← Тараджим

Тараджим · id 37370

من أعلام السلف

أحمد فريد

Полный текст (222 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عزة نفس الإمام مالك وتوقيره لحديث رسول الله ﷺ عزة نفسه وتوقيره لحديث النبي ﷺ : عن ابن أبي أويس قال: كان مالك إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته، وتمكن في الجلوس بوقار وهيبة، ثم حدث فقيل له في ذلك، قال: أحب أن أعظم حديث النبي ﷺ ، ولا أحدث به إلا على طهارة متمكناً. وكان يكره أن يحدث في الطريق وهو قائم أو مستعجل قال: أحب أن أفهم ما يحدث به عن رسول الله ﷺ . وعن معن بن عيسى قال: كان مالك بن أنس إذا أراد أن يجلس للحديث اغتسل وتبخر وتطيب، فإذا رفع أحد صوته في مجلسه زجره، قال: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢]، فمن رفع صوته عند حديث رسول الله ﷺ فكأنما رفع صوته فوق صوت رسول الله ﷺ . وعن عمر بن المحبر الرعيني قال: قدم المهدي إلى المدينة فبعث إلى مالك فأتاه، فقال لولديه هارون وموسى: اسمعا منه، فبعثا إليه فلم يجبهما، فأعلما المهدي فكلمه فقال: يا أمير المؤمنين! العلم يؤتى أهله، فقال: صدق مالك صيرا إليه. فظن الناس أن الإمام مالك سيذهب إليهما؛ لأنهما أبناء الخليفة، فتوقير الإمام مالك للعلم منعه، وقد كان لهما مؤدب وهو المربي، فقال له مؤدبهما: اقرأ علينا، قال: إن أهل المدينة يقرءون على العالم كما يقرأ الصبيان على المعلم، فإن أخطئوا أفتاهم، فرجعوا إلى المهدي فبعث إلى مالك فكلمه فقال: سمعت ابن شهاب يقول: جمعنا هذا العلم في الروضة من رجال، وهم يا أمير المؤمنين: سعيد بن المسيب وأبو سلمة وعروة والقاسم وسالم وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار ونافع وعبد الرحمن بن هرمز، ومن بعدهم: أبو الزناد وربيعة ويحيى بن سعيد وابن شهاب، كل هؤلاء يقرأ عليهم ولا يقرءون. فقال الخليفة: في هؤلاء قدوة، صيروا إليه فاقرءوا عليه. ففعلوا. وعن ابن القاسم قال: قيل لـ مالك: لم لم تأخذ عن عمرو بن دينار؟ قال: أتيته فوجدته يأخذون عنه قياماً فأجللت حديث رسول الله ﷺ أن آخذه قائماً.

стр. 107

احتياط الإمام مالك في الرواية وتحريه في نقد الرجال احتياطه في الرواية وتحريه في نقد الرجال: عن منصور بن سلمة الخزاعي قال: كنت عند مالك فقال له رجل: يا أبا عبد الله! أقمت على بابك سبعين يوماً وقد كتبت ستين حديثاً، فقال: ستون حديثاً! وكأنه يستكثره. أي: أن الرجل كان يقلل العدد، والإمام مالك يستكثره، فقال له الرجل: إننا ربما كتبنا بالكوفة في المجلس ستين حديثاً، قال: وكيف بالعراق دار الضرب، يضرب بالليل وينفق بالنهار. وعن محمد بن إسحاق الثقفي السراج قال: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن أصح الأسانيد؟ فقال: مالك عن نافع عن ابن عمر. وعن سفيان بن عيينة قال: ما كان أشد انتقاد مالك للرجال وأعلمه بشأنهم. قال الذهبي: وقد كان مالك إماماً في نقد الرجال حافظاً مجوداً متقناً. قال بشر بن عمر الزهراني: سألت مالكاً عن رجل فقال: هل رأيته في كتبي؟ قلت: لا، قال: لو كان ثقة لرأيته في كتبي. فهذا يشير إلى أن الإمام مالك كان لا يروي إلا عن ثقة. قال الذهبي: فهذا القول يعطيك بأنه لا يروي إلا عمن هو عنده ثقة، ولا يلزم من ذلك أن يروي عن كل الثقات، ثم لا يلزم مما قال أن كل من روى عنه وهو عنده ثقة أن يكون ثقة عند باقي الحفاظ، فقد يخفى عليه من حال شيخه ما يظهر لغيره، إلا أنه بكل حال كثير التحري في نقد الرجال. وعن عثمان بن كنانة عن مالك قال: ربما جلس إلينا الشيخ فيحدث جل نهاره ما نأخذ عنه حديثاً واحداً، وما بنا أن نتهمه، ولكن لم يكن من أهل الحديث. وعن ابن عيينة قال: ما نحن عند مالك إنما كنا نتبع آثار مالك، وننظر الشيخ إن كان كتب عنه مالك كتبنا عنه. وابن عيينة إمام مكة وشيخ الإمام الشافعي والإمام أحمد. وعنه قال: كان مالك لا يبلغ من الحديث إلا صحيحاً، ولم يحدث إلا عن ثقة، وما أرى المدينة إلا ستخرج بعد موته، يعني: من العلم. قال الشافعي: قال محمد بن الحسن: أقمت عند مالك ثلاث سنين وكسراً، وسمعت من لفظه أكثر من سبعمائة حديث. فكان محمد إذا حدث عن مالك امتلأ منزله، وإذا حدث عن غيره من الكوفيين لم يجئه إلا اليسير. فـ محمد بن الحسن لما رجع من الكوفة كان يروي الموطأ؛ لأنه من أحد رواة الموطأ، فكانت الدار تمتلئ بالتلاميذ، فإذا حدث عن غيره خلت الدار، أو ما سمعه إلا اليسير. وعن محمد بن الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي ﵁ -نحن نقولها بنية الدعاء وليس بنية الخبر؛ لأنها خاصة بالصحابة رضوان الله عليهم- يقول: إذا جاء الحديث عن مالك فاشدد يديك به. وعنه عن الشافعي قال: كان مالك إذا شك في الحديث طرحه كله. وعن حبيب بن زريق قال: قلت لـ مالك بن أنس: لم لم تكتب عن صالح مولى التوأمة وحزام بن عثمان وعمر مولى غفلة، قال: أدركت سبعين تابعياً في هذا المسجد، ما أخذت العلم إلا عن الثقات المأمونين.

стр. 108

تورع الإمام مالك عن الفتوى تورعه عن الفتوى: عن مالك قال: جنة العالم لا أدري، فإذا أغفلها أصيبت مقاتله. ومعنى جنة العالم: لا أدري: أي: كلمة (لا أدري) تحمي العالم، فلا يتجرأ على ما ليس عنده به علم. وعن الهيثم بن جميل قال: سمعت مالكاً سئل عن ثمان وأربعين مسألة فأجاب في اثنين وثلاثين منها بـ: (لا أدري). وعن خالد بن خداش قال: قدمت على مالك بأربعين مسألة فما أجابني منها إلا في خمس مسائل. وعن مالك أنه سمع عبد الله بن يزيد بن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه قول: لا أدري، حتى يكون ذلك أصلاً يرجعون إليه.

стр. 109

نصرة الإمام مالك للسنة وشدته على أهل البدع نصرته للسنة وشدته على أهل البدع: عن مطرف بن عبد الله قال: سمعت مالكاً يقول: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سنناً، الأخذ بها اتباع لكتاب الله، واستكمال بطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً. وعن يحيى بن خلف الطرسوسي وكان من ثقات المسلمين قال: كنت عند مالك فدخل عليه رجل، فقال: يا أبا عبد الله ما تقول فيمن يقول: القرآن مخلوق؟ فقال مالك: زنديق اقتلوه. فقال: يا أبا عبد الله! إنما أحكي كلاماً سمعته، قال: إنما سمعته منك، وعظم هذا القول. فأعلام السنن كانت مرفوعة ومشهورة في زمن كبار التابعين، زمن الإمام مالك والسفيانين. وحدث أبو ثور عن الشافعي قال: كان مالك إذا جاءه بعض أهل الأهواء قال: أما إني على بينة من ديني، وأما أنت فشاك، اذهب إلى شاك مثلك فخاصمه. وقال القاضي عياض: قال أبو طالب المكي: كان مالك ﵀ أبعد الناس من مذاهب المتكلمين، وأشد نقداً للعراقيين. ثم قال القاضي عياض: قال سفيان بن عيينة: سأل رجل مالكاً فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، كيف استوى؟ فسكت مالك حتى علاه الرحضاء -يعني: العرق- ثم قال: الاستواء منه معلوم، والكيف منه غير معقول، والسؤال عن هذا بدعة، والإيمان به واجب، وإني لأظنك ضالاً، أخرجوه. فناداه الرجل: يا أبا عبد الله! والله لقد سألت عنها أهل البصرة والكوفة والعراق فلم أجد أحداً وفق لما وفقت له.

