← Акыда

Акыда · id 37348

رسالة الشرك ومظاهره

مبارك الميلي

Полный текст (448 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ناقض الشريعة، وكل من ناقضها؛ فعمله في المناقضة باطل. ومثل لهذه الكلية بإظهار كلمة التوحيد قصداً لإِحراز الدم والمال لا اعترافاً بوحدانيه الحق، وبالصلاة ليوسم بالصلاح، وبالذبح لغير الله، وبالهجرة لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، في أمثلة غيرها (٢/ ٣٣٥). • النسك المشروع: والنسائك في الإِسلام ثلاثة: الأضحية، والعقيقة، والهدي للكعبة (*) خاصة لا للأضرحة والمزارات، وإذا لم تكن الذبيحة نسيكة تعبدية، وجب أن تكون على الوجه المأذون فيه. • ما جاء في أن الذبح لله وحده: ١ - قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]؛ فعطف النسك على الصلاة. ٢ - وقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]؛ يريد نحر النسك كما فسره الجمهور، وعطفه على الصلاة كما في الآية قبلها ينادي بأن الذبح لغير الله كالصلاة لغير الله، ولو رأى الناس مسلماً يصلي لغير الله؛ لبادروا إلى تكفيره من غير استفتاء علماء الدّين، وهم مصيبون، ولو رأوا- وكم رأوا- من يذبح لغير الله؛ لرضوا بهذا الصنيع، وتأول لهم علماء الأغراض ما يحسن هذا الفعل الشنيع، وما هذه التفرقة إلا أنهم ألفوا الذبح لغير الله ولم يألفوا الصلاة لغير الله.

стр. 352

على أن الصلاة لغير الله قد وقعت من بعض الأغبياء نادراً: حدثني الثقة أن الشيخ يوسف بن الدرويش من شيوخ الطريقة الرحمانية قرب الميلية حدثه عن مريده فلان؛ أنه توجه إليه وصلى له، فجعل هو ينتقل من ناحية إلى أخرى، ومريده يتبعه مستقبلاً إياه! حدثه هذا الحديث وهو مغتبط بتعظيم مريده له!! • ما جاء في الذبح لغير الله: ٣ - وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣]. ٤ - وفي " صحيح مسلم " ونحوه في " الأدب المفرد " عن علي بن أبي طالب؛ أنه أتاه رجل، فقال: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسِرُّ إِلَيْكَ؟ فَغَضِبَ، وَقَالَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسِرُّ إِلَيَّ شَيْئًا يَكْتُمْهُ النَّاسَ، غَيْرَ أَنَّهُ حَدَّثَنِي بِكَلِمَاتٍ أَرْبَعٍ. فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا هُنَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قَالَ ﷺ : «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ» (١٩٧). و (المحدث): هو المفسد في الأرض. و (منار الأرض): تخومها وعلامات حدودها. ٥ - وروى أحمد عن طارق بن شهاب البجلي ﵁ عن النبي ﷺ : «دَخَلَ الْجَنَّةَ رَجلٌ فِي ذبَاب، وَدَخَلَ النَّارَ رَجلٌ فِي ذبَاب». قَالوا: وَكَيفَ

стр. 353

ذَلِكَ يَا رَسولَ اللهِ؟ قَالَ: " مَرَّ رَجُلَانِ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ صَنَمٌ لَا يُجَاوِزُهُ أَحَدٌ حَتَّى يُقَرِّبَ لَهُ شَيْئًا؛ فَقَالُوا لِأَحَدِهِمَا: قَرِّبْ. قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ أُقَرِّبُ. قَالُوا: قَرِّبْ وَلَوْ ذُبَابًا. فَقَرَّبَ ذُبَابًا، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَدَخَلَ النَّارَ. وَقَالُوا لِلْآخَرِ: قَرِّبْ. قَالَ: مَا كُنْتُ لِأُقَرِّبَ لِأَحَدٍ شَيْئًا دُونَ اللَّهِ , فَضَرَبُوا عُنُقَهُ فَدَخَلَ الْجَنَّةَ " (١٩٨). واكتفاء هؤلاء المشركين بتقريب الذباب اعتداد بأضعف مظاهر الطاعة، إذ المقصود الأعظم هو اعتقاد القلب، وهذا كالمثل العام المشهور: " أداها بوحجر " ... يعنون: أخذ الولاية أبو حجر. • مثل عامي: ويذكرون أن قائله [الشيخ] أحمد الزواوي دفين الجبل غربي قسنطينة وأحد شيوخ الطريقة الحنصالية من فروع الطريقة الشاذلية، قاله لرجل عديم جاء مع

стр. 354

الزوار، فلما انتهى إلى أصل الجبل، حمل معه حجراً، وصعد يلهث به، فلما قدم الناس الأموال للشيخ الزواوي؛ قدم له هو ذلك الحجر. • ما جاء في مخالفة الجاهلية في الذبح: ٦ - وعن ابن عباس، أَنَّ قُرَيْشاً اسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الْعَتِيرَةِ، فَقَالُوا: أَنَعْتِرُ فِي رَجَبٍ؛ فَقَالَ ﷺ : «أَعِتْرٌ كَعِتْرِ الْجَاهِلِيَّةِ؟ وَلَكِنْ مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَذْبَحَ لِلَّهِ وَيَتَصَدَّقَ؛ فَلْيَفْعَلْ» (١٩٩). وكان عترهم أن يذبحوا، ثم يعمدوا إلى دماء ذبائحهم، فيمسحوا بها رؤوس نصبهم. رواه الطبراني في " الكبير "، وفيه إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة، وثقه ابن معين وضعفه الناس، قاله في " مجمع الزوائد ".

стр. 355

٧ - وفي " الصحيحين " وغيرهما عن أبي هريرة؛ أنه ﷺ قال: «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ» (٢٠٠). ٨ - وفي " سنن أبي داود " والنسائي وابن ماجه عن نُبَيْشَةَ- بلفظ المصغر- الهذلي، أنهم ذَكَرُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ عَتِرَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: " «اذْبَحُوا لِلَّهِ فِي أَيِّ شَهْرٍ مَا كَانَ، وَبَرُّوا اللَّهَ وَأَطْعِمُوا» " (٢٠١). ومثله عند الطبراني في " الأوسط " عن أنس مرفوعاً.

