Полный текст (1 904 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
ساعة وساعة
نقطة أخرى: التربية الجادة والمفاهيم المغلوطة: ساعة وساعة، عندما تتحدث عن التربية الجادة يقول لك: ساعة وساعة، لكن في الواقع أن منطقنا ليس ساعة وساعة، فلا تجد وقت الترفيه يوازي الوقت الذي يستفيد منه، أيضاً خارج هذا الوقت الوقت الذي يتحدث فيه الأوقات الأخرى كلها أيضاً داخلة في وقت الترفيه، فعندما تأخذ الوقت الذي تستفيد منه وتنسبه إلى ساعات اليوم أنه لا يساوي شيئاً، وحينما نحتج بهذا النص يجب أن نأخذ المناسبة التي قيل فيها هذا النص عندما جاء حنظلة يشتكي إلى النبي ﷺ الحديث الذي تعرفونه.
أيضاً الذين رووا لنا حديث: (ساعة وساعة) كيف كانوا يعيشون؟ كانوا يعيشون كما حكينا لكم قبل قليل.
стр. 1437
حدث الناس كل جمعة
صورة ثانية أو مفهوم ثاني أيضاً: حدث الناس كل جمعة، يحتجون مثلاً بما قاله ابن مسعود لـ مسروق: حدث الناس كل جمعة ولا تملهم، (وكان الرسول ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا)، يجب أن نفرق بين الحديث لعامة الناس ووعظ عامة الناس وبين الجيل الذي يتربى، فالجيل الذي يتربى يجب أن يكون مثل أبي حاتم، عنده درس بعد الفجر ودرس في الضحى ودرس بعده ودرس بعده ودرس في العصر ودرس في المغرب، أو يكون مثل الذي لم يجد وقتاً ليشوي السمكة التي عنده، هذا هو الجيل الذي قد تربى، الجيل الذي يحمل الرسالة، الجيل الذي يحمل العلم ويحصل العلم.
إذاً فتحديث الناس كل جمعة والتخول بموعظة هذا خطاب لعامة الناس، أما أن يكون الإنسان الذي يريد أن يربي نفسه ولا يتعلم فلا، أصحاب النبي ﷺ والسلف الصالح نقرأ سيرهم في العلم والتحمل والرحلة فيه نرى أنها صورة أخرى غير تلك الصورة الخاطئة التي تصورت في أذهاننا.
стр. 1438
لكن الناس لا يستحملون
ثالثاً: لكن الناس لا يستحملون.
يعني: بعض الناس يقول لك: الكلام الذي تقوله كله صحيح، لكن يا أخي الشباب ما يتحملون، وحرام عليك أن تنفر الناس إلى غير ذلك؛ ولهذا تبدأ برامجنا هزيلة هزيلة هزيلة، لماذا؟ حتى نجمع الناس، حتى نجمع الغثاء، هذه النهاية التي نصل إليها، يا أخي هذا شاب انتقل من الشارع إلى حياة الاستقامة والالتزام، كان في الشارع فوضوياً لا يعرف استئذاناً، ولا يعرف انضباطاً، ولا يعرف أدباً، لا يعرف إلا الكلمة القبيحة، رجل كان يعيش حياة تختلف كلياً، عندما استقام والتزم انتقل نقلة هائلة جداً في مظهره، في عبادته، في اهتماماته، في منطقه، طيب نحن نريد أن ننقله نقلة أخرى جادة، المسافة الآن أيهما أبعد: المسافة بين هذه النقلة بين واقعنا الذي هو عليه الآن والصورة الجادة التي نريد أو المسافة بين النقلة الذي كان عليها في الشارع وتلك الصورة؟ لقد انتقل نقلة هائلة من الشارع إلى حياة الاستقامة والخير والصلاح، إذاً فهو مؤهل، هذا الذي انتقل هذه النقلة عنده استعداد أن ينتقل، وأن يكون جاداً أيضاً، لكن متى؟ عندما يتربى.
أعطيكم صورة: مصعب بن عمير كان شاباً مترفاً منعماً فتياً يشم العطر منه عندما يمر في السوق، ومع ذلك عندما أسلم وتابع النبي ﷺ عاش حياة الشظف فهاجر إلى الحبشة ثم هاجر إلى المدينة وتغرب وصار به ما صار إلى أن قتل في غزوة أحد وما وجدوا عنده شيئاً إلا بردة واحدة فقط، إذا غطوا بها رأسه بدت قدماه، وإذا غطوا قدميه بدا رأسه.
فمع احترامي لك ولأصحابك من الذي يكون أكثر ترفاً من مصعب بن عمير؟ وأيضاً لا نريدهم أن يصلوا إلى حالة مصعب بن عمير، فأقول: الذي جعل مصعب بن عمير وهو بشر ينتقل هذه النقلة الهائلة يمكن أيضاً أن يجعل هؤلاء ينتقلون نقلة دونها بكثير.
أقول: لا يسوغ أن نجعل وضعنا مقياساً، ونقول: لابد أن نحفظ برامجنا حتى تكون هزيلة، ويتخرج لنا جيل هزيل، ليس عنده استعداد أن يتحمل أي شيء، ولا يمكن أن يطلب منه موقف، ولا يمكن أن يصمد أمام أي فتنة، سواء كانت من فتنة الشبهات أو فتنة الشهوات.
стр. 1439
الرجل الطريف
من المفاهيم المغلوطة الرجل الطريف: فقد يكون الإنسان طريفاً وصاحب نكتة، وقد نتساءل كيف يكون هذا جاداً؟ فنقول: قد يكون إنسان طريفاً ومع ذلك يكون رجلاً جاداً، وسأضرب لكم صورة من صور بعض السلف فمن مشاهير السلف في الطرافة: الأعمش والشعبي، الأعمش كان عنده رجل فسأله وقال: كيف بت البارحة؟ فدخل منزله وأخذ وسادة فوضعها ثم استلقى وقال: بت هكذا.
وذات يوم كان عنده ضيوف فأحضر لهم رغيفين فأكلوها كلها، فدخل المنزل وأحضر حزمة قت -يعني: برسيم- وقدمه لهم وقال: أكلتم طعامي وطعام أولادي وبقي طعام شاتي.
وكان الأعمش واقفاً عند النهر فأتاه جندي متكبر مغرور يريد منه أن يعبر به النهر فصعد على ظهره وقال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، فما كان من الأعمش إلا أن سار به فلما توسط النهر رماه وقال: رب أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين.
