← Джавами‘

Джавами‘ · id 37377

دروس الشيخ محمد الدويش

محمد الدويش

Полный текст (1 904 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

كيفية وضع برنامج للسير عليه السؤال هل يمكن أن يضع الرجل جدولاً يسير عليه؟ وما هي أساسيات هذا الجدول؟ الجواب ينبغي للإنسان أن يضع لنفسه جدولاً وبرنامجاً، لكن أنا أتحدث مع فئات مختلفة، مع طالب في المتوسط وطالب في الثانوي وطالب في الجامعة ومع موظف ومع أستاذ ومع متخصص في العلم الشرعي، فمن الغلط أن يقتطع لكل هؤلاء جدول واحد، لكن كل إنسان يعرف كيف يضع لنفسه جدولاً، وأهم شيء أن يكون جاداً في استغلال وقته واستثماره وفق ظروفه. فالتاجر -مثلاً- الذي يعمل في ميدان التجارة يحتاج إلى برنامج يتناسب مع عمله وموقعه، وكذلك الأستاذ، والطالب، والموظف، والرجل، والمرأة، فالناس يختلفون، فمن الخطأ أن نضع جدولاً واحداً نطالب الناس بالسير عليه، ونقول: هذا الجدول نموذجي ومثالي، والرجل الجاد لا يحتاج أن يوضع له جدول، هو نفسه يعرف كيف يحقق هدفه.

стр. 1472

العمل الصالح وأيام العشر السؤال ما رأيك لو ذكرت الحضور بقضية التكبير في أيام العشر، وكثرة العمل الصالح فيها. الجواب النبي ﷺ يقول: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام -يعني: عشر ذي الحجة- قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)، فالنبي ﷺ صور لنا أجر المجاهد كمثل الصائم والقائم الذي لا يفتر من صيام ولا من صلاة، ومع ذلك يجعل النبي ﷺ العمل الصالح في هذه الأيام أفضل من الجهاد في سبيل الله. وفي الحديث الآخر يقول: (فأكثروا فيهن من التحميد والتكبير والتسبيح) فينبغي أن نكثر في هذه الأيام من العمل الصالح، ولا شك أن أفضل عمل صالح يعمله المرء في هذه الأيام هو الحج إلى بيت الله؛ لأن هذه الأيام ما كانت فاضلة إلا لأنها كانت أيام الحج؛ لأن فيها يوم النحر الذي هو يوم الحج الأكبر، فأحث نفسي وأحث إخواني على اغتنام هذه الأيام وهذه الليالي. وأسأل الله أن يجمعنا وإياكم على خير، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح ويتقبل منا ومنكم صالح الأعمال. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 1473

الطاقة المعطلة تمتلك الأمة كثيراً من الطاقات البشرية، لكن للأسف أكثر هذه الطاقات معطلة لم تقم بدورها في رفعة الأمة، وقليلة تلك الطاقات التي تستثمر بالصورة الصحيحة. ولو وجهت طاقات الأمة التوجيه الصحيح، واستثمرت الاستثمار الأمثل لكان للأمة شأن آخر، ولرأيتها في وضع يسر.

стр. 1474

أهمية دراسة المسائل الدعوية العامة دراسة جماعية متأنية إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله. أما بعد: فعنوان هذه المحاضرة: الطاقات المعطلة، ولعلي أتمثل بقول الأميري ﵀: قم وجه اللاهين بالذكرى إلى النهج القويم فالمجد ليس ينال بالدعوى أو الصوت الرخيم عبء الرسالة ليس لهواً إنه عبء جسيم القول دون الفعل لا يهدي الصراط المستقيم هذا الموضوع أيها الإخوة! أحسب أنه يحتاج إلى غيري، وأرى أنني عندما أتجشم نقاش هذا الموضوع، ووضع الحلول له، أنني أرتقي مرتقى لست أهلاً له، ولذا فإني لن أتجاوز قدر إثارة الموضوع، وطرح أو اقتراح بعض الحلول، والتي ليست إلا حلولاً عاجلة وآنية، وأرى الموضوع يستحق أكثر من ذلك. وهنا سؤال يفرض نفسه: ما مدى العمق والموضوعية في طرح قضايا الصحوة وقضايا الدعوة؟ ألا تدركون معي أن الكثير من الموضوعات الأساسية والجوهرية التي تهم الدعوة وتهم الصحوة إنما تطرق ارتجالاً، فهي خواطر يعدها محاضر استجابة للإلحاح عليه من فلان، أو هي خواطر عاجلة يسطرها أيضاً في صحيفة أو في كتيب. وقد يكون أيضاً الدافع وراء ذلك ليس هو القناعة بهذه الفكرة، أو الشعور بضرورة طرحها، وإنما نتيجة لإملاء أو ضغوط، فيحصل في الواقع كثير من حالات الإجهاض الفكري لكثير من قضايا الدعوة وقضايا الصحوة، فتطرح طرحاً آنياً، وطرحاً سطحياً لا يتناسب مع عمق وأهمية الموضوع. وهنا لست أقلل أيها الإخوة! من الجهود المبذولة، ولا مما يطرح سواء مما يطرحه الإخوة المحاضرون، أو الكتّاب أو غيرهم، بل هناك لا شك أطروحات فعلاً على مستوى ما نحتاج إليه، لكن أشعر أن هناك قضايا كثيرة هي أكبر أصلاً من مفكر واحد، وأكبر من رجل واحد، فيحتاج إلى أن يتنادى إليها عقلاء القوم، وأن يطرح كل ما عنده. ألا تستحق قضايا الصحوة أن تعقد لأجلها مؤتمرات وندوات وبحوث لعلاج مثل هذه القضايا التي تعنينا؟ ومن نريد أن يعنى بأمراضنا، ويعنى بتصحيح مسيراتنا إلا نحن؟! فليس من المنطق، ولا من المقبول لا شرعاً ولا عقلاً بأي مقياس أو بأي منطق؛ ليس من المقبول أن تكون حلولنا وأطروحاتنا وعلاجنا لقضايا الصحوة، والقضايا الجوهرية حلولاً سطحية. وأظن أن هذا الكلام مؤيداً لما قلته قبل قليل، مؤيداً لما قلته أن هذا الموضوع أشعر وأجزم أنه أكبر من حجمي بكثير، ولكن ما أريد أن أصل إليه هو فقط إثارة هذا الموضوع، والعناية به.

стр. 1475

الأسباب الداعية إلى تكاتف طاقات الأمة

стр. 1476

أن الواجب الشرعي في الدعوة والتغيير الأمة كلها مخاطبة به نحن في مسيرتنا لتصحيح الواقع، والدعوة إلى الله نحتاج إلى طاقات أكثر من الطاقات العاملة الآن بكثير، ونشعر أن هناك طاقات هائلة معطلة يجب أن تستثمر وأن تستغل. فنحن نحتاج إلى هذه الطاقات؛ نظراً لأن الواجب الشرعي أصلاً في الدعوة والتغيير مخاطبة به الأمة جمعاء، فكل النصوص التي تأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو الدعوة إلى الله هي خطاب للأمة كافة، وليست خطاباً لجيل الصحوة وحدهم، ولا للعلماء وحدهم، وللدعاة دون غيرهم. ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وهذا الواجب -يعني: واجب الدعوة- واجب على مجموع الأمة، وهو الذي يسميه العلماء فرض كفاية إذا قام به طائفة منهم سقط عن الباقين، فالأمة كلها مخاطبة بفعل ذلك، ولكن إذا قامت به طائفة سقط عن الباقي. ولا أظن أن أحداً الآن يجادل أو يشك في أن واجب الدعوة لم تقم به الطائفة التي نذرت نفسها وبذلت جهدها له، لا لأجل التقصير منها، وإن كان البشر لا يخلو من التقصير، ولكن لأن الأمر أكبر من طاقتها وقدرتها، فلا نقول: قام به من يكفي إلا عندما تصحح الأخطاء الموجودة في المجتمعات الإسلامية فعلاً، ويصل المسلمون إلى ما يسعون إليه من إقامة الحكم لله ، وإقامة الدولة على شرع الله ، وإقامة واقع الناس على ما يرضي الله ، فما دام لم يتحقق هذا الواجب، فلا زالت الأمة كلها جميعاً مخاطبة بهذا الواجب. إذاً: فالأصل شرعاً أن تعمل كل هذه الطاقات لخدمة هذا الدين، وللدفاع عن الأمة، ولإعادة واقع الأمة إلى الواقع الشرعي.

стр. 1477

ضخامة الفساد والانحراف في الأمة يفرض ضرورة تكاتف جهود وطاقات الأمة الأمر الثاني: أن الفساد والانحراف الموجود في مجتمعات المسلمين بقدر من الضخامة فلا يمكن أن يقوم بإزالته الدعاة فقط وحدهم ما لم تسر الأمة وراءهم، ولا يمكن أن يقوم به فرد ولا جماعة ولا فئة من الناس، فهو أكبر بكثير من طاقات هؤلاء. فالانحراف في العقيدة، والانحراف في المفاهيم والتصورات، والجهل بأحكام الدين، والانحراف في السلوك، وأبواب ومجالات الخلل في واقع الأمة وواقع المجتمع مجالات واسعة أكبر من أن يحيط بها، أو أن يسد هذه الأبواب وهذه الثغرات الداعية فلان أو فلان، أو حتى جماعة من الجماعات، أو فئة من الفئات، فما لم تتضافر الجهود، وتعمل كافة طاقات الأمة على درء هذا الفساد، فسنظل نسير سير السلحفاة.

стр. 1478

اختلاف طاقات الناس وتخصصاتهم يوجب تكاتف جميع طاقات المجتمع كذلك الأمر الثالث أيضاً الذي يدعونا إلى ضرورة تشغيل كافة الطاقات والعناية بها: اختلاف طاقات الناس، وتخصصاتهم، وقدراتهم، فالناس مثلاً منهم العالم ذو العقلية العلمية الفذة الذي يستطيع أن يؤصل المسائل الشرعية، ويستطيع أن يعلم الناس، ومنهم الواعظ الزاهد الذي يستطيع أن يصل إلى قلوب الناس، وقد يصل إلى قلوب الناس ما لا يصل إليه العالم، ومنهم الخطيب، ومنهم المفكر، ومنهم أصحاب المواهب والطاقات المتنوعة، وكل هذه الطاقات نحتاج إليها، والأمة كل الأمة، المفكرين، المثقفين، المتعلمين، الأميين، النساء، كل طبقات المجتمع بحاجة إلى من يخاطبها بهذا الدين. وطبقات المجتمع وشرائح المجتمع طبقات متفاوتة، فتحتاج إلى أنواع وألوان من الخطاب، وإلى أنواع من القدرات، ولذا فإن الأمة تحتاج إلى كل طاقة وكل قدرة، فكل إنسان يملك موهبة، وكل إنسان بارع في أي تخصص له مجال مفتقر إليه، وقد لا يقوم به غيره.

стр. 1479

ضرورة أن يتعاون المجتمع كله في نشر دين الله تعالى، فالعلماء وحدهم والحكام وحدهم لا يقدرون على ذلك لوحدهم الأمر الرابع: أن الدعاة وحدهم والقادة وحدهم لا يمكن أن يصنعوا شيئاً: وهذا ليس شأن هذه الأمة فقط بل الأمم السابقة كذلك، فالله يقول: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦ - ١٤٧]. فهذا النبي ما قام وحده، وهذا النبي ما قاتل وحده وإنما قاتل معه ربيون كثير، وعندما يتخلى هؤلاء عن النبي فقد لا يصنع شيئاً، أعني: أنه قد لا يتحقق له النصر والتمكين في دار الدنيا، ونجد مصداق ذلك في قصة موسى مع بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٢٠ - ٢١]. فدعا موسى بني إسرائيل إلى دخول الأرض المقدسة: ((ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ)) يعني: الأرض المقدسة مكتوبة لهم فيحتاج الأمر إلى أن يدخلوا الأرض المقدسة فقط، فرفض بنو إسرائيل أن يستجيبوا لدعوة موسى، فقام رجلان بواجب المناصرة والتأييد لموسى، ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ [المائدة:٢٣]، فالقضية تحتاج فقط إلى مجرد الدخول على القوم الجبارين، وحينئذٍ إذا دخلتموه فإنكم غالبون، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]. وحينئذٍ صرحوا بأنهم لا يملكون أي استعداد إطلاقاً لدخول الأرض المقدسة، ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ [المائدة:٢٤] فحتى ما قالوا: اذهب أنت وربنا، أو أنت والله ، وإنما بلغ سوء أدبهم مع موسى أن قالوا: ((فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ)) فالقضية ما تعنيهم، القضية تعني موسى، ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] يعني: نحن عندنا استعداد أن ننتظر الآن في هذا المكان، واذهب أنت وقاتل، وإذا فتحت المدينة حينئذٍ لدينا استعداد أن ندخل الأرض المقدسة التي كتب الله لهم. فقال موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة:٢٥]. وماذا كانت النتيجة؟ النتيجة: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة:٢٦]. وحرمت عليهم أربعين سنة، وبقوا في التيه أربعين سنة، ثم ولدت ذرية تربت على القسوة، وعلى الجدية، وتركت حياة الذل والاستعباد، فلما جاء بهم يوشع بن نون خطب بهم فقال: لا يتبعني رجل تزوج امرأة ولما يدخل بها وهو ينتظر أن يدخل بها، ولا يتبعني رجل بنى داراً وهو ينتظر أن يسكنها، ثم ذكر كل ما يقطع الناس ويعلقهم في الحياة الدنيا، فجاء بهذه الصفوة، وقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، وكانت الشمس ستغيب على ليلة السبت، وقد حرم عليهم القتال يوم السبت، ففتح الله عليهم. إذاً: مع وجود موسى، ومع وجود هارون، ومع وجود الرجلين اللذين يخافان الله ، مع ذلك عندما تخلى الأقوام لم ينتصر موسى، ولم يدخل الأرض المقدسة. الشاهد هنا: أن الداعية وحده، أو القائد وحده لا يمكن أن يصنع شيئاً ما لم تسر الأمة وراءه، وما لم يكن معه ربيون كثير، يقاتلون في سبيل الله، ولا يهنون، ولا يستكينون، ولا يضعفون لما أصابهم في سبيل الله. ولذلك يقول الشافعي عن الليث بن سعد: كان الليث أفقه من مالك، ولكن لم يكن له أصحاب يقومون بفقهه، فـ الليث بن سعد على الأقل في رأي الإمام الشافعي أفقه من مالك، ومالك أخذ شهرة ومكانة وأتباع لم يأخذها الليث بن سعد، بل لعلك -للأسف- تجد بعض طلبة العلم قد لا يعرف من هو الليث بن سعد! فما الذي جعل مالكاً يقوم وينتشر مذهبه؟ أنه كان له أصحاب يقومون بمذهبه، فمع أن

