Полный текст (1 904 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
صعوبة التعامل مع الحياة في المجتمعات الغربية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيسعدني ويشرفني أيها الإخوة والأخوات! أن أتحدث أمامكم وبين أيديكم، وكم أتمنى أن يكون هذا اللقاء مباشراً والحديث كفاحاً، لكن إذ لم يتيسر اللقاء المباشر فلا أقل من أن يكون مثل هذا الحديث، وإن كان لا يفي برغبتي وتطلعي، وأحسب أنكم كذلك.
إخواني وأخواتي: إن التربية في كل المجتمعات لها مشاكلها، والتربية قضية شائكة؛ إنها تعامل مع الإنسان، ذلك الكائن المعقد، إنك حين تتعامل مع كائن مادي يمكن أن تدخله المختبر، ويمكن أن تجري عليه تجربة، ويمكن أن تتحكم في متغيراته، لإنك تتعامل مع متغيرات واضحة ومحددة، وإذا جهلت جانباً منها فبإمكانك أن تتعلمه، وبإمكانك أن تجرب، وأما الإنسان فهو كائن آخر يختلف عن سائر الكائنات، إنه كائن تؤثر فيه متغيرات عدة يصعب أن تستنبطها أو تحصرها.
إن هذه المتغيرات تتفاعل مع بعضها، فيولد هذا المتغير تأثيراً، والآخر من طرف آخر تأثيراً مناقضاً، والثالث كذلك، وتفاعل هذا المتغير مع الآخر يولد تأثيراً آخر؛ بل إن الموقف والتجربة يصعب استنساخها ويصعب تعميمها، فالذي يلائم زيداً لا يلائم عمراً، والذي يصلح مع ابنك الأكبر قد لا يصلح مع الآخر، والذي يؤثر إيجاباً في موقف قد يؤثر سلباً في موقف آخر، بل إن الشخص نفسه قد يكون هذا الأسلوب مؤثراً عليه في موقف، وفي الموقف الآخر قد يؤدي تأثيراً من نوع آخر، وهو أمر نشهده في حياتنا، ونشهده مع أولادنا وبناتنا.
إننا أمام كائن معقد تتداخل فيه العوامل والمؤثرات، أمام كائن تحكمه نفسية صعبة معقدة، الإنسان نفسه يصعب عليه أن يفهمها فضلاً عن أن يفهمها الآخرون.
إننا إخواني وأخواتي مهما أوتينا من خبرة وتجربة، فإننا لا يمكن أن نصل إلى حد اليقين بتأثير تربيتنا وجهدنا، لكن حسبنا أن نبذل الجهد وأن نبذل ما نستطيع، وحسبنا أن نجتهد، والاجتهاد -إخواني وأخواتي- ليس في مجرد الدافع وحده، ليس في مجرد أن ننصح فقط، وأن نأمر وأن ننهى، لا، بل الاجتهاد يتطلب منا أن نبحث عن الوسائل التربوية المؤثرة الناجحة، ويتطلب منا أن نرتقي بخبراتنا ومعارفنا ومهاراتنا التربوية، ويتطلب منا أن نبحث عن حلول لمشكلاتنا.
إن الله أمرنا أن نتقيه ما استطعنا، وهذا من تقوى الله ﵎ ما استطعنا، فلئن كانت التربية -إخواني وأخواتي- مسألة صعبة ومعقدة، فهي في ظل الظروف التي تعيشون فيها أكثر صعوبة، وأكثر تعقيداً، وأكثر معاناة.
فيجب أن نضع في ذهننا بادئ ذي بدء أننا نعيش في وضع غير طبيعي، فأنتم تربون أولادكم على قيم تخالف قيم المجتمع، وتسمعونهم غير ما يسمعهم المجتمع، وتأمرونهم بخلاف ما يأمرهم به المجتمع، إنكم تسيرون في اتجاه والمجتمع في اتجاه آخر؛ فأنتم تسيرون ضد التيار.
فيجب أن نعي -إخواني وأخواتي- أنه يصعب أن نقضي على المشكلة نهائياً، ولا أعتقد أن هناك حلولاً يمكن أن تنقلنا إلى بر الأمان، وأن تجعل قضية التربية قضية محسومة مضمونة النتائج، لئن كان هذا الأمر صعباً على أولئك الذين يعيشون في بلاد الإسلام، فالذين يعيشون مثلكم الأمر لديهم أصعب.
فلا بد أن نستوعب طبيعة المعاناة التي نعيشها، وهذا يدعونا إلى ألا نكون مثاليين، وهذا يدعونا إلى ألا نعلق على جهدنا البشري كل شيء، فما نقوله وما نعمله وما نسعى إليه في تربيتنا لأولادنا ونحن في هذه البلاد غاية ما فيه أننا نبذل جهداً، ونبذل سبباً، والتوفيق بيد الله ﵎.
стр. 1367
لابد من التضحيات حتى نجنب أولادنا فتن البلاد الغربية
أقول إخواني وأخواتي: لا نتطلع إلى أن تحل المشكلة نهائياً، أعتقد أنكم تعيشون هذا الوضع غير الطبيعي الذي لا يمكن أن تنحل معه المشكلة بصورة قاطعة.
أيضاً لا بد من التضحيات، إننا نطلب مطلباً صعباً، نطلب أن نحافظ على أولادنا وبناتنا، نطلب أن نحافظ عليهم في هذه المجتمعات التي نشعر فيها أن التيار يسير في اتجاه ونحن نسير في اتجاه آخر، حين نختار أن نربي أولادنا على قيم الإسلام، وأن نربي أولادنا تربية إسلامية حقيقية ونحن في هذه المجتمعات فيجب أن نعرف أننا اتخذنا قرارات يجب أن نضحي من أجلها، ويجب أن نبذل الثمن من أجلها، ومن هنا فأولئك الذين يجعلون قضية التربية آخر اهتماماتهم غير مصيبين، فهو على سبيل المثال حين يختار سكناً فإن العامل الأول الذي يدفعه لهذا السكن هو مدى قربه أو بعده من موقع عمله، أو من جامعته التي يدرس فيها.
وهو حين يختار مدينة يسكن فيها، وحين يختار حياً، وحين يختار منزلاً فإنه يتخذ قراراً، وحينما تكون التربية آخر ما يرد في ذهنه فإنه بحاجة إلى أن يعيد النظر في جديته، أقول حينما نطلب أمراً غالياً فلا بد أن ندفع الثمن، وهذا يعني أننا لا بد أن نضحي بمكتسبات كثيرة، فقد يحتاج الأمر أن نتحمل مزيداً من المال، ومزيداً من الوقت، ومزيداً من الجهد، وقد نتنازل عن أمور نرغبها في سبيل تهيئة بيئة تربوية مناسبة لأولادنا، وما لم نحمل الاستعداد على التضحية فأعتقد أننا سنخسر كثيراً.
стр. 1368
الاهتمام بتربية الأولاد في بلاد الغرب من أهم الأولويات
ولا بد أيضاً من ترتيب الأولويات، وأعتقد أن صلاح أولادنا واستقامتهم من أهم الأولويات لدينا، ومن أعظم الأمور، إن الأب حين يمرض ولده فإنه يبذل كثيراً من ماله لأجل أن يعالجه، وحين لا يتاح له العلاج في بلده فإنه يسافر، ويستدين ويقترض، ويتحمل، ولا يستكثر شيئاً من ذلك؛ لأجل أن ينقذ ولده من هذا المرض؛ فكيف إذا كان المرض أشد؟ وكيف إذا كان المرض يتعلق بمرض القلب؟ وكيف إذا كان الأمر يتعلق بالهلاك الذي لا نجاة بعده؟ وكيف إذا كان الأمر يتعلق بهذا المصير المحتوم؟ عافانا الله وإياكم.
فلئن كان الأب يضحي ويبذل الجهد من أجل أن ينقذ ولده من مرض البدن، فأعتقد أن غيره من الأمراض أولى بالتضحية، وأولى بأن يدفع الثمن من أجلها.
فلا بد إذاً إخواني وأخواتي أن نضع هذه القضايا في الاعتبار، فنحن نعيش في وضع غير طبيعي، ولا يمكن أن نحل المشكلة نهائياً، إنما غاية ما نقدمه أن نقدم وسائل تعين على التعايش بصورة أفضل مع هذه المشكلة، ومع هذه المعاناة، ولا بد من أن نضحي؛ لأننا نطلب أمراً باهظ الثمن، ولا بد من ترتيب الأولويات.
ما هو مكمن المشكلة؟ مكمن المشكلة باختصار أننا نعيش في بيئة مناقضة لما نريد، فنريد أن نربي أولادنا على خلاف ما تدعوهم إليه البيئة التي يعايشونها في الشارع، وفي المدرسة، وفي وسائل الإعلام، وفي السوق هنا وهناك.
وأعتقد أننا يمكن أن نعمل من خلال مسارين: المسار الأول: إضعاف المؤثرات التي تؤثر سلباً على أولادنا، وحين أقول الأولاد، فإنني أعني بذلك البنين والبنات.
المسار الثاني: أن نقوي المانع الذي يجعل أولادنا يكونون أكثر قدرة على مواجهة هذه المؤثرات التي تناقض ما نريد.
стр. 1369
إضعاف المؤثرات التي تؤثر سلباً على الأبناء لتجنيبهم شرور بلاد الغرب
المسار الأول: إضعاف المؤثرات.
لا بد أن نعي إخواني وأخواتي طبيعة النفس البشرية، فالنفس فيها ميل للشهوة، فيها ميل للهوى، فيها الكسل، والنفس قد تقتنع بأن هذا الطريق لا يقودها إلى طريق الخير والسعادة، وقد تقتنع بأن هذا الطريق يقودها إلى الهلاك والبوار، ومع ذلك فهي تلتزم هذا الطريق.
