← Акыда

Акыда · id 37348

رسالة الشرك ومظاهره

مبارك الميلي

Полный текст (448 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

• التوسل بالعمل الخاص: النوع الثالث: توسل الداعي بطاعته وصالح عمله، وهو مشروع لما فيه من تغذية الخشوع المناسب للموضوع، وله أمثلة: ١ - منها: حديث الصخرة في " الصحيحين "؛ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «انْطَلَقَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَتَّى آوَاهُمُ الْمَبِيتُ إِلَى غَارٍ، فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَل فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لاَ يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُ ... » ثم ذكر برور الأول بأبويه وانفراج الصخرة قليلاً لدعائه، وعفة الثاني عمن أمكنته من نفسها بعد شوق طويل وانفراج الصخرة له أيضاً، ومبالغة الثالث في حفظ الأمانة وتمام انفراج الصخرة، وأنهم كلهم قالوا في أدعيتهم: «اللَّهُمَّ! إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ؛ فَافْرِجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ» (١٢٤) ٢ - ومنها: تقديم الصلاة على النبي ﷺ قبل الدعاء، لما رواه أبو داود، والترمذي وصححه، أَنَ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً يُصَلِّي وَيَدْعُو، وَلَمْ يَحْمَدْ رَبَّهُ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى نَبِيِّهِ، فَقَالَ: «عَجِلَ هَذَا». ثُمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ؛ فَلْيَبْدَأْ بِحَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ؛ وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ، وَلْيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ» (١٢٥).

стр. 282

٣ - ومنها: قول محمد بن عبد الله العبدري المالكي: تَوَسَّلْتُ يَا رَبِّي بِأَنِّيَ مُؤْمِنٌ ... وَمَا قُلْتُ إِنِّي سَامِعٌ وَمُطِيعٌ أَيُصْلَى بَحَرِّ النَّارِ عَاصٍ مُوَحِّدٌ ... وَأَنْتَ كَرِيمٌ وَالرَّسُولُ شَفِيعُ وهذه الأنواع الثلاثة لتقاربها قد تجتمع أو بعضها في الصيغة الواحدة. • التوسل بالدعاء: النوع الرابع: تَوسُّل المرء بدعاء غيره، وهو على وجهين: أحدهما: أن تكتفي عن دعائك بدعاء من سألته الدعاء، وهذا تقدم في فصل الدعاء، وأنه مأذون فيه، ما لم يكن ذريعة إلى منهي عنه؛ كسؤال الدعاء من الميت والغائب؛ لما فيه من مظنة الاعتقاد بعلم الغيب (*). والوجه الثاني: أن تسأل الدعاء من الحي الحاضر، فيدعو لك، وتتوجه أنت إلى الله داعياً متوسلاً بدعائه. • حديث الأعمى: وهو مشروع لحديث الأعمى عند أحمد والنسائي، والترمذي وصححه، وهو أن رجلاً ضريرا جاء إلى النبي ﷺ يسأله الدعاء ليرد الله عليه بصره، فخيره

стр. 283

بين الصبر ودعائه له، فأصر على اختيار دعاء رسول الله ﷺ ، فأمره بالوضؤ وصلاة ركعتين، ثم الدعاء بهذا اللفظ: «اللَّهُمَّ! إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ، نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ! إنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِي، اللَّهُمَّ! فَشَفِّعْهُ فِيَّ» (١٢٦). والتوجه بالنبي معناه التوجه بدعائه، دل على هذا المحذوف اختيار الأعمى لدعاء الرسول [ ﷺ ] بعد تخييره له بينه وبين الصبر، وأمره للأعمى بالدعاء بعد دعائه ﷺ ؛ نظير ما أخرجه مسلم وغيره من قوله ﷺ لمن سأله مرافقته في الجنة: «أَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» (١٢٧)؛ فنصح لهما بعبادتي الصلاة والدعاء لمناسبتهما للمطلوب.

стр. 284

• استسقاء عمر بالعباس: ونظير حديث الأعمى ما رواه البخاري في " صحيحه " من استسقاء عمر بالعباس (١٢٨) وقوله: " اللَّهُمَّ! إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بَنَبِيِّنَا، فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا؛ فَاسْقِنَا "؛ ففيه إِثبات التوسل بالرسول في حياته، وبأهل الفضل- ولا سيما ذوو قرابته- بعد موته، والمقصود التوسل بدعائهم إذا كانوا معنا في عالمنا، أما من كان في العالم الغيبي؛ فكل شيء منه غائب علينا؛ فلا نعلم هل دعا لنا ولم يرد الشرع بدعائهم لنا، والعباس حاضر وقع منه الدعاء، وأنه قال - كما في " الفتح " -: " اللَّهُمَّ! إِنِّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَلاءٌ إِلا بِذَنْبٍ، وَلَمْ يُكْشَفْ إِلا بِتَوْبَةٍ، وَقَدْ تَوَجَّهَ الْقَوْمُ بِي إِلَيْكَ لِمَكَانِي مِنْ نَبِيِّكَ، وَهَذِهِ أَيْدِينَا إِلَيْكَ بِالذُّنُوبِ، وَنَوَاصِينَا إِلَيْكَ بِالتَّوْبَةِ، فَاسْقِنَا الْغَيْثَ" (١٢٩) (٢/ ٣٩٨). • التوسل بالطاعة المطلقة: النوع الخامس: التوسل بطاعة تعم المتوسل وغيره. ومن أمثلته: ما في " كبير الطبراني " من طريق فضال بن جبير المجمع على ضعفه عن أبي أمامة ﵁ مرفوعاً: " أَسْأَلُكَ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَبِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَكَ، وَبِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ؛ أَنْ تَقْبَلَنِي فِي هَذِهِ الْغَدَاةِ وَفِي هَذِهِ الْعَشِيَّةِ، وَأَنْ تُجِيرَنِي مِنَ النَّارِ بِقُدْرَتِكَ" (١٣٠).

стр. 285

ومنها: ما رواه أحمد وابن ماجه عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ ، أنه علم الخارج إلى الصلاة أن يقول في دعائه: «وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ، وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا، فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا، وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً، وَلَكِنْ خَرَجْت اتِّقَاءَ سَخَطِكَ وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُنْقِذَنِي مِنَ النَّارِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ» (١٣١).

