Полный текст (1 904 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
النشأة الغربية لعلم النفس
أول هذه العوامل: نشأة علم النفس ونباته أصلاً، فهو قد نشأ نشأة غربية، ووجد كغيره من سائر العلوم الإنسانية المعاصرة أول ما نشأ في بلاد الغرب، والمسلمون لا يحسنون إلا الترجمة والنقل الحرفي.
الجامعات الإسلامية وجامعات بلاد المسلمين أكثرها فيها فروع مستقلة لعلم النفس، وسائر العلوم الإنسانية، لكن كيف تنظر هذه الجامعات وكيف تدرس علم النفس؟ وحينما تقلب الطرف في مكتبة من المكتبات العربية فإنك تجد قسماً خاصاً حول الكتب المؤلفة حول علم النفس باللغة العربية، وحول سائر العلوم لكن حينما تقلب الطرف في هذه الكتب ترى أنها لا تعدو أن تكون نقلاً حرفياً لما قرأه هؤلاء، ولا تعدو أن تكون ترجمة حرفية، والغالب أن تكون ركيكة لعلم النفس الغربي وما يطرحه الغرب، قد يكون مثلاً من المقبول أن نترجم علوماً مادية بحتة كالطب والفيزياء والكيمياء والهندسة ونحوها، لكن العلوم الإنسانية والتي تختص بدراسة الإنسان، وحياة الإنسان لا يليق أن ننقلها من تلك المجتمعات نقلاً حرفياً.
وللأسف كثيراً من المهتمين بهذه الدراسات لا يزالون متأخرين في عرض هذه العلوم عرضاً إسلامياً، وفي دراسة هذه العلوم من وجهة نظر إسلامية، ولا يزال المسلمون في جامعات العالم الإسلامي يدرسون هذه الدراسات وفق نظرة أولئك، فيدرسون علم النفس والتربية والاجتماع والاقتصاد والتاريخ والأدب وسائر العلوم من وجهة نظر الغربيين.
وحين يكون علم النفس نشأ في البلاد الغربية فهذا يعني بالضرورة أنه سيعكس حياة الإنسان الغربي في تلك المجتمعات خاصة أنه من العلوم الإنسانية التي تعنى بدارسة الإنسان، وشتان بين الإنسان في هذه البيئة بين الإنسان كما خلقه الله وكما يريده الله وبين الإنسان في تلك المجتمعات.
стр. 1507
تأثر هذه الدراسات بشخصية الباحثين الغربيين
ثانياً: العلوم الإنسانية تتأثر بشخصية الباحث فالذي يبحث في أي فرع من فروع العلوم الإنسانية فلا يمكن أن يتخلص من شخصيته كنظرته مثلاً للإنسان، نظرته للأديان، نظرته للأخلاق للسلوك، لكل هذه الاعتبارات.
ولما كان هذا العلم وليد حياة أولئك فهو لا يعدو أن يكون انعكاساً لنظرتهم تجاه الإنسان وتجاه الدين والأخلاق، ومن أوائل علماء النفس الغربيين الذين عنوا بالمراهقة عالم غربي اسمه استان ليبول ألف كتابه عام ١٩١٧م للميلاد، يقول فيه عن مرحلة المراهقة: والمراهقة فترة عواصف وتوتر وشدة تكتنفها الأزمات النفسية وتسودها المعاناة والإحباط والصراع والقلق والمشكلات وصعوبات التوافق.
ويرى آخر وهو قراندر والذي كتب كتابه عام ١٩٦٩م للميلاد أن المراهقة مجموعة من التناقضات.
ويشبه البعض حياة المراهق بحلم طويل في ليل مظلم تتخلله أضواء ساطعة تختطف البصر أكثر مما تضيء الطريق، فيشعر المراهق بالضياع ثم يجد نفسه عند النضج.
ويصفها البعض بأنها مرحلة جلود.
ويعتبر استان ليبول الذي أشرنا إليه قبل قليل أن جميع المراهقين مرضى ويحتاجون إلى المعالجة الطبية والنفسية.
إن هذه الأقوال وغيرها لا يمكن أن تفصلها عن شخصية أولئك الذين قالوها، فهم ممن نشئوا في تلك المجتمعات والبيئات.
أمر آخر: أن هذه الدراسات الإنسانية تتم على تلك المجتمعات، فالذين خرجوا لنا بهذه النظريات قاموا بدراساتهم في بلاد الغرب، وفي المجتمعات الغربية، فهم أجروا هذه الدراسات على مجموعات من المراهقين والمراهقات الذين يعيشون في تلك المجتمعات، وهل يسوغ مثلاً أن نعمم النتائج التي وصلنا إليها في تلك المجتمعات على واقع المسلمين؟ هل يسوغ مثلاً أن نقارن بين مراهق يعيش في بلاد المسلمين، ومراهق يعيش هناك في بلاد الغرب؟ إن العالم الغربي يعيش عالماً من الضياع والانهيار، خاصة في أوساط الشباب والشابات.
ويوضح هذا تصريحٌ مشهور أطلقه الرئيس الأمريكي جون كنيدي عام ١٩٦٢م للميلاد مع أن الواقع قد تغير كثيراً الآن، يقول فيه: إن مستقبل أمريكا في خطر لأن شبابها منحل غارق في الشهوات، لا يقدر المسئولية الملقاة على عاتقه، وأنه من بين كل سبعة شبان يتقدمون للتجنيد يوجد ستة غير صالحين لأن الشهوات التي أغرقوا فيها أفسدت لياقتهم الطبية والنفسية.
فمن بين كل سبعة من الشباب لا يوجد إلا واحد فقط صالح للجندية، ثم هذا الواحد الصالح للجندية لا يعني أنه عفيف طاهر نزيه، لكن مستوى إقباله على الشهوات لم يصل إلى ذاك الحد الذي يمنعه من الدخول إلى الجندية.
وتعرفون أنتم أن الشواذ جنسياً لا يزالون يطالبون بإعطائهم الحق في الالتحاق بالقوات المسلحة الأمريكية، وفي نفس العام أصدر الرئيس السوفيتي خروتشوف أيضاً تصريحاً شبيهاً بهذا فيقول: إن مستقبل روسيا في خطر، وإن شباب روسيا لا يؤمن على مستقبله لأنه منحل غارق في الشهوات، وأهم أسباب ذلك الفوضى الجنسية والخيانة الزوجية.
المقصود من هذا أن هذا الجيل من الشباب الذي يصفه قادته بهذا الوصف هو الذي تجرى عليه الدراسات، وأن النتائج التي يصل إليها هؤلاء حينما يتحدثون مثلاً عن طبيعة المراهق عن طبيعة الإنسان في هذه المرحلة أو تلك فإنما يصلون إلى هذه النتائج بناء على دراسات يجرونها على مجموعة من المراهقين أو المراهقات الذين قال عنهم قادتهم ما قالوا، فهل يسوغ أن نعمم هذه النتائج على سائر المجتمعات؟ أيضاً من العوامل المهمة التي تؤثر في هذه النظرة سيطرة نظرية في علم النفس المعاصر تسمى نظرية التحليل النفسي، وهي نظرية العالم النفسي الشهير فرويد والتي تقوم على أساس التفسير الجنسي لسلوك الإنسان، يقول فرويد: إن حياة الإنسان هي حياة الجنس، وإن الجنس يبدأ مع الطفل وهو رضيع، فإن الرضيع يرضع ثدي أمه بشهوة جنسية، ويقضي حاجته بشهوة جنسية، وإن الرضيع يتعلق بأمه بشهوة جنسية.
وكذلك أيضاً الفتاة تتعلق بأبيها بشهوة جنسية ثم ينشأ من ذلك ما يسمى بعقدة أوديب والتي تتولد عند الطفل حين يحس أن أباه قد استأثر بأمه.
والأخلاق والدين والسلوك ليست إلا مظاهر لكبت الشهوات الجنسية، ومن ثم دعا إلى الإباحية المطلقة وصار يفسر سلوك الإنسان بتفسير جنسي وهو متأثر بنظرية دارون التي تقول بحيوانية الإنسان، وبالمناسبة فإن فرويد هذا كان أحد العلماء اليهود.
نظرية التحليل النفسي ونظرية فرويد سيطرت على علم النفس المعاصر وصارت تدرس هذه النظرية حتى في جامعات المسلمين، ولهذا صار ينظر إلى عالم المراهقة وعالم المراهقين من خلال هذه الزاوية.
стр. 1508
ارتباط مرحلة المراهقة بسن التكليف الشرعي
وأهم العوامل التي تدعونا إلى إعادة النظر فيما يطرح الآن في علم النفس المعاصر حول المراهقة، هو أن هذه المرحلة ترتبط بسن التكليف الشرعي.
فالشاب حين يبلغ سن البلوغ يصبح مكلفاً تكليفاً شرعياً، فتجب عليه الواجبات الشرعية، ويجب عليه أن يمتنع عن كل ما حرمه الله ، ولو مات وهو في هذه السن فإنه سيحاسب في قبره ويسأل.
وحينها نتساءل: من الذي خلق الإنسان؟ أليس هو الله ! أليس هو العليم بهذا الإنسان وبدواخله وبنوازعه؟ ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
فهو الذي خلق الإنسان، وهو أعلم بهذا الإنسان بكل ما فيه، فهو أعلم بخصائصه ونوازعه ودوافعه وشهواته ورغباته، ومع ذلك شرع تكليف الإنسان في هذه السن بالتكليف الشرعي، فصار مؤتمناً على الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وسائر التكاليف الشرعية.
حينما حرم الله على المسلم قائمة من الشهوات، وأوجب عليه الواجبات، ألا يعني بالضرورة أنه قادر ومؤهل، قادرٌ على أن يمتنع من كل ما حرمه الله عليه، ومؤهل لأن يتحمل هذه الأمانة وهذه المسئولية التي حملها الله إياه؟ بلى ولا شك.
بل إن اختيار هذه السن للتكليف فيه حكمة بالغة، فهو في هذه المرحلة وهذا السن أقرب ما يكون للعبادة، أقرب ما يكون للتوجه إلى الله لأن يتحمل أمانة التكليف، فهو أعلم من هؤلاء البشر، هو الذي خلق الإنسان ، وهو الذي خلق نوازعه، وهو الذي خلق شهوته، وهو عليمٌ حكيمٌ، يعلم هذا الإنسان وما يحيط به، ومع ذلك كلف الله الناس كل الناس، الشباب والفتيات، في كل عصر وزمان ومكان اعتباراً من هذه السن، فما أن يصل الشاب أو تصل الفتاة إلى مرحلة البلوغ حتى يصبح مكلفاً بالتكاليف الشرعية، فلا يجوز له أن ينظر إلى ما حرمه الله ، ولا يجوز له أن يمتع نفسه بشهوة محرمة، وفي المقابل يجب عليه أداء ما افترض عليه من الصلاة، والبر، والصدقة، وسائر الواجبات الشرعية، بل حتى الجهاد له ارتباط وثيق بهذه السن كما سيأتي بعد قليل.