стр. 110

محنة الإمام مالك ﵀ محنته ﵀: قال محمد بن جرير: كان مالك قد ضرب بالسياط واختلف في سبب ذلك، حدثني العباس بن الوليد، قال: حدثنا ابن ذكوان عن مروان الطاطري أن أبا جعفر نهى مالكاً عن الحديث: (ليس على مستكره طلاق)، وهو أن طلاق المكره ليس بشيء؛ لأنه يقاس على ذلك أن بيعة المكره ليست بشيء، فلو أكره إنسان على مبايعة إمام معين فإن هذه البيعة تكون غير شرعية. يقول: ثم دس إليه من يسأله على رءوس الناس فضربه بالسياط. وعن فضل بن زياد القطان قال: سألت أحمد بن حنبل من ضرب مالك بن أنس؟ قال: ضربه بعض الولاة لا أدري من هو، إنما ضربه في طلاق المكره، كان لا يجيزه فضربه لذلك. وعن أبي بكر بن محمد بن أحمد بن راشد قال: سمعت أبا داود يقول: ضرب جعفر بن سليمان مالك بن أنس في طلاق المكره. وحكى له بعض أصحاب ابن وهب أن مالك بن أنس لما ضرب حلق وحمل على بعير، فقيل له: ناد على نفسك، فقال: ألا من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي وأنا أقول: طلاق المكره ليس بشيء، قال: فبلغ جعفر بن سليمان أنه ينادي على نفسه بذلك، فقال: أدركوه، أنزلوه. وروى ابن سعد عن الواقدي قال: لما دعي مالك وشور وسمع منه وقبل قوله حسد وبغوه بكل شيء، فلما ولي جعفر بن سليمان المدينة سعوا به إليه، وكثروا عليه عنده، وقالوا: لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت بن الأحنف بطلاق المكره أنه لا يجوز عنده، قال: فغضب جعفر فدعا بـ مالك فاحتج عليه بما رفع إليه عنه، فأمر بتجريده وضربه بالسياط وجبذت يده حتى انخلعت من كتفه، وارتكب منه أمر عظيم، فوالله ما زال مالك بعد في رفعة وعلو. قال الذهبي ﵀: هذه ثمرة المحنة المحمودة، أنها ترفع العبد عند المؤمنين، وبكل حال هي بما كسبت أيدينا، ويعفو عن كثير، (ومن يرد الله به خيراً يصب منه)، وقال النبي ﷺ : (كل قضاء المؤمن خير له) وقال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد:٣١]، وأنزل تعالى في واقعة أحد قوله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]. وقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، فالمؤمن إذا امتحن صبر واتعظ واستغفر ولم يتشاغل بذم من انتقم منه، فالله حكم مقسط، ثم يحمد الله على سلامة دينه، ويعلم أن عقوبة الدنيا أهون وخير له.

стр. 111

درر من أقوال الإمام مالك ﵀ درر من أقواله ﵀: عن ابن وهب أنه سمع مالكاً يقول: إن الرجل إذا ذهب يمدح نفسه ذهب بهاؤه. وعن حرملة عن ابن وهب قال: سمعت مالكاً وقال له رجل: طلب العلم فريضة؟ قال: طلب العلم حسن لمن رزق خيره، وهو قسم من الله تعالى. وقال: لا يكون إماماً من حدث بكل ما سمع. وقال: إن حقاً على طالب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية، وأن يكون متبعاً لأثر من مضى قبله.

стр. 112

وفاة الإمام مالك ﵀ وفاته ﵀: قال القعنبي: سمعتهم يقولون: عمر مالك (٨٩) سنة، ومات سنة (١٧٩هـ). وقال إسماعيل بن أبي أويس: مرض مالك فسألت بعض أهلنا عما قال عند الموت. قالوا: تشهد ثم قال: لله الأمر من قبل ومن بعد. وتوفي صبيحة أربع عشرة من ربيع الأول سنة (١٧٩هـ)، فصلى عليه الأمير عبد الله بن محمد بن إبراهيم، وغسله ابن أبي زنبر وابن كنانة وابنه يحيى وكاتبه حبيب يصبان عليهما الماء، ونزل في قبره جماعة، وأوصى أن يكفن في ثياب بيض، وأن يصلى عليه في موضع الجنائز، فصلى عليه الأمير المذكور. قال: وكان نائباً لأبيه محمد على المدينة، ثم مشى أمام جنازته وحمل نعشه، وبلغ كفنه خمسة دنانير. ويقال: إنه في الليلة التي مات فيها رأى رجل من الأنصار قائلاً ينشد: لقد أصبح الإسلام زعزع ركنه غداة ثوى الهادي لدى ملحد القبر إمام الهدى ما زال للعلم صائناً عليه سلام الله في آخر الدهر وقال ابن القاسم: مات مالك عن مائة عمامة فضلاً عن سواها. وقال ابن أبي أويس: بيع ما في منزل خالي من بسط ومنصات ومخاد وغير ذلك بما ينيف على خمسمائة دينار. ﵀ رحمة واسعة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

стр. 113

سلسلة من أعلام السلف_ الإمام الفضيل بن عياض الفضيل بن عياض إمام في الزهد والورع، وأحد الأعلام الأثبات ممن سارت بذكرهم الركبان، وقد كان ﵀ من العباد الأبرار الصادقين، المحاربين للبدع والمبتدعة، فرحمه الله رحمة واسعة.

стр. 114

نسب الفضيل بن عياض ومولده إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. ثم أما بعد: فمع السلسلة الطيبة من أعلام السلف نقف مع علم من أعلام الزهد والورع والخوف والعبادة، إنه الملقب بعابد الحرمين الفضيل بن عياض ﵀. تهذبت نفسه فنطق بالحكمة وفصل الخطاب، وهو قرين مالك وسفيان وابن المبارك، وهذه الطبقة المباركة طبقة كبار أتباع التابعين، فرحم الله أئمتنا الكرام، وجمعنا بهم في دار السلام. اسمه ومولده: اسمه: فضيل بن عياض بن مسعود بن بشر التميمي اليربوعي، وكنيته أبو علي، فقد كان له ولد يسمى علي بن فضيل. وله ترجمة في السير بعد ترجمة أبيه، وكان على نفس النمط، وبعضهم يقول: كان أكثر من أبيه في الزهد والورع والخوف. مولده: ولد بسمرقند، ونشأ بأبيورد مدينة بين سرخس ونسا، وكتب بالكوفة -يعني: كتب الحديث- وتحول إلى مكة.

стр. 115

ثناء العلماء على الفضيل بن عياض ثناء العلماء عليه: قال ابن سعد: كان ثقة فاضلاً عابداً ورعاً كثير الحديث. وقال ابن حبان: نشأ بالكوفة، وبها كتب الحديث، ثم انتقل إلى مكة وأقام بها مجاوراً للبيت الحرام مع الزهد الشديد والورع التام والخوف الوافر والبكاء الكثير والتخلي بالوحدة، ورفض الناس وأسباب الدنيا إلى أن توفي بها سنة (١٨٧ هـ). وقال الذهبي: فضيل بن عياض الزاهد، شيخ الحرم، وأحد الأثبات، مجمع على ثقته وجلالته، ولا عبرة بما رواه أحمد بن أبي خيثمة قال: سمعت قطبة بن العلاء يقول: تركت حديث الفضيل بن عياض؛ لأنه روى أحاديث أزرى فيها على عثمان. قال: وما قطبة حتى يجرح وهو هالك. يعني: أن الذي يجرح ويعدل لابد أن يكون هو نفسه ثقة، فكيف يكون هو نفسه هالكاً، ثم يجرح إماماً من أئمة المسلمين؟! وقال إبراهيم بن محمد الشافعي: سمعت سفيان بن عيينة يقول: فضيل ثقة. وقال العجلي: كوفي ثقة متعبد، رجل صالح سكن مكة. وروى إبراهيم بن شماس عن ابن المبارك قال: ما بقي على ظهر الأرض عندي أفضل من فضيل بن عياض. وعن نصر بن المغيرة البخاري قال: سمعت إبراهيم بن شماس يقول: رأيت أفقه الناس وأورع الناس وأحفظ الناس: وكيع والفضيل وابن المبارك. وعن مردويه الصائغ قال: قال لي ابن المبارك: إن الفضيل بن عياض صدق الله فأجرى الحكمة على لسانه، فـ الفضيل ممن نفعه علمه. وهؤلاء الذين وثقوا الفضيل بن عياض وأخبروا عن منزلته ومكانته في الورع، وكذلك في الحديث هم أئمة زمانهم، فكيف يرد قولهم بقول رجل هالك؟ وقال أبو نعيم: ومنهم الراحل في المفاوز والقفار إلى الحصون والحياض، والناقل من المهالك والسباخ إلى الغصون والرياض أبو علي الفضيل بن عياض، كان من الخوف نحيفاً وللطواف أليفاً. وقال الذهبي: وأما قول ابن مهدي: لم يكن بالحافظ، فمعناه: لم يكن في علم الحديث كهؤلاء الحفاظ البحور كـ شعبة ومالك وسفيان وحماد وابن المبارك ونظرائهم، لكنه ثبت فيما نقل، ما أخذ عليه في حديث كما علمت. يعني: ولم يكن واسع العلم في الحديث. يعني: محفوظه من الحديث لم يكن كثيراً مثل أئمة زمانه شعبة ومالك وسفيان وحماد بن زيد وابن المبارك؛ لأنه كان مشغولاً كثيراً بالعبادة والورع. وكان يتورع عن رواية الحديث، يعني: من خوف الزيادة والنقصان، وكان يقول: بذل الدنانير إلى الناس أحب إلي من بذل الحديث إليهم. ولكن ما أخذ عليه حديث واحد، يعني: كان يحفظ الأحاديث التي يحدث بها، وما أخطأ في حديث واحد من أحاديثه. يقول: وهل يراد من العلم إلا ما انتهى إليه الفضيل رحمة الله عليه؟