стр. 286

ومنها: ما رواه محمد بن عوف عن جابر في دعاء الأذان مرفوعاً: «اللَّهُمَّ! إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ» (١٣٢)، وعطية العوفي ضعفوه، وأطال

стр. 287

السهسواني في " صيانة الإِنسان " القول في تعليل حديثه هذا، ومحمد بن عوف فيه مقال. فلم تسلم الأحاديث الثلاثة من الطعن. وتأول التقي ابن تيمية حديث عطية- على فرض صحته- بأن حق السائلين لله الإِجابة، وحق العابدين له الإِثابة، فسؤاله بهذا الحق سؤال له بأفعاله، كالاستعاذة بمعافاته في حديث: «اللَّهُمَّ! إنِّي أعُوذُ بِرِضاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وبِمُعافاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وأعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ أَنْت كَمَا أثْنَيْتَ على نَفْسِكَ». أخرجه مسلم عن عائشة (١٣٣) ﵂، وهذا الحق أوجبه على نفسه تفضلًا منه ورحمة، فقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ] [الروم: ٤٧]، ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٣]، ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة: ١١١]، بسط هذا التأويل في " رده على البكري " [ص:٤٣]، وعرج عليه في " رسالة التوسل والوسيلة " [ص:٤٩]. وتأول السهسواني حديث محمد بن عوف في " صيانة الإِنسان " بقوله: " إن

стр. 288

المراد بهذه الدعوة التامة نوع الأذان لا أذان مخصوص، كما أن المراد مطلق الصلاة لا صلاة مصل معين؛ فغاية ما يثبت منه التوسل بمطلق الأعمال الصالحة من غير إضافتها إلى أشخاص معينين " [ص:٢٠٥]. وعلى تأويل ابن تيمية يكون هذا التوسل بحق السائلين من النوع الأول. والأقرب عندي أن الحق هنا بمعنى الجاه والحظوة؛ فهو كقولك: بجاه فلان، لكنه ليس توسلًا بالشخص، بل بوصف السؤال الذي يتناول المتوسل، وسؤال الله عبادة، فيكون هذا توسلاً بعبادة مطلقة لا تخص المتوسل ولا المتوسل به، وهذا هو الذي يوافق تأويل السهسواني لحديث محمد بن عوف، وهو الصواب إن شاء الله، وفارق هذا النوع [النوع] الثالث لكونه مطلقاً لا مقيداً بعبادة جزئية. • التوسل بالجاه: النوع السادس: توسل المرء بحق المخلوق وجاهه، وردت آثار لو صحت ولم تؤول لدلت على جوازه بكل معظم شرعاً، من ميت أو غائب أو حاضر لم يقع منه دعاء للمتوسل، ولنقتصر من الآثار على أحسنها إسناداً أو أشهرها على الألسنة. • ما ورد في التوسل بالجاه: ١ - روى ابن السني وأبو نعيم وأبو الشيخ الأصبهاني من طريق عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جده؛ أن أبا بكر الصديق ﵁ قال للنبي ﷺ : إني أتعلم القرآن ويتفلت مني. فعلمه ﷺ أن يقول: «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِمُحَمَّدِ نَبِيِّك، وَبِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِك، وَبِمُوسَى نَجِيِّك، وَعِيسَى رُوحِك وَكَلِمَتِك، وَبِتَوْرَاةِ مُوسَى وَإِنْجِيلِ عِيسَى وَزَبُورِ دَاوُد وَفُرْقَانِ مُحَمَّدٍ، وَبِكُلِّ وَحْيٍ

стр. 289

أَوْحَيْته وَقَضَاءٍ قَضَيْته ... » الحديث (١٣٤). ٢ - وروى الحاكم في " المستدرك " وصححه من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب مرفوعاً: " لما اقترف

стр. 290

آدم الخطيئة؛ قال: يا رب! أسألك بحق محمد لما غفرت لي. قال: وكيف عرفت محمداً؟ قال: لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فيَّ من روحك، رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوباً: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. قال: صدقت يا آدم! ولولا محمد ما خلقتك " (١٣٥). ٣ - وأخرج الطبراني في " الكبير " و " الأوسط " والحاكم وصححه من طريق روح بن صلاح المصري، عن أنس ﵁، في قصة وفاة فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب ﵄؛ أن رسول الله ﷺ دخل لحدها، واضطجع فيه، ثم قال: «الله الذي يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، اللهم! اغفر لي ولأمي فاطمة بنت أسد، ولقنها حجتها، ووسع عليها مدخلها،

стр. 291

بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي؛ فإنك أرحم الراحمين» (١٣٦).

стр. 292

٤ - وجاء من طريق عمرو بن ثابت عن ابن عباس ﵁؛ قال: سألت النبي ﷺ عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه، قال: " سأل بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت عليَّ، فتيب عليه " (١٣٧). ٥ - وروي: " إذا كانت لكم إلى الله حاجة؛ فسلوه بجاهي؛ فإن جاهي عند الله عظيم " (١٣٨).

стр. 293

٦ - وفي الباب الثالث من القسم الثاني من الشفاء عن محمد بن حميد الرازي، أن مالكاً والخليفة المنصور اجتمعا، فسأل المنصور مالكاً: أيستقبل القبلة ويدعو أو يستقبل رسول الله ﷺ ؟ فأجابه: " ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله يوم القيامه، بل استقبله واستشفع به؛ يشفعه الله فيك. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] ". • الكلام على ما ورد في التوسل بالجاه من ناحية الرواية: وللعلماء في الكلام على أمثال هذه الآثار جهتان: جهة السند والرواية، وجهة المعنى والدراية: فأما الرواية؛ فإنه لم يخرج هذه الآثار من يلتزمون الصحة فيما يروون غير الحاكم في " المستدرك "، وقد عاب عليه الحفاظ عدم التزامه الصحة فيه، لاشتماله على الضعاف والواهيات والموضوعات، كما يعلم من كلام الذهبي في " الطبقات " و " الميزان " عند ترجمته، ومن كلام السخاوي في " الضوء اللامع " عند ترجمته لنفسه. وحديث عبد الملك بن هارون في سنده انقطاع، وفيه وفي أبيه مقال، ضعفهما الدارقطني، ووصف عبد الملك بالكذب والوضعِ، وقال ابن حبان في أبيه هارون: " لا يجوز أن يحتج به، منكر الحديث جدّاً ". وروح بن صلاح مختلف في تضعيفه وتوثيقه. وعبد الرحمن بن زيد ضعفه علي بن المديني جدّاً، وقال فيه ابن معين: " ليس بشيء ". وعمرو بن ثابت قال فيه ابن معين: " ليس بشيء، ليس بثقة ولا مأمون "، وقال النسائي: " متروك الحديث "، وقال ابن حبان: " يروي الموضوعات ". ومحمد بن حميد ضعيف موصوف بالكذب وكثرة المناكير. كل هذا من " الميزان ".

