وأسبابها المعروفة: إما الكمال الديني بالعبادة؛ فالولي عظيم لوقوعها منه، والمسجد عظيم لوقوعها فيه، وإما الكمال الدنيوي بالمال والأتباع، كالتي يعرفها أهل الدنيا للملوك والأمراء والأغنياء، وإما الشرف الأصلي، وهو ما للآباء على أبنائهم.
والعظمة الغيبية تقتضي عبادة من وصف بها، والتي تحدث عن أسباب لا تقتضي عبادة المتصف بها.
ولما كانت العبادة لا تكون إلا لله؛ كانت العظمة الغيبية لا تكون إلا له؛ فمن اعتقدها في سواه، فهو مشرك.
وقد عقد القرافي الفرق الرابع والعشرين والمئة لتمييز التعظيم الخاص بالله من غيره؛ فنوعه إلى ثلاثة:
الأول: خاص بالله إجماعاً، كالتعظيم بالصلاة، والصوم، والحج، والنذر، واعتقاد الإِسعاد والإِشقاء، والهداية والإِضلال.
الثاني: غير خاص به إجماعاً؛ كالتعظيم بالوجود والعلم ونحوهما؛ فتقول في المخلوق: هو عالم ومريد وحي وموجود، وذلك باعتبار معنى عام، من غير اشتراك في حقيقة اللفظ.
الثالث: ما اختلف فيه، وهو اليمين؛ فهل يقسم بالخالق فقط أم يقسم بالمخلوق أيضاً؟
• اليمين الشرعية:
وقد عرفوا اليمين الشرعية على أنها خاصة بالخالق:
فقال الحافظ في " الفتح ": " هي توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة الله " (*).
стр. 387
ونحوه قول خليل: " اليمين تحقيق ما لم يجب بذكر اسم الله أو صفته ".
• ما جاء في اليمين:
وجاءت أحاديث في الحلف بالله وغيره:
١ - فعن ابن عمر، أنه ﷺ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَقَالَ: «أَلَا إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا؛ فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ». أخرجه الشيخان (٢١٧).
٢ - وعنه أيضاً، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اَللَّهِ؛ فَقَدْ أَشْرَكَ أَوْ كَفَرَ» (٢١٨). رواه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه.
٣ - وعن عكرمة، أن عمر بن الخطاب قال: حَدَّثْتُ قَوْمًا حَدِيثًا، فَقُلْتُ: لَا وَأَبِي. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» فَالْتَفَتُّ؛ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ حَلَفَ بِالْمَسِيحِ هَلَكَ، وَالْمَسِيحُ خَيْرٌ مِنْ آبَائِكُمْ» (٢١٩). أخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه "، وهو مرسل يتقوى بشواهده،
стр. 388
قاله الحافظ في " الفتح " (١١/ ٤٤٩).
٤ - وعن أبي هريرة؛ أنه ﷺ قال: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ». أخرجه أبو داود والنسائي (٢٢٠).
٥ - وعنه أيضاً، أنه ﷺ قال: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ» (٢٢١). أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي.
٦ - وعن قتيلة- بالتصغير- ﵂؛ أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّكُمْ تُنَدِّدُونَ، وَإِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ، تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ. وَتَقُولُونَ: وَالْكَعْبَةِ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا أَنْ يَقُولُوا: وَرَبِّ الْكَعْبَةِ،
стр. 389
وَيَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتَ (٢٢٢). أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه والطبراني وابن منده، وصححه الحافظ في " الإِصابة " (٤/ ٣٨٩)، وفي " نيل الأوطار " أن النسائي صححه.
٧ - وعن ابن عمر؛ أنه ﷺ قال: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ؛ فَلْيَصْدُقْ, وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بِاللَّهِ؛ فَلْيَرْضَ, وَمَنْ لَمْ يَرْضَ [بِاللَّهِ]؛ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ» (٢٢٣). رواه ابن ماجه بسند حسن.
стр. 390
٨ - وعن ابن مسعود ﵁؛ قال: «لَأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ وَأَنَا صَادِقٌ» (٢٢٤). أخرجه الطبراني في " الكبير " موقوفاً عليه، ورجاله رجال الصحيح.
• الحكمة في النهي عن الحلف بغير الله:
قال الحافظ في " الفتح ": " وقال ابن المنذر: اختلف العلماء في معنى النهي عن الحلف بغير الله، فقالت طائفة: هو خاص بالأيمان التي كان أهل الجاهلية يحلفون بها تعظيماً لغير الله تعالى؛ كاللات، والعزى، والآباء، فهذه
стр. 391
يأثم الحالف بها، ولا كفارة فيها، وأما ما كان يؤول إلى تعظيم الله؛ كقوله: وحق النبي، والإِسلام، والحج، والعمرة، والهدي، والصدقة، والعتق، ونحوها مما يراد به تعظيم الله والقربة إليه، فليس داخلاً في النهي. وممن قال بذلك أبو عبيد وطائفة ممن لقيناه، واحتجوا بما جاء عن الصحابة من إيجابهم على الحالف بالعتق والهدي والصدقة ما أوجبوه، مع كونهم رأوا النهي المذكور، فدل على أن ذلك عندهم ليس على عمومه، إذ لو كان عامّاً؛ لنهوا عن ذلك ولم يوجبوا فيه شيئاً " انتهى.
وتعقبه ابن عبد البر بأن ذكر هذه الأشياء، وإن كانت بصورة الحلف، فليست يميناً في الحقيقة، وإنما خرج على الاتساع، ولا يمين في الحقيقة إلا بالله.
وقال المهلب: " كانت العرب تحلف بآبائها وآلهتها، فأراد الله نسخ ذلك من قلوبهم؛ لينسيهم ذكر كل شيء سواه ويبقي ذكره، لأنه الحق المعبود؛ فلا يكون اليمين إلا به، والحلف بالمخلوقات في حكم الحلف بالآباء " (١١/ ٤٥٣).
• حكم اليمين بغير الله:
والذي لابن رشد في " المقدمات " تقسيم اليمين باعتبار حكمها إلى مباحة وهي ما كانت بالله، وإلى مكروهة وهي ما كانت بغيره، وإلى محظورة وهي ما كانت باللات
والعزى والطواغيت وكل ما عبد من دون الله.
وحكى الدردير في " شرح المختصر " قولين بالحرمة والكراهة في الحلف بالمعظم شرعاً؛ كالنبي والكعبة، وجزم بالحرمة فيمن لم يستحق التعظيم شرعاً. وقال الأمير في " مجموعه " الذي هو كتهذيب وتكميل لـ " المختصر ":
стр. 392
" وحرم حلف بغير الله؛ إلا أن يعظم شرعاً كولي فيكره، وإن قصد بـ: كالعزى التعظيم؛ فكفر ".
ونقل الحافظ في " الفتح " عن بعض أهل العلم أن من اعتقد في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله؛ كان كافراً بذلك الاعتقاد، وإن اعتقد فيه من التعظيم ما يليق به؛ فلا يكفر (١١/ ٤٥٠).
وما نقله الحافظ تشهد له عباراتهم في تقييد التعظيم بالشرع، لأن معنى ذلك القيد أن يكون المعظم يستحق التعظيم في الشرع، وأن يكون التعظيم سالماً من الإِفراط المحظور، مقتصراً فيه على الحد المشروع.