стр. 116

عبادة الفضيل بن عياض وخشيته عبادته وخشيته ﵀: عن إسحاق بن إبراهيم الطبري قال: ما رأيت أحداً أخوف على نفسه ولا أرجى للناس من الفضيل. وكانت قراءته حزينة شهية بطيئة مترتلة، كأنه يخاطب إنساناً. وكان إذا مر بآية فيها ذكر الجنة يردد فيها ويسأل. وكانت أكثر صلاته بالليل قاعداً، يلقى له الحصير في مسجده فيصلي من أول الليل ساعة ثم تغلبه عيناه، فيلقي نفسه على الحصير فينام قليلاً ثم يقوم، فإذا غلبه النوم نام ثم يقوم، وهكذا حتى يصبح، وكان دأبه إذا نعس أن ينام. وأشد العبادة ما كان هكذا، أن الإنسان كلما وجد خفة ونشاطاً يصلي فإذا غلبه النوم أخذ قسطاً من الراحة، ثم يقوم يصلي وهكذا طوال الليل. فهذا أشد العبادة. يقول: وكان صحيح الحديث، صدوق اللسان، شديد الهيبة للحديث إذا حدث، وكان يثقل عليه الحديث جداً، وربما قال لي: لو أنك طلبت مني الدنانير كان أيسر علي من أن تطلب مني الحديث، فقلت له: لو حدثتني بأحاديث فوائد ليست عندي كان أحب إلي من أن تهب لي عددها دنانير، قال: إنك مفتون، أما والله! لو عملت بما سمعت لكان لك في ذلك شغل عما لم تسمع. سمعت سليمان بن مهران يقول: إذا كان بين يديك طعام تأكله فتأخذ اللقمة فترمي بها خلف ظهرك متى تشبع؟ إشارة إلى أن من يسمع الحديث ويحفظه ولا يعمل به يشبه من أمامه طعام فهو يأخذ اللقمة ويرمي بها خلف ظهره. وعن إبراهيم بن الأشعث قال: ما رأيت أحداً كان الله في صدره أعظم من الفضيل بن عياض، كان إذا ذكر الله أو ذكر عنده أو سمع القرآن ظهر به الخوف والحزن، وفاضت عيناه حتى يرحمه من بحضرته، وكان دائم الحزن شديد الفكرة، ما رأيت رجلاً يريد الله بعلمه وعمله وأخذه وعطائه ومنعه وبذله وبغضه وحبه وخصاله كلها غيره. وقال أيضاً عنه: كنا إذا خرجنا مع الفضيل في جنازة لا يزال يعظ ويذكر ويبكي، كأنه مودع أصحابه ذاهب إلى الآخرة حتى يبلغ المقابر فيجلس كأنه بين الموتى -من الحزن والبكاء-، حتى يقوم وكأنه يرجع من الآخرة يخبر عنها. وعن سفيان بن عيينة قال: ما رأيت أحداً أخوف من الفضيل وابنه علي بن الفضيل. وعن إسحاق بن إبراهيم قال: قال عبد الله بن المبارك: إذا مات الفضيل ارتفع الحزن. لما مات سفيان قالوا: مات الورع، وهنا يقولون: إذا مات الفضيل ارتفع الحزن. وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري: قال لي المأمون: قال لي الرشيد: ما رأت عيناي مثل الفضيل بن عياض، دخلت عليه فقال لي: فرغ قلبك للحزن والخوف حتى يسكناه فيقطعاك عن المعاصي ويباعداك من النار. والحزن يكون على الشيء الماضي، وهو ليس من مقامات العارفين، فهو هنا محمول على الحزن على ما فرط من الإنسان، يعني: من المعاصي، أو الحزن على ما يصيب المسلمين وما وصل إليه الإسلام في ديار المسلمين، فهذا هو الحزن الذي يمدح، وأما الحزن على الدنيا فلا يمدح، والخوف يكون على الشيء المستقبل، ففرغ قلبك للحزن والخوف حتى يسكناه فيقطعاك عن المعاصي ويباعداك من النار. وعن ابن أبي عمر قال: ما رأيت بعد الفضيل أعبد من وكيع. وستأتي ترجمة وكيع إن شاء الله تعالى، وهو إمام الكوفة، ولما مات سفيان جلس وكيع في مجلسه، وكان عظيماً سمين الجسم، ولما دخل على الفضيل أنكر عليه هذا السمن، وقال: ما هذا السمن وأنت راهب العراق؟ فقال: من فرحي بالإسلام. ويحكي ابنه أنه كان يأكل عشرة أرطال ويشرب مثلها من النبيذ، ولكنه كان يوالي الصيام، وكذلك القيام. عن ابن المبارك قال: إذا نظرت إلى الفضيل جدد لي الحزن ومقت نفسي.

стр. 117

اتباع الفضيل بن عياض للسنة وذمه للبدع والمبتدعين اتباعه للسنة وذمه للبدعة والمبتدعين: وعن عبد الصمد بن يزيد قال: سمعت الفضيل يقول: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه. وكما قال بعضهم: من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الدين. وعن عبد الصمد قال: سمعته قال: إذا رأيت مبتدعاً في طريق فخذ في طريق آخر. وقال الفضيل: لا يرفع لصاحب بدعة إلى الله عمل. وعن الفضيل قال: من أعان صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام. وعن حسين بن زياد قال: سمعت فضيلاً يقول: ما على الرجل إذا كان فيه ثلاث خصال: إذا لم يكن صاحب هوى، ولا يشتم السلف، ولا يخالط السلطان. كأنه إذا سلم من هذه الثلاث فغيرها هين، وذلك إذا لم يكن صاحب هوى -يعني: بدعة-، ولا يشتم السلف، ولا يخالط السلطان. وعن عبد الصمد بن يزيد الصائغ قال: ذكر عند الفضيل -وأنا أسمع- الصحابة فقال: اتبعوا فقد كفيتم، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃. فما قاله قطبة فيه: إنه روى حديثاً فيه طعن في علي مردود لهذا الخبر. فلذلك قال الذهبي: فالرجل صاحب سنة واتباع.

стр. 118

شيوخ الفضيل بن عياض وتلامذته شيوخه: قال الحافظ: روى عن الأعمش، وهو من كبار أتباع التابعين، وسمع من صغار التابعين كـ الأعمش، ومنصور، وعبيد الله بن عمر، وهشام بن حسان، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومحمد بن إسحاق، وليث بن أبي سليم وهو غير الليث بن سعد، فـ الليث بن أبي سليم ضعيف، ومحمد بن عجلان، وحصين بن عبد الرحمن، وسليمان التيمي، وحميد الطويل، وفطر بن خليفة، وصفوان بن سليم، وجعفر بن محمد الصادق، وإسماعيل بن أبي خالد، وبيان بن بشر، وزياد بن أبي زياد، وعوف الأعرابي وآخرين. تلامذته: قال الحافظ: وعنه الثوري -وهو من شيوخه- وابن عيينة وهو من أقرانه، وهو شيخ أهل مكة مكث يحدث أكثر من (٤٠) سنة، وابن المبارك ومات قبله، ويحيى القطان، وابن مهدي، وحسين بن علي الجعفي، وعبد الرزاق، وإسحاق بن منصور السلولي، والأصمعي، وابن وهب الشافعي وغيرهم.

