← Акыда

Акыда · id 37348

رسالة الشرك ومظاهره

مبارك الميلي

Полный текст (448 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الأذان، ومن لم يفعل ذلك، وقع تحت الإِنذار بسوء مغبة الاغترار بسراب الآمال مع التهاون بصالح الأعمال. • ما جاء في نفي الشفاعة: ١ - قال تعالى مخاطباً بني إسرائيل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨]. قال ابن كثير: " لما ذكرهم الله بنعمه أولاً؛ عطف على ذلك التحذير من طول نقمه بهم يوم القيامة ". ٢ - وخاطب المشركين بقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤]. قال البغوي: " وذلك أن المشركين زعموا أنهم يعبدون الأصنام؛ لأنهم شركاء الله، وشفعاؤهم عنده ". ٣ - وحكى عنهم بقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]. قال البغوي: " ومعنى الآية: أتخبرون الله أن له شريكاً وعنده شفيعاً بغير إذنه ولا يعلم الله لنفسه شريكاً ". ٤ - وحكى عن صاحب يس قوله: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾ [يس: ٢٣].

стр. 317

قال البغوي: " أي: لا شفاعة لها أصلاً فتغني ". ٥ - وذكر غاية المشركين من عبادتهم الأصنام بقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. قال ابن كثير عن قتادة والسدي ومالك عن شيخه زيد بن أسلم: " أي: ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة ". ٦ - وحكم على أهل سقر بقوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]. قال البغوي عن ابن مسعود: " يشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون وجميع المؤمنين، فلا يبقى في النار إلا أربعة، (ثم تلا: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ... ﴾ إلى قوله: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٣ - ٤٦،] ". وعن عمران بن حصين ﵁: " الشفاعة نافعة لكل أحد دون هؤلاء الذين تسمعون ". ٧ - وفي " صحيح مسلم " وغيره عن عائشة ﵂؛ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾؛ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «يَا فَاطِمَةُ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ! يَا صَفِيَّةُ ابْنَةَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ! يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ! لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ» (١٦٢). ٨ - وفي " الموطأ " و " مسلم " عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ من حديث قال في خاتمته: «وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ؛ فَلَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، أُنَادِيهِمْ: أَلَا هَلُمَّ! أَلَا هَلُمَّ! فَيُقَالُ:

стр. 318

إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ!: فَسُحْقًا، فَسُحْقًا، فَسُحْقًا» (١٦٣). • محمل ما جاء في نفي الشفاعة: فمن تعلق بالمخلوق وتقرب إليه ليشفع له عند الله، وظن تعلقه ذلك تعظيماً لذلك المخلوق يرضاه الله؛ فقد آذنه الله ورسوله بخطأ ظنه وفساد تقربه، وأن في ذلك التعلق تنقيصاً لله يتنزه عنه. ذلك أن الجاهلين بالله من أهل الكتاب والمشركين يقيسون أحوال الآخرة على أحوال الدنيا، وأحكام الله على أحكام الملوك؛ فإذا كان المجرم في الدنيا قد ينجو من سطوة القانون وقضاء الحاكم عليه بشفاعة وجيه عنده؛ كان المجرم في الآخرة قد ينجو من عذاب الله بشفاعة نبي أو ملك أو ولي. وهو قياس فاسد نقلاً وعقلاً: أما النقل، فما تقدم من نفي الشفاعة لمن رجوها من غير الله وبلا سببها المشروع. وأما العقل؛ فإن كل مؤمن بالله يعتقد أنه محيط بكل شيء علماً، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه يفعل ما يفعل حكمة ورحمة لارغبة ولا رهبة، وملوك الدنيا يجهلون كثيراً من أحوال قصورهم؛ فضلًا عما نأى عنهم، ويريدون الشيء ثم يرجعون عنه، ويرغبون في إرضاء أعيان دولتهم ويرهبون إسخاطهم. والشفاعة إلى الله دعاء يفعل الله عقبه ما سبق في علمه وإرادته أن سيفعله، وقبولها من الشفيع تكرمة له ورحمة بالمشفوع، وأما الشفاعة إلى ملوك

стр. 319

الدنيا؛ فهي إعلام لهم بما لم يكونوا يعلمون من براءة المتهم أو علاقته بالشفيع، وتغيير لإِرادتهم العقوبة بإرادة العفو، والباعث لهم على التشفيع الرغبة في موافقة الشفيع أو الرهبة من مخالفته، وكل ذلك ينادي بقصور علمهم وضعف إرادتهم وعجزهم عن الاستقلال بتدبير مملكتهم، وهذه سيما الحدوث الشاهدة بانفراد الله بالكمال المطلق. • الشفاعة الشركية: والشفاعة إلى الملوك هي عند التأمل الصائب مشاركة لهم من الشفعاء في الملك، فمن قاس الشفاعة إلى الله عليها؛ فقد أشرك بالله، ووصفه بما يتنزه عنه، كما نطقت بذلك آية: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]، ودلت عليه الآية الجامعة لنفي أقسام الشرك؛ إذ قال إثرها. ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]. وهذا وجه الجمع بين ما جاء في إثبات الشفاعة ونفيها، وأن المثبت منها هي الشرعية، والمنفي هي الشركية. وبه تعلم مراد الدعاة المرشدين في تحذير العامة من الاتكال على الشفاعة والتقرب إلى من تراهم من أهلها، فلم ينكروا عليك أصل اعتقاد الشفاعة، وإنما حذروك من الاعتقاد الفاسد الذي صحبها. • شرك القبوريين والطرقيين: قال في " صيانة الإِنسان " نقلاً عن الشوكاني: " إن الرزية كل الرزية والبلية كل البلية أمر غير ما ذكرنا من التوسل المجرد والتشفع بمن له الشفاعة، وذلك ما صار يعتقده كثير من العوام وبعض الخواص في أهل القبور وفي المعروفين