стр. 294

قال ابن تيمية في " رسالة التوسل والوسيلة " بعد إيراده قصة اجتماع مالك والمنصور من الشفاء: " وهذه الحكاية منقطعة؛ فإن محمد بن حميد الرازي لم يدرك مالكاً، لا سيما في زمن أبي جعفر المنصور؛ فإن أبا جعفر توفي بمكة سنة ثمان وخمسين ومئة، وتوفي مالك سنة تسع وسبعين ومئة، وتوفي محمد بن حميد الرازي سنة ثمان وأربعين ومئتين، ولم يخرج من بلده حين رحل في طلب العلم إلا وهو كبير مع أبيه، وهو مع هذا ضعيف عند أكثر [أهل] الحديث، كذبه أبو زرعة وابن وارة ... " إلخ [ص:٦٢]. وفي " تفسير القرطبي " عن ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والضحاك ومجاهد، أن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه هي قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. وحكى هو والبغوي وابن كثير في المراد من الكلمات أقوالًا أخر ليس فيها ما يوافق رواية عمرو بن ثابت المتقدمة. وهذا القدر كاف في تعرف حال تلك الروايات، وأنها بين الضعيف والموضوع، ليس شيء منها صالحاً للاحتجاج. أما الأثر الحاض، فباطل ليس له سند، ولا رواه من رجال الحديث أحد؛ كما قال ابن تيمية في " رده على البكري " [ص:٤٦] وفي " رسالة التوسل والوسيلة " [ص:١٢٤]. • تأويل ما ورد في التوسل بالجاه: وأما الدراية " فإن قول القائل: " بحق فلان ": تحتمل باؤه أن تكون للقسم، وأن تكون للسبب، والاحتمال الأول غير صحيح شرعاً لوجهين: أحدهما: أن الحلف بالمخلوق للمخلوق ممتنع شرعاً؛ فكيف به

стр. 295

للخالق؟ وثانيهما: أن فيه اعتقاد حق للمخلوق على الخالق، وهو اعتقاد فاسد؛ إلا فيما أحقه الله على نفسه تفضلاً منه؛ كما تقدم في النوع الخامس من هذا الفصل، وقد أصاب من قال: مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ ... كَلَّا وَلَا سَعْيٌ لَدَيْهِ ضَائِعُ إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا ... فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الْكَرِيمُ الوَاسِعُ والاحتمال الثاني: إما أن يقدر فيه مضاف هو لفظ المحبة، أو هو لفظ صالح العمل، وإما أن لا يقدر فيه مضاف؛ فتلك ثلاثة أوجه. • حكم التوسل بالذات: الوجه الأول: أن يبقى اللفظ على ظاهره بلا تقدير مضاف، والمعنى عليه: بسبب كون فلان من عبادك الذين لهم حق عليك بوعدك الصادق أجب دعائي. قال في " شرح الطحاوية ": " وأي مناسبة في هذا وأي ملازمة؛ وإنما هذا من الاعتداء في الدعاء، وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]، وهذا ونحوه من الأدعية المبتدعة، ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن أحد من الأئمة، وإنما يوجد مثل هذا في الحروز والهياكل التي يكتب بها الجهال والطرقية، والدعاء من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على السنة والاتباع لا على الهوى والابتد اع " [ص:١٧٧]. • حكم التوسل بعمل آخر: والوجه الثاني: أن يقدر في اللفظ صالح العمل، فكأنه يقول: بحق عمل

стр. 296

فلان الصالح تقبل دعائي. وهو تأويل الشوكاني في " الدرّ النضيد "؛ مستنداً فيه إلى حديث الصخرة، كما في " صيانة الإِنسان "، وهو تأويل لا يفيد العامة إلا زيادة تضليل، إذ لا يخطر على بالها من هذا المعنى كثير ولا قليل، واستناده إلى حديث الصخرة عجيب، لا يستسيغه عقل عالم ولا ذوق أديب، فإن أصحابها إنما توسل كل منهم بطاعته وإخلاصه [فيها]، ولم يتوسل الثاني مثلاً بطاعة الأول، مع أنه قد عاين كرامته بانفراج الصخرة لدعائه ثم [إن] عمل غيرك ملك له لم يهبه لك؛ فكيف تتقرب به إلى الله ويتناسب مع رغبتك في إجابة دعوتك؟! إن توسلك بعمل غيرك غير مقبول في الطبع ولا منقول في الشرع، وإذا كان إيمان شخص لا يكون وسيلة لنجاة آخر في الأخرى؛ فعبادته لا تصلح وسيلة لدعائك في الدنيا، وكيف تستعير صلاح غيرك لقبول دعائك وقضاء حاجتك؟! والصلاح جمال نفساني غير قابل للاستعارة كالجمال الجسماني. • حكم التوسل بمحبة المحبوب: والوجه الثالث: أن يقدر في اللفظ المحبة؛ فكأنه يقول: بحق محبة فلان - من إضافة المصدر إلى المفعول-، أي: محبتي إياه، وهو وجه أبداه ابن تيمية، وقد قدمنا القول في المحبة، فمن اتصف بها على الوجه المشروع؛ كان توسله بها من باب التوسل بالإِيمان الصحيح والطاعة المشروعة، غير أن المتصف بها قليل، وأكثر المتوسلين بتلك العبارة لا يقصدون إلى هذا المعنى إلا بعد تنبيههم إليه وإعلامهم به. • معنى التوسل بالجاه عند العامة: هذا حكم التوسل بحق فلان، وقس عليه التوسل بجاهه أو بذاته، ومن وقف على مقاصد العوام في توسلهم بهذه الصيغ، وجدهم لا يريدون إلى شيء