стр. 119

درر من أقوال الفضيل بن عياض ﵀ عن أبي الفضل القزاز قال سمعت الفضيل بن عياض يقول: أصلح ما أكون، وإني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي. وكما قال بعضهم: في خلق امرأتي ودابتي، فالإنسان إذا وجد السيارة تتعطل عليه أو وجد الخادم أو الزوجة يتمردان عليه فليراجع نفسه، فلعله مقصر في حق الله . وعن إسحاق بن إبراهيم قال: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم مكبل، كبلتك خطيئتك. وهذا كما قال بعضهم لما قيل له: لا نستطيع قيام الليل فقال: أبعدتكم الذنوب، أو قيدتكم خطاياكم. وقال سفيان: حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أصبته. وقال بعضهم: من علامة من غرق في الذنوب ألا ينشرح صدره لقيام الليل وصيام النهار. وهذا في غير رمضان، فالناس كلهم صائمون في رمضان، فهذا في غير رمضان. فإذا وجد الإنسان نفسه لا يوفق للقيام والصيام فليعلم أنه قد غرق في الذنوب. وقال فيض بن إسحاق: سمعت الفضيل بن عياض وسأله عبد الله بن مالك: يا أبا علي! ما الخلاص مما نحن فيه؟ قال: أخبرني من أطاع الله هل تضره معصية أحد؟ قال: لا، قال: فمن يعصي الله هل تنفعه طاعة أحد؟ قال: لا، قال: هو الخلاص إن أردت الخلاص. وعن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل يقول: أكذب الناس العائد في ذنبه -يعني: الإنسان يذنب ويتوب ويعود مرة ثانية وهكذا- وأجهل الناس المدل بحسناته، وأعلم الناس بالله أخوفهم منه، لن يكمل عبد حتى يؤثر دينه على شهوته، ولن يهلك عبد حتى يؤثر شهوته على دينه. وقال إبراهيم بن الأشعث: سمعت الفضيل يقول: من أحب أن يذكر لم يذكر، ومن كره أن يذكر ذكر. يعني: من سعى للشهرة والمدح وذكر الناس لم يذكر، ومن كره أن يذكر ذكر. وقال الذهبي: وقيل له: ما الزهد؟ قال: القنوع، قيل: ما الورع؟ قال: اجتناب المحارم، قيل: ما العبادة؟ قال: أداء الفرائض، قيل: ما التواضع؟ قال: أن تخضع للحق، وقال: أشد الورع في اللسان. قال الذهبي: هكذا هو، فقد ترى الرجل ورعاً في مأكله وملبسه ومعاملته، وإذا تحدث يدخل عليه الداخل من حديثه، فإما أن يتحرى الصدق فلا يكمل الصدق، وإما أن يصدق فينمق حديثه ليمدح على الفصاحة، وإما أن يظهر أحسن ما عنده ليعظم -يعني: يكون عنده أحاديث غرائب مثلاً أو عنده أشياء ليست عند غيره فهو يظهرها؛ حتى يظن أنه عنده علم كثير- وإما أن يسكت في موضع الكلام ليثنى عليه، ودواء ذلك كله الانقطاع عن الناس إلا من الجماعة. يعني: حضور الجماعة. وقال الفضيل: يا مسكين! أنت مسيء وترى أنك محسن، وأنت جاهل وترى أنك عالم، وتبخل وترى أنك كريم، وأحمق وترى أنك عاقل، أجلك قصير وأملك طويل. قال الذهبي: إي والله! صدق. قال: وأنت ظالم وترى أنك مظلوم، وآكل للحرام وترى أنك متورع، وفاسق وتعتقد أنك عدل، وطالب العلم للدنيا وترى أنك تطلبه لله. وعن عبد الصمد قال: سمعت الفضيل يقول: إذا أتاك رجل يشكو إليك رجلاً فقل: يا أخي! اعف عنه؛ فإن العفو أقرب للتقوى، فإن قال: لا يحتمل قلبي العفو ولكن أنتصر كما أمر الله ، قل: فإن كنت تحسن تنتصر مثلاً بمثل وإلا فارجع إلى باب العفو، فإنه باب واسع، فإن من عفا وأصلح فأجره على الله، وصاحب العفو ينام الليل على فراشه وصاحب الانتصار يقلب الأمور. يعني: يفكر كيف ينتصر، فهذا مما يؤرقه، أما إذا عفا فيسلم صدره. وكان بعض السلف يقول: تصدقت بعرضي على الناس. وكما ورد في الحديث: (كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسراً قال لغلمانه: تجاوزوا عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه)، فالإنسان يعود نفسه أن يعفو عمن ظلمه، وأن يسامح من أخطأ عليه؛ لعل الله أن يعفو عنه. وعن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ما يؤمنك أن تكون بارزت الله بعمل مقتك عليه، فأغلق دونك أبواب المغفرة وأنت تضحك؟ كيف ترى أن يكون حالك؟ وعن محمد بن طفيل قال: سمعت فضيل بن عياض يقول: حزن الدنيا يذهب بهم الآخرة، وفرح الدنيا يذهب بحلاوة العبادة.

стр. 120

وفاة الفضيل بن عياض ﵀ وفاته ﵀: قال بعضهم: كنا جلوساً عند الفضيل بن عياض فقلنا له: كم سنك؟ فقال: بلغت الثمانين أو جاوزتها فماذا أؤمل أو أنتظر علتني السنون فأبلينني فدق العظام وكلَّ البصر فهو جاوز الـ (٨٠) سنة. قال الذهبي: هو من أقران سفيان بن عيينة في المولد، ولكنه مات قبله بسنوات، وسفيان بن عيينة عمر جداً. وقال مجاهد بن موسى: مات الفضيل سنة (١٨٦). وقال أبو عبيد وابن المديني وابن معين وابن نمير والبخاري وآخرون: مات سنة (١٨٧)، وزاد بعضهم: في أول المحرم. قال الذهبي: وله نيف وثمانون سنة، فرحمه الله. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 121

سلسلة من أعلام السلف_ الإمام الليث بن سعد الليث بن سعد علم من أعلام السلف الصالح، عرف بسخائه وكرمه وفضله وعلمه، كان نبراساً في العلم والفقه، تربى على مائدة الكتاب والسنة، فعرف بحرصه على اتباع السنة ونشرها رحمه الله تعالى.

стр. 122

نسب الليث بن سعد ومولده وصفته إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد: فما زلنا بحمد الله مع أعلام السلف الكرام، ومعنا في هذه الترجمة المباركة الإمام الحافظ شيخ الإسلام عالم الديار المصرية: أبو الحارث الفهمي الليث بن سعد ﵀. قال أبو نعيم: ومنهم الثري السخي المري الوفي، لعلمه عقول، ولماله بذول، أبو الحارث الليث بن سعد، كان يعلم الأحكام مرياً، ويبذل الأموال سخياً، وهو من أئمة أتباع التابعين، من أقران مالك والسفيانين والأوزاعي، حفظ الله بهم الإسلام، وارتفعت بهم أعلام السنة، ونكست أعلام البدعة، فرحم الله الجميع. وقد كان الليث إماماً في الحديث والفقه والسخاء فرحمه الله رحمة واسعة، وأدخله جنة عالية قطوفها دانية. اسمه: ليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري مولى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، وقيل: ثابت بن ظاعن جد عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، وأهل بيته يقولون: نحن من الفرس من أهل أصبهان. قال: أو سعيد بن يونس، وليس لما قالوه في ذلك عندنا صحة. يقول: وروي عن الليث أنه قال مثل ذلك، والمشهور أنه فهمي، وفهم من قيس عجلان، يعني: بطن من قبيلة قيس عجلان. مولده: ولد بقرقشندة، قرية على نحو أربعة فراسخ من مصر، في سنة أربع وتسعين، وقيل: ثلاث وتسعين. ذكره سعيد بن أبي مريم، يقول: والأول أصح؛ لأن يحيى يقول: سمعت الليث يقول: ولدت في شعبان سنة أربع. قال الليث: حججت سنة ثلاث عشرة ومائة. صفته: عن عمرو بن محمد الحيري قال: سمعت محمد بن معاوية يقول وسليمان بن حرب إلى جنبه: خرج الليث بن سعد يوماً فقوموا ثيابه ودابته وخاتمه وما عليه ثمانية عشر ألف درهم إلى عشرين ألفاً، فقال سليمان: لكن خرج علينا شعبة يوماً فقوموا حماره وسرجه ولجامه ثمانية عشر درهماً إلى عشرين درهماً. فمن العلماء من كان له صولة وجولة وعز ورفعة في الدنيا والآخرة كالإمام مالك، وكعالمنا في هذه الترجمة الليث بن سعد، ومر كذلك من العلماء الذين كان لهم شرف ومال وسخاء، فالإمام الزهري كان برتبة أمير في دولة بني أمية، وهناك الفقراء جداً، فقد مر بنا الأعمش أحد صغار التابعين، وكان يلبس فروة خروف، وكان يجعل الصوف إلى الخارج. فقيل له: ألا جعلت الصوف إلى الداخل؟! وكذلك مر بنا شعبة الذي قوموا حماره وسرجه ولجامه بثمانية عشر درهماً إلى عشرين درهماً.