• تحرير حكم اليمين بغير الله:
وخلاصة هذه النقول أن الاختلاف في حكم الحلف بغير الله إنما هو مع سلامة الحالف من تعظيم المخلوق تعظيماً من نوع تعظيم الخالق، وإن النهي حينئذ من فطام النفوس عن مألوفاتها الوثنية بالنظر لمن نشؤوا في الجاهلية، ومن سد الذرائع بالإِضافة إلى من نشؤوا في الإِسلام، فأما إن حل بالقلب تعظيم المخلوق كتعظيم الخالق؛ فجرى اللسان لذلك بتلك اليمين، وخشيت النفس في الحنث بها ما تخشاه في الحنث بالله؛ فهذه اليمين مظهر من مظاهر الشرك لا نزاع في ذلك- ولا شك.
• حالة العوام في أيمانهم:
نهى الرسول ﷺ عن الحلف بالمخلوق؛ فأبى أكثر الناس إلا الحلف به، وأغلظ في النهي، حتى بلغ به نهي الشرك والكفر، فأجروا هذه اليمين على ألسنتهم أكثر من اليمين بالله، وأمر من حلف بالله أن يصدق، فتلاعبوا باليمين الشرعية، واحترموا اليمين الشركية، وأمر من حُلف له بالله أن يرضى ويكل أمر الحالف إلى الله ... فلم يطمئنوا إلا للحلف بأوليائهم ... وهكذا تراهم
стр. 393
يعظمون الأيمان بأوليائهم ويخشون الحنث فيها أكثر من تعظيم اليمين بالله وخشية الحنث فيها؛ فيحلفون بالله كاذبين في استخفاف وعدم مبالاة، ولا يقتنعون بيمين من حلف لهم بالله، ولا يكتفون بها، ولا يقدمون على الحلف بمرابطيهم وشيوخ طرقهم كذباً، ولا يكذبون من حلف بهم، بل يمتقع لون الواحد منهم إذا حاول الحلف بهم أو سمع من أسرع إلى ذلك الحلف، وكم بلغنا أنهم يستحلفون بالله على الشيء فيسرعون إلى الحلف على خلاف الواقع، ثم يستحلفون بشيوخهم أو آبائهم على ذلك الشيء نفسه؛ فتخرس ألسنتهم، وتجف أرياقهم، ويعترفون بكذبهم في اليمين بالله ولا يستحون!!
يا لله للمسلمين: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٥٤].
وليست هذه الحالة المنكرة خاصة بعصرنا أو مصرنا.
قال الشوكاني في " نيل الأوطار " عقب ذكر مفاسد البناء على القبور: " وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيراً من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه؛ حلف بالله فاجراً؛ فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني؛ تلعثم وتلكأ وأبى، واعترف بالحق!! وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة!!
فيا علماء الدين! ويا ملوك المسلمين! أي رزء للإِسلام أشد من الكفر؟!
وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله؟! وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة؟! وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البين واجباً؟! " (٤/ ٧٢).
وقد بقي علينا أن نعرف وجه ما جاء في الكتاب والسنة من القسم بغير
стр. 394
الله، ففي الكتاب الإِقسام بالطور والنجم والشمس والقمر والليل والنهار وغيرهن، وثبت أنه ﷺ قال: «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ» (٢٢٥). أخرجه أبو داود وغيره.
• حكمة ما في الكتاب من الإِقسام بالمخلوق:
فأما ما ورد في الكتاب، فقال الأمير في " حاشيته على مجموعه ": " وإقسام الله تعالى بالنجم ونحوه، لأن له أن يقسم بما شاء، وبأسراره التي يعلمها في أفعاله؛ تنبيهاً على عظمتها، ولسريان سر الحق فيها، من غير حلول ولا اتحاد، فإنها مظاهره مع تنزهه كما يُعلم ".
стр. 395
وفصَّل محمد عبده هذا المعنى أول سورة النازعات من تفسير جزء عم؛ فقال: " جاء في الكتاب العزيز ضروب من القسم بالأزمنة والأمكنة والأشياء، والقَسَم إنما يكون بشيء يخشى المقسم إذا حنث في حلفه به أن يقع تحت المؤاخذة، نعوذ بالله أن يتوهم شيء من هذا في جانب الله، وما كان الله جل شأنه يحتاج في تأكيد أخباره إلى القسم بما هو صنعُ قدرته؛ فليس لشيء في الوجود قدر إذا نسب إلى قدره الذي لا يقدره القادرون، بل لا وجود لكائن إذا قيس إلى وجوده إلا أنه انبسط عليه شعاع من أشعة ظهوره جل شأنه.
ولهذا قد يسأل السائل عن هذا النوع من تأكيد الخبر الذي اختص به القرآن وكيف يوجد في كلام الله؟!
فيجاب بأنك إذا رجعت إلى جميع ما أقسم الله به؛ وجدته إما شيئاً أنكره بعض الناس، أو احتقره لغفلته عن فائدته، أو ذهل عن موضع العبرة فيه وعمي عن حكمة الله في خلقه، أو انعكس عليه الرأي في أمره فاعتقد فيه غير الحق الذي قرر الله شأنه عليه، فيقسم الله به: إما لتقرير وجوده في عقل من ينكره، أو تعظيم شأنه في نفس من يحقره، أو تنبيه الشعور إلى ما فيه عند من لا يذكره، أو لقلب الاعتقاد في قلب من أضله الوهم أو خانه الفهم ".
وقد قفى ﵀ على هذا البيان بتطبيق الجواب على بعض الأشياء المقسم بها؛ كالقرآن، ويوم القيامة، والنجوم.
• تأويل ما في السنة من الإِقسام بالمخلوق:
وأما ما ورد في السنة، فقد أبدى فيه الخطابي في " معالم السنن " أربعة أوجه، وزاد عليه الحافظ في " الفتح " وجهين آخرين، ونحن نقتصر على الوجهين الأولين في كلام الخطابي، وقد صدر في " الفتح " بثانيهما، وذكر أن البيهقي جنح إليه، وأن النووي ارتضاه (١١/ ٤٥٢).
стр. 396
قال الخطابي: " قوله: " أفلح وأبيه " هذه كلمة جارية على ألسن العرب، تستعملها كثيراً في خطابها، تريد بها التوكيد، وقد نهى رسول الله ﷺ أن يحلف الرجل بأبيه، فيُحتمل أن يكون هذا القول منه قبل النهي، ويحتمل أن يكون جرى ذلك منه على عادة الكلام على الألسن وهو لا يقصد به القسم، كلغو اليمين المعفو عنه؛ قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ... ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٥]، قالت عائشة: هو قول الرجل في كلامه: لا والله، وبلى والله، ونحو ذلك " (١/ ١٢١).
• لزوم التوبة من اليمين بغير الله:
وبعد بيان وجه الإِقسام في القرآن والحديث بغير الله، وأنه ليس من نوع اليمين التي يراد بها توكيد العزم على الإِقدام أو الامتناع والإِحجام؛ لم يبق لمبتدع متعلَّق بذلك الإِقسام، وتعين هجر الحلف بالمخلوق على كل مؤمن بآية: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
• • • • •
стр. 397
٢٩ - هداة الشرك وحماته
• قدم البدعة وحكمته:
الحق والباطل، والإِيمان والكفر، والسنة والبدعة، والهدى والضلالة، والخير والشر؛ كل أولئك في البشر قديم لا يختص بعصر ولا بمصر، وإنما يمتاز أحد الأزمنة أو بعض الأمكنة بغلبة أحد المتقابلين على الآخر؛ لأن لكل جهة دعاة إليها يدعون، وهداة بها يهدون، وأنصاراً لها يحمون، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣]، ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:: ١١٨ - ١١٩].