стр. 297

من تلك الاحتمالات والأوجه التي قدمناها، وإنما يقصدون التوسط بفلان إلى الله في قضاء حاجتهم. وقد كتب السيد رشيد رضا على " صيانة الإِنسان " [ص:٢٠٤] ما نصه: " إن المعلوم من حال هؤلاء المتوسلين بالأشخاص أنهم يتوسلون بذواتهم الممتازة بصفاتهم وأعمالهم المعروفة عنهم، لاعتقاد أن لهم تأثيراً في حصول المطلوب بالتوسل؛ إما بفعل الله تعالى لأجلهم، وإما بفعلهم أنفسهم مما يعدونه كرامة لهم، وقد سمعنا الأمرين منهم وممن يدافع عنهم، وكل من الأمرين باطل ". • الأقوال في التوسل بالجاه: والقصد إلى أحد ذينك الأمرين شرك؛ لأن التوحيد يقتضي أن لا فاعل مع الله ولا مؤثر في إرادة الله، ومن سلم من ذلك القصد؛ فهو بين الحظر والإِباحة؛ لأن العلماء اختلفوا في حكم التوسل بالجاه؛ فمن مانع ومن مجيز من غير تفصيل، وخص العز بن عبد السلام جواز التوسل بالنبي ﷺ إن صح الحديث؛ قالوا: لعله يريد حديث الأعمى (١٣٩) الذي صححه الترمذي، ولكن من النقاد من أنكر تصحيحه، وقد بين صاحب " صيانة الإِنسان " ضعفه وضعف أحاديث أخر صححها الترمذي، وحديث الأعمى على ما فيه أصح ما في الباب؛ فينبغي بناء الأقوال الثلاثة عليه؛ فمن أطلق الجواز، قاس حالة عدم الدعاء من المتوسل به على وجود الدعاء منه، وألحق بقية الأنبياء والصالحين به ﷺ ، ومن أطلق المنع، وقف عند النص ولم يقس، ومن فصل؛ قاس عدم دعائه ﷺ على دعائه، ولم يلحق بذاته غيرها.

стр. 298

• تقوية منع التوسل بالجاه: وإطلاق الجواز بالغفلة أشبه، والتفرقة إلى التحكم أقرب، والمنع المطلق أحوط، ويتقوى بوجوه: أحدهما: أن الدعاء عبادة، وهي لا تكون بالرأي والقياس، حتى إن الفقهاء لم يكتفوا بالنص العام لمشروعية أصل الدعاء، فعنوا ببيان المواضع التي يشرع فيها للمصلي الدعاء. ثانيها: عدول عمر ﵁ عن التوسل بالنبي ﷺ إلى دعاء العباس، والصحابة متوافرون، لم ينقل عنهم إنكار؛ لا في وجهه، ولا في غيبته. ثالثها: فقد النقل عن السلف الصالح في التوسل بالذات؛ إلا آثاراً لم تصح، مع كثرة ما نقل عنهم من الأدعية المشروعة. رابعها: عدم التناسب بين إجابة الداعي وذات غيره. وبعد؛ فالمجيز للتوسل بالذات لم ينته به إلى تفضيله على بقية أقسام الدعاء المشروعة، والمانع له لم يصل به إلى دركة الشرك ما لم يقصد به معنى [ينافي] التوحيد؛ فما لهؤلاء الذين شنوا الغارة على منكر التوسل بالذات كأنه أنكر عقيدة في الدين مجمعاً عليها؟! • التوسل بالجاه شرك أو ذريعة إليه: والذي نقوله: إن هذا الضرب من التوسل إن لم يكن شركاً؛ فهو ذريعة إليه، وإن الحكم فيه ينبغي أن يفصل على وجه آخر، وهو أن يسلم هذا التوسل للعالم بالتوحيد وما ينافيه، حتى لا يخشى عليه من الشرك، وأن يحذر منه الجاهل المتعرض لمزالق الشرك، الخفيف إلى دواعي الوثنية؛ خشية أن يعتقد

стр. 299

أن لأحد حقّاً على الله في جلب النفع ودفع الضر، وأن الصالحين مع الله تعالى كالوزراء مع الملوك؛ يحملونهم على فعل ما لم يكونوا مريدين لفعله، ومن اعتقد هذا، فقد وقع في صريح الشرك، وجعل إرادة الله حادثة تتأثر بإرادة غيره، وعلمه حادثاً يتغير لعلم المخلوق. • التفرقة بين الجاهل والعالم في مقام الاحتياط: وقد عهدت التفرقة بين العالم والجاهل في الأحكام التي يدخلها الاحتياط، فترى الفقهاء يكرهون للجاهل دون العالم الاقتصار على غسلة واحدة فيما يطلب تثليثه، خشية أن تبقى به لمعة، قال ناظمهم: وَكَرِهُوا وَاحِدَةَ فِي الْغُسْلِ ... إِلَّا لِعَالِمٍ كَذَا فِي النَّقْلِ وسند هذه التفرقة ما رواه مسلم وأبو داود والنسائي؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ خَطِيباً يَقُولُ: مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا؛ فَقَدْ غَوَى. فَقَالَ لَهُ ﷺ : «بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ أَنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» (١٤٠). فأنكر ﷺ على الخطيب الجمع بين الله ورسوله في ضمير واحد، وثبت عنه ﷺ الجمع بينهما في عدة أحاديث؛ منها: ما أخرجه أبو داود من قوله ﷺ : «مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؛ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا؛ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ» (١٤١)،

стр. 300

وهو ﷺ لا يأتي أمراً نهى عنه غيره إلا أن يكون من خصائصه، ولكنه نهى الخطيب خشية عليه أو على بعض المستمعين أن يتوهم التسوية بين الله ورسوله، أما هو ﷺ ؛ فإنه أعرف الناس بربه وبنفسه وبحال من خاطبهم. • غلو العامة في التوسل بالجاه: وقد غلب الجهل بالدين، وضعفت الثقة برب العالمين، واعتمد الناس من سمَّوْهم أولياء صالحين، وعولوا على التوسل بهم في قضاء مطالبهم، وغالوا في اعتباره، وتشددوا في التمسك به، وبادروا إلى الإِنكار على من أراد بيان المشروع منه لهم. ولم تزل مسألة الوسيلة حديث المجالس منذ أزمنة طويلة، فضبطناها ضبطاً يقربها من متناول العامة، عسى أن يخفضوا من غلوائهم، ويرجعوا إلى السنن المشروع في توسلهم، ويهتدوا إلى الحق في دعائهم، فيعبدوا ربهم بما شرع لهم، ويتبعوا الرسول ﷺ فيما سن لهم، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. • • • • •