إذاً فالله حين كلف الشاب وكلف الفتاة في هذه السن فهذا يعني أنه مؤهل، وهذا يعني أنه عاقل مهما كان ومهما قال الناس ومهما تحججوا ومهما أظهرت الدراسات فهي أقوال بشر وآراء بشر، والله هو الذي خلقه، وهو أعلم بخلقه، فهذا التكليف يعني أنه قادر على أن يكون عفيفاً، قادر على أن يمتنع عن الفواحش، وأن يمتنع عن أكل المال بالباطل، وعن إيذاء الناس وإزعاجهم، وعلى أن يحافظ على أوامر الله .
أمرٌ آخر: تقول معظم الدراسات المعاصرة في علم النفس: إن المراهق في هذه المرحلة يعيش توجهاً نحو التدين والعبادة، وهذا مما يكشف لنا السر والحكمة في كون التكليف الشرعي يبدأ من هذه المرحلة.
ولهذا يبدأ المراهق طرح الأسئلة على نفسه: من أين أنا؟ وكيف جئت؟ فيبدأ يتساءل عن سر خلق الوجود والكون، ولعلنا نلحظ أن الكثير ممن نراهم من الشباب في هذه المرحلة حين ينشأ في بيئة صالحة متدينة يقبل على الطاعة وعبادة الله إقبالاً جماً، وذلك كما أنه يعيش مرحلة من الشهوات والنوازع، فهو أيضاً يعيش إقبالاً على العبادة والتدين وطاعة الله ، وحتى لو لم يدرك البشر ذلك، ما دام الله قد شرع التكليف في هذه المرحلة فهو مؤهل، واختيار هذه المرحلة وهذا السن لم يكن ليأتي عبثاً.
стр. 1509
نماذج من التاريخ في الدور الإيجابي للمراهقين
حقيقة أخرى أيضاً: نماذج التاريخ، حين نقرأ في التاريخ، نرى نماذج ممن عاشوا في هذا السن، وهذه المرحلة تثبت لنا أن هناك وجهاً آخر لعالم المراهقة غير الوجه الذي يبديه علم النفس المعاصر، فتقرءون في القرآن الكريم قصة أهل الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف:١٣ - ١٤].
ويحكي لنا النبي ﷺ أن قرية كاملة قد آمنوا ودخلت في دين الله على يد شاب يعيش في هذه المرحلة التي يسمونها مرحلة المراهقة، واستطاع أن يصمد، وأن يبقى بإذن الله وتوفيقه أمام الابتلاء، وأمام الإيذاء، وأن يقدم نفسه رخيصة لله ، فيؤمن الناس حين رأوه، وتبقى قصة محفوظة منقوشة في ذاكرة التاريخ، يتغنى بها الصغير والكبير، ويرددها الجميع.
وهكذا لنرى أن أثر ذاك الشاب -المراهق في المصطلح المعاصر- لم يكن قاصراً على أهل قريته، بل امتد على مدى الزمان ما دامت هذه القصة تتلى ويتحدث عنها الناس.
إنا حين نعود إلى سيرة النبي ﷺ ونقرأ حياة أصحاب النبي ﷺ فإنا نرى نماذج عدة، ونرى عجباً من أولئك الشباب الذين كانوا في هذه السن، كيف كانوا في العلم والجهاد والعبادة؟ ولنستعرض أسماء بعض أصحاب النبي ﷺ الذين كان لهم القدح المعلى، والذي نسمع دائماً ونقرأ في كتب السنة، عن فلان بن فلان ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ ، والذين نتغنى بأمجادهم وبطولاتهم، ونسأل الله أن يحشرنا معهم.
من هؤلاء جابر بن عبد الله ﵁ وهو من رواة الحديث المكثرين، كان عمره عند الهجرة ستة عشر عاماً، وكان أراد أن يحضر غزوة بدر وأحد فمنعه والده لأنه كان يريد أن يحضر هذه الغزوة، واستشهد فيها والده، وقال له النبي ﷺ : (أتدري ما قال الله لأبيك؟ لقد كلمه الله كفاحاً)، وهو ممن نزل فيهم قول الله : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]، ثم لم يفته بعد ذلك مشهد مع النبي ﷺ .
ومنهم أيضاً عبد الله بن يزيد الأنصاري ﵁ بايع بيعة الرضوان، وعمره سبع عشرة سنة، وقد بايعوا النبي ﷺ فيها على الموت، وأهل بيعة الرضوان هم أولئك الذين قال الله عنهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨].
وقال فيهم ﷺ : (لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة).
وأيضاً من شباب أصحاب النبي ﷺ أبو جحيفة وهب بن عبدالله السوائي ﵁ لما توفي النبي ﷺ كان مراهقا.
ومنهم أيضاً عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ وقد عرض على النبي ﷺ يوم أحد فلم يجزه، وعرض يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه، وهو ممن بايع تحت الشجرة، فكانت عمره عندما بايع تحت الشجرة ستة عشر عاماً، فشهد بيعة الرضوان وهي التي قال الله فيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨].
وهم أيضاً الذين قال عنهم ﷺ : (لا يدخل النار أحد من بايع تحت الشجرة).
ومنهم أيضاً سلمة بن الأكوع ﵁ ومواقفه مشهودة مشهورة في سيرة النبي ﷺ ، فهو صاحب غزوة ذي قرد، التي قال فيها ﷺ : (خير رجالتنا سلمة وخير فرساننا أبو قتادة).
وهو الذي كان في غزوة حنين، فجاء جاسوس من المشركين إلى أصحاب النبي ﷺ فجلس معهم ساعة ثم ولى، فأمره النبي ﷺ بلحاقه فلحقه على قدميه حتى أدركه وقتله، وكان عمره ﵁ عند الهجرة ست عشر عاماً.
وعبد الله بن عباس ﵁ ولد في الشعب قبل عام الهجرة بثلاث سنين، قال في حديثه المشهور في الصحيحين: (أقبلت على أتان وقد ناهزت الاحتلام ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى).
ومنهم أبو أمامة الباهلي ﵁ كان عمره عند الهجرة عش
стр. 1510
هل كان المسلمون يعانون أزمات المراهقة من قبل
قضية أخرى أيضاً: تدعونا إلى إعادة النظر فيما يقال حول عالم المراهقة، هل كان المسلمون على مدى التاريخ يعانون من أزمات المراهقة كما نعاني الآن في هذا العصر؟ هذا السؤال لو طرحته على من له أدنى صلة بالتراث الإسلامي لأجابك بالنفي مباشرة، حين نقرأ ما سطره السلف في أي فن من فنون العلم، فإننا لا نلمس أثراً لهذه المشكلة، نعم قد تجدهم مثلاً يوصون الشاب بالعبادة والطاعة، لكن هل تجدون الحديث المستفيض عن مشكلات الشباب، وعن أزماتهم، وعن عالم المراهقة الذين نعيشه الآن، هل تجدونه في تراث العلماء الأوائل؟ وهل تجدونه في كتاباتهم؟ إنك لا تكاد تجد إلا نزراً يسيراً في كتاباتهم وهذا يعني بالضرورة أن هذه المشكلة لم تكن موجودة عند سلفنا.
إذاً: ما دامت غير موجودة فهذا يعني أن القضية ليست صفة ملازمة للإنسان، بل هناك عوامل أخرى وأمور أخرى تؤثر حتى ولدت هذه المشكلة التي تعاني.
نحن الآن نعاني من أزمات مزعجة في عالم المراهقة، حتى في مجتمعات المسلمين، وتجد الحديث المستفيض عن الشباب، وعن عالم الشباب، وانحراف الشباب والخطورة والمشكلات التي تواجه الشباب، هذا الحديث لا تجده كثيراً ولا تجد الإفاضة عنه في الحديث عند السلف، بل أنك حين تقرأ لسلف الأمة تجد هؤلاء ما أن يبلغ أحدهم السابعة أو الثامنة حتى تراه قد أتم حفظ كتاب الله ، أو قطع فيه شوطاً، ثم أصبح يثني ركبتيه في مجالس العلم مستمعاً ومقيداً لما يسمع.
هكذا كان عالم الشباب في سلف الأمة، وهذا يعني بالضرورة أن القضية ليست صفة ملازمة لعالم المراهقة أنه عالم الأزمات كما يقول علماء النفس المعاصرون، بل إن هناك عوامل أخرى تؤثر في هذه الأزمة وهذه المشكلة.
أيضاً قضية أخرى: ثمة نماذج من العصر الحاضر، فمع ما نعيش الآن من أزمات المراهقين، ومشكلات المراهقين إلا أننا نرى نماذج تثبت خطأ هذه النظرية الظالمة المتجددة.
من هم عمار المساجد؟ من هم حفاظ القرآن الكريم؟ لو أجريت الآن دراسة لمجتمعات المسلمين، وبحثت عن حفاظ القرآن الكريم ففي أي سن سوف تجد هذا العدد أكثر من غيره؟ قطعاً ستجد أن الكثير من حفاظ القرآن الكريم من هؤلاء المراهقين، ورواد مجالس العلم ودروس العلماء هم المراهقون، بل هم السبب أصلاً في قيامها؛ لأن هؤلاء لو لم يأتوا ولم يعمروا هذه المجالس لما استطاع الشيخ أن يلقي درسه آنذاك.
لو أجريت جولة سريعة على مجالس العلم لرأيت أن عامة الحاضرين وأكثرهم من هذه السن.
وفي عالم الجهاد لا ننسى جميعاً قضية أفغانستان، وكم هم الشباب من المراهقين الذين دفنوا هناك في بلاد العجم، في حين كان أقرانهم وأترابهم يسافرون إلى حيث الفساد والرذيلة، إلى حيث قضاء الشهوات المحرمة، وحينذاك كان جمع من شبان المسلمين يعيشون عالم المراهقة أطهاراً أبرياء، ذهبوا وهم يتمنون ألا يعودوا، ولسان حال أحدهم يقول: أذا أديتني وحملت رحلي مسيرة أربع بعد الحساء فشأنك أنعم وخلاك ذم ولا أرجع إلى أهلي ورائي وجاء المسلمون وخلفوني بأرض الشام منجدل الثواء هنالك لا أبالي طلع بعلٍ ولا نخل أسافلها رواء لسان حالهم لسان عبد الله بن رواحه ﵁ وقد قال حين ودعه أصحاب النبي ﷺ وهو ذاهب إلى مؤتة قالوا: حفظكم الله وردكم إلينا.