هذا عصره ﷺ أزهر العصور، وهذه مدينته أكرم المدن، لم يخلوا من المنافقين أحط أصناف المبطلين.
وهذا جيل الصحابة وعهد الخلفاء الراشدين قد تلوثا بالمبتدعين، فقد حدثت البدع زمنهم من غيرهم؛ فكانت على الجهال ظلمة وفتنة، ولأولي الألباب نوراً ورحمة، فمصيبة الجهال فيها أنها قديمة وهم يقدسون كل قديم، ويرون أن ما تقدم جيلهم من الأجيال هو كمال خالص وخير محض، وفائدة العلماء منها الاستنارة بآثار السلف في إنكارها والاستعانة بأنظارهم في تخليص السنة منها.
стр. 398
• مصدر البدعة:
ومصدر الابتداع في الإِسلام المنافقون والزنادقة.
وأول بدعة تتصل بالشرك إنما عرفت عن أحدهم، وهو عبد الله بن سبأ اليهودي، وبدعته هي التظاهر باحترام آل البيت والتشيع لعلي ﵁، حتى أتى في ذلك بما لا يتفق والإِسلام، فطلبه علي في خلافته ليقتله، ففر منه، وقد غرس أفكاره وتعاليمه في طائفة نسبت إليه فدعيت: السبئية، ومن بذوره نبتت الشيعة الباطنية والرافضة الإِسماعيلية.
• ابتداع الشرك بالغلو في التشيع:
نقل في " شرح الطحاوية " [ص:٤١٧] عن أبي بكر الباقلاني: " أن من تعاليم الروافض (*) وما يوصون به الدعاة قولهم: يجب عليك إذا وجدت من تدعوه مسلماً أن تجعل التشيع عنده دينك وشعارك، واجعل المدخل من جهة ظلم السلف لعلي وقتلهم الحسين، والتبري من تيم وعدي وبني أمية وبني العباس، وأن عليّاً يعلم الغيب، يُفوّض إليه خلق العالم، وما أشبه ذلك من أعاجيب الشيعة [وجهلهم؛ فإذا أنِسْتَ من بعض الشيعة] عند الدعوة إجابة ورشداً؛ أوقفته على مثالب علي وولده ﵃ " انتهى كلام الباقلاني، وفي آخر العبارة غموض، لعل سببه تحريف (**)، وقد يظهر المعنى لو أن العبارة بعد لفظ:
стр. 399
" أعاجيب الشيعة " هي هكذا: " فإن لبى الدعوة إجابة وآنست منه رشداً أوقفته ... "، وقد قدمنا في فصل علم الغيب نسبة ابن قتيبة ابتداع القول بعلم آل البيت الغيب إلى الرافضة أيضاً.
• عجز الغلو في التشيع عن نشر الشرك:
وقد كان ضلال الرافضة مكشوفاً للعامة والخاصة من الفرق الإِسلامية؛ فكانوا ممقوتين في المجتمعات، لا تروج لهم بضاعة في جميع الطبقات، إلا أن يجدوا غرة في بعض الجهات التي لا تعرف من الدين أكثر من التلفظ بالشهادتين أو صور العبادة المتكررة الفاشية.
• مبدأ التصوف واستقامة المتقدمين عليه:
ودب في الأوساط الإِسلامية مبدأ التصوف على قدمي الإِفراط في العبادة والتفريط في الدنيا، واشتمل كسائر المبادئ على الصديق والزنديق، ولكن كان الغالب على رجاله العلم بالدين والصدق في العمل وموالاة السلف؛ فكانوا في الاعتقادات محدثين سلفيين، أو متكلمين أشعريين وماتريديين، وفي العبادات مالكيين أو حنفيين أو شافعيين أو حنبليين، واشتهر منهم أبو القاسم الجنيد، فانتسب إليه مَن بعده في آداب السلوك، وبهذا كان التصوف مرضيّاً عند أهل السنة لانتساب رجاله إلى الأئمة المرضيين، كما قال صاحب " الجوهرة ":
وَمَالِكٌ وَسَائِرُ اْلأَئِمَّهْ ... كَذَا أَبُو الْقَاسِمْ هُدَاةُ اْلأُمَّهْ
• اتحاد الباطنية بالصوفية ومظاهره:
رضي الناس عن التصوف بذلك الانتساب، وأعجبوا بتقى رجاله وزهدهم أيما إعجاب، ثم غمرت الثقة بالألقاب نقد ما في سير الصوفية من خطأ وصواب، فسال لعاب المبتدعين المنبوذين من هذه الثقة التي نعم بها المتصوفون، فاندسوا تحت هذا العنوان، ولا سيما الرافضة التي كانت لها
стр. 400
مطامع سياسية، وكان التصوف والرفض كلاهما في العجم أشهر وأكثر انتشاراً، فسهل لذلك الامتزاج بينهما، فتكون تصوف باطني استقل بقيادة العامة أو كاد، واتقى بعموم الثقة في عنوان التصوف ألسنة النقاد.
• الحلول والاتحاد:
١ - وكان من مظاهر اتحاد الرافضة الباطنية بالصوفية ظهور مذهب الحلول والقول بالاتحاد؛ فقد كان ذلك معروفاً أولاً في الباطنية، ثم ظهر على متأخري الصوفية؛ كابن عربي الحاتمي، وابن سبعين، وابن العفيف التلمساني، وابن الفارض، وغيرهم.
• القطب وحكومته:
٢ - وقال هؤلاء المتأخرون بالقطب، ومعناه: رأس العارفين، ويزعمون أنه لا يساويه أحد في مقامه حتى يموت فيخلفه آخر، وذلك هو معنى الإِمام المعصوم عند الرافضة، واخترعوا للقطب حكومة سرية وديواناً خياليّاً، وذلك على نحو ما تحلم به الرافضة في إنشاء حكومة على مذهبها؛ فحكومة القطب الغيبية ظل لحكومة ذهنية يراد تحقيقها في الخارج على نحو " مؤتمر النهضة الإِسلامية " الذي رسمه الكواكبي في أم القرى، فحكومة القطب عند الخاصة منهم أمنية سياسية، وعند العامة عقيدة دينية.
• الأبدال:
٣ - وقال متأخرو الصوفية بالأبدال، ورتبوهم ترتيب الشيعة للنقباء.
والأبدال قد وردت فيهم أحاديث بعضها تعدهم ثلاثين وبعضها تعدهم أربعين، ولا تخلو أسانيدها من مقال، وأحسنها حديث علي بن أبي طالب عن رسول الله ﷺ : «الْبُدَلَاءُ بِالشَّامِ وَهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ؛ أَبْدَلَ اللَّهُ رَجُلًا مَكَانَهُ، يُسْتَقَى بِهِمُ الْغَيْثُ، وَيُنْتَصَرُ بِهِمْ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَيُصْرَفُ عَنْ أَهْلِ
стр. 401
الشَّامِ بِهِمُ الْعَذَابُ» (٢٢٦). رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح؛ غير شريح بن عبيد، وهو ثقة، وقد سمع من المقداد، وهو أقدم من علي. قاله في " مجمع الزوائد " (١٠/ ٦٢).