стр. 301

٢٤ - الشفاعة • معنى الشفاعة: الشفع: الزوج؛ خلاف الوتر؛ تقول: كان الشيء وتراً فشفعته: إذا ضممت إليه آخر، وشفعت الركعة: جعلتها اثنتين، والشفعة- كغرفة-: ضم ما باعه شريك في أرض أو دار إلى ملكك، وفلان يعاديني وله شافع، أي: معين يعينه على عداوتي، والشفاعة: المطالبة بوسيلة أو ذمام، والفعل في الجميع: شفع؛ كمنع، تقول: شفعت في الأمر شفعاً وشفاعة، وشفعت له إلى فلان، وأنا شافعه وشفيعه، ونحن شفعاؤه، وتشفعت له وفيه إلى فلان فشفعني فيه تشفيعاً: إذا قبل شفاعتي، واستشفعني واستشفع بي إلى اخر: طلب شفاعتي إليه؛ قال الشاعر: مَضَى زَمَنٌ وَالنَّاسُ يَسْتَشْفِعُونَ بِي ... فَهَلْ لِي إِلَى لَيْلَى الْغَدَاةَ شَفِيعُ هذا خلاصة ما في " الصحاح "، و " الأساس "، و " القاموس "، و " المصباح ". وقال الراغب: " الشفع: ضم الشيء إلى مثله ... والشفاعة: الانضمام إلى آخر ناصراً له وسائلاً عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدنى، ومنه الشفاعة في القيمة ".

стр. 302

فالشفاعة تحمل معنى الضم والإِعانة للمشفوع له، ومعنى الجاه والحرمة للشفيع عند المشفوع إليه؛ فسعيك لآخر في حاجة له عند عظيم شفاعة، وأنت شفيع، وذلك الآخر مشفوع له، وذلك العظيم مشفوع إليه، وقضاء تلك الحاجه تشفيع. • أحوال الشفاعة: والشفاعة لا تعدو ثلاثة أحوال: إما أن تكون من المخلوق إلى مثله، أو من الخالق إلى المخلوق، أو من المخلوق إلى الخالق. • شفاعة المخلوق إلى مثله: فأما شفاعة المخلوق إلى مثله، فهي مظهر من مظاهر التعاون، إذا كان المشفوع إليه يملك التصرف فيما طلب منه على مقتضى الأسباب العادية، والتعاون إذا كان على الخير مكتوب بالكتاب والسنة، والشفاعة منه ثابتة بهما: ففي سورة النساء: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]. وفي " الصحيحين " عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن النبي ﷺ كان إذا أتاه السائل أو صاحب الحاجة؛ قال: «اشْفَعُوا؛ فَلْتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ» (١٤٢). فسر الراغب في " مفرداته " الآية بقوله: " أي: من انضم إلى غيره وعاونه وصار شفعاً له أو شفيعاً في فعل الخير والشر، فعاونه، وقوَّاه، وشاركه في نفعه وضره ".

стр. 303

كذا في الأصل (*)!! ولعل الواو في قوله: " وشاركه ": زائدة سهواً أو تحريفاً. ولم يضبط الحسنة منها والسيئة، لأنه بصدد بيان أصل المعنى اللغوي، وضابط الحسنة ما كانت في الخير والصلاح؛ كالشفاعة عند الحكام ليقضوا حاج الناس، أو عند الصديق المستاء على صديقه ليستل منه استياءه، وضابط السيئة ما كانت في الشر والفساد، كالشفاعة عند الحكام لتعطيل الحدود الشرعية، وعند الحانوي ليسقي من كان على مثل حال القائل: فَكَيْفَ لَنَا بِالشُّرْبِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَنَا ... دَرَاهِمُ عِنْدَ الْحَانَوِيِّ وَلَا نَقْدُ ومعنى الحديث: ترغيبه ﷺ لأصحابه في إعانة الناس عنده، سواء استطاع قضاء حاجهم أم لم يجد إليها سبيلاً. قال الحافظ في " الفتح ": " وفي الحديث الحض على الخير بالفعل وبالتسبب إليه بكل وجه، والشفاعة إلى الكبير في كشف كربة ومعونة ضعيف " (١٠/ ٢٧٠). • شفاعة الخالق إلى المخلوق: وأما شفاعة الخالق إلى المخلوق؛ فممتنعة، محظور طلبها، لما في " سنن أبي داود " وغيرها- واللفظ له- عن جبير بن مطعم ﵁، أن أعرابياً أتى النبي ﷺ ، فقال: جُهِدَتِ الْأَنْفُسُ، وَضَاعُ الْعِيَالُ، وَنُهِكَتِ الْأَمْوَالُ، وَهَلَكَتِ الْأَنْعَامُ؛ فَاسْتَسْقِ اللَّهَ لَنَا، فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِاللَّهِ عَلَيْكَ وَبِكَ عَلَى اللَّهِ. فَقَالَ النبي - اللَّهِ ﷺ : «وَيْحَكَ أَتَدْرِي مَا تَقُولُ؟» وَسَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَا زَالَ

стр. 304

يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَيْحَكَ! إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاللَّهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، شَأْنُ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ ... " الحديث (١٤٣). وإنما امتنع الاستشفاع بالله، لأن الشفيع سائل، والله مسؤول لا سائل، ثم الشفيع في أصل اللغة ليس على المشفوع إليه أن يطيعه بقبول شفاعته، ففي حديث بريرة ﵂، أنها لما عتقت، وخيرها النبي ﷺ في فراق زوجها مغيث؛ اختارت فراقه، فجعل مغيث يبكي من حبه إياها، حتى رق له النبي ﷺ ، فَقَالَ لِبَرِيرَة: «لَوْ رَاجَعْتِهِ؟». فَقَالَتْ: تَأْمُرُنِي؟ فَقَالَ ﷺ : «إِنَّمَا أَنَا شَافِعٌ». قَالَتْ: فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ (١٤٤). أخرجه البخاري عن ابن عباس ﵄، فلو قال لها ﷺ : آمرك؛ لراجعت زوجها مغيثاً، ولمّا كانت الشفاعة لا تحمل معنى الأمر، بل تترك الاختيار للمشفوع إليه؛ أصرت على اختيارها الفراق؛ فلا جرم كانت الشفاعة إلى أحد مما يجلّ عنه مقام الألوهية.

стр. 305

• شفاعة المخلوق إلى الخالق في الدنيا: وأما شفاعة المخلوق إلى الخالق؛ فإما في الدنيا، وإما في الأخرى: فالشفاعة إلى الله في الدنيا تكون بالدعاء للمشفوع له؛ كما تقدم في حديث الأعمى، أنه سأل الدعاء من النبي ﷺ ، وأنه لما دعا لنفسه، قال: اللهم! فشفعه فيَّ. فطلبُها من الحي الحاضر جائز؛ كما تقدم في القسم الثاني من أقسام الدعاء والنوع الرابع من أنواع التوسل. وسواء دعا الشفيع للمشفوع له بأمر دنيوي أم بنفع أخروي، كان المشفوع له حيّاً أم ميتاً؛ لما في مسلم؛ أنه ﷺ قال: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللَّهُ فِيهِ» (١٤٥)، ولما في " الأدب المفرد " للبخاري من دعائه ﷺ لأنس ﵁ بقوله: «اللَّهُمَّ! أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَأَطِلْ حَيَاتَهُ، وَاغْفِرْ لَهُ». قال أنس: فدعا لي بثلاث، فدفنت مئة وثلاثة، وإن ثمرتي لتطعم في السنة مرتين، وطالت حياتي حتى استحييت من الناس، وأرجو المغفرة (١٤٦).

стр. 306

• الشفاعة الأخروية: والشفاعة إلى الله في الأخرى تكون بدعائه وسؤاله التجاوز عن سيئات المشفوع له، أو التجاوز به إلى درجة أعلى. وهي ثابتة للنبي ﷺ بأحاديث كثيرة: منها حديثا (١٤٧) البخاري ومسلم السابقان في فصل الوسيلة. ومنها ما في " الصحيحين " عن أبي هريرة ﵁، أنه ﷺ قال: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا، وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَةِ» (١٤٨). ومنها ما في " البخاري " عنه أيضاً؛ أنه ﷺ قال: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ» (١٤٩). ومنها عن أنس؛ أنه ﷺ قَالَ: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» (١٥٠).

стр. 307

أخرجه الترمذي وقال: " حسن صحيح غريب "، والبيهقي وقال: " إسناده صحيح "، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. قاله في " كشف الخفاء " (٢/ ١٠). • الشفعاء في الآخرة: وهذه الشفاعة ثابتة أيضاً لبقية الأنبياء وللعلماء والشهداء وسائر المؤمنين وللقران وللجنة. ١ - روى ابن ماجه عن عثمان ﵁ مرفوعاً: «يَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ: الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْعُلَمَاءُ، ثُمَّ الشُّهَدَاءُ» (١٥١). ٢ - وأخرج البزار عن ابن عباس ﵄ رفعه إلى النبي ﷺ ، قال:﴾ إِنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ الْمُؤْمِنِ إِلَيْهِ فِي دَرَجَتِهِ، وَإِنْ كَانُوا دُونَهُ فِي الْعَمَلِ، لِتَقَرَّ بِهِمْ عَيْنُهُ»، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ [الطور: ٢١] الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا نَقَصْنَا الْآبَاءَ بِمَا أَعْطَيْنَا الْبَنِينَ﴾ (١٥٢).

стр. 308

قال في " مجمع الزوائد ": " وفيه قيس بن الربيع، وثقه شعبة والثوري، وفيه ضعف " (٧/ ١١٤). وفي " الدر المنثور "؛ أن ابن مردويه أخرجه أيضاً عن ابن عباس مرفوعاً، وأن سعيد بن منصور وهناداً وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في " سننه " أخرجوه عنه موقوفاً عليه (٦/ ١١٩). ٣ - وروى مسلم عن أبي أمامة الباهلي ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعاً لأَصْحَابِهِ ... » الحديث (١٥٣). ٤ - وعن جابر مرفوعاً: «الْقُرْآنُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ» (١٥٤). أخرجه ابن حبان والبيهقي.

стр. 309

ورواه أيضاً الطبراني والبيهقي عن ابن مسعود بزيادة: «وَمَاحِلٌ مُصَدِّقٌ، مَنْ جَعَلَهُ أَمَامَهُ، قادَهُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ جَعَلَهُ خَلْفَهُ، سَاقَهُ إِلَى النَّارِ». و (الماحل): الخصم؛ قال في " الصحاح ": " والمحل: المكر والكيد، يقال: محل به: إذا سعى به إلى السلطان؛ فهو ماحل ". ٥ - وروى الحسن بن سفيان عن أبي هريرة ﵁؛ أنه ﷺ قال: «أَكْثِرُوا مِنْ مَسْأَلَةِ اللَّهِ الْجَنَّةَ, وَاسْتَعِيذُوا بِهِ مِنَ النَّارِ، فَإِنَّهُمَا شَافِعَتَانِ مُشَفَّعَتَانِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَكْثَرَ مَسْأَلَةَ اللَّهِ الْجَنَّةَ؛ قَالَتِ الْجَنَّةُ: يَا رَبِّ! عَبْدُكَ هَذَا الَّذِي سَأَلَنِيكَ، فَأَسْكِنْهُ إِيَّايَ، وَتَقُولُ النَّارُ: يَا رَبِّ! عَبْدُكَ هَذَا الَّذِي اسْتَعَاذَ بِكَ مِنِّي، فَأَعِذْهُ» (١٥٥). نقله ابن القيم في " حادي الأرواح " (١/ ١٤٨).

стр. 310

• أنواع الشفاعة الأخروية: وإن من الشفاعات الأخروية ما يختص بالنبي ﷺ ، ومنها ما لا يختص ففي " الفتح " عن النووي وعياض: " الشفاعة خمس: في الإِراحة من هول الموقف، وفي إدخال قومٍ الجنة بغير حساب، وفي إدخال قوم حوسبوا فاستحقوا العذاب أن لا يعذبوا، وفي إخراج من أدخل النار من العصاة، وفي رفع الدرجات " (١١/ ٣٥٩)، ثم ذكر أدلة هذه الأنواع، وزاد عليها. وفي " شرح الأذكار النووية " لابن علان أن بعض المتأخرين بلغ بها إلى أَحدٍ وعشرين نوعاً (٢/ ١٢٥). • شروط الشفاعة الأخروية: ولا يتقدم الشفيع يوم القيامة للشفاعة إلا أن يستجمع أربعة شروط: أحدها: أن يكون من المرتضين عند الله بإيمانه الصحيح وعمله الصالح. ثانيها: أن يكون المشفوع فيه من المؤمنين الموحدين الصادقين. ثالثها: أن يأذن الله للشفيع.

стр. 311

رابعها: أن يحد له من يشفع فيهم. • ما جاء في الشفاعة: ففي حديث الشفاعة الطويل (١٥٦) عند البخاري وغيره عن أنس رضي الله [عنه] ﷺ أنه قال: " ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، ثُمَّ أُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ؛ ثُمَّ أَعُودُ، فَأَقَعُ سَاجِدًا مِثْلَهُ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ، حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلاَّ مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ". فهذا دليل الشرط الرابع، ودلت الآيات على بقية الشروط. ١ - قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. قال ابن كثير: " وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه أن لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه [له] في الشفاعة ". ٢ - وقال أيضاً: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: ٣]. وهذا رد على النضر بن الحارث، فإنه كان يقول: إذا كان يوم القيامة؛ تشفع لي اللات والعزى. قاله البغوي. وقال الراغب في تفسير الآية من " مفرداته ": " أي: يدبر الأمر وحده، لا ثاني له في فصل الأمر، إلا أن يأذن للمدبرات والمقسمات من الملائكة، فيفعلون ما يفعلونه بعد إذنه ". ٣ - وقال تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧].

стр. 312

قال ابن كثير: " عن ابن عباس: العهد: شهادة أن لا إله إلا الله، ويبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله ". ٤ - وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]. قال البغوي عن ابن عباس: " يعني برضى قوله: قول: لا إله إلا الله ". وهذا يدل على أنه لا يشفع غير المؤمن. ٥ - وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]. قال البغوي عن مجاهد: " أي: لمن رضي عنه ". ٦ - وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٣ - ٤٤]. قال البغوي عن مجاهد: " لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ". ٧ - وقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]. قال البغوي عن ابن عباس: " يريد: لا تشفع الملائكة إلا لمن ﵁ ". ٨ - وقال: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]. قال ابن كثير: " الصواب: الحق، ومن الحق لا إله إلا الله، كما قاله أبو صالح وعكرمهّ ".

стр. 313

وفي " تفسير جزء عم " لمحمد عبده: " والذي تفيده [هذه] الآية الكريمة أنهم مع قربهم من الله لا يستطيع أحد منهم أن يشفع لأحد أو يستمنح منحة " إلا إذا أذن الله، ولا يأذن إلا لمن علم أنه سيجاب، وإنما يكون الكلام ضرباً من التكريم لن يأذن الله له به، يختص به من يشاء، ولا أثر له فيما أراد الله البتة ". • حكمة الشفاعة المشروعة: وبكلام ابن كثير على آية البقرة، وكلام محمد عبده على آية النبأ؛ تعلم سر هاته الشفاعة المقيدة بتلك القيود، وأن حكمتها إظهار جلال الله وعظمته، وإعلان كرامة الشفيع ووجاهته، وإيئاس المسرفين على أنفسهم من كل مخلوق إلا من رحمة الله، وعلى هذا عرفها القرطبي في " تفسيره "؛ إذ قال: " الشفاعة: ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع، وإيصال منفعته للمشفوع " (١/ ٣٧٨). • سؤال الشفاعة الأخروية: وطلب الشفاعة الأخروية على أربعة أنحاء: أحدها: طلبها من الله؛ كأن نقول: اللهم! شفع فينا خاتم النبيين وإمام المرسلين. فهذا طلب صحيح ودعاء مشروع؛ لأن الشفاعة لله جميعاً. ثانيها: طلبها في هاته الحياة ممن علم أنه من أهلها وهو حي حاضر؛ كأن يقول الصحابي: يا رسول الله! أسألك شفاعتك غداً. وهذا أيضاً صحيح؛ لحديث أنس ﵁؛ أنه سألها من رسول الله ﷺ ؛ فَقَالَ: «أَنَا فَاعِلٌ» (١٥٧). رواه الترمذي وحسنه، ولقول غلام للنبي ﷺ : أَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَنِي

стр. 314

مِمَّنْ تَشْفَعُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَقَالَ لَهُ: «فَإِنَّكَ مِمَّنْ أَشْفَعُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١٥٨). رواه الطبراني بأسانيد بعضها رجاله رجال الصحيح وبعضها رجاله ثقات، قاله في " مجمع الزوائد ". ولا يجوز هذا الطلب من غير الرسول، كما لا يجوز لغير الرسول الوعد بها؛ لأن ذلك يتوقف على العلم بالإِذن بها للمطلوب، وكونه هو والطالب من أهل الجنة، ولا يجزم بشيء من ذلك إلا بوحي، كما تقدم في فصل الولاية. ثالثها: طلبها من الشفيع يوم القيامة، وهو ثابت بحديث الشفاعة المروي

стр. 315

في " الصحيحين " وغيرهماعن أنس وغيره؛ أنه ﷺ قال: «يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُونَ: لَوْ اسْتَشْفَعْنا إلَى رَبِّنا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ ... » الحديث (١٥٩). رابعها: طلبها اليوم ممن انتقل إلى عالم الغيب: فإن كان المطلوب نبي الرحمة؛ فالطلب بدعة، لم ينقل عن أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم؛ كما نقله في " صيانة الإِنسان " عن " الصارم المنكي " لابن عبد الهادي [ص:٣٧٨]. وإن كان المطلوب من صلحاء الأمة؛ ففيه من المفاسد اعتقاد علم المدعو بالغيب، والجزم له بالجنة، وبإذن الله له في الشفاعة، وإدخال الطالب في المأذون بالشفاعة فيهم، ومن التزم هذه اللوازم؛ فقد أشرك أو كان منه قاب قوسين. • رجاء الشفاعة: أيها الراجي لنيل الشفاعة- حقّق اللهُ رجاءك-! لا تجعل الرجاء وحده طريقتك إليها، ولا عمدتك لاستحقاقها، فتكون من المغترين، ولحال المشركين من المشبهين، ولكن اعمد إلى قلبك؛ فاعمره بالإِيمان الخالص من نزعات الوثنية ونزغات إبليس عدو أبويك آدم وحواء، حتى يكون لجنانك السلطان على أركانك، وأحب نبيك محبة اقتداء واستنان، ولا تنس الصلاة عليه وسؤال الوسيلة له بعد حكاية الأذان؛ فإذا فعلت ذلك؛ كان رجاؤك للشفاعة مبنيّاً على حديث: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي» (١٦٠)، وحديثي (١٦١) سؤال الوسيلة بعد

стр. 316

الأذان، ومن لم يفعل ذلك، وقع تحت الإِنذار بسوء مغبة الاغترار بسراب الآمال مع التهاون بصالح الأعمال. • ما جاء في نفي الشفاعة: ١ - قال تعالى مخاطباً بني إسرائيل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨]. قال ابن كثير: " لما ذكرهم الله بنعمه أولاً؛ عطف على ذلك التحذير من طول نقمه بهم يوم القيامة ". ٢ - وخاطب المشركين بقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤]. قال البغوي: " وذلك أن المشركين زعموا أنهم يعبدون الأصنام؛ لأنهم شركاء الله، وشفعاؤهم عنده ". ٣ - وحكى عنهم بقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]. قال البغوي: " ومعنى الآية: أتخبرون الله أن له شريكاً وعنده شفيعاً بغير إذنه ولا يعلم الله لنفسه شريكاً ". ٤ - وحكى عن صاحب يس قوله: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾ [يس: ٢٣].