стр. 123

ثناء العلماء على الليث بن سعد عن شرحبيل بن جميل بن يزيد مولى شرحبيل بن حسنة قال: أدركت الناس أيام هشام بن عبد الملك، وكان الليث بن سعد حدث السن، وكان بمصر عبيد الله بن جعفر وجعفر بن ربيعة والحارث بن يزيد ويزيد بن أبي حبيب وابن هبيرة وغيرهم من أهل مصر، ومن يقدم علينا من فقهاء المدينة، وإنهم ليعرفون لليث فضله وورعه وحسن إسلامه على حداثة سنه. وقال ابن بكير: ورأيت من رأيت فلم أر مثل الليث. وعن أبي الوليد عبد الملك بن يحيى بن بكير قال: سمعت أبي يقول: ما رأيت أحداً أكمل من الليث بن سعد، كان فقيه البدن، عربي اللسان، يحسن القرآن والنحو، ويحفظ الشعر والحديث، وحسن المذاكرة -ومازال يذكر خصالاً جميلة ويعقد بيده حتى عد عشراً- لم أر مثلهم. وعن هارون بن سعيد قال: سمعت ابن وهب يقول: كل ما كان في كتب مالك: وأخبرني من أرضى من أهل العلم، فهو الليث بن سعد. أحياناً الإمام مالك لا يصرح بمن يحدث عنه، ولكن يقول: أخبرني من أرضى من أهل العلم، فإذا قال ذلك فإنه يقصد الليث بن سعد. وعن الربيع بن سليمان قال: قال ابن وهب: لولا مالك والليث لضل الناس. وقال الفضل بن زياد: قال أحمد: ليث كثير العلم صحيح الحديث. وعن أحمد بن سعد الزهري قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الليث ثقة ثبت. فمن أعلى درجات التوثيق الجمع بين الصفتين، تقول: ثقة ثقة أو ثقة ثبت، فهذا يكون أعلى من قوله ثقة. وقال عثمان الدارمي: سمعت يحيى بن معين يقول: الليث أحب إلي من يحيى بن أيوب ويحيى ثقة. قلت: فكيف حديثه عن نافع؟ قال: صادق ثقة. وعن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال: سمعت الشافعي يقول: الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به. فكان بعض العلماء يقدم الليث على نجم السنن الإمام مالك، ولكن أصحاب الليث لم يقوموا بـ الليث، يعني: لم يرفعوه، كما رفع أصحاب الإمام مالك الإمام مالكاً. وكان الإمام مالك في المدينة التي هي منارة العلم وفيها أحفاد المهاجرين والأنصار. وقال محمد بن سعد: وكان ثقة كثير الحديث صحيحه، وكان قد اشتغل بالفتوى في زمنه بمصر، وكان سرياً من الرجال نبيلاً سخياً، له ضيافة. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: أصح الناس حديثاً عن سعيد المقبري ليث بن سعد، يفصل ما روى عن أبي هريرة وما روى عن أبيه عن أبي هريرة. فـ سعيد المقبري يروي أحياناً عن أبي هريرة مباشرة وأحياناً يروي عن أبيه عن أبي هريرة. وقال علي بن المديني: الليث بن سعد ثبت. وقال العجلي: مصري فهمي ثقة.

стр. 124

سخاء الليث بن سعد عن حرملة بن يحيى قال: سمعت ابن وهب يقول: كتب مالك إلى الليث: إني أريد أن أدخل ابنتي على زوجها، فأحب أن تبعث لي بشيء من عصفر. قال ابن وهب: فبعث إليه بثلاثين جملاً عصفراً، فصبغ منه لابنته وباع منه بخمسمائة دينار. والدينار عملة ذهبية. وعن أسد بن موسى قال: كان عبد الله بن علي يطلب بني أمية فيقتلهم، فلما دخلت مصر دخلتها في هيئة رثة يعني: مستنكراً حتى لا يعرفه أحد. قال: فدخلت على الليث بن سعد فلما فرغت من مجلسه خرجت، فتبعني خادم له في دهليزه فقال: اجلس حتى أخرج إليك، فجلست، فلما خرج إلي وأنا وحدي دفع إلي صرة فيها مائة دينار، فقال: يقول لك مولاي: أصلح بهذه النفقة بعض أمرك، ولم من شعثك، وكان في حوزتي هيمان -ما يجعله الحاج في وسطه- فيه ألف دينار، فأخرجت الهيمان فقلت: أنا عنها في غنى استئذن لي على الشيخ، فاستأذن لي فدخلت عليه، فأخبرته بنسبي واعتذرت إليه من ردها، وأخبرته بما مضى. فقال: هذه صلة وليست بصدقة فقلت: أكره أن أعود نفسي عادة وأنا في غنى. فقال: ادفعها إلى بعض أصحاب الحديث ممن تراه مستحقاً لها، فلم يزل بي حتى أخذتها ففرقتها على جماعة. وعن يحيى بن بكير قال: سمعت أبي يقول: وصل الليث بن سعد ثلاثة أنفس بثلاثة آلاف دينار، احترقت دار ابن لهيعة فبعث إليه بألف دينار. كان قاضياً من قضاة مصر صدوقاً، قيل: إنه كان سيئ الحفظ من بداية أمره، ولما احترقت داره واحترقت كتبه صار يحدث من حفظه، وكان ضبطه ضبط كتاب وليس ضبط حفظ، فوهم كثيراً، فما روي عنه قبل احتراق داره فهو صحيح، وما روي عنه بعد احتراق داره فهو ضعيف، فمن الذين رووا عنه قبل احتراق كتبه عبد الله بن وهب قاضي مصر، وعبد الله بن مبارك محدث خراسان. قال: وحج فأهدى إليه مالك بن أنس رطباً على طبق، فرد إليه في الطبق ألف دينار، ووصل منصور بن عمار القاضي بألف دينار وقال: لا تسمع بهذا بني فتهون عليهم، فوصل ثلاثة أنفس كل نفس بألف دينار. وقال قتيبة: كان الليث يركب في جميع الصلوات إلى الجامع، ويتصدق كل يوم على ثلاثمائة مسكين. وعن عبد الله بن صالح قال: صحبت الليث عشرين سنة لا يتغدى ولا يتعشى إلا مع ناس، وكان لا يأكل إلا بلحم إلا أن يمرض. قال قتيبة: وجاءت امرأة إلى الليث فقالت: يا أبا الحارث! إن ابناً لي عليل -يعني: مريض- واشتهى عسلاً، فأعطاها مرطاً من عسل، والمرط: عشرون ومائة رطل.

стр. 125

اتباع الليث بن سعد للسنة عن حرملة بن يحيى قال: سمعت الشافعي يقول: الليث بن سعد أتبع للأثر من مالك بن أنس. عن عثمان بن صالح قال: كان أهل مصر ينتقصون عثمان حتى نشأ فيهم الليث بن سعد، فحدثهم بفضائل عثمان، فكفوا عن ذلك، وكان أهل حمص ينتقصون علياً حتى نشأ فيهم إسماعيل بن عياش فحدثهم بفضائله فكفوا عن ذلك. وعن سعيد بن أبي مريم قال: سمعت الليث بن سعد يقول: بلغت الثمانين وما نازعت صاحب هوى قط. قال الذهبي: كانت الأهواء والبدع خاملة في زمن الليث ومالك والأوزاعي والسنن ظاهرة عزيزة، فأما في زمن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد فظهرت البدع -خاصة بدعة المعتزلة- وامتحن أئمة الأثر، ورفع أهل الأهواء رءوسهم بدخول رجال الدولة معهم، فاحتاج العلماء إلى مجادلتهم بالكتاب والسنة، ثم كثر ذلك، واحتج عليهم العلماء أيضاً بالعقول، فطال الجدال واشتد النزاع وتولدت الشبه. ففي زمن الليث ومالك والأوزاعي والسفيانين كانت البدعة خاملة والسنة ظاهرة، وفي زمن أحمد بن حنبل وإسحاق وأبي عبيد ظهرت البدع. وعن أبي بكر الفقيه الخلال قال: أخبرني أحمد بن محمد بن واصل المقرئ قال: حدثنا الهيثم بن خارجة قال: أخبرنا الوليد بن مسلم قال: سألت مالكاً والثوري والليث والأوزاعي عن الأخبار التي في الصفات فقالوا: أمروها كما جاءت، أمروها كما جاءت، فهذا كالإجماع. يعني: أجمع أئمة أتباع التابعين على ما أجمع عليه التابعون، وعلى ما أجمع عليه الصحابة ﵃ أن آيات الصفات وأحاديث الصفات تمر كما جاءت.

стр. 126

عرض ولاية مصر على الليث بن سعد عن أبي بكير قال: قال الليث: وقال لي أبو جعفر: تلي لي مصر؟ قلت: لا يا أمير المؤمنين! إني أضعف عن ذلك، إني رجل من الموالي، فقال: ما بك ضعف، ولكن ضعفت نيتك في العمل عن ذلك لي. وعن يحيى بن بكير قال: قال الليث: قال لي المنصور: تلي لي مصر؟ فاستعفيت، قال: أما إذ أبيت فدلني على رجل أقلده مصر. قلت: عثمان بن الحكم الجذامي رجل له صلاح وله عشيرة. قال: فبلغ عثمان ذلك فعاهد الله لا يكلم الليث. قال الذهبي: كان الليث ﵀ فقيه مصر ومحدثها ومحتشمها ورئيسها ومن يفتخر بوجوده هذا الإقليم، أي: كانوا يعملون بأمره، ويرجعون إلى رأيه ومشورته، قال: ولقد أراده المنصور أن ينوب له على الإقليم فاستعفى من ذلك.