هذه صور الآن من ذاك الرجل الطريف الأعمش ﵀ فكيف كان جاداً؟ كان يقال عنه ﵀: ما خلف الأعمش أعبد منه، وكان يعرض القرآن فيمسكون عليه المصاحف فلا يخطئ في حرف واحد، إضافة إلى أنه إمام من الأئمة، فتلك الطرافة التي كانت لديه لم تكن تشغله عن أن يكون رجلاً جاداً عاملاً عالماً.
وكذلك الشعبي أيضاً هو الآخر جاءه رجل مغفل وهو واقف هو وامرأته فقال: أيكم الشعبي؟ فقال: هذه، وسأله رجل: ما اسم زوجة الشيطان؟ قال: إني لم أحضر العرس.
المهم أن الشعبي هو الآخر كان طريفاً، لكنه كان يقول عنه مكحول: ما رأيت أحداً أعلم من الشعبي.
ويقول هو عن نفسه: ما مات ذو قرابة لي وعليه دين إلا وقضيت عنه، ولا ضربت مملوكاً لي قط، ولا حللت حبوة إلى شيء مما ينظر إليه الناس.
وهو إمام من الأئمة في الحفظ، كان يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء قط، وما حدثني رجل بحديث فاحتجت أن يعيده، وأقل ما أحفظ الشعر، ولو شئت أنشدكم شهراً دون أن أعيد بيتاً واحداً.
إذاً قد يكون الرجل رجلاً طريفاً وصاحب دعابة لكنه أيضاً رجل عملي، ورجل جاد، فعلاً يعمل وينتج ويكون مثل أولئك، لكن يتخفف من مثل هذه الطرافة، أو تكون هذه الطرافة والدعابة في غير مواطن الجد.
стр. 1440
مقترحات للنقلة إلى التربية الجادة
بعد كل ما عرضنا نعرض بعض المقترحات ووسائل العلاج التي نرى أننا بحاجة إليها حتى ننتقل إلى التربية الجادة.
стр. 1441
الاقتناع والتخلص من العوائق
أولاً: الاقتناع والتخلص من العوائق، وهذا هو نصف الطريق، فعندما نقتنع بأننا بحاجة إلى التربية الجادة وأننا نستطيع أن نربي أنفسنا وأن نربي أبناءنا وأن نربي جيلنا تربية جادة، ونتخلص من تلك العوائق التي كثيراً ما نتعلل بها.
стр. 1442
القدوة الحسنة
الأمر الثاني: القدوة الحسنة، إن الأب الذي يطلب من ابنه أن يحافظ على وقته ثم يكون هو مفرطاً في وقته لا يمكن أبداً أن يربي ابنه تربية جادة، الأب الذي يحث ابنه على طلب العلم ثم يقصر هو لا يمكن أبداً أن يكون قدوة لابنه، الأستاذ الذي يضيع الوقت في الفصل في الأحاديث الجانبية وفي الأحاديث غير المفيدة ثم يطالب الطلاب أن يعتنوا بأوقاتهم لا يمكن أبداً أن يكون قدوة حسنة، الأستاذ غير الجاد، الأب غير الجاد، الموجه غير الجاد، المربي غير الجاد لن يخرج إلا أمثاله.
إذاً فيجب أن نكون قدوة صالحة، يكون المربي قدوة صالحة فعلاً في الجدية في كل جوانبها، فيدعو بعمله أكثر مما يدعو بقوله.
стр. 1443
الوسط الجاد
الأمر الثالثة: الوسط الجاد: أن نسعى إلى وسط جاد فعلاً؛ لأن الكثير من الناس عنده قابلية أن يتشكل حسب الظروف، تأتيه مع أناس أصحاب هزل تجده من الأوائل في الهزل والضحك، يأتي مع ناس جادين تجده يكون جاداً؛ فإذا ساقته الظروف إلى قوم هازلين صار هازلاً، وساقته الظروف إلى قوم جادين فصار جاداً، إذاً عندما نهيئ الوسط الجاد والبيئة الجادة نستطيع أن نهيئ للشاب المحضن الذي يربيه التربية الجادة بعد ذلك.
стр. 1444
غير عتبة بابك
الأمر الرابع: غير عتبة بابك، إبراهيم ﵇ جاء يزور ابنه اسماعيل، فلما جاء وجد فسألها عنه ثم قال: كيف عيشكم؟ كيف طعامكم وشرابكم؟ فذكرت له سوءاً فقال: أبلغيه السلام وقولي له: يغير عتبة بابه، ثم لما جاء إسماعيل وسألها قال: أنت عتبة بابي وقد أمرني بطلاقك، فإبراهيم ﵇ أحس أن هذه المرأة غير جادة، امرأة ما تتحمل الحياة هذه؛ ولهذا عندما سأل المرأة الثانية واكنت تعيش نفس المعيشة أثنت خيراً فقال: ثبت عتبة بابك.
إذاً بعض العناصر أصلاً غير مؤهلة أن تصل إلى مستويات عالية؛ لهذا من العبث أن نحاول أن نرتفع بها، وكما كان يقول الأعمش ﵀ لما قيل له: حدث أولئك، قال: لا يقلد الذهب الخنازير، أي: هناك أناس لا يستحقون العلم أصلاً، أي: غير جادين؛ فمثل هذا ينبغي أن لا يشغلنا ولا يكون عبئاً على غيره، فلا ينقل مثل هذا إلى الأوساط الجادة، يعني: هذا يمكن أن ننقله إلى مرحلة معينة لا يتجاوزها، أما الأوساط الجادة العالمة بالمراحل التي نريد فعلاً أن نعد فيها أناساً يتحملون مسئوليات يجب أن نبعد عنها أمثال هؤلاء وأن نغير عتبة الباب.