قال: لا ردنا الله إليكم.
ثم قال: لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا أو طعنة بيدي حران مجهزة وضربة تنفث الأحشاء والكبدا هكذا كان شعارهم، وهكذا كان سؤالهم، كان أحدهم إذا سجد يبكي في سجوده وهو يسأل الله أن يرزقه الشهادة، وأن لا يعيده إلى أهله وإلى بلاده.
ورأينا نماذج فذة من أولئك الذين شاركوا وضربوا أصدق الأمثلة، وكنا وكان المسلمون يظنون أن تلك القصص والروايات التي تروى عن الاستبسال والشجاعة والشهادة قد أغلق عليها في كتاب لن يفتح أبداً في ذاكرة التاريخ، فإذا بهم يرونها حية أمام ناظريهم، يرونها حية يفتحها ويعيدها أولئك الذين لا زالوا يعيشون عالم المراهقة.
إذاً: هذا النموذج الذي نراه في هذا العصر مع أزماته ومشكلاته يثبت لنا بما لا يدع مجالاً للشك ظلم وجور أولئك الذين يصفون عالم المراهقة بأنه عالم الانحراف، وعالم الأزمة وعالم الفساد.
стр. 1511
شواهد علم النفس
وحقيقة أخرى نختم بها الحديث حول هذه الحقائق: شواهد علم النفس نفسه، فالكثير من علماء النفس وعلماء التربية يشككون في صحة هذه المقولة، وفي صحة هذه الدعوى، سواءً كانوا من المسلمين أو كانوا من غيرهم.
وقد سبق أن أشرت إلى أن الكثير من الدراسات النفسية تشير إلى أن الشاب يعيش في مرحلة المراهقة توجهاً نحو التدين والعبادة والبحث عن الدين.
من علماء النفس المعاصرين الذين ناقشوا مصداقية مقولة أزمة المراهقة امرأة غربية مارجريت ميت فهي تعتبر المراهقة مرحلة نمو عادية، وما دام هذا النمو يسير في مجراه الطبيعي لا يتعرض المراهق لأزمات، وقد اهتمت هذا المرأة بدراسة المجتمعات البدائية، تقول: وفي هذه المجتمعات تختفي مرحلة المراهقة، وينتقل الفرد من الطفولة إلى الرشد مباشرة بعد احتفال تقليدي.
ويقول الدكتور عبدالرحمن العيسوي: وجدير بالذكر أن النمو الجسمي في مرحلة المراهقة لا يؤدي بالضرورة إلى أزمات ولكن النظم الحديثة هي المسئولة عن أزمة المراهقة.
والدكتور ماجد الكيلاني يقول: وقد أفرز فقدان ذلك مضاعفات سلبية في حياة الناشئة أهمها ما سماه فقهاء التربية الحديثة بالمراهقة، وهذه فتوى خاطئة أصدرها علماء النفس الحديثين تبريراً للسياسات الجائرة التي يمارسها مترفو العصر من أصحاب الرأسمالية والشركات الدولية، المراهقة ليست ظاهرة حتمية في تطور العمر الزمني للإنسان، إنها مشكلة يمكن تجنبها كلياً في حياة الفرد، وأن لا يمر الإنسان بها أبداً، وهي من مزاعم علماء النفس في المجتمعات الصناعية الرأسمالية، ومرضاً من أمراضهم الاجتماعية.
ونحن لسنا بحاجة إلى الإفاضة في ذكر الشواهد من كلام هؤلاء، لكن أيضاً مع الحقائق الشرعية الثابتة ومع الحقائق التاريخية ومع ما نراه من واقعنا المعاصر؛ مع ذلك كله هاهم علماء النفس المعاصر ينطقون بهذه الحقيقة ويشهدون بها.
стр. 1512
المسئول عن أزمة المراهقة
إذاً: نخلص من هذه الحقائق السابقة إلى أن المقولة حول أزمة المرهقة وأن مرحلة المراهقة مرحلة متحكمة فيها الأزمات، والمشكلات، والصبوة والانحراف، مقولة خاطئة ولدها علم النفس المعاصر الذي نشأ نشأة غربية، فالباحثون هم أولئك الغربيون، والمجتمعات التي تجرى عليها الدراسات هي تلك المجتمعات الغربية، وهذا يعني أن يعيد الآباء النظر من جديد في تعاملهم مع أبنائهم، وأن يروا أن كون الابن شاباً لا يزال في ريعان الشباب ومرحلة المراهقة لا يعطيه مسوغاً بحال للانحراف والصبوة وأن يعب من الشهوات.
وينبغي أن يعيد الأساتذة ورجال التربية النظر أيضاً من جديد في نظرتهم للجيل الذي يعلمونه ويدرسونه، ينبغي أن نعيد النظر في تطلعاتنا وما نرجوه من الشباب في هذه المرحلة، وأن نعيد النظر أيضاً لأنفسنا إذا كنا نحن نعيش هذه السن وهذه المرحلة.
هذا كله لا يعني أبداً أن مرحلة المراهقة ليس فيها مشكلات، وليس فيها أزمات، وحينما ننفي ذلك نفياً قاطعاً فنحن قد نناقض الواقع الذي نعيشه، لكن فرق بين أن يكون هناك أزمات ومشكلات يعيشها المراهق، وبين أن تكون مرحلة المراهقة مرحلة ملازمة للأزمة والمشكلة والانحراف والصبوة، فرق بين أن نلتمس له العذر من جراء هذا الانحراف وهذا الفساد لأنه مراهق، ولأنه لا يزال شاباً، ولأنه سيدرك بإذن الله أن يستقيم حين يكبر ويتقدم به السن؛ فرق بين هذا وذاك.
ثم إن الواقع الذي نعيشه والمشكلات التي نعيشها هي نتاج للعصر الحاضر الذي نعيشه بكل ما فيه من فساد وسوء، فالعصر الحاضر هو المسئول عما يسمى بأزمة المراهقة، ولهذا رأينا عالم المراهقة عند أصحاب النبي ﷺ وعند سلف الأمة عالماً آخر يختلف تماماً عن هذا العالم الذي نعيشه.
إن المراهقين الذين أصبحنا نراهم الآن يلاحقون آخر الصرعات المعاصرة الهيبز والانحراف والأمراض الجنسية ونزلاء الدور الإصلاحية ودور الملاحظة، ونراهم يتزعمون عصابات الإجرام والفساد ولا يطيق ضبطهم آباؤهم ولا أمهاتهم ولا أساتذتهم ولا مجتمعاتهم ولا حتى أجهزة الأمن في هذه المجتمعات التي يعيشونها.
إن الشباب الذين يعيشون في هذه السن قد عاش قبلهم أولئك في السن نفسها أولئك الذين كانوا يتسابقون على ميادين الجهاد والاستشهاد في سبيل الله، ويتسابقون على حلق العلم وحفظ كتاب الله ، فلو كانت القضية قضية السن لرأينا هذا النموذج عند أولئك السابقين.
стр. 1513
مؤثرات الحياة المعاصرة في مرحلة المراهقة
إذاً: الحياة المعاصرة والمجتمع المعاصر هو المسئول عن أزمة المراهقة، من خلال أمور عدة:
стр. 1514
سيطرة التحليل الغربي على علم النفس
أولها: ما أشرنا إليه قبل قليل بسيطرة التحليل الغربي، فعلم النفس كغيره من العلوم الإنسانية تلقفه المسلمون تلقفاً غربياً، فصار دور المسلمين دور النقد والترجمة كما ذكرنا، ولهذا سيطرت هذه النظرة على علماء النفس والتربويين والآباء، ولهذا صار أهل التربية والمسئولون عن التربية والتوجيه يتعاملون مع الشاب في هذه المرحلة على أنه معذور، وأن هذا هو ما ينتظر منه وما يتوقع أن يصل إليه.
стр. 1515
نظام التعليم المعاصر
المؤثر الثاني: نظام التعليم المعاصر في المجتمعات المعاصرة يساهم في طول مرحلة المراهقة، وذلك أن الشاب يعيش في التعليم إلى أن يصل إلى سن الثانية والعشرين، فيعيش بعيداً عن الزواج، ونسبة ضئيلة جداً ممن يتزوج قبل أن ينتهي من الدراسة الجامعية، بل الكثير يحتاج إلى سنوات بعد إنهاء الدراسة الجامعية حتى تتيسر له أمور الزواج، ثم هو خلال هذه المرحلة وهذا السن يعتمد على أهله اعتماداً كلياً، ويعتمد على أبويه اعتماداً تاماً، بل حتى نظام التعليم يعيش فيه على التسول العلمي والفكري، ويعتمد على تلك المعلومات الجاهزة التي يقدمها له أستاذه والتي يقرؤها في الصفوف، فلا يمارس الطالب جهده في اكتشاف المادة العلمية، غاية ما يقوم به هو أن يسمع ما يقول له الأستاذ سماعاً جيداً وأن يحفظ ما في الكتاب ثم يعبر عنه بعد ذلك برمته، وهذا يولد شخصية غير مستقلة تعتمد على غيرها وتعتمد على الآخرين، ولهذا أثبتت بعض الدراسات التي أجريت في بعض المجتمعات الأخرى أن عالم المراهقة عالم آخر كما في دراسة أجراها أحمد أبو زيد على قبائل الطوارق الليبية، وذلك أن قبائل الطوارق الليبية عندهم نظام خاص حينما يبلغ الشاب أو تبلغ الفتاة سن التكليف وسن البلوغ، يقومون باحتفال ويلبس ملابس خاصة ويعامل معاملة الرجال، فلاحظ أن أزمة المراهقة تختفي بذاك المجتمع، نظراً لأنه يعامل وينظر المجتمع إليه على أنه بلغ مبلغ الرجال، وأصبح يعتمد على نفسه.
أما في مجتمعات المسلمين المعاصرة فمع نظام التعليم المعاصر ومع نظام الحياة المعاصرة صار الشاب كَلاًّ على المجتمع كلاًّ على والده لا يعتمد على نفسه ولا يتحمل مسئولية، أيضاً لا تتيسر له سبل الزواج وبناء الأسرة، لهذا تطول هذه الأزمة.