وقد بين الحديث أن كونهم أبدالًا لأن من مات منهم خلفه آخر، وما نسب إليهم من السقي والانتصار وصرف العذاب هو من باب رحمة الله للأشرار بطاعة الأخيار، لا من باب التصرف في الكون؛ ففي " مجمع الزوائد ": " باب لولا أهل الطاعة هلك أهل المعصية "، وساق حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : «مَهْلاً، فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ شَدِيدُ الْعِقَابِ، فَلَوْلا صِبْيَانٌ رُضَّعٌ، وَرِجَالٌ رُكَّعٌ، وَبَهَائِمُ رُتَّعٌ، صُبَّ عَلَيْكُمُ الْعَذَابُ [صَبًّا] (أَوْ أُنْزِلَ عَلَيْكُمُ الْعَذَابُ)» (٢٢٧). رواه البزار،
стр. 402
والطبراني في " الأوسط " بنحوه وأبو يعلى بأخصر منه، وفيه إبراهيم بن خُثَيم، وهو ضعيف (١٠/ ٢٢٧). وذكره بنحوه في " كشف الخفاء " (٢/ ١٦٣).
ووصف رسول الله ﷺ الأبدال في حديث ابن مسعود (٢٢٨) بالسخاء والنصيحة للمسلمين. أخرجه الطبراني كما في " مجمع الزوائد ".
стр. 403
ووصفهم في حديث أبي سعيد الخدري (٢٢٩) بسخاوة النفس وسلامة الصدر والرحمة بجميع المسلمين؛ كما في " كشف الخفاء " (١/ ٢٦).
وأخرج الشيخ نصر المقدسي في كتاب " الحجة على تارك المحجة " بسنده عن أحمد بن حنبل، أنه قيل له: هَلْ لِلَّهِ فِي الْأَرْضِ أَبْدَالٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَنْ هُمْ؟ قَالَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ هُمُ الْأَبْدَالُ؛ فَمَا أَعْرِفُ لِلَّهِ أَبْدَالًا ". نقله في " الحاوي " (٢/ ٤٧١).
стр. 404
فهؤلاء الأبدال هم الطائفة الظاهرون على الحق والمجددون للدين على رأس كل مئة سنة، وليسوا أبدال الصوفية الذين يعتقد فيهم علم الغيب، والتصرف في الكون، والدلال على الله؛ من غير أن يعرفوا بعلم وإتقان عمل، بل من كمال الصوفية المتأخرين الرغبة عن العلم!!
ففي " تذكرة الحفاظ " للذهبي أن محمد بن محمد الفاشاني- بالفاء- من أهل القرن الخامس؛ قال: " كنت إذا مضيت إلى أبي القاسم هبة الله بالرباط، أخرجني إلى الصحراء، وقال: اقرأ هنا؛ فالصوفية يتبرمون ممن يشتغل بالعلم والحديث، يقولون: يشوشون علينا أوقاتنا " (٤/ ١٥).
• لباس الخرقة وإسناد الطريقة:
٤ - واتخذ أولئك الصوفية شعارهم لباس الخرقة وإلباسها، وقالوا: إن الحسن البصري لبسها من علي ﵁، وتخصيص علي بشيء في الدين هو من بدع الرافضة، وقد تقدم في فصل الذبائح غضبه ﵁ على من اعتقد فيه أنه ﷺ أسر إليه شيئاً، وإنكاره عليه، وقوله: " مَا كَانَ ﷺ يُسِرُّ إِلَيَّ شَيْئًا يَكْتُمُهُ النَّاسَ" (٢٣٠).
قال في " تمييز الطيب من الخبيث ": " حديث لبس الخرقة الصوفية وكون الحسن البصري لبسها من علي؛ قال ابن دحية وابن الصلاح: إنها باطل، ولذا قال ابن حجر: إنه ليس في شيء من طرقها ما يثبت، ولم يرد في خبر صحيح ولا حسن ولا ضعيف أن النبي ﷺ ألبس الخرقة على الصورة المتعارفة بين الصوفية لأحد من أصحابه، ولا أمر أحداً من أصحابه بفعل ذلك، وكل ما روي في ذلك صريحاً؛ فباطل ".
قال: " ثم إن من الكذب المفترى قول من قال: إن عليّاً ألبس الخرقة
стр. 405
الحسن البصري، فإن أئمة الحديث لم يثبتوا للحسن من علي سماعاً فضلًا عن أن يلبسه الخرقة " [ص:١٢٣].
وقد حاول السيوطي في " الحاوي " إثبات سماع الحسن من علي، وليس ذلك بأولى من إنكار أئمة الحديث له، ثم هو لا يثبت الدعوى الخاصة التي هي لباس الخرقة.
وما زال الصوفية يتفننون في وضع الإِسناد ليربطوا طرقهم بعظماء الزهاد، وإن اشتملت على ضروب من الضلال والفساد، حتى جاء أخيراً أحمد بن سالم التيجاني، فاختصر الإِسناد، وادعى أنه تلقى طريقته من خاتم الأنبياء من غير واسطة.
• ثمرة اتحاد الباطنية بالصوفية:
تلك مظاهر من اتحاد الصوفية بالرافضة، أما ثمرة هذا الاتحاد؛ فهو توصل الرافضة إلى تحقيق ما عجزت عنه من تشويه محاسن الإِسلام وقلب تعاليمه!!
وإن تعجب لسلامة الصوفية من سوء سمعة الرافضة مع اتحاد الفريقين، فأعجب من ذلك أن تعلو كلمة [هؤلاء] الصوفية كلمة العلماء، ويخصُّوا بالفضل دونهم، والكتاب والسنة إنما جاءا بفضل العلم وأهله، وترى من هنا أن هذا التصوف سيف ماضي الحدين، مؤثر بالجهتين؛ فجهة النقص فيه- وهي اتحاده بالباطنية- أثر فيها بالتغطية والتعمية، حتى لم تشعر بها العامة، وتطاول الأمد، فخفيت على كثير من الخاصة، وجهة الكمال في غيره، وهي جهة العلم، قلبها رأساً على عقب، فاستأثر بما للعلم من شرف، وجعل أهله محل ريبة، لا يوثق بدينهم إلا بتوثيق شيوخ التصوف، وهم لا يوثقون من العلماء إلا من سدل الستار عما في طرقهم من بدع ومنكرات، فأصبح يخطب وُدَّهم كل عالم طماع وكل
стр. 406
محتال خداع، وانضافت إليهم هذه الجنود المرتزقة؛ فكان جيش يهدد كل مرشد نصوح ومصلح إلى المعالي طموح.
• جمعية العلماء والطرق الصوفية:
وقد كانت جمعية العلماء لأول تكوينها تحتوي على أخلاط من هؤلاء الرهاط؛ يحضرون جلساتها، لا خدمة لغايتها ولا إعانة لإِدارتها، ولكن عيناً عليها فاجرة، تبلغ وتشي إلى إدارة الأمور الأهلية، وما انقضى عام حتى انقضوا على من فيها من المصلحين المرشدين ليستبدوا بإدارة الجمعية دونهم، فعاملهم الله بنقيض مقصودهم، وخرجوا من الجمعية محاربين، ولأغراض إدارة الأمور الأهلية منفذين، ولم يجنوا من تلك الحرب التي ليس وصفها من غرض هذه الرسالة إلا ما قاله قائدهم العامي الوقح: " نحن فلسناهم عند الحكومة، وهم فلسونا عند الأمة "، وما زالت نار حربهم تشب وتخبو، وما زالت سهامهم نحونا تطيش وتنبو، وما زلنا بأمره تعالى عاملين، وبوعده واثقين؛ إذ قال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٧ - ١٢٨]، جعل الله عاقبة هذه الفتنة في خير الإِسلام.