стр. 320

بالصلاح من الأحياء من أنهم يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا الله ﷻ ، ويفعلون ما لا يفعله إلا الله ، حتى نطقت ألسنتهم بما انطوت عليه قلوبهم، فصاروا يدعونهم تارة مع الله، وتارة استقلالاً، ويصرخون بأسمائهم، ويعظمونهم تعظيم من يملك الضر والنفع، ويخضعون لهم خضوعاً زائداً على خضوعهم عند وقوفهم بين يدي ربهم في الصلاة والدعاء، وهذا إذا لم يكن شركاً، فلا ندري ما هو الشرك؟! وإذا لم يكن كفراً، فليس في الدنيا كفر " [ص:١٥٥] • الطريق إلى الشفاعة: أيها المسلم! اتبع القرآن فيما أرشدك إليه؛ يشفع لك عند الله، ولا تحد عن سنة رسول الله؛ تشملك إن شاء الله شفاعته، ولا تقنط من رحمة الله وترجو رحمة سواه، فإنه أرحم الراحمين. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٧ - ٥٨]. • • • • •

стр. 321

٢٥ - الزيارة والمزارات • المعنى الأصلي: الزور- بفتح فسكون-: أعلى الصدر، تقول: زور الطائر تزويراً: إذا أكل حتى ارتفع زوره، وزيارتك الشيء: قصدك إياه، كأنك قصدت زوره أو تلقيته بزورك، تقول: زار الرجل غيره زوراً- كقال قولاً- وزيارة بالكسر ومزاراً بالفتح؛ فهو زائر، وهم زوار وزائرون، وهي زائرة، وهن الزائرات، وزور بضم فتشديد، وأزاره: حمله على الزيارة، واستزاره سأله إياها، وزور زائره تزويراً؛ أكرمه واعتد بزيارته، والتزوير كرامة الزائر، تقول: استضأت بهم فنوروني، وزرتهم فزوروني، والمزار كما يكون مصدراً بمعنى الزيارة يكون اسماً لمكانها، ويجمع على مزارات. • المعنى العرفي: قال في " المصباح ": " والزيارة في العرف قصد المزور إكراماً له واستئناساً به. وفي " شرح الشفاء " للخفاجي: " الزيارة تختص بمجيء بعض الأحياء لبعض مودة ومحبة، هذا أصل معناها لغة، واستعمالها في القبور للأموات لإِعطائهم حكم الأحياء، وصار حقيقة عرفية لشيوعه فيها " (٣/ ٥٦٣).

стр. 322

• منزلة الزائر من المزور: والمعروف عندنا أن الزائر دون المزور في الفضل، فيقولون: زار المريد شيخه، ولا يقولون: زار الشيخ مريده، واستعمال العرب لا يفيد ذلك، فقد يكون الزائر أفضل أو أوضع أو مساوياً. قال عياض في " الشفاء ": " قيل: إن الزائر أفضل من المزور، وهذا ليس بشيء، إذ ليس كل زائر بهذه الصفة، وليس عموماً، وقد ورد في حديث أهل الجنة زيارتهم لربهم ". • المعنى الاسمي للزيارة: وتطلق الزيارة اليوم بالمعنى الاسمي كما تستعمل في المعنى المصدري، وكثيراً ما تستعمل العرب المصادر أسماء، فتطلق الزيارة عندنا على ما يعطيه الزائر للمزور من عين أو حب أو حيوان أو خشب أو غير ذلك، وهذا عكس التزوير الذي يكرم به المزور الزائر. • دواعي اتخاذ المزارات: والمزارات عندنا هي مواضع قررت العادة زيارتها للتبرك بمن جلس فيها من الصلحاء، أو دفن عندها، أو سميت به، وإن لم يرها، أو أشار معتقد فيه بظهور روحاني بها. • حصر مباحث الموضوع: والكلام على الزيارة وما يتصل بها في سبعة مباحث هي: زيارة الأحياء، وزيارة الأموات، وحياة الأرواح، وعطايا الزوار، واتخاذ المزارات، والسفر إليها، والغرض من الزيارة.

стр. 323

• زيارة الأحياء: فأما زيارة الأحياء؛ فقد أتى بها النبي [ ﷺ ] فعلاً ورغب فيها قولاً إذا كانت لغرض صحيح. ١ - ففي " مسلم " عن أنس؛ أن أبا بكر قال لعمر ﵄: انطلق بنا إلى أم أيمن ﵂ نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، وأنها بكت عند رؤيتهما من فقد النبي ﷺ فأبكتهما (١٦٤). ٢ - وفيه وفي " الأدب المفرد " عن أبي هريرة ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ «أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللَّهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ؛ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ. قَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُّبُّهَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ. قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ» (١٦٠). و (أرصده بالشيء): وكله بحفظه، و (المدرجة) - بفتح فسكون-: الطريق، و (تربها): تقوم بها وتسعى في صلاحها. ٣ - وعنه أيضاً؛ أنه ﷺ قَالَ: " «مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللهِ، نَادَاهُ

стр. 324

مُنَادٍ: [أَنْ] طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا» (١٦٦). رواه الترمذي وقال: " حديث حسن "، وفي بعض نسخه: " غريب "، ونحوه في " الأدب المفرد ". • زيارة الأموات: وأما زيارة الأموات؛ فقد منع منها ﷺ ، ثم أذن فيها. ودلت الأحاديث على زيارة قبور الوالدين وغيرهم من المؤمنين والكافرين لغرض مشروع، ونص العلماء على استحبابها للرجال، أما النساء، فمنهم من منعهن، ومنهم من كرهها لهن، ومنهم من أذن لهن مع أمن الفتنة (*). ١ - فعن ابن عباس؛ قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» (١٦٧). أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي.

стр. 325

و (السرج) - بضمتين-: جمع سراج. ٢ - وعن بريدة ﵁؛ أنه ﷺ قال: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ؛ فَزُورُوهَا،» (١٦٨). أخرجه مسلم، وزاد فيه أحمد بسند رجاله رجال الصحيح: «فَإِنَّ فِيهَا عِبْرَةً». ٣ - وعنه أيضاً: كان النبي ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ لَنَا وَلَكُمْ». أخرجه مسلم وغيره (١٦٩).

стр. 326

٤ - وعن أبي هريرة، أنه ﷺ قال: «مَنْ زَارَ قَبْرَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ؛ غُفِرَ لَهُ وَكُتِبَ بَرًّا» (١٧٠). رواه الطبراني في " الأوسط " و " الصغير "، وفيه عبد الكريم أبو أمية، وهو ضعيف، كذا في " مجمع الزوائد "، لكن ضعفه لا يضر (*)؛ لأن مشروعية الزيارة ثابتة. ٥ - وعنه أيضاً أنه ﷺ زَارَ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، وَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْمَوْتَ» (١٧١). أخرجه مسلم، ورواه النسائي تحت عنوان: " زِيَارَةُ قَبْرِ الْمُشْرِكِ ".

стр. 327

• حياة الأرواح: وأما حياة الأرواح؛ فهي ثابتة؛ سواء أرواح المؤمنين أم الكافرين. ١ - قال تعالى في شهداء بدر: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤]. ٢ - وقال في شهداء أحد: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. ٣ - وقال ﷺ : «حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ، وَمَمَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ، تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ؛ فَمَا كَانَ مِنْ حَسَنٍ حَمِدْت اللَّهَ عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ مِنْ سَيِّئٍ اسْتَغْفَرْت اللَّهَ لَكُمْ» (١٧٢). رواه البزار بإسناد جيد.

стр. 328

٤ - وعن ابن مسعود؛ أنهم سألوا النبي ﷺ عن آية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ال عمران: ١٦٩]؛ فقال: «أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ اطِّلاعَةً فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ فَقَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا؟! فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبِّ! نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا». أخرجه مسلم (١٧٣). ٥ - وعن جابر بن عبد الله- وقد استشهد أبوه يوم أحد-، أنه ﷺ قال له: «أَعَلِمْتَ أَنَّ اللهَ أَحْيَا أَبَاكَ، فَقَالَ لَهُ: تَمَنَّ. فَقَالَ لَهُ: أُرَدُّ إِلَى الدُّنْيَا فَأُقتَلُ فِيكَ مَرَّةً أُخْرَى. فَقَالَ: إِنِّي قَضَيْتُ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ». أخرجه أحمد (١٧٤). ٦ - وعن كعب بن مالك، أنه ﷺ قَالَ: «نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ» (١٧٥). أخرجه أحمد عن

стр. 329

الشافعي عن مالك عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه، فما أجله من سند. و (يعلق) بضم اللام، معناه: يرعى. ٧ - وعن أنس؛ أنه ﷺ قال: " إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ؛ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ؛ أَتَاهُ مَلَكَانِ، فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولاَنِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّد ﷺ ؟، فَأَمَّا المُؤْمِنُ؛ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ؛ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا خَيْراً مِنْهُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا. وَأَمَّا الْكَافِرُ [أَوِ] الْمُنَافِقُ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ كَمَا يَقُولُ النَّاسُ! فَيُقَالُ لَهُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ" (١٧٦). أخرجه البخاري والنسائي، ورواه أبو داود إلى قوله: «قَرْعَ نِعَالِهِمْ». وقوله: (تليت)، معناه: تبعت، وأصله: تلوت، قلبت واوه ياء ليزدوج مع دريت.

стр. 330

٨ - وعن ابن عباس؛ أنه ﷺ قال: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ؛ إلَّا عَرَفَهُ، وَرَدَّ ﵇» (١٧٧). رواه ابن عبد البر في " الاستذكار " و " التمهيد "، وصححه أبو محمد عبد الحق، قاله السيوطي في " الحاوي " (٢/ ٣٥٨). ٩ - وعن عائشة ﵂، أنه ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَزُورُ قَبْرَ

стр. 331

أَخِيهِ وَيَجْلِسُ عِنْدَهُ إِلَّا اسْتَأْنَسَ بِهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ، حَتَّى يَقُومَ» (١٧٨). أخرجه ابن أبي الدنيا في " كتاب القبور "؛ كما في " الحاوي ". ١٠ - وعن جابر بن عبد الله، أنه ﷺ قال: «إِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَى عَشَائِرِكُمْ وَعَلَى أَقْرِبَائِكُمْ فِي قُبُورِهِمْ؛ فَإِنْ كَانَ خَيْرًا؛ اسْتَبْشَرُوا بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ؛ قَالُوا: اللَّهُمَّ! أَلْهِمْهُمْ أَنْ يَعْمَلُوا بِطَاعَتِكَ» (١٧٩). رواه أبو داود الطيالسي،

стр. 332

ونحوه عند أحمد عن أنس، وعند الطبراني في " الأوسط " عن أبي أيوب الأنصاري من طريق مسلمة بن علي وهو ضعيف، وعند ابن أبي الدنيا في كتاب المنامات عن أبي أيوب أيضاً، ذكر رواياتهم في " الحاوي ".