стр. 1445
الأعمال بالخواتيم
سادساً: الأعمال بالخواتيم: أن ننظر إلى نتاج التربية لا ننظر إلى العدد، قد تقول لي: عندي درس في المسجد أو حلقة قرآن أو برنامج يجمع فئة من الشباب، فعندما يكون البرنامج جاداً وحازماً قد لا يبقى عندي إلا (١٠)، لكن إذا كان برنامجاً مبحبحاً -على ما يقول الناس- وواسعاً قد يكون عندي (٣٠)، وبالحسابات المادية (٣٠) أكثر من (١٠)، لكن لا تنظر إلى هذا المقياس، بل انظر إلى النتائج، فمثلاً خلال خمس سنوات ماذا حققت، وصاحب الـ٣٠ خلال خمس سنوات كم حقق، من ناحية العدد تجد أن الثلاثين هؤلاء يتنافرون أصلاً؛ لأنهم لم يتربوا تربية جادة، وعندما تأتي إلى صاحب العشرة هذا الرجل الجاد تجد أنه مثلاً يمكن أن نقول: إنه استطاع أنه يخرج مثلاً خلال ٥سنوات خرج لنا ٥٠ شخصاً، لكن صاحب ٣٠ ما خرج لنا إلا ١٠، و ١٠ المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، كلهم ضعاف، فأنا أجزم وأقول هذا الكلام عن قناعة: إن التربية الجادة على مدى أوسع تخرج حتى أكثر عدداً من التربية الهزيلة؛ لأن أصحاب التربية الهزيلة أصلاً لا يستمرون؛ لأنه لا يجد شيئاً مقنعاً بعد ذلك، ثم يتساقطون والعبرة بالخواتيم، وفكر وراجع التاريخ وتأمل ستجد هذه النتيجة، وعندما تكون عندنا هذه القناعة لا تأتينا هذه الإشكالات في الحسابات المادية والحسابات العددية.
стр. 1446
الرجل الجاد لا ينظر إلا للأمام
وأخيراً الرجل الجاد لا ينظر إلا للأمام، يعني: افترض أنك اقتنعت أن تربيتك تحتاج إلى عنف وجدية، سواء تربيتك لنفسك أو تربيتك لأبنائك أو لطلابك أياً كنت متربياً أو مربياً، فليس هناك داع أن تجلس تتحسر على الماضي، فالرجل الجاد ليس عنده وقت أصلاً أن يتحسر على الماضي، الماضي مضى بما فيه نحن أبناء اليوم، واعتبر الماضي مرحلة سواء كانت خطأ أو لم تكن خطأ، فأهم شيء أن ننظر إلى الأمام، فالرجل الجاد هو الذي ينظر إلى الأمام ويبحث عن العمل المنتج.
ولهذا فأنا أقول: إن المراحل التي قطعناها وكونت لنا هذا الجيل الطيب من الصحوة لم تكن خطأً، وأيضاً كانت مرحلة من المراحل قطعناها لا نريد أن نستمر نحن على هذه المرحلة، بل نريد أن نرتقي إلى مرحلة أعلى، فأيضاً من الإجحاف أن نقول: أن هذا خطأ، وأنا كنا نعمل في السابق على خطأ، لا، أنا أقول: نحن قطعنا مرحلة نحتاج بعد ذلك لأن ننتقل إلى مرحلة ثانية أعلى.
стр. 1447
الأسئلة
стр. 1448
صور من التربية غير الجادة
السؤال
إننا في هذا الزمن نجد بعض شباب الصحوة ليس لهم هم سوى متابعة الأناشيد والمخيمات الترفيهية، وتجدهم لا يفكرون تفكيراً جاداً للعمل للإسلام، سواء كان بدعوة أو طلب علم، فما نصيحتكم لأمثال هؤلاء؟
الجواب
فعلاً كثير من الشباب تجده يحفظ من النشيد أكثر مما يحفظ من القرآن، ودائماً حياته سماع النشيد، هذه صورة من التربية الهزيلة، ولو كان هذا جاداً ما وجد وقتاً أصلاً أنه يسمع مثل هذا، وأنا لا أقول أنها محرمة، لكن الرجل الجاد عنده ما يشغله أصلاً.
كذلك المخيمات التي تقدم للشباب طيبة وخيرة، لكن يجب أن نرتفع بها، فهي فرصة لأن يتربى هؤلاء الشباب من خلال هذه المحاضن، وهذه البرامج، فالمخيمات أو المراكز الصيفية أو الأنشطة المدرسية لا يكون الهدف منها الترفيه، ونغرق فيها في برامج ووسائل الترفيه حتى يخرج لنا هذا الجيل الغثاء.
стр. 1449
نفرة الشباب بالتربية الجادة
السؤال
التربية الجادة ربما تنفر الشباب وتجعلهم يتركون العمل للدعوة إلى الله؟
الجواب
هذا سبق أن أجبنا عليه، ويمكن أن نقول الآن أن التربية الجادة مراحل، فنحن نريد أن يتربى المجتمع كله تربية جادة لكن على مستوى معين، فهناك ناس يصلون إلى مستوى معين، وهناك آخرون إلى مستوى آخر، وليس بالضرورة أن نطالب الجميع بمستوى معين من التربية، ومستوى معين من الجدية، لكن أقول أنا: أنه عندما نتأمل الواقع نجد أننا متأخرون كثيراً، وأننا نضع الكثير من الناس دون مراحلهم التي يجب أن يصلوا إليها.
стр. 1450
التربية الجادة وحفظ القرآن
السؤال
أليس من التربية الجادة اقتطاع شيء من البرنامج اليومي لحفظ كتاب الله والانتظام في حلقة لتحفيظ القرآن؟
الجواب
لا شك أن من التربية الجادة أن يعتني الشاب بنفسه، ومن أهم ما ينبغي أن يعتني به حفظ القرآن الكريم، لكن كيف؟ يلتحق بحلقة يحفظ على شخص، هذا شأن آخر، المهم هو الهدف، أما الوسيلة فتختلف من شخص إلى آخر ومن ظرف إلى آخر.
стр. 1451
من جوانب التربية الجادة
السؤال
نجد بعض الشباب يتحمس فيربي نفسه تربية جادة، فينقطع لطلب العلم فترة من الزمن، وبعد مدة نجده يفتر ويكسل، وإن لم ينتكس عن الطريق المستقيم، فما نصيحتكم لمثل هؤلاء؟
الجواب
سبق أن قلنا يا إخوان في الدرس السابق أن التربية ليست هي طلب العلم وحده، بل هو جانب من جوانب التربية فالإنسان يحتاج إلى جوانب عديدة لتربية نفسه، والجانب العلمي جزء منه، فالإنسان الذي يتفرغ ليتعلم وحده، وهو يرى المنكرات ويرى الواقع الذي يحتاج إلى تغيير ليس جاداً، والجدية لا تعني أن الإنسان يكون مقطب الجبين، ولا تعني أن الإنسان مجرد يقرأ، ولا تعني أن يستغل الإنسان وقته كيفما اتفق، بل الجدية أن يكون الإنسان فعلاً يختار العمل المناسب، ويكون عنده توازن، هذا هو الرجل الجاد، أما الإنسان الذي يتفرغ مثل هذا التفرغ ويهمل الواقع ويهمل الدعوة أصلاً فأنا أعتبره رجلاً غير جاد.
стр. 1452
الخلطة والتربية الجادة
السؤال
نرى كثيراً من الشباب يبالغون في الخلطة، حتى إنها قد تصل إلى الخلطة الممرضة للقلب، وهم يعللون ذلك بالتربية، وهي في الحقيقة سبب من أسباب تعطيل التربية الجادة أرجو التعليق على ذلك.
الجواب
هذا كلام صحيح، أنك تجد كثيراً من الشباب فعلاً يطيل في الخلطة، فتجده في ذهاب وإياب ليس له أي ثمرة ولا نتيجة، وهو يقول لك: تربية، تربية أن تتعرف على الشباب وتسلي عنهم إلى غير ذلك، وبهذا يخرج لنا فعلاً جيل هزيل، فنربي الشباب على إضاعة الأوقات، وعلى الأمور الهزيلة، والتعلق بالتوافه، وإن كان ولا شك أنا نحتاج إلى نوع من الترفيه، ونحتاج إلى نوع من الخلطة، لكن يجب أن تكون الأمور بقدرها.
فيجب أن نتخفف من الخلطة غير المجدية، فإنها من الخلل التربوي، فعندما يقضي المربي مع من يربيه وقتاً طويلاً دون فائدة، هذا يهدر شخصية المربي ويجعل شخصيته شخصية غير مؤثرة، ويحول المربي إلى مجرد زميل وصديق، وما لم يكن هناك مسافة بين المربي والمتربي، ونوع من الهيبة لا يمكن أن تؤدي التربية ثمارها المطلوبة.
كثرة الخلطة والبرامج الهازلة تؤدي إلى القضاء على هذا الشعور الموجود عند المتربي، ويمكن أن نتقلل نحن من الخلطة بأمرين: نتقلل أصلاً من الخلطة غير المفيدة، يعني: اللقاءات غير المفيد وغير العملية لا يوجد داعي إلى كثرتها.
والأمر الثاني: أن نستغل أوقات الراحة كما قلنا، فما المانع عندما نكون في مناسبة أن نتناقش في موضوع جاد، ونتحدث عن موضوع جاد؟ بل هذا هو الواجب، وهذا من معايير ودلائل الجدية.
стр. 1453
مقياس التربية الجادة
السؤال
تكلمت عن الرجل الجاد وعن بعض الصور من التربية الجادة، ولكن ما هو المقياس الذي يتضح منه أن التربية جادة جزاك الله خيرا؟
الجواب
المقياس هدي النبي ﷺ والسلف الصالح، لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما أصلح أولها، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فالمقياس هو هدي النبي ﷺ وأصحابه.
стр. 1454
التربية الجادة والشهوة
السؤال
لا بد للإنسان أن يربي نفسه تربية جادة لكي يواجه الشهوة فكيف يتم ذلك؟
الجواب
الذي يربي تربية جادة سيكون صاحب عبادة، متخل عن الشهوات، ويكون جاداً مع نفسه وحازماً مع نفسه، فيغلق على نفسه أبواب الذرائع، وإذا وقع في المعصية فسيكون جاداً فيتوب، الرجل الجاد لا شك أنه سيكون أبعد الناس عن الشهوات، وإذا أصابه منها شيئاً سيكون أسرع الناس إلى التخلي عنها؛ لأنه رجل جاد وقليلاً ما يتعلق بهذه الشهوات.
стр. 1455
ضابط النقد الجاد
السؤال
ما ضابط النقد الجاد وكيفية استثماره؟
الجواب
النقد الجاد الذي يكون له نتيجة عملية؛ فكل واحد يستطيع ينتقد، فلو نقول الآن: من أفصح شخص فيكم؟ فيقول شخص: أنا، ويقوم فيلقي خطبة عصماء، فواحد يقول لك: لحن في كذا وكذا، وواحد يقول لك: أخطأ في هذه الآية، وواحد يقول لك: مستوى العاطفة عنده مرتفع، وكل واحد ينتقد، سهل الانتقاد، لكن هذا انتقاد غير عملي، نريد نحن الانتقاد العملي الانتقاد الجاد فعلاً، تجد -مثلاً- الناس بعد خطبة الجمعة يتجمعون فينتقدوا خطيب الجمعة: بالغ في كذا، قال كذا، تحدث عن كذا، لكن ما هو نقد عملي؛ لأنه ولا واحد منهم يوماً من الأيام فكر أن يخاطب الخطيب بمثل هذه الملحوظة، فهذا نقد غير جاد، وأعتبره نقداً هازلاً.
عندما نتحدث في المجالس ننتقد المؤسسات الدعوية، وننتقد البرامج ونتحدث عنها ونطيل الحديث فيها أيضاً أنا أعتبر هذا نقداً غير جاد، فالنقد الجاد هو الذي يوجه إلى أصحابه، للقنوات السليمة، ثم أيضاً النقد الجاد -ليكون نقداً موضوعياً- يأخذ في الاعتبار المحاسن والمساوئ، ويأخذ في الاعتبار أيضاًَ العناصر البشرية، وأن البشر لا بد أن يكونوا بشراً يقعون في الخطأ، وأتصور أن هذه بعض معالم النقد الجاد العملي.
стр. 1456
علاقة الرجل الجاد بمجموعته غير الجادة
السؤال
إذا كان الشخص مع مجموعة غير جادة فهل الأصلح أن يتركهم إلى مجموعة جادة أم يحاول الإصلاح؟ ثم كيف يصلح مجموعته؟
الجواب
لا شك أن الأولى أن يحاول الإصلاح ولا يترك المجموعة إلا إذا وصل إلى حد الإياس، لكن هذه قضايا أعيان، وقضايا الأعيان كما يقال: تحتاج إلى فتوى خاصة.
стр. 1457
الرفق في الدعوة
السؤال
الدعوة إلى الله -خصوصاً مع المدعوين- تحتاج إلى نوع من إرخاء الحبل قليلاً حتى يتم جذبهم ودعوتهم إلى الله .
الجواب
نحن نحتاج إلى الرفق بالمدعوين، والعناية بهم، وتلمس نفسياتهم، فالرسول ﷺ كان أرفق الناس، وما كان الرفق في شيء إلا زانه، والله قال عنه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، لكن النبي ﷺ الذي أمرنا بالرفق، والذي كانت هذه مواصفاته هو الذي جعل الصحابة يعملون في غزوة الخندق حتى كان أحدهم يربط على بطنه الحجارة من الجوع، ونزل فيهم ما نزل.
النبي ﷺ هو الذي جعل الصحابة يسيرون إلى جيش العسرة بعد أن طابت الثمار، يعني: يغرسون ويتعبون، ولما طابت الثمار وجاء وقت أكلها رحلهم إلى الجيش في شدة الحر، فساروا في طريق طويل، إلى مواجهة الروم، وتركوا الثمار كلها بكل ما فيها؛ ولم يكن هناك ثلاجات ولا وسائل حفظ، ومع ذلك استنفرهم النبي ﷺ وساروا، وحينما تخلف ثلاثة من أصحابه عاتبهم بما سبق أن أشرنا إليه.
هذا هو النبي ﷺ الذي أمر بالرفق، فيجب أن يكون عندنا توازن، فلا نبالغ في الإثقال على الناس والحزم الذي نقضي معه على كل معاني الرفق، وأيضاً لا نبالغ في هذه المعاني فنميع تربيتنا، والذي ينظر إلى هدي الرسول ﷺ نظرة متكاملة يسلم من الأخطاء.
وهناك نصيحة أود أن أقولها وقد سبق أن أشرت إليها مراراً، وهي أن المشكلة أحياناً تأتي من سوء الفهم، فالإنسان عندما يتحدث عن موضوع سيحشد الأدلة والمؤيدات والأمور التي تؤدي إلى إصلاح خلل معين وخطأ معين، فأنت لا تأتيه بالمقابل وتقول له: إن الذي يفهم من كلامك كذا وكذا.
فمثلاً عندما يأتيك إنسان ويقول لك: لا بد أن نعتني بالعلم، ونوظف نفيس أوقاتنا في طلب العلم وإلى غير ذلك، يأتيك إنسان يقول لك: هذا يعني أن نترك الدعوة؟ لا، من قال لك ذلك؟ فنحن كذلك عندما نطالب بالتربية الجادة لا يعني أن نهمل الرفق، ولا يعني أن نهمل أخذ الناس بالتؤدة، لكن أيضاً الرفق وفق المنهج السليم، الرفق والتؤدة وفق التوازن، فنمسك العصا من الوسط ونتوسط، وكما قلت لكم: المقياس لذلك هو هدي النبي ﷺ الذي كان أرحم الناس وأرفق الناس، ومع ذلك انظروا كيف كان يفعل مع أصحابه، النبي ﷺ بايع بعض أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئاً، قال: (بايعوني على أن لا تسألوا الناس شيئاً)، وبايعوه، أليس هذا من الحزم؟ أليس هذا من الجدية؟ فالجدية لها مستويات ولها منازل تختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، فنحن يجب أن ننظر إلى الأمر نظرة عامة، نظرة متوازنة، وعندما ننظر من خلال هذه النظرة لا يمكن أن نقع في مثل هذه الإشكالات.
стр. 1458
كيفية وضع برنامج للسير عليه
السؤال
هل يمكن أن يضع الرجل جدولاً يسير عليه؟ وما هي أساسيات هذا الجدول؟
الجواب
ينبغي للإنسان أن يضع لنفسه جدولاً وبرنامجاً، لكن أنا أتحدث مع فئات مختلفة، مع طالب في المتوسط وطالب في الثانوي وطالب في الجامعة ومع موظف ومع أستاذ ومع متخصص في العلم الشرعي، فمن الغلط أن يقتطع لكل هؤلاء جدول واحد، لكن كل إنسان يعرف كيف يضع لنفسه جدولاً، وأهم شيء أن يكون جاداً في استغلال وقته واستثماره وفق ظروفه.
فالتاجر -مثلاً- الذي يعمل في ميدان التجارة يحتاج إلى برنامج يتناسب مع عمله وموقعه، وكذلك الأستاذ، والطالب، والموظف، والرجل، والمرأة، فالناس يختلفون، فمن الخطأ أن نضع جدولاً واحداً نطالب الناس بالسير عليه، ونقول: هذا الجدول نموذجي ومثالي، والرجل الجاد لا يحتاج أن يوضع له جدول، هو نفسه يعرف كيف يحقق هدفه.
стр. 1459
العمل الصالح وأيام العشر
السؤال
ما رأيك لو ذكرت الحضور بقضية التكبير في أيام العشر، وكثرة العمل الصالح فيها.
الجواب
النبي ﷺ يقول: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام -يعني: عشر ذي الحجة- قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)، فالنبي ﷺ صور لنا أجر المجاهد كمثل الصائم والقائم الذي لا يفتر من صيام ولا من صلاة، ومع ذلك يجعل النبي ﷺ العمل الصالح في هذه الأيام أفضل من الجهاد في سبيل الله.
وفي الحديث الآخر يقول: (فأكثروا فيهن من التحميد والتكبير والتسبيح) فينبغي أن نكثر في هذه الأيام من العمل الصالح، ولا شك أن أفضل عمل صالح يعمله المرء في هذه الأيام هو الحج إلى بيت الله؛ لأن هذه الأيام ما كانت فاضلة إلا لأنها كانت أيام الحج؛ لأن فيها يوم النحر الذي هو يوم الحج الأكبر، فأحث نفسي وأحث إخواني على اغتنام هذه الأيام وهذه الليالي.
وأسأل الله أن يجمعنا وإياكم على خير، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح ويتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 1460
الأسئلة
стр. 1461
صور من التربية غير الجادة
السؤال
إننا في هذا الزمن نجد بعض شباب الصحوة ليس لهم هم سوى متابعة الأناشيد والمخيمات الترفيهية، وتجدهم لا يفكرون تفكيراً جاداً للعمل للإسلام، سواء كان بدعوة أو طلب علم، فما نصيحتكم لأمثال هؤلاء؟
الجواب
فعلاً كثير من الشباب تجده يحفظ من النشيد أكثر مما يحفظ من القرآن، ودائماً حياته سماع النشيد، هذه صورة من التربية الهزيلة، ولو كان هذا جاداً ما وجد وقتاً أصلاً أنه يسمع مثل هذا، وأنا لا أقول أنها محرمة، لكن الرجل الجاد عنده ما يشغله أصلاً.
كذلك المخيمات التي تقدم للشباب طيبة وخيرة، لكن يجب أن نرتفع بها، فهي فرصة لأن يتربى هؤلاء الشباب من خلال هذه المحاضن، وهذه البرامج، فالمخيمات أو المراكز الصيفية أو الأنشطة المدرسية لا يكون الهدف منها الترفيه، ونغرق فيها في برامج ووسائل الترفيه حتى يخرج لنا هذا الجيل الغثاء.
стр. 1462
نفرة الشباب بالتربية الجادة
السؤال
التربية الجادة ربما تنفر الشباب وتجعلهم يتركون العمل للدعوة إلى الله؟
الجواب
هذا سبق أن أجبنا عليه، ويمكن أن نقول الآن أن التربية الجادة مراحل، فنحن نريد أن يتربى المجتمع كله تربية جادة لكن على مستوى معين، فهناك ناس يصلون إلى مستوى معين، وهناك آخرون إلى مستوى آخر، وليس بالضرورة أن نطالب الجميع بمستوى معين من التربية، ومستوى معين من الجدية، لكن أقول أنا: أنه عندما نتأمل الواقع نجد أننا متأخرون كثيراً، وأننا نضع الكثير من الناس دون مراحلهم التي يجب أن يصلوا إليها.
стр. 1463
التربية الجادة وحفظ القرآن
السؤال
أليس من التربية الجادة اقتطاع شيء من البرنامج اليومي لحفظ كتاب الله والانتظام في حلقة لتحفيظ القرآن؟
الجواب
لا شك أن من التربية الجادة أن يعتني الشاب بنفسه، ومن أهم ما ينبغي أن يعتني به حفظ القرآن الكريم، لكن كيف؟ يلتحق بحلقة يحفظ على شخص، هذا شأن آخر، المهم هو الهدف، أما الوسيلة فتختلف من شخص إلى آخر ومن ظرف إلى آخر.
стр. 1464
من جوانب التربية الجادة
السؤال
نجد بعض الشباب يتحمس فيربي نفسه تربية جادة، فينقطع لطلب العلم فترة من الزمن، وبعد مدة نجده يفتر ويكسل، وإن لم ينتكس عن الطريق المستقيم، فما نصيحتكم لمثل هؤلاء؟
الجواب
سبق أن قلنا يا إخوان في الدرس السابق أن التربية ليست هي طلب العلم وحده، بل هو جانب من جوانب التربية فالإنسان يحتاج إلى جوانب عديدة لتربية نفسه، والجانب العلمي جزء منه، فالإنسان الذي يتفرغ ليتعلم وحده، وهو يرى المنكرات ويرى الواقع الذي يحتاج إلى تغيير ليس جاداً، والجدية لا تعني أن الإنسان يكون مقطب الجبين، ولا تعني أن الإنسان مجرد يقرأ، ولا تعني أن يستغل الإنسان وقته كيفما اتفق، بل الجدية أن يكون الإنسان فعلاً يختار العمل المناسب، ويكون عنده توازن، هذا هو الرجل الجاد، أما الإنسان الذي يتفرغ مثل هذا التفرغ ويهمل الواقع ويهمل الدعوة أصلاً فأنا أعتبره رجلاً غير جاد.
стр. 1465
الخلطة والتربية الجادة
السؤال
نرى كثيراً من الشباب يبالغون في الخلطة، حتى إنها قد تصل إلى الخلطة الممرضة للقلب، وهم يعللون ذلك بالتربية، وهي في الحقيقة سبب من أسباب تعطيل التربية الجادة أرجو التعليق على ذلك.
الجواب
هذا كلام صحيح، أنك تجد كثيراً من الشباب فعلاً يطيل في الخلطة، فتجده في ذهاب وإياب ليس له أي ثمرة ولا نتيجة، وهو يقول لك: تربية، تربية أن تتعرف على الشباب وتسلي عنهم إلى غير ذلك، وبهذا يخرج لنا فعلاً جيل هزيل، فنربي الشباب على إضاعة الأوقات، وعلى الأمور الهزيلة، والتعلق بالتوافه، وإن كان ولا شك أنا نحتاج إلى نوع من الترفيه، ونحتاج إلى نوع من الخلطة، لكن يجب أن تكون الأمور بقدرها.
فيجب أن نتخفف من الخلطة غير المجدية، فإنها من الخلل التربوي، فعندما يقضي المربي مع من يربيه وقتاً طويلاً دون فائدة، هذا يهدر شخصية المربي ويجعل شخصيته شخصية غير مؤثرة، ويحول المربي إلى مجرد زميل وصديق، وما لم يكن هناك مسافة بين المربي والمتربي، ونوع من الهيبة لا يمكن أن تؤدي التربية ثمارها المطلوبة.
كثرة الخلطة والبرامج الهازلة تؤدي إلى القضاء على هذا الشعور الموجود عند المتربي، ويمكن أن نتقلل نحن من الخلطة بأمرين: نتقلل أصلاً من الخلطة غير المفيدة، يعني: اللقاءات غير المفيد وغير العملية لا يوجد داعي إلى كثرتها.
والأمر الثاني: أن نستغل أوقات الراحة كما قلنا، فما المانع عندما نكون في مناسبة أن نتناقش في موضوع جاد، ونتحدث عن موضوع جاد؟ بل هذا هو الواجب، وهذا من معايير ودلائل الجدية.
стр. 1466
مقياس التربية الجادة
السؤال
تكلمت عن الرجل الجاد وعن بعض الصور من التربية الجادة، ولكن ما هو المقياس الذي يتضح منه أن التربية جادة جزاك الله خيرا؟
الجواب
المقياس هدي النبي ﷺ والسلف الصالح، لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما أصلح أولها، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فالمقياس هو هدي النبي ﷺ وأصحابه.
стр. 1467
التربية الجادة والشهوة
السؤال
لا بد للإنسان أن يربي نفسه تربية جادة لكي يواجه الشهوة فكيف يتم ذلك؟
الجواب
الذي يربي تربية جادة سيكون صاحب عبادة، متخل عن الشهوات، ويكون جاداً مع نفسه وحازماً مع نفسه، فيغلق على نفسه أبواب الذرائع، وإذا وقع في المعصية فسيكون جاداً فيتوب، الرجل الجاد لا شك أنه سيكون أبعد الناس عن الشهوات، وإذا أصابه منها شيئاً سيكون أسرع الناس إلى التخلي عنها؛ لأنه رجل جاد وقليلاً ما يتعلق بهذه الشهوات.
стр. 1468
ضابط النقد الجاد
السؤال
ما ضابط النقد الجاد وكيفية استثماره؟
الجواب
النقد الجاد الذي يكون له نتيجة عملية؛ فكل واحد يستطيع ينتقد، فلو نقول الآن: من أفصح شخص فيكم؟ فيقول شخص: أنا، ويقوم فيلقي خطبة عصماء، فواحد يقول لك: لحن في كذا وكذا، وواحد يقول لك: أخطأ في هذه الآية، وواحد يقول لك: مستوى العاطفة عنده مرتفع، وكل واحد ينتقد، سهل الانتقاد، لكن هذا انتقاد غير عملي، نريد نحن الانتقاد العملي الانتقاد الجاد فعلاً، تجد -مثلاً- الناس بعد خطبة الجمعة يتجمعون فينتقدوا خطيب الجمعة: بالغ في كذا، قال كذا، تحدث عن كذا، لكن ما هو نقد عملي؛ لأنه ولا واحد منهم يوماً من الأيام فكر أن يخاطب الخطيب بمثل هذه الملحوظة، فهذا نقد غير جاد، وأعتبره نقداً هازلاً.
عندما نتحدث في المجالس ننتقد المؤسسات الدعوية، وننتقد البرامج ونتحدث عنها ونطيل الحديث فيها أيضاً أنا أعتبر هذا نقداً غير جاد، فالنقد الجاد هو الذي يوجه إلى أصحابه، للقنوات السليمة، ثم أيضاً النقد الجاد -ليكون نقداً موضوعياً- يأخذ في الاعتبار المحاسن والمساوئ، ويأخذ في الاعتبار أيضاًَ العناصر البشرية، وأن البشر لا بد أن يكونوا بشراً يقعون في الخطأ، وأتصور أن هذه بعض معالم النقد الجاد العملي.
стр. 1469
علاقة الرجل الجاد بمجموعته غير الجادة
السؤال
إذا كان الشخص مع مجموعة غير جادة فهل الأصلح أن يتركهم إلى مجموعة جادة أم يحاول الإصلاح؟ ثم كيف يصلح مجموعته؟
الجواب
لا شك أن الأولى أن يحاول الإصلاح ولا يترك المجموعة إلا إذا وصل إلى حد الإياس، لكن هذه قضايا أعيان، وقضايا الأعيان كما يقال: تحتاج إلى فتوى خاصة.
стр. 1470
الرفق في الدعوة
السؤال
الدعوة إلى الله -خصوصاً مع المدعوين- تحتاج إلى نوع من إرخاء الحبل قليلاً حتى يتم جذبهم ودعوتهم إلى الله .
الجواب
نحن نحتاج إلى الرفق بالمدعوين، والعناية بهم، وتلمس نفسياتهم، فالرسول ﷺ كان أرفق الناس، وما كان الرفق في شيء إلا زانه، والله قال عنه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، لكن النبي ﷺ الذي أمرنا بالرفق، والذي كانت هذه مواصفاته هو الذي جعل الصحابة يعملون في غزوة الخندق حتى كان أحدهم يربط على بطنه الحجارة من الجوع، ونزل فيهم ما نزل.
النبي ﷺ هو الذي جعل الصحابة يسيرون إلى جيش العسرة بعد أن طابت الثمار، يعني: يغرسون ويتعبون، ولما طابت الثمار وجاء وقت أكلها رحلهم إلى الجيش في شدة الحر، فساروا في طريق طويل، إلى مواجهة الروم، وتركوا الثمار كلها بكل ما فيها؛ ولم يكن هناك ثلاجات ولا وسائل حفظ، ومع ذلك استنفرهم النبي ﷺ وساروا، وحينما تخلف ثلاثة من أصحابه عاتبهم بما سبق أن أشرنا إليه.
هذا هو النبي ﷺ الذي أمر بالرفق، فيجب أن يكون عندنا توازن، فلا نبالغ في الإثقال على الناس والحزم الذي نقضي معه على كل معاني الرفق، وأيضاً لا نبالغ في هذه المعاني فنميع تربيتنا، والذي ينظر إلى هدي الرسول ﷺ نظرة متكاملة يسلم من الأخطاء.
وهناك نصيحة أود أن أقولها وقد سبق أن أشرت إليها مراراً، وهي أن المشكلة أحياناً تأتي من سوء الفهم، فالإنسان عندما يتحدث عن موضوع سيحشد الأدلة والمؤيدات والأمور التي تؤدي إلى إصلاح خلل معين وخطأ معين، فأنت لا تأتيه بالمقابل وتقول له: إن الذي يفهم من كلامك كذا وكذا.
فمثلاً عندما يأتيك إنسان ويقول لك: لا بد أن نعتني بالعلم، ونوظف نفيس أوقاتنا في طلب العلم وإلى غير ذلك، يأتيك إنسان يقول لك: هذا يعني أن نترك الدعوة؟ لا، من قال لك ذلك؟ فنحن كذلك عندما نطالب بالتربية الجادة لا يعني أن نهمل الرفق، ولا يعني أن نهمل أخذ الناس بالتؤدة، لكن أيضاً الرفق وفق المنهج السليم، الرفق والتؤدة وفق التوازن، فنمسك العصا من الوسط ونتوسط، وكما قلت لكم: المقياس لذلك هو هدي النبي ﷺ الذي كان أرحم الناس وأرفق الناس، ومع ذلك انظروا كيف كان يفعل مع أصحابه، النبي ﷺ بايع بعض أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئاً، قال: (بايعوني على أن لا تسألوا الناس شيئاً)، وبايعوه، أليس هذا من الحزم؟ أليس هذا من الجدية؟ فالجدية لها مستويات ولها منازل تختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، فنحن يجب أن ننظر إلى الأمر نظرة عامة، نظرة متوازنة، وعندما ننظر من خلال هذه النظرة لا يمكن أن نقع في مثل هذه الإشكالات.
стр. 1471
كيفية وضع برنامج للسير عليه
السؤال
هل يمكن أن يضع الرجل جدولاً يسير عليه؟ وما هي أساسيات هذا الجدول؟
الجواب
ينبغي للإنسان أن يضع لنفسه جدولاً وبرنامجاً، لكن أنا أتحدث مع فئات مختلفة، مع طالب في المتوسط وطالب في الثانوي وطالب في الجامعة ومع موظف ومع أستاذ ومع متخصص في العلم الشرعي، فمن الغلط أن يقتطع لكل هؤلاء جدول واحد، لكن كل إنسان يعرف كيف يضع لنفسه جدولاً، وأهم شيء أن يكون جاداً في استغلال وقته واستثماره وفق ظروفه.
فالتاجر -مثلاً- الذي يعمل في ميدان التجارة يحتاج إلى برنامج يتناسب مع عمله وموقعه، وكذلك الأستاذ، والطالب، والموظف، والرجل، والمرأة، فالناس يختلفون، فمن الخطأ أن نضع جدولاً واحداً نطالب الناس بالسير عليه، ونقول: هذا الجدول نموذجي ومثالي، والرجل الجاد لا يحتاج أن يوضع له جدول، هو نفسه يعرف كيف يحقق هدفه.
стр. 1472
العمل الصالح وأيام العشر
السؤال
ما رأيك لو ذكرت الحضور بقضية التكبير في أيام العشر، وكثرة العمل الصالح فيها.
الجواب
النبي ﷺ يقول: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام -يعني: عشر ذي الحجة- قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)، فالنبي ﷺ صور لنا أجر المجاهد كمثل الصائم والقائم الذي لا يفتر من صيام ولا من صلاة، ومع ذلك يجعل النبي ﷺ العمل الصالح في هذه الأيام أفضل من الجهاد في سبيل الله.
وفي الحديث الآخر يقول: (فأكثروا فيهن من التحميد والتكبير والتسبيح) فينبغي أن نكثر في هذه الأيام من العمل الصالح، ولا شك أن أفضل عمل صالح يعمله المرء في هذه الأيام هو الحج إلى بيت الله؛ لأن هذه الأيام ما كانت فاضلة إلا لأنها كانت أيام الحج؛ لأن فيها يوم النحر الذي هو يوم الحج الأكبر، فأحث نفسي وأحث إخواني على اغتنام هذه الأيام وهذه الليالي.
وأسأل الله أن يجمعنا وإياكم على خير، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح ويتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 1473
الطاقة المعطلة
تمتلك الأمة كثيراً من الطاقات البشرية، لكن للأسف أكثر هذه الطاقات معطلة لم تقم بدورها في رفعة الأمة، وقليلة تلك الطاقات التي تستثمر بالصورة الصحيحة.
ولو وجهت طاقات الأمة التوجيه الصحيح، واستثمرت الاستثمار الأمثل لكان للأمة شأن آخر، ولرأيتها في وضع يسر.
стр. 1474
أهمية دراسة المسائل الدعوية العامة دراسة جماعية متأنية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله.
أما بعد: فعنوان هذه المحاضرة: الطاقات المعطلة، ولعلي أتمثل بقول الأميري ﵀: قم وجه اللاهين بالذكرى إلى النهج القويم فالمجد ليس ينال بالدعوى أو الصوت الرخيم عبء الرسالة ليس لهواً إنه عبء جسيم القول دون الفعل لا يهدي الصراط المستقيم هذا الموضوع أيها الإخوة! أحسب أنه يحتاج إلى غيري، وأرى أنني عندما أتجشم نقاش هذا الموضوع، ووضع الحلول له، أنني أرتقي مرتقى لست أهلاً له، ولذا فإني لن أتجاوز قدر إثارة الموضوع، وطرح أو اقتراح بعض الحلول، والتي ليست إلا حلولاً عاجلة وآنية، وأرى الموضوع يستحق أكثر من ذلك.
وهنا سؤال يفرض نفسه: ما مدى العمق والموضوعية في طرح قضايا الصحوة وقضايا الدعوة؟ ألا تدركون معي أن الكثير من الموضوعات الأساسية والجوهرية التي تهم الدعوة وتهم الصحوة إنما تطرق ارتجالاً، فهي خواطر يعدها محاضر استجابة للإلحاح عليه من فلان، أو هي خواطر عاجلة يسطرها أيضاً في صحيفة أو في كتيب.
وقد يكون أيضاً الدافع وراء ذلك ليس هو القناعة بهذه الفكرة، أو الشعور بضرورة طرحها، وإنما نتيجة لإملاء أو ضغوط، فيحصل في الواقع كثير من حالات الإجهاض الفكري لكثير من قضايا الدعوة وقضايا الصحوة، فتطرح طرحاً آنياً، وطرحاً سطحياً لا يتناسب مع عمق وأهمية الموضوع.
وهنا لست أقلل أيها الإخوة! من الجهود المبذولة، ولا مما يطرح سواء مما يطرحه الإخوة المحاضرون، أو الكتّاب أو غيرهم، بل هناك لا شك أطروحات فعلاً على مستوى ما نحتاج إليه، لكن أشعر أن هناك قضايا كثيرة هي أكبر أصلاً من مفكر واحد، وأكبر من رجل واحد، فيحتاج إلى أن يتنادى إليها عقلاء القوم، وأن يطرح كل ما عنده.
ألا تستحق قضايا الصحوة أن تعقد لأجلها مؤتمرات وندوات وبحوث لعلاج مثل هذه القضايا التي تعنينا؟ ومن نريد أن يعنى بأمراضنا، ويعنى بتصحيح مسيراتنا إلا نحن؟! فليس من المنطق، ولا من المقبول لا شرعاً ولا عقلاً بأي مقياس أو بأي منطق؛ ليس من المقبول أن تكون حلولنا وأطروحاتنا وعلاجنا لقضايا الصحوة، والقضايا الجوهرية حلولاً سطحية.
وأظن أن هذا الكلام مؤيداً لما قلته قبل قليل، مؤيداً لما قلته أن هذا الموضوع أشعر وأجزم أنه أكبر من حجمي بكثير، ولكن ما أريد أن أصل إليه هو فقط إثارة هذا الموضوع، والعناية به.
стр. 1475
الأسباب الداعية إلى تكاتف طاقات الأمة
следующие страницы →