إن كثيراً من المسلمين الذين نراهم يتجرئون على الكبائر، ويتجرئون على المعاصي، يدركون ما هم عليه من خطأ، فلم يؤتوا من جهلهم، وإنما أتوا من ضعف إرادتهم، ومن ضعف سيطرتهم على أنفسهم.
فإذا أدركنا إخواني وأخواتي طبيعة النفس البشرية، وأن النفس تضعف، وأن الاقتناع وحده ليس هو الباعث الوحيد للإنسان على سلوك الطريق، وأن الإنسان قد يسلك طريقاً بخلاف ما يقتنع به، ندرك عندها أن العلم وحده لا يكفي، وأن التوجيه وحده لا يكفي، وأن الإقناع وحده لا يكفي، وإن كان كل ذلك لا بد منه إلا أنه لا يكفي، فلا بد من إرادة، ولا بد من تضحية، ولا بد من تخل.
وكم نرى في أنفسنا أننا تأتينا ظروف ومواقف تدعونا إلى أن نقع في المعصية، وإلى أن نتكاسل عن الطاعة، ليس جهلاً منا وإنما ضعف أمام هذه المؤثرات.
إذاً: فإضعاف المؤثرات والتقليل منها يجنب أولادنا الوقوع في كثير من هذه المزالق.
لقد جاء الشرع لسد الذرائع، فنهى عن الدخول إلى منازل الآخرين دون استئذان، وقال ﷺ : (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)، ونهى أن تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ونهى أن يخلو الرجل بالمرأة، وأمر المرأة بالحجاب، وحرم الغناء، وحرم السفور والتبرج.
وجاءت أحكام كثيرة القصد منها تقليل فرص التأثير على الناس بما يقودهم ويدفعهم إلى المعصية، هذه الأمور لم تحرم لذاتها؛ وإنما حرمت لكونها وسيلة للوقوع في الحرام، وماذا يعني حين يحرم الشرع هذه الأمور؟ يعني: أن النفس بحاجة إلى أن تنقذ وأن يحال بينها وبين هذه المؤثرات، هذا الأمر لا بد أن نعيه؛ لأن من الناس من يلغي هذا الاعتبار، ويرى أن الاقتناع هو كل شيء، وأن أهم شيء هو الإقناع، فالإقناع أمر مهم وضروري وسنأتي إليه، لكن لا بد أن نضعف هذه المؤثرات قدر الإمكان، نضعف المؤثرات من خلال حجب ما نستطيع حجبه منها، أو التخفيف من شرها.
وإضعاف هذه المؤثرات يتم بأمور عدة:
стр. 1370
تقليل فرص التعرض لهذه المؤثرات
الأمر الأول: تقليل فرص التعرض لها فنسعى قدر الإمكان إلى أن نقلل من فرص تعرض أولادنا للمظاهر والمواقف السيئة في هذا المجتمع، بحيث أن نقلل قدر الإمكان من الخروج إلى الأماكن العامة، وأن نقلل من اصطحابهم إلى الأسواق والأماكن العامة التي يظهر فيها هؤلاء على سجيتهم، ويمارسون سلوكيات وأخلاقاً وأموراً أنتم أعلم مني بها.
وأيضاً من وسائل تقليل فرص التعرض لهذه المؤثرات: وسائل الإعلام.
وهي من أكثر ما يؤثر على الناس، ومن وسائل ضبط ذلك أن نقلل قدر الإمكان من تعرض أولادنا لمتابعة ومشاهدة التلفزيون والإنترنت، وأن نسعى إذا ابتلينا بهذه الأدوات ولم نجد بديلاً للتخلص منها أن تكون في مكان عام في المنزل، ومكان متاح، وأن نحذر أن تكون في غرف الأولاد، نحرص أن تكون المشاهدة قدر الإمكان جماعية إذا اضطررنا لذلك، مصحوبة بالتعليق المناسب والمقنع على المواقف المخالفة، فلا نترك أولادنا يتابعون الشاشات لوحدهم، ويتابعون وسائل الإعلام لوحدهم.
إذاً: فالأمر الأول أيها الإخوة والأخوات الذي يضعف هذه المؤثرات: أن نقلل من فرص تعرض أولادنا لها من خلال وسائل عديدة، وما ذكرته هو لمجرد التمثيل لا الحصر.
стр. 1371
تشكيل اتجاهات سلبية نحو الواقع الغربي
الأمر الثاني أيضاً الذي يضعف هذه المؤثرات: أن نشكل اتجاهات سلبية نحو الواقع الغربي، فأولادنا يبهرون بما يرونه خاصة من ولد منهم في مجتمعات المسلمين، وعاش فيها حتى بلغ سن الإدراك، ثم جاء إلى هذه المجتمعات فإنه يصدم بما يراه في واقع المجتمع الغربي، وهذه الصدمة قد تنتقل إلى تقبل القيم الغربية، وتقبل السلوك الغربي، وإلى إعادة مناقشة مسلمات موجودة عنده؛ لأنه رأى هذا الفارق الحضاري الهائل.
فالسعي إلى تشكيل اتجاهات سلبية نحو الواقع الغربي مما يقلل من تأثير هذه المؤثرات التي سيتعرض لها، ويكون ذلك من خلال نقد قيم الحضارة الغربية، فنتحدث نحن وإياه عنها وننقد هذه القيم نقداً علمياً موضوعياً، ليس مجرد الذم، وليس مجرد فقط الانتقاد، لا بد أن يكون النقد باللغة التي يفهمها، وباللغة التي يسمع لها، وأعتقد أننا نملك الوسائل الكثيرة التي نستطيع من خلالها أن نقنع أولادنا بذلك.
فمثلاً: التفكك الأسري أمر من أهم ما يميز الواقع الغربي، والأمة الإسلامية تعيش بخلافه، فالعيش هناك هو للمصالح المادية، فالناس يخدمونك ويتعاملون معك إذا كانوا يرجون من ورائك مصلحة مادية، وغياب قيم الإيثار كالكرم والشجاعة وغيرها من القيم الأصيلة التي تميل إليها النفس قبل أن تخاطب بالدين، وتسر بها، وتثني على أهلها، فعلينا بإبراز هذه الفوارق، وإبراز هذه القيم التي فقدها العالم الغربي، واجعل أولادك ينظرون إلى الوجه الآخر للعالم الغربي.
إذاً: إبراز الوجه الآخر: كالجريمة، والتفكك الأسري، والانحلال، كل ذلك يعطيه صورة أخرى غير صورة الواقع المادي الذي يبهره.
стр. 1372
التثقيف تجاه الشهوات
الأمر الثالث الذي يضعف هذه المؤثرات: التثقيف تجاه الشهوات، فالشهوات تشكل سلطاناً على النفوس، والمجتمع الغربي اليوم مجتمع مأفون بهذه الشهوات، مجتمع تعرض فيه الرذيلة أمام الناس ويرونها تمارس في الشارع، ويرونها في التلفاز، وعلى شبكة الإنترنت، وعلى الصحف، فيتعرض لها أولادنا وهذا التعرض قد يؤثر عليهم.
فنحن بحاجة إلى أن نثقف أولادنا عن الشهوات، وأن نحدثهم عن قيمة الإنسان، وأن الإنسان أسمى وأكرم من أن يكون عبداً لشهواته، وأن يعيش عيشة البهائم كما نرى من الممارسات التي نراها في الشوارع وفي القطارات وهنا وهناك، وأن هذا الإنسان كرمه الله ، وأن الإنسان هو الذي يتحكم في شهوته ولا تتحكم فيه، فيبرز هذا الجانب وهو تثقيف أولادنا تجاه الشهوات، وليس فقط من خلال الحكم الشرعي -وإن كان الحكم الشرعي مطلوباً- وإنما أيضاً من خلال إبراز أن الرجولة عند الشاب هي في سيطرته على نفسه، وأن الانتصار الحقيقي للفتاة هو في أن تشعر أن طريق الفساد متاح أمامها، ثم تمتنع عنه بإرادة وعزيمة وإصرار.
هذه هي قوة الشخصية، وهي الوجود الحقيقي للإنسان، هي قيمة الإنسان الذي يمتاز به عن الحيوان الذي ليس بينه وبين أن يمتع نفسه بشهوته إلا أن تدعوه شهوته لذلك.
стр. 1373
إبراز الوجه الحضاري للأمة الإسلامية
الأمر الرابع: إبراز الوجه الحضاري للأمة.
صحيح أن أمة الإسلام اليوم تعيش واقعاً سيئاً، وتعيش واقعاً لا يسر المسلم أن ينتسب إليه، خاصة في ظل المجتمع الغربي الذي يعتبر القيم المادية هي كل شيء، ويعلي شأن هذه القيم المادية، إننا نملك رصيداً هائلاً في تاريخنا وفي تاريخ أمتنا، وهذا التاريخ يغيب عن أولادنا خاصة أولئك الذين يعيشون في بلاد الغرب، فربما يدرس الذين يعيشون في بلاد الإسلام شيئاً من تاريخ الأمة وإن كان لا يكفي، لكن أولئك الذين عاشوا في بلاد الغرب يجهلون كثيراً من معالم تاريخ الأمة، ومن ثم فإن مواقف التاريخ الإسلامي المشرقة بدءاً بسيرة الرسول ﷺ ، والخلفاء الراشدين، وسائر الصحابة، والدولة الأموية، والعباسية، وغيرها في الحضارة الإسلامية التي حكمت مشرق الأرض ومغربها، فيبرز هذا التاريخ ليس لمجرد التاريخ السياسي: جاء خليفة ثم مضى وجاء آخر، وإنما إبراز الجانب الاجتماعي في تاريخ الأمة، وإبراز الجانب الحضاري في تاريخ الأمة، والجانب العلمي، إبراز هذه الجوانب المشرقة في تاريخنا الإسلامي، وأعتقد أنه يمثل حاجة ملحة لأولئك الذين يعيشون في بلاد الغرب أن نعطيهم البديل، فإنه يشعرهم بأنهم ينتمون إلى أمة عريقة، وينتمون إلى أمة قادرة على أن تبني حضارة لا تقارن بها هذه الحضارة المادية التافهة.