стр. 1516
الإثارة والمغريات والترف
المؤثر الثالث: الإثارة والمغريات وحياة الترف المعاصر، وهي قضية لسنا بحاجة للحديث عنها، فقد صارت الأجهزة المعاصرة تصور غرف النوم تصويراً فاضحاً، تصور العملية الجنسية بكل وقاحة أمام المراهقين والمراهقات، وصارت الصور الفاتنة تعرض أمام شباب وفتيات المسلمين بكل ما فيها من إغراء وإثارة ويتفنن تجار الغرائز والمتاجرون بالفضيلة في الإثارة والإغراء حتى أصحاب السلع المادية وجدوا أن أفضل ترويج لها في استخدام صور المرأة وأساليب الإثارة الجسمية.
فالشاب والفتاة تعيش في المجتمع المعاصر في جو مشحون بالإثارة الجنسية والمغريات التي تدعوه إلى عالم الشهوات وصار يفتح عينيه في هذه المجتمعات وهو لا يرى إلا الشهوات، وما يدعوه إلى الشهوات والتمتع بها، ومن ثم كان من نتيجة ذلك ما نراه الآن من أزمات ومن معاناة المراهقين.
أما لو عاش الناس عيشة سوية بعيداً عن مظاهر الإثارة والإغراء لكان الأمر يختلف.
стр. 1517
غياب التوجيه والمثل الأعلى
العامل الرابع غياب التوجيه والقدوة والمثل الأعلى: من هم الذين يبرزون الآن أمام شباب المسلمين، وأمام فتيات المسلمين في مجتمعات المسلمين المعاصرة؟ هم أهل الفن، أهل الغناء والتمثيل والرقص، أهل الرياضة والمجون، هذه هي النجوم اللامعة، والأسماء المشتهرة بين شباب وفتيات المسلمين، فهل يرى هؤلاء القدوات الصالحة التي تضرب لهم المثل الأعلى؟ وهل يسمعون بكل وضوح وكل طمأنينة الكلمة الواعية العميقة الناصحة التي تحدثهم عن مشكلاتهم وعن معاناتهم، والتي تحدثهم عن الدين حديثاً يربطهم بعالمهم وواقعهم المعاصر؟ فحين تثار أمامهم الغرائز والشهوات، وحين يعولون الاعتماد على غيرهم، وحين تفتح أمامهم القدوات السيئة والساقطة حينها يعيشون فعلاً أزمة المراهقة.
المقصود -أيها الإخوة- من هذا الحديث كله هو أن هذه النظرة السائدة عن المراهق بحاجة إلى مراجعة، فهذه النظرة -كما قلنا- ولدت شعوراً خاطئا عند الشباب والمراهقين أن مرحلة المراهقة مرحلة ملازمة للأزمة والانحراف والشهوات التي ولدت النظرة عند الأب أن ابنه أو ابنته ما دام في مرحلة المراهقة فهو معذور ولا يرجى منه إلا ذاك، هذه النظرة التي ولدت عند المجتمع بأسره التماس العذر لهؤلاء نظرة خاطئة، لا تتفق مع النظرة الشرعية التي ترى أنه فرد مكلف وأنه إنسان مطالب بسائر التكاليف الشرعية.
وهذا كما قلنا لا ينفي أنها مرحلة ذات صعوبة أو أنها مرحلة فيها أزمات ومشكلات؛ لكن هذه المشكلات ليست كلها عائدة إلى طبيعة الشاب أو طبيعة الفتاة أو طبيعة السن، بل هناك عوامل عدة تساهم في التأثير عليها.
أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لطاعته وأن يجنبنا وإياكم أسباب معصيته وسخطه إنه سميع قريب مجيب، ونترك بقية الوقت للإجابة على الأسئلة.
стр. 1518
الأسئلة
стр. 1519
كتب ينصح بقراءتها عن المراهقة
السؤال
كتب تنصح بقراءتها عن المراهقة.
الشيخ: طبعاً الذي يحتاج للقراءة عن المراهقة هو من يتعامل مع المراهق، وليس هو المراهق نفسه، فهناك كتب كثيرة ومن أفضلها كتاب (مراهقون) للدكتور عبد العزيز الرمش عميد كلية العلوم الاجتماعية في الجامعة والأستاذ عبد العزيز يقول: إنه زاركم أمس في المخيم.
كتاب كتب بلغة مبسطة ومناسبة فهو يناسب الأب والأستاذ الذي قد لا يكون بالضرورة متخصصاً، وكذلك سيكيولوجية المراهق المسلم المعاصر.
وأيضاً (تربية مراهق)، و (تربية الشاب في المدرسة والبيت) لـ خالد الشحتوت.
فهذه بعض الكتب التي كتبت حول هذه المرحلة، وفي النية أن نقوم إن شاء الله بدراسة حال واقع الشاب ونذكر بعض النماذج من الصحابة ونماذج واقعية فعلاً لشباب المسلمين وقدوات حية لهم، نسأل الله أن يعين على ذلك.
стр. 1520
مشكلة النظر إلى المردان
السؤال
يعاني بعض الشباب من مشكلة النظر إلى المردان؟ الشيخ: لا شك أن النظر إلى الحرام والشهوة المحرمة من أكبر المشكلات التي يواجهها الشاب في هذه السن، وذلك أنه حين يبلغ سن التكليف وتقوى عنده حدة هذه الغريزة يعيش في بداية هذه المرحلة وشهوته في حدتها وفورانها، ثم يواجه ما يواجه من مثيرات ومغريات في مجتمعات المسلمين والتي أصبحت للأسف تلاحق الشاب في كل مكان وكل مجتمع.
وأيضاً ضعف قدرته على ضبط النفس وقلة خبرته في هذه الأمور قد تولد عنده هذه المشكلة.
لكن علينا أن نجتهد في غض البصر، والبعد عن هذه المنكرات والمغريات قدر الإمكان، وأن نجاهد أنفسنا فإن الله يقول: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠].
ومن لطائف هذه الآية أن الله ختمها بقوله: (خبير بما يصنعون)، وذلك أن الإنسان قد ينظر نظرة حرام ومن حوله لا يدرك سر هذه النظرة، لكن الله خبير، وفرق بين التعبير بخبير وعليم، فهو هنا إدراك دقيق، فخائنة الأعين لا يدركها ولا يعلمها إلا الله .
والنبي ﷺ يقول لأصحابه: (إياكم والجلوس في الطرقات قالوا: يا رسول الله ما لنا منها بد وهي مجالسنا، قال: فأعطوا الطريق حقها، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر ورد السلام) إلى آخر الحديث، فالنبي ﷺ نهاهم عن الجلوس في الطريق ابتداء حتى لا يتعرضوا للنظر الحرام مع أن ذلك المجتمع كان مجتمعاً عفيفاً نزيهاً بعيداً عن السفور والفساد.
فعليك أن تبتعد أصلاً عما يثير النظر الحرام، عليك أن تبتعد عن الأسواق وعن المواطن التي تدعوك إلى هذه الأمور، ثم تغض بصرك وتبعد نفسك عن التفكير بمثل هذه الأمور والانسياق وراءها.
стр. 1521
خوف الأب من انحراف الابن
السؤال
أنا شاب أجد كثيراً من المشاكل التي بدورها تدفعني إلى الانحراف، ومن أول ذلك الفراغ وتشدد أهلي في مصاحبة أي شخص خوفاً أن أنحرف وأخرج عن الجادة والطريق القويم.
الجواب
الكثير من الآباء يعمد إلى منع ابنه من المشاركة مع الناس والذهاب والإياب معهم، وهذا لا شك نتيجة لما يراه من فساد وسوء في المجتمع، وصار لا يثق بأي شخص، ولا شك أن حرص الأب على منع ابنه عن أن يصحب أي شخص لا يثق فيه ولا يعرفه ناشئ عن دافع خير وحرص على استقامة الابن وصلاحه، لكن يجتهد الشاب في إقناع والده في أن يتعرف والده على أولئك الذين يريد أن يصاحبهم، وبعدها إن شاء الله يمكن أن يقتنع والده بصحبته لهؤلاء وأن هؤلاء لم يجد منهم إلا الخير والفائدة.
стр. 1522
سبب الكلام في موضوع المراهقة
السؤال
ما هو السبب الذي استحثك على طرح هذا الموضوع مع أني أتوقع أن هذه جرأة منك لمخالفة الواقع والتصور الآن إلى آخره.
الجواب
الواقع والتصور الآن إذا كان غير صحيح كان مرفوضاً غير شرعي ينبغي أن نناقش فيه.
وأيضاً: فمن حق الإنسان في المجتمع أن يناقش الأفكار والقضايا المطروحة في المجتمع وخاصة إذا كانت قضايا شرعية وقضايا يسندها العلم الشرعي، ومن حق أي إنسان أن يعبر عما يرى، فما كان حقاً قبل وما كان باطلاً يرفض، وإذا كان فيه حق وباطل يقبل الحق ويرفض الباطل.
ونحن ما تحدثنا مثلاً عن دراسات نفسية ولا قضايا نفسية، نحن نتحدث عن قضايا شرعية، وعلم الإنسان ليس حكراً على أولئك الغربيين أهل المجون والفساد والسوء؛ لأنه لا يحق لأحد أن يتكلم إلا من خلال ما يراه فرويد أو دوركايم أو دارون أو غيرهم، فلا شك أن الله هو الذي خلق الإنسان وهو أعلم بخلقه .
стр. 1523
علاج مشكلة الإعجاب والتعلق بين المراهقين
السؤال
يعاني بعض الشباب من مشكلة التعلق والإعجاب بصور بعض رفقائهم مما يكون عائقاً أمام التزامهم وزيادة إيمانهم، فما نصيحتك لهؤلاء حفظك الله ووفقك لكل خير.
الجواب
النفس إذا لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية، فإذا لم تشغلوا أنفسكم بطاعة الله ، والحرص على العبادة، وتلاوة القرآن، والانشغال بحفظ القرآن وتعلم العلم الشرعي فإنكم لا بد أن تنشغلوا بهذه الأمور، وما رأيت أكثر شغلاً للشاب وملئاً لوقته وفراغه من تعلقه بالعلم الشرعي والقراءة، لأن مشكلة الشاب تأني غالباً من الفراغ، وإذا بقي في البيت بدأ يفكر أو جلس ينظر للتلفاز؛ لكن حينما يكون عنده عناية بالعلم الشرعي وولع بالقراءة والاطلاع فإنه يتمنى الفراغ، وإذا تيسرت له ساعة فراغ رأيته في مكتبته يقلب الكتب ويقرأ ويتصفح ويبحث فتمضي عليه الساعات الطوال وهو بين كتبه، ويعيش في عالم آخر.