стр. 1480

تكاتف جميع طاقات الأمة لصد مكر الأعداء وعدوانهم الأمر الخامس: أنه عندما تعمل كل الطاقات، وعندما يسير الجميع في ركاب الصحوة، فستفوت الفرصة على المتربصين بالأمة الدوائر وما أكثرهم، وهاأنتم الآن ترون مصارع إخوانكم في كافة أنحاء العالم الإسلامي، والقوم هم القوم، تشابهت قلوبهم، والقضية واحدة، فقد يختلف التوقيت، وقد يختلف الأسلوب، لكن يجب أن تعلموا حقيقة لا شك فيها أن الأعداء يكيدون لهذه الصحوة، ويتآمرون عليها. فعندما تكون الصحوة محصورة في إطار معين، وفي فئات معينة فإنه يسهل على الأعداء أن يضربوا هذه الصحوة، ويسهل على الأعداء أن يصنعوا ما يشاءون، لكن عندما تتحول الصحوة إلى تيار جارف، وعندما يكون على الأقل المتعاطفون مع الصحوة جزءاً منها وأناساً عاملين، عندما ننجح فعلاً في توظيف هؤلاء فإننا نفوت فرصة ثمينة على هؤلاء الأعداء فلن يستطيعوا أن يضربوا الصحوة؛ لأنهم حينئذٍ سيواجهون المجتمع، وسيواجهون الأمة بدلاً من أن يواجهوا مجموعة يخيلون للناس أنهم متطرفون، أو أصوليون، أو غلاة، أو غيرها من المصطلحات التي يطلقونها على هؤلاء. أقول: إذاً لهذه الأمور الخمسة ولغيرها كان لابد من أن تستثمر كافة هذه الطاقات، فالفساد واسع ولا يمكن أن يحيط به آحاد من الناس، والناس طاقاتهم وقدراتهم ومواهبهم تختلف، وكذلك القائد والداعية والموجه للأمة ما لم يسر وراءه أتباعه ويقفوا وراءه، ويشعروا أنهم جزء منه فلا يستطيع أن يصنع شيئاً. كذلك لا شك أن استغلال هذه الطاقات، وتشغيل هذه الطاقات فيه تفويت وقطع للطريق على الأعداء الذين يتربصون بالصحوة.

стр. 1481

أصناف الطاقات المعطلة في الأمة بعد ذلك ننتقل إلى الحديث عن أصناف هذه الطاقات المعطلة، والمعذرة أيها الإخوة! فقد أتحدث عن أصناف من الخيرين، بل ومن الذين نتمنى أن نجالسهم، ونستفيد منهم، فلا يعني أني أتهم جميع الناس، بل أقول فئة من هذا الصنف، وفئة من هذا الصنف، وفئة من هذا الصنف هم لا زالوا طاقة معطلة. الأمر الثاني: ليست القضية يا إخوة! التراشق بالتهم، ولا القضية اتهام بالتقصير، بل القضية قضيتنا جميعاً، القضية قضية تذكير، القضية أننا ندعو هؤلاء جميعاً إلى أن يقفوا في خندق واحد لمواجهة تيار الفساد، ولمواجهة الأعداء، والقيام بالمهمة. ثالثاً: إنني حين أقول ذلك أعرف أنني أول المقصرين، وأعرف أني أهمل كثيراً مما أملكه من طاقات ومواهب على ضآلتها، وعلى سذاجتها، وأني أبخل بكثير مما أستطيع أن أقدمه، ولكن القضية قضية تناصح، وتعاون على البر والتقوى قبل أن تكون تراشق بالتهم، أو اتهام للناس بالتقصير؛ لأني أخشى أن يقول أحدكم بعد ذلك: وماذا بقي من طبقات المجتمع عندما تتهم كل هذه الطبقات بأنها طاقات معطلة، أو أن هؤلاء مقصرون؟!

стр. 1482

من الطاقات المعطلة المتفاعلون مع الدعوة والمحبون لها أول هذه الطبقات وأهمها: هم ما يمكن أن نسميه -وهذا مصطلح ولا مشاحة في الاصطلاح- الصف الثاني للصحوة، ونعني بهم الناس الذين يتفاعلون مع قضايا الصحوة، فتجده مثلاً يتابع ما يطرحه الدعاة إلى الله ، ويتضامن معهم، فهو مثلاً يحضر المحاضرات العامة، ويقرأ الكتب والإصدارات التي يصدرها هؤلاء، ويتحدث عن الصحوة مع غيره في المجالس، ويتابع ويتفاعل مع قضايا الصحوة داخل نفسه، ويبدو ذلك أيضاً في حديثه مع الناس. وهم قطاع كبير في المجتمع، لكن لا يصنع شيئاً وراء ذلك، ولا يقدم أي عمل، وغاية ما يقدمه هو -كما قلت- مجرد التفاعل مع قضايا الصحوة، بل لا أبالغ إذا قلت: إن الكثير الآن من طبقات المجتمع يتفاعلون مع قضايا الصحوة، ومع رواد الصحوة، بدليل أنك تجد مثلاً رواج الشريط الإسلامي، وتجد أن الآلاف يسمعون الشريط الإسلامي، وتجد المحاضرات التي تقام لكبار قادة الصحوة مثلاً أن يحضرها الآلاف من الناس، وهي إنما تقام مثلاً في مدينة واحدة فقط، والآخرون لا يتيسر لهم الحضور، فهذا مظهر من مظاهر التفاعل مع قضايا الصحوة. والتفاعل مع كافة الأطروحات التي يطرحها الدعاة إلى الله ، ورواد جيل الصحوة، ولكن القضية عند الكثير تقف عند هذا الحد، فهو يسمع الأشرطة، ويحضر المحاضرات، ويقرأ ما يكتب، ويتفاعل فقط داخل نفسه، لكن ما وراء ذلك لا يصنع شيئاً. أقول: للأسف أن الكثير ممن يتفاعلون مع قضايا الصحوة هم من هذه الفئة، ولو نجحنا فقط في توظيف هذه الطاقات، لو نجحنا في توظيف الذين يستمعون إلينا فعلاً النجاح التام لاستطعنا أن نصنع الشيء الكثير، لكن متى ننجح في ذلك؟ وهذا ما أدعو إليه. وهذا لا يعني أني أتهم المتحدثين، أو أتهم الدعاة، أو أتهم جيل الصحوة بأنهم قاصرون وعاجزون، كلا فكونهم يكسبون هذا التأييد هذا دليل على أنهم يملكون قدراً كبيراً من النجاح، لكن أقول: نريد أن ننتقل خطوة أكبر من ذلك، أكثر من مجرد أن يسمع حديثنا الناس، أكثر من مجرد أن يتفاعل مع حديثنا الناس، بل أن نستطيع أن نصنع جهود عملية من وراء ما تحدث به. أن نحرك هذا الجيل الذي يسمع لنا ويؤيدنا، بل أقول يا إخوة! وأنا واثق مما أقول: إن أكثر طبقات المجتمع يتضامن ويؤيد الصحوة، ويقف مع قضايا الصحوة، ولكن تبقى القضية قضية مشاعر قلبية، تبقى القضية تضامن وشعور داخلي قد يتجاوز إلى الحديث في المجالس، والدفاع وتبني قضايا الصحوة، لكن ما وراء ذلك هو ما نريده.

стр. 1483

من الطاقات المعطلة في المجتمع كثير من طلاب العلم ثم أنتقل إلى طبقات أخرى قد تكون طبعاً داخلة تحت هذه الطبقة التي أشرت إليها، ومن أهم هذه الطبقات طبقة من طلاب العلم، فطبقة كبيرة من طلاب العلم للأسف هم من الطاقات المعطلة، والأمة أحوج ما تكون إليهم، وهنا أذكر بما قلته قبل قليل، فلا يعني هذا أبداً أنني أتهم طلاب العلم أنهم مقصرون، بل إننا نأنس بحديثهم، والجلوس إليهم، والاستفادة منهم، ونحن جميعاً عالة عليهم. ولكن أقول: هناك فئة من طلاب العلم بقي الخير قاصراً عنده على نفسه، ويتعلل بأنه عاجز، وبأنه ما عنده قدرات، وبأن واقع المجتمع لا يتطلب ذلك إلى غير ذلك، فيتعلل بعلل وأصناف ووسائل شتى سبق أن تحدثت عنها في حديث سابق، وفي محاضرة سابقة؛ لذا لا أحتاج إلى العودة إليها، كنت تحدثت عنها في محاضرة بعنوان: فتن التهرب من المسئولية. وحتى نأخذ صورة فقط عن حجم هذه الطاقات فإنك عندما تنظر إحصائيات خريجي الدراسات الشرعية فإنك تصاب بذهول، هذه الأرقام الهائلة في مقابل الجهود المبذولة الآن، وفي مقابل فعلاً مدى انتفاع الناس بها. فمثلاً: خريجي الدراسات الشرعية في جامعة الإمام وحدها من عام ٩٢هـ إلى عام ١٤٠٩هـ (٩٦٥٦) طالباً، فهؤلاء لم يتخرجوا من هذه الجامعة في كافة الدراسات، وإنما من الدراسات الشرعية في المرحلة الجامعية وحدها من عام ٩٢هـ إلى عام ١٤٠٩هـ فقط، وانظر ما قبل عام ٩٢هـ، وما بعد عام ١٤٠٩هـ من أعوام، فهذه الأفواج الهائلة من خريجي الدراسات الشرعية أين هم؟ وجامعة أم القرى من عام ١٤٠١هـ - ١٤٠٢هـ إلى عام ١٤٠٩هـ بلغ أيضاً عدد خريجي الدراسات الشرعية (٤٠٢٧) طالباً، وخذ بعد ذلك سائر الخريجين من أقسام الدراسات الإسلامية والدراسات الشرعية في سائر الجامعات. وخذ بعد ذلك طلبة العلم وخريجي حلق المساجد الذين قد يكون الكثير منهم يفوق هؤلاء الخريجين، وقد تقول لي مثلاً: إن الكثير من خريجي الدراسات الشرعية ليسوا على المستوى المطلوب، وقد تقول: إنهم ضعاف، وقد تقول: فيهم كذا وكذا، لكن هذا خلاف الأصل، فالأصل أن يكون طالب الدراسات الشرعية خاصة في هذا العصر يشعر بدوره، ويرى أثر العلم عليه، ومهما كان فعلى الأقل قد أتيحت له فرصة لدراسة العلم الشرعي لم تتح لغيره، وأما كونه مهملاً، وكونه مقصراً، فهذا أصلاً مظهر من مظاهر تعطل الطاقات. فالمفترض أن صاحب الدراسات الشرعية سواء كان في المرحلة الثانوية، أو المرحلة الجامعية، أو المراحل العليا، المفترض ألا يفارقه هذا الشعور: أن يرى أن الناس بحاجة ماسة إلى علمه. وعندما تنتقل مرحلة أخرى أيضاً إلى قطاع أكبر مثلاً فستجد أن خريجي مثلاً المعهد العالي للقضاء، والمعهد العالي للدعوة الإسلامية، وهو يمنح درجات عالية: الماجستير والدكتوراه، في الفترة نفسها (٧٣١) طالباً هؤلاء أصحاب تخصصات عليا في الدراسات الشرعية، ناهيك عمن يأخذ أو يحصل على الشهادات العليا من غيرها مثلاً من كليات الجامعة، أو من الجامعات الأخرى، أو ممن هم -كما قلت- رواد المساجد الذين الكثير منهم أفضل بكثير من حملة الشهادات العالية، فأين هذا الرقم الهائل؟ وأين أثرهم في الواقع؟ وأساتذة ثلاثة جامعات فقط: أساتذة الدراسات الشرعية في جامعة الإمام، وجامعة أم القرى، والجامعة الإسلامية من السعوديين وحدهم في عام ١٤٠٩هـ بلغ عددهم (٩٠٦)، وهؤلاء لا شك أنهم على مستوى أعلى منا جميعاً، أعلى منا نحن الذين نتحدث عنهم، فنحن -كما قلت- لا نوجه التهمة، ولا نؤيد هذا المنطق أن نوجه التهم للناس بالتقصير والإهمال، لكن أقول: عندما تنظر إلى هذه الأرقام وغيرها، وتنظر إلى الجهود المبذولة: الدروس العلمية في المساجد، والمحاضرات، والواجبات المنوطة بهؤلاء، تتساءل أين البقية؟ ولا أبالغ أيها الإخوة! إذا قلت: إنه لو عمل ربع هذه الطاقات فقط لتغير الأمر، فتجد الآن مثلاً عندما يكون لأحد الإخوة قدر ضئيل من العلم، ومستواه الفكري قدراته ضئيلة ومحدودة، فبمجرد أن تظهر له محاضرة أو محاضرتان في التسجيلات، وأصبحت أشرطته تتداول، إلا تنهال عليه الطلبات الهائلة التي لا يستطيع حتى أن يوفق بينها. وأقول أيها الإخوة: لو أن فقط هذا الصنف من المحاضرين تفرغ لنشاط المحاضرات وحدها، وتفرغ لتلبية الطلبات التي ترد عليه لم يستطع أن يلبي جميع هذه الطلبات، فكيف به وهو منوط به أعمال أخرى كثيرة، ناهيك عن ظروفه ومشاغله الخاصة. أين البقية؟ لو كان كل واحد من هؤلاء من طلبة العلم يشعر بدوره وواجبه، ويقوم بجهد ولو كان ضئيلاً لتغيرت الصورة، ولخف العبء على أولئك الذين -وأنا أولهم- يعرفون أنهم ليسوا أهلاً لترقي مثل هذه المراقي أو هذه المنابر التي نتحدث من خلالها، وأرى أنه لو قام بعض هؤلاء الأكفاء بواجبهم لما استطعنا أن نجد لنا مكاناً في مثل هذه المنابر، ولبحثنا عن مكان آخر نستطيع أن نقدم منه خدمة لدين الله ، لكن الإنسان عندما يجد الساحة فارغة يرى أنه غير معذور إذا لم يدل بدلوه.

стр. 1484

من الطاقات المعطلة بعض خطباء الجوامع طبقة أخرى أيضاً، وفئة أخرى من الطاقات المعطلة: بعض خطباء الجوامع: أقول: يا إخوة! خطبة الجمعة بحاجة إلى إعادة نظر، ولا شك أن هناك فئة من الخطباء لسنا نحن نتحدث عنهم ولا نقيمهم، بل أظن أن ثناءنا عليهم يعتبر غضاً من شأنهم، فهم أكبر من أن نثني عليهم، وأكبر من أن نشيد بدورهم، لكن البقية أين دورهم؟ فمثلاً هل هو وضع طبيعي أن يوجد في مدينة مثل مدينة الرياض عشرة خطباء أو خمسة عشر خطيب يجتمع الناس حولهم، والبقية الذين يتحدثون لسائر المسلمين ما شأنهم؟ وما دورهم؟ ولو نجحنا في توظيف خطباء الجوامع وحدهم فعلاً، وأصبح خطيب الجمعة يشعر بأن القضية أمانة مسئولية، وأن خطبة الجمعة تستمع إليها الملائكة، وأن خطبة الجمعة يجب على كل مسلم أن يسعى إليها، وأنه يجب عليه الإنصات، إنها أمر الله للمسلمين جميعاً بأن يسعوا إلى ذكر الله، وأن يسعوا ليسمعوا هذا الذكر. لو كان كل خطيب يشعر بهذا الشعور، ويشعر بثقل الأمانة والمسئولية ويعتني بما يقدمه للناس لتغيرت الصورة. ولمَ لم ينجح هؤلاء فعلاً في توظيف الناس في خدمة دين الله ؟ لمَ لم ينجح هؤلاء في أن يتوب على أيديهم عدد كبير من العصاة؟ لما ترى الكثير مثلاً من هؤلاء الخطباء عندما يأتي لخطبته فكأن الخطبة جبل ثقيل يريد أن يتخلص منه، فيجمع النصوص من هنا وهناك، مجموعة أحاديث، وبعض الآيات، وقال فلان وقال فلان من الناس، ويقرأ الخطبة، والجميع ينظر إلى ساعته ينتظر أن تنتهي هذه الخطبة ليغادر المسجد. فمثلاً: هل هؤلاء الخطباء يعالجون قضايا الشباب وانحراف الشباب فعلاً بعمق؟ سبق أن أجريت دراسة لمجموعة من الشباب، فكان ٧٥% منهم يرى أنه لا يستفيد من خطبة الجمعة، ويرى أن خطبة الجمعة لا تدعوه إلى الالتزام والاستقامة، يعني: أنها لا تعالج قضايا الشباب. وأنا أجزم أن خطيب الجمعة لو عالج مشكلة من مشاكل الشباب، لو عالج قضية مثلاً المعاكسات الهاتفية، وتحدث عنها فعلاً بعمق، وبعيداً عن العاطفة، وبعيداً عن أساليب الإثارة، وبعيداً عن مجرد استثارة العواطف، وتحدث عنها حديثاً علمياً، وبذل جهد فعلاً، وأحضر وقائع، لاستطاع أن يقنع الكثير من الناس، وأن يقنع الآباء والفتيات والشباب. ولو تحدث للشباب بمنطق العقل، ومنطق الإقناع عن النهاية لطريق الشهوات والسير وراءها، وتحدث عن الضريبة التي يدفعها هؤلاء عندما يسيرون في طريق الغواية، ولو تحدث عن كثير من هذه الأمراض، وأنا لا أريد أن تكون خطب الخطيب بهذا الشكل، أنا أريد من خطيب الجمعة أن يخصص له خطبة في الشهر أو كل شهرين يهتم فيها بقضية من قضايا المجتمع، ومشكلة من مشاكل المجتمع فإن الناس جميعاً يخرجون وهم يشعرون أن القضية تعنيهم، ويشعرون أن الخطيب قدم لهم شيئاً جديداً. فيجتهد الخطيب ويقرأ، ويطلع، ويتابع الدراسات والإحصائيات، ويتابع ما يطرح في الصحف، ويستطلع آراء الناس ويستفيد، ويجمع من هنا وهناك، ثم يقدم مادة جيدة للناس، لو أن الخطباء سلكوا هذا الأسلوب وهذا المنهج، وصار عندهم عمق في طرح هذه القضايا لصنعوا الشيء الكثير. وليس عيباً أيها الإخوة! ليس عيباً أن يقول الشاب: أنا ما عندي قدرة على خطابة الجمعة، فليس المؤهل كي تكون إمام جامع أن تكون مجرد شاب ملتزم، ليس صحيحاً أن كل شاب ملتزم يكون خطيباً، بل أحياناً ليس كل طالب علم مؤهلاً لأن يكون خطيب جمعة. فالخطابة لها مواصفات معينة، فما الذي يمنع الإنسان أن يقول: والله هذا المكان ليس لي، وأنا غير مؤهل لأن أتولى خطابة الجمعة، ويتولاها من هو خير مني. ثم افترض أنك توليت الخطابة، فما الذي يمنعك أنك تستعين بأحد الناس الذين عندهم قدرات؟ فإذا كان هناك شخص مثلاً تعرف أنه ليس خطيب جمعة، فتطلب منه يوم من الأيام أن يقدم خطبة، وأنت مستهلك فحتى لو كنت أكثر منه طاقة فالناس قد سمعوا كل ما عندك، فعندما يأتي هذا الرجل فإنه يستطيع أن يقدم لهم شيئاً كثيراً بجهد قليل؛ نظراً لأنه لأول مرة يقف أمامهم. فما الذي يمنع خطيب الجمعة أن يدعو فلاناً من الناس ويقول: أريدك أن تقدم خطبة للناس؟ وما الذي يمنعه أن يتقدم إلى فلان أو فلان من الناس ويقول: أريد أن أخطب في هذا الموضوع، فأعطني بعض العناصر، وأعطني بعض الأفكار، ويسترشد بآراء الغير؟ وأنا لا أدعو الخطيب إلى أن يسلك هذا الأسلوب في كل خطبة؛ فهذا أمر يصعب عليه، لكن أقول مثلاً: ليجعل خطبة واحدة في الشهر، أو خطبة كل شهرين يعتني بها هذه العناية. والأصل يا إخوة! أن يكون خطباء الجوامع كلهم فعلاً يسيرون وراء هذا المنهج، لكن عندما يكون الخطباء المشهورون يأتي الناس إليهم، والذين لم يصلوا معهم سيسمعون الأشرطة التي تطرح في التسجيلات، لكن أريد من يخاطب الناس الذين لا يصلون إلا الجمعة، أريد من يخاطب الناس الذين لا يسمعون الخطب والمحاضرات وإنما يسمعون أشرطة الغناء الساقط، وإنما يتابعون الأفلام الساقطة، فأحدهم يأتي لصلاة الجمعة نظراً لأنه ملزم أن يحضر خطبة الجمعة، فأريد من يخاطب هؤلاء، فهذا لا يبحث عن فلان وفلان

стр. 1485

من الطاقات المعطلة طلاب المدارس كذلك من الطاقات المعطلة أيضاً: طلاب المدارس: كثير من طلاب المرحلة الثانوية والمرحلة المتوسطة فعلاً أشعر أنهم طاقات معطلة، لماذا؟ نأتي مثلاً إلى ثانوية من الثانويات كم فيها من الشباب الملتزمين الذين تجدهم رهن الإشارة، هم -كما قلنا- من الطبقة التي تحدثنا عنها في البداية من الجيل الثاني للصحوة، فعنده استعداد يسمع أي توجيه، وعنده استعداد ينفذ أي برنامج يطرح عليه، فيستجيب لأي أمر ولأي توجيه، فكم ستجد مثلاً في هذه الثانوية؟ أفترض مثلاً أنا وجدنا ثلاثين شاباً، ففي بداية السنة كان عندنا ثلاثون شاباً، وانتهت السنة فما النتيجة؟ وما أثر هؤلاء الشباب؟ وكم شاب اهتدى على أيديهم؟ وكم زاد العدد؟ قد يزيد العدد خمسة ستة، بمقابل الخسائر التي نخسرها، وقد تكون هذه الزيادات أحياناً نتائج عفوية لم تكن وراءها جهود مبذولة. لكن لو كان هؤلاء الطلاب مثلاً فعلاً طاقات عاملة، وأنا ما أريد من الطالب أن يهتدي على يديه جميع الطلاب، لكن لو كان للطالب محاولة واحدة كل شهر، وأشهر الدراسة إذا حذفنا أيام الامتحانات والإجازات وغيرها ستكون ستة أشهر، سيكون عندك كم محاولة في السنة؟ ست محاولات، وإذا كان عندي ثلاثون طالباً، فكم سيكون عندي من المحاولات؟ ستكون مائة وثمانين محاولة. افترض يا أخي! أننا نجحنا بنسبة ١٠% فقط، ١٠% من جهودنا نجحت، ٩٠% فاشلة فكم سيهتدي على يد هؤلاء الثلاثين شاباً؟ سيهتدي ثمانية عشر، أي: أكثر من النصف، يعني: عندما ننجح بنسبة ١٠% فسيزيد العدد بمقدار النصف، مع أن المفترض ألا تكون محاولة الشاب مجرد مرة واحدة في الشهر، والمفترض أن تكون النتائج أكثر من ١٠%، يعني: من كل عشر محاولات تنجح محاولة واحدة، فافترض أن نسبة النجاح ٥%، وأن ٩٥% من الجهود التي يبذلها هؤلاء الشباب في استصلاح الشباب الآخرين تفشل، فستكون النتيجة أن يهتدي على يد كل ثلاثين شاباً تسعة شباب، يعني: بمقدار الثلث. وتخيل معي بعد أربع سنوات أو خمس سنوات كم سيزيد الرقم؟ تخيل النتائج التي تحصل بعد ذلك لو أجدنا استغلال هذه الطاقات. وهؤلاء الشباب والطلاب الذين لديهم تقصير لا أحملهم المسئولية وإنما أحملها الأساتذة، وأحملها موجهيهم، فهؤلاء عندهم استعداد، بدليل أنك عندما تقترح عليهم أي اقتراح تجد أنهم يبادرون في تنفيذه، لكن يحتاجون إلى من يأخذ بأيديهم ويقول: هذا هو الطريق، وبحاجة إلى من يشير لهم وسيسيرون بمجرد الإشارة. ألا توافقون أيها الإخوة! أن هذا أيضاً هو الآخر قطاع كبير معطل فعلاً، ولو أن هؤلاء الشباب أدوا أدوارهم لتغيرت الصورة. إذاً: إذا استطعنا أن نوظف هؤلاء الشباب فسننجح كثيراً. وعلى كل حال هناك خواطر كثيرة حول هذا الموضوع: موضوع الطلاب سبق أن أشرت إليها في المحاضرة السابقة، ولعلي أيضاً أن أخصص لهذا الموضوع إن شاء الله محاضرة مستقلة.

