← Джавами‘

Джавами‘ · id 37377

دروس الشيخ محمد الدويش

محمد الدويش

Полный текст (1 904 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

لا ورع إلا بإخلاص القاعدة السادسة: لا ورع إلا بالإخلاص، فلا بد من الإخلاص، لأنه قد تأتي الإنسان شوائب واعتبارات، فقد يكون له مقام واعتبار، ويرى أنه مما لا يليق بأمثاله أن يفعله أمام الناس، فيكون دافعه لذلك مراءاة الناس. وقد يكون دافعه حظ النفس أو هوى النفس أو غيرها من الأمور، فالورع مثله مثل سائر الأعمال الصالحة التي يتقرب بها الإنسان عند الله لا بد فيها من الإخلاص، قال: واعلم أن الورع لا ينفع صاحبه فيكون له ثواب إلا بفعل المأمول به من الإخلاص.

стр. 1542

التدقيق في الورع للخاصة القاعدة السابعة: ذكرها الحافظ ابن رجب وهي أن التدقيق في مسائل الورع إنما هو للخاصة، وليس لآحاد الناس، قال: وهاهنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن التدقيق في التوقف عن الشبهات إنما يصلح لمن استقامت أحواله كلها، وتشابهت أعماله في التقوى والورع. فأما من يقع في انتهاك المحرمات الظاهرة، ثم يريد أن يتورع عن شيء من دقائق الشبه، فإنه لا يحتمل له ذلك، بل ينكر عليه. وهذا حال بعض المتكلفين المرائين يسلك هذا المسلك. كما قال ابن عمر لمن سأله عن دم البعوض من أهل العراق: يسألونني عن دم البعوض وقد قتلوا الحسين وسمعت النبي ﷺ يقول: (هما ريحانتاي في الدنيا). ونقل بعض النقول عن بعض السلف، هي أمثله على هذا النوع، من ذلك والكلام لا يزال لـ ابن رجب: وسأل رجل بشر بن الحارث عن رجل له زوجة وأمه تأمره بطلاقها، فقال: إن كان بر أمه في كل شيء، ولم يبق من برها إلا طلاق زوجته فليفعل، وإن كان يبرها بطلاق زوجته ثم يقوم بعد ذلك إلى أمه فيضربها فلا يفعل. وسئل الإمام أحمد ﵀ عن رجل يشتري بقلاً ويشترط الخوصة، يعني التي تربط بها حزمة البقل -والمعنى أنه عندما يشتري البقل وهو مربوط بخوصة يشترط على البائع من تدقيقه في الورع أن الخوصة له لأنه في الأصل اشترى البقل ولم يشتر الخوصة- قال أحمد: أيش هذه المسائل، قيل له: إنه إبراهيم بن أبي نعيم، قال أحمد: إن كان إبراهيم بن أبي نعيم فنعم، هذا يشبه ذاك. يعني أن إبراهيم مشهور بالورع والتقوى والصلاح فيحتمل منه هذا الأمر. أما الذين لا يتورعون عن الحرام فينكر عليه الإمام أحمد، والإمام أحمد من هو في الورع والتقوى والصلاح، فيأتينا نقل الآن عنه أنه يتورع عن أشياء ثم ينكر على غيره التورع عنها. قال: وإنما أنكر أحمد هذه المسائل ممن لا يشبه حاله، وأما أهل التدقيق في الورع فيشبه حالهم هذا، وقد كان الإمام أحمد يستعمل في نفسه هذا الورع، فإنه أمر من يشتري له سمناً فجاء به على ورقة فأمر برد الورقة إلى البائع. وكان أحمد لا يستمد من محابر أصحابه، وإنما يخرج معه محبرة يستمد منها. واستأذنه رجل أن يكتب من محبرته فقال له: اكتب فهذا ورع مظلم، واستأذنه آخر في ذلك فتبسم، وقال: لم يبلغ ورعي ولا ورعك هذا. ولاحظ الآن الفرق فإنه أنكر على الذي يشترط الخوصة، بينما كان هو يعيد الورقة التي يشتري عليها السمن، وهو ينكر على الذي استأذن في استعمال المحبرة إنكاراً غليظاً ويخبره أن هذا ورع مظلم، في حين استأذنه آخر فتبسم وقال: لم يبلغ ورعي ولا ورعك هذا. يقول ابن رجب: وهذا قاله على وجه التواضع، وإلا فهو كان في نفسه يستعمل هذا الورع، وكان ينكره على من لم يصل إلى هذا المقام، بل يتسامح في المكروهات الظاهرة ويقدم على الشبهات من غير توقف. وهذا الأمر مهم أن نعيه ونحن نورد بعض الروايات مثلاً عن السلف في ورعهم، حتى لا نقع في هذا اللغط، والذي له أحياناً آثار سلبية على نفوسنا، فإننا أحوج ما نكون إلى الورع الواجب، وأحوج ما نكون إلى اجتناب المحرمات الظاهرة الواضحة، وأحوج ما نكون إلى إصلاح قلوبنا، فإذا انشغلنا بهذه الدقائق تركت آثاراً على أنفسنا. أولاً: تشعر أنفسنا بالزهو وهي لم ترق إلى هذا القدر أصلاً، وتشعر باحتقار الآخرين. وأيضاً: تنشغل النفس عما هي أولى به من إصلاح القلب، ومن الورع الواجب.

стр. 1543

نماذج من ورع السلف ونسوق الآن نماذج من الورع، ولا شك أن أولى النماذج ما ثبت عن النبي ﷺ ، ومن ذلك الحديث المشهور في الصحيحين أنه ﷺ : (وجد تمرة في الطريق فقال: لولا أني أخاف أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها). معناه أنها تمرة في الطريق فهناك احتمال بعيد أن تكون من تمر الصدقة. وتضور ﷺ ليلة فقيل له في ذلك فقال: (إني وجدت تمرة مسقوطة فأكلتها فأخشى أن تكون من تمر الصدقة). وقصة أبي بكر الصديق ﵁ مشهورة ترويها عائشة ﵂ حين كان له غلام يأتيه بالخراج، فكان يسأله عن الطعام الذي يأتي به فلم يسأله ذات يوم فقال: ما بالك لم تسألني؟ فسأله فأخبره أنه كان تكهن في الجاهلية ولم يحسن الكهانة فجاء وتقاضى هذا فتقيأ أبو بكر ﵁ ما في بطنه، مع أن هذا الأمر لا يلزمه، والطعام ليس حراماً لأنه أكله وهو لم يعلم بتحريمه وهو معذور كل العذر في ذلك، لكن هذا من ورعه ﵁. ومر عبادة بن الصامت ﵁ بقرية دمر فأمر غلاماً أن يقطع له سواكاً من صفصاف على نهر بردى، فمضى ليفعل ثم قال له: ارجع، فإنه إلا يكن بثمن فإنه ييبس فيعود حطباً بثمن. ونسوق بعض النقول عن السلف في الورع مع ملاحظة ومراعاة أن النقول عن آحاد السلف ليست حجة، فقد يتحفظ على بعض ما ينقل، لكن هذا الورع في الجملة مطلوب، وهذه النقول في الجملة تعطينا صورة عن حال السلف، لكن لا يعني أن كل ما يفعله آحاد السلف فهو حجة وأمر مطلوب من الناس، مع مراعاة القاعدة التي أشرنا إليها قبل قليل. كهمس سقط منه دينار ففتش عنه فلقيه ثم لم يأخذه قال: لعله غيره، لعله غير الدينار الذي سقط مني. ويروي الحسن بن عرفة عن ابن المبارك قال: استعرت قلماً بأرض الشام على أن أرده فلما قدمت مرو نظرت فإذا هو معي، فرجعت إلى الشام حتى رددته على صاحبه. وكان لـ علي بن الفضيل بن عياض -والفضيل بن عياض من الورعين الزهاد وابنه علي كذلك من الورعين وكان توفي ﵀ في حياة والده، وكان والده يتحدث عن ورعه وزهده- كان له شاة أكلت شيئاً يسيراً من علف أمير فما شرب لها لبناً بعده. وسقط من عقدة دنانير فجاء بنخال ليطلبها فقال عقدة: فوجدتها ثم فكرت فقلت: ليس في الدنيا غير دنانيري! فقلت للنخال: هي في ذمتك، وذهبت وتركته. وروى ابن أبي الدنيا في الورع أن امرأة من الصالحات أتاها نعي زوجها وهي تعجن، فرفعت يدها من العجين وقالت: هذا طعامٌ قد صار لنا فيه شريك. لأن هذا الطعام قد صار للورثة. وأخرى أتاها نعي زوجها والسراج يتقد، فأطفأت السراج وقالت: هذا زيت قد صار لنا فيه شريك. هذه بعض النماذج من مواقف السلف والأمثلة على ذلك كثيرة، وحين تقرأ في أي كتاب من كتب التراجم لا تخطئك مثل هذه المواقف وغيرها عن سلف الأمة رضوان الله عليهم.

стр. 1544

الصحوة والورع

стр. 1545

الورع في الجانب الشخصي أخيراً: ننتقل إلى الحديث المهم وهو الصحوة والورع، فتحدثنا حول قضايا لتأصيل الورع وبعض القواعد المهمة فيه، ثم نعود بعد ذلك إلى الحديث عن الصحوة وحاجتها إلى الورع. فنحن أولاً نحتاج إلى الورع في الجانب الشخصي، والسلوك عند الناس، بدءاً بالورع الواجب، وهو ما أوجبه الله من فعل الواجبات، وترك المحرمات. ولعلنا نتساءل بأسى وحزن: أين نماذج العباد الصالحين، الأخيار الأتقياء، التي كنا نسمع عنها في حياة السلف؟ أين صور العبادة والإقبال على الله ، والزهد والورع والخوف من الله وصلاح القلوب؟ أين تلك الأحوال التي سقنا بعضها، والتي نسمع عنها من أخبار السلف، فما بالنا لا نرى نماذج منها؟ وما بالنا عندما نسمع هذه القضايا نشكك في صحتها، أو نشكك في نسبتها، أو نبحث عن المعاذير؟ لأننا لم ترق نفوسنا أصلاً لإدراك هذه المعاني؟ ها نحن نرى جيل الصحوة المبارك وقد ملأ الآفاق، وانتشر بحمد الله وعلا صوته، فهل نرى في جيلنا العباد والزهاد والورعين، نحن لسنا نحكم على الناس، ولا شك أن هذا الجيل فيه خير كثير والحمد لله، لكن أيضاً ألا ترون معي أننا نفتقد هذا الجانب كثيراً في سلوكنا، وأننا أحوج ما ندعو الناس بأعمالنا وسلوكنا. إن المقالة التي يقولها المرء قد تحرك القلوب، وتؤثر في النفوس، وقد تسطر وتتداولها الأجيال، لكنها لا يمكن أن ترقى بحال إلى موقف يقف، وحدث يروى فيترك أثراً عظيماً في النفوس أبعد بكثير من آثار هذه الكلمة المجردة. فلماذا لا نسعى إلى أن نتمثل هذه النماذج في أنفسنا، فنكون كما أننا ندعو الناس إلى ترك المنكرات بأقوالنا وأعمالنا ندعو الناس إلى الإقبال على العلم الشرعي، وعلى طاعة الله بما نقول ونحدث الناس به، ونكون كذلك قدوة في أعمالنا، وفي سلوكنا، وفي صلاحنا واستقامتنا فندعو الناس بأعمالنا وأحوالنا قبل أن ندعوهم بأقوالنا، وأن نكون ممن إذا رءوا ذكر الله .

стр. 1546

تربية الناشئة على الورع الأمر الثاني: تربية الناشئة وجيل الصحوة على ذلك، كما طرحنا السؤال السابق نطرحه مرة أخرى: ما مدى اعتبار هذا الجانب ضمن أهدافنا التربوية، هل نحن نسعى فعلاً جيل ورع، يتصف بصفات التقوى والصلاح والخوف من الله ؟ ألسنا نعاني الآن من كثير من الأمراض التي يعاني منها الشباب ويبحث عن الحل والعلاج والمخرج؟ والعلاج والمخرج هو في الإيمان بالله والصلاح والتقوى. فكم يرى منا الجيل والناشئة من الحديث حول هذه القضايا في مجالسنا وفي دروسنا وفي منتدياتنا، فعلينا أن نحدث الناشئة وأن ندعوهم وأن نربيهم من خلال القول والتعليم والتدريس وأن نربيهم من خلال العمل، والسلوك فيرون فيما نقدمه لهم وفي سلوكنا التورع عما حرم الله. نعم لا شك كما قلت أننا نرى جيلاً من الشباب والناشئة قد أقبل على الخير، وأقبل على طاعة الله ، قد أخذ على نفسه أن يصلح ويغير في واقع أمتنا، وصار الناس يتطلعون إلى هذا الجيل، وينظرون إليه نظرة المحب، نظرة من وقع على كنز كان يبحث عنه. وينظرون إليه أيضاً نظرة المشفق عليه من الانحراف أو الضياع، والمشفق عليه من كيد أعدائه ومكرهم، وهذا دليل على أن الناس قد بدءوا يشعرون أن هؤلاء يمثلون بإذن الله خيط النجاة لهم، وهذا أمر صحيح. لكن أيضاً ينبغي أن نربي هذا الجيل الذي يتطلع الناس إليه على الورع وتقوى الله ، والخوف منه، فإنه يحاط بفتن كثيرة، يحاط بفتن الشهوات، ويحاط بفتن الشبهات، ويحاط بوسائل تصده عن سبيل الله وتفتنه عنه، فنخشى أن يكون من بينهم من يؤمن بالله ويتوجه له لكن تأتيه شهوة من شهوات النفس فتصرفه وتصده. أو يكون بينهم ممن قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠]. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء:٧٧]. إن هؤلاء وأولئك لو تربوا على الورع والإيمان والتقوى والصلاح لسمت نفوسهم، ولاستطاعوا بإذن الله وتوفيقه أن يجتازوا هذا البلاء وهذا الامتحان. أقول: إن الشباب والفتيات وجيل الصحوة تواجهه فتن العصر الحاضر، فتن الشهوات وفتن الشبهات، وكم نرى ممن يتنكب الطريق، وممن يزيغ يمنة ويسرة، ولو عنينا بتربية الإيمان والتقوى والورع في النفوس لكان ذلك بإذن الله حاجزاً وسداً مانعاً من مقارفة هذا الفساد والانحراف، ولكان مانعاً بإذن الله من ضياع هذه النشأة.

стр. 1547

الورع في ترك السكوت عن المنكرات والدعوة إلى الله الأمر الثالث: الورع في ترك السكوت عن المنكرات وترك القعود عن الدعوة. ومن العجائب أن ترى من الناس من يقعد ويسكت ويتخاذل ويرى أن هذا ورع، أي أنه يتورع عن الحديث للناس، والتصدر لهم، ويتورع عن نشر علم آتاه الله إياه، ويتورع عن بيان علم قد علمه الله إياه، لكنه لا يتورع أن يكون ممن قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠]. فمن يتورع عن أن تصيبه هذه الآية، ومن يتورع أن يكون من أهل هذه الآية! إنه قد يتورع أن يقول حقاً رآه أو علمه حتى لا يكون ممن يقول ما لا يفعل، أو حتى لا يعرفه الناس، لكنه ينسى أنه قد يكون ممن يلعنهم الله ويعلنهم اللاعنون، ممن يكتم ما أنزل الله من البينات والهدى، ولا يتورع أن يكون يوم القيامة ممن هو متوعد بأن يلجمه الله بلجام من نار يوم القيامة: (من سئل عن علمٍ فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار). إذاً: فكما أننا ينبغي أن نتورع في كلامنا ومنطقنا، فلا يتحدث المرء إلا بما يعلم، ولا يقول إلا ما يحسن، ولا يدعو إلا بعلم، وأن نؤكد على الناس ذلك، فكذلك يجب أن نتورع عن كتمان العلم، يجب أن نتورع عن كتمان حق نعلمه، ويجب أن نعلم أن ذلك مجلبة للعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وأن ذلك مجلبة لأن يحق على المرء لعنة الله واللاعنين. وقد أخذ الله الميثاق على ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧]. أخذ الله الميثاق على أهل العلم أن يبينوا وأن يتحدثوا، وأن ينكروا إذا رأوا منكراً، وأن يأمروا بمعروف إذا رأوه معطلا. ومن هم أهل العلم؟ إن أهل العلم هم كل من آتاه الله علماً في مسألة من المسائل، فمن علم أمراً من شرع الله وتيقنه فهو من أهل العلم في هذا الميدان، ويصدق عليه قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:١٥٩]. وكان مما بايع النبي ﷺ أصحابه كما في حديث عبادة بن الصامت قال: (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله). وبقية الحديث: (وعلى أن نقول بالحق حيث كنا، لا تأخذنا في الله لومة لائم). فلماذا نجتزئ الحديث ونأخذ الشطر الأول منه ونترك بقيته التي تلزمنا المسلم أن يقول بالحق، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأن ذلك مما بايع النبي ﷺ عليه أصحابه. إذاً: فالقعود عن المشاركة في الدعوة، والقعود عن إنكار المنكرات وعن تعليم ما يحتاجه الناس، وعن نشر العلم، والخير، وعن نشر كلمة الحق التي يحتاجها الناس، عن بيان ما يرى المرء أنه حق؛ القعود عنه هو أعظم إخلال بالورع، وهو مجلبة لاستحقاق لعنة الله ، ولعنة اللاعنين، وهذا من كيد الشيطان لبعض المتدينين والعابدين؛ أن يروا أن من باب الورع والصلاح والتقوى أن يبتعدوا عن هذا الأمر، وينسون أن يتورعوا عن السكوت عن ما حرم الله السكوت عنه.

стр. 1548

تورع الداعية عن القول بغير علم الأمر الرابع: في المقابل أن يتورع الداعية عن أن يقول ما لا يعرف: كما أنه يجب أن يتورع فلا يسكت عن حق يعلمه، ولا يتخاذل عن تعليم ما يعلمه، أو عن أمر بمعروف ونهي عن منكر، فكذلك أيضاً يجب أن يتورع فيما يقول، وأن يعلم أنه يوقع عن رب العالمين، وكما أنه يحذر أن ينطبق عليه قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة:١٥٩]، ويحذر أن ينطبق عليه قول النبي ﷺ : (من سئل عن علم فكتمه) كذلك ينبغي عليه أن يحذر من أن يكون ممن ينطبق عليه قول الله : ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]. أو ينطبق عليه قول الله : ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]. فيتورع أيضاً عن أن يقول أمراً لا يرى أنه الحق، أو لا يوقن أنه حق، وعليه أن يعلم أنه مسئول أمام الله عن كل كلمة يقولها. والمهم في ذلك أن يجتهد، وأن يبذل وسعه، ولو أخطأ في ذلك بعد أن بذل جهده ووسعه فالله يغفر له، بل هو مأجور على اجتهاده. لكن حين تريد أن تقول كلمك تنقل عنك وتسطر عنك، وحين تريد أن تنكر أمراً أو تأمر بأمر فعليك أن تسأل نفسك: هل هذا مما يرضاه الله ورسوله ﷺ ؟ هل هذا مما أمر الله به ورسوله ﷺ ؟ هل هذا من الحق الذي لا مرية فيه؟ أم أن هناك مداخل، وهناك هوى، فقد يسأل الإنسان فيخشى ألا يجيب فيتهم بنقص العلم. أو قد يكون هناك مدخل هوى أو رغبة أو رهبة أو غير ذلك، فعليه أن يتورع أن يتحدث بغير علم، وميدان الدعوة ميدان فسيح يا معشر المسلمين، كثيرة هي الأمور التي نعلمها ونعلم أنها محرمة ولنا فيها ميدان فسيح وواسع، لم تضق الدائرة إلى تلك القضية التي لم تتضح فيها المعالم لنا حتى نتحدث فيها، من من المسلمين يجهل مثلاً أن محبة الكفار وموالاتهم وإعانتهم ونصرتهم ضلال قد توصل المرء إلى الكفر بالله ؟ مَنْ مِن المسلمين يجهل أن تحكيم غير شرع الله كفرٌ بالله ؟ مَنْ مِن المسلمين يجهل أن دعاء غير الله والتوجه له، وأن التوسل بالصالحين والتبرك بآثارهم أمرٌ محرم؟ مَنْ مِن المسلمين يجهل تحريم البدع والسفور والربا والخمر والغناء والظلم والبغي وأكل أموال الناس بالباطل والكذب والغيبة والنميمة، وغيرها من المحرمات الظاهرة التي يعلمها الصغير والكبير؟ أقول: أمامنا ميدان فسيح من هذه الأمور وهذه المخالفات، فينبغي أن نتحدث في مثل هذه الأمور والمنكرات الظاهرة الواضحة. أما دقائق الأمور فحين يعلمها المرء ينبغي أن يتكلم، لكن حين لا يثبت الحكم لديه فله مندوحة، وحين يراجع نفسه ويشعر أن ثمة مأخذ عليه فإنه يتورع ويتركها.

стр. 1549

أمور يخل بها كثير من الدعاة خامساً: وأخيراً وهي من الأمور المهمة والتي يخل بها الكثير من المنتسبين لجيل الصحوة، ونحن لا شك نحسن الظن أن الخطأ يقع فيها من باب الاجتهاد، والكلام هنا عن باب الورع في المسائل الدعوية والأمور الدعوية، ولنأخذ على ذلك مثالين مما يتسع لهما هذا الوقت. الأمر الأول: في الميادين التربوية. كثيراً ما نقع في مخالفات شرعية ظاهرة واضحة، وكثيراً ما ننسى الضوابط الشرعية المهمة لمثل هذه الميادين، ونتصور مثلاً أن المربي أو الأستاذ أو الداعية ينبغي أن يعلم وينبغي وينبغي إلى آخره، ونعطيه صلاحيات واسعة تتيح له تجاوز كثير من الضوابط الشرعية. فالأصل أن أعراض الناس محفوظة، فلا يجوز الحديث عن أعراض الناس ولا ذمهم ولا غيبتهم، وحين تأتي حاجة تبيح ذلك فإنها ينبغي أن تكون محصورة ضمن هذه الدائرة. فأحياناً يغفل المرء عن هذا الأمر فيتوسع في مثل هذه الميادين، وتتحول الحاجة إلى قاعدة عامة، وينسى أن أعراض المسلمين أعراض محفوظة لها حرمتها. ومن هؤلاء من يتربون على يديه، فليعلم أن أعراضهم محفوظة، وأنه ينبغي أن يحفظ أعراضهم، وأن يحفظ حقوقهم، وأنه لا يجوز أن يتحدث في أعراضهم إلا حين تكون هناك مصلحة شرعية ظاهرة تبيح له ذلك، وما سوى ذلك فالأصل أن يحفظ أعراضهم. والأصل أن ذلك داخل تحت قول الله : ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات:١٢]. والتطلع على دقائق أمور الناس وخفاياهم أمر حرمه الله ، فقال: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:١٢]. ونهانا أن نتطلع إلى دواخل الناس، وأخبر ﷺ أنه مأمور بأن يعامل الناس على ظاهرهم، قال: (إني لم أومر أن أنقب عن بطون الناس). وتوعد ﷺ من يتتبع عورات الناس أن يتتبع الله عورته ويفضحه ولو في جوف بيته، فقال: (من تتبع عورات الناس تتبع الله عورته، حتى يفضحه الله ولو في جوف بيته). وهذا نص عام يخاطب كل الناس، يخاطب فيه الطالب والأستاذ والمربي والصغير والكبير، وكون الإنسان يتولى أمراً أو مسئولية لا يعفيه إطلاقاً من النصوص الشرعية، ولا يجيز له أبداً أن يعمل بقانون الطوارئ كما يقال، فيرى أن توليه لهذه المسئولية أو تلك يبيح له تسلق هذه الأسوار وتجاوز هذه الحدود، فهي حدود الله فلا يجوز أن يتعداها. والنبي ﷺ قد أشار إلى هذا المعنى في نهيه ﷺ أن يطرق الرجل المسافر أهله ليلاً، قال: (لئلا يتخونهم يطلب عثراتهم). يعني أن الرجل حينما يكون مسافراً فأحياناً قد يفكر أن يأتي لأهله فجأة حتى يكتشف حالهم، ويكتشف أنه لا يكون عندهم مشكلة أو معصية، أو ألا تدخل زوجه أحداً غريباً في البيت، فينهى ﷺ عن مثل هذا النوع، وينهى عن طلب العثرات وعن تخون الناس، ويقول ﷺ : (من الغيرة ما يحب الله، ومنها ما يبغض الله، فأما الغيرة التي يحب الله فالغيرة في ريبة، والغيرة التي يبغضها الله الغيرة في غير ريبة). فالتطلع على دقائق أحوال هؤلاء لا ينبغي ولا يسوغ، بل لا يجوز، وهذا من باب التطلع على عورات الناس. وينبغي أن نراجع أنفسنا كثيراً في أعمالنا الدعوية، وفي جهودنا ووسائلنا وبرامجنا، هل هي تنضبط بالضوابط الشرعية أم لا؟ ويجب أن نعرف أن كون الإنسان داعية أو مربياً، وكون الإنسان مصلحاً لا يمكن أبداً أن يعفيه من نصوص الشريعة، وأن شأنه شأن سائر الناس، مخاطب بالنهي عن غيبة المسلمين، مخاطب بالنهي عن احتقارهم، مخاطب بالنهي عن التطلع على أسرارهم، وعما وراء ذلك مما قد يظن أن في هذا الأمر مصلحة شرعية، ولو كان به مصلحة لأجاز النبي ﷺ للزوج أن يتطلع على زوجته. ولو كان فيه مصلحة لاستجازه ﷺ ، وقد نهى ﷺ من يخبره عن أصحابه، يقول ﷺ : (ما أحب أن يبلغني أحد عن أحد شيئا). كان إذا أتاه أحد من أصحابه يخبره عن بعض أصحابه لا يرضى ﷺ فنهى أن يخبر أحد عما في نفوس أصحابه، مع أنه قد يقال: إن المصلحة أن يعرف دقائق أمور أصحابه، حتى يصلحهم أو حتى يدعوهم، لكن المسلم والداعية شأنه شأن غيره يتعامل مع الظاهر، والغالب أن الظاهر مرآة للباطن، وأن ما يخفيه الإنسان لا بد أن يظهر على جوارحه، ولهذا لا يجوز له أن يتطلع ويبحث عما وراء ذلك. وقد أشرت إلى أمثلة ونماذج؛ لكن عموماً يجب أن لا يفارقنا الورع في أمورنا التربوية وأمورنا الدعوية، وأن نحسب ألف حساب لعملنا، وأن نشعر أن هذا عمل صالح نتقرب به إلى الله فيجب أن ينضبط بالضوابط الشرعية، وأننا مخاطبون كسائر الناس بالآداب الشرعية، وكون هذا العمل عمل دعوة وتربية وعمل إصلاح لا يعفي بحال من الالتزام بالضوابط والنصوص. وقل مثل ذلك في الأعمال والبرامج الد

стр. 1550

الأسئلة

стр. 1551

البدء بالورع الواجب السؤال ما هي المرحلة والمنزلة التي تسبق الورع للأخذ بها؟ الجواب أصل الورع قضية مبنية على وهم أشرنا إليه في المحاضرة، وهي شعور الناس أن الورع في ترك الشبهات، وقد قلنا في أول القواعد إن يكون واجباً ويكون مستحباً. إذاً: أول قضية الورع عن المحرمات والورع في فعل الواجبات، هذا ضمن دائرة الورع. وهذا لا يعذر فيه أحد من المسلمين؛ لكن كلام السلف عن الورع المستحب.

стр. 1552

حكم إجابة دعوة الوليمة المشتملة على منكر ومصلحة السؤال إذا كان هناك من يتورع عن تلبية الدعوة إذا كانت من شخص لديه منكر في منزله، مع العلم أن ذهابه وإجابة الدعوة قد تكون من باب دعوته إلى الله، فما رأيكم في ذلك، علماً بأن صاحب المنكر قريب له؟ الجواب إذا كان يترتب على ذلك دعوة وتأديب ورأى أن مصلحة ذهابه خير من بقائه، فينبغي عليه أن يذهب، وهذه الأمور توزن بالموازين الشرعية، فقضية أن عنده منكراً لكن سينكر عليه منكراً آخر، أو يتسبب هجره في وقوعه في منكر أكبر منه، كما ترك النبي ﷺ هجر الرجل الذي كان يشرب الخمر، لأن هجره قد يوقعه في ما هو أكبر منه.

стр. 1553

التأثر بسير السلف والعجز عن التأسي بهم السؤال عندما نقرأ سيرة من سير السلف ونتدارسها فإننا نتأثر بما نسمع عنهم وبمواقفهم، وربما تأسينا بهم في مثل هذه المواقف، ولكن ما نلبث أن نرجع لحالنا السابقة، وغلب الواقع وتغيرنا، وسأضرب لك مثلاً. عندما نقرأ أن السلف كان بعضهم لا يسأل أحداً شيئاً، فيعاهد أحدنا نفسه ألا يسأل أحداً شيئاً، ولكن ما يلبث أن يشعر بالغربة فيرجع لسؤال الناس، فنرجو التوضيح. الجواب هذا من منازل الناس العليا في الصلاح، ونحن ينبغي أن نأخذ منهجاً قبل هذا كله، فأقول: كونه لا يسأل الناس شيئاً هذه منزلة عالية، وبايع النبي ﷺ عليها خاصة أصحابه، فأنت حينما تكون أنت عندك مشكلات أصلاً في الثقل عن الواجب والوقوع في الحرام، ينبغي أن تصرف الهمة لعلاج هذا الأمر.

стр. 1554

الفرق بين الورع والغلو السؤال ما الفرق بين الورع والغلو؟ الجواب الورع اتباع المشروع، سواء كان واجباً أو مستحباً، والغلو: أن يتكلف المرء ما لم يرد الشرع به.

стр. 1555

العلاقة بين الورع والزهد السؤال ما وجه الارتباط بين الورع والزهد؟ الجواب سبق أن أشرنا إلى ذلك، وقلنا إن الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يخشى ضرره.

стр. 1556

دقائق الورع التي ينهى المقصرون عنها السؤال عندما ذكرتم القاعدة السادسة، وهي أن دقائق الورع لا تكون إلا لخواص الