٢٤٨]. ولعل الفرق البيّن هو كون الوسيلة مقصود التوصل بها إلى المرغوب فيه، والذريعة قد توقع فيما ليس بمراد أولاً؛ تقول: وسلت إليه بالعمل- من باب

стр. 274

وعد-: رغبت وتقربت، ووسل إليه توسيلًا، وتوسل توسلًا: عمل عملاً تقرب به إليه، والواسل: الراغب، قال لبيد: أَرَى النَّاسَ لَا يَدْرُونَ مَا قَدْرُ أَمْرِهِمْ ... بَلَى كُلُّ ذِي دِينٍ إِلَى اللهِ وَاسِلُ وقال أبو طالب مطلع " لاميته ": وَلَمَّا رَأَيْتُ الْقَوْمَ لَا وُدَّ فيهِمُ ... وَقَدْ قَطَعُوا كُلَّ الْعُرَى وَالْوَسَائِلِ يريد أنواع الصلة وضروب الروابط. • خلاصة معنى الوسيلة: واستبان من بيان اللغويين للوسيلة أنها تتضمن ثلاثة أشياء: القربة، والرغبة، والتوصل؛ فهي على هذا قربة موصلة لأمر مرغوب فيه. وعلى هذا ينبني المعنى الشرعي في مستعمل الكتاب والسنة: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]. وقال أيضاً: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإِسراء: ٥٧]. وفي " البخاري " عن جابر بن عبد الله، أنه ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ! رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ! آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ؛ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَة» (١١٧).

стр. 275

• معنى الوسيلة في آية المائدة: ١ - أما الوسيلة في الآية الأولى؛ فقد حكى في " الدر المنثور " عن مفسري الصحابة والتابعين فيها أربع عبارات: عبارة حذيفة ﵁ وغير واحد: أنها القربة، وعبارة قتادة: أنها الطاعة لله والعمل بما يرضيه، وعبارة أبي وائل ﵁: أنها الإِيمان، وعبارة ابن عباس: أنها الحاجة، وأنشد قول عنترة: إِنَّ الرِّجَالَ لَهُمْ إِلَيْكِ وَسِيلَةٌ ... أَنْ يَأْخُذُوكِ تكَحَّلِي وتَخَضَّبي والعبارات متواردة على معنى واحد، فطاعة الله وعمل ما يرضيه قربة، والإِيمان عند السلف عقد وقول وعمل، فآل إلى الطاعة، والحاجة من الاحتياج والافتقار، فإن كان لله، فهو من الإِيمان المثمر للطاعة. وقال الراغب بعد هذه الآية: " وحقيقة الوسيلة إلى الله تعالى مراعاة سبيله بالعلم والعبادة، وتحري مكارم الشريعة، وهي كالقربة ". فرجعت الوسيلة إلى أنها القربة والطاعة، وحكى ابن كثير اتفاق المفسرين على هذا المعنى. • معنى الوسيلة في آية الإِسراء: ٢ - وأما الوسيلة في الآية الثانية؛ ففسرها البغوي بالقربة [و] بالدرجة العليا وليس بين اللفظين تضارب، لأن الدرجة العليا ثمرة الطاعة والقربة، وفسرها رسول الله ﷺ بالقرب، وهو بمعنى الدرجة العليا، فقد روى الترمذي وابن

стр. 276

مردويه عن أبي هريرة؛ أنه ﷺ قال: «سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ». قَالُوا: وَمَا الْوَسِيلَةُ؟ قَالَ: «الْقُرْبُ مِنَ اللهِ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإِسراء: ٥٧] (١١٨). ذكره في " الدر المنثور ". • معنى الوسيلة في حديث جابر: ٣ - وأما الوسيلة في حديث جابر، فقد فسرتها الأحاديث بأنها أعلى درجة في الجنة، وذلك معنى القرب في حديث أبي هريرة. روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أنه سمع النبي ﷺ يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً؛ صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ؛ فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ؛ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ» (١١٩)

стр. 277

• اتحاد معنى الوسيلة في الكتاب والسنة: وإذا تأملت معنى الوسيلة في الآيتين والحديث، وجدته متقارباً متلازماً، أصله القربة والطاعة التي ينشأ عنها القرب من الله في دار كرامته. • تحديد معنى الوسيلة في الشرع: وإذا استعنا بالمعنى اللغوي لتحديد المعنى الشرعي؛ كان معناها في الشرع: قربة مشروعة توصل إلى مرغوب فيه، والتوسل هو التقرب إلى الله بتلك القربة، وتوسل الداعي هو طلبه المبني على تلك القربة، وليس في الشرع مطلوب ومدعو إلا الله، وليس فيه من قربة إلا ما شرعه في الكتاب والسنة. قال ابن أبي زيد في " رسالته ": " ولا يكمل قول الإِيمان إلا بالعمل، ولا قول وعمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ونية إلا بموافقة السنة " ... والنية: القصد والإِخلاص. • أنواع التوسل: والتوسل إما بما يناسب المطلوب عقلاً وأذن فيه شرعاً، وإما بغير ذلك. وتفصيله: أن المتوسل إما أن يتوسل بما لله من صفات وأسماء، وإما بما له من اعتقاد صحيح، وإما بما له من عمل صالح، وإما بما لغيره من دعاء أو جاه، وإما بطاعة تعمه وغيره؛ فتلك ستة أنواع. • التوسل بصفات الله: النوع الأول: التوسل بصفات الله، وهو مشروع؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، ولما رواه الترمذي وحسَّنه عن

стр. 278

معاذ بن جبل ﵁؛ أن النبي ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ! فَقَالَ: «قَدِ اسْتُجِيبَ لَكَ؛ فَسَلْ» (١٢٠)، وله أمثلة: ١ - منها ما أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربع أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم، عن أنس ﵁؛ أَنَّهُ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَدْعُو: "اللَّهُمَّ! إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ! يَا قَيُّومُ! ". فَقَالَ ﷺ : «لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ» (١٢١).

стр. 279

٢ - ومنها ما رواه مسلم عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ! رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ» (١٢٢)؛ فإن إضافة لفظ الرب إلى تلك المخلوقات العظيمة مشعر بعظيم قدرته وكمال حكمته. ٣ - ومنها الأبيات المشهورة المنسوبة لابن القاسم السهيلي، ومطلعها: يَا مَنْ يَرَى مَا فِي الضَّمِيرِ وَيَسْمَعُ ... أَنْتَ الْمُعِدُّ لِكُلِّ مَا يُتَوَقَّعُ • التوسل بالإِيمان: النوع الثاني: التوسل بالإِيمان الصحيح الصادق، وهو مشروع؛ لما فيه من تقوية التوحيد، وله أمثلة: ١ - منها ما حكاه الله عن أولي الألباب: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]. ٢ - ومنها ما رواه الترمذي وحسنه- بل صححه كما في " مدارج السالكين " (١/ ١٣) - وبقية أصحاب السنن الأربع، وصححه ابن حبان والحاكم؛ عن بريدة ﵁، أن النبي ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَدْعُو وَيَقُولُ:

стр. 280

اللَّهُمَّ! إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ، الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (١٢٣). ٣ - ومنها: قول تميم بن المعز بن باديس الأمير الصنهاجي المالكي: فَكَّرْتُ فِي نَارِ الْجَحِيمِ وَحَرِّهَا ... يَا وَيْلَتَاهُ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصِ فَدَعَوْتُ رَبِّي أَنَّ خَيْرَ وَسِيلَتِي ... يَوْمَ الْمَعَادِ شَهَادَةُ الْإِخْلَاصِ

стр. 281

• التوسل بالعمل الخاص: النوع الثالث: توسل الداعي بطاعته وصالح عمله، وهو مشروع لما فيه من تغذية الخشوع المناسب للموضوع، وله أمثلة: ١ - منها: حديث الصخرة في " الصحيحين "؛ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «انْطَلَقَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَتَّى آوَاهُمُ الْمَبِيتُ إِلَى غَارٍ، فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَل فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لاَ يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُ ... » ثم ذكر برور الأول بأبويه وانفراج الصخرة قليلاً لدعائه، وعفة الثاني عمن أمكنته من نفسها بعد شوق طويل وانفراج الصخرة له أيضاً، ومبالغة الثالث في حفظ الأمانة وتمام انفراج الصخرة، وأنهم كلهم قالوا في أدعيتهم: «اللَّهُمَّ! إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ؛ فَافْرِجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ» (١٢٤) ٢ - ومنها: تقديم الصلاة على النبي ﷺ قبل الدعاء، لما رواه أبو داود، والترمذي وصححه، أَنَ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً يُصَلِّي وَيَدْعُو، وَلَمْ يَحْمَدْ رَبَّهُ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى نَبِيِّهِ، فَقَالَ: «عَجِلَ هَذَا». ثُمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ؛ فَلْيَبْدَأْ بِحَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ؛ وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ، وَلْيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ» (١٢٥).

стр. 282

٣ - ومنها: قول محمد بن عبد الله العبدري المالكي: تَوَسَّلْتُ يَا رَبِّي بِأَنِّيَ مُؤْمِنٌ ... وَمَا قُلْتُ إِنِّي سَامِعٌ وَمُطِيعٌ أَيُصْلَى بَحَرِّ النَّارِ عَاصٍ مُوَحِّدٌ ... وَأَنْتَ كَرِيمٌ وَالرَّسُولُ شَفِيعُ وهذه الأنواع الثلاثة لتقاربها قد تجتمع أو بعضها في الصيغة الواحدة. • التوسل بالدعاء: النوع الرابع: تَوسُّل المرء بدعاء غيره، وهو على وجهين: أحدهما: أن تكتفي عن دعائك بدعاء من سألته الدعاء، وهذا تقدم في فصل الدعاء، وأنه مأذون فيه، ما لم يكن ذريعة إلى منهي عنه؛ كسؤال الدعاء من الميت والغائب؛ لما فيه من مظنة الاعتقاد بعلم الغيب (*). والوجه الثاني: أن تسأل الدعاء من الحي الحاضر، فيدعو لك، وتتوجه أنت إلى الله داعياً متوسلاً بدعائه. • حديث الأعمى: وهو مشروع لحديث الأعمى عند أحمد والنسائي، والترمذي وصححه، وهو أن رجلاً ضريرا جاء إلى النبي ﷺ يسأله الدعاء ليرد الله عليه بصره، فخيره

стр. 283

بين الصبر ودعائه له، فأصر على اختيار دعاء رسول الله ﷺ ، فأمره بالوضؤ وصلاة ركعتين، ثم الدعاء بهذا اللفظ: «اللَّهُمَّ! إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ، نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ! إنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِي، اللَّهُمَّ! فَشَفِّعْهُ فِيَّ» (١٢٦). والتوجه بالنبي معناه التوجه بدعائه، دل على هذا المحذوف اختيار الأعمى لدعاء الرسول [ ﷺ ] بعد تخييره له بينه وبين الصبر، وأمره للأعمى بالدعاء بعد دعائه ﷺ ؛ نظير ما أخرجه مسلم وغيره من قوله ﷺ لمن سأله مرافقته في الجنة: «أَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» (١٢٧)؛ فنصح لهما بعبادتي الصلاة والدعاء لمناسبتهما للمطلوب.

стр. 284

• استسقاء عمر بالعباس: ونظير حديث الأعمى ما رواه البخاري في " صحيحه " من استسقاء عمر بالعباس (١٢٨) وقوله: " اللَّهُمَّ! إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بَنَبِيِّنَا، فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا؛ فَاسْقِنَا "؛ ففيه إِثبات التوسل بالرسول في حياته، وبأهل الفضل- ولا سيما ذوو قرابته- بعد موته، والمقصود التوسل بدعائهم إذا كانوا معنا في عالمنا، أما من كان في العالم الغيبي؛ فكل شيء منه غائب علينا؛ فلا نعلم هل دعا لنا ولم يرد الشرع بدعائهم لنا، والعباس حاضر وقع منه الدعاء، وأنه قال - كما في " الفتح " -: " اللَّهُمَّ! إِنِّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَلاءٌ إِلا بِذَنْبٍ، وَلَمْ يُكْشَفْ إِلا بِتَوْبَةٍ، وَقَدْ تَوَجَّهَ الْقَوْمُ بِي إِلَيْكَ لِمَكَانِي مِنْ نَبِيِّكَ، وَهَذِهِ أَيْدِينَا إِلَيْكَ بِالذُّنُوبِ، وَنَوَاصِينَا إِلَيْكَ بِالتَّوْبَةِ، فَاسْقِنَا الْغَيْثَ" (١٢٩) (٢/ ٣٩٨). • التوسل بالطاعة المطلقة: النوع الخامس: التوسل بطاعة تعم المتوسل وغيره. ومن أمثلته: ما في " كبير الطبراني " من طريق فضال بن جبير المجمع على ضعفه عن أبي أمامة ﵁ مرفوعاً: " أَسْأَلُكَ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَبِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَكَ، وَبِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ؛ أَنْ تَقْبَلَنِي فِي هَذِهِ الْغَدَاةِ وَفِي هَذِهِ الْعَشِيَّةِ، وَأَنْ تُجِيرَنِي مِنَ النَّارِ بِقُدْرَتِكَ" (١٣٠).

стр. 285

ومنها: ما رواه أحمد وابن ماجه عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ ، أنه علم الخارج إلى الصلاة أن يقول في دعائه: «وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ، وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا، فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا، وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً، وَلَكِنْ خَرَجْت اتِّقَاءَ سَخَطِكَ وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُنْقِذَنِي مِنَ النَّارِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ» (١٣١).
следующие страницы →