ولهذا كان السلف مشغولين بالعلم والتعلم وكانوا بعيدين عن هذه المشكلات، لكن عندما يعيش الشاب في فراغ من هذه الأمور فلا شك أنه يفكر ويبدأ الشيطان يدعوه ويستدرجه.
أما الذي ينشغل بالعلم فهو يعيش في عالم آخر بعيداً عن كل هذه المشكلات، ويحرص على الاستزادة من الطاعة والعبادة وخاصة وقت السر، فإن هذا مما يزيده قرباً من الله ، ويستعين بالله في كل وقت، نسأل الله أن يعينه وأن يوفقه وأن يجنبه أسباب هذه الفتن وهذه الشهوات.
стр. 1524
التوبة في حق من أسرف في المعاصي
السؤال
هذا سؤال طويل يقول: إني أسرفت على نفسي بالمعاصي والكبائر وفعلت وفعلت مما لا أستطيع ذكره في مثل هذا المجلس، ولكن أنعم الله علي بالتوبة النصوح ثم يسأل عما وراء ذلك.
الجواب
بالنسبة للمعاصي التي بينك وبين الله لا يلزمك إلا أن تتوب وتستغفر الله وتقبل عليه، ولا يلزمك شيء بعد ذلك.
أما ما يتعلق بالمخلوقين مثل أخذ مال أو هتك عرض، فإذا كنت قد أخذت مال أحد ظلماً أو غشاً أو سرقة فإن عرفته واستطعت أن تعيده إليه بأي وسيلة ولو بغير وسيلة مباشرة فحسن، وإلا فتصدق به عنه على أنك متى رأيته فإنك ستعطيه إياه، وحين تكون صادقاً مع الله فإن الله يقضي عنك، وييسر لك أن يعفو عنك هذا عن حقه يوم القيامة.
ولا تقنط فالله يقول: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:٥٤].
﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧١].
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٣ - ٥٤].
والآيات والنصوص في هذا كثيرة فينبغي لك أن لا تيئس مهما بلغت الذنوب: (يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي).
стр. 1525
علاج الشك والسؤال عن بدء الخلق
السؤال
يقول: إنه يسأل نفسه: من أين أتى؟ وكيف؟ فما علاج ذلك جزاكم الله خيراً؟
الجواب
عند المراهق أفضل توجه نحو التدين، طبعاً في تلك المجتمعات التي لا يعرف فيها إله يبدأ يفكر كيف خلق ولماذا ومن أين؟ لكن في مثل مجتمعات المسلمين وفي مثل مجتمعاتكم يعيش الإنسان فيها بين أبوين مسلمين فلا يجد أصلاً مشكلة في هذا لأنه تعلم منذ الصغر أن الله هو الذين خلقه، وأن هناك جنة وناراً؛ لكنه قد تبدأ عنده مشكلة أخرى وهي التي يبدو دفعت الأخ للسؤال فيبدأ يتساءل ويشكك مع هذه السن والمرحلة؛ لأنه يبدأ المراهق مع النمو العقلي يناقش وما يسلم بكل ما يتلقاه، ويحتاج إلى أن يقتنع بكل شيء، فيبدأ يفكر في مثل هذه الأمور.
وهذا أمر ذكره أصحاب النبي ﷺ فقالوا: (إن أحدنا يجد في نفسه ما أن يخر به من السماء أحب له من أن يتكلم به! فقال ﷺ : أوجدتم ذلك؟ قالوا: نعم.
قال: ذلك صريح الإيمان).
ليس صريح الإيمان هو الوسوسة إنما كونهم يخشون من ذلك، ويتمنى أحدهم أن يخر من السماء ولا يتكلم بذلك، فعليه أن يقول: آمنت بالله، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويبتعد عن مثل هذه الأفكار ويكثر من تلاوة القرآن، والتفكر في مخلوقات الله ، فإنه سرعان ما يزول عنه ذلك، وما دام لا يتحدث به وهو مجرد توارد أفكار فإن النبي ﷺ يقول: (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم).
стр. 1526
حكم العادة السرية
السؤال
هناك أسئلة كثيرة حول عادة أقلقت كثيراً من المراهقين وهي العادة السرية، فما مضارها وما حكمها؟
الجواب
لا شك في تحريمها؛ لأن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المعارج:٢٩ - ٣١].
وسؤال الشخص دليل على أنه يشعر أن فيها مشكلة، فهو يقول: ما الحكم وما الدليل، ولو أنه يشعر أنه ليس فيها مشكلة لما سأل أصلاً حول هذه القضية.
ثم إن لها أضراراً نفسية وأمراضاً على جسم الإنسان، وهي كما قلنا مما يعانيه المراهقون من جراء ما يرونه أمامهم من الشهوات والفتن، وهو لا يجد المصرف الشرعي، لذلك فأولاً يجب أن نقتنع أن شأنها شأن سائر المعاصي، ومادمت مكلفاً فأنت قادر أن تتركه، لأنك الله أمرك ونهاك، ولم يأمرك إلا بما تستطيع فعله، ولم ينهك إلا عما تستطيع تركه، فما دام قد نهاك عن هذا الأمر فأنت تستطيع أن تتركه، وما دام قد أمرك بهذا الأمر فأنت تستطيع أن تفعل.
فرق بين كون الشيء صعباً وشاقاً وبين كونه مستحيلاً، لأنه قد يكون الأمر فيه صعوبة في فعله أو صعوبة في تركه، ولكن لا يمكن أن يوجد أمر شرعي بشيء مستحيل، أو نهي عن شيء يستحيل تركه، لكن الإنسان عليه أن يجاهد نفسه بسد الطرق والأبواب ابتداء من نفسه، بحيث يبتعد عن التفكير والنظر للحرام والخلوة والمغريات التي تدعو إلى ذلك، ثم يقوي إيمانه بالصيام، وتقوى الله ومراقبة الله .
ثم لو وقع في شيء من ذلك فعليه أن يتوب ويقبل على الله ويعمل عملاً صالح ولا ييئس، ولا يتصور أن هذا دليل على الانحراف والضلال والفساد، فهذه معصية شأنها شأن سائر المعاصي إذا وقع فيها المسلم عليه أن يبادر ويتوب إلى الله ، ويستغفر الله ، والله إذا تاب عبده فإنه يقبل توبته: (يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي).
وأنا أنصح الأخ السائل أن يقرأ كتاب العادة السيئة للشيخ محمد المنجد، فهو كتاب طيب حول هذه القضية.
وأيضاً كتاب آخر حول هذا الموضوع وحول النظر الحرام وهو كتاب سهم مسموم للأخ أحمد حفظه الله ووفقه وإيانا جميعاً.
стр. 1527
تنمية التوجه للعبادة والتقوى
السؤال
يقول: أريد إيضاح بعض السبل لتنمية التوجه للعبادة والتقوى في نفس الشاب المراهق مما يبعده عن الانحراف والشبهة.
الجواب
من أهم الوسائل والطرق في ذلك الصحبة الصالحة التي تعين الإنسان؛ لأن الإنسان لوحده قد يتشجع ويقوم ببعض العبادات ويجتهد فيها لكن سرعان ما يدعوه داعي الشهوة، ويمل ويفتر، لكن حين يكون مع صحبة صالحة فإنه سيرى منهم مثلاً من هو أكثر منه طاعة وعبادة ومنهم من يفوقه في الميدان، ومنهم من يفوقه في الميدان الآخر، فيصبح الميدان ميدان تنافس على البر والتقوى، وميدان تسابق على العمل الصالح، ويرى أمامه قدوة صالحة حية تعينه بإذن الله .
стр. 1528
حكم من يمارس العادة السرية في نهار رمضان
السؤال
أنا شاب أسترسل في المعاصي حتى أني قد فعلت العادة السرية في رمضان ثلاثة أيام، ولما أتى رمضان الثاني فعلتها سبعة أيام، فهل علي قضاء؟ الشيخ: نعم عليه قضاء؛ لأنه أفطر متعمداً.
ثم إن العادة السرية معصية في حد ذاتها، وفعلها في رمضان في وقت يصوم فيه الإنسان معصية أخرى، فالنبي ﷺ يقول: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه لو وجاء).
فالصوم علاج الشهوة، فإذا كان الإنسان يفعلها في رمضان فهذا دليل على مشكلة ينبغي أن يراجع فيها نفسه، وحتى الوقت الذي صام فيه لم يكفه ذلك عن هذه المعصية، ثم فعلها أيضاً في نهار رمضان، فهذا يجمع أموراً كثيرة، فعليه أولاً: أن يتوب إلى الله ، فالإفطار عمداً كبيرة من الكبائر.
ففعل العادة السرية ليس بالضرورة أن يكون كبيرة، لكن الفطر في نهار رمضان وبهذه الصورة كبيرة من الكبائر، فعليه أن يتوب إلى الله ، ويكثر من الاستغفار، والندم على هذا العمل، بل إن بعض أهل العلم يقول: إنه من أفطر متعمداً في نهار رمضان لا يقضي، وإنه لو قضى لم يصح؛ لأنه لو صام الدهر كله لم يقضه؛ لأن هذا يوم كان يجب عليك أن تصومه فمضى، وكما هو القول أيضاً في من فاتته الصلاة، فمنهم من قال: إن من فاتته صلاة بأن أخرها متعمداً حتى خرج وقتها فإنه لا يقضيها؛ لكن على كل حال عليه أن يقضي هذه الأيام، ثم الفقهاء يقولون: إنه إذا أتاه رمضان وعليه أيام من رمضان قبله فإنه يطعم عن كل يوم فاته من رمضان السابق.
стр. 1529
حديث (يعجب ربك من شاب ليست له صبوة)
السؤال
ماذا تقول في حديث النبي ﷺ : (يعجب ربك من شاب ليست له صبوة) فما هو رأيك في هذا الحديث؟ وما هو تعليقك عليه؟
الجواب
الذي أعرف أن الحديث في المسند، وهو حديث ضعيف، لكن حتى لو صح الحديث فلا يعني أن المراهق يعيش أزمة، ونحن ما نفينا أن المراهقة فيها مشكلة، وأن المراهقة فيها صعوبة، لكن كلامي يتحدث عن أننا أردنا أن نبرز الوجه الآخر، لأنه يقال الآن إن المراهقة تعني الفساد والانحراف والصبوة، وأنه معذور على كل الأحوال، وهناك فرق بين أن يكون الشاب أكثر عرضة للانحراف، وأكثر إقبال على الشهوات، وبين أن نقول إن المراهق ليس له ذنب وإن الله سيهديه عندما يكبر.
стр. 1530
تربية النفس على الجهاد
السؤال
يقول: لقد علمت ما أصاب إخواننا المسلمين من البلاء، فكيف استشعار المسئولية نحوهم؟ ثم كيف يربي الإنسان نفسه على الجهاد والقتال وهو يكره الجهاد والقتال؟
الجواب
كره القتال طبيعة جبلية، قال الله في القرآن: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦].
هذا شيء طبيعي أن يكره المسلم هذا الأمر، والله قال: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧].
هذه قالها الله في أهل بدر، هذا وضع طبيعي أن يوجد هذا الأمر، لكن فرق بين الإنسان الذي يكرهه وبين أن ينظر للجهاد ولا يريده ولهذا: (من لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة النفاق).
فالمسلم يهيئ نفسه بالشجاعة يهيئ نفسه بالصبر والتعود على التخلي عن الملذات، ثم يهيئ نفسه بالإقبال على الله ، ويشعر ويسعى الشاب أن يخدم الأمة، ويخدم الإسلام والمسلمين بكل وسيلة، وأنت قادر بكل ميدان مثل الفصل الدراسي، ومع زملائك وأقاربك في الحي، وأن يقول كلمة، ينصح أحد يقدم هدية: (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق).
والنبي ﷺ يقول: (اتقوا النار ولو بشق تمرة).
فلا تحتقر أي شيء ولا أي عمل أو كلمة تقولها، فرب كلمة تقولها لشخص تكون سبباً في هدايته بعد توفيق الله فأي عمل تقوم به ينبغي لك أن لا تحتقره.
وأسأل الله كما جمعنا في هذا المقام الطيب المبارك أن يجمعنا وإياكم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وأن يجمعنا وإياكم في جنات النعيم إنه سميع مجيب، وأن يجعلنا وإياكم من المتحابين بجلاله، وأن يظلنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إنه سميع مجيب.
هذا والله وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك
стр. 1531
الورع يا رجال الصحوة
الورع مصطلح يكثر ترداده في كتب التزكية والسلوك، وترد تحته قصص وحكايات عن السلف قد صارت عندنا أشبه بالأساطير وأقرب إلى الخيال، حتى إن البعض من المتدينين فضلاً عن غيرهم يسارع إلى التشكيك في مدى صحتها، ويصمها بالمبالغة إن لم يدخلها في عداد الأكاذيب، وقد أورث ذلك عندنا جفافاً وجفاءً، ولذا تجب مراجعة النفس والتخلي عن رعونتها، والاقتداء بالصالحين من السلف السابقين.
стр. 1532
خير الدين الورع
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله، أما بعد: (الورع يا رجال الصحوة) عنوان حديثنا لهذه الليلة المتمة للنصف من شهر شوال، عام خمسة عشر وأربعمائة وألف للهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.
الورع مصطلح، من منا لم يسمع عنه، إن من يقرأ في سير السلف أو يستمع إلى وصاياهم، أو يدرس سيرهم لا بد أن تتكرر هذه الكلمة على مسمعه كثيراً.
ويرى وهو يقرأ أنه يتحدث عن قضية تاريخية أصبح بيننا وبينها حجر محجور.
أصبحت قضية من قضايا التاريخ لا نكاد نراها، وحين نقرأ سير السلف وأخبارهم في الورع والزهد والرقائق، فإننا تارة نتهم أسانيد تلك الروايات بالضعف والبطلان، وتارة نتهم ما روي عنهم بالمبالغة والتشدد، وأخرى نتهم الراوي بالغلط والخطأ، لكننا نادراً ما نتهم أنفسنا، وأنها لم ترق إلى إدراك هذه المعاني، وأن قلوبنا لم تصح فعلاً حتى ترى بعين حقيقتها ما كان عليه أولئك من الخوف من الله ، وأنه هو هدي النبي ﷺ والسلف السابقين.
وقدمت رجلاً وأخرت أخرى وأنا أريد الحديث حول هذا الموضوع، حتى إني وأنا أعد له وأقرأ عزمت على أن لا أتحدث حول هذا الموضوع، ليس تقليلاً من شأنه وأهميته، لكن ينبغي ألا يتحدث عن الورع إلا أهل الورع، وينبغي ألا يتحدث عن الصدق إلا الصادقون الخائفون المخبتون، والمتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور، لكن عزائي أن أقول لكم: اسمعوا مقالي، وإياكم وحالي! فالقضية أقوال وشذرات من سير سلف الأمة، نسعى إلى ربطها بواقعنا، نقولها لإخواننا ونحن جميعاً نسأل الله أن يجعلنا من الورعين المتقين الصالحين، وإن لم نرق إلى منازلهم فلنتشبه بهم: فإن من تشبه بقوم فهو منهم، والتشبه بالكرام فلاح.
стр. 1533
معنى الورع
الورع معشر الإخوة الكرام مصطلح نبوي شرعي، فقد ثبت عن النبي ﷺ هذا اللفظ والوصية به فقال ﷺ فيما رواه البيهقي في وصيته لـ أبي هريرة ﵁: (كن ورعاً تكن أعبد الناس، وكن قنعاً تكن أشكر الناس، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما، وأقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب).
وأيضاً روى البزار والطبراني في الأوسط والحاكم من حديث حذيفة ﵁، ورواه الحاكم أيضاً من حديث سعد أنه ﷺ قال (فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة، وخير دينكم الورع).
إذاً هذه النصوص الصحيحة أطلق النبي ﷺ فيها هذا اللفظ وهذا المصطلح، فهو إذاً مصطلح شرعي نبوي، وليس أيضاً بالضرورة كما تعلمون في المصطلح أن يرد بنصه عن النبي ﷺ ، فما دام المصطلح لا يعارض النصوص الشرعية فلا مشاحة في الاصطلاح.
أما الأدلة على معنى الورع دون لفظه فهي أدلة كثيرة في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ومنها الحديث العظيم الجامع الذي جعله جمع من أهل العلم إحدى الدعائم التي يقوم عليها الإسلام، وهو حديث النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما مشبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه).
والحديث مشهور في كتب السنة بروايات عدة، ويحفظه الصغير والكبير، وهو قاعدة في التورع مما يشتبه منه، مع أن معنى الورع كما سيأتي يأخذ مدى أبعد من هذا المدى، ودائرة أوسع من هذه الدائرة، والتورع عن المشتبهات والبعد عنها ليس إلا باباً من أبواب الورع.
ومن الأدلة أيضاً على هذا المعنى حديث النواس بن سمعان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس) والحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه.
وأيضاً جاء وابصة بن معبد إلى النبي ﷺ فقال له ﷺ : (جئت تسأل عن البر؟ فقال: نعم، قال له ﷺ : استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك).
والحديث رواه الإمام أحمد والدارمي، وله شاهد أيضاً عند الإمام أحمد من حديث ثعلبة، وهذا الحديث فيه إيماء وإشارة إلى تلك الحساسية المرهفة التي يملكها عباد الله الصالحون، فصارت نفوسهم تطمئن للبر، وترتاح إليه، وصارت نفوسهم تأنف من المعصية وإن أفتاه الناس وأفتوه.
ولا شك أن هذا الحديث مع ما فيه من الدلالة على الأمر بالتورع عما حاك في الصدر، وإتيان ما اطمأنت إليه النفس، فهو إشارة إلى حال الصالحين، وإلى حال قلوبهم، التي ترى بنور الله .
فتطمئن هذه القلوب للبر، والهدى والتقى والصلاح، وتشعر باشمئزاز ونفور وتردد من الإثم وأسبابه، وحين يفتيها الناس ويفتونها ويبدئون ويعيدون، فإنها لا تطمئن.
إن هذه إنما هي حال القلوب الصادقة، ولهذا هذا المقياس في مسألة البر والإثم ليس إلا لعباد الله الصالحين، بل لعله أن يكون أمارة نختبر بها قلوبنا، فإن كانت قلوبنا تطمئن للبر والصلاح والتقوى، وتشمئز من المعصية والسيئة وتنفر منها، فهي قلوب صالحة بإذن الله.
وإن كانت دون ذلك، فهي بحاجة إلى تزكية وإصلاح.
وهو ليس خطاباً للمخلطين، ليس خطاباً للمعرضين، ليس خطاباً لأولئك الذين ران على قلوبهم، فأصبحت نفوسهم وقلوبهم مأسورة بهواها وشهواتها، فأصبح لا يرى إلا من خلال هذه الزاوية، كم من الناس من يطمئن قلبه ونفسه لمعصية الله ، وإيذاء عباده المؤمنين والمتقين.
بل كم من الناس من انقلبت الموازين لديه، فأصبحت السيئة حسنة، فصار يتقرب إلى الله بمعصيته وإيذاء عباده، أرأيتم أولئك الذين كانوا يتقربون إلى الله ، بإيذاء الصالحين من أصحاب النبي ﷺ .
ويرون هذا ديناً وقربة لله ، في حين كان يسلم من شرهم أهل الأوثان والطغيان والضلال.
أترون أولئك أصبحت قلوبهم تملك هذا المقياس، لقد اطمأنت قلوبهم إلى إيذاء عباد الله المتقين، إلى إيذاء خيرة خلق الله أصحاب النبي ﷺ ، بل يتقربون إلى الله بذلك، في حين أنهم كانوا يدعون أهل الطغيان والضلال والأوثان.
إذاً هذا المقياس إنما هو لأولئك الصالحين الذين توجهت قلوبهم لله ، فأصبح القلب لا يحب إلا لله ، ول
стр. 1534
الورع عند السلف الصالح
ثم ننتقل بعد ذلك إلى بعض التعريفات للورع عن سلف الأمة، وتعرفون جميعاً أن السلف لم يكونوا يعنون بالتحرير المنطقي للتعاريف فتصبح جامعة مانعة، إنما كانوا يقصدون أن يعبروا عن الكلمة بما يقاربها، وبما يفهم السامع.
قال ابن القيم ﵀ في المدارج: وقد جمع النبي ﷺ الورع كله في كلمة واحدة فقال: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه).
فهذا يعم الترك لما لا يعني من الكلام والنظر والاستماع والبطش والمشي والفكر وسائر الحركات الظاهرة والباطنة، فهذه الكلمة كافية شافية في الورع.
وقال إبراهيم بن أدهم: الورع ترك كل شبهة، وترك ما لا يعني هو ترك الفضلات.
وقال الشبلي: الورع أن يتورع عن كل ما سوى الله.
وقال إسحاق بن خلف: الورع في المنطق أشد منه في الذهب والفضة، والزهد في الرياسة أشد منه في الذهب والفضة، لأنهما يطلبان في طلب الرياسة.
وقال أبو سليمان الداراني: الورع أول الزهد، كما أن القناعة أول الرضا.
وقال يحيى بن معاذ: الورع الوقوف على حد العلم، من غير تأويل.
وقال: الورع على وجهين: ورع في الظاهر، وورع في الباطن.
فورع الظاهر: ألا يتحرك إلا لله.
وورع الباطن: هو أن لا تدخل قلبك سواه.
وقال: من لم ينظر في الدقيق من الورع، لم يصل إلى الجليل من العطاء.
وقيل: الورع الخروج من الشهوات وترك السيئات.
وقيل: من دق في الدنيا ورعه أو نظره، جل في القيامة خطره.
وقال يونس بن عبيد: الورع الخروج من كل شبهة، ومحاسبة النفس في كل طرفة عين.
وقال سفيان الثوري: ما رأيت أسهل من الورع، ما حاك في نفسك تتركه.
وقال سهل: الحلال الذي لا يعصى الله فيه، والصافي منه الذي لا ينسى فيه.
وسأل الحسن غلاماً فقال له: ما ملاك الدين؟ قال: الورع، قال: فما آفته؟ قال: الطمع، فعجب الحسن منه! وقال الحسن: مثقال ذرة من الورع، خيرٌ من ألف مثقال من الصوم والصلاة.
وقال أبو هريرة: جلساء الله غداً أهل الورع والزهد.
وقال بعض السلف: لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس، ويروى مرفوعاً.
وقال بعض الصحابة: كنا ندع سبعين باباً من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام.
هذه بعض الأقوال عن السلف حكاها ابن القيم ﵀ في المدارج حين تحدث عن منزلة الورع.
والوقت يضيق عن سرد أقوالهم وعباراتهم في ذلك.
ومنهم من يستعمل الورع مرادفاً للزهد، ومنهم من يفرق بينهم وهو المشهور عند المتأخرين، أن الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة.
والورع: ترك ما يخشى ضرره.
فالورع كما سيأتي أعم من الزهد.
стр. 1535
قواعد وضوابط في الورع
بعد ذلك ننتقل إلى النقطة الثالثة وهي قواعد وضوابط في الورع، وهي قواعد مهمة حول الورع، وأكثرها مما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فله حديث حول الورع في مجموع الفتاوى في الجزء العاشر، وفي الجزء العشرين.
стр. 1536
الورع منه واجب ومنه مستحب
القاعدة الأولى: الورع منه واجب ومنه مستحب، لأن الكثير من الناس حينما يطلق مصطلح الورع ينصرف ذهنه إلى دقائق الورع، والبعد عن المشتبهات، أو الورع عما حاك في الصدر فيرى أن الورع ليس ضمن دائرة الواجبات، إنما هو مقام للخاصة، ومقام للصالحين، وليس واجباً على آحاد الناس.
يقول شيخ الإسلام: فأما الورع المشروع المستحب الذي بعث الله به محمداً ﷺ ، فهو اتقاء ما يخاف أن يكون سبباً للذم والعذاب عند عدم المعارض الراجح، ويدخل في ذلك أداء الواجبات والمشتبهات التي تشبه الواجب، وترك المحرمات والمشتبهات التي تشبه الحرام.
وإن أدخلت فيه المكروهات قلت نخاف أن تكون سبباً للنقص والعذاب.
وأما الورع الواجب، فهو اتقاء ما يكون سبباً للذم والعذاب، وهو فعل الواجب وترك المحرم، والفرق بينهما -أي بين الورع الواجب والمستحب- فيما اشتبه أمن الواجب هو أم ليس منه، وما اشتبه تحريمه أمن المحرم أم ليس منه.
стр. 1537
ما لا ريب في حله ليس فيه ورع
القاعدة الثانية: أن ما لا ريب في حله ليس فيه ورع، بل الورع فيه من التنطع.
قال ﵀: فأما ما لا ريب في حله فليس تركه من الورع، وما لا ريب في سقوطه فليس فعله من الورع.
стр. 1538
لا ورع عند وجود المعارض الراجح
القاعدة الثالثة: لا ورع عند وجود المعارض الراجح.
قال ﵀: وقولي عند عدم المعارض الراجح فإنه قد لا يترك الحرام البين أو المشتبه إلا عند ترك ما هو حسنة، موقعها في الشريعة أعظم من ترك تلك السيئة.
مثل من يترك الائتمام بالإمام الفاسق فيترك الجمعة والجماعة والحج والغزو.
وكذلك قد لا يؤدي الواجب البين أو المشتبه إلا بفعل سيئة أعظم إثماً من تركه، مثل من لا يمكنه أداء الواجبات من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لذوي السلطان إلا بقتال فيه من الفساد أعظم من فساد ظلمه.
إذاً: الورع ينبغي أن يكون عند عدم المعارض الراجح، فمثلاً قد يتورع شخص كما مثل شيخ الإسلام عن الصلاة خلف الإمام الفاسق، وهذا يعني أن يصلي وحده، فيترك الجماعة التي هي آكد في وجوبها.
وهذا مدخل كما سيأتي في نهاية الحديث يدخل به الشيطان على الكثير فيصدهم عن الإصلاح، وعن الدعوة وعن إنكار المنكرات بحجة الورع من دخول بعض هذه الميادين أو تلك.
стр. 1539
الورع في الفعل
القاعدة الرابعة: الورع يكون في الفعل كما هو في الترك، وذلك أن البعض من الناس يعتقد أن الورع لا يكون إلا في الترك.
يقول شيخ الإسلام: لكن يقع الغلط في الورع من ثلاث جهات، إحداها: اعتقاد كثير من الناس أنه من باب الترك، فلا يرون الورع إلا في ترك الحرام، لا في أداء الواجب، وهذا يبتلى به كثير من المتدينين المتورعة، ترى أحدهم يتورع عن الكلمة الكاذبة، وعن الدرهم فيه شبهة، لكونه من مال ظالم، أو معاملة فاسدة، ويتورع عن الركون إلى الظلمة من أهل البدع في الدين، وذوي الفجور في الدنيا، ومع هذا يترك أموراً واجبة عليه، إما عيناً وإما كفاية وقد تعينت عليه، من صلة رحم، وحق جار ومسكين، وصاحب ويتيم وابن سبيل، وحق مسلم وذي سلطان وذي علم، وعن أمر بمعروف ونهي عن منكر، وعن الجهاد في سبيل الله، إلى غير ذلك مما فيه نفع للخلق في دينهم ودنياهم مما وجب عليه، أو يفعل ذلك لا على وجه العبادة لله تعالى، بل من جهة التكليف ونحو ذلك.
стр. 1540
الورع يحتاج إلى الدليل
القاعدة الخامسة: أن الورع إنما هو بأدلة الكتاب والسنة.
قال ﵀: الجهة الثانية: من الاعتقاد الفاسد أنه إذا فعل الواجب والمشتبه وترك المحرم والمشتبه.
أي أن المشتبه يأتي في الواجب ويأتي في المحرم، يأتي في الواجب باعتبار أنه مشتبه هل هل هو واجب أو سنة، وحينها ينبغي على الإنسان أن لا يتركه، حتى لا يتعرض للذم والعقوبة.
والمشتبه في التحريم وهو الإطلاق الغالب والأعم ما يشتبه بتحريمه.
يقول: أنه إذا فعل الواجب والمشتبه وترك المحرم والمشتبه فينبغي أن يكون اعتقاد الوجوب والتحريم بأدلة الكتاب والسنة، وبالعلم لا بالهوى، وإلا فكثير من الناس تنفر نفسه عن أشياء لعادة ونحوها، فيكون ذلك مما يقوي تحريمها واشتباهها عنده، ويكون بعضهم في أوهام وظنون كاذبة، فتكون تلك الظنون مبناها على الورع الفاسد، فيكون صاحبه ممن قال الله تعالى فيه: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ﴾ [النجم:٢٣].
ومن هذا الباب الورع الذي ذمه الرسول ﷺ في الحديث الصحيح، لما ترخص في أشياء فبلغه أن أقواماً تنزهوا عنها فقال: (ما بال أقوام يتنزهون عن أشياء أترخص فيها، والله إني لأرجو أن أكون أعلمهم بالله وأزكاهم).
وفي رواية: (أخشاهم وأعلمهم بحدوده له).
وكذلك حديث صاحب القبلة، ولهذا يحتاج المتدين المتورع إلى علم كثير بالكتاب والسنة والفقه في الدين، وإلا فقد يفسد تورعه الفاسد أكثر مما يصلحه، كما فعله الكفار، وأهل البدع من الخوارج والروافض وغيرهم.
إذاً قد يكره الإنسان أمراً، وقد ينفر عن أمر فيتورع حينئذ عنه ومستنده ليس الكتاب والسنة، وضرب شيخ الإسلام أمثلة على ذلك، بما ثبت عنه ﷺ : (أن أقواماً تنزهوا في أمر ترخص فيه ﷺ ومثل الحديث المشهور عن الثلاثة الذين جاءوا فتورع أحدهم عن أكل اللحم فقال: لا أكل اللحم، وقال الآخر: لا أصوم ولا أفطر، وقال الأخر: أقوم ولا أنام.
فتورع هؤلاء ليس من هذا الباب، التورع إنما يكون بأدلة الكتاب والسنة، ولهذا قال ﷺ : (أنا أتقاكم لله وأخشاكم له).
يعني أنه لن يأتي أحدٌ أتقى لله وأخشى من النبي ﷺ .
ولهذا فمن تورع فيما لم يتورع فيه ﷺ فكأن لسان حاله يقول: إنه أتقى لله وأخشى له من نبيه محمد ﷺ .
стр. 1541
لا ورع إلا بإخلاص
القاعدة السادسة: لا ورع إلا بالإخلاص، فلا بد من الإخلاص، لأنه قد تأتي الإنسان شوائب واعتبارات، فقد يكون له مقام واعتبار، ويرى أنه مما لا يليق بأمثاله أن يفعله أمام الناس، فيكون دافعه لذلك مراءاة الناس.
وقد يكون دافعه حظ النفس أو هوى النفس أو غيرها من الأمور، فالورع مثله مثل سائر الأعمال الصالحة التي يتقرب بها الإنسان عند الله لا بد فيها من الإخلاص، قال: واعلم أن الورع لا ينفع صاحبه فيكون له ثواب إلا بفعل المأمول به من الإخلاص.
стр. 1542
التدقيق في الورع للخاصة
القاعدة السابعة: ذكرها الحافظ ابن رجب وهي أن التدقيق في مسائل الورع إنما هو للخاصة، وليس لآحاد الناس، قال: وهاهنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن التدقيق في التوقف عن الشبهات إنما يصلح لمن استقامت أحواله كلها، وتشابهت أعماله في التقوى والورع.