стр. 317

قال البغوي: " أي: لا شفاعة لها أصلاً فتغني ". ٥ - وذكر غاية المشركين من عبادتهم الأصنام بقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. قال ابن كثير عن قتادة والسدي ومالك عن شيخه زيد بن أسلم: " أي: ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة ". ٦ - وحكم على أهل سقر بقوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]. قال البغوي عن ابن مسعود: " يشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون وجميع المؤمنين، فلا يبقى في النار إلا أربعة، (ثم تلا: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ... ﴾ إلى قوله: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٣ - ٤٦،] ". وعن عمران بن حصين ﵁: " الشفاعة نافعة لكل أحد دون هؤلاء الذين تسمعون ". ٧ - وفي " صحيح مسلم " وغيره عن عائشة ﵂؛ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾؛ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «يَا فَاطِمَةُ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ! يَا صَفِيَّةُ ابْنَةَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ! يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ! لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ» (١٦٢). ٨ - وفي " الموطأ " و " مسلم " عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ من حديث قال في خاتمته: «وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ؛ فَلَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، أُنَادِيهِمْ: أَلَا هَلُمَّ! أَلَا هَلُمَّ! فَيُقَالُ:

стр. 318

إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ!: فَسُحْقًا، فَسُحْقًا، فَسُحْقًا» (١٦٣). • محمل ما جاء في نفي الشفاعة: فمن تعلق بالمخلوق وتقرب إليه ليشفع له عند الله، وظن تعلقه ذلك تعظيماً لذلك المخلوق يرضاه الله؛ فقد آذنه الله ورسوله بخطأ ظنه وفساد تقربه، وأن في ذلك التعلق تنقيصاً لله يتنزه عنه. ذلك أن الجاهلين بالله من أهل الكتاب والمشركين يقيسون أحوال الآخرة على أحوال الدنيا، وأحكام الله على أحكام الملوك؛ فإذا كان المجرم في الدنيا قد ينجو من سطوة القانون وقضاء الحاكم عليه بشفاعة وجيه عنده؛ كان المجرم في الآخرة قد ينجو من عذاب الله بشفاعة نبي أو ملك أو ولي. وهو قياس فاسد نقلاً وعقلاً: أما النقل، فما تقدم من نفي الشفاعة لمن رجوها من غير الله وبلا سببها المشروع. وأما العقل؛ فإن كل مؤمن بالله يعتقد أنه محيط بكل شيء علماً، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه يفعل ما يفعل حكمة ورحمة لارغبة ولا رهبة، وملوك الدنيا يجهلون كثيراً من أحوال قصورهم؛ فضلًا عما نأى عنهم، ويريدون الشيء ثم يرجعون عنه، ويرغبون في إرضاء أعيان دولتهم ويرهبون إسخاطهم. والشفاعة إلى الله دعاء يفعل الله عقبه ما سبق في علمه وإرادته أن سيفعله، وقبولها من الشفيع تكرمة له ورحمة بالمشفوع، وأما الشفاعة إلى ملوك

стр. 319

الدنيا؛ فهي إعلام لهم بما لم يكونوا يعلمون من براءة المتهم أو علاقته بالشفيع، وتغيير لإِرادتهم العقوبة بإرادة العفو، والباعث لهم على التشفيع الرغبة في موافقة الشفيع أو الرهبة من مخالفته، وكل ذلك ينادي بقصور علمهم وضعف إرادتهم وعجزهم عن الاستقلال بتدبير مملكتهم، وهذه سيما الحدوث الشاهدة بانفراد الله بالكمال المطلق. • الشفاعة الشركية: والشفاعة إلى الملوك هي عند التأمل الصائب مشاركة لهم من الشفعاء في الملك، فمن قاس الشفاعة إلى الله عليها؛ فقد أشرك بالله، ووصفه بما يتنزه عنه، كما نطقت بذلك آية: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]، ودلت عليه الآية الجامعة لنفي أقسام الشرك؛ إذ قال إثرها. ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]. وهذا وجه الجمع بين ما جاء في إثبات الشفاعة ونفيها، وأن المثبت منها هي الشرعية، والمنفي هي الشركية. وبه تعلم مراد الدعاة المرشدين في تحذير العامة من الاتكال على الشفاعة والتقرب إلى من تراهم من أهلها، فلم ينكروا عليك أصل اعتقاد الشفاعة، وإنما حذروك من الاعتقاد الفاسد الذي صحبها. • شرك القبوريين والطرقيين: قال في " صيانة الإِنسان " نقلاً عن الشوكاني: " إن الرزية كل الرزية والبلية كل البلية أمر غير ما ذكرنا من التوسل المجرد والتشفع بمن له الشفاعة، وذلك ما صار يعتقده كثير من العوام وبعض الخواص في أهل القبور وفي المعروفين

стр. 320

بالصلاح من الأحياء من أنهم يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا الله ﷻ ، ويفعلون ما لا يفعله إلا الله ، حتى نطقت ألسنتهم بما انطوت عليه قلوبهم، فصاروا يدعونهم تارة مع الله، وتارة استقلالاً، ويصرخون بأسمائهم، ويعظمونهم تعظيم من يملك الضر والنفع، ويخضعون لهم خضوعاً زائداً على خضوعهم عند وقوفهم بين يدي ربهم في الصلاة والدعاء، وهذا إذا لم يكن شركاً، فلا ندري ما هو الشرك؟! وإذا لم يكن كفراً، فليس في الدنيا كفر " [ص:١٥٥] • الطريق إلى الشفاعة: أيها المسلم! اتبع القرآن فيما أرشدك إليه؛ يشفع لك عند الله، ولا تحد عن سنة رسول الله؛ تشملك إن شاء الله شفاعته، ولا تقنط من رحمة الله وترجو رحمة سواه، فإنه أرحم الراحمين. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٧ - ٥٨]. • • • • •
следующие страницы →