стр. 127

درر من أقوال الليث بن سعد عن الليث قال: بلغت الثمانين وما نازعت صاحب هوى قط. وعن يحيى بن بكير قال: أخبرني من سمع الليث يقول: كتبت من علم ابن شهاب علماً كثيراً، وطلبت ركوب البريد إلى الرصافة فخفت ألا يكون ذلك لله فتركته، ودخلت على نافع فسألني فقلت: أنا مصري فقال: ممن؟ قلت: من قيس، قال: ابن كم؟ قلت: ابن عشرين سنة، قال: أما لحيتك فلحية ابن أربعين. وعن حفص بن سلمة قال: تكلم الليث بن سعد في مسألة، فقال له رجل: يا أبا الحارث! في كتابك غير هذا، قال: في كتبنا ما إذا مر هذبناه بعقولنا وألسنتنا، يعني: كتب ذلك في بداية الأمر ثم رجع عنه، فقد كان يمر على الكتاب فيصلح فيه أو يزيد فيه أو ينقص. وعن عبد الله بن صالح قال: سمعت الليث بن سعد يقول: لما قدمت على هارون الرشيد قال لي: يا ليث ما صلاح بلدكم؟ قلت: يا أمير المؤمنين صلاح بلدنا بإجراء النيل وإصلاح أميرها، ومن رأس العين يأتي الكرم فإذا صفا رأس العين صفت السواقي، فقال: صدقت يا أبا الحارث! وهذا كقول عمر بن عبد العزيز: السوق يؤتى إليها ما ينفق فيها. فالأمير إذا كان من أهل الخير ومن أهل العلم والصلاح كان الناس متسابقين على الخير والصلاح والعبادة والطاعة، وإن كان الأمير عكس ذلك، فإن الناس يتسابقون على عكس ذلك.

стр. 128

شيوخ الليث بن سعد وتلامذته شيوخه: قال الحافظ: روى عن نافع وابن أبي مليكة ويزيد بن أبي حبيب ويحيى بن سعيد الأنصاري وأخيه عبد ربه بن سعيد وابن عجلان والزهري وهشام بن عروة وعطاء بن أبي رباح وبكير بن أشج والحارث بن يعقوب وأبي عقيل زهرة بن معبد وسعيد المقبري وأبي زناد ويزيد بن الهاد وأبي الزبير المكي وإبراهيم بن أبي عبدة وغيرهم. تلامذته: قال الحافظ: روى عنه شعيب ابنه ومحمد بن عجلان وهشام بن سعد وهما من شيوخه. وابن لهيعة وهشيم بن بشير وقيس بن الربيع وعطاف بن خالد وهم من أقرانه. وابن المبارك وابن وهب ومروان بن محمد وأبو الناصر وأبو الوليد بن مسلم ويعقوب بن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص ويونس بن محمد المؤذن ويحيى بن إسحاق وعلي بن نصر الجهضمي الكبير وأبو سلمة الخزاعي والحسن بن سوار وحجين بن المثنى وغيرهم.

стр. 129

وفاة الليث بن سعد ﵀ قال يحيى بن بكير وسعيد بن أبي مريم: ومات الليث للنصف من شعبان سنة خمس وسبعين ومائة، قال يحيى: يوم الجمعة، وصلى عليه موسى بن عيسى. قال خالد بن عبد السلام الصدفي: شهدت جنازة الليث بن سعد مع والده، فما رأيت جنازة قط أعظم منها، رأيت الناس كلهم عليهم الحزن، وهم يعزي بعضهم بعضاً ويبكون، فقلت: يا أبت! كأن كل واحد من الناس صاحب هذه الجنازة؟ فقال: يا بني! لا ترى مثله أبداً. فرحم الله الليث بن سعد وسائر أئمة المسلمين.

стр. 130

الأسئلة

стр. 131

بيان بداية الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان السؤال متى يكون الاعتكاف في ليلة عشرين أم في ليلة واحد وعشرين؟ الجواب في ليلة واحد وعشرين، فيدخل المعتكف المسجد قبل غروب شمس يوم عشرين من رمضان؛ لأن الليل يبدأ بالمغرب، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] ومن السنة أيضاً أن يبكر بدخوله إلى المسجد، فيدخل قبل فجر يوم عشرين، فيجمع يوم عشرين إلى ليلة واحد وعشرين، كما كان يفعل النبي ﵌. والاعتكاف: ترك الدنيا ومشاغلها، والعكوف على العبادة والصلاة والدعاء والبكاء، فلا ينبغي للمعتكف أن يحضر كتباً للمذاكرة في المسجد، أو يحضر معه حساباته إلى المسجد؛ لأن هذا هو عكوف على الدنيا وليس على الآخرة، والذي لا يتمكن من الاعتكاف كامل أيام وليالي العشر الأواخر من رمضان يتحرى ليلة القدر، فيمكنه أن يتفرغ في النهار لأعمال الدنيا كمذاكرة أو امتحانات أو أعمال لا يستطيع أن يتركها، فعندما ينتهي منها تماماً يدخل المسجد كل يوم قبل غروب الشمس ويخرج بعد الفجر، فيعتكف في ليالي العشر الأواخر، ويتحرى أيضاً ليلة القدر. نسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم سائر الطاعات. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 132

سلسلة من أعلام السلف_ الإمام أيوب السختياني أيوب بن أبي تميمة السختياني إمام من أئمة السلف الكرام، سيد شباب أهل البصرة في زمانه، أثنى عليه العلماء ثناءً حسناً، كان متميزاً في عبادته لله وخشيته له، وكان زاهداً ورعاً مؤثراً للخمول، متبعاً للسنة وذاماً للبدعة وأهلها، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة.

стр. 133

نسب أيوب السختياني ومولده وصفته إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. ثم أما بعد: فما زلنا -بحمد الله- سعداء بصحبة العلماء، ومع علم من الأعلام وإمام من أئمة السلف الكرام مع سيد شباب أهل البصرة في زمانه، وإمام من أئمة الحديث في أوانه، إمام في الورع والزهد والفرار من الشهرة. قال فيه شيخ المؤرخين الإمام الذهبي: إليه المنتهى في الإتقان. إنه أيوب السختياني. فرحم الله أئمتنا الأعلام ونفعنا بعلمهم وزهدهم وورعهم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً. اسمه ومولده وصفته: اسمه: أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني أبو بكر البصري مولى عنزة، ويقال: مولى جهينة، وعنزة وجهينة اسما قبيلتين. مولده: قال إسماعيل بن علية: ولد أيوب سنة ست وستين. وقال غيره: ولد قبل الجارف سنة ثمان وستين. والجارف: اسم طاعون، أي: طاعون الجارف، وكان سنة تسع وستين. قال الذهبي: مولده عام توفي ابن عباس سنة ثمان وستين. فسنة ثمان وستين توفي فيها ابن عباس ﵄ وولد فيها أيوب السختياني سيد شباب أهل البصرة. وقد رأى أنس بن مالك ﵁، وما وجدنا له عنه رواية مع كونه كان معه في بلد، وكونه أدركه وهو ابن بضع وعشرين سنة، فلعله لم يكن قد طلب الحديث في هذا الوقت. صفته: عن حماد بن زيد قال: ما كنت تسقي أيوب شربة من ماء على القراءة إلا أن تعرفه، كان شعره وافراً، يحلقه من السنة إلى السنة، قال: فكان ربما طال فينسجه هكذا، كأنه يفرقه.

стр. 134

ثناء العلماء على أيوب السختياني ثناء العلماء عليه: عن الحسن قال: أيوب سيد شباب أهل البصرة. والحسن ﵀ كان أكبر منه ويعتبر من شيوخه. وكان محمد بن سيرين إذا حدثه أيوب بالحديث يقول: حدثني الصدوق. وعن هشام بن عروة قال: ما قدم علينا من العراق أحد أفضل من ذاك السختياني أيوب. وعن أيوب بن سليمان بن بلال قال: قلت لـ عبيد الله بن عمر: أراك تتحرى لقاء العراقيين في الموسم؟ يعني في الحج. قال: فقال: والله ما أفرح في سنتي إلا أيام الموسم، ألقى أقواماً قد نور الله قلوبهم بالإيمان، فإذا رأيتهم ارتاح قلبي، فمنهم أيوب. وقال محمد بن سعد: وكان أيوب ثقة ثبتاً في الحديث، جامعاً عدلاً ورعاً كثير الحديث، حجة. وعن شعبة قال: حدثني أيوب سيد الفقهاء. وعن سلام بن أبي مطيع قال: ما فقنا أهل الأمصار في عصر قط إلا في زمن أيوب ويونس وابن عون، لم يكن في الأرض مثلهم. يعني: فاق أهل البصرة سائر الأمصار لوجود هؤلاء الأئمة. وقال الذهبي: إليه المنتهى في الإتقان. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال أبو حاتم: سئل ابن المديني من أثبت أصحاب نافع مولى ابن عمر؟ قال: أيوب وفضله، ومالك وإتقانه، وعبيد الله وحفظه. وقال محمد بن أحمد بن البراء عن علي بن المديني: وليس في القوم -يعني: هشام بن حسان وسلمة بن علقمة وعاصماً الأحوال وخالداً الحذَّاء - مثل أيوب وابن عون، وأيوب أثبت من ابن سيرين ومن خالد الحذاء. وعن أشعث قال: كان أيوب جهبذ العلماء.