стр. 1486

من الطاقات المعطلة أصحاب المواهب كذلك من الطاقات المعطلة أيضاً: أصحاب المواهب أو الموهوبون: وللأسف نحن أسوأ الأمم والمجتمعات برعاية الموهوبين، فالدول الأخرى عندها شيء اسمه رعاية الموهوبين، وهو غير موجود في مجتمعاتنا إطلاقاً، فهناك مدارس خاصة بالموهوبين، ودراسات خاصة، ومؤتمرات خاصة لتدريس الموهوبين ورعايتهم، وهناك دراسة أجراها مكتب التربية العربي لدول الخليج عن واقع الموهوبين في دول الخليج العربي فإذا قرأتها فستنصدم عندما ترى ما فيها من النتائج. فهناك سؤال وجه لوزارات التعليم في دول الخليج: هل توجد إدارة أو جهة مسئولة عن الموهوبين؟ فالجميع أجاب بلا ما عدا البحرين. وهناك أسئلة أخرى: هل توجد خطط تربوية خاصة بالموهوبين؟ وهل توجد تشريعات تربوية خاصة بالموهوبين؟ وهل توجد مناهج دراسية خاصة بالموهوبين؟ وهل توجد برامج تربوية خاصة بالموهوبين؟ وهل يوجد معلمون متخصصون في التعامل مع الموهوبين؟ وهل هناك متابعة للطلاب الموهوبين؟ فالجميع أجاب: بلا. فهذا واقع الموهوبين عندنا، لكن نحن لا نخاطب أولئك فلهم من يتحدث معهم، نخاطب الدعاة والأساتذة، فنقول: يجب أن نلتفت إلى هذا الجانب، أعني: الطاقات الموهوبة، وهذا أمر شرعي، فالرسول ﷺ يقول: (الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة)، فالناس يختلفون: طاقات ومواهب. والنبي ﷺ أيضاً يقول: (مثل ما بعثني الله به من العلم والهدى كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها نقية قبلت الماء) إلى آخر الحديث. ويقول: (الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا). فعل كل حال ليس هذا وقت التأصيل لهذه القضية، لكن هذه القضية معروفة شرعاً، والرسول ﷺ كان يحرص على إيمان فئة من الناس يعلم أن لإيمانهم ودخولهم في الإسلام أثراً في خدمة الإسلام والمسلمين. فما مدى عناية الأساتذة بهؤلاء الموهوبين؟ أنت أستاذ تدرس في مدرسة وعندك طالب شاعر، أو عندك طالب ذكي، أو عندك طالب يملك أي مواهب معينة وقدرات معينة، فما مدى عنايتك بتوجيهه ورعايته؟ وبعبارة أخرى: ما مدى عنايتك بتوظيف مثل هذه الطاقة لخدمة الأمة؟ فبدلاً من أن يكون هذا شاعراً شعبياً يكتب في صفحة الأدب الشعبي، وبدل من أن يمدح فلاناً وفلاناً من الناس نريده يا أخي أن يوظف هذه الطاقة لخدمة دين الله . وأنا أمامي مرحلتان مع هؤلاء الموهوبين: المرحلة الأولى: أن يكون هذا الموهوب أحد المتابعين، أو أحد العاملين فعلاً في جيل الصحوة، وحوله إلى إنسان مهتدي وإنسان عامل، إنسان فعلاً يشعر بأن الدعوة هي همه وهي كل شيء، إذا ما نجح في الأمر هذا، ولم أنجح في تربيته التربية الكاملة على الأقل يا أخي أوجد عنده قناعات، على الأقل أكسبه كمؤيد، وكرجل على الأقل محايد، وقد تكون كلامات محدودة أوجهها لمثل هذا الموهوب تجعله يوجه مساره إلى خدمة هذا الدين، وخدمة قضايا الأمة. ويجب أيضاً أن ينتبه إخواننا الكرام إلى أن الموهوب ليس هو الذكي فقط، لا، لا شك أن الأذكياء طبقة من طبقات الموهوبين، لكن غيرهم كل من يملك طاقة وقدرة وموهبة ليست عند الآخرين فهو رجل موهوب نحن بحاجة إلى توظيفه. ولذا فأنا هنا أدعو الأساتذة الذين يملكون الغيرة فعلاً على واقع الأمة أن يحرصوا على هؤلاء ويعتنوا بهم، سواء في استصلاحهم وهدايتهم لأن فيهم الخير الكثير، أو على الأقل في دعوتهم وتوجيههم بكافة الوسائل؛ لتوظيف طاقاتهم لخدمة قضايا الأمة.

стр. 1487

من الطاقات المعطلة أصحاب المهن الحرة كذلك من الطاقات المعطلة: أصحاب المهن الحرة كالتجار مثلاً، فالآن الصحوة لها انتشار طيب في قطاع التعليم وقطاع الطلاب، لكن ما مدى انتشار الصحوة في قطاع التجار، وفي قطاع العمالة، فالقطاعات الأخرى تجدها قطاعات بعيدة فعلاً عن هذا الأمر. وسنعطيكم تصوراً بسيطاً جداً لذلك، فمثلاً هناك مشكلة نعاني منها كثيراً في المجتمع وهي مشكلة السفور، فتخيلوا لو وجد عندنا مثلاً في سوق من الأسواق خاصة أسواق الملابس الجاهزة، أو الأسواق التي تعرض منتجات تحتاج إليها المرأة، لو كان عندنا في هذا السوق أكثر من تاجر مستقيم ملتزم، أو على الأقل -بعبارة أوضح- أكثر من تاجر واستطعنا أن نوظفه لخدمة الدعوة فعلاً، فعندما تأتيه امرأة متبرجة يقول لها: أنا أرفض أن أبيع للمرأة المتبرجة. يرفض أن يبيع للمرأة المتبرجة، ويضع لافتة على المحل يكتب فيها آية أو حديثاً، ويقول: لذا نرفض أن نبيع للنساء المتبرجات. لا شك أنه سيساهم فعلاً بدور كبير في مواجهة الفساد، وستسخر منه المرأة المتبرجة قطعاً، وستعرض عنه، لكنها عندما تذهب إلى المنزل فإنها ستقول: لا أستغرب أنا أن أسمع هذه الكلمة مثلاً من رجل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو من خطيب المسجد، لكن لما أسمع هذه الكلمة من التاجر، ومن صاحب المحل، وأسمع الكلمة من الرجل الآخر، ومن فلان وفلان من الناس، فسيدعوها هذا إلى أن تعيد النظر في نفسها، وأن تعيد النظر في هذا التبرج والسفور التي قد وقعت فيه. والآن بدأنا نرى وجود محلات خياطة لا تفصل مثلاً ثياباً أسفل من الكعبين، وهذا مظهر طيب، وأنا لا أقول: إن القضية هذه ستحل مشاكل الأمة، لكن هذا مظهر طيب من مظاهر الصحوة، ومظهر يشعر الناس أن الصحوة بدأت تمتد في مجال أوسع، ومدى أوسع. وعندما يوجد عندنا أيضاً في وسط الأسواق الذي فيها تبرج وسفور محلات لا تبيع الأزياء المخالفة، وعندما يوجد صاحب المحل الذي يحمل عاطفة خيرة، والكثير من هؤلاء طيبون، فهل تتصورون مثلاً أن أصحاب المحلات كلهم أناس سيئون، لا، ولذلك أحياناً عندما تأتي صاحب المحل وتتحدث معه تجده يعاني من السفور الموجود في السوق، بل أحياناً بعضهم يترك المحل ويترك هذه التجارة؛ نظراً لأنه لا يطيق أن يبقى في هذا المكان. وأنا أعتبر هذا الموقف غير سليم، فإذا كان الإنسان متزوجاً، وعنده قدر من التحمل فيجب عليه أن يبقى في السوق، فإذا كان هؤلاء الخيرون سيتركون هذا الميدان فسيبقى الميدان لمن يتمنى أن يرى المرأة متبرجة لينظر إليها. فأقول مثلاً: لو استطعنا أن نوظف هذه الطاقات، أصحاب المهن الحرة: التجار، وأصحاب المحلات التجارية، وكافة طبقات المجتمع، أن نوظف هؤلاء لخدمة قضايا الدعوة لكان خيراً كثيراً، ولا يشترط أن يأتي مثل هذا الرجل ويسجل في المركز الصيفي، أو يجلس في حلقة من حلقات تحفيظ القرآن حتى يكون من جيل الصحوة، لا، لكن عندما نخاطب هؤلاء، ونشعر هؤلاء، ونقدم لهم برامج فعلاً للدعوة، فنقول: أنت تستطيع أن تقدم خدمة للدعوة عندما تصنع كذا وكذا، فأجزم أن هناك فئة كبيرة عندها استعداد أن تساهم.

стр. 1488

من الطاقات المعطلة المرأة كذلك من الطاقات المعطلة: المرأة والحديث عن المرأة حديث ذو شجون، وأظن أننا قد أخذنا نصيب الأسد من الوقت ولم نأت على نصف ما أردنا أن نأتي عليه في هذه المحاضرة، فلعلي أن أختصر. فعندنا عدد من النساء متعلمات وعندهن قدرة على التعامل مع المراجع، وعلى التعامل مع الكتب، وعندهن قدرة على الاستفادة والإفادة، فالوقت الذي يضيع عليها وقت هام، فلو أن مثلاً المرأة استغلت جزءاً من وقت الفراغ وقامت مثلاً بإعداد عناصر لبعض الموضوعات، فتجمع بعض النصوص مثلاً، وبعض الشواهد، وتجمع بعض ما ينشر في الصحف، فتجمع مثل هذه القضايا وتوصلها إلى خطيب الجامع مثلاً عن طريق أحد محارمها، أو ترسلها مثلاً إلى أحد الدعاة، أو أحد المهتمين بهذه القضية، أو حتى لو استطاعت أن تخدم زوجها في مثل هذه القضايا، فإنها تقدم خيراً كثيراً، وتوفر لهؤلاء وقتاً يمكن أن يصرفوه لأمر آخر. وكذلك المرأة مثلاً تتعامل مع مجتمع لا نستطيع أن نتعامل معه نحن، فالخطباء والدعاة يستطيعون أن يتحدثون مع النساء اللاتي يأتين إلى المسجد عندما تكون محاضرة في المسجد، في مكان مخصص للنساء، أو فقط اللاتي يسمعن الشريط الإسلامي، لكن القطاع الكبير والواسع من يتعامل معه؟ ما يتعامل معه إلا المرأة. فما مدى أداء المرأة المدرسة لدورها؟ والمرأة التي تلتقي بالنساء في المجتمعات العامة كالأفراح والمناسبات، وإذا كان الآن الأستاذ مثلاً، وأتحدث أيضاً عن نفسي نحن جميعاً نحتاج إلى الخبرة، ونسأل المختصين كيف نستطيع أن نؤثر على الطلاب؟ وكيف نستطيع أن نوجه الطلاب؟ إذا كان الأستاذ وهو الذي يتعامل مع الناس الآن، ومفتوح على أبواب الصحوة على مصراعيها، فكيف بالمرأة التي لا تجد من يربيها، ولا تجد من يوجهها، غاية ما عندها من الثقافة ما تسمعه من الأشرطة، أو ما تقرأه في الكتب، فالمرأة أيضاً أحوج ما تكون إلى أن يرسم لها برامج، وأن تفتح لها آفاق تستطيع أن تعمل من خلالها.

стр. 1489

الوسائل المقترحة لاستغلال الطاقات الموجودة في المجتمع بعد ذلك ننتقل إلى وسائل مقترحة لاستغلال هذه الطاقات: ن أن لعلي أن أذكركم مرة أخرى بما قلته في المقدمة: أنني لا أريد أن أضع النقاط على الحروف، ولن أستطيع، وعندما أدعي ذلك، بل عندما أحاول أن أضع النقاط على الحروف في مثل هذا الموضوع، وأوجد الحلول لمثل هذه المشكلة أعرف أنني أرتقي مكانة ليست لي، وأعرف أنني أتشبع بما لم أعط، لكن على الأقل يكفي أن أثير الموضوع؛ ليتولى من هو أعلم مني ومن هو خير مني دراسة مثل هذا الموضوع، والعناية به، وإيجاد الحلول. لكن لعلي أشير باختصار إلى أهم ما أراه من وجهة نظري من بعض الوسائل والأساليب التي يمكن أن نستطيع من خلالها أن نوظف هذه الطاقات:

стр. 1490

مخاطبة الناس بأهمية الدعوة، وتنبيههم على أنهم مخاطبون بها أولاً: أن نركز في حديثنا في الخطب، وحديث الأستاذ في الفصل، والحديث مع الناس في مجتمعاتهم العامة على أهمية الدعوة، وعلى شمول الدعوة، وعلى أن الناس جميعاً مخاطبون بالدعوة إلى الله ، وأنها ليست خاصة بفئة دون أخرى.

стр. 1491

بيان مراتب فضائل الأعمال كذلك من الوسائل: بيان مراتب فضائل الأعمال. فإنك تجد فئة كبيرة من الناس عندهم حرص على العبادة، وعندهم حرص على نوافل العبادات، وعلى نوافل الطاعات، وعندهم اجتهاد مثلاً في أمور من الخير نتمنى أن نملك قدراً من هذا الاجتهاد الذي لديهم. والكثير من هؤلاء إنما يؤتى من جهله بمراتب فضائل الأعمال، ولذا من وسائل الشيطان وأساليب الشيطان في إضلال الناس أن يشغل العابد بالمفضول عن الفاضل، ولا شك أنه كما قال ابن الجوزي: ألست تبغي القرب منه -يعني: من الله ؟ فاشتغل بدلالة عباده عليه، فهي حالات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أما علمت أنهم آثروا تعليم الخلق على خلوات التعبد؛ لعلمهم أن ذلك آثر عند حبيبهم. والإمام ابن القيم ﵀ يقول: الشجاع الشديد الذي يهاب العدو سطوته: وقوفه في الصف ساعة، وجهاده أعداء الله أفضل من الحج والصوم والصدقة والتطوع، والعالم الذي عرف السنة، والحلال والحرام، وطرق الخير والشر: مخالطته للناس، وتعليمهم ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله، وتفريغ وقته للصلاة، وقراءة القرآن، والتسبيح. وقبل ذلك كله يقول الله : ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٩]. فأنا أرى أنه من وسائل تشغيل هذه الطاقات: أن يعرف هؤلاء مراتب فضائل الأعمال، وأن من أفضل الأعمال الانشغال بنفع الناس، وأفضل نفع للناس هو إنقاذهم من الضلال، إنقاذهم من الظلمات إلى النور. أليس الله يقول: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤]؟ فالله رتب الأجر العظيم على هذه الأعمال؛ لأنها أعمال متعدية للناس نفعها ليس قاصراً على صاحبها وحده.