стр. 333

١١ - وعن أنس؛ أنه ﷺ قَالَ: «الأَنْبِياءُ أحْياءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ» (١٨٠). رواه أبو يعلي في " مسنده " والبيهقي في كتاب " حياة الأنبياء ". ١٢ - وفي " صحيح مسلم " عن أنس أن النبي ﷺ : «لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مَرَّ بِمُوسَى وَهُوَ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ». دلت هذه النصوص على حياة الأرواح حياة لا نشعر بها وعلى علمها بزيارة الأحياء لمقابرها وعلى علمها بأحوال من بقي بعد أصحابها من مخالطيهم وعلى سماعها كلامهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ أريد فيه من الأسماع معنى الهداية. وهى متفاوتة في هذه الحياة أعلاها أرواح الأنبياء ثم الشهداء ثم سائر

стр. 334

المؤمنين ثم الكافرين. وعلى كل حال هي حياة غيبية لا تشبه حياتنا الدنيا، فلا معاملة بيننا وبينها بالبيع والإِجارة والنكاح، ولا تكلف مثلنا بالعبادات، وصلاة الأنبياء في قبورهم هي لذة روحانية. وفي " شرح الطحاوية ": أن الأرواح في البرزخ متفاوتة أعظم تفاوت، وأن الله ركب هذا الإِنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام الدنيا على الأبدان والأرواح تبعاً لها، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبعاً لها، فإذا كان البعث، كان النعيم والعذاب على الأرواح والأجساد جميعاً، وأن للروح بالبدن خمس حالات: تعلقها بالجنين، ثم بالمولود، ثم بالنائم، ثم بالميت في البرزخ، ثم بالمبعوث من القبر. هذا خلاصة كلامه (ص ٣٢٩ - ٣٣٣). • عطايا الزوار: وأما عطايا الزوار؛ فما يعطى منها على استكشاف الغيب هو من حلوان الكاهن حرام؛ كما تقدم في فصل الكهانة، وما يعطى منها قصد استجلاب النفع من المزور واستدفاع الضر به في الدين أو في الدنيا هو رشق في الدين، وسحت في لغة القرآن. قال الراغب: " السحت: المحظور الذي يلزم صاحبه العار؛ كأنه يُسحت دينه ومروءته ". قال تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]، وأصل السحت: القشر الذي يستأصل. ثم لا نعلم من هؤلاء المزورين إلا من يستشرف لما في أيدي الزائرين. وقد ورد المنع من سؤال ما في أيدي الناس تصريحاً أو تلويحاً إلا لضرورة، وجاء الحث على العمل والاكتساب.

стр. 335

أما التهادي للمحبة وإصلاح ذات البين؛ فمشروع. ١ - عن عمر ﵁؛ أنه ﷺ كَانَ يُعْطِيهِ الْعَطَاءَ، فَيَقُولُ لَهُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي. فَقَالَ لَهُ ﷺ : «خُذْهُ، إِذَا جَاءَكَ مِنْ هذَا الْمَالِ شَيْءٌ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلاَ سَائِلٍ، فَخُذْهُ، وَمَا لاَ، فَلاَ تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ» (١٨٢). رواه الشيخان. والإِشراف على الشيء الرغبة فيه والحرص عليه. ٢ - وعن أبي هريرة ﵁؛ أنه ﷺ قال: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا؛ فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا؛ فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» (١٨٣). أخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه. ٣ - وعن سهل بن الحنظلية ﵁؛ أنه ﷺ قال: «مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ؛ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ: «مَا يُغَدِّيهِ أَوْ يُعَشِّيهِ» (١٨٤). أخرجه أحمد وأبو داود وابن حبان. ٤ - وعن أنس؛ أنه ﷺ قال: «الْمَسْأَلَةُ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ: لِذِي فَقْرٍ

стр. 336

مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ» (١٨٥). أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه. و (المدقع): الشديد من الإِدقاع، وهو اللصوق بالدقعاء؛ أي: الأرض الجرداء. و (الغرم المفظع): المال الكثير يلزمه الرجل في سبيل إصلاح بين الناس. و (الدم الموجع): الدية يتحملها المرء عن قريبه كي لا يقتل. ٥ - وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ، فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَتَصَدَّقَ مِنْهُ وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ عَنْ النَّاسِ: خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ» (١٨٦).

стр. 337

٦ - وعن عائشة عنه ﷺ : «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» (١٨٧). أخرجه الطبراني في " الأوسط "، والحربي في " الهدايا "، والعسكري في " الأمثال "، ووردت في معناه

стр. 338

آثار تتبعها العجلوني في " كشف الخفاء " (١/ ٣١٩). • اتخاذ المزارات: وأما اتخاذ المزارات؛ فممنوع، ولو للصلاة فيها، سواء بالبناء على القبور، أم بتعليق الخيوط على أشجار، أم بوضع المباخر والمصابيح عندها. ١ - ففي " الموطأ " و " الصحيحين " عن عائشة وغيرها: أن آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ أن قال: «قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (١٨٨). وروي: " لَعَنَ "؛ مكان: " قَاتَلَ ". ٢ - وعن أبي الهياج؛ أن عليّاً قال له: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : «لَا تَدَعَنَّ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ، وَلَا صُورَةً فِي بَيْتٍ إِلَّا طَمَسْتَهَا» (١٨٩). رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وهذا لفظه. ٣ - وعن أبي هريرة؛ أنه ﷺ قال: «لَا تَجْعَلُنَّ قَبْرِي وَثَنًا، لَعَنَ اللَّهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (١٩٠). رواه أبو يعلى، وفيه إسحاق بن أبي

стр. 339

إسرائيل، وفيه كلام لِوَقْفِهِ في القرآن، وبقية رجاله ثقات. قاله في " مجمع الزوائد ". • ذات أنواط: ٤ - وعن أبي واقد الليثي، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ حُنَيْنٍ، فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! اجْعَلْ لَنَا هَذِهِ ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لِلْكُفَّارِ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، (وَكَانَ الْكُفَّارُ يَنُوطُونَ سِلَاحَهُمْ بِسِدْرَةٍ وَيَعْكُفُونَ حَوْلَهَا). فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اللهُ أَكْبَرُ! هَكَذَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةً﴾ [الأعراف: ١٣٨] إِنَّكُمْ تَرْكَبُونَ سَنَنَ مِنْ قَبْلِكُمْ» (١٩١). أخرجه ابن أبي شيبة