стр. 135

عبادة أيوب السختياني وخشيته لله تعالى عبادته وخشيته ﵀: عن إسحاق بن محمد قال: سمعت مالك بن أنس يقول: كنا ندخل على أيوب السختياني، فإذا ذكرنا له حديث رسول الله ﷺ بكى حتى نرحمه. كان الإمام مالك لا يروي عن أيوب السختياني حتى رآه في الموسم، فكان أيوب إذا حدث بالحديث فذكر النبي ﷺ بكى حتى يرحم، فكان بعد ذلك يروي عنه. وعن سعيد بن عامر عن سلام قال: كان أيوب السختياني يقوم الليل كله فيخفي ذلك، وإذا كان عند الصباح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة. فالسلف كانوا يخفون أعمالهم الصالحة كما نخفي أعمالنا السيئة. كان إبراهيم بن أدهم إذا دخل عليه داخل وهو يقرأ في المصحف غطاه. وروى سليمان بن حرب عن حماد بن زيد قال: كان أيوب في مجلس فجاءته عبرة -أي: دمعة أو بكاء - فجعل يتمخط ويقول: ما أشد الزكام! وعن ابن شوذب قال: كان أيوب يؤم أهل مسجده في شهر رمضان ويصلي بهم في الركعة قدر ثلاثين آية، ويصلي لنفسه ما بين الترويحتين بقدر ثلاثين آية، وكان يقول هو بنفسه للناس: الصلاة، ويوتر بهم، ويدعو بدعاء القرآن، ويؤمن من خلفه، وآخر ذلك يصلي على النبي ﷺ ويقول: اللهم استعملنا بسنته، وأوزعنا بهديه، واجعلنا للمتقين إماماً ثم يسجد، وإذا فرغ من الصلاة دعا بدعوات.

стр. 136

زهد أيوب السختياني وورعه زهده وورعه ﵀: عن ابن شوذب قال: كان أيوب - يعني: السختياني - إذا سئل عن الشيء ليس عنده فيه شيء؟ قال: سل أهل العلم، وكأنه ليس من أهل العلم. وعن حماد عن أيوب قال: أدركت الناس هاهنا، وكلامهم: إن قضي وإن قدر. وكان يقول: ليتق الله رجل، فإن زهد فلا يجعلن زهده عذاباً على الناس، فلأن يخفي الرجل زهده خير من أن يعلنه. يعني: إذا كان يأخذ نفسه بالشدة فلا يظهر ذلك؛ شفقة على الناس. قال: وكان أيوب ممن يخفي زهده، دخلنا عليه فإذا هو على فراش مخمس أحمر فرفعته أو رفعه بعض أصحابنا فإذا خصفة محشوة بليف. وعن شعبة قال: ما واعدت أيوب موعداً قط إلا قال حين يفارقني: ليس بيني وبينك موعد، فإذا جئت وجدته قد سبقني. يعني: أنه كان يخشى أن يطرأ له عذر، فكان يقول: ليس بيني وبينك ميعاد احتياطاً. وعن بشر بن منصور قال: كنا عند أيوب فوعظنا وتكلمنا فقال لنا: كفوا، لو أردت أن أخبركم بكل شيء تكلمت به اليوم لفعلت. لأنه كان يجتهد في الطاعة والعبادة والعمل الصالح، وكانوا يعدون كلامهم فلا يتكلمون كلاماً كثيراً كما نتكلم نحن، وإنما كان وقتهم في الطاعة والعبادة والعمل الصالح، وكان في التابعين من هو أكثر عملاً من الصحابة ﵃، حتى قال ابن مسعود للتابعين: لأنتم أكثر عملاً من أصحاب رسول الله ﷺ ولكنهم كانوا خيراً منكم، كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة. فالصحابة سبقوا بأحوال القلوب، فالأحوال الإيمانية كانت عندهم مرتفعة جداً في الزهد والورع والتقوى والمحبة لله ولرسوله ﷺ ، فالعبد يسبق بقلبه من هو أكثر اجتهاداً ببدنه، والسبق سبق القلوب وسبق الهمم. من لي بمثل سيرك المدلل تسير رويداً وتجيء في الأول والصحابة تهيأت لهم ظروف لم تتهيأ لمن بعدهم؛ فهم عاصروا النبي ﷺ واكتحلوا برؤيته، وكان يفيض عليهم مما يفيض الله على قلبه، ولذلك يقول أنس: ما نفضنا أيدينا من دفن رسول الله ﷺ حتى أنكرنا قلوبنا. أي: أنهم فقدوا مصدراً عظيماً من مصادر الرقي الإيماني فأحسوا بتغير القلوب بمجرد أن دفنوا الجسد الشريف. وقال حماد بن زيد: كان أيوب صديقاً لـ يزيد بن الوليد، فلما ولي الخلافة قال أيوب: اللهم أنسه ذكري. كان بعض السلف إذا تولى صاحب أحدهم الإمامة يقول: اللهم أنسه ذكرنا حتى يصير لا يعرفنا ولا نعرفه.

стр. 137

أدب أيوب السختياني وفراره من الشهرة أدبه وفراره من الشهرة: عن حماد بن زيد قال: ما رأيت رجلاً قط أشد تبسماً في وجوه الرجال من أيوب. وقد قال رسول الله ﷺ : (وتبسمك في وجه أخيك صدقة)، فمن حق أخيك عليك أن تبتسم في وجهه حتى لو كان عندك مشاكل وعليك ديون، وما ذنب أخيك أن تلقاه بغير الوجه الطلق. وعن حماد قال: رأيت أيوب لا ينصرف من سوقه إلا معه شيء يحمله لعياله، حتى رأيت قارورة الدهن بيده يحملها - يعني: الطيب - فقلت له في ذلك، فقال: إني سمعت الحسن يقول: إن المؤمن أخذ عن الله أدباً حسناً، فإذا أوسع عليه أوسع، وإذا أمسك عليه أمسك. فالمؤمن إذا أتاه رزق يوسع على أولاده، وإذا أمسك عليه أمسك. وقال شعبة: قال أيوب: ذُكرت ولا أحب أن أُذكر. فكان العلماء يفرون من الشهرة ومن الذكر ومن المدح، وكما يقولون: من أحب أن يذكر لم يذكر، ومن كره أن يذكر ذكر. فالإنسان الذي يهرب من الذكر والشهرة والمدح هو الذي يذكر ويكون له شأن، أما من يسعى للذكر والشهرة فلا يذكر. وقال حماد بن زيد: كان لـ أيوب برد أحمر يلبسه إذا أحرم، وكان يعده كفناً، وكنت أمشي معه فيأخذ في طرق، إني لأعجب له كيف يهتدي لها؛ فراراً من الناس أن يقولوا: هذا أيوب. فكان يفر من أن يراه الناس حتى لا يقولوا: هذا أيوب. وقال شعبة: ربما ذهبت مع أيوب لحاجة فلا يدعني أمشي معه، ويخرج من هاهنا وهاهنا لكي لا يفطن له. وكان أيوب إذا دخل السوق ورآه أهل السوق سبحوا وهللوا وكبروا؛ لما يرون عليه على وجهه من أنوار الطاعة والعبادة والإقبال على الله . فالعبد إذا أقبل على الله بكليته أقبل الله عليه، ومن أقبل الله عليه أضاءت ساحاته واستنارت جوانبه، والأولياء إذا رءوا ذكر الله، فهم يذكرون الناس بالله برؤيتهم.