• أصناف المحاربين لدعوة جمعية العلماء:
إن رؤوس هاته الفتنة من أبناء المسلمين؛ بين مدع للتصوف، ومنتسب للعلم، ومنتصب للحكم، ومفتخر بحمله للقرآن.
وعن معاذ بن جبل ﵁، أنه ﷺ قال: «إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ ثَلَاثًا، وَهُنَّ كَائِنَاتٌ: زَلَّةُ عَالِمٍ، وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ، وَدُنْيَا تُفْتَحُ عَلَيْكُمْ» (٢٣١). رواه
стр. 407
الطبراني في " الثلاثة "، وفيه عبد الحكيم بن منصور، وهو متروك الحديث.
وعن عمرو بن عوف ﵁؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إنِّي أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ ثَلَاثٍ: مِنْ زَلَّةِ عَالِمٍ، وَمِنْ هَوًى مُتَّبَعٍ، وَمِنْ حُكْمٍ جَائِرٍ» (٢٣٢). رواه البزار، وفيه كثير بن عبد الله بن عوف، وهو متروك، وقد حسن له الترمذي. قال ذلك في " مجمع الزوائد " (١/ ١٨٦ - ١٨٧).
وإن لم تصح نسبة الحديثين إليه ﷺ ؛ لم تسقط حكمتهما، وقد قيل:
وَهَلْ أَفْسَدَ الدِّينَ إِلَّا الْمُلُو ... كُ وَأَحْبَارُ سُوْءٍ وَرُهْبَانُهَا
• صنف أدعياء التصوف:
أما أدعياء التصوف؛ فليعلموا أن منهم صادقين وكاذبين، ولا يفيد كذبتهم
стр. 408
الثناء على بررتهم، كما لا يقدح في فضلائهم الإِنكار على سفهائهم، وأين هؤلاء الأدعياء من أصول الصوفية الأتقياء؟!
قال سهل التستري: " أصولنا سبعة أشياء: التمسك بكتاب الله، والاقتداء بسنة رسول الله ﷺ ، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق ". نقله في " الاعتصام " (١/ ٦٨)، والعروسي في حاشيته على " شرح الرسالة القشيرية " (١/ ١١١).
• صنف المنتسبين إلى العلم:
وأما المنتسبون إلى العلم؛ فليسوا في مستوى واحد، وليس كل من أوتي العلم يرفعه الله درجات.
وفي " تفسير القرطبي " عن أبي عبد الله سعيد بن يزيد الساجي: " خمس خصال بها تمام العلم، وهي: معرفة الله ، ومعرفة الحق، وإخلاص العمل لله، والعمل على السنة، وأكل الحلال، فإن فقدت واحدة، لم يرفع العمل " (٢٠٨/ ٦).
أين هذا ممن يتقربون إلى الحكام للسعاية بخدمة الإِسلام ويضللون العباد عن سبيل الرشاد؟!
وفي " الإِعلام بقواطع الإِسلام " للهيتمي: " وكذا يقطع بتكفير كل قائل قولاً يتوصل به إلى تضليل الأمة أو تكفير الصحابة ".
وتقدم في فصل الولاية الحديث في وعيد من يرتزق بالسعاية.
• صنف المنتصبين للحكم:
وأما المنتصبون للحكم؛ فكثير منهم إنما حاربنا مدفوعاً بيد من يخشاه
стр. 409
على منصبه؛ فنذكرهم بحديث: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» (٢٣٣). رواه أحمد والحاكم عن عمران بن حصين عنه ﷺ ، ورواه أبو داود والنسائي
стр. 410
بنحوه عن علي؛ كما في " كشف الخفاء " (٢/ ٣٧٦).
• صنف حملة القرآن:
وأما المفتخرون بحمل القرآن؛ فيا حبذا مفتخَرُهُم لو لم يحملوه حمل بني إسرائيل للتوراة؛ ففي " تفسير القرطبي " عن أبي عمر بن عبد البر: " روي من وجوه فيها لين عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: «مِنْ تَعْظِيمِ جَلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ثَلَاثَةٍ: الْإِمَامِ الْمُقْسِطِ، وَذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَلَا الْجَافِي عَنْهُ» (٢٣٤). قال أبو عمر: وحملة القرآن هم العالمون بأحكامه وحلاله وحرامه،
стр. 411
والعاملون بما فيه " (١/ ٢٦).
فمن حمل القرآن هذا الحمل؛ فهو من المنعم عليهم، يحق له الفخر بنعمته على معنى الشكر لها، وإلا؛ فقد قال سهل التستري: " اجتنب محبة ثلاثة أصناف من الناس: الجبابرة الغافلين، والقراء المداهنين، والمتصوفة الجاهلين "، نقله في " الحاوي " (٢/ ٣١٠).
وأغلب طلبة القرآن اليوم لا يطلبون من قراءته إلا حفظ ألفاظه، ولا يعنيهم من حفظهم إلا الارتزاق بكتابتها للمرضى وسردها على الموتى، وكثيراً ما سمعنا الآباء الذين تكون بأبنائهم علة لا يستطيعون معها إذا كبروا مباشرة الأعمال الشاقة؛ يقول أحدهم: ما بقي لابني إلا قراءة القرآن يكتسب قوته.
• كتابة القرآن للمرضى وقراءته على الموتى:
فأما كتابة القرآن للمرضى؛ فقد تقدم في فصل التميمة قول أبي بكر بن العربي: " وإنما السنة فيه الذكر دون التعليق ".
وأما قراءته على الموتى بأجرة، فإن العلماء اختلفوا في هبة المطيع ثواب طاعته لغيره، ولم يختلفوا في منع بيع الثواب لعدم تيقنه، ولا في سقوط الثواب عند قصد العامل إلى الأجرة.
ففي " إعلام الموقعين " عند الكلام على القراءة: " والناس لهم قولان: أحدهما: أن القراءة لا تصل إلى الميت، فلا فرق بين أن يقرأ عند القبر أو بعيداً منه عند هؤلاء. والثاني: أنها تصل، ووصولها فرع حصول الثواب للقارئ، ثم
стр. 412
ينتقل منه إلى الميت؛ فإذا كانت قراءة القارئ ومجيئه إلى القبر إنما هو لأجل الجعل لم يقصد به التقرب إلى الله؛ لم يحصل له الثواب، فكيف ينتقل عنه إلى الميت وهو فرعه؛ وانتفاعه بسماع القرآن مشروط بحياته، فلما مات، انقطع عمله كله، واستماع القرآن من أفضل الأعمال الصالحة، وقد انقطع بموته، ولو كان ذلك ممكناً، لكان السلف الطيب من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أولى بهذا الحظ العظيم لمسارعتهم إلى الخير وحرصهم عليه، ولو كان خيراً؛ لسبقونا إليه " (٣/ ٤٢٢).