стр. 356

• معنى الإِهلال لغير الله: وفي " تفسير الثعالبي ": أن معنى الإِهلال الصياح، ومنه استهلال المولود، وجرت عادة العرب بالصياح باسم المقصود بالذبيحة، وغلب ذلك في استعمالهم، حتى عبر به عن النية التي هي علة التحريم. وفي " تفسير ابن كثير " عن مجاهد وابن جريج؛ أن النصب حجارة كانت حول الكعبة، كانت العرب في جاهليتها يذبحون عندها وينضحون ما أقبل منها إلى البيت بدماء تلك الذبائح، ويشرحون اللحم، ويجعلونه على النصب. قال: " فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب، حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله في الذبح (*) عند النصب، من الشرك الذي حرمه الله ورسوله ". وفي " تفسير الشوكاني "؛ أن مما أهل به لغير الله ما يقع من المعتقدين في الأموات من الذبح على قبورهم، ولا فرق بينه وبين الذبح للوثن. وروى أبو علي القالي في " أماليه " خبر معاقرة جرت بقصد المفاخرة بين سحيم بن وثيل الريحاني وغالب بن صعصعة أبي الفرزدق أيام خلافة علي كرم الله وجهه، فأفتى فيها علي بأنها مما أهل به لغير الله، ونهى عن الأكل منها، وأمر بطرد الناس عنها (٣/ ٥٤). وذكر القرطبي عند تفسير ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ من سورة البقرة مثل ما قدمنا عن الثعالبي، وأعقبه بفتوى علي في حكم تلك المعاقرة، ثم نقل عن ابن عطية؛ أنه قال: " رأيت في أخبار الحسن بن أبي الحسن أنه سئل عن امرأة مترفة صنعت للعبها (جمع لعبة) عرساً، فنحرت جزوراً؟ فقال الحسن: لا يحل

стр. 357

أكلها، فإنها إنما نحرت لصنم " (٢/ ٢٢٤). وقال النووي في " شرح مسلم " عند الكلام على حديث: " لعن من ذبح لغير الله ": " وأما الذبح لغير الله؛ فالمراد به أن يذبح بغير اسم الله تعالى؛ كمن ذبح لصنم، أو للصليب، أو لموسى أو لعيسى صلى الله عليهما، أو للكعبة، ونحو ذلك؛ فكل هذا حرام. ولا تحل الذبيحهّ؛ سواء كان الذابح مسلماً أو نصرانيّاً أو يهوديّاً، نص عليه الشافعي، واتفق عليه أصحابنا. فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله تعالى والعبادة له؛ كان ذلك كفراً؛ فإن كان الذابح مسلماً قبل ذلك؛ صار بالذبح مرتدّاً. وذكر الشيخ إبراهيم المروزي من أصحابنا أن ما يذبح عند استقبال السلطان تقرباً إليه؛ أفتى أهل بخارى بتحريمه؛ لأنه مما أهل به لغير الله تعالى. قال الرافعي: هذا إنما يذبحونه استبشاراً بقدومه؛ فهو كذبح العقيقة لولادة المولود، ومثل هذا لا يوجب التحريم، والله أعلم ". وتفسير النووي الذبح لغير الله بالذبح بغير اسمه تعالى مبني على المعقول من أن ما يراد به غير الله يذكر عليه اسم ذلك الغير، وذكر اسم الله في هذه الحالة لغو؛ لأن النية هي علة التحريم، وتقدم تصريح ابن كثير بعدم الاعتداد بالتسمية في هذه الحال، ويأتي مثله عن الشاطبي، ومما لا ريب فيه أن المعاقرين قد ذكروا اسم الله عند العقر، ومع ذلك جعله علي مما أهل به لغير الله، وعطف النووي العبادة على التعظيم تقييد للتعظيم بما كان فيه معنى العبادة، ونقله عن الرافعي غير مخالف لفتوى أهل بخارى إلا بالقصد، فهو خلاف في حال؛ فمن قصد التقرب للأمير، صدقت عليه تلك الفتوى، ومن

стр. 358

قصد مجرد السرور؛ أفتي له بقول الرافعي. وقال الشاطبي في " الموافقات ": " روى ابن حبيب عن ابن شهاب أنه ذكر له أن إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي أجرى عيناً، فقال له المهندسون عند ظهور الماء: لو أهرقت عليها دماً؛ كان أحرى أن لا تغيض ولا تهور فتقتل من يعمل فيها. فنحر جزائر حين أرسل الماء، فجرى مختلطاً بالدم، وأمر فصنع له ولأصحابه منها طعام، فأكل وأكلوا، وقسم سائرها بين العمال فيها. فقال ابن شهاب: بئس والله ما صنع، ما حل له نحرها ولا الأكل منها، أما بلغه أن رسول ﷺ نهى أن يذبح للجن (٢٠٢)؟! لأن مثل هذا- وإن ذكر اسم الله عليه- مضاهٍ لما ذبح على النصب وسائر ما أهل لغير الله به. وكذلك جاء النهي عن معاقرة الأعراب، وهي أن يتبارى الرجلان، فيعقر كل واحد منهما يجاود به صاحبه، فأكثرهما عقراً أجودهما، نهي عن أكله؛ لأنه مما أهل به لغير الله.

стр. 359

قال الخطابي: وفي معناه ما جرت به عادة الناس من ذبح الحيوان بحضرة الملوك والرؤساء عند قدومهم البلدان، وأوان حوادث يتجدد لهم، وفي نحو ذلك من الأمور، وخرج أبو داود: «نَهَى- ﷺ عَنْ طَعَامِ الْمُتَبَارِيَيْنِ أَنْ يُؤْكَلَ» (٢٠٣)، وهما المتعارضين ليرى أيهما يغلب صاحبه. فهذا وما كان نحوه إنما شرع على جهة أن يذبح على المشروع بقصد مجرد الأكل؛ فإذا زيد فيه هذا القصد؛ كان تشريكاً في المشروع، ولحظاً لغير أمر اللهِ تعالى، وعلى هذا وقعت الفتيا من ابن عتاب بنهيه عن أكل اللحوم في النيروز، وقوله فيها: إنها مما أهل لغير الله به، وهو باب واسع " (٢/ ٢١٥). قوله: " وقد جاء النهي عن معاقرة الأعراب ": أخرجه أبو داود عن ابن عباس، قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ مُعَاقَرَةِ الْأَعْرَابِ» (٢٠٤).

стр. 360

وما نقله عن الخطابي ذكره في شرح هذا الحديث (٤/ ٢٧٨). وحديث طعام المتباريين أخرجه في كتاب الأطعمة عن ابن عباس. هذا حكم ما كان من الذبائح على وجه العادة أو على حكم العبادة، كما أعرب عنه الكتاب والسنة وكلام فحول الأئمة من مفسرين ومحدثين وأصوليين، والفقه إنما يكون من هذه العلوم الثلاثة، وبعد هذا البيان العام نخصص بالذكر ضربين من الذبائح هي ما يكون للجن، ومنه ما تسميه العامة النشرة، وما يكون على الأضرحة والمزارات مما يسميه بعض الناس اليوم زردة وبعضهم طعاماً. • الذبح للجن: فأما الذبح للجن " فقال في " الأساس ": " ونهى عن ذبائح الجن [وهي] ما ذبح للطيرة؛ نحو أن تشتري داراً فتذبح لتستخرج العين، ولئلا يصيبك مكروه من جنها ". وتقدمت فتوى ابن شهاب في الذبح لإِجراء العين والحكم عليه بحكم ما ذبح على النصب، وذلك لأنه من عبادة الجن التي كانت معروفة عند العرب، فأنكرها القرآن؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٥٠]،