стр. 138

اتباع أيوب السختياني للسنة وذمه للبدع وأهلها اتباعه للسنة وذمه للبدع وأهلها: قال حماد بن زيد: أيوب عندي أفضل من جالسته. وحماد بن زيد من طبقة الإمام مالك، فهو من كبار أتباع التابعين، فكان حماد بن زيد بالبصرة ومالك بالمدينة والليث بن سعد بمصر وسفيان الثوري بالكوفة وابن عيينة بمكة، ومع هذا يقول حماد بن زيد: أيوب عندي أفضل من جالسته وأشدهم اتباعاً للسنة. قال سعيد بن عامر الضبعي: عن سلام بن أبي مطيع قال: رأى أيوب رجلاً من أصحاب الأهواء فقال: إني لأعرف الذلة في وجهه، ثم تلا: ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف:١٥٢]. فكل من افترى على الشرع فهو من أهل الأهواء والبدع، وكل مبتدع مفترٍ على الشرع إما بزيادة أو بنقصان فلابد أن ينال نصيباً من الذلة، كما أن كل من عصى أمر الله وأمر رسوله ﷺ لا بد أن ينال من الذلة بحسب معصيته، كما قال النبي ﷺ : (وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري). وقال الحسن: إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين إن ذل المعصية لفي رقابهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه. ثم قال أيوب: هذا لكل مفترٍ، وكان يسمي أصحاب الأهواء خوارج، ويقول: إن الخوارج اختلفوا في الاسم واجتمعوا على السيف. وقال له رجل من أهل الأهواء: يا أبا بكر! أسألك عن كلمة، فولى وهو يقول: ولا نصف كلمة، مرتين. وعن هشام بن حسان عن أيوب السختياني قال: ما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً إلا ازداد من الله بعداً. وعن ابن عيينة قال: قال أيوب: إنه ليبلغني موت الرجل من أهل السنة فكأنما يسقط عضو من أعضائي. وكان ذلك في أزمنة متوفر فيها علماء السنة، حيث كانت الواحة لا تخلو من عالم من علماء السنة فكيف بهذه الأزمنة المتأخرة؟ والمسلمون فقدوا عدداً كبيراً من علماء السنة، نسأل الله أن يجبر الأمة وأن يعوضها خيراً.

стр. 139

شيوخ أيوب السختياني وتلامذته شيوخه وتلامذته: أما شيوخه، فقد قال الذهبي: سمع من أبي بريد عمرو بن سلمة الجرمي وأبي عثمان النهدي -وهو روى عن العشرة المبشرين- وسعيد بن جبير وأبي العالية الرياحي وعبد الله بن شقيق وأبي قلابة الجرمي ومجاهد بن جبر والحسن البصري ومحمد بن سيرين ومعاذة العدوية وقيس بن عباية الحنفي وأبي رجاء عمران بن ملحان العطاردي وغيرهم. وأما تلامذته: فقد قال الذهبي: حدث عنه محمد بن سيرين وعمرو بن دينار والزهري وقتادة وهم من شيوخه، ويحيى بن أبي كثير وشعبة وسفيان ومالك ومعمر وعبد الوارث وحماد بن سلمة وسليمان بن المغيرة وحماد بن زيد ومعمر بن سليمان ووهيب وعبيد الله بن عمرو وإسماعيل بن علية -وعلية اسم أمه- وعبد السلام بن حرب ومحمد بن عبد الرحمن الطفاوي ونوح بن قيس الحداني وهشيم بن بشير ويزيد بن زريع وخالد بن الحارث وسفيان بن عيينة وعبد الوهاب الثقفي وأمم سواهم.

стр. 140

درر من أقوال أيوب السختياني درر من أقواله: عن عبيد الله بن شميط قال: سمعت أيوب السختياني يقول: لا يسود العبد حتى يكون فيه خصلتان: اليأس مما في أيدي الناس، والتغافل عما يكون منهم. يعني: العفو عن زلتهم. وعن حماد بن زيد قال: قال لنا أيوب: إنك لا تبصر خطأ معلمك حتى تجالس غيره وتجالس الناس. ويقصد بالناس: العلماء. وعن حماد بن سلمة قال: سمعت أيوب يقول: إن قوماً يترفعون ويأبى الله إلا أن يضعهم، وإن قوماً يتواضعون ويأبى الله إلا أن يرفعهم. وعن حماد بن زيد قال: قال لي أيوب: الزم سوقك؛ فإنك لا تزال كريماً على إخوانك ما لم تحتج إليهم. وعن مخلد بن الحسين قال: قال أيوب: ما صدق عبد فأحب الشهرة. فالله تعالى يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣] فمحبة الشهرة محبة للعلو في الأرض.

стр. 141

وفاة أيوب السختياني ﵀ وفاته: قال الذهبي: اتفقوا على أنه توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة بالبصرة، زمن الطاعون وله ثلاث وستون سنة، وآخر من روى حديثه عالياً أبو الحسن بن البخاري. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 142

سلسلة من أعلام السلف_ الإمام حماد بن زيد حماد بن زيد ﵀ أحد الأئمة الأعلام في عصر كبار أتباع التابعين، وقد أثنى عليه العلماء ثناء عطراً في علمه وإمامته وحفظه وفقهه واتباعه للسنة وزهده وصلاحه، فرحمه الله تعالى رحمة الأبرار.

стр. 143

بين يدي ترجمة حماد بن زيد رحمه الله تعالى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد: فنحن في هذه السلسلة المباركة من أعلام السلف مع إمام من أئمة المسلمين في زمن كبار التابعين، زمن مالك والسفيانين والليث والأوزاعي؛ إنه إمام أهل البصرة، وراوية أيوب السختياني: حماد بن زيد ﵀، إنه شيخ ابن المبارك وابن مهدي، كان يحفظ أربعة آلاف حديث عن ظهر قلب لا يخطئ في حرف واحد، فارق الدنيا وليس له فيها نظير، فرحمه الله رحمة واسعة، ورحم الله سائر الأئمة الكرام والعلماء الأعلام. وحماد بن زيد بن درهم، وكذلك حماد بن سلمة بن دينار كلاهما من أئمة البصرة، وفي عصر واحد هو عصر كبار أتباع التابعين.

стр. 144

نسب حماد بن زيد ومولده وصفته اسمه: حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي، أبو إسماعيل البصري الأزرق، مولى آل جرير بن حازم، وكان جده درهم من سبي سجستان. أما مولده: قال الذهبي: مولده في سنة ثمان وتسعين. وعن حماد بن زيد قال: زعمت أمي أنني ولدت في خلافة عمر بن عبد العزيز. قال: وقالت عمتي: في آخر خلافة سليمان بن عبد الملك. صفته: قال أبو حاتم بن حبان: كان ضريراً، يحفظ حديثه كله. يعني: كان ضبطه ضبط صدر. وقال الذهبي: إنما أضر بآخره. يعني: ذهب بصره في آخر عمره، وليس في أوله. وعن عفان بن مسلم قال: كان حماد بن زيد يلبس قلنسوة بيضاء طويلة لطيفة.

стр. 145

ثناء العلماء على حماد بن زيد قال الحافظ أبو نعيم: ومنهم الإمام الرشيد الآخذ بالأصل الوتيد، المتمسك بالمنهج الحميد، نزل من العلوم بالمحل الرفيع، وتوصل إلى الأصول بالوسيط المنيع، اقتبس الآثار عن الأخيار، وأخذ الأعمال عن الأبرار، أكبر فوائده في الأقضية والأحكام، وأبلغ مواعظه في مراعاة الأبنية والأعلام، أبو إسماعيل حماد بن زيد. وعن علي بن الحسن بن شقيق قال: قال عبد الله بن المبارك: أيها الطالب علماًَ ائت حماد بن زيد فاطلب العلم بحلم ثم قيده بقيد لا كثور وكجهم وكعمرو بن عبيد وعن خالد بن خداش قال: حماد بن زيد من عقلاء الناس، وذوي الألباب. وعن أبي عاصم قال: مات حماد بن زيد يوم مات ولا أعلم له في الإسلام نظيراً في هيبته ودله. وأظنه قال: وسمته. قال عبد الرحمن بن مهدي: أئمة الناس في زمانهم أربعة: سفيان الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة. وقال آخر: هو أجل أصحاب أيوب السختياني وأثبتهم. وقال أحمد بن حنبل: حماد بن زيد من أئمة المسلمين من أهل الدين، هو أحب إلي من حماد بن سلمة. فـ حماد بن سلمة كان مشهوراً بالعبادة والشدة على أهل البدع، وكان واعظاً، وكان الناس يحسبون فيه الإخلاص في تعلمه وتعليمه، ولكن حماد بن زيد أثبت في الحديث. وقال عبد الرحمن بن مهدي: ما رأيت أعلم من حماد بن زيد ومالك بن أنس وسفيان الثوري، وما رأيت أحداً أفقه منه، يعني: حماد بن زيد. وعن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: سمعت أبا أسامة يقول: كنت إذا رأيت حماد بن زيد قلت: أدبه كسرى وفقهه عمر. وقال محمد بن سعد: حماد بن زيد يكنى أبا إسماعيل، وكان عثمانياً، يعني: كان يقدم عثمان على علي. وكما قال بعض العلماء: من فضل علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار؛ لأن المهاجرين والأنصار أجمعوا على تقديم عثمان على علي. وعن يحيى قال: حماد بن زيد أثبت من عبد الوارث وابن علية وعبد الوهاب الثقفي وابن عيينة. وعن عبيد الله بن الحسن قال: إنما هما الحمادان، فإذا طلبتم العلم فاطلبوه من الحمادين. وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: ما رأيت بالبصرة أفقه من حماد بن زيد.
следующие страницы →