وفي " شرح الطحاوية ": " وأما استئجار قوم يقرؤون القرآن ويهدونه للميت، فهذا لم يفعله أحد من السلف، ولا أمر به أحد من أئمة الدين، ولا رخص فيه، والاستئجار عن نفس التلاوة غير جائز بلا خلاف، وإنما اختلفوا في جواز الاستئجار عن التعليم ونحوه مما فيه منفعة تصل إلى الغير، والثواب لا يصل إلى الميت إلا إذا كان العمل لله، وهذا لم يقع عبادة خالصة؛ فلا يكون ثوابه ما يهدى إلى الموتى، ولهذا لم يقل أحد: إنه يكتري من يصوم ويصلي ويهدي ثواب ذلك إلى الميت ... ومن قال: إن الميت ينتفع بقراءة القرآن عنه باعتبار سماعه كلام الله؛ فهذا لم يصح عن أحد من الأئمة المشهورين، ولا شك في سماعه، ولكن انتفاعه بالسماع لا يصح، فإن ثواب الاستماع مشروط بالحياة، فإنه عمل اختياري، وقد انقطع بموته، بل ربما يتضرر ويتألم لكونه لم يمتثل أوامر الله ونواهيه، أو لكونه لم يزدد من الخير " (ص ٣٨٦ - ٣٨٧).
وقد كانت مسألة القراءة على الموتى حديث المجالس في السنة الماضية؛ لإثارة الصحف (*) الدورية لها، حتى إنه ليتكرر عليك السؤال عنها في مجلس واحد، وكان ملخص جوابي فيها:
إن كلام الله أرفع الكلام، وإن تلاوته أفضل الأذكار، وإن الأذكار من
стр. 413
أفضل العبادات، وإن العبادات لا تكون إلا لله، وإن الله لا يقبل منها إلا ما وافق شرعه، وإن قبولها من المغيبات التي لا نجزم بحصولها، فمن أصر على التلاوة لمعنى حسن كمجاملة ولي الميت؛ فلا تجوز له الأجرة عليها، ولا الأكل من طعام فيه حق القاصرين، ولا أخذ شيء على وجه الصدقة من غير اعتبار معاوضة على القراءة، لأن الواقع أن القارئ لولا الأجرة، ما قرأ، وأن ولي الميت لولا القراءة؛ ما أعطى ذلك القارئ شيئاً، وهذا الواقع هو ما نعلمه في أهل زماننا، ولا نسد باب الإِخلاص على من وفق إليه.
• هداة الشرك وحماته:
هذا حديثنا مع رؤساء تلك الفتنة، نرجو به نصيحتهم ببيان الحق لهم، ولكنا نخص منهم شيوخ الطرق الصوفية بحديث آخر؛ إذ كانوا هم المشجعين لمن اتحد معهم في الغرض، والمضللين لبعض من وقع معهم في هذا المرض، وقد بلغنا لما أعلنا نشر رسالة ـ[الشرك ومظاهره]ـ أنهم قالوا في مجتمع لهم: لا بد لنا من الدفاع عن الشرك!! فكانوا أحق أن يسموا: هداة الشرك وحماته!!
وحديثنا الخاص بهم نجمله في أنهم جمعوا بين عز الألوهية وذل السؤال، وبين غيوب الملائكة وعيوب الأبالسة، وبين تشريع النبوة وإباحية البهيمية، فإذا تشوفت إلى بعض التفصيل؛ فإنا نوجزه في نقط هي أهم ما حضرنا في الموضوع الآن:
• البيعة والعهد والميثاق:
النقطة الأولى: انتصابهم للتوسط بين الله وعباده في قبول التوبة، وأخذهم عليهم البيعة والعهد والميثاق بالطاعة لهم ولزوم الطريقة وخدمة الزاوية، ويفرضون مشيختهم على غيرهم بقولهم: من لم يكن له شيخ،
стр. 414
فالشيطان شيخه!! يريدون شيخ الطريقة الذي يزار بالكراع والدينار، ويتشددون في التزام ميثاقهم، ويبالغون في الإِنكار على من فارق طريقة إلى أخرى، ولكن شيخ الطريقة الأخرى يقبل المنتقل إليه بسرور، وقد كنت رأيت كتاباً للتيجانية يحكم مؤلفه بردّة من فارق طريقتهم، وسمى كتابه: " تنبيه الناس على شقاوة ناقضي بيعة أبي العباس ".
ونحن نشرح كلمات البيعة والعهد والميثاق بالمعنى الديني كما بينه الراغب في " مفرداته "، ثم نقفي عليها ببيان الحق فيما أناطوه بها من أحكام:
- فبيعة السلطان ومبايعته: التزام الطاعة له، وعدم الخروج عنه؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨].
- والعهد: حفظ الشيء ومراعاته حالًا بعد حال؛ قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإِسراء: ٣٤]، وعهد الله: إما طبيعي، وهو ما ركزه في العقول، وإما شرعي، وهو ما أمر به في الكتاب والسنة، وإما وضعي، وهو ما يلتزمه المكلف وليس بلازم له في أصل الشرع؛ كالنذور.
- والميثاق: عقد مؤكد بيمين وعهد، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١].
والتوسط بين العبد وربه لقبول توبته والعفو عنه أصل من أصول كفر اليهود والنصارى جاء الإِسلام برفعه ونفيه كما سبق في الفصل العاشر، وليس لأحد بعد الرسول ﷺ أن يأخذ البيعة على أحد بطاعته والتوبة إلى الله؛ إلا أن يكون سلطاناً يقوم على جمع كلمة المسلمين وحفظ وحدتهم لإِظهار قوتهم.
وفي " الحاوي " للسيوطي: " مسألة: رجل من الصوفية أخذ العهد على رجل، ثم اختار الرجل شيخاً آخر، وأخذ عليه العهد؛ فهل العهد الأول لازم أم
стр. 415
الثاني؟ الجواب: لا يلزم العهد الأول ولا الثاني، ولا أصل لذلك " (١/ ٣٣٦).
• شيخ الطريقة:
وإيجابهم الشيخ على الناس صواب من الحكم، وشرحه بشيخ الزيارة خطأ في الفهم؛ فإن الشيخ الذي لا بد منه هو من تسأله عن دينك، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، والأنبياء: ٧].
والدين منه ظاهر يتعلق بالبدن كصور العبادات، ومنه باطن يستقر بالقلب كتصحيح النيات؛ قال الشريشي:
وَلِلشَّيْخِ آيَاتٌ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ ... فَمَا هُوَ إِلَّا فِي لَيَالِي الْهَوَى يَسْرِي
إِذَا لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ عِلْمٌ بِظَاهِرٍ ... وَلَا بَاطِنٍ فَاضْرِبْ بِهِ لُجَجَ الْبَحْرِ
وَإِنْ كَانَ إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ ... لِوَصْفِهِمَا جَمْعًا عَلَى أَكْمَلِ الْأَمْرِ
فَأَقْرَبُ أَحْوَالِ الْعَلِيلِ إِلَى الرَّدَى ... إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهَا الطَّبِيبُ عَلَى خَيْرِ
وقد نصح ابن عاشر باستصحاب الشيخ، وبين صفته وفوائد صحبته؛ فقال:
يَصْحَبُ شَيْخاً عَارِفَ الْمَسَالِكْ ... يَقِيهِ فِي طَرِيقِهِ الْمَهَالِكْ
يُذَكِّرُهُ اللهَ إِذَا رَآهُ ... ويُوصِلُ الْعَبْدَ إِلَى مَوْلَاهُ
قال ابن الحاج في " حاشيته ": " ومفهوم قول الناظم: " شيخاً عارف المسالك ": أن من ليس كذلك لا تطلب صحبته، بل تجب مجانبته وهجرته، لسريان دائه للصاحب، ومشاركته له في سوء العواقب.