إن التاريخ يبرز النموذج الواقعي أمام الناس، فيقنع الناس بإمكانية تحول المثل إلى نماذج واقعية يرونها ويعايشونها، فإبراز تاريخ الأمة يمثل ضرورة ملحة في خطابنا وتربيتنا لأولادنا وبناتنا، وأرى أن المدارس الإسلامية والمراكز الإسلامية لم تقدم أنشطة للأطفال والشباب، فيجب أن يأخذ التاريخ الإسلامي والتعريف به، خاصة الجوانب الحضارية، والجوانب المشرقة، أن يأخذ ذلك مكاناً مهماً في البرامج التي تقدم.
стр. 1374
إبراز محاسن الإسلام
الأمر الخامس: إبراز محاسن الإسلام.
أن نبرز محاسن الإسلام لأبنائنا ولبناتنا، كيف أن الإسلام أنقذ الإنسان من الجاهلية، وأنقذه من الضلال والتيه والتخبط، وكيف أن الإسلام ارتفع بالإنسان، وكيف أن الإسلام جاء بهذا الدين العظيم الذي لا تتعارض فيه مطالب الدنيا مع مطالب الآخرة.
إننا نبرز الإسلام والدين لأولادنا على أنه تكاليف، وعلى أنه واجبات، صحيح أنهم بحاجة إلى أن يتربوا على الامتثال، لكننا بحاجة إلى نبرز الجانب الآخر، فنبرز محاسن الإسلام للناس، ونبرز أثر هذا الدين في تحرير الإنسان من عبوديته لغير الله ، وكمال هذا الدين وعظمته تؤكد على الانفصال بين حقائق الدين وبين واقع المسلمين اليوم، فواقع المسلمين اليوم لا يمثل الإسلام الذي جاء به محمد ﵊.
إذاً: إخواني وأخواتي هذا المحور الأول، وهو محور مهم: أن نضعف المؤثرات التي تؤثر على أولادنا وبناتنا من خلال تقليل فرص التعرض لها، ومن خلال تشكيل السلبية نحو الواقع الغربي، ومن خلال التثقيف تجاه الشهوات، ومن خلال إبراز الوجه الحضاري للأمة، ومن خلال إبراز محاسن الإسلام.
стр. 1375
تقوية المانع الداخلي الذي يجعل أبناءنا يواجهون هذه المؤثرات
المسار الثاني: أن نقوي المانع الذي يجعل هؤلاء من الداخل يواجهون هذه المؤثرات.
ومن وسائل ذلك وأهمها:
стр. 1376
البناء الإيماني للأبناء
الأمر الأول: البناء الإيماني، أن نعنى بتربية الإيمان في نفوس أبنائنا وبناتنا.
إن كثيراً من أساليبنا التربوية تعتمد على الأمر والنهي وعلى التوجيه، ولا شك أن الأم المسلمة حين ترى ولدها، وحين يرى الأب ولده على منكر فإنه ينهاه، وحينما يراه يقصر في واجب شرعي فإنه يأمره به، لكن ما القدر الذي تبنيه هذه البيوت، هل فيها ما يقوي الإيمان؟ هل فيها ما يصل بالله ﵎؟ إننا بحاجة إخواني وأخواتي إلى أن نراجع هذا الأمر؛ فإن كثيراً من بيوتنا تعاني من غياب هذا الأمر، تعاني من غياب البناء الإيماني، فحياتنا صارت حياة مادية، فنفكر بالمادة، ونتناقش في أمور المادة، ونتناقش في أمور الدنيا، وقلما أن يوجد في بيوتنا ما يعمر الإيمان ويقوي الإيمان.
стр. 1377
تقوية الإرادة عند الأبناء
الأمر الثاني: تقوية الإرادة.
فنحن بحاجة إلى أن نقوي الإرادة عند أبنائنا وبناتنا، وأن نجعلهم قادرين على أن يقولوا لأنفسهم: لا.
حين يستوجب الموقف أن يقولوا: لا.
وأن نجعلهم قادرين على أن يقولوا لأنفسهم: نعم.
حين يستوجب الموقف ذلك، وتعويدهم على هذا يحتاج منا إلى جهد، إن الإنسان الذي يتعود على أن يضبط إرادته من خلال تأخير استجابته لدافع الطعام، أو الشراب، واسترساله في الراحة إلى غير ذلك، يستطيع أن يضبط إرادته لمواجهة ما هو أكبر من ذلك، فنحن بحاجة إلى أن نعنى بتدريب أولادنا من الصغر على أن يتحكموا في أنفسهم، على أن يضبطوا أنفسهم، على أن نقوي إرادتهم.
стр. 1378
تهيئة الصحبة الصالحة
الأمر الثالث: تهيئة الصحبة، والصحبة من أخطر الأشياء وخاصة عند أمثالكم الذين يعيشون في هذه البلاد، إن الشباب المسلم اليوم عرضة لأن يتعرفوا على شاب منحرف أو فتاة منحرفة داخل مجتمعهم، ولكن أولادكم هنا عرضة لأن يتعرفوا على شاب كافر أو فتاة كافرة، والقضية لا تحتمل المخاطرة، فالقضية قد تدعو إلى الكفر والخروج من الدين، وهذا يحتم علينا أن نعتني بهذا الأمر وهذا الجانب، فنحن بحاجة -إخواني وأخواتي- إلى أن نعتني بتهيئة الصحبة الصالحة لأبنائنا وبناتنا، والأمر لا يتم من خلال المزيد من الحديث معهم حول هذا الأمر، وعن أهمية هذا الأمر، فهذا وحده لا يكفي، بل لا بد من الخطوات العملية التي تهيئ لأبنائنا وبناتنا أن يصحبوا الصالحين، وذلك من خلال اختيار المكان المناسب للسكن، وليس صحيحاً أن يختار أحدكم سكنه في أقرب مكان إلى الجامعة، أو أن يختار السكن الأقرب إلى موطن عمله، بل نحتاج إلى أن نختار السكن المناسب، ولو أدى إلى أن نسير خطوات، ولو أدى إلى أن ندفع ثمناً أغلى؛ ففلذات أكبادنا وأولادنا أغلى من أموالنا، وأغلى من كل ما نبذل، فنحن بحاجة إلى أن نختار مكان السكن المناسب، من خلال المكان المناسب القريب من المسجد، من المركز، من سكن المسلمين، اختيار الجيران المسلمين، من خلال اللقاءات العائلية، فمن المهم أن نفعّل اللقاءات العائلية بيننا وبين زملائنا، وأن نصحب عائلاتنا، فإنني حينما ألتقي بزملائي بأسرنا فإن أولادنا يلتقون مع بعضهم، فتلتقي البنات مع بعضهن، بخلاف ما إذا لم نفعل ذلك فإنهم يرون النموذج الآخر، إنه لا يرى إلا الوجه الكالح، فقد يذهب إلى المدرسة، وقد يذهب إلى الشارع، فلا يرى إلا أولاد الكفار، لكن حينما يأتي ويقابل أبناء المسلمين ويجالسهم، فالهموم مشتركة ومتقاربة، فهذه اللقاءات تكثيفها والاعتناء بها أمر مهم، ولو أدى ذلك إلى أن نضحي، ويجب ألا يكون الدافع لهذه اللقاءات مجرد تقضية الوقت، ألا يكون الدافع لهذه اللقاءات مجرد إمتاع الأهل، بل يجب أن تكون هذه اللقاءات مستهدفة لتحقيق التربية، وليس بالضرورة أن يكون معيار نجاحها هو ما نقدم فيها من برامج وتوجيهات أبداً، إن مجرد اللقاء ومجرد التعارف ومجرد التآلف بين هذه الشريحة بحد ذاته له أثره الكبير على أولادنا وبناتنا.
ومن خلال المدارس: اختيار المدارس الإسلامية والمدارس المناسبة التي تهيئ لهم أن يتعرفوا على هؤلاء.
إخواني وأخواتي: أنتم أعلم بواقعكم مني، وصلتي بالحياة الغربية لا تعدو أن تكون زيارات عاجلة خاطفة، أو قراءة محدودة، وأنتم أعلم مني بالوسائل التي يمكن أن تعينكم على تهيئة الصحبة الصالحة لأولادكم.
إن الصحبة الصالحة المسلمة ضرورة ولا بد أن نسعى إليها، ليس من خلال التوجيه وحده, وإن كان التوجيه مطلوباً ومهماً، لكن من خلال الوسائل العملية التي تعينهم على ذلك، والصداقة والصحبة لا تفرض فرضاً، إنك لا تستطيع أن تلزم ولدك أن يصاحب فلاناً وفلاناً، وإنك لا تستطيع أن تلزم ابنتك أن تصاحب فلانة أو فلانة، قد تستطيع أن تنهاهم وتجبرهم وتعاقبهم، لكنك لا تستطيع أن تخرج محبتهم من قلوبهم.