стр. 361

وقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦]. قال الراغب: " رهقه الأمر: غشيه بقهر ". وبين المفسرون للآية استعاذة العرب بالجن التي هي من معنى العبادة، فقالوا- واللفظ للكشاف-: " إن الرجل من العرب كان إذا أمسى في واد قفر في بعض مسايره، وخاف على نفسه، قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه (يريد: الجن وكبيرهم)؛ فإذا سمعوا بذلك؛ استكبروا، وقالوا: سُدنا الجن والإِنس. فذلك رهقهم، أو فزاد الجن والإِنس رهقاً بإغوائهم وإضلالهم لاستعاذتهم بهم ". • معنى النشرة وحكمها: والنشرة في كلام العرب- بضم فسكون- من النشر بمعنى التفريق، وهي تعويذ ورقية يعالج بها المريض والمجنون، تقول: نشرت المريض: إذا قرأت عليه كلمات أوكتبتها له ليعلقها تميمة أو ليمحوها ويشربها ويدهن بها، ونشرت عنه نشراً ونشرت تنشيراً: إذا رقيته بالنشرة، كأنك تفرق عنه العلة، وتطلق النشرة على السحر؛ كما في " معالم السنن " عن الحسن (٤/ ٢٢٠). وأنشد جرير: أَدْعُوكَ دَعْوَةَ مَلْهُوفٍ كَأَنَّ بِهِ ... مَسّاً مِنَ الْجِنِّ أَوْ رِيحاً مِنَ النَّشْرِ وتطلق أيضاً على حل السحر عن المسحور. فإذا كان ذلك الحل بسحر أيضاً، فمحظور؛ لما في " سنن أبي داود ": أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ النُّشْرَةِ، فَقَالَ: «هُوَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ» (٢٠٥).

стр. 362

وإن كان بدعوات مشروعة وأدوية مباحة، فلا ضير. وبالجملة: إن النشرة من الطب، ولها حكم الرقية والتميمة. والنشرة في لسان عوامنا: طعام يتخذ على ذبيحة من الدجاج غالباً تقرباً إلى الجن كي يرفعوا داءهم عن المصاب بهم، ولا يذكرون اسم الله على

стр. 363

الذبيحة إرضاء للجن. فالفقهاء الاصطلاحيون يقتصرون على منع الأكل منها لفقد التسمية، والفقهاء في الدين يحكمون بأنها من مظاهر الشرك الأكبر، حيث تقرب بها إلى غير الله قصداً، ولم يلتجئ إلى الله في طرد ذلك الجني، كأنه مستقل في تصرفه، خارج عن متناول قدرة الله وإرادته، وأصل الشرك نسبة القوة الغيبية لغير الله. • معنى الزردة والغرض منها: وأما الزردة؛ فهي في لسان العرب: المرة من زرد اللقمة- كَفَهِمَ- زرداً: بلعها، وازدردها: ابتلعها. وهي في عرفنا طعام يتخذ على ذبائح من بهيمة الأنعام عند مزارات من يعتقد صلاحهم، ولها وقتان: أحدهما: في فصل الخريف عند الاستعداد للحرث. والآخر: في فصل الربيع عند رجاء الغلة. والغرض منها التقرب من ذلك الصالح كي يغيثهم بالأمطار تسهيلاً للحرث أو حفظاً للغلة، فهو عندهم كوزير عند ملك يرشونه بالزردة ليقضي حاجتهم عند الله!! ما أجهلهم بمقام الألوهية!! • حكم الزردة: وهذه الزردة يذكرون اسم الله على ذبيحتها، ونيتهم الذبح للصالح عندهم، فأعمل الجامدون من الطلبة جانب اللفظ، ورأوا إباحة أكلها، وهم يقرؤون قول خليل في نيّة المصلي ولفظه: " وإن تخالفا، فالعقد "؛ يريد أن العبرة عند اختلاف القلب واللسان بما يعقده القلب لا بما يلفظه اللسان، وهي قاعدة عامة في جميع الطاعات، لحديث الشيخين: " «إِنَّمَا الْأَعْمَال

стр. 364

بِالنِّيَّاتِ» (٢٠٦)، وحديث مسلم عن أبي هريرة عنه ﷺ : «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَامِكُمْ وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ, وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ» (٢٠٧)، ومن كلام العامة: " القلب قاصد واللسان فاسد "، وتقدم القول بأن النيّة هي علة التحريم، وأن اللفظ باسم الله مع القصد إلى سواه غير رافع للحرمة. وقد يقول الجامدون والمغرضون: إنا نحكم بالظواهر والله يتولى السرائر، وقد ظهر من حال الذابح أنه ذكر اسم الله، فلا نبحث عن نيته الباطنة! فنقول لهم: أولاً: إن المفتي لا يقتصر دائماً على الظواهر؛ ففي الأيمان والطلاق مسائل تنبني على النية والقصد، ويختلف حكمها باختلاف النية مع اتحاد اللفظ، بل تقدم قريباً الاستناد إلى النية في حكم الذبائح عن علي وغيره. وثانياً: إن من السرائر ما تحف به قرائن تجعل الحكم للنية ولا تقبل معه الظواهر. وذبائح الزردة من هذا القبيل؛ فإن كل من خالط العامة يجزم بأن قصدهم بها التقرب من صاحب المزار، ويكشف عن ذلك أشياء: • الدلائل على كون الزردة لغير الله: أحدها: أنهم يضيفون الزردة إلى صاحب المزار؛ فيقولون: زردة سيدي

стр. 365

فلان، أو: طعام سيدي عبد القادر، مثلاً. ثانيها: أنهم يفعلونها عند قبره وفي جواره، ولا يرضون لها مكاناً آخر. ثالثها: أنهم إن نزل المطر إثرها نسبو إلى سر المذبوح له، وقوي اعتقادهم فيه وتعويلهم عليه. رابعها: أنهم إن نهوا عن فعلها في المكان الخاص، غضبوا ورموا الناهي بضعف الدين أو بالإِلحاد، وقد يجاوزون الجهر بالسوء من القول إلى مد الأيدي بالإِذاية. خامسها: أنهم لو تركوها فأصيبوا بمصيبة نكسوا على رؤوسهم وقالوا: إن وليهم غضب عليهم لتقصيرهم في جانبه. فهذه دلائل من أحوال الناس وأفعالهم وأقوالهم التي لم يلقنها لهم المكابرون المتسترون وراء التأويل تريك أن ذبائح الزردة مما ذبح على النصب وأهل به لغير الله وإن ذكر عليها اسمه. • القول بأن الزردة شرك: وبعد؛ فإن نظر الناس اليوم إلى الزردة على ثلاث درجات: الأولى: أنها من الشرك، فيجب على العلماء تحذير الأمة منها والنصح باجتنابها، ويجب على الأمة الاتباع والمبادرة إلى الإِقلاع. ودليل ذلك مشابهتها في المعنى لعتائر الجاهلية وقرابينها واجتماعاتها على أنصابها وأصنامها، وتقدم حكم الشرع في ذلك، ومشابهتها في الصورة لعقر الجاهلية على قبور أجاودهم.

стр. 366

وقد روى أبو داود عن أنس، أنه ﷺ قال: «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ» (٢٠٨). قال الشاطبي: " كان أهل الجاهلية يعقرون الإِبل على قبر الرجل الجواد؛ يقولون: نجازيه على فعله، لأنه كان يعقرها في حياته، فيطعمها الأضياف، فنحن نعقرها عند قبره؛ لتأكلها السباع والطير، فيكون مطعماً بعد مماته كما كان مطعماً في حياته ... ومنهم من كان يذهب في ذلك إلى أنه إذا عقرت راحلته عند قبره؛ حشر في القيامة راكباً، ومن لم يعقر عنه، حشر راجلاً " (١/ ٣١٦). وعن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب؛ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَجِيءُ إِلَى فُرْجَةٍ كَانَتْ عِنْدَ قَبْرِ الرَّسُولِ ﷺ فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيَدْعُو فَنَهَاهُ فَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ:: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلَا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، فَإِنَّ تَسْلِيمَكُمْ يَبْلُغُنِي أَيْنَمَا كُنْتُ» (٢٠٩). رواه أبو يعلى،

стр. 367

وفيه حفص بن إبراهيم الجعفري، ذكره ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه جرحاً، وبقية رجاله ثقات، قاله في " مجمع الزوائد ". ومَرَّ نهيه ﷺ عن جعل قبره وثناً. واتخاذ القبر وثنا بأن يطلب من صاحبه ما لا يطلب إلا من الله، واتخاذه عيداً بأن يزار زيارة مؤقتة تجتمع لها الناس في زينة وسرور على عمل سن العادات أو سن العبادات، وكل من معنى العيد والوثن موجود في الزردة.

стр. 368

• القول بأن الزردة معصية: الدرجة الثانية: أنها معصية لا تنتهي إلى الشرك، وقوفاً عند الظواهر التي تشتمل الزردة عليها؛ من إسراف، واستدانة، وشهود مناكر من تطبيل وتزمير ورقص وصياح وتخبط كالذي يتخبطه الشيطان من المس، إلى موبقات أخر من خمر واختلاء بالأجنبيات واختلاط بهن، وإن لم تشتمل زردة ضعيفة الشهرة على كل هذه المخازي والنقائص؛ لم تخل من بعضها، وقد بنى هذا الفريق نظره على حكم الفروع فأصاب، وأغفل جهات الأصول فأخطأ. • القول باستحسان الزردة وما يرد عليه: الدرجة الثالثة: استحسانها؛ نظراً إلى ما يقع من التزاور ومواساة الفقراء، ثم هي داخلة في النذر وإهداء الثواب للميت!! أما ما فيها من التزاور والمواساة؛ فالجواب عنه: أولاً: إن أغلب المجتمعين يضيعون الصلوات يوم الزردة، ولا يشهد كثير منهم الجمع والأعياد، ولا يصلون الأرحام، وكثير من الفقراء والأيتام مقهورون عن الزردة منهورون. وثانياً: إن المقصود بالذات هو التقرب من صاحب الضريح. وثالثاً: إن ما في الزردة من مفاسد أطم من ذلك الطفيف من المحاسن لو قصد بالذات، وغلبة مفسدة الشيء على مصلحته دليل الحظر منه- كما قال العلماء- أخذاً من قوله تعالى في الخمر والميسر: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]. ثم لو كانت الزردات خيراً- وهي كثيرة عندنا-؛ لظهر خيرها، أو لقلت كما قل كل خير، ولكان السلف أولى بها كما هم أولى منا بكل خير.

стр. 369

فهل فعلها النبي ﷺ على قبر سيد الشهداء عمه حمزة؟! أم صنعها الصحابة على القبر الشريف؟! أم اتخذها التابعون على قبور الخلفاء أو الشهداء أو غيرهم ممن كل واحد منهم خير من ألف ممن يزردون لهم اليوم؟! كلا؛ لم يكن شيء من ذلك. لو ضبطنا ما ينفق بوطننا الجزائري على الزردات؛ لهالنا الأمر واستهوتنا الأحزان، إذ نرى التبذير الذي لا يحتمل، في حين حاجتنا الشديدة إلى التعليم الحر، وعجزنا ماليّاً عن سدها. وقد سألت ذات عام تجار الجلفة عما خرج في زردة سيدي عبد العزيز الحاج، وهي على أميال منهم؛ فذكروا لي في خصوص ما باعوه من زيت السيارات المعبر عنه بالليصانص مبلغاً عظيماً نسيته الآن، ولكنه نحو المئة ألف فرنك، هذا في خصوص الزيت، وفي تلك المسافة القليلة، فانظر مبلغ ما اشتري من الزيت من غير الجلفة، وما خرج في غيره من خمر ولهو ثم من لحم ودقيق وغير ذلك، على أن هذه الزردة من متوسط الزردات، وأعلى منها زردة سيدي عابد من نواحي تيهرت (تيارات). إن ما يخرج في الزردات يعد بعشرات الملايين، وتصور ذلك يقف بك على الخسارة الفادحة التي لم تقف على الوجه المادي، بل تناولت ناحية الأخلاق والدين، فاستفرغت الأيدي من المال، والأدمغة من العقول، والأفئدة من الدين، وقضت على الذرية بالإِهمال؛ فكانت خسارة إيجابية في الجهل والجمود والفقر والعصيان، وسلبية في العلم والتفكير والثروة والطاعة؛ فيا ليتها أبقت علينا ديننا، فتمثلنا بقول من مضى:

стр. 370

إِذَا أَبْقَتِ الدُّنْيَا عَلَى الْمَرْءِ دِينَهُ ... فَمَا فَاتَهُ مِنْهَا فَلَيْسَ بِضَائِرِ • الحكم للزردة بحكم النذر: وأما إدخال الزردات في النذر وإهداء الثواب؛ فقد صوره أحدهم بقوله: " لله علي شاة أو بدنة أو بقرة لسيدي فلان صدقة عليه، أو إن شفى الله مريضي أو ولد لي ولد؛ فعليّ إطعام كذا بمحل كذا ". وهذه الصيغة لا تعرف العامة لفظها ولا معناها؛ فليست تصويراً لما في نفوسهم، إنما هي تأويل فيه تضليل، ثم لا يتأيد من الدين بدليل. • ما جاء في النذر للأوثان وعلى أعياد الجاهلية: عن ميمونة ابنة كردم ﵄ عن أبيها، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ ثَلَاثَةً مِنْ إِبِلِي، فَقَالَ: ﷺ : «إِنْ كَانَ عَلَى جَمْعٍ مِنْ إِجْمَاعِ الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ عَلَى عِيدٍ مِنْ أَعْيَادِ الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ عَلَى وَثَنٍ فَلَا. وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَاقْضِ نَذْرَكَ» (٢١٠). رواه أحمد، وفيه من لم أعرفه، قاله في

стр. 371

" مجمع الزوائد " (٤/ ١٩١). وأخرجه أبو داود من طريقها بلفظ: إِنِّي نَذَرْتُ إِنْ وُلِدَ لِي ذَكَرٌ أَنْ أَنْحَرَ عَلَى رَأْسِ بُوَانَةَ فِي عَقَبَةٍ مِنَ الثَّنَايَا عِدَّةً مِنَ الْغَنَمِ. قَالَ ﷺ : «هَلْ بِهَا مِنْ هَذِهِ الأوْثَانِ؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «فَأَوْفِ بِمَا نَذَرْتَ بِهِ لِلَّهِ» (٢١١).

стр. 372

قال الخطابي في " شرحه ": " وفيه دليل على أن من نذر طعاماً أو ذبحاً بمكة أو [في] غيره من البلدان؛ لم يجز أن يجعله لفقراء غير أهل هذا المكان، وعلى هذا مذهب الشافعي، وأجازه غيره لغير أهل المكان " (٤/ ٦٠). و (بوانة) - بضم الباء وتخفيف الواو-: هضبة وراء ينبع قريبة من ساحل البحر، قاله ياقوت في " معجم البلدان ". وأخرجه أبو داود أيضاً عن ثابت بن الضحاك بلفظ: إِنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: إنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إبِلًا بِبُوَانَةَ. فَقَالَ ﷺ : «أَكَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟». قَالُوا: لَا. قَالَ: «فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟». قَالُوا: لَا. قَالَ: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» (٢١٢).

стр. 373

قال في " نيل الأوطار ": " وفيه دليل على أنه يجب الوفاء بالنذر في المكان المعين إذا لم يكن في التعيين معصية ولا مفسدة من اعتقاد تعظيم جاهلية أو نحوه " (٨/ ٢٠٨). • المزارات من الأوثان: وإذا قيل للناس: إن هؤلاء الضرائح والمزارات من الأوثان، قالوا: إنكم تسبون الصالحين!! يا إخواننا! افهموا لغة العرب والدين؛ تجدوا أن ذلك ليس من الطعن على الأولياء، فإن كل ما نصب ليعبد من دون الله، فهو وثن أو صنم، وكل من عبده؛ فهو هالك، وليس كل معبود من دون الله هالكاً. قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ * إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [لأنبياء: ٩٨ - ١٥١]؛ فتلك المزارات والضرائح من الأوثان، وإن كانت منسوبة إلى ولي صالح. • تعيين مكان في النذر: وتلك الاجتماعات عليها للزردات هي من أعياد الجاهلية؛ فلو فرضنا أحداً نذر لها شيئاً؛ فهو عاصٍ بالوفاء به، فإن أضاف إليه التقرب من صاحبها؛ فهو مشرك، وإن عيّن الناذر مكاناً سالماً من تلك الزردات، وقصد به إعانة الأحياء من أهله؛ تعيّن عليه الوفاء في ذلك المكان عند الشافعي، كما تقدم عن الخطابي، أما مذهب مالك؛ فقال الزرقاني في " شرح مختصر خليل ": " من عبر بغير الهدي والبدنة؛ فإن جعله لمكة؛ فحكمه حكم الفدية، وإن جعله لغيرها كقبر النبي ﷺ أو كقبر ولي؛ فإن كان مما يهدى، وعبر عنه بلفظ بعير أو خروف أو

стр. 374

جزور؛ نحره أو ذبحه بموضعه، وفرق لحمه للفقراء، وإن شاء، أبقاه، وأخرج مثل ما فيه من اللحم، ويمتنع بعثه عند القبر، ولو للنبي ﷺ ، ولو قصد به الفقراء الملازمين له؛ لقول " المدونة " كما في التتائي: " سوق الهدايا لغير مكة ضلال "، وأما إن كان مما لا يهدى به؛ كثوب، أو دراهم، أو طعام، فإن قصد بذلك الملازمين للقبر الشريف أو لقبر الولي- ولو أغنياء-؛ أرسله لهم، وإن قصد نفس النبي أو الشيخ (أي الثواب له)؛ تصدق به بموضعه " (٣/ ١٣٠). • النذر للمشاهد: وفي " فتح المجيد ": " قال الرافعي في " شرح المنهاج ": وأما النذر للمشاهد التي على قبر ولي أو شيخ، أو على اسم من حلها من الأولياء أو تردد في تلك البقعة من الأولياء والصالحين؛ فإن قصد الناذر بذلك- وهو الغالب أو الواقع من قصود العامة- تعظيم البقعة والمشهد أو الزاوية، أو تعظيم من دفن بها أو نسبت إليه أو بنيت على اسمه؛ فهذا النذر باطل غير منعقد، فإن معتقدهم أن لهذه الأماكن خصوصيات، ويرون أنها مما يدفع بها البلاء ويستجلب بها النعماء ويستشفى بالنذر لها من الأدواء، حتى إنهم ينذرون لبعض الأحجار لما قيل لهم: إنه استند إليها عبد صالح، وينذرون لبعض القبور السرج والشموع والزيت، ويقولون: القبر الفلاني أو المكان الفلاني يقبل النذر؛ يعنون بذلك أنه يحصل به الغرض المأمول من شفاء مريض أو قدوم غائب أو سلامة مال وغير ذلك من أنواع نذر المجازاة، فهذا النذر على هذا الوجه باطل لا شك فيه، بل نذر الزيت والشمع ونحوهما للقبور باطل مطلقاً، ومن ذلك نذر الشمع الكثيرة العظيمة وغيرها لقبر الخليل ﵇ ولقبر غيره من الأنبياء والأولياء، فإن الناذر لا يقصد بذلك الإِيقاد على القبر إلا تبركاً وتعظيماً، ظانّاً أن ذلك قربة، فهذا مما لا ريب في بطلانه، والإيقاد المذكور [محرّم]، سواء انتفع به هنالك منتفع أم لا.

стр. 375

قال الشيخ قاسم الحنفي في شرح " درر البحار ": " النذر الذي ينذره أكثر العوام على ما هو مشاهد؛ كأن يكون للإِنسان غائب أو مريض، أو له حاجة؛ فيأتي إلى بعض الصلحاء، ويجعل على رأسه سترة، ويقول: يا سيد فلان! إن رد الله غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي، فلك من الذهب كذا، أو من الفضة كذا، أو من الطعام كذا، أو من الماء كذا، أو من الشمع والزيت كذا؛ فهذا النذر باطل بالإِجماع، لوجوه، منها: أنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز؛ لأنه عبادة، والعبادة لا تكون لمخلوق. ومنها: أن المنذور له ميت، والميت لا يملك. ومنها: أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله، واعتقاد ذلك كفر ... ". إلى أن قال: " إذا علمت هذا، فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها وينقل إلى ضرائح الأولياء تقرباً إليها، فحرام بإجماع المسلمين " [ص:١١٤]. ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨]. • • • • •

стр. 376

٢٧ - النذر والغفارة • معنى النذر: النذر مصدر نذر الشيء ينذره؛ كضربه يضربه، وقتله يقتله، ومعناه: إيجاب الشيء على النفس مطلقاً، وقيل: بشرط. وجرى الراغب على الثاني؛ فقال: " أن توجب على نفسك ما ليس بواجب لحدوث أمر ". ومثله قول ثعلب: " النذر وعد بشرط "؛ حكاه الخطابي. وذكر صاحب " القاموس " المعنيين بقوله: " نذر على نفسه ينذُر وينذِر نذراً ونذوراً: أوجبه؛ كانتذر، ونذر ماله ونذر لله سبحانه كذا، أو: النذر ما كان وعداً على شرط؛ فعليّ إن شفى الله مريضي كذا نذراً، وعليَّ أن أتصدق بدينار ليس بنذر ". • نذر الجاهلية: والمعنى الثاني للنذر يسميه المحدثون نذر المجازاة، والفقهاء النذر المعلق، وتسميه عامتنا الوعدة. ومنه ما حكاه في " الصحاح " عن الجاهلية فقال: " وربما كان الرجل ينذر

стр. 377

نذراً: إن رأى ما يحب؛ يذبح كذا وكذا من غنمه؛ فإذا وجب؛ ضاقت نفسه من ذلك، فيعتر بدل الغنم ظباء ". وتقدم بيان العتر في الفصل العاشر، وذكرنا ثمت طريقتهم في النذر لله والأصنام التي نعتها تعالى بقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ ... ﴾ الآية [الأنعام: ١٣٦]، وهذا يحتمل أن يكون من النذر المطلق، فتكون العرب قد عرفت نوعي النذر، ولكن لم تجر فيهما على شرع إلهي؛ فأنكر عليها الإِسلام نذرها. قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٥٣]. وقال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٥٦]. وعن ابن عمر؛ أنه قال: أَوَلَمْ يُنْهَوْا عَنِ النَّذْرِ؟ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ النَّذْرَ لاَ يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلاَ يُؤَخِّرُ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِالنَّذْرِ مِنَ البَخِيلِ». أخرجه الشيخان وغيرهما (٢١٣). • الغرض من نذر المجازاة وحكمه: ونذر المجازاة لا يخلو: إما أن يعتقد الناذر أن له دخلاً في تحقيق ما علقه عليه أو لا. وعلى الحالة الأولى حمل الخطابي في " معالم السنن " حديث ابن عمر، فقال: " وجه الحديث أنه قد أعلمهم أن ذلك أمر لا يجلب لهم [في] العاجل نفعاً،

стр. 378

ولا يصرف عنهم ضرّاً، ولا يرد شيئاً قضاه الله؛ يقول: فلا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئاً لم يقدره الله لكم، أو تصرفون عن أنفسكم شيئاً جرى القضاء به عليكم " (٤/ ٥٣). وعلى الحالة الثانية حمله الباجي في " المنتقى "، فقال: " إنما معنى ذلك أن تنذر لمعنى من أمر الدنيا، مثل أن تقول: إن شفى الله مريضي، أو قدم غائبي، أو نجاني من أمر كذا، أو رزقني كذا، فإني أصوم يومين، أو أصلي صلاة، أو أتصدق بكذا، فهذا المكروه المنهي عنه " (٣/ ٢٢٨). وأباح ابن رشد في المقدمات هذه الحالة، وفي قوله وقول الباجي يقول خليل: " وفي كره المعلق قولان ". وذكر القرطبي في " المفهم " الحالتين، فنقل عنه الحافظ في " الفتح " أنه قال: " هذا النهي محله أن يقول مثلاً: إن شفى الله مريضي، فعليَّ صدقة كذا. ووجه الكراهة أنه لما وقف فعل القربة المذكور على حصول الغرض المذكور؛ ظهر أنه لم يتمحض له نية التقرب إلى الله تعالى؛ لما صدر منه، بل سلك فيها مسلك المعاوضة، ويوضحه أنه لو لم يشف مريضه؛ لم يتصدق بما علقه على شفائه، وهذه حالة البخيل؛ فإنه لا يخرج من ماله شيئاً إلا بعوض عاجل يزيد على ما أخرج غالباً، وهذا المعنى هو المشار إليه في الحديث بقوله: «وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِالنَّذْرِ مِنَ البَخِيلِ»؛ ما لم يكن البخيل يخرجه. قال: وقد ينضم إلى هذا اعتقاد جاهل يظن أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو أن الله يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وإليهما الإِشارة بقوله في الحديث أيضاً: «فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ شَيْئًا»، والحالة الأولى تقارب الكفر، والثانية خطأ صريح. قلت (هو الحافظ): بل تقرب من الكفر أيضاً.

стр. 379

ثم نقل القرطبي عن العلماء حمل النهي الوارد في الخبر على الكراهة، وقال: الذي يظهر لي أنه على التحريم في حق من يخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد، فيكون إقدامه على ذلك محرماً، والكراهة في حق من لم يعتقد ذلك " اهـ. وهو تفصيل حسن (١١/ ٤٩). وفي تفصيل القرطبي واستحسان الحافظ له شهادة أخرى لتفرقتنا في التوسل بالذات والجاه بين العالم والجاهل. • النذر الشرير والشركي: والخلاصة أن النذر المشروع لا يكون إلا لله، وأن المحمود منه ما لم يكن معلقا على حصول غرض دنيوي، وأن المعلق منهي عن الإِقدام عليه نهي تحريم أو كراهة، وقد يؤدي إلى الكفر، لكن بعد وقوعه يجب الوفاء به؛ لحديث أبن عمر: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ النَّذْرِ وَأَمَرَنَا بِالْوَفَاءِ بِهِ» (٢١٤). رواه الطبراني في " الكبير " بإسنادين، رجال أحدهما رجال الصحيح. قاله في " مجمع الزوائد ". فإن كان النذر للمخلوق من نبي أو ولي، فهو شرك بالله في هذه العبادة، يحرم الإِقدام عليه والوفاء به معاً، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ أن النبي ﷺ قال: «لا نَذْرَ إِلا فِيمَا اُبْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللهِ تَعَالَى» (٢١٥). رواه أحمد

стр. 380

وأبو داود والبيهقي والطبراني [في " الأوسط "]، وفي سند الطبراني عبد الله بن نافع المدني ضعيف، وليس هو في سند أبي داود، ولحديث عائشة عن النبي ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ؛ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ؛ فَلَا يَعْصِهِ» (٢١٦)، رواه البخاري وأصحاب " السنن ". • نذر العوام: وقد أصبح الناس في جاهليتهم الحاضرة ينذرون لمن يعتقدون فيه من الأحياء والأموات والمزارات الأموال والثياب والحيوانات والشموع والبخور والأطعمة وسائر المتمولات، ويعتقدون أن نذرهم سبب يقربهم من رضى المنذور له، وأن لذلك المنذور له دخلا في حصول غرضهم؛ فإن حصل مطلوبهم، ازدادوا تعلقاً بمن نذروا له، واشتدت خشيتهم منه، وبذلوا أقصى طاقتهم في الاحتفال بالوفاء له، ولم يستسيغوا لأنفسهم التقصير أو التأخير كما

стр. 381

استساغته جاهلية العرب في تعويض الغنم بالظباء؛ فالعرب مع أصنامهم أقل هيبة من هؤلاء مع أوليائهم، وإن تساوى الفريقان في حق من ألَّهوه أكثر من اعتبار حق الإِله الحق، ذلك أن جاهليتنا على شدة اهتمامها بحق أوليائها منها من لا يبالي مع ذلك بالصلاة أو بالزكاة أو بهما معاً، ومن صلَّى وزكَّى لا ينكر على تاركهما ما ينكره على من تراخى في زيارة شيخ طريقة أو إقامة زردة أو أداء وعدة، وكذلك ما حكاه القرآن عن العرب في آياته: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦]. وقد جرّنا الحديث على الزردات في الفصل السابق إلى نقل أقوال العلماء في نذور العامة، فأتينا منها بما يكفي، ولكن لا نخلي هذا الفصل منها، فنثبت فيه ما قاله الصنعاني في " سبل السلام " زيادة في المقام، قال ﵀: " وأما النذور المعروفة في هذه الأزمنة على القبور والمشاهد والأموات؛ فلا كلام في تحريمها، لأن الناذر يعتقد في صاحب القبر أنه ينفع ويضر، ويجلب الخير ويدفع الشر، ويعافي الأليم ويشفي السقيم، وهذا هو الذي كان يفعله عباد الأوثان بعينه؛ فيحرم كما يحرم النذر على الوثن، ويحرم قبضه لأنه تقرير [على] الشرك ويجب النهي عنه وإبانة أنه من أعظم المحرمات وأنه الذي كان يفعله عباد الأصنام، لكن طال الأمد، حتى صار المعروف منكراً والمنكر معروفاً، وصارت تعقد اللواءات لقباض النذور على الأموات، ويجعل للقادمين إلى محل الميت الضيافات، وينحر في بابه النحائر من الأنعام، وهذا هو بعينه الذي كان عليه عباد الأصنام؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون " (٤/ ٨٨). • معنى الغفارة: و (الغفارة) - بتخفيف الفاء-: ضرب من النذر، بل أقبح ضروبه، وهي معروفة في عملي الجزائر ووهران أكثر منها في عمل قسنطينة، وبيانها أنها وظيفة

стр. 382

مالية يلتزم امرؤ بأدائها كل سنة لمن اعتقد فيه جلب منفعة أو دفع مضرة، وينسحب هذا الالتزام على ورثة الملتزِم لورثة الملتزَم له، وبطول المدة وانتشار النسل تصبح الغفارة ضريبة لقبيلة موصوفة بميزة دينية على أخرى منعوتة بالخدمة والطاعة لتلك، فيقولون: هذه القبيلة يغفرها (بالتضعيف) أولاد سيدي فلان، يريدون أنهم يأخذون منها الغفارة، ويقول كل من القابض والمعطي لصاحبه: أنت غفيري!! وهي من الأول بمعنى خديمي، ومن الثاني بمعنى سيدي، كما تطلق العرب المولى على الأعلى والأدنى معاً، قال الشاعر: وَلَنْ يَتَسَاوَى سَادَةٌ وعَبِيدُهُمْ ... عَلَى أَنَّ أَسْمَاءَ الْجَمِيعِ مَوَالِي والغفارة مقررة بحكم الالتزام الأول عدداً ونوعاً من إبل أو بقر أو غنم أو صوف أو سمن أو عسل أو غيرها، ثم السادة الغفراء قد تبقى غفارتهم بينهم على الشياع، وقد يقتسمونها باقتسام من يؤدونها لهم قسمة انتفاع؛ فالقبيلة المؤيدة للغفارة كالأرض المحبسة، والغفارة كغلتها. • منشأ الغفارة: ومنشأ الغفارة اعتقاد مؤديها أن لآخذها تصرفاً في الكون دفع به عنه مكروهاً أو أسدى إليه به معروفاً في نفسه أو [في] أهله أو [في] ماله، وبقدر تمكن هذا الاعتقاد الشركي في صاحبه يتمكن فيه الحرص على أداء الغفارات، وإن لم يكن ممن يؤدي الأمانات، ويقول بلسان حاله أو مقاله: ما بنا من نعمة، فهي من الشيخ؛ بسبب حسن قيامنا على عادته، وما أصابنا من مصيبة، فبإذن الشيخ، لتقصيرنا في أمره، وإن لم نشعر بأصل التقصير، وهكذا قلبوا الآيتين: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [التغابن: ١١].

стр. 383

• عصر منشأ الغفارة: ولا أعلم الآن متى نشأت هذه الغفارة، وإن كان من الضروري أنها ولدت في ظلام الجهل وعصر الانحطاط الديني، وحضنها رؤساء جهال بالدين، لا يتميزون من العامة إلا بأوضاع ورسوم مخترعة، ثم أقرها علماء اتخذوا علمهم أداة تقرب من أولئك الرؤساء وبضاعة ارتزاق من العامة، واختنق بذلك صوت من كان هواه تبعاً لما جاء به الرسول ﷺ ، وهكذا وجدت أسباب الشرك وتعددت وتمكنت مظاهره وتمددت. • كيف حدثت الغفارة: ولا أدري كيف حدثت الغفارة؛ إلاّ أن ابن خلدون ذكر قبائل مستوطنة وطن الجزائر كانت قوية تأخذ لقوتها الحربية خفارة من أخرى ضعيفة عن حماية نفسها من أعدائها، ولفظ الخفارة لا يفترق من الغفارة إلا بالحرف الأول، وهو حلقي، وكثيراً ما تبدل حروف الحلق بعضها من بعض، وفي لساننا العامي: " حراق الماء "، بمعنى: أراق وهراق، وما زالت الخفارة الحربية معروفة في بعض نواحينا، ويقولون فيها: الغفارة، ويضيفونها إلى العظمة أو الأعظمية، فيقولون: غفارة الأعظمية، فالظاهر أن منشأ الغفارة الدينية من الغفارة الحربية؛ فإن الأسر الماجدة إذا ذهب الزمان بشرفها الحربي تنتحل المجد الديني، وما كانت تأخذه بالسيف تصبح متطلبة له بدعوى التصرف بالغيب؛ فالغفارة بعد أن كانت ضريبة للقبائل الحربية على من ضعف في ساحة الوغى؛ أصبحت غفارة على من ضعف اتكاله على الله لمن ادعى العزة مع ربه بلسان الحال أو بلسان المقال، فكان أصلها الحماية من الأشرار، وصارت للوقاية من الأقدار. • معنى الخفارة واجتماعها مع الغفارة: قال في " الصحاح ": " الخفير: المجير. خفرت الرجل أخفر- بالكسر-

стр. 384

خفراً: إذا أجرته وكنت له خفيراً تمنعه. قال الأصمعي: وكذلك خفرته تخفيراً. وأنشد لأبي جندب الهذلي: يُخَفِّرُنِي سَيْفِي إِذَا لَمْ أُخَفَّرِ" قال: " وتخفرت بفلان: إذا استجرت به وسألته أن يكون لك خفيراً، وأخفرته إذا نقضت عهده وغدرت به، ويقال أيضاً: أخفرته إذا بعثت معه خفيراً، قاله أبو الجراح العقيلي، والاسم الخُفرة بالضم، وهي الذِمّة، يقال: وفت خفرتك، وكذلك الخفارة بالضم وبالكسر ". وجعل في " المصباح " الخفارة مثلثة الخاء، وفسرها بجعل الخفير، وهو معنى الغفارة، فاتخذت مع الخفارة وزناً ومعنى، بل مادة ولفظاً، فصح أن تكون حادثة عنها ابتداعاً. • حكم الغفارة: ولم أرَ من تعرض لحكم الغفارة في كتاب، ولكن حكمها لا يخفى على من له إلمام بأصول الدين ووقوف على عقائد المشركين. ثم ما تقدم من المنقول في حكم نذور العامة يتناولها تناولاً أحرويّاً، ويدل على حكمها بفحوى الخطاب، والله الهادي إلى سنن الصواب. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣]. • • • • •

стр. 385

٢٨ - اليمين • معنى اليمين: اليمين والقسم والحلف ألفاظ مترادفة في الاستعمال، وأصل اليمين اليد المقابلة للشمال من الإِنسان وغيره، استعملت بمعنى الحلف؛ لأنهم كانوا - كما في " الصحاح " وغيره- إذا تحالفوا؛ ضرب كل امرئ منهم يمينه على يمين صاحبه. قال ابن العربي في " أحكامه ": " وحقيقة اليمين ربط العقد بالامتناع والترك أو بالإِقدام على فعل بمعنى معظم حقيقة أو اعتقاداً " (١/ ٢٦٥). • تعظيم العبادة وغيرها: فالحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، ومنع النفس من الفعل أو عزمها عليه لمجرد عظمة المحلوف به. والعظمة نوعان: أحدهما: يختص بالله، وهي التي يشعر بها المرء ولا يعرف منشأها، ويرى لصاحبها عليه سلطة غير محدودة، وهي العظمة الغيبية. ثانيهما: ما يتصف به المخلوق، وهي التي تنشأ عن أسباب معروفة وتقتضي سلطة خاصة.

стр. 386

وأسبابها المعروفة: إما الكمال الديني بالعبادة؛ فالولي عظيم لوقوعها منه، والمسجد عظيم لوقوعها فيه، وإما الكمال الدنيوي بالمال والأتباع، كالتي يعرفها أهل الدنيا للملوك والأمراء والأغنياء، وإما الشرف الأصلي، وهو ما للآباء على أبنائهم. والعظمة الغيبية تقتضي عبادة من وصف بها، والتي تحدث عن أسباب لا تقتضي عبادة المتصف بها. ولما كانت العبادة لا تكون إلا لله؛ كانت العظمة الغيبية لا تكون إلا له؛ فمن اعتقدها في سواه، فهو مشرك. وقد عقد القرافي الفرق الرابع والعشرين والمئة لتمييز التعظيم الخاص بالله من غيره؛ فنوعه إلى ثلاثة: الأول: خاص بالله إجماعاً، كالتعظيم بالصلاة، والصوم، والحج، والنذر، واعتقاد الإِسعاد والإِشقاء، والهداية والإِضلال. الثاني: غير خاص به إجماعاً؛ كالتعظيم بالوجود والعلم ونحوهما؛ فتقول في المخلوق: هو عالم ومريد وحي وموجود، وذلك باعتبار معنى عام، من غير اشتراك في حقيقة اللفظ. الثالث: ما اختلف فيه، وهو اليمين؛ فهل يقسم بالخالق فقط أم يقسم بالمخلوق أيضاً؟ • اليمين الشرعية: وقد عرفوا اليمين الشرعية على أنها خاصة بالخالق: فقال الحافظ في " الفتح ": " هي توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة الله " (*).

стр. 387

ونحوه قول خليل: " اليمين تحقيق ما لم يجب بذكر اسم الله أو صفته ". • ما جاء في اليمين: وجاءت أحاديث في الحلف بالله وغيره: ١ - فعن ابن عمر، أنه ﷺ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَقَالَ: «أَلَا إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا؛ فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ». أخرجه الشيخان (٢١٧). ٢ - وعنه أيضاً، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اَللَّهِ؛ فَقَدْ أَشْرَكَ أَوْ كَفَرَ» (٢١٨). رواه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه. ٣ - وعن عكرمة، أن عمر بن الخطاب قال: حَدَّثْتُ قَوْمًا حَدِيثًا، فَقُلْتُ: لَا وَأَبِي. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» فَالْتَفَتُّ؛ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ حَلَفَ بِالْمَسِيحِ هَلَكَ، وَالْمَسِيحُ خَيْرٌ مِنْ آبَائِكُمْ» (٢١٩). أخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه "، وهو مرسل يتقوى بشواهده،

стр. 388

قاله الحافظ في " الفتح " (١١/ ٤٤٩). ٤ - وعن أبي هريرة؛ أنه ﷺ قال: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ». أخرجه أبو داود والنسائي (٢٢٠). ٥ - وعنه أيضاً، أنه ﷺ قال: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ» (٢٢١). أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي. ٦ - وعن قتيلة- بالتصغير- ﵂؛ أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّكُمْ تُنَدِّدُونَ، وَإِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ، تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ. وَتَقُولُونَ: وَالْكَعْبَةِ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا أَنْ يَقُولُوا: وَرَبِّ الْكَعْبَةِ،

стр. 389

وَيَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتَ (٢٢٢). أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه والطبراني وابن منده، وصححه الحافظ في " الإِصابة " (٤/ ٣٨٩)، وفي " نيل الأوطار " أن النسائي صححه. ٧ - وعن ابن عمر؛ أنه ﷺ قال: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ؛ فَلْيَصْدُقْ, وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بِاللَّهِ؛ فَلْيَرْضَ, وَمَنْ لَمْ يَرْضَ [بِاللَّهِ]؛ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ» (٢٢٣). رواه ابن ماجه بسند حسن.

стр. 390

٨ - وعن ابن مسعود ﵁؛ قال: «لَأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ وَأَنَا صَادِقٌ» (٢٢٤). أخرجه الطبراني في " الكبير " موقوفاً عليه، ورجاله رجال الصحيح. • الحكمة في النهي عن الحلف بغير الله: قال الحافظ في " الفتح ": " وقال ابن المنذر: اختلف العلماء في معنى النهي عن الحلف بغير الله، فقالت طائفة: هو خاص بالأيمان التي كان أهل الجاهلية يحلفون بها تعظيماً لغير الله تعالى؛ كاللات، والعزى، والآباء، فهذه
следующие страницы →