ومن هنا حذر الناصحون من الدخول في الطريق في هذا الزمان، والاستناد فيه إلى أحد ممن يظن أنه من أهل هذا الشان؛ لكثرة الغلط، وفقد
стр. 416
شيخ يلقي المرء إليه قياده ويقتفيه، بل لا ترى إلا المريدين المبطلين ".
قلت: الصوفي الجاهل مصدر الابتداع؛ فكل ما جاء في التحذير من البدعة وصاحبها تحذير من تصوف هذا الزمان وشيوخه.
وعن معاذ بن جبل، أنه ﷺ قال: «مَنْ مَشَى إِلَى صَاحِبِ بِدْعَةٍ لِيُوَقِّرَهُ؛ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ» (٢٣٥). رواه الطبراني في " الكبير "، وفيه بقية، وهو ضعيف، قاله في " مجمع الزوائد " (١/ ١٨٨)، وذكره في " الاعتصام " عن عائشة (٥٠/ ١).
стр. 417
• ولي الطرقيين:
النقطة الثانية: حصر الولاية فيمن كان على شاكلتهم ومن ذريتهم، ولَو كان حظه من العلم الأمية ومن العمل الإِباحية.
والمعتقدون فيهم يجيبون عن جهلهم بحديث (٢٣٦): " مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلِيٍّ جَاهِلٍ وَلَوِ اتَّخَذَهُ لَعَلَّمَهُ "، ويدافعون عن منكراتهم بأن شريبهم إنما يشرب عسلاً، أو أنه يطفئ من نور الولاية الشديد غلّته، وبأن زانيهم إنما زناه صورة خيالية يمتحن بها أهل المرأة ومبلغ عقيدتهم فيه، ويعبرون عن ذلك بقولهم: " الشيخ يفسد النية ".
فأما أن الخمر تعود عسلًا، فمن البلادة الكثيفة، وقد تقدم في فصل الذبائح عن " الموافقات " أن تناول المباح يتعين أن يكون على الوجه المشروع لا تشبه فيه بالمحظور، وأما أن الشريب يطفئ من نور الولاية؛ فصحيح، وتكرر ذلك يخرج من ولاية الرحمن إلى ولاية الشيطان؛ فلا ترى له نوراً ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الحديد: ١٢]، قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤].
وأما أن الزنى صورة خيالية؛ فإنكار للحس، وترويج للدياثة.
وأما الحديث؛ فليس من كلام النبي ﷺ ؛ كما في " كشف الخفاء " (٣/ ١٨٠).
وتأوله في " الفتاوى الحديثية " من غير أن ينسبه للرسول بما لا يتفق ودعواهم لهم إيثار الجهل على العلم، فقال: " المراد الجاهل بالعلوم الوهبية
стр. 418
والأحوال الخفية، لا الجاهل بمبادئ العلوم الظاهرة مما يجب عليه تعلمه، فإن هذا لا يكون وليّاً ولا يراد للولاية ما دام على جهله بذلك، بل إذا أراد الله ولايته، ألهمه تعلم ما يجب عليه؛ لأنه لا يمكن الإِلهام فيه " [ص:٩٣].
وفي الحديث: «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ» (٢٣٧). علقه البخاري في كتاب
стр. 419
العلم، ووصله ورفعه ابن أبي عاصم والطبراني، وحسنه الحافظ في " الفتح " (١/ ١٣١)، ورواه البزار من حديث طويل رجاله موثقون؛ كما في " مجمع الزوائد " (١/ ١٢٩).
ولفظ الطبراني في " الكبير " عن معاوية؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ, وَالْفِقْهُ بِالتَّفَقُّهِ, وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا؛ يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ, وَإِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ». وفيه رجل لم يسم، وعتبة بن أبي حكيم وثقه أبو حاتم وأبو زرعة وابن حبان وضعفه جماعة. قاله في " مجمع الزوائد ".
وعن أبي حنيفة والشافعي: " إن لم تكن العلماء أولياء الله؛ فليس لله ولي ". ذكره في " كشف الخفاء " (١/ ٢٢٣).
• محاربة تعاليم الطرق لأصول الإِسلام:
النقطة الثالثة: الترفع عن التكاليف الشرعية، والترخيص لأتباعهم في اتباع أهوائهم، وضمان الجنة للصادقين في خدمتهم.
• الطيب بن الحملاوي:
فمن الشائع عن الطيب بن الحملاوي- وهو أخو عبد الرحمن نسباً وأدباً- أنه أمر صاحبة نزل بقسنطينة أن تهيئ له غداء في رمضان، فاستفهمته المرأة - وهي مسيحية- عن ذلك متعجبة؟! فأجابها قائلًا: نحن نْفُرْنِوْ الدين على الناس؟! وكلمة (نفرنو) فرنسية استعربت إلى العامية، يريدون منها معنى العطاء والتوزيع، والمقصود أن الدين ملك لهم، يكلفون به الناس ولا يتكلفون به.
ومن المعلوم عند الحنصالية- وهي شعبة من الشاذلية- أن شيخهم سوّغ لهم الملاهي وتمتيع النفس بما تشتهي، وكم قائل من الطرقيين لمن رضيه من
стр. 420
خدامه: إذا تعرضت للنار يتعرض لها فخذي!! وكم شيخ نقل عنه ضمان الجنة لمن رآه ورأى من رآه إلى ثلاثة أجيال أو سبعة!! و يوم النظرة معروف عند التيجانية.
• يوم النظرة:
وهو أن الشيخ أحمد بن سالم جمع أحبابه- وهم مريدوه- من صحراء وهران وغيرها، ووقف- بعين ماضي مسقط رأسه قرب الأغواط- على ربوة، ووضع على رأسه قطعة ذهبية كبيرة ليُرى، ونادى في جموعه بضمان الجنة لمن رآه إلى سبعة أجيال.
قال في " الموافقات ": " إن كثيراً ليتوهمون أن الصوفية أبيح لهم أشياء لم تبح لغيرهم، لأنهم ترقوا عن رتبة العوام المنهمكين في الشهوات إلى رتبة الملائكة الذين سلبوا الاتصاف بطلبها والميل إليها، فاستجازوا لمن ارتسم في طريقهم إباحة بعض الممنوعات في الشرع بناء على اختصاصهم عن الجمهور ... وهذا باب فتحته الزنادقة بقولهم: إن التكليف خاص بالعوام ساقط عن الخواص " (٢/ ٢٤٩).
وقال في " الاعتصام ": " ويحكى عن الشيعة أنها تزعم أن النبي ﷺ أسقط محن أهل بيته ومن دان بحبهم جميع الأعمال، وأنهم غير مكلفين إلا بما تطوعوا، وأن المحظورات مباحة لهم؛ كالخنزير والزنى والخمر وسائر الفواحش، وعندهم نساء يسمين النوابات، يتصدقن بفروجهن على المحتاجين رغبة في الأجر، وينكحون ما شاؤوا من الأخوات والبنات والأمهات، لا حرج عليهم ولا في تكثير النساء " (٢/ ٣٨).