فأما من يقع في انتهاك المحرمات الظاهرة، ثم يريد أن يتورع عن شيء من دقائق الشبه، فإنه لا يحتمل له ذلك، بل ينكر عليه.
وهذا حال بعض المتكلفين المرائين يسلك هذا المسلك.
كما قال ابن عمر لمن سأله عن دم البعوض من أهل العراق: يسألونني عن دم البعوض وقد قتلوا الحسين وسمعت النبي ﷺ يقول: (هما ريحانتاي في الدنيا).
ونقل بعض النقول عن بعض السلف، هي أمثله على هذا النوع، من ذلك والكلام لا يزال لـ ابن رجب: وسأل رجل بشر بن الحارث عن رجل له زوجة وأمه تأمره بطلاقها، فقال: إن كان بر أمه في كل شيء، ولم يبق من برها إلا طلاق زوجته فليفعل، وإن كان يبرها بطلاق زوجته ثم يقوم بعد ذلك إلى أمه فيضربها فلا يفعل.
وسئل الإمام أحمد ﵀ عن رجل يشتري بقلاً ويشترط الخوصة، يعني التي تربط بها حزمة البقل -والمعنى أنه عندما يشتري البقل وهو مربوط بخوصة يشترط على البائع من تدقيقه في الورع أن الخوصة له لأنه في الأصل اشترى البقل ولم يشتر الخوصة- قال أحمد: أيش هذه المسائل، قيل له: إنه إبراهيم بن أبي نعيم، قال أحمد: إن كان إبراهيم بن أبي نعيم فنعم، هذا يشبه ذاك.
يعني أن إبراهيم مشهور بالورع والتقوى والصلاح فيحتمل منه هذا الأمر.
أما الذين لا يتورعون عن الحرام فينكر عليه الإمام أحمد، والإمام أحمد من هو في الورع والتقوى والصلاح، فيأتينا نقل الآن عنه أنه يتورع عن أشياء ثم ينكر على غيره التورع عنها.
قال: وإنما أنكر أحمد هذه المسائل ممن لا يشبه حاله، وأما أهل التدقيق في الورع فيشبه حالهم هذا، وقد كان الإمام أحمد يستعمل في نفسه هذا الورع، فإنه أمر من يشتري له سمناً فجاء به على ورقة فأمر برد الورقة إلى البائع.
وكان أحمد لا يستمد من محابر أصحابه، وإنما يخرج معه محبرة يستمد منها.
واستأذنه رجل أن يكتب من محبرته فقال له: اكتب فهذا ورع مظلم، واستأذنه آخر في ذلك فتبسم، وقال: لم يبلغ ورعي ولا ورعك هذا.
ولاحظ الآن الفرق فإنه أنكر على الذي يشترط الخوصة، بينما كان هو يعيد الورقة التي يشتري عليها السمن، وهو ينكر على الذي استأذن في استعمال المحبرة إنكاراً غليظاً ويخبره أن هذا ورع مظلم، في حين استأذنه آخر فتبسم وقال: لم يبلغ ورعي ولا ورعك هذا.
يقول ابن رجب: وهذا قاله على وجه التواضع، وإلا فهو كان في نفسه يستعمل هذا الورع، وكان ينكره على من لم يصل إلى هذا المقام، بل يتسامح في المكروهات الظاهرة ويقدم على الشبهات من غير توقف.
وهذا الأمر مهم أن نعيه ونحن نورد بعض الروايات مثلاً عن السلف في ورعهم، حتى لا نقع في هذا اللغط، والذي له أحياناً آثار سلبية على نفوسنا، فإننا أحوج ما نكون إلى الورع الواجب، وأحوج ما نكون إلى اجتناب المحرمات الظاهرة الواضحة، وأحوج ما نكون إلى إصلاح قلوبنا، فإذا انشغلنا بهذه الدقائق تركت آثاراً على أنفسنا.
أولاً: تشعر أنفسنا بالزهو وهي لم ترق إلى هذا القدر أصلاً، وتشعر باحتقار الآخرين.
وأيضاً: تنشغل النفس عما هي أولى به من إصلاح القلب، ومن الورع الواجب.
стр. 1543
نماذج من ورع السلف
ونسوق الآن نماذج من الورع، ولا شك أن أولى النماذج ما ثبت عن النبي ﷺ ، ومن ذلك الحديث المشهور في الصحيحين أنه ﷺ : (وجد تمرة في الطريق فقال: لولا أني أخاف أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها).
معناه أنها تمرة في الطريق فهناك احتمال بعيد أن تكون من تمر الصدقة.
وتضور ﷺ ليلة فقيل له في ذلك فقال: (إني وجدت تمرة مسقوطة فأكلتها فأخشى أن تكون من تمر الصدقة).
وقصة أبي بكر الصديق ﵁ مشهورة ترويها عائشة ﵂ حين كان له غلام يأتيه بالخراج، فكان يسأله عن الطعام الذي يأتي به فلم يسأله ذات يوم فقال: ما بالك لم تسألني؟ فسأله فأخبره أنه كان تكهن في الجاهلية ولم يحسن الكهانة فجاء وتقاضى هذا فتقيأ أبو بكر ﵁ ما في بطنه، مع أن هذا الأمر لا يلزمه، والطعام ليس حراماً لأنه أكله وهو لم يعلم بتحريمه وهو معذور كل العذر في ذلك، لكن هذا من ورعه ﵁.
ومر عبادة بن الصامت ﵁ بقرية دمر فأمر غلاماً أن يقطع له سواكاً من صفصاف على نهر بردى، فمضى ليفعل ثم قال له: ارجع، فإنه إلا يكن بثمن فإنه ييبس فيعود حطباً بثمن.
ونسوق بعض النقول عن السلف في الورع مع ملاحظة ومراعاة أن النقول عن آحاد السلف ليست حجة، فقد يتحفظ على بعض ما ينقل، لكن هذا الورع في الجملة مطلوب، وهذه النقول في الجملة تعطينا صورة عن حال السلف، لكن لا يعني أن كل ما يفعله آحاد السلف فهو حجة وأمر مطلوب من الناس، مع مراعاة القاعدة التي أشرنا إليها قبل قليل.
كهمس سقط منه دينار ففتش عنه فلقيه ثم لم يأخذه قال: لعله غيره، لعله غير الدينار الذي سقط مني.
ويروي الحسن بن عرفة عن ابن المبارك قال: استعرت قلماً بأرض الشام على أن أرده فلما قدمت مرو نظرت فإذا هو معي، فرجعت إلى الشام حتى رددته على صاحبه.
وكان لـ علي بن الفضيل بن عياض -والفضيل بن عياض من الورعين الزهاد وابنه علي كذلك من الورعين وكان توفي ﵀ في حياة والده، وكان والده يتحدث عن ورعه وزهده- كان له شاة أكلت شيئاً يسيراً من علف أمير فما شرب لها لبناً بعده.
وسقط من عقدة دنانير فجاء بنخال ليطلبها فقال عقدة: فوجدتها ثم فكرت فقلت: ليس في الدنيا غير دنانيري! فقلت للنخال: هي في ذمتك، وذهبت وتركته.
وروى ابن أبي الدنيا في الورع أن امرأة من الصالحات أتاها نعي زوجها وهي تعجن، فرفعت يدها من العجين وقالت: هذا طعامٌ قد صار لنا فيه شريك.
لأن هذا الطعام قد صار للورثة.
وأخرى أتاها نعي زوجها والسراج يتقد، فأطفأت السراج وقالت: هذا زيت قد صار لنا فيه شريك.
هذه بعض النماذج من مواقف السلف والأمثلة على ذلك كثيرة، وحين تقرأ في أي كتاب من كتب التراجم لا تخطئك مثل هذه المواقف وغيرها عن سلف الأمة رضوان الله عليهم.
стр. 1544
الصحوة والورع
стр. 1545
الورع في الجانب الشخصي
أخيراً: ننتقل إلى الحديث المهم وهو الصحوة والورع، فتحدثنا حول قضايا لتأصيل الورع وبعض القواعد المهمة فيه، ثم نعود بعد ذلك إلى الحديث عن الصحوة وحاجتها إلى الورع.
فنحن أولاً نحتاج إلى الورع في الجانب الشخصي، والسلوك عند الناس، بدءاً بالورع الواجب، وهو ما أوجبه الله من فعل الواجبات، وترك المحرمات.
ولعلنا نتساءل بأسى وحزن: أين نماذج العباد الصالحين، الأخيار الأتقياء، التي كنا نسمع عنها في حياة السلف؟ أين صور العبادة والإقبال على الله ، والزهد والورع والخوف من الله وصلاح القلوب؟ أين تلك الأحوال التي سقنا بعضها، والتي نسمع عنها من أخبار السلف، فما بالنا لا نرى نماذج منها؟ وما بالنا عندما نسمع هذه القضايا نشكك في صحتها، أو نشكك في نسبتها، أو نبحث عن المعاذير؟ لأننا لم ترق نفوسنا أصلاً لإدراك هذه المعاني؟ ها نحن نرى جيل الصحوة المبارك وقد ملأ الآفاق، وانتشر بحمد الله وعلا صوته، فهل نرى في جيلنا العباد والزهاد والورعين، نحن لسنا نحكم على الناس، ولا شك أن هذا الجيل فيه خير كثير والحمد لله، لكن أيضاً ألا ترون معي أننا نفتقد هذا الجانب كثيراً في سلوكنا، وأننا أحوج ما ندعو الناس بأعمالنا وسلوكنا.
إن المقالة التي يقولها المرء قد تحرك القلوب، وتؤثر في النفوس، وقد تسطر وتتداولها الأجيال، لكنها لا يمكن أن ترقى بحال إلى موقف يقف، وحدث يروى فيترك أثراً عظيماً في النفوس أبعد بكثير من آثار هذه الكلمة المجردة.
فلماذا لا نسعى إلى أن نتمثل هذه النماذج في أنفسنا، فنكون كما أننا ندعو الناس إلى ترك المنكرات بأقوالنا وأعمالنا ندعو الناس إلى الإقبال على العلم الشرعي، وعلى طاعة الله بما نقول ونحدث الناس به، ونكون كذلك قدوة في أعمالنا، وفي سلوكنا، وفي صلاحنا واستقامتنا فندعو الناس بأعمالنا وأحوالنا قبل أن ندعوهم بأقوالنا، وأن نكون ممن إذا رءوا ذكر الله .
следующие страницы →