стр. 1379
الاعتناء باختيار المدارس الإسلامية المناسبة للأبناء
الأمر الرابع: الاعتناء باختيار المدارس الإسلامية المناسبة وإلحاق الأولاد بها قدر الإمكان، وأتمنى -إخواني وأخواتي- أن ندرك الخطورة التي قد تودي بأولادنا وبناتنا حينما نحرص على أن نعلمهم نتاج العلم المادي على حساب دينهم، إنك تستطيع أن تلحق ابنك بمدارس متميزة في تعليمها، لكنك قد لا تضمن بعد ذلك لا أقول استقامته، بل لا تضمن دينه، إن الخطورة تتجاوز مجرد الانحراف، وتتجاوز مجرد وقوع الشاب في التدخين أو الوقوع في الفواحش أو الخمور، إنها قد تؤدي إلى الخروج من هذا الدين بالكلية، وقد تؤدي إلى إنكار هذا الدين.
إن القضية -إخواني وأخواتي- صعبة، وأتمنى أن تكون تطلعاتنا لأولادنا في إطارها الطبيعي، وأن نشعر أن المحافظة على دينهم أسمى شيء، وهذا يدعونا إلى أن نعتني قدر الإمكان باختيار المدارس الإسلامية المناسبة، وإلحاق الأولاد بها، وإذا اضطررنا إلى المدارس الأخرى فلنسع إلى أن ننسق لهم صداقات في المدرسة، وأن ننسق لبناتنا صداقات، وأن نبحث عن المدارس غير المختلطة إذا أتيحت مثل هذه المدارس.
стр. 1380
تقوية القدرة عند أبنائنا على التقويم
الأمر الخامس الذي يقوي المانع: تقوية القدرة على التقويم.
فنقوي قدرة الابن على أن يقوم الظواهر، وأن يقوم الأشخاص، وأن يقوم الأفكار، وأن تكون عنده الآلية التي تدعوه إلى إصدار الحكم الصحيح؛ لأنه ستواجهه أفكار جديدة، وستواجهه مواقف، وسيتعامل مع أشخاص وسيتعامل مع فئات، فلا بد من أن يملك القدرة على التقويم، وأن يملك القدرة على أن يعرف الشخص المناسب من غير المناسب، وأن يعرف الصواب من الخطأ، وأن يعرف المستقيم والمنحرف، والقضية ليست بمجرد معلومات وأحكام نلقنه إياها بل نحن بحاجة إلى أن نبني هذه المهارة والقدرة عنده، وأن نقوي قدرته على النقد، فيستطيع أن ينتقد ما يراه انتقاداً مبنياً على أسس موضوعية، ليس مجرد الرفض للرفض، بل يستطيع أن يقول: إن هذا الموقف غير صحيح؛ لكذا وكذا، وتستطيع الفتاة حين تخرج متحجبة أن تدافع عن نفسها، وتستطيع أن تنتقد الواقع الآخر، وأن تنتقد تلك الفتاة المتبرجة، والشاب الذي يرفض أن يقيم العلاقات المحرمة يستطيع أن يبرز موقفه، وأن ينتقد موقف الآخرين.
أن نقوي القدرة على اتخاذ القرار وهو أمر مهم، إنه يحتاج إلى اتخاذ قرارات كثيرة في حياته، وستواجهه مشكلات يقدر أن يتعايش معها، وستواجهه صعوبات في تدينه، فهو بحاجة إلى أن يملك القدرة على اتخاذ القرار الصحيح، فنحن بحاجة إخواني وأخواتي إلى أن نقوي هذه القدرات وهذه المهارات التي تعينهم على أن يكون لديهم المانع القوي الذي يحول بينهم وبين تلقي تأثيرات البيئة السيئة.
стр. 1381
ربطهم بأنشطة وبرامج دعوية تناسبهم
الأمر السادس: ربطهم بأنشطة وبرامج دعوية تناسبهم؛ الأبناء في محيطهم والبنات في محيطهن، فحين يفكر الابن بالدعوة، ويسعى للمشاركة في الدعوة، فإن هذا يجعله ينظر إلى نفسه نظرة أخرى، وهذا من أكثر ما يعين المرء على المحافظة على نفسه، فلنسع إلى إتاحة المجالات الدعوية لأبنائنا وبناتنا من خلال وسائل عديدة؛ من خلال الإنترنت والتواصل فيها مع المسلمين، ومن خلال الحوار حول الإسلام، ودعوة الناس للإسلام إذا كان يجيد ذلك، ومن خلال العمل في المراكز الإسلامية، ومن خلال إعداد مواد دعوية، فهناك مجالات كثيرة يمكن من خلالها أن نوظف جهود أبنائنا وبناتنا في الأعمال الدعوية.
أقول: إخواني وأخواتي إن ربطهم بالأنشطة والبرامج الدعوية التي تناسبهم وتثير عندهم الرغبة والحافز إن هذا مما يعينهم على الثبات، ونحن نلاحظ هذا في حياتنا، فأولئك الذين يمارسون الدعوة من أكثر الناس ثباتاً، والذين يقتصر تدينهم على أنفسهم من أكثر الناس عرضة للتغير.
стр. 1382
التعجيل بالزواج للأبناء
الأمر السابع: التعجيل بالزواج.
لئن كان الشاب والفتاة اليوم في بلاد المسلمين يؤخرون الزواج، ونعتبر ذلك خطيئة؛ فإنه أشد حينما يكون ذلك في بلاد الغرب.
أعرف -إخواني وأخواتي- أن هناك ظروفاً كثيرة تعوق المسلمين دون أن يبادروا في تزويج أبنائهم وبناتهم، وأعرف أن هناك مصاعب كثيرة، لكن حين تكون هذه القضية مهمة لدينا فإننا يمكن أن نتجاوز ذلك، فقد نلجأ إلى أن نبادر بالعقد بين الشاب والفتاة ولو لم ينتقلا إلى بيت الزوجية، ولو عاش كل منهما في بيته، فإذا أتيحت لهما فرص اللقاء فإنه حينئذ يمارس حقه الشرعي من خلال العلاقة والصلة، ويتاح له المصرف الشرعي الذي يحميه بإذن الله، ويحمي الفتاة من الانحراف والوقوع في الفساد، فلا يسوغ -إخواني وأخواتي- أن نقارن واقع أولادنا بواقعنا، وإن كنا نحن -ونحن رجال ونساء كبار- نشعر بأثر هذا الواقع السيئ علينا، فكيف بأبنائنا وبناتنا الذين يعيشون المراهقة، وكيف بأبنائنا وبناتنا الذين لا يجدون المصرف الشرعي، والذين لم تصقلهم التجارب، ولم يكتسبوا الخبرة.
أقول: نحن بحاجة إلى أن نعيد النظر في أمور كثيرة، وأن نبادر بالتزويج ولو ضحينا التضحيات، ولو غيرنا في عادات كثيرة اعتدنا عليها، فهذه الأمور السبعة تقوي المانع لأولادنا وبناتنا، وتجعلهم أبعد بإذن الله عن التأثر بما يشاهدونه في هذه البيئة.
стр. 1383
ضرورة اقتطاع جزء من الوقت للجلوس مع الأبناء
وهناك أمور أخرى لا بد منها، فلا بد أن نعطي أولادنا نصيباً من أوقاتنا، وأدرك أنكم مشغولون في دراستكم، ومشغولون بإعمالكم، ومشغولون بمهامكم، لكن منح الأولاد وقتاً نجالسهم فيه، ونشاركهم ألعابهم، ونشاركهم طعامهم، يعد ضرورة؛ خاصة في مثل المجتمعات التي يعيشون فيها.
стр. 1384
لابد من تعجيل العودة إلى بلاد المسلمين
الأمر الثاني: لا بد من أن نجعل العودة إلى بلاد المسلمين هي الخيار الأول، وأنا أدرك أن طائفة ممن يقيمون في هذه البلاد قد لا يستطيعون العودة إلى بلادهم، وأدرك أن طائفة ممن يقيمون في هذه البلاد هم ممن يقيمون إقامة مؤقتة لأغراض الدراسة، لكن هناك أعداداً ليست بالقليلة يستطيعون أن يعودوا إلى بلادهم، والأمر فقط مجرد أوضاع مادية أحسن من تلك الأوضاع التي يعيشون فيها في بلادهم، أو أنهم يضخمون الأمور الأخرى، لست أقول: إن كل من يقيم هنا كاذب في ادعائه، ولست أقول: إنه قادر على العودة، لكن أقول: اجعلوا العودة إلى بلاد المسلمين هي الخيار الأول ولو ضحيتم ببعض الفرص المادية التي قد لا تجدونها في بلاد المسلمين؛ فإن هذا أولى من أن تضحوا بأولادكم.
стр. 1385
أهمية زيارة البلاد الإسلامية
الأمر الثالث: من المهم زيارة الدول الإسلامية -سواء دولكم أو الدول الأخرى- قدر الإمكان، وهذه الزيارة -مهما كانت أوضاع الدول الإسلامية غير مشجعة- تجعلهم يرون الصورة الأخرى: يرون المساجد، ويرون المصلين، ويرون البيئة الإسلامية، ويرون الفارق، وحينما ندير نحن التعامل مع ما يشاهدونه من واقع في هذه الدول من خلال إبراز الوجه الآخر، وأن نبرز التواصل الاجتماعي، والكرم، والسخاء، والصور الايجابية في كثير من بلاد المسلمين والتي يفتقدونها في واقعهم الآخر الغربي، وأن نبرز الصور السيئة في الواقع الغربي، فإن هذه تربطهم بأمتهم وتربطهم بواقعهم.
لقد رأيت في بعض البلاد طائفة ممن هاجروا من الدول الإسلامية لا يفصل بين بلدهم الأصلي والبلد الذي يقيمون فيه إلا البحر، كنت أقول: لو ذهبت سباحة في هذا البحر لوصلت إلى بلدكم، ومع ذلك فإن الجيل الثاني لا يعرف لغة بلده لا يعرف اللغة العربية، ولم يزر بلده قط، وليس هناك ظروف تمنعه من ذلك.
فهذا التزاور سيتيح اللقاء بأقرانهم من الصالحين، والمشاركة في بعض أنشطتهم، فحينما تذهب إلى بلاد المسلمين تحرص قدر الإمكان على أن يلتقوا بالشباب الصالحين، وبالفتيات الصالحات، ويشاركوهم بعض الأنشطة، وهذا سيكون بإذن الله له دور في ربطهم بأمتهم، وفي ربطهم بدينهم، وفي إبراز الصورة الأخرى من الواقع المقابل للواقع الذي يعيشونه.
أخيراً: قد نضطر إلى التعامل مع الواقع الذي يفرض نفسه، فقد لا يكون ولدك متديناً، وقد لا يكون صالحاً، وقد لا تكون بنتك كذلك، وسيبقى ولدك هو ولدك وتبقى بنتك هي بنتك، فحينما لا يكون أولادك على ما يسر فلا غنى لك عن التعامل معهم، ولا غنى لك عن تقبل هذا الوضع، صحيح أنت لا تسوغ الانحراف، ولا تقبل بالانحراف، ولا تقل: إن طريقك صحيح، لكن يجب أن تقف في نقطة وسط بين بيان الخطأ، وبيان عدم رضاك عما هو عليه، وبين تقبله، فسيبقى ولدك وستبقى ابنتك بعد ذلك.
هذه بعض الخواطر التي في ذهني حول مثل هذا الموضوع، وأدرك أن تجربتكم ومعايشتكم لا شك أنها تقودكم إلى أن تدركوا في مثل هذا الأمر ما لا أدركه، لكني استجابة لطلب الإخوة ورغبة في الحديث معكم، والذي كنت أتمنى أن يكون حديثاً مباشراً، وأن يكون كفاحاً، وأن يتم اللقاء بيننا وبينكم، لكن ما دام أنه لم يتح لنا هذا اللقاء فلا أقل من مثل هذا اللقاء البعيد الذي لا يفي بما أريد وما تريدون.
أسأل الله أن يكون لقاء طيباً ومباركاً، ويهب لنا وإياكم من أزواجنا وذريتنا قرة أعين، ويجعلنا للمتقين إماماً؛ إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 1386
الأسئلة
стр. 1387
حكم مغالاة بعض الآباء في مهور بناتهم؛ لسداد تكاليف الحياة في الغرب
السؤال
بعض الآباء يغالي في مهر ابنته؛ لسداد جزء من التكاليف المادية التي يعاني منها في بلاد الغرب، ما رأيكم في ذلك؟
الجواب
لئن كان هذا الأمر ممقوتاً في بلاد المسلمين، ففي مثل هذه البلاد أعتقد أنه أكبر خطيئة، والمهر لماذا شرع؟ المهر ليس ثمناً للفتاة، والعاقل لا يتاجر ببناته، فالمهر حق لها، وأرى أنه من واجب الأب أن يبادر في تزويج ابنته إذا بلغت سن النكاح، خاصة في مثل هذا البلد، فينصح إذا وجد شاباً مسلماً محافظاً يمكن أن يقترن بابنته أن يبحث عنه ويرضى به، ولو أن المسلمين يشعرون بأن الله تعبدهم بالمهر لرأيت أن الرجل الغيور الحريص على ابنته يبذل المال هو لأجل أن يحصل على الزوج الصالح.
فأقول إخواني وأخواتي: إن المال يذهب ويأتي، وهب أنك وجدت مالاً كبيراً، وهب أن ابنتك تزوجت بشاب ثري فماذا يكون؟ فالمال يزول ويذهب، والرصيد الحقيقي هو في الإيمان وفي التقوى وفي طاعة الله، وماذا يغني -لا سمح الله- إن بقي ولدي أو بقيت ابنتي لم تتزوج، ثم أدى بها ذلك إلى الضلال والانحراف، وصارت من حطب جهنم، ماذا يغني المال؟ وماذا يغني عرض الدنيا؟ ولو سئل أي إنسان: أيهما أهم عندك دينك أم دنياك؟ فلا أعتقد أن مسلماً سيجيب بالأخرى، لكن حينما نرى واقعنا وسلوكنا فإننا نرى خلاف ذلك، فيستغرب الإنسان حين يرى المسلم يجعل بناته تختلطن بالرجال ولو كانوا صالحين! وتعلمون أن النبي ﷺ نهى عن الاختلاط فقال: (إياكم والدخول على النساء، قالوا: فالحمو؟ قال: الحمو الموت).
والنبي ﷺ قال: (لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)، فحرم الشرع الاختلاط والخلوة سداً للذريعة والفساد، فكيف إذا كانت الفتاة البالغة تختلط مع شباب غير مسلمين لا يردعهم دين، أي تربية تتربى عليها؟ وأي قيم تتلقاها؟! وأي فساد يمكن أن تصل إليه وهي تعيش في هذا الواقع، إذا كنا اليوم نعاني ونحن في بلاد المسلمين المحافظة، وبناتنا لا يدرسن في مدارس مختلطة؟! إننا نعاني من تأثير المجتمع هذا التأثير السيئ فكيف بما وراء ذلك، فإذا أتمت البنت الدراسة ولم نجد مدرسة منفصلة فأعتقد أننا لسنا بحاجة إلى أن نلحقها بهذه المدارس، فهناك فرص أخرى وبدائل أخرى، كأن نبادر بتزويجها لتكون ربة أسرة، ولا نبقيها في ظل هذا المجتمع المتعفن.
стр. 1388
الفصل في مسألة التردد بين اختيار المدارس الإسلامية أو المدارس الإنجليزية
السؤال
نتردد كثيراً في الاختيار بين المدارس الإسلامية رغم ما فيها من ضعف، وبين المدارس الإنجليزية؟
الجواب
لقد ذكرت في بداية حديثي أننا بحاجة إلى تضحية، وأننا حينما نريد أن نربي أولادنا ونحن في هذه المجتمعات على قيم تخالف هذه القيم، فإننا بحاجة إلى تضحية، ولهذا قد نضطر إلى أن ندخلهم في مدارس إسلامية أضعف حالاً من المدارس الإنجليزية، قد يكون فيها رسوب، وقد تكون المدرسة بعيدة، لكن نحن لا نقارن بين الأمرين على أنهما فرصتان متساويتان، ولو قارنت بين إلحاقهم بمدرسة إنجليزية أو مدرسة إسلامية على أنهما فرصتان متساويتان فإن المقارنة لن تكون مجدية، وسأشعر بتميز هذه المدرسة الإنجليزية، لكن حينما أضيف إلى ذلك الأمر الآخر فأعتقد أنني لو ضحيت بقدر من التعليم الذي يكتسبه الولد ويمكن أن أعوضه أنا من خلال الخبرات، ويمكن أن نعوضه نحن من خلال ترتيب برامج مشتركة لأولاد المسلمين تكمل لهم ما يفتقدونه في تلك المدارس؛ فإن هذا خير لنا بكثير من أن يذهبوا إلى تلك المدارس، ولو قل مستوى تعليمهم عن أولئك الذين يلتحقون بتلك المدارس، فإن التعليم العالي المتميز بدون الدين لا قيمة له.
стр. 1389
حكم إلحاق الأولاد بالمدارس الإنجليزية
السؤال
ماذا ترون في إلحاق الأولاد بالمدارس الإنجليزية؟
الجواب
أرى قدر الإمكان أن يكون إلحاق أولادنا بالمدارس الإنجليزية هو في دائرة الضرورة، وكلما استغنينا عن ذلك فهو أولى، وأنا أعرف أنني حينما أدخل ولدي في مدرسة إنجليزية فإنه سيجيد اللغة، وسيتعلم مهارات كثيرة إلى آخره، لكن ستكون فرص تأثره أكثر، وستكون فرص تشربه لقيم هذا المجتمع أكثر، وأعتقد أن الأولى أن اختار خيار الدين، وخيار المحافظة عليه.
مرة أخرى أقول: هناك فرص كثيرة يمكن من خلالها التعويض، يمكن أن نستأجر معلمين ومعلمات من المسلمين الإنجليز، يمكنهم أن يقدموا برامج جيدة، ويمكن أن تتعاون الجالية المسلمة على ترتيب برامج تعليمية، فهناك بدائل يمكن أن تعوض، وقد لا تصل إلى حد أن تكون مثل ما تقدمه المدارس الإنجليزية لكنها يمكن أن تعوض كثيراً مما يفتقدونه جراء عدم التحاقهم بهذه المدارس، وبخاصة أولئك الذين يقيمون إقامة مؤقتة، فهم بحاجة إلى إتقان اللغة العربية أكثر من غيرهم.