وقال الهيتمي في " الفتح المبين " نقلاً عن أبي شامة من شيوخ النووي: " إن من البدع السيئة الانتماء إلى جماعة يزعمون التصوف ويخالفون ما كان عليه
стр. 421
مشايخ الطريق من الزهد والورع وسائر الكمالات المشهورة عنهم، بل كثير من أولئك إباحية لا يحرمون حراماً لتلبيس الشيطان عليهم أحوالهم القبيحة الشنيعة؛ فهم باسم الفسق أو الكفر أحق منهم باسم التصوف أو الفقر " [ص:٩٥].
• ضمان الجنة:
وقد ضمن الإِسلام الجنة على الوصف لا على الاسم، وذلك الوصف هو الإِيمان الخالص والعمل الصالح في غير ابتداع، قال تعالى: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأنعام: ٤٨].
وفي " صحيح البخاري " وغيره عن سهل بن سعد الساعدي وغيره، عن رسول الله ﷺ : «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ؛ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ» (٢٣٨). وللحديث روايات تتبعها في " كشف الخفاء " (٢/ ٢٤٧، ٢٥٨).
وفي " صيانة الإِنسان " عن أبي عقيل الحنبلي: " لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام؛ عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم؛ إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم " [ص:١٧٠].
وفي " تذكرة الحفاظ " للذهبي عن علي ﵁؛ أنه قال: " ألا أنبئكم بالفقيه حق الفقيه: من لم يقنّط الناس من رحمة الله، ولم يرخّص لهم في معاصي الله، ولم يؤمّنهم مكر الله " (٢٣٩) (١/ ١٢).
стр. 422
• من دعاوى الطرقيين:
النقطة الرابعة: كثرة دعاويهم الشنيعة، مثل: العروج إلى السماء، وجرهم الشمس مع الملائكة، والاجتماع بالرسول ﷺ في كل وقت يقظة، وتصرفهم في العلماء بسلب العلم عمن غضبوا عليه منهم، ويعبرون عن ذلك بقولهم: العلماء مصابح ونحن مراوح!!
وقد سبق في الفصل الثاني عشر حديث: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا» (٢٤٠).
• الحسين القشي:
ومن الشائع عن الحسين القشي دفين قرية سيدي خليفة جنوب ميلة قوله: بالحُرَيّمْ انْتاع سيدي ربي إلا فتشت على الدجال في السماء السابع وما لقيته!!
والحريم- بفتح الراء وتشديد الياء تصغير الحرام- يمين السفهاء، ونسبته
стр. 423
إلى الله اعتقاد بأن له صاحبة، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً. ونفيه لوجود الدجال تكذيب بما ورد فيه عن الرسول ﷺ . ورقيه للسماء ردة كما في " مختصر خليل " وغيره.
ومع ذلك، فهو ولي مزور وذريته معظمة، وإن كان المعظمون لهم قد يعظمون الكلاب تعظيمهم.
• كلاب ابن الحملاوي:
فقد تواتر أن كلاب عبد الرحمن بن الحملاوي هامت ذات سنة في عدة جهات، فكان الناس يكرمونها بالذبائح والضيافات، ولكنهم يؤلمونها بانتزاع شعورها تبركاً وزلفى.
• اعتماد الطرقيين على الخرافات:
النقطة الخامسة: الاعتماد في دينهم على الخرافات والمنامات وما يربي هيبتهم في قلوب مريديهم من حكايات، ولا يتصلون بالعلماء إلا بمن أعانهم على استعباد الدهماء، والرد على المرشدين النصحاء؛ بتأويل ما هو حجة عليهم، وتصحيح الحديث الموضوع إذا كان فيه حجة لهم.
قال أبو بكر بن العربي في " العواصم ": " إن غلاة الصوفية ودعاة الباطنية يتشبهون بالمبتدعة في تعلقهم بمشتبهات الآيات والآثار على محكماتها، فيخترعون أحاديث أو تخترع لهم، على قالب أغراضهم؛ ينسبونها إلى النبي ﷺ ، ويتعلقون بها علينا " (١/ ٩).
• تأله الطرقيين:
النقطة السادسة: صرف قلوب الناس عن الله إليهم؛ بالرجاء فيهم، والخشية منهم، والاعتماد في سعادة الدارين عليهم، وهذا تأله منهم واستعباد
стр. 424
لأتباعهم.
قال الحافظ ابن رجب في رسالة " تحقيق كلمة الإِخلاص ": " إن من أحب شيئاً وأطاعه، وكان من غاية قصده ومطلوبه، ووالى لأجله وعادى لأجله، فهو عبده، وكان ذلك الشيء معبوده وإلهه " [ص:٧].
واستشهد لهذه القاعدة بنصوص من الكتاب والسنة تركنا نقلها اختصاراً واكتفاء بما قدمناه في الفصول السابقة.
• العربي بن حافظ:
ويدل لتألّههم وتأليه الناس لهم دلائل كثيرة حالية ومقالية:
قال العربي بن حافظ: " يا رب! أنت اشبح ونا نشبح وما خايف إلا على جهتك ".
وهو أحد مشاهير المرابطين، معاصر للحسين القشي بقاف بدوية وشين مشددة، يسكن جنوب ميلة قرب العثمانية، ولم يزل أحد أبنائه لصلبه حيّاً، ومعناه اشبح: اضغط، ومرادَه إظهار التبرم بالناس والتضجر منهم، وأنهم أهل لكل ضغط إلهي، وأنه مشارك للإِله في هذا الضغط قاس فيه، ولكن يخشى التخفيف من جانب الله!!
والمؤمن الراجي لرحمة الله يكون ذا رحمة، ولا ينازع الله في شيء من أحكامه، ولا يعدم المتأولة وجهاً لستر ذلك الشرك العظيم، ولكن بإخراجه من مراد المتكلم وفهم العامة التي هي راوية أمثال هذه الأقوال.
وقال شاعر عامي يخاطب الشيخ عبد القادر الجيلي من قصيدة:
يا لعرج ولدام الخير يا سيدي نيف عليه ... وانحزنك وندير السير إلى ما درت مزيه
стр. 425
• تبليه الطرقيين للناس:
النقطة السابعة: بث الجمود في الناس، وتلقيح غفلتهم، ثم حثهم على زيارتهم والرحلة إليهم لاستدرار أموالهم ولاستغلال جمودهم وغفلتهم.
فمن أقوالهم الجارية: سلم تسلم، سلم للرجال في كل حال، اعتقد ولا تنتقد، زوروا تنوروا!!
ومرادهم من الرجال الذين يسلم لهم ويعتقد فيهم من كان على مثل حالهم- لا علماء الدين ومن كان من أهل الغيرة الناصحين-.
والمقصود بالزيارة الجدود والمشاهد لا حلق العلم والمساجد.
ويذكرون عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: " لو اعتقد أحدكم في حجر لنفعه " (٢٤١).
ولهذا الحديث صيغ وألفاظ، كلها كذب ولا أصل لها، إنما هي من آثار عبدة الأحجار كما في " كشف الخفاء " (٢/ ٥٢).
• استلاب الطرقيين للأموال:
وقد مر في فصل الزيارة ذكر الوعيد الشديد على سؤال ما في أيدي الناس تكثراً من الدنيا.
وشأن شيوخ الطرق في استلاب ما في أيدي الناس عجاب.