стр. 1492

اقتراح برامج للناس وطرحها كذلك أيضاً من الوسائل: اقتراح برامج للناس وطرحها. فلا يكفي مثلاً أن نطالب الناس بالدعوة، وأن نطالب الناس بالمساهمة في أمور الخير، وأن نقول للناس: إنكم قادرون أن تبذلوا، وأن تصنعوا كذا وكذا، بل الناس كما قال النبي ﷺ : (الناس كالإبل المائة لا تجد فيها راحلة). فلو تأتي إلى الإبل المائة مثلاً لو توجها ستسير في الطريق، والراحلة تنتفع بها أكثر من غيرها، لكن تبقى تسع وتسعون يمكن أن ينتفع بها، وإذا وجهتها توجهت. فالناس لا يكفي أن تقول لهم: اعملوا، اصنعوا، افعلوا كذا وكذا، ليس كل الناس قادرين على ذلك، القادرون هم طبقة معينة من الناس أو فئة من الناس الذي بمجرد أنه يستشعر المسئولية، ويدرك الأمانة هو من تلقاء نفسه فإنه يبتكر الأساليب والوسائل، فهو يدرك ماذا يصنع، هؤلاء فئة قليلة، لكن البقية ينتظرون أن يرسم لهم برنامج محدد، فمثلاً عندما يحصل منكر ونطالب الناس بتغييره ينبغي أن نرسم لهم برنامجاً واضحاً، فنقول: افعلوا كذا وكذا وكذا، ثم بعد ذلك نفتح المجال للرواحل، نفتح المجال للطاقات أن تبدع بعد ذلك فيما وراء ذلك. وهكذا مثلاً عندما نخاطب التاجر ونطالبه أن يساهم في الدعوة، فنقول له: اصنع كذا وكذا وكذا، وعندما نخاطب الطالب، فالأستاذ مثلاً عندما يقول لطلابه، سواء طلابه في الفصل عموماً، أو الطلاب الذين هم أخص من ذلك الذين يتلقون منه التوجيه، ويثقون به، ويسمعون كل ما يقول، عندما يحثهم على الدعوة، ويشجعهم، ويثير حماستهم، فسيتحمس الجميع. لكن ماذا بعد ذلك؟ يجب أن ننتقل إلى خطوة أخرى، فنرسم لهم برامج واضحة محددة مقنعة يستطيع هؤلاء أن يصنعوها، ونحدد لهم الخطوات، ونرسم لهم البرامج، فحينئذٍ تجزم أن هؤلاء سيصنعون شيئاً. وأضرب لكم مثالاً: لو جاء أستاذ وتحدث مع الطلاب عموماً عن ضرورة الدعوة، والحاجة إليها، ولا تحتقرون أنفسكم، وافعلوا وافعلوا، فسينصرف الجميع وهو يحمل في نفسه قناعة، ويحمل في نفسه شعور وتوجه نحو الدعوة، لكن لا يدري بعد ذلك ماذا يصنع، بدليل مثلاً أنك تجد الأسئلة بعد ذلك: ماذا أصنع؟ وماذا علي؟ عرفت أن الدعوة مهمة فماذا أصنع؟ وما الحل لهذه المشكلة؟ لكن لو قال مثلاً لهم: من الحلول مثلاً أن تصنعوا كذا وكذا، والفصل فيه مثلاً ثلاثون طالباً، وفيه خمسة من الشباب الأخيار، لو يجتمع كل واحد منهم مثلاً ويدفع شهرياً مثلاً عشرين ريالاً فقط، فسيكون عندنا مائة ريال، وعندنا ثلاثون طالباً إذا نسخنا شريطاً بثلاثة ريالات فسنستطيع أن نعطي جميع طلاب الفصل نسخة من هذا الشريط. فأنا أجزم أن الأستاذ عندما يقترح مثل هذا البرنامج على الطلاب فإنه سيجد منهم المبادرة إلى تنفيذه، لكن لو كان يحدثهم عن الدعوة عموماً، وعن مجالات الدعوة الواسعة فقد لا يهتدوا إلى مثل هذه الفكرة أو تلك. فأقول يا إخوة: لا يكفي فقط أن ندعو الناس إلى الدعوة، ولا يكفي أيضاً أن نتهم الناس بالتقصير: أنتم مقصرون في الدعوة، وما عندكم غيرة، وما عندكم اهتمام، وقائمة من التهم التي نصف بها هؤلاء الناس، والمشكلة أننا لا نوجه هذا الكلام إلا إلى الناس الخيرين الذين يسمعون لنا. فأنا مثلاً عندما أتحدث وأقول: أنتم مقصرون في الدعوة، وأنتم ما عندكم غيرة، وما عندكم حمية، من يسمع لي؟ يسمع لي الناس الأخيار، يسمع لي رواد الصحوة، فما يكفي هذا الأسلوب، ولا شك أن بيان الأخطاء مطلوب، لكن بأسلوب، لكن خير من ذلك كله أن أرسم البرامج للناس يسيرون وراءها. الأسلوب الآخر: مثل هذا الأسلوب لكنه نقلة أخرى، وهو أن نقوم بإشراك هؤلاء في برامج عملية، يعني: نحن ننظم البرامج، ونجعل هؤلاء يشاركون فيها، فمثلاً بدلاً من أن أقوم أنا بالعبء لوحدي، أو يقوم بالعبء مثلاً خمسة من الشباب الذين يمكن أن يعملوا أعمالاً أخرى، ويستغلوا ميادين أخرى، ممكن يقوم واحد من هؤلاء الشباب ويستغل عشرة من الطاقات المعطلة، وسيجد فئة كبيرة من طبقات المجتمع عندها استعداد أن تتعاون معه. فيرسم البرنامج، ويقوم هو بنفسه على هذا البرنامج، فيقوم الجميع وراءه، ويسيرون معه، فنستطيع هنا أن نشغل هذه الطاقات، ونستطيع أن نشعر الناس أنهم قادرون على أن يعملوا، ونستطيع أن نوفر أوقات نحتاج إليها عندما تكون كل الأعمال والأعباء علينا. وانظروا مثلاً إلى حديث النبي ﷺ لما جاء قوم من مضر عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، مجتابي النمار، فرقّ النبي ﷺ لحالهم، فدخل وخرج، وتغير وجهه، فصعد المنبر وقال: (تصدق رجل من بره، تصدق رجل من درهمه، من ديناره)، فما تصدق أحد، حتى جاء رجل من الأنصار معه صرة كادت يده أن تعجز عنها، بل قد عجزت عنها، فألقاها بين يدي النبي ﷺ ، فتتابع الناس. يقول الراوي: حتى رأيت كومين من طعام وثياب عند النبي ﷺ ، حتى تهلل وجه النبي ﷺ ، فقال: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة). فالنبي

стр. 1493

أن نشعر الناس أنهم جزء من الصحوة كذلك من وسائل أيضاً استغلال هذه الطاقات: أن نشعر الناس أنهم جزء من الصحوة، فما يشعر الناس أن القضية أن هناك أعداء، هناك أناس مؤيدون أصحاب الصحوة، ونحن جمهور المتفرجين دورنا فقط هو التصفيق والتأييد. فهناك قطاع كبير من الناس يشعر بأن دوره هو التأييد، فيقف ويسمع وينظر من بعيد، لكن لما نشعر هؤلاء بأنهم جزء من الصحوة أصلاً، فنقول لأحدهم: أنت جزء من الصحوة، فيجب أن تشعر أنك إذا استهدف فلان أنك أنت مستهدف، الأعداء ما يستهدفون الدعاة وحدهم، وإنما أيضاً يستهدفونك أنت، فالدعاة فقط مجرد قادة، ومجرد أعلام، وأنت يجب أن تسير وراءهم. فعندما نشعر الناس بهذا، ونقضي على الحاجز هذا: أن القضية مجرد مجموعة من الناس هم جيل الصحوة، والمجتمع بمعزل، لا، لابد أن نكسر هذا الحاجز، ونشعر الناس بأنهم جميعاً أبناء الصحوة، فلا شك أن هذا يدعوهم إلى أن يساهموا أكثر، وأن يقدموا خدمات أكثر للصحوة.

стр. 1494

تغيير لغة التخاطب مع الناس أسلوب سابع: تغيير لغة التخاطب مع الناس. أظن مثلاً يعني الحديث مع الناس: هذا حرام، والكثير من الناس يستهينون به، ولا يعبأون بحدود الله، وحرمات الله، هذا الهجوم الشرس على الناس أظن أنه ليس وحده أسلوب الموعظة الناجح، وكذلك الحديث العاطفي الذي يأخذ قدراً كبيراً من المبالغة، وإلهاب عواطف الناس وحماس الناس، مما يجعلهم يأخذون ردة فعل معاكسة ليس هو الأسلوب وحده أيضاً الذي يؤدي إلى إقناع الناس. أحد الخطباء الغيورين خطب وتحدث مع الناس عن مشكلة موجودة، وللأسف ليست حالات فردية، ولا حالات نادرة، بل حالات منتشرة، وهي أن بعض الفتيات يخرجن مثلاً في الليل دون أن يعلم عنهن أولياء الأمور، فهي ظاهرة موجودة ومشكلة موجودة في المجتمع، فالكثير من أولياء هؤلاء الفتيات لا يعلمون. فالخطيب يريد أن يتحدث عن هذه المشكلة، وعن مشكلة العلاقات السيئة بين الفتيات وبين الشباب، فبالغ في الموضوع، وضخم الأمر، وقال: يجب على كل أب أن يستيقظ الساعة الواحدة، ويذهب يتفقد ابنته هل هي في الفراش أم لا! وضخم الموضوع، حتى يقول لي أحد الحاضرين: خرجت وأنا أشك في والدتي، وأنا أشك بأمي أنها تستيقظ نصف الليل وتذهب مع بعض الشباب. فالخطيب يريد أن يعالج قضية فعلاً مهمة، وقضية حساسة، لكنه عندما يندفع بهذه العاطفة، ويتجاوز ويبالغ، فالنتيجة ستكون ردة فعل، أو النتيجة أن يقول الناس: هذا إنسان عاطفي، لكن لو كان يعالج المشكلة فعلاً بعقلانية وبمنطق، ويتحدث مع الناس بأسلوب مناسب، ويطرح حلولاً معقولة، ويتعامل مع الناس بالثقة، فأظن أن الصورة ستختلف كثيراً. كذلك مثلاً عندما أتحدث مع ناس يقعون في معصية معينة من المعاصي بدلاً من أن أقول: أنتم للأسف متهاونون بحرمات الله ، ولا تقيمون لشرع الله وزناً، ولا يبالي أحدكم بأمر الله ، ويعطي قائمة من التهم، لو كان يقول للناس: إننا مقصرون في طاعة الله، ونحن نتجاوز حرمات الله ، ونتجرأ على المعاصي، ويشرك نفسه مع الناس؛ لاختلفت نظرة الناس إلى هذا الحديث. ولو كان يتحدث للناس مثلاً عن أضرار المعاصي فقط وشؤم المعاصي، فالناس يدركون أنهم واقعون في المعصية، فعامة المسلمين الآن الذين يقعون في المعاصي يدركون أنهم واقعون في المعصية، لو كان يتحدث فقط عن أضرار المعصية، أو يتحدث عن ورع السلف عن المعاصي، ويتحدث عن حال الزهاد، وعن حال النبي ﷺ ، ويسلك مثل هذه الأساليب والوسائل. فلنغير لغة التخاطب مع الناس، فأحياناً نتحدث عن جوانب الخير عند الناس: عندكم جوانب خير، وفيكم كذا وكذا، فمثلاً أحد الناس قام يتحدث بعد صلاة الفجر عن التأخر عن صلاة الفجر، فهؤلاء جاءوا يصلون الفجر، ففيهم خير، وبدأ ينزل على الناس: للأسف أنتم لا تبالون بصلاة الفجر، ولا تقيمون لها وزناً، فقال له أحد الحاضرين: خاطب الناس الذين في الفرش، وأما نحن فقد حضرنا، ولو ما كان عندنا خير، ولو كان ما عندنا شعور بأهمية صلاة الفجر لما جئنا أمامك، ولما سمعنا حديثك. فأقول: أيضاً من الوسائل: تغيير لغة التخاطب مع الناس، وأنا لا أدعو إلى أن نتنازل ونميع القضايا، ونقول للفساق: أنتم من الأتقياء، وأنتم من البررة، لا، لكن على الأقل نغير أسلوب التخاطب مع الناس. ولنا أسوة بأنبياء الله، وأسوة بالنبي ﷺ ، فيوسف ﵇ قال وهو يخاطب أناساً مشركين: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٧ - ٣٩]، فبدأ يتدرج مع هؤلاء مع أنهم مشركون. وابن القيم ﵀ له عبارة جميلة في (الفوائد) قريبة مما قلناه، يقول: العارف لا يأمر الناس بترك الدنيا، فإنهم لا يقدرون على تركها، ولكن يأمرهم بترك الذنوب مع إقامتهم على دنياهم، فترك الدنيا فضيلة، وترك الذنوب فريضة، فكيف يؤمر بالفضيلة من لم يقم بالفريضة؟! فإن صعب عليهم ترك الذنوب، فاجتهد أن تحبب الله إليهم؛ بذكر آلائه، وإنعامه، وإحسانه، وصفات كماله، ونعوت جلاله، فإن القلوب مفطورة على محبته، فإذا تعلقت بحبه هان عليها ترك الذنوب والإصرار عليها، والاستقلال منها.

стр. 1495

التنويع والتجديد في مجالات الدعوة وأخيراً من هذه الأساليب: التنويع والتجديد في مجالات الدعوة. إن قطاعات المجتمع تختلف، فمثلاً عندما نسير على برامج محددة، وعلى خطوات محددة، فهذه البرامج وهذه الخطوات قد لا تتناسب مع فئات أخرى من المجتمع، فيجب أن ننوع، والمجتمع يتحمل، وأظن أن الفساد والانحراف الموجود في مجتمعات المسلمين يحتمل كل ما عندنا من قدرات، وكل ما عندنا من مواهب، وكل ما عندنا من أساليب، فلو رمينا به في الساحة أجزم أن الواقع سيتحمل كل هذه الجهود. فينبغي أن نجدد، ونبتكر، ونطور في أساليب الدعوة التي من خلالها نستطيع أن نوظف كثير من هذه الطاقات المعطلة. مرة أخرى -أيها الإخوة- أكرر ما قلته في بداية هذه المحاضرة: أن هذا الموضوع أكبر مني، بل أرى أن مثل هذا الموضوع لا يمكن أن يعالجه مجرد شخص واحد، ولا حتى مفكر واحد، مثل هذه الأمور أعتبر أنها قضايا أساسية، وقضايا مهمة من قضايا الصحوة، يجب أن يتعاون ويتكاتف عليها الجميع، ويجب أن تقوم دراسات فعلاً حول مثل هذه القضايا، ولكن فقط ما أردت تحقيقه من خلال هذا العرض هو إثارة الاهتمام بمثل هذه القضية، وتوضيح هذه المشكلة التي أرى أننا بحاجة إلى أن نعتني بها. وما طرحت من الأساليب والوسائل أيضاً أجزم أنها ليست هي الأساليب المثلى، وليست هي الأساليب الكافية فعلاً لتشغيل مثل هذه الطاقات، ولكنها على الأقل مجرد أمور ومقترحات أقترحها للأخوة جميعاً أن يعملوا بها، وأن يساهموا في تطوير مثل هذه المقترحات، وأجزم أيضاً أنهم قادرون على اقتراح وصنع وإيجاد وسائل وأساليب أخرى. وأخيراً أيضاً: أنبه مرة أخرى أني لست أتهم هؤلاء الخيرين الذين قد أكون صنفت البعض منهم في مثل هذه الطاقات المعطلة، لست أتهمهم بالتقصير أو الإهمال، لا، إنما أقول -وأنا أول المقصرين-: يجب أن نوظف جميع طاقاتنا وقدراتنا في خدمة دين الله ، والقضية تناصح وتعاون على البر والتقوى. أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المتعاونين على البر والتقوى.

стр. 1496

الأسئلة

стр. 1497

دور المسلم في خدمة هذا الدين السؤال قد يقول قائل: ما هو دوري كطاقة معطلة بعد سماعي للشريط، أو قراءتي للكتاب، أو طلبي للعلم الشرعي؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب أنت عندما تعترف بأنك طاقة معطلة فإنك تكون قد قطعت علينا ثلاثة أرباع الطريق. فاعترفت أولاً أنك طاقة، يعني: أنك قادر أن تصنع شيئاً. الأمر الثاني: اعترفت أنك معطل، أي: أنك لم تقم بالواجب الشرعي، فهذا الشعور بحد ذاته يكفي، فأحياناً نجد عناء في إقناع الناس به. ودورك بعد ذلك أن تقوم بواجبك، فمجالات الدعوة كثيرة وليست مجالاً واحداً، فأنت تسخر طاقتك وقدراتك لخدمة دين الله ، فمهما كان مجالك، ومهما كانت قدراتك، ومهما كان تخصصك أظن أنك ستجد مجالات واسعة لخدمة دين الله . فأقول: دورك ما دمت أنك اعترفت أنك طاقة معطلة: أن تشغل هذه الطاقة لخدمة دين الله .

стр. 1498

الفرق بين الطاقة المعطلة والطاقة المتعطلة، والسبب في تعطيل هذه الطاقات السؤال عنوان هذه الموضوع: الطاقات المعطلة، فلماذا لم يكن: الطاقات المتعطلة، وهل هذه الطاقات قد عطلت من أصحابها، أم أنها عطلت من غيرهم؟ الجواب أظن أنه ليس هناك مشكلة، فكلها سواء: الطاقات المعطلة، الطاقات المهدرة، الطاقات المتعطلة، فأنتم إذا وافقتمونا على ما طرحناه، فيبقى العنوان ليس فيه إشكال، فسواء كان: الطاقات المتعطلة، أو الطاقات المعطلة، لكن أنا مع تقديري واحترامي لوجهت نظر الأخ وشكري له، أتصور أن الطاقات معطلة وليست متعطلة؛ لأني قلت يا إخوة: مع أننا نحمل هؤلاء المسئولية، لكن أرى أن أهل التوجيه يتحملون جزءاً كبيراً من المسئولية، فمثلاً عندما نقول: إن قطاعاً كبيراً من الطلاب هم من الطاقات المعطلة، فالذي يتحمل المسئولية هم الأساتذة؛ لأنهم هم القادرون على رسم برامج محددة لهؤلاء. وكذلك القطاع المتعامل مع الصحوة، فأقول: الموجهون الآن للصحوة من خلال كافة المنابر التي من خلالها يتعاملون مع قطاع عريض من قطاع الصحوة، أقول: هؤلاء هم أيضاً مسئولون عن تشغيل هذه الطاقات، وهم مسئولون عن رسم برامج معينة، ولذا قصدت إلى اختيار هذا العنوان نظراً لأني أرى من وجهة نظري الشخصية أن العبء الأكبر يقع على الدعاة، وإن كان في الواقع الناس الآخرين ليسوا معفيين من تحمل المسئولية، لكن هذه الطاقات التي نعنيها هي طاقات متجاوبة مع الصحوة، فكثير من طلبة العلم، ومن الطلاب، ومن خطباء الجوامع، ومن غيرهم، هم أناس يتفاعلون مع قضايا الصحوة، لكنهم يحتاجون أن يوجهوا، وأن يرسم لهم برامج معينة.

стр. 1499

نصيحة لأئمة المساجد السؤال فضيلة الشيخ! ألا ترى أن من الطاقات المعطلة بعض أئمة المساجد؟ فإن كان كذلك فما علاج هذه الطاقة المعطلة؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب أيضاً من الطاقات المعطلة ولا شك أئمة المساجد، وفي الدراسة السابقة التي أشرت إليها أيضاً للأسف أن نسبة أقل جداً ٨٥% من الشباب غير الملتزمين يقولون: إن إمام المسجد دعاه إلى الالتزام والاستقامة، فما دور الإمام؟ فهو يصلي بهم وعلى الأقل هو موجود في الحي، فإذا كان ١٥% فقط من أئمة المساجد هم الذين يعتنون بهؤلاء الشباب الموجودين عندهم في الحي فأظن أن هناك تقصيراً واضحاً. فالإمام مثلاً لو دعا هذا إلى منزله، ولو تحدث معه حديثاً ودياً أخوياً؛ لتغيرت الصورة بمجرد لقاء واحد أحياناً مع إمام المسجد، لكن أنا تحدثت عن الخطيب نظراً لأن الخطيب يتعامل مع كافة الناس، فكل المسلمين يصلون مع خطيب الجمعة، والخطيب يستطيع أن يتحدث معهم، وينصتون إليه أكثر من الإمام، لكن الإمام أيضاً هو الآخر عليه مسؤوليات أخرى يجب أن يقوم بها. فأنا لا أود أن يطرح هذا السؤال مرة أخرى: كيف يعمل؟ ما دمت تشعر أنك طاقة معطلة يا أخي! فشغل هذه الطاقة، فينصح الناس الذين لا يصلون في المسجد، ويقوم بجمع التبرعات للمسلمين، ويقوم بجمع الزكاة، ويخدم أهل الحي، ويساهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الحي، ويقوم بدعوة الشباب الموجودين في الحي، ويرتب برامج لهؤلاء، كل جهد وكل دعوة يمكن أن تقدم في الحي فإمام المسجد من مسئوليته أن يقوم بها.

стр. 1500

كيفية تدريب الطاقات المعطلة السؤال تعطيل الطاقات أمر صحيح، ولكن كيف تدرب هذه الطاقات؛ لكي تؤدي دورها الآن، لأن فاقد الشيء لا يعطيه؟ الجواب نعم، هذا سؤال وجيه ويفرض نفسه، لكن هل تريدون أنه مثلاً نعقد دورات تدريبية لهؤلاء؟ إن التدريب هو في العمل، التدريب يكون على رأس العمل في الدعوة إلى الله ، فما عندنا فترة تدريبية، فإذا أسلمت ودخلت في الإسلام فابدأ، فعلى قدر ما تستطيع ساهم في الدعوة إلى الله ، فإذا التزمت واستقمت وسلكت طريق الخير فابدأ ساهم في الدعوة بقدر ما تستطيع، والتدريب على رأس العمل، والقدرات والمواهب لن تملكها إلا من خلال العمل، فليس هناك تدريب إلا بالعمل نفسه. صحيح أنك ستستفيد من خبرات الآخرين، فمثلاً عندما تقرأ في سير الدعاة، وتطرح بعض التجارب المعينة، وبعض الأفكار، وبعض التوجيهات، فإن ذلك يفيد، لكن التدريب الحقيقي هو من خلال العمل، فالخطيب الذي يستطيع أن يؤثر في الناس ويشد الناس، كيف تعود؟ تعود من خلال المنبر، فمن خلال الخطابة استطاع أن يملك مهارة الخطابة، وهكذا كل إنسان. فأقول: إن تدريب هذه الطاقات، وإعداد هذه الطاقات، إنما يتم ذلك فعلياً من خلال العمل، فالعمل نفسه هو الذي يعد هذه الطاقات ويهيئها.

стр. 1501

نصيحة لبعض الشباب العاطلين والذي لا يعترفون بأنهم طاقات معطلة السؤال بعض الشباب -للأسف- لا يقتنع بأنه طاقة معطلة، مع أنه لا يبذل إلا القليل للإسلام، فما علاج هذه المشكلة؟ الجواب هذه القضية سبق أن تحدثت عنها في المحاضرات السابقة، وهي التهرب من المسئولية، يعني: إما أن يشعر أنه غير قادر، أو يشعر بعدة مشاعر يرى أنها تعفيه من المسئولية، فالطريق هو إقناعه أولاً بأنه طاقة، ثم إقناعه بأنه معطل، ثم بعد ذلك يرسم له البرنامج العملي الذي يساهم فيه. لكن أحياناً قد يكون كما قال النبي ﷺ : (الناس كالإبل المائة لا تجد فيها راحلة) يعني: بعض الناس أصلاً هذه غاية ما يصل إليه، وهذه قدراته، فلن نحمل الناس إلا ما يطيقون.

стр. 1502

نصيحة لمن كانت طاقته معطلة السؤال أنا شاب طاقاتي معطلة، فكيف أحركها؟ الجواب الشاب الغالب عليه أن يكون طالباً، وأنا عرضت لكم نموذجاً، فنريد أن تستغل وقتك فعلاً في الدراسة، وأن تشعر أن عليك واجباً تجاه زملاء الدراسة، وتبذل الجهد في استصلاح هؤلاء وهدايتهم، وتقدم أنت خيراً كبيراً لهم، وهذا غاية ما تقدم، وغيرك قد لا يستطيع هذا الجهد. فأنت قادر على أن يهتدي على يديك الكثير من الشباب، وقادر أن تمنع مثلاً الكثير من المخالفات الموجودة في وسط المدرسة، وقادر على أن تصنع الشيء الكثير عندما تقتنع بأنك قادر. فنريد من الشباب هذا الجهد وحده، مع عنايتهم بإعداد أنفسهم، ولا يشغلنا يا إخوة! العناية بالدعوة، والشعور بخدمة الأمة، أن يشعر كل واحد منا أنه قد تخرج وانتهى، وأصبح يعطي ولا يأخذ، لا، يجب أن يكون نصيب الأسد الآن من اهتمامنا هو في إعداد أنفسنا، لكن أيضاً مع هذا الإعداد أن نقدم ونبذل الكثير. فالشاب يستطيع أن يصنع جهوداً لا يصنعها غيره، ويستطيع أن يؤثر على زملائه بقدر لا يمكن أن يصنعه غيره. ولعلي على كل حال أتحدث عن مثل هذه القضايا إن شاء الله فيما وعدت أن أتحدث عنه.

стр. 1503

المراهقون الوجه الآخر المراهقة مرحلة زمنية يمر بها الشاب يُصاحبها نمو جسمي وعاطفي يشكل اليوم أزمة كبيرة، بحيث يتوجه الشاب خلالها نحو منحدر شديد من الانحراف والضياع، وقد أضفت التحليلات والدراسات النفسية الغربية عليها كثيراً من الأفكار التي جعلتها ملازمة للانحراف السلوكي والأخلاقي، لكن تعاليم الإسلام تقرر غير ذلك.

стр. 1504

التعريف بالمراهقة إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله. حديثنا بعنوان: المراهقون الوجه الآخر، وهو ليس حديثاً حول علم النفس، فالحديث حول هذه الموضوعات إنما يتحدث به المختصون، ويوجه إلى أصحاب الاهتمام، لكن ثمة قضايا تعنينا باعتبارنا مسلمين، ومن ثم لا يسوغ أن تكون حكراً على أهل الاختصاص. الحديث عن المراهقة والمراهقون يكثر في هذا الوقت عند علماء النفس، وعند دعاة الإصلاح، وعند أهل التربية والتعليم، بل هو مع العصر الحاضر الذي نعيشه أصبح حديث الكثير من الناس، سواءً أكانوا شباباً يعيشون هذه المرحلة فيتحدثون عن همومها وآلامها ومشكلاتها، أم كانوا ولاة أمور يتحدثون عما يعانونه من أبنائهم وبناتهم أو كانوا أهل تربية وتعليم يبثون شكواهم حول ما يلقونه من الجيل الذين عامتهم من أهل هذه المرحلة. سيطر على كثير من الناس -وتدعم هذا دراسات كثيرة في علم النفس المعاصر- أن مرحلة المراهقة أزمة ومشكلة، وحين يطلق لفظ المراهق فهو يعني عند الكثير الطيش والانحراف والشطط. وأدى الغلو في هذا المفهوم إلى نتائج خاطئة فصار الأب يعتذر عن انحراف ابنه وعن صبوته بأنه مراهق، وحينما تتحدث مع أحد أولياء الأمور، أو مع أحد الأستاذة، أو مع أحد ممن يتولى مسئوليته في بلاد المسلمين؛ تتحدث معه حول شاب من الشباب، أو حول جمع من الشباب مبدياً شكواك بما تراه عليه يجيبك: إنه مراهق! وهذا يعني أن مرحلة المراهقة عذرُ لارتكاب الجريمة، عذر للانحراف، عذر للصبوة، عذر للطيش والغفلة، أو بعبارة أخرى: إن هذه المرحلة تعني التلازم مع هذه الحالة. وحين يطلب منه أن يرتقي بابنه أو من يتولى تربيته مستوى أعلى ومرحلة غير تلك التي هو عليها يعتذر لك بأنه ما يزال شاباً مراهقاً. فما مدى صحة هذه النظرة؟ أليس ثمة وجه آخر للمراهقين غير هذا الوجه الذي نراه؟ بين يدي مناقشة هذه القضية نعرج سريعاً على التعريف بالمراهقة: وهو مصطلح ورد في لغة العرب يقولون رهق أي: غشي ولحق أو دنا منه، سواءً أخذه أم لم يأخذه، والرهق محركاً السفه والخفة، وركوب الظلم والشر وغشيان المحارم. وراهق الغلام قارب الحلم، ودخل مكة مراهقاً أي آخر الوقت حتى كاد يفوته التعريف، يعني الوقوف بعرفة. وقد ورد هذا اللفظ أيضاً في كتاب الله في قوله : ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ﴾ [يونس:٢٦]. أي: لا يغشى وجوههم قتر ولا ذلة. وأيضاً في قوله عن الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦]. وهي تعني هذه المرحلة التي هي قرب البلوغ، فرهق يعني دنا واقترب. أما في علم النفس المعاصر: فهي المرحلة التي تلي البلوغ، وهي غالباً من الثانية عشرة إلى التاسعة عشرة أو الحادية والعشرين، فعلماء النفس يصنفون من كان في هذه السن مراهقاً تحكمه خصائص معينة وطبيعة معينة. ما الفرق بين المراهقة والبلوغ؟ هناك من يعتبر أنهما مترادفان، وأن البلوغ يعني المراهقة، وهناك من يعتبر أن البلوغ هو العلامة المتميزة لبداية مرحلة المراهقة، ومنهم من يعتبر أن المراهقة أعم، فالبلوغ يختص بالنمو الجسمي أو النمو العضوي والجنسي، والمراهقة تشمل ما سوى ذاك. وعلى كل حال لا يهمنا كثيراً الوقوف حول المعاني اللغوية لكن هذه إشارة سريعة للتعريف بالمقصود حول هذا، فحين يطلق علماء النفس مراهق فإنهم يعنون الشاب في هذه المرحلة. أقول: نتيجة عوامل عدة تولدت نظرة شائعة عن المراهقة أنها تعني الصبوة والانحراف والطيش وأنه ليس فيها إلا هذا العبث.

стр. 1505

الدوافع لإعادة النظر فيما صدر من الدراسات عن المراهقة ثمة عوامل عدة تدعونا إلى إعادة النظر في قبول هذه النظرة العاجلة للمراهق.

стр. 1506

النشأة الغربية لعلم النفس أول هذه العوامل: نشأة علم النفس ونباته أصلاً، فهو قد نشأ نشأة غربية، ووجد كغيره من سائر العلوم الإنسانية المعاصرة أول ما نشأ في بلاد الغرب، والمسلمون لا يحسنون إلا الترجمة والنقل الحرفي. الجامعات الإسلامية وجامعات بلاد المسلمين أكثرها فيها فروع مستقلة لعلم النفس، وسائر العلوم الإنسانية، لكن كيف تنظر هذه الجامعات وكيف تدرس علم النفس؟ وحينما تقلب الطرف في مكتبة من المكتبات العربية فإنك تجد قسماً خاصاً حول الكتب المؤلفة حول علم النفس باللغة العربية، وحول سائر العلوم لكن حينما تقلب الطرف في هذه الكتب ترى أنها لا تعدو أن تكون نقلاً حرفياً لما قرأه هؤلاء، ولا تعدو أن تكون ترجمة حرفية، والغالب أن تكون ركيكة لعلم النفس الغربي وما يطرحه الغرب، قد يكون مثلاً من المقبول أن نترجم علوماً مادية بحتة كالطب والفيزياء والكيمياء والهندسة ونحوها، لكن العلوم الإنسانية والتي تختص بدراسة الإنسان، وحياة الإنسان لا يليق أن ننقلها من تلك المجتمعات نقلاً حرفياً. وللأسف كثيراً من المهتمين بهذه الدراسات لا يزالون متأخرين في عرض هذه العلوم عرضاً إسلامياً، وفي دراسة هذه العلوم من وجهة نظر إسلامية، ولا يزال المسلمون في جامعات العالم الإسلامي يدرسون هذه الدراسات وفق نظرة أولئك، فيدرسون علم النفس والتربية والاجتماع والاقتصاد والتاريخ والأدب وسائر العلوم من وجهة نظر الغربيين. وحين يكون علم النفس نشأ في البلاد الغربية فهذا يعني بالضرورة أنه سيعكس حياة الإنسان الغربي في تلك المجتمعات خاصة أنه من العلوم الإنسانية التي تعنى بدارسة الإنسان، وشتان بين الإنسان في هذه البيئة بين الإنسان كما خلقه الله وكما يريده الله وبين الإنسان في تلك المجتمعات.

стр. 1507

تأثر هذه الدراسات بشخصية الباحثين الغربيين ثانياً: العلوم الإنسانية تتأثر بشخصية الباحث فالذي يبحث في أي فرع من فروع العلوم الإنسانية فلا يمكن أن يتخلص من شخصيته كنظرته مثلاً للإنسان، نظرته للأديان، نظرته للأخلاق للسلوك، لكل هذه الاعتبارات. ولما كان هذا العلم وليد حياة أولئك فهو لا يعدو أن يكون انعكاساً لنظرتهم تجاه الإنسان وتجاه الدين والأخلاق، ومن أوائل علماء النفس الغربيين الذين عنوا بالمراهقة عالم غربي اسمه استان ليبول ألف كتابه عام ١٩١٧م للميلاد، يقول فيه عن مرحلة المراهقة: والمراهقة فترة عواصف وتوتر وشدة تكتنفها الأزمات النفسية وتسودها المعاناة والإحباط والصراع والقلق والمشكلات وصعوبات التوافق. ويرى آخر وهو قراندر والذي كتب كتابه عام ١٩٦٩م للميلاد أن المراهقة مجموعة من التناقضات. ويشبه البعض حياة المراهق بحلم طويل في ليل مظلم تتخلله أضواء ساطعة تختطف البصر أكثر مما تضيء الطريق، فيشعر المراهق بالضياع ثم يجد نفسه عند النضج. ويصفها البعض بأنها مرحلة جلود. ويعتبر استان ليبول الذي أشرنا إليه قبل قليل أن جميع المراهقين مرضى ويحتاجون إلى المعالجة الطبية والنفسية. إن هذه الأقوال وغيرها لا يمكن أن تفصلها عن شخصية أولئك الذين قالوها، فهم ممن نشئوا في تلك المجتمعات والبيئات. أمر آخر: أن هذه الدراسات الإنسانية تتم على تلك المجتمعات، فالذين خرجوا لنا بهذه النظريات قاموا بدراساتهم في بلاد الغرب، وفي المجتمعات الغربية، فهم أجروا هذه الدراسات على مجموعات من المراهقين والمراهقات الذين يعيشون في تلك المجتمعات، وهل يسوغ مثلاً أن نعمم النتائج التي وصلنا إليها في تلك المجتمعات على واقع المسلمين؟ هل يسوغ مثلاً أن نقارن بين مراهق يعيش في بلاد المسلمين، ومراهق يعيش هناك في بلاد الغرب؟ إن العالم الغربي يعيش عالماً من الضياع والانهيار، خاصة في أوساط الشباب والشابات. ويوضح هذا تصريحٌ مشهور أطلقه الرئيس الأمريكي جون كنيدي عام ١٩٦٢م للميلاد مع أن الواقع قد تغير كثيراً الآن، يقول فيه: إن مستقبل أمريكا في خطر لأن شبابها منحل غارق في الشهوات، لا يقدر المسئولية الملقاة على عاتقه، وأنه من بين كل سبعة شبان يتقدمون للتجنيد يوجد ستة غير صالحين لأن الشهوات التي أغرقوا فيها أفسدت لياقتهم الطبية والنفسية. فمن بين كل سبعة من الشباب لا يوجد إلا واحد فقط صالح للجندية، ثم هذا الواحد الصالح للجندية لا يعني أنه عفيف طاهر نزيه، لكن مستوى إقباله على الشهوات لم يصل إلى ذاك الحد الذي يمنعه من الدخول إلى الجندية. وتعرفون أنتم أن الشواذ جنسياً لا يزالون يطالبون بإعطائهم الحق في الالتحاق بالقوات المسلحة الأمريكية، وفي نفس العام أصدر الرئيس السوفيتي خروتشوف أيضاً تصريحاً شبيهاً بهذا فيقول: إن مستقبل روسيا في خطر، وإن شباب روسيا لا يؤمن على مستقبله لأنه منحل غارق في الشهوات، وأهم أسباب ذلك الفوضى الجنسية والخيانة الزوجية. المقصود من هذا أن هذا الجيل من الشباب الذي يصفه قادته بهذا الوصف هو الذي تجرى عليه الدراسات، وأن النتائج التي يصل إليها هؤلاء حينما يتحدثون مثلاً عن طبيعة المراهق عن طبيعة الإنسان في هذه المرحلة أو تلك فإنما يصلون إلى هذه النتائج بناء على دراسات يجرونها على مجموعة من المراهقين أو المراهقات الذين قال عنهم قادتهم ما قالوا، فهل يسوغ أن نعمم هذه النتائج على سائر المجتمعات؟ أيضاً من العوامل المهمة التي تؤثر في هذه النظرة سيطرة نظرية في علم النفس المعاصر تسمى نظرية التحليل النفسي، وهي نظرية العالم النفسي الشهير فرويد والتي تقوم على أساس التفسير الجنسي لسلوك الإنسان، يقول فرويد: إن حياة الإنسان هي حياة الجنس، وإن الجنس يبدأ مع الطفل وهو رضيع، فإن الرضيع يرضع ثدي أمه بشهوة جنسية، ويقضي حاجته بشهوة جنسية، وإن الرضيع يتعلق بأمه بشهوة جنسية. وكذلك أيضاً الفتاة تتعلق بأبيها بشهوة جنسية ثم ينشأ من ذلك ما يسمى بعقدة أوديب والتي تتولد عند الطفل حين يحس أن أباه قد استأثر بأمه. والأخلاق والدين والسلوك ليست إلا مظاهر لكبت الشهوات الجنسية، ومن ثم دعا إلى الإباحية المطلقة وصار يفسر سلوك الإنسان بتفسير جنسي وهو متأثر بنظرية دارون التي تقول بحيوانية الإنسان، وبالمناسبة فإن فرويد هذا كان أحد العلماء اليهود. نظرية التحليل النفسي ونظرية فرويد سيطرت على علم النفس المعاصر وصارت تدرس هذه النظرية حتى في جامعات المسلمين، ولهذا صار ينظر إلى عالم المراهقة وعالم المراهقين من خلال هذه الزاوية.

стр. 1508

ارتباط مرحلة المراهقة بسن التكليف الشرعي وأهم العوامل التي تدعونا إلى إعادة النظر فيما يطرح الآن في علم النفس المعاصر حول المراهقة، هو أن هذه المرحلة ترتبط بسن التكليف الشرعي. فالشاب حين يبلغ سن البلوغ يصبح مكلفاً تكليفاً شرعياً، فتجب عليه الواجبات الشرعية، ويجب عليه أن يمتنع عن كل ما حرمه الله ، ولو مات وهو في هذه السن فإنه سيحاسب في قبره ويسأل. وحينها نتساءل: من الذي خلق الإنسان؟ أليس هو الله ! أليس هو العليم بهذا الإنسان وبدواخله وبنوازعه؟ ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]. فهو الذي خلق الإنسان، وهو أعلم بهذا الإنسان بكل ما فيه، فهو أعلم بخصائصه ونوازعه ودوافعه وشهواته ورغباته، ومع ذلك شرع تكليف الإنسان في هذه السن بالتكليف الشرعي، فصار مؤتمناً على الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وسائر التكاليف الشرعية. حينما حرم الله على المسلم قائمة من الشهوات، وأوجب عليه الواجبات، ألا يعني بالضرورة أنه قادر ومؤهل، قادرٌ على أن يمتنع من كل ما حرمه الله عليه، ومؤهل لأن يتحمل هذه الأمانة وهذه المسئولية التي حملها الله إياه؟ بلى ولا شك. بل إن اختيار هذه السن للتكليف فيه حكمة بالغة، فهو في هذه المرحلة وهذا السن أقرب ما يكون للعبادة، أقرب ما يكون للتوجه إلى الله لأن يتحمل أمانة التكليف، فهو أعلم من هؤلاء البشر، هو الذي خلق الإنسان ، وهو الذي خلق نوازعه، وهو الذي خلق شهوته، وهو عليمٌ حكيمٌ، يعلم هذا الإنسان وما يحيط به، ومع ذلك كلف الله الناس كل الناس، الشباب والفتيات، في كل عصر وزمان ومكان اعتباراً من هذه السن، فما أن يصل الشاب أو تصل الفتاة إلى مرحلة البلوغ حتى يصبح مكلفاً بالتكاليف الشرعية، فلا يجوز له أن ينظر إلى ما حرمه الله ، ولا يجوز له أن يمتع نفسه بشهوة محرمة، وفي المقابل يجب عليه أداء ما افترض عليه من الصلاة، والبر، والصدقة، وسائر الواجبات الشرعية، بل حتى الجهاد له ارتباط وثيق بهذه السن كما سيأتي بعد قليل. إذاً فالله حين كلف الشاب وكلف الفتاة في هذه السن فهذا يعني أنه مؤهل، وهذا يعني أنه عاقل مهما كان ومهما قال الناس ومهما تحججوا ومهما أظهرت الدراسات فهي أقوال بشر وآراء بشر، والله هو الذي خلقه، وهو أعلم بخلقه، فهذا التكليف يعني أنه قادر على أن يكون عفيفاً، قادر على أن يمتنع عن الفواحش، وأن يمتنع عن أكل المال بالباطل، وعن إيذاء الناس وإزعاجهم، وعلى أن يحافظ على أوامر الله . أمرٌ آخر: تقول معظم الدراسات المعاصرة في علم النفس: إن المراهق في هذه المرحلة يعيش توجهاً نحو التدين والعبادة، وهذا مما يكشف لنا السر والحكمة في كون التكليف الشرعي يبدأ من هذه المرحلة. ولهذا يبدأ المراهق طرح الأسئلة على نفسه: من أين أنا؟ وكيف جئت؟ فيبدأ يتساءل عن سر خلق الوجود والكون، ولعلنا نلحظ أن الكثير ممن نراهم من الشباب في هذه المرحلة حين ينشأ في بيئة صالحة متدينة يقبل على الطاعة وعبادة الله إقبالاً جماً، وذلك كما أنه يعيش مرحلة من الشهوات والنوازع، فهو أيضاً يعيش إقبالاً على العبادة والتدين وطاعة الله ، وحتى لو لم يدرك البشر ذلك، ما دام الله قد شرع التكليف في هذه المرحلة فهو مؤهل، واختيار هذه المرحلة وهذا السن لم يكن ليأتي عبثاً.

стр. 1509

نماذج من التاريخ في الدور الإيجابي للمراهقين حقيقة أخرى أيضاً: نماذج التاريخ، حين نقرأ في التاريخ، نرى نماذج ممن عاشوا في هذا السن، وهذه المرحلة تثبت لنا أن هناك وجهاً آخر لعالم المراهقة غير الوجه الذي يبديه علم النفس المعاصر، فتقرءون في القرآن الكريم قصة أهل الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف:١٣ - ١٤]. ويحكي لنا النبي ﷺ أن قرية كاملة قد آمنوا ودخلت في دين الله على يد شاب يعيش في هذه المرحلة التي يسمونها مرحلة المراهقة، واستطاع أن يصمد، وأن يبقى بإذن الله وتوفيقه أمام الابتلاء، وأمام الإيذاء، وأن يقدم نفسه رخيصة لله ، فيؤمن الناس حين رأوه، وتبقى قصة محفوظة منقوشة في ذاكرة التاريخ، يتغنى بها الصغير والكبير، ويرددها الجميع. وهكذا لنرى أن أثر ذاك الشاب -المراهق في المصطلح المعاصر- لم يكن قاصراً على أهل قريته، بل امتد على مدى الزمان ما دامت هذه القصة تتلى ويتحدث عنها الناس. إنا حين نعود إلى سيرة النبي ﷺ ونقرأ حياة أصحاب النبي ﷺ فإنا نرى نماذج عدة، ونرى عجباً من أولئك الشباب الذين كانوا في هذه السن، كيف كانوا في العلم والجهاد والعبادة؟ ولنستعرض أسماء بعض أصحاب النبي ﷺ الذين كان لهم القدح المعلى، والذي نسمع دائماً ونقرأ في كتب السنة، عن فلان بن فلان ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ ، والذين نتغنى بأمجادهم وبطولاتهم، ونسأل الله أن يحشرنا معهم. من هؤلاء جابر بن عبد الله ﵁ وهو من رواة الحديث المكثرين، كان عمره عند الهجرة ستة عشر عاماً، وكان أراد أن يحضر غزوة بدر وأحد فمنعه والده لأنه كان يريد أن يحضر هذه الغزوة، واستشهد فيها والده، وقال له النبي ﷺ : (أتدري ما قال الله لأبيك؟ لقد كلمه الله كفاحاً)، وهو ممن نزل فيهم قول الله : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]، ثم لم يفته بعد ذلك مشهد مع النبي ﷺ . ومنهم أيضاً عبد الله بن يزيد الأنصاري ﵁ بايع بيعة الرضوان، وعمره سبع عشرة سنة، وقد بايعوا النبي ﷺ فيها على الموت، وأهل بيعة الرضوان هم أولئك الذين قال الله عنهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨]. وقال فيهم ﷺ : (لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة). وأيضاً من شباب أصحاب النبي ﷺ أبو جحيفة وهب بن عبدالله السوائي ﵁ لما توفي النبي ﷺ كان مراهقا. ومنهم أيضاً عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ وقد عرض على النبي ﷺ يوم أحد فلم يجزه، وعرض يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه، وهو ممن بايع تحت الشجرة، فكانت عمره عندما بايع تحت الشجرة ستة عشر عاماً، فشهد بيعة الرضوان وهي التي قال الله فيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨]. وهم أيضاً الذين قال عنهم ﷺ : (لا يدخل النار أحد من بايع تحت الشجرة). ومنهم أيضاً سلمة بن الأكوع ﵁ ومواقفه مشهودة مشهورة في سيرة النبي ﷺ ، فهو صاحب غزوة ذي قرد، التي قال فيها ﷺ : (خير رجالتنا سلمة وخير فرساننا أبو قتادة). وهو الذي كان في غزوة حنين، فجاء جاسوس من المشركين إلى أصحاب النبي ﷺ فجلس معهم ساعة ثم ولى، فأمره النبي ﷺ بلحاقه فلحقه على قدميه حتى أدركه وقتله، وكان عمره ﵁ عند الهجرة ست عشر عاماً. وعبد الله بن عباس ﵁ ولد في الشعب قبل عام الهجرة بثلاث سنين، قال في حديثه المشهور في الصحيحين: (أقبلت على أتان وقد ناهزت الاحتلام ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى). ومنهم أبو أمامة الباهلي ﵁ كان عمره عند الهجرة عش

стр. 1510

هل كان المسلمون يعانون أزمات المراهقة من قبل قضية أخرى أيضاً: تدعونا إلى إعادة النظر فيما يقال حول عالم المراهقة، هل كان المسلمون على مدى التاريخ يعانون من أزمات المراهقة كما نعاني الآن في هذا العصر؟ هذا السؤال لو طرحته على من له أدنى صلة بالتراث الإسلامي لأجابك بالنفي مباشرة، حين نقرأ ما سطره السلف في أي فن من فنون العلم، فإننا لا نلمس أثراً لهذه المشكلة، نعم قد تجدهم مثلاً يوصون الشاب بالعبادة والطاعة، لكن هل تجدون الحديث المستفيض عن مشكلات الشباب، وعن أزماتهم، وعن عالم المراهقة الذين نعيشه الآن، هل تجدونه في تراث العلماء الأوائل؟ وهل تجدونه في كتاباتهم؟ إنك لا تكاد تجد إلا نزراً يسيراً في كتاباتهم وهذا يعني بالضرورة أن هذه المشكلة لم تكن موجودة عند سلفنا. إذاً: ما دامت غير موجودة فهذا يعني أن القضية ليست صفة ملازمة للإنسان، بل هناك عوامل أخرى وأمور أخرى تؤثر حتى ولدت هذه المشكلة التي تعاني. نحن الآن نعاني من أزمات مزعجة في عالم المراهقة، حتى في مجتمعات المسلمين، وتجد الحديث المستفيض عن الشباب، وعن عالم الشباب، وانحراف الشباب والخطورة والمشكلات التي تواجه الشباب، هذا الحديث لا تجده كثيراً ولا تجد الإفاضة عنه في الحديث عند السلف، بل أنك حين تقرأ لسلف الأمة تجد هؤلاء ما أن يبلغ أحدهم السابعة أو الثامنة حتى تراه قد أتم حفظ كتاب الله ، أو قطع فيه شوطاً، ثم أصبح يثني ركبتيه في مجالس العلم مستمعاً ومقيداً لما يسمع. هكذا كان عالم الشباب في سلف الأمة، وهذا يعني بالضرورة أن القضية ليست صفة ملازمة لعالم المراهقة أنه عالم الأزمات كما يقول علماء النفس المعاصرون، بل إن هناك عوامل أخرى تؤثر في هذه الأزمة وهذه المشكلة. أيضاً قضية أخرى: ثمة نماذج من العصر الحاضر، فمع ما نعيش الآن من أزمات المراهقين، ومشكلات المراهقين إلا أننا نرى نماذج تثبت خطأ هذه النظرية الظالمة المتجددة. من هم عمار المساجد؟ من هم حفاظ القرآن الكريم؟ لو أجريت الآن دراسة لمجتمعات المسلمين، وبحثت عن حفاظ القرآن الكريم ففي أي سن سوف تجد هذا العدد أكثر من غيره؟ قطعاً ستجد أن الكثير من حفاظ القرآن الكريم من هؤلاء المراهقين، ورواد مجالس العلم ودروس العلماء هم المراهقون، بل هم السبب أصلاً في قيامها؛ لأن هؤلاء لو لم يأتوا ولم يعمروا هذه المجالس لما استطاع الشيخ أن يلقي درسه آنذاك. لو أجريت جولة سريعة على مجالس العلم لرأيت أن عامة الحاضرين وأكثرهم من هذه السن. وفي عالم الجهاد لا ننسى جميعاً قضية أفغانستان، وكم هم الشباب من المراهقين الذين دفنوا هناك في بلاد العجم، في حين كان أقرانهم وأترابهم يسافرون إلى حيث الفساد والرذيلة، إلى حيث قضاء الشهوات المحرمة، وحينذاك كان جمع من شبان المسلمين يعيشون عالم المراهقة أطهاراً أبرياء، ذهبوا وهم يتمنون ألا يعودوا، ولسان حال أحدهم يقول: أذا أديتني وحملت رحلي مسيرة أربع بعد الحساء فشأنك أنعم وخلاك ذم ولا أرجع إلى أهلي ورائي وجاء المسلمون وخلفوني بأرض الشام منجدل الثواء هنالك لا أبالي طلع بعلٍ ولا نخل أسافلها رواء لسان حالهم لسان عبد الله بن رواحه ﵁ وقد قال حين ودعه أصحاب النبي ﷺ وهو ذاهب إلى مؤتة قالوا: حفظكم الله وردكم إلينا. قال: لا ردنا الله إليكم. ثم قال: لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا أو طعنة بيدي حران مجهزة وضربة تنفث الأحشاء والكبدا هكذا كان شعارهم، وهكذا كان سؤالهم، كان أحدهم إذا سجد يبكي في سجوده وهو يسأل الله أن يرزقه الشهادة، وأن لا يعيده إلى أهله وإلى بلاده. ورأينا نماذج فذة من أولئك الذين شاركوا وضربوا أصدق الأمثلة، وكنا وكان المسلمون يظنون أن تلك القصص والروايات التي تروى عن الاستبسال والشجاعة والشهادة قد أغلق عليها في كتاب لن يفتح أبداً في ذاكرة التاريخ، فإذا بهم يرونها حية أمام ناظريهم، يرونها حية يفتحها ويعيدها أولئك الذين لا زالوا يعيشون عالم المراهقة. إذاً: هذا النموذج الذي نراه في هذا العصر مع أزماته ومشكلاته يثبت لنا بما لا يدع مجالاً للشك ظلم وجور أولئك الذين يصفون عالم المراهقة بأنه عالم الانحراف، وعالم الأزمة وعالم الفساد.
следующие страницы →