стр. 1390
العلاقة بين الزوجين وتأثيرها على تربية الأولاد
السؤال
ألا ترون أن من مشكلتنا في التربية تكمن في العلاقة بين الزوجين، وغياب القدوة داخل المنزل؟
الجواب
لا شك أن العلاقة بين الزوجين من أهم الأمور التي تعين على النجاح في التربية، إنها تجعل البيت أكثر استقراراً، وتجعل البيت بعيداً عن الاختلاف، وتجعل الأم تعيش في جو نفسي مريح، وتجعل الأب يعيش في جو نفسي مريح، وتجعل البيت أفضل مكان للزوج يجلس فيه، وتجعل الأم ترى أن بيتها هو أفضل مكان، والأولاد يرون صورة مثالية من التعامل، وهذا يترك أثره عليهم، وفي المقابل فإنهم حين يرون الصراع والخصومة والمشكلات بين الوالدين، فإنهم لا يمكن أن يتربوا على حسن الخلق، ولا أن يعيشوا جواً مستقراً، والأطفال يفهمون أكثر مما نتصور وأكثر مما نظنه فيهم.
الأمر الثاني الذي أشار إليه السائل هو: القدوة، فالقدوة من أهم وسائل التربية، بل بدون القدوة لا يمكن أن نربي أولادنا تربية صحيحة، فأولئك الذين لا يفعلون ما يقولون هم في واقع حالهم يأمرون الناس بقولهم، لكنهم ينهونهم بفعلهم، فالأب الذي لا يتصف بالخلق الحسن لا يربي أولاده على حسن الخلق، والذي لا يحافظ على الصلاة لا يمكن أن يربي أولاده على المحافظة على الصلاة وهكذا سائر الأمور.
стр. 1391
كيفية التعامل مع أسئلة الأطفال
السؤال
كيف يمكن أن نتعامل مع أسئلة الأطفال؟
الجواب
هناك مراحل عند الأطفال يكثرون فيها من الأسئلة، وهذه أسئلة أحياناً قد لا يدرك ما وراءها، ولا يمكن حتى شرحها لهم، وهذا غير الأسئلة المحرجة، وقد يسأل عن أمور الإجابة عليها تتجاوز إدراكه العقلي، فالطفل مثلاً لا يدرك المعاني المجردة وإنما يدرك الأمور المحسوسة، فعندما يسأل عن شيء فهو يحتاج إلى أن تقرب له هذا المعنى مجرداً بصورة محسوسة، وقد لا تستطيع ذلك، فلا شك أن هناك أسئلة كثيرة ترد من الطفل ربما يصعب على الوالدين أن يجيبا عليه فيها، لكن الأمر يحتاج أولاً إلى ألا نتجاهل الإجابة على السؤال خاصة إذا كان ملحاً، وأن نجعل من السؤال فرصة لتنمية قدراته ومهاراته العقلية، وأن نجعل السؤال مدعاة إلى التفكير، فلا نقدم له الإجابة مباشرة، والأسئلة التي فيها نوع من الحرج يمكن أن تقرب له الصورة فيها، فهو مثلاً حينما يسأل عن الابن كيف يأتي؟ فنقول له: إنه ينبت في بطن الأم، ثم يكبر، ثم يخرجه الله إلى الحياة، فبمثل هذه الصورة يمكن أن تقرب له.
стр. 1392
تحمل نتيجة الزواج في بلاد الغرب ولو من مسلمة
السؤال
تزوجت بإنجليزية مسلمة ولي منها طفلة، فطلقتها، واستطاعت الحصول على حضانة الطفلة، فماذا أفعل وأنأ أريد العودة إلى بلادي؟
الجواب
أنت أعلم بالمداخل القانونية لمثل هذا الأمر، لكن إذا استطعت أن تأخذ ابنتك معك بأي طريقة، وبأي حق قانوني، فأولى بك أن تأخذها قدر الإمكان، وهذه المشكلة من مشكلات الزواج في هذه المجتمعات، فلا بد أن ندفع الثمن.
فأقول: إذا كان تأخرك لمدة من الزمن قد يساعدك على أن تحصل على ابنتك وتذهب بها، فأولى بك أن تتأخر؛ حتى تنقذ ابنتك من أن تعيش في هذا المجتمع، وأنا أقترح على الأخ أن يفكر في مراجعة زوجته إن استطاع قدر الإمكان ولو تحمل شيئاً من المعاناة، وما دامت مسلمة فهناك قدر مشترك بينكما فتقتنعان على الأقل بحاجتكما إلى المحافظة على ابنتكما، فتسعى للحوار بصورة تجعل الحفاظ على الأولاد وعلى دينهم أهم من مجرد أن يصر كل منكما على موقفه.
стр. 1393
الوسائل التي تقوي الإرادة في نفوس أبنائنا
السؤال
ما الوسائل التي ترون أنها تقوي الإرادة في نفوس أولادنا؟
الجواب
هناك وسائل عديدة يمكن أن تعين على تقوية الإرادة، منها: التعويد، فنعود أولادنا ألا يستجيبوا لكل ما تطلبه أنفسهم، والعبادات الشرعية فيها أثر كبير في تقوية الإرادة كالصيام والصلاة وغيرها، وتأخير الاستجابة، وليس تأخير الاستجابة للرغبات الذي يقوم على التحكم، وإنما به نوع من التعويد لهم، فيمكن أن يقوي الإرادة، وكذلك التعويد على التفكير في البدائل، فيعود الولد على أن يفكر ماذا سيدفع؟ أو ماذا سيأخذ وماذا سيجني إذا استجاب؟ وماذا سيجني إذا أخر الاستجابة؟ كل هذه الأمور مما يعين على تقوية الإرادة في نفوس أولادنا.
стр. 1394
أهمية تعليم الأبناء اللغة العربية
السؤال
كيف ترون أهمية تعليم الأولاد اللغة العربية؟
الجواب
اللغة العربية مهمة؛ لأنها أولاً: هي الوسيلة لفهم القرآن، ولفهم السنة، ولفهم الكتب الإسلامية، ولفهم كلام أهل العلم.
ثانياً: أنها تعطيه شعوراً بالانتماء للأمة العربية والأمة المسلمة، فإذا قابل مسلماً فإنه يستطيع أن يتحدث معه، وتهيئ له فرص الحوار مع إخوانه المسلمين من العرب، فما يتاح من مواد دعوية، ومن مواد خيرة متنوعة في الإنترنت وغيرها هو باللغة العربية، فيمكن أن يتعامل معها، فيعيش الأبناء حينها هموم العالم الإسلامي، ويعيشون أخباره، ويعيشون واقعه، وأما حينما تكون اللغة مختلفة فإنهم يعيشون بصورة معزولة، فإذا عرف الابن اللغة العربية فإنه يفهم القرآن إذا قرأه، وتؤثر فيه السنة، ولا شك أن لهذا أثراً كبيراً في استقامة الأولاد على طاعة الله وعلى دينه.
стр. 1395
حكم تربية الأولاد على أن يقولوا لكل من وجدوه من الكفار يا كافر
السؤال
ما رأيكم في تربية الأولاد على أن يقولوا لكل من يقابلونه من الكفار يا كافر؟
الجواب
لا اعتقد أن هذا مناسب، ولم يكن هذا من شأن المسلمين، فالنبي ﷺ عايش اليهود في خيبر، وعاش أهل الذمة في بلاد المسلمين، صحيح أنه كان لهم أحكام خاصة، لكن لم يكن من شأنهم أنهم كل من يلقونه يقولون له: يا كافر، والصورة تختلف الآن، فالأبناء يعيشون في وضع هم فيه ضعفاء مستضعفون في هذه المجتمعات، فهذا الأمر لا يحقق المصلحة، وهذا الأمر يقودهم إلى أن يختلفوا معهم، ويقودهم إلى أن يتصارعوا معهم، وقد يقودهم إلى مواقف قد لا يستطيعون بعد ذلك الدفاع عنها والثبات عليها.
стр. 1396
أثر المدارس الإنجليزية على أولاد المسلمين
السؤال
ما تقييمكم لأثر المدارس الإنجليزية على أولاد المسلمين؟
الجواب
أعتقد أنكم أعلم مني بذلك، لكن من أهمها: أن الذين سيدرسونهم غير مسلمين وغير مسلمات، وأن الطلاب الذين يدرسون معهم غير مسلمين، فهي مدارس مختلطة، مدارس الدين لا يمثل شيئاً فيها، ولا قيمة له فيها، يدرس فيها كل شيء إلا الدين، بل يدرس العالم المادي، وهذه من أخطر الأشياء التي يمكن أن تؤثر على أولادنا، البيئة السائدة في المدرسة، المناهج، النظام، فلسفة الحياة، النظرة إلى الحياة، كل هذه الأمور هي من نتاج هذه المدارس.
جزاكم الله خيراً، وبارك فيكم وأثابكم، وأسال الله أن يجعلنا وإياكم من المتحابين فيه، إنه سميع مجيب، وصلى الله على سيدنا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1397
التربية الجادة ضرورة
إن المجتمعات والمؤسسات التربوية، والتجمعات بل الأفراد جميعاً يمارسون التربية لأنفسهم، ولكن ليست هذه التربية هي التي نريد، فنحن نريد التربية التي تهيئ المرء ليكون عبداً حقاً لله ، ليكون أهلاً أن يحمل هذه الرسالة وأن يتحمل تكاليف هذا الدين، ومن ثم كان لابد من الحديث عن التربية الجادة.
стр. 1398
التربية التي نريد
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله.
أما بعد: فهذا هو الدرس السابع من الدروس التربوية أسأل الله أن يجعل فيها الخير والبركة، وأن يعيننا على إتمامها والاستفادة منها.
وهذا الموضوع إنما هو امتداد للموضوع السابق، فنحن كما أننا بحاجة إلى القناعة بأهمية التربية والحديث عن ضرورتها، والعناية بها نحن كذلك نحتاج إلى نوع من التربية، إن المجتمعات والمؤسسات التربوية، والتجمعات بل الأفراد جميعاً يمارسون التربية لأنفسهم، وليست كل تربية هي التربية التي نريد، فنحن نريد التربية التي تهيئ المرء ليكون عبداً حقاً لله ، ليكون أهلاً أن يتحمل هذه الرسالة وأن يحمل هذا الدين، ومن ثم كان لا بد من الحديث عن التربية الجادة.
وقد نتساءل ماذا نعني بالتربية الجادة، لعل هذا التساؤل تزول الحاجة له عند الحديث عن جوانب هذا الموضوع، ولكننا يمكن أن نقول باختصار: إن التربية الجادة يمكن أن نعرفها من خلال برامجها، فهي تلك التربية التي تحتوي على برامج جادة وعلى برامج طموحة تهدف إلى الارتقاء بالمتربي إلى منازل عالية وإلى منازل الرجال.
ويمكن أن نتعرف إليها من خلال الهدف التي تؤدي إليه، والنتيجة التي تصل إليها ألا وهي إعداد الرجل الجاد، الرجل الجاد ليس هو قليل الدعابة والهزل، الرجل الجاد هو صاحب الهدف، الذي يسري في أعماقه وروحه، الرجل الجاد هو من يتوجه بالعبادة الحقة لله ، هو الجاد في طلبه للعلم الشرعي، هو الجاد في دعوته إلى الله ، هو الرجل القادر على اتخاد القرار الحاسم في الوقت المناسب، هو الرجل الشجاع، هو الرجل غير الهياب، إن مواصفات الرجل الجاد مواصفات أشمل وأتم من أن تكون ذاك الرجل قليل الضحك كما قد يتبادر للذهن، وماذا نريد من إنسان صموت قليل الضحك قليل الكلام وهو في مقابل ذلك قليل العمل وقليل الإنتاج، فلعل بعض الجمادات تكون أكثر هدوءاً وأقل كلاماً وحديثاً من الكثير من أولئك، وما تغني شيئاً، فنحن نريد بالرجل الجاد الرجل العامل الذي يقول الكلمة حين ينبغي أن تقال، يعمل العمل حين ينبغي، صاحب المبادرة في حياته كلها، ونحن بحاجة إلى أن نتخلص من وهم الجماهير والانخداع بها.
إننا نرى الآن أفواجاً هائلة تفد إلى الله ، ونرى هذه الصحوة المباركة تمتد على قنوات ومجالات شتى، وهي ظاهرة ولا شك تبشر بالخير وتسر كل مسلم، ولكننا ينبغي أن لا نفرط في التفاؤل وأن لا نعطي هذه الجماهير أكبر مما تستحق، وأن لا نعول عليها فقد تخذلنا حين نحتاج إليها، ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥]، ونخشى أن تتحول هذه الغثائية التي أخبر النبي ﷺ أنها ستصيب الأمة: (قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل) نخشى أن تتحول هذه الغثائية إلى تيار الصحوة، فيصبح عندنا تياراً قوياً جارفاً فيما نتصور، ولكنه غثاء كغثاء السيل.
إنني لست أتشاءم ولا أقلل من الإنجازات، ولست أنظر بنظرة سوداوية إلى إنجازات هذه الصحوة، ولكنني أيضاً أخشى أن يصيبنا داء غيرنا الذين يتحدثون عن الإنجازات ويتحدثون عن الأرقام ويهتمون بالعدد، وأن ترى الحديث كثيراً في القرآن في ذم الاغترار بالكثرة والاغترار بالعدد، إننا مع حرصنا على تكثير سواد الصحوة وعلى سواد المنتمين لهذا الطريق والخير ينبغي أن لا نخدع بهذه الجماهير، وينبغي أن نشعر ونوقن أن هذه الجماهير بحاجة إلى تربية، تربية جادة، تربية عميقة، تربية طويلة تحتاج إلى جهود يتظافر عليها الجميع، وما كنا نظن أنه سيأتي الوقت الذي نحتاج إلى أن نقنع الناس بالحاجة إلى التربية، أن نتحدث عن أهمية التربية والحاجة إليها، إنها قضية ينبغي أن تكون بدهية، ينبغي أن تكون مستقرة لدى الجميع، وقد كانت كذلك فترة من الزمن ولكن حين امتد الخير وانتشر رواقه، ودخل من دخل أصابنا ما أصابنا فأصبحنا بحاجة إلى أن نقرر البدهيات، وبحاجة إلى أن نتحدث عن أهمية التربية، إننا الآن بحاجة إلى أن نتحدث عن وسائل حديث في التربية، بحاجة إلى أن نتحدث عن مشكلات تربوية، بحاجة إلى أن نتحدث عن برامج التربية عن مضمون التربية وما يتعلق بها، وينبغي أن نتجاوز تلك المرحلة التي نقنع فيها الناس بضرورة التربية والحاجة إلى التربية، هذا مدخل بين يدي هذا الموضوع، والذي سيتضمن النقاط الآتية، مبررات المطالبة بالتربية الجادة، ثمار التربية الجادة، صور من نتائج التربية الجادة، حين تتخلف التربية الجادة، والمفاهيم المغلوطة، مقترحات للنقلة.
стр. 1399
مبررات المطالبة بالتربية الجادة
إننا حين نطالب المربين جميعاً سواء كانوا آباءً أو أساتذة أو معلمين، سواء كانوا مشايخ في حلق العلم، أو كانوا طلبة للعلم في برامجهم مع إخوانهم، أياً كان أولئك المربين إننا حين نطالب هؤلاء بالتربية الجادة ننطلق من مسوغات ومبررات عدة أولها ما سبق الحديث عنه في الدرس السابق الذي أشرت إليه: حاجتنا إلى التربية.
ولقد ذكرت هناك مسوغات عدة تبرر الحاجة الملحة للعناية بالتربية، لعلي أذكرها الآن إجمالاً، منها:
стр. 1400
مسوغات سبق الحديث عنها
ضخامة الدور المنوط بهذه الصحوة.
كثرة الفتن والمغريات.
أن هناك معان لا يمكن تحقيقها إلا من خلال التربية، معاني الصبر والوفاء والكرم والشجاعة إلى غير ذلك.
عمق الخلل التربوي في المجتمع، الخلل في واقع الصحوة، الفصام في المؤسسات التربوية بين النظرية والتطبيق، توسع مجالات الدعوة وجوانبها.
تلك أمور سبق الحديث عنها بالتفصيل والإفاضة في ذلك الدرس.
تحدثنا عنها وذكرنا أنها مسوغات للمطالبة بالتربية، وهي الأخرى أيضاً مسوغات للمطالبة بالتربية الجادة، ومن هنا فلست بحاجة إلى تكرار الحديث عنها، فمن لم يحضر الدرس عليه أن يرجع إليه ويستمع إليها حينئذ، أنتقل إلى مسوغات أخرى غير تلك المسوغات، منها:
стр. 1401
نصوص الكتاب والسنة
أننا حين نقرأ في نصوص الكتاب والسنة نجد أن هناك نصوصاً متضافرة في الكتاب والسنة تخاطب المسلمين على أن الأمر أمر جد، أن الأمر يحتاج إلى أن يؤخذ بجدية، يقول الله : ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢]، ويقول الله مخاطباً نبيه محمداً ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل:١] ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٢ - ٥].
لقد كان النبي ﷺ يتحمل أمراً ثقيلاً، أمراً جاداً كان يحتاج معه إلى أن يفرض عليه ﷺ قيام الليل هو وأصحابه، فقاموا شهراً حتى ورمت أقدامهم ثم نزل التخفيف بعد ذلك، واختلف هل بقي قيام الليل واجباً على النبي ﷺ أم أنه نسخ وصار في حقه نافلة، هذا الموضوع لا يعنينا، لكن لماذا فرض على النبي ﷺ وعلى المسلمين قيام الليل في تلك الفترة؟ أخبر الله بالحكمة، ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٢ - ٦].
لقد كان هذا القول الذي تلقاه النبي ﷺ ثقيلاً، هل كان ثقيلاً بألفاظه وحروفه؟ أبداً فهو ميسر ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]، لكنه كان ثقيلاً بتبعاته، كان ثقيلاً يحتاج إلى نفس جادة، إلى نفس تربت تربية تؤهلها لأن تحمل هذه الرسالة.
من هذه النصوص قول الله : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران:١٤٢ - ١٤٣].
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨].
إن هذه النصوص من كتاب الله تعطينا دلالة واضحة على أن الأمر أمر جد، أن الأمر يحتاج إلى نفوس عالية، وإلى همم تربت تربية جادة عميقة تحتمل هذا الأمر وتحمل هذا الدين.
стр. 1402
كيفية بداية الوحي على النبي ﷺ
أمر ثالث: كيف بدأ الوحي على النبي ﷺ ؟ لقد كان النبي ﷺ يتحنث في غار حراء ويتعبد فبينما هو كذلك أتاه الملك فغطه غطة قوية حتى بلغ منه الجهد فقال: (اقرأ قال: ما أنا بقارئ، ثم أرسله ثم غطه ثم أرسله ثلاث مرات، ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق:١ - ٢] فعاد النبي ﷺ يرجف فؤاده إلى خديجة ﵂، ما السر أن يأتي الوحي بهذه الطريقة وبهذه القوة؟ إنه إشارة إلى النبي ﷺ أنه يحمل قضية جادة، قضية تحتاج إلى همة وعزيمة قوية.
إن الإجابة على هذا كله نقرأها في قوله ، في هذه الآيات التي هي من أول ما نزل: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٥ - ٦].
وحين نقرأ سنة النبي ﷺ نجد الكثير من النصوص التي تؤيد ما نقول، فهو ﷺ يقول: (حجبت الجنة بالمكاره، وحجبت النار بالشهوات) إن طريق الجنة طريق محفوف بالمكاره فلن يوصل إلى الجنة إلا من خلال سلوك هذا الطريق، الطريق المليء بالمكاره والأشواك، إذاً فلن يسلك هذا الطريق إلا الرجل الجاد، إذاً الرجل الذي سيتربى ليصل إلى هذه المنزلة وليحقق هذا الهدف بحاجة إلى أن يتربى تربية جادة ليتأهل لبلوغ وتجاوز هذه المكاره، النبي ﷺ يقول: (استعن بالله ولا تعجز) (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) يخاطب النبي ﷺ كل مسلم في هذه الأرض أن يستعين بالله ولا يعجز، أن يكون رجلاً هماماً، رجلاً صاحب قرار يستعين بالله ولا يعجز ويدع الكسل.
أيضاً من المؤيدات والمبررات دعاؤه ﷺ ، فكان ﷺ كثيراً ما يدعو، بل كان يدعو كل صباح: (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل) إن العجز والكسل من أكبر معوقات الرجل الجاد، إن الرجل غير الجاد لا يمكن أن نصفه بأدق من هذا الوصف: إنه رجل عاجز وكسول، ومن هنا كان ﷺ يستعيذ بالله كل يوم من هذا الداء من العجز والكسل، إذاً فقد كان النبي ﷺ يسأل الله أن يجعله رجلاً جاداً، رجلاً متخلصاً من هذه العوائق.
стр. 1403
ينكأ لك عدواً أو يمشي إلى الصلاة
رابعاً: ينكأ لك عدواً أو يمشي إلى الصلاة، حديث يحتاج إلى وقفة، يقول ﷺ : (إذا عاد أحدكم أخاه فليقل: اللهم اشف عبدك فلاناً ينكأ لك عدواً أو يمشي إلى الصلاة) والحديث رواه الحاكم من حديث ابن عمر، ورواه أيضاً الحاكم والإمام أحمد وأبو داود من حديث عبد الله بن عمرو.
إن هذا الحديث يعطينا شعوراً بأن وظيفة المسلم وظيفة جادة، وظيفة عمل، فهو يدعى له بالشفاء لأجل أن ينكأ العدو أو يمشي إلى الصلاة، يدعى له بالشفاء لأجل أن يبادر فينكأ العدو ويهين العدو ويواجه العدو فيجاهد في الله ، ويمشي إلى الصلاة وإلى عبادة الله ، إذاً فهو حين يسعى إلى الشفاء وحين يدعى له بالشفاء لا يدعى له بالشفاء لمجرد أن يكون صحيح البدن سليماً، إنما لأجل أن يعود إلى دوره الطبيعي في الحياة، وهو أن ينكأ العدو أو يمشي إلى الصلاة، وهذا يعطينا دلالة على أن الأصل في حياة المسلم حال الصحة أن ينكأ العدو ويمشي إلى الصلاة، وليست القضية مربوطة فقط بقضية الجهاد وحدها والمشي إلى الصلاة، إنما هي رمز فنكء العدو يتمثل في أن يكون المرء جاداً عاملاً لخدمة دين الله ، يكون شوكة في حلوق أعداء الله أياً كان هؤلاء الأعداء، ينكؤهم بالكلمة الصادقة، ينكؤهم بالعمل الجاد المثمر، ينكؤهم بالجهاد في سبيل الله حين يرفع لواء الجهاد، إنه رجل يحمل في قلبه العمل والحيوية والهم لهذا الدين، وهو أيضاً يمشي إلى الصلاة، فهذا رمز لاجتهاده وجده في عبادة الله .
стр. 1404
الأصل في الحياة الجدية
هذا هو المبرر الخامس، أن الحياة أصلاً لا يعيش فيها إلا الرجل الجاد، تأمل في تاريخ الدول والأمم ترى الأمة التي سادت وكونت حضارة لا بد أن تكون أمة جادة، لا بد أن يملك أفرادها قدراً من الجدية يؤهلهم إلى أن يصلوا إلى هذه المنزلة وإلا لن يصنعوا شيئاً، وإلا سيكونوا كبني قومنا من المسلمين الذين تتاح أمامهم الموارد الكثيرة: الموارد الاقتصادية، والموارد البشرية وكل الطاقات والإمكانات متاحة للمسلمين، لكنك تجد أنه يغلب عليهم الكسل والتواني ودنو الهمة، ومن ثم فاقهم وسبقهم غيرهم، أنت لا ترى شعباً حقق انتصاراً وحقق إنجازاً أياً كان هذا الإنجاز، إنجازاً مادياً، إنجازاً عسكرياً، إنجازاً في نظم الحياة إلا وترى وراء ذلك رجالاً جادين أياً كان أولئك الرجال، صاحب الدنيا والمال إنه رجل جاد لا يمكن أن يحصل المال ويكسب ويربح إلا ذاك الرجل الجاد الذي يفرغ حياته ووقته لكسب هذا المال والاحتيال عليه بأي وسيلة وأي طريقة بغض النظر عن سلامة طرقه وعن سلامة منهجه، لكنه رجل لم يحصل ما حصل إلا بالجد، إنك حين تتأمل في هذه الحياة ترى أنه لا يمكن أن يحقق امرؤ نجاحاً إلا من خلال الجد والعمل.
فالمؤسسة التي تريد أن تحقق نجاحاً لا بد أن تكون مؤسسة جادة، الفرد الذي يريد أن يحقق النجاح في حياته الخاصة في دراسته، في تعلمه، في أي شأن من شئون الحياة لا بد أن يكون رجلاً جاداً.
الأمة والدولة لا يمكن أن تنجح ولا يمكن أن تحقق الإنجازات إلا عندما تكون جادة، تعمل أكثر مما تتكلم، تحمل رجالاً صادقين جادين عاملين أكثر من مجرد مهرجين وأناس يجيدون فن النفاق والحديث، ومن هنا فعندما تتأمل في التاريخ القديم والحديث ترى أن هذا سر من أسرار نجاح الجميع.
стр. 1405
جهاد وجهاد لا قتال فيه
الأمر السادس: جهاد وجهاد لا قتال فيه، تقول عائشة ﵂ للنبي ﷺ : (نرى الجهاد أفضل الأعمال أفلا نجاهد؟ قال النبي ﷺ : عليكن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة) هنا عائشة تقول: نرى الجهاد أفضل الأعمال، هذا الجهاد هو أفضل الأعمال، وهو الذي لما قيل للنبي ﷺ : دلني على عمل يعدل الجهاد في سبيل الله.
قال: لا تطيقونه فعندما ألحوا عليه، قال: (هل تطيق إذا خرج المجاهد أن تصوم فلا تفطر، وتصلي فلا تنام؟ قال: من يطيق ذلك؟ قال: لا يعدل الجهاد شيء)، هذا الجهاد ذروة سنام الإسلام، وقد يطيب لنا أن نسمع الحديث عن الجهاد وعن البطولات، نقرأ في الكتب، نسمع الروايات عن البطولات مع الجهاد، ويستلقي الإنسان على فراشه ويمني نفسه بالجهاد لكنه ينسى أن الجهاد يعني: قعقعة السلاح، الجهاد يعني: الخوف، يعني: الرعب، يعني: مواجهة العدو، يعني: مواجهة الأخطار كلها، يعني: أن يواجه الحرب والبرد والخوف والهلع والجوع والظمأ والعطش، يعني: أن يواجه كل ما يواجهه الإنسان من مصائب في هذه الحياة، هذا الجهاد الذي فرضه الله على المسلمين، والذي يقول فيه النبي ﷺ : (من لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق)، أليس يعطينا دلالة أن الأصل في حياة المسلمين هي الحياة الجادة؟ أليس يعطينا دلالة أننا بحاجة إلى أن نربي الرجال الذين يتهيئون لهذه المواقف.
أما الإنسان الذي يفزع بمجرد أي موقف، الذي يخاف ويذعر من مجرد أي صيحة، الإنسان الذي ليس لديه أي استعداد أن يتحمل الجوع والعطش والحر والبرد لا يتحمل هذه الأمور ليس مؤهلاً أن يعيش في الحياة فضلاً أن يكون مؤهلاً لأن يجاهد.
ثم جهاد لا قتال فيه الحج، الحج الذي يعنيه النبي ﷺ ليس الحج الذي يحصل الآن، والذي تتنافس فيه مؤسسات الحج في تقديم وسائل الراحة، يبعد مخيمنا عن الجمرات ١٠٠ متر فقط، أو ٤٠ متر فقط، لدينا معجون أسنان، لدينا مشروبات على مدار الساعة إلى غير ذلك، ليس هذا هو الحج الذي عناه النبي ﷺ ، ولعلكم جميعاً أدركتم الحج الذي فعلاً فيه المشقة والتعب والنصب، هذا الحج الذي أخبر النبي ﷺ أنه جهاد لا قتال فيه، هذه صورة من الأعمال فعلاً والعبادات التي يجب أن يكون المسلم متهيئاً لها، فهذا الجهاد يجب على كل المسلمين أن يحدثوا أنفسهم به، الحج فرض على كل مسلم أن يؤديه مرة في العمر، هذا الحج الذي كان يركب فيه المسلم راحلته وكان يتعب وينصب إلى وقت قريب جداً أدركناه جميعاً، كنا نعرف أن الحج هو عنوان المشقة والتعب؛ ولهذا عندما يقال: فلان مريض فيسأل: ما به؟ يقال: قدم من الحج، لا يستغرب الناس؛ لأن الأصل أن الذي يقدم من الحج أن يصاب بالمرض أو على الأقل التعب والإرهاق.
следующие страницы →