стр. 340

وأحمد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه، نقله ابن كثير والسيوطي في " الدر المنثور " عند آية الأعراف، ورواه الأزرقي في " أخبار مكة " من حديث أبي واقد وابن عباس، فوصف ذات أنواط بأنها شجرة عظيمة خضراء، يأتيها قريش ومن سواهم كل سنة، فيعلقون بها أسلحتهم، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يوماً، وأن من حج منهم، وضع زاده عندها، ويدخل بغير زاد؛ تعظيماً لها. • السفر إلى المزارات: وأما السفر إلى المزارات؛ ففي " الموطأ " عن أبي هريرة؛ أنه قال: لقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري، فقال: من أين أقبلت؛ فقلت: من الطور. فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه؛ ما خرجت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " «لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِلَى مَسْجِدِي هَذَا، وَإِلَى مَسْجِدِ إِيلِيَّا أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ» (يَشُكُّ) " (١٩٢). وإيليا وبيت المقدس واحد،

стр. 341

وإنما الشك فيما لفظ به الرسول ﷺ منهما. وقوله: " لقيت بصرة "، قال ابن عبد البر: " الصواب: أبا بصرة، والغلط من يزيد لا من مالك ". وقال في " مجمع الزوائد ": " رواه أحمد والبزار بنحوه، والطبراني في " الكبير " و " الأوسط "، ورجال أحمد ثقات أثبات " (٤/ ٣)، ثم أورده عن أحمد من حديث أبي سعيد الخدري (١٩٣)، وهذا باعتبار ذكر قصة الطور، أما الحديث

стр. 342

المرفوع إلى النبي ﷺ ، ففي " الصحيحين " وغيرهما عن غير واحد من الصحابة (١٩٤). • حكمة تخصيص المساجد الثلاثة بشد الرحال: وقد تقدم في الفصل الحادي عشر حديث السرحة (١٩٥) التي سر تحتها سبعون نبيّاً، وزيارته ﷺ لقباء راكباً وماشياً يصلي فيه ركعتين (١٩٦)، وذلك يدل لمشروعية زيارة الأمكنة الفاضلة من غير سفر. قال البيضاوي: " لما كان ما عدا الثلاثة من المساجد متساوية الأقدار في الشرف والفضل، وكان التنقل والارتحال لأجلها عبثاً ضائعاً، نهي عنه، لأنه ينبغي للإِنسان أن لا يشتغل إلا بما فيه صلاح دنيوي أو فلاح أخروي ". قال: " والمقتضي لشرف الثلاثة أنها أبنية الأنبياء ومتعبداتهم ". نقله الزرقاني في " شرح الموطأ " (١/ ٢٠١). وفي " معالم السنن " للخطابي: " وإنما خص هذه المساجد بذلك؛ لأنها مساجد الأنبياء، وقد أمرنا بالاقتداء بهم " (٢/ ٢٢٢). وقال الزرقاني في " شرح الموطأ ": " وإنما حظر البناء على القبور خشية أن يعبد المقبور " (٤/ ٧١).

стр. 343

• شروط الزيارة: ويخرج من هذا مشروعية زيارة الأمكنة التي اشتملت على معنى يشرفها، لكن بخمسة قيود: الأول: أن لا يتخذ عليها بناء ولا شيء يميزها. الثاني: أن لا يعلق بها خيوط ونحوها. الثالث: أن لا يكون لها سدنة يستشرفون لما في أيدي الزائرين. الرابع: أن لا يرجى منها النفع والخير رجاء المشركين ذلك من أصنامهم، لأنه مِنْ معنى العبادة. الخامس: أن لا يسافر إليها السفر الطويل في غير المساجد الثلاثة وفي غير زيارة المتحابين من الأحياء، على ظاهر حديث أبي هريرة المتقدم في زيارة الأحياء، وكل طاعة يمكن فعلها بغير سفر؛ فهي داخلة في النهي عن إعمال المطي وشد الرحال. • الغرض من الزيارة: وأما الغرض من الزيارة، فليس الناس متحدين فيه، وقد يكون للزائر غرض واحد، وقد تجتمع له أغراض، فإن اتحدت في الحكم؛ أفادته قوة، وإن اختلفت فيه؛ فالمركب من المشروع والمبدوع مبدوع، ولبيان ما هو من الأغراض مسنون أو مبتدع نفصلها إلى سبعة أنواع. • زيارة المحبة: الأول: محبة المزور وإكرامه وبره، وهذا غرض صحيح في زيارة الأحياء والأموات إذا كانت للزائر علاقة بالمزور من قرابة أو صداقة.

стр. 344

قال السبكي في " شفاء السقام ": " ويشبه أن تكون زيارة النبي ﷺ قبر أمه من هذا القبيل " [ص:٧٣]. • زيارة الاستعانة: الثاني: الطمع في إعانة المزور بماله أو جاهه أو رأيه. وهذا لم يذكره من وقفنا على كلامهم في أقسام الزيارة، لكنه مقابل للنوع الذي قبله، وهو غير صحيح في الأموات، لعدم صحة الاستعانة بهم، وصحيح في زيارة الأحياء متى كانت للزائر حاجة حاملة على الاستعانة، وكان للمزور استطاعة معتادة لتلك الإِعانة. • زيارة استطلاع الغيب: الثالث: استطلاع الغيب؛ كما يزور العوام مرابطيهم ممن يسميهم الشرع كهاناً أو مجانين، ليدلوهم على ما ضاع منهم بسرقة أو غيرها، ويكشفوا لهم عن عاقبة ما أرادوه من نكاح أو شركة أو سفر أو فلاحة أو غير ذلك، وهذا القصد فاسد منهي عنه؛ لما تقدم في فصل الكهانة من التشديد في إتيان الكهان، وذكرناه في أنواع الزيارة، وإن لم يذكره غيرنا فيها، لأن عوامنا يسمون هذا زيارة. • زيارة الاتعاظ: الرابع: الاتعاظ بتذكر الموت والاعتبار بحال الميت ومصير الحي، وهذا غرض صحيح في زيارة المقابر، لا فرق بين من فيها من مسلم وكافر، ولا بين القريب منك والأجنبي عنك. • زيارة الترحم: الخامس: الدعاء للموتى والسلام عليهم، وهذا مشروع في مقابر المسلمين، سواء كانت مقابر الأولياء الصالحين أم العصاة المذنبين.

стр. 345

• زيارة التأنيس: السادس: تأنيس الزائر للمزور إذا كانت بينهما مودة صادقة، وذلك صحيح في زيارة الأحياء والأموات، وهذا النوع أدخله السبكي في النوع الأول. • زيارة التبرك: السابع: التبرك، وهذا لا ينبغي إطلاق القول فيه بأنه مشروع أو مبتدع، حتى يعلم مراد الزائر من التبرك؛ فإن أراد به الانتفاع في قبول الدعاء أو زيادة ثواب الطاعة ولم يرتكب في زيارته مخالفة للشرع، كان غرضه مشروعاً معقولاً، كما بيناه في الفصل الحادي عشر، وهذا القبر الشريف لا يقصد من زيارته أكثر من ذلك، ففي " الشفاء " لعياض: " قال مالك في رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي ﷺ ودعا؛ يقف ووجهه إلى القبر الشريف لا إلى القبلة، ويدنو، ويسلم، ولا يمس القبر بيديه ". وقال في " المبسوط ": " لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلم ويمضي ". وقال ابن عاشر: وَسِرْ لِقَبْرِ الْمُصْطَفَى بِأَدَبِ ... وَنِيَّةٍ تُجَبْ لِكُلِّ مَطْلَبِ سَلِّمْ عَلَيْهِ ثُمَّ زِدْ لِلصِّدِيقْ ... ثُمَّ إِلَى عُمَرَ نِلْتَ التَّوْفِيقْ وَاعْلَمْ بِأَنَّ ذَا الْمَقَامَ يُسْتَحَبْ ... فِيهِ الدُّعَا فَلاَ تَمَلَّ مِنْ طَلَبْ وإن أراد به الانتفاع بالمزور أو المزار في قضاء الحاجات من غير أسبابها المعتادة وطرقها الظاهرة، فهو من نسبة التصرف في الكون للمخلوق، وذلك شرك بواح. قال في " زاد المعاد ": " وكان هديه ﷺ أن يقول ويفعل عند زيارتها من

стр. 346

جنس ما يقوله عند الصلاة عليه من الدعاء والترحم والاستغفار، فأبى المشركون إلّا دعاء الميت، والإِشراك به، والإِقسام على الله به، وسؤاله الحوائج، والاستعانة به، والتوجه إليه، بعكس هديه ﷺ ، فإنه هدي توحيد وإحسان إلى الميت، وهدي هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم وإلى الميت " (١/ ١٤٦). • الاستمداد من الأرواح: وقد يعبرون عن هذا الضرب من التبرك بالاستمداد من أرواح الصالحين، ويعتقدون أنهم أحياء في قبورهم؛ يتصرفون في العالم، ويقضون حاجات قاصديهم، ويستدل مستدلهم بما ورد في حياة الأرواح مما قدمنا أصحه وأصرحه، فيتخذون المزارات؛ يبنون عليها البناءات، ويرون أن روح الصالح فلان هنالك؛ إما لأنه دفن هنالك، أوجلس به. بل تجد بناءات كثيرة على مزارات عديدة، كلها منسوبة للشيخ عبد القادر الجيلاني دفين بغداد ﵀، وهو لم يعرف تلك الأمكنة ولا سمع بها، وهذه المزارات الجيلانية تجدها غربي وطن الجزائر أكثر منها في شرقه. أما أن يكون للصالح الواحد قبران؛ فهذا نعرفه لغير صالح، وأشهرهم بوطننا الشيخ محمد بن عبد الرحمن مؤسس الطريقة الرحمانية بمغربنا. ومن مظاهر هذا التبرك الاستمدادي تقبيل الجدران والتمسح بالحيطان وكل ما يضاف إلى ذلك المكان، وكل هذا جهل وضلال؛ فإن توحيد الله متناول لتوحيد التوجه إليه والاستعانة به فيما لم ينصب له سبباً عاديّاً، وابن آدم- بلغ فضله ما بلغ- ليس له إلا التصرف المعتاد، ما دامت روحه بجسده في عالم الشهادة، ولا تأثير للأرواح التي في عالم الملكوت في شيء من عالم الملك، ومن عاند في ذلك؛ فجربه بأن تشتري منه أرضاً مثلاً بالدين؛ فإذا تقاضاك، فقل له: إن جدك الوالي الصالح الذي كان يملك هذه الأرض وورثتها عنه قد جاءتني

стр. 347

روحه وأخذت مني الثمن، فما يكون جوابه؟! وكيف يحكم الناس على هذه الدعوى؟! وقد نسب ابن تيمية القول بالاستمداد من الأرواح إلى الملاحدة من الفلاسفة، وشرح فلسفتهم فيه، فقال في " رسالة التوسل والوسيلة ": " يزعمون أن المؤثر في حوادث العالم هو قوى النفس، أو الحركات الفلكية، أو القوى الطبيعية؛ فيقولون: إن الإِنسان إذا أحب رجلًا صالحاً قد مات- لا سيما إن زار قبره-؛ فإنه يحصل لروحه اتصال بروح ذلك الميت فيما يفيض على تلك الروح المفارقة من العقل الفعال عندهم أو النفس الفلكية، يفيض على هذه الروح الزائرة المستشفعة، من غير أن يعلم الله بشيء من ذلك، بل وقد لا تعلم الروح المستشفع بها ذلك، ومثلوا ذلك بالشمس إذا قابلها مرآة، فإنه يفيض على المرآة من شعاع الشمس، ثم إذا قابل المرآة مرآة أخرى؛ فاض عليها من تلك المرآة، وإن قابل تلك المرآة حائط أو ماء؛ فاض عليه من شعاع تلك المرآة؛ فهكذا الشفاعة عندهم، وعلى هذا الوجه ينتفع الزائر عندهم، وشي هذا القول من أنواع الكفر ما لا يخفى على من تدبره، ولا ريب أن الأوثان يحصل عندها من الشياطين وخطابهم وتصرفهم ما هو من أسباب ضلال بني آدم " [ص:٢٢]. • قطع السلف لاتخاذ المزارات: وقد علمت الحكم في البناء على القبور وحكمته، وأجمع الصحابة على العمل به، فلم يبنوا على الأمكنة التي جلس فيها الرسول في أسفاره إلى الحج والعمرة والغزو، وهم عالمون بها، وشديدو الحب له، ولم ينوطوا بشجرة الرضوان ولا غيرها خيوطاً وخرقاً، ولا وضعوا تحتها مباخر ومصابيح، ولا قبَّلوا غير الحجر الأسود أو تمسحوا بشيء من غير أركان البيت، بل نهى أمير المؤمنين

стр. 348

ومحدَّث هذه الأمة عمر بن الخطاب عن تعمد العدول إلى مواضع سجوده ﷺ في طريق المدينة إلى مكة، وقطع شجرة الرضوان، وبيَّن وجه تقبيله للحجر الأسود؛ كما تقدم في الفصل الحادي عشر. • إحداث الخلف للمزارات: أين أنتم من هذا يا من اتخذتم من القبور والمزارات أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا، وشيدتم عليها القصور، ورفعتم القباب، وأشركتموها برب الأرباب وجاوزتم ذلك " تكثيراً لمظاهر الشرك؛ فبنيتم على [غير] القبور، واتخذتم من شجر البطم والسدر وغيرهما ذات أنواط تعلقون به الخرق والخيوط، وتسرجون له الأضواء، وتعطرونه بالمباخير والرياحين، وجاوزتم ذلك إغراقاً في الشرك إلى الصخور الضخمة والأودية الموحشة، واستبدلتم بالتبرك المسنون تبرككم المبتدع المأفون؟! ها قد أوضحنا لكم ما في الزيارة من رشد وغي؛ فكونوا من عباد الله الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ولا تكونوا ممن حقت عليهم كلمة الله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦]. • • • • •

стр. 349

٢٦ - الذبائح والزردات • معنى الذبح والداعي إليه: الذبائح جمع ذبيحة، وهي ما يذبح من الحيوان، وأصل الذبح الشق، وذبح الحيوان شق حلقه، والذبيحة إن قصد بها إلى القربة، فهي من العبادات، وإلا؛ فهي من العادة. والذبح العادي ما يكرم به الذابح نفسه ويوسع به على عياله أو يقدمه لضيفه، وهذا كالذي تراه في أسواق الجزارين، وهو من النعيم المباح إذا استوفيت شروط الذكاة المبينة في كتب الفروع. • النسك: والذبح الديني يسمى نسكاً. وكانت العرب تنسك في جاهليتها النسائك حول أصنامها وأنصابها تقرباً إليها، وتحتفل لذلك على نحو ما تراه اليوم في الزردات، ومن نسائكهم: الفرع، والعتيرة، وأجنة البحائر، والسوائب التي يخصون بما ولد منها حيّاً الرجال؛ فلا تأكل منه النساء، ويشركونهن معهم فيما ولد منها ميتاً، كما حكاه البغوي عن ابن عباس وقتادة والشعبي في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ

стр. 350

الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: ١٣٩]. • تعلق الإِخلاص بالعادات كالعبادات: وقد جاء الإِسلام بوجوب توحيد الله والإِخلاص له في جميع الأعمال، ما كان منها عادة، وما كان منها عبادة. وقد قرر أبو إسحاق الشاطبي في كتاب " المقاصد من الموافقات " كليات لها تعلق بهذا الموضوع، وشرحها وبسط القول فيها، ونحن نثبتها للاستدلال بها لا لشرحها وتقريرها: الكلية الأولى: إن المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبد لله اضطراراً. الثانية: إن المقاصد الشرعية ضربان: مقاصد أصلية، ومقاصد تابعة، فالأولى هي الفروض التي لا حظ فيها للنفس، والأخرى هي المباحات العادية التي روعي فيها حظ المكلف. الثالثة: إن العمل إذا وقع على وفق المقاصد التابعة؛ فلا بد أن تصاحبه المقاصد الأصلية، ومعنى ذلك: أن تكون الأعمال العادية المباحة معمولة على مقتضى المشروع، لا يُقصد بها عمل جاهلي ولا اختراع شيطاني ولا تشبه بغير أهل الملة، ومثَّل لذلك بقوله: " كشرب الماء أو العسل في صورة شرب الخمر، وأكل ما صنع لتعظيم أعياد اليهود أو النصارى وإن صنعه المسلم، أو ما ذبح على مضاهاة الجاهلية، وما أشبه ذلك مما هو نوع من تعظيم الشرك " (٢/ ٢٠٨). الرابعة: إن كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له؛ فقد

стр. 351

ناقض الشريعة، وكل من ناقضها؛ فعمله في المناقضة باطل. ومثل لهذه الكلية بإظهار كلمة التوحيد قصداً لإِحراز الدم والمال لا اعترافاً بوحدانيه الحق، وبالصلاة ليوسم بالصلاح، وبالذبح لغير الله، وبالهجرة لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، في أمثلة غيرها (٢/ ٣٣٥). • النسك المشروع: والنسائك في الإِسلام ثلاثة: الأضحية، والعقيقة، والهدي للكعبة (*) خاصة لا للأضرحة والمزارات، وإذا لم تكن الذبيحة نسيكة تعبدية، وجب أن تكون على الوجه المأذون فيه. • ما جاء في أن الذبح لله وحده: ١ - قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]؛ فعطف النسك على الصلاة. ٢ - وقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]؛ يريد نحر النسك كما فسره الجمهور، وعطفه على الصلاة كما في الآية قبلها ينادي بأن الذبح لغير الله كالصلاة لغير الله، ولو رأى الناس مسلماً يصلي لغير الله؛ لبادروا إلى تكفيره من غير استفتاء علماء الدّين، وهم مصيبون، ولو رأوا- وكم رأوا- من يذبح لغير الله؛ لرضوا بهذا الصنيع، وتأول لهم علماء الأغراض ما يحسن هذا الفعل الشنيع، وما هذه التفرقة إلا أنهم ألفوا الذبح لغير الله ولم يألفوا الصلاة لغير الله.

стр. 352

على أن الصلاة لغير الله قد وقعت من بعض الأغبياء نادراً: حدثني الثقة أن الشيخ يوسف بن الدرويش من شيوخ الطريقة الرحمانية قرب الميلية حدثه عن مريده فلان؛ أنه توجه إليه وصلى له، فجعل هو ينتقل من ناحية إلى أخرى، ومريده يتبعه مستقبلاً إياه! حدثه هذا الحديث وهو مغتبط بتعظيم مريده له!! • ما جاء في الذبح لغير الله: ٣ - وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣]. ٤ - وفي " صحيح مسلم " ونحوه في " الأدب المفرد " عن علي بن أبي طالب؛ أنه أتاه رجل، فقال: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسِرُّ إِلَيْكَ؟ فَغَضِبَ، وَقَالَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسِرُّ إِلَيَّ شَيْئًا يَكْتُمْهُ النَّاسَ، غَيْرَ أَنَّهُ حَدَّثَنِي بِكَلِمَاتٍ أَرْبَعٍ. فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا هُنَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قَالَ ﷺ : «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ» (١٩٧). و (المحدث): هو المفسد في الأرض. و (منار الأرض): تخومها وعلامات حدودها. ٥ - وروى أحمد عن طارق بن شهاب البجلي ﵁ عن النبي ﷺ : «دَخَلَ الْجَنَّةَ رَجلٌ فِي ذبَاب، وَدَخَلَ النَّارَ رَجلٌ فِي ذبَاب». قَالوا: وَكَيفَ

стр. 353

ذَلِكَ يَا رَسولَ اللهِ؟ قَالَ: " مَرَّ رَجُلَانِ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ صَنَمٌ لَا يُجَاوِزُهُ أَحَدٌ حَتَّى يُقَرِّبَ لَهُ شَيْئًا؛ فَقَالُوا لِأَحَدِهِمَا: قَرِّبْ. قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ أُقَرِّبُ. قَالُوا: قَرِّبْ وَلَوْ ذُبَابًا. فَقَرَّبَ ذُبَابًا، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَدَخَلَ النَّارَ. وَقَالُوا لِلْآخَرِ: قَرِّبْ. قَالَ: مَا كُنْتُ لِأُقَرِّبَ لِأَحَدٍ شَيْئًا دُونَ اللَّهِ , فَضَرَبُوا عُنُقَهُ فَدَخَلَ الْجَنَّةَ " (١٩٨). واكتفاء هؤلاء المشركين بتقريب الذباب اعتداد بأضعف مظاهر الطاعة، إذ المقصود الأعظم هو اعتقاد القلب، وهذا كالمثل العام المشهور: " أداها بوحجر " ... يعنون: أخذ الولاية أبو حجر. • مثل عامي: ويذكرون أن قائله [الشيخ] أحمد الزواوي دفين الجبل غربي قسنطينة وأحد شيوخ الطريقة الحنصالية من فروع الطريقة الشاذلية، قاله لرجل عديم جاء مع

стр. 354

الزوار، فلما انتهى إلى أصل الجبل، حمل معه حجراً، وصعد يلهث به، فلما قدم الناس الأموال للشيخ الزواوي؛ قدم له هو ذلك الحجر. • ما جاء في مخالفة الجاهلية في الذبح: ٦ - وعن ابن عباس، أَنَّ قُرَيْشاً اسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الْعَتِيرَةِ، فَقَالُوا: أَنَعْتِرُ فِي رَجَبٍ؛ فَقَالَ ﷺ : «أَعِتْرٌ كَعِتْرِ الْجَاهِلِيَّةِ؟ وَلَكِنْ مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَذْبَحَ لِلَّهِ وَيَتَصَدَّقَ؛ فَلْيَفْعَلْ» (١٩٩). وكان عترهم أن يذبحوا، ثم يعمدوا إلى دماء ذبائحهم، فيمسحوا بها رؤوس نصبهم. رواه الطبراني في " الكبير "، وفيه إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة، وثقه ابن معين وضعفه الناس، قاله في " مجمع الزوائد ".

стр. 355

٧ - وفي " الصحيحين " وغيرهما عن أبي هريرة؛ أنه ﷺ قال: «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ» (٢٠٠). ٨ - وفي " سنن أبي داود " والنسائي وابن ماجه عن نُبَيْشَةَ- بلفظ المصغر- الهذلي، أنهم ذَكَرُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ عَتِرَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: " «اذْبَحُوا لِلَّهِ فِي أَيِّ شَهْرٍ مَا كَانَ، وَبَرُّوا اللَّهَ وَأَطْعِمُوا» " (٢٠١). ومثله عند الطبراني في " الأوسط " عن أنس مرفوعاً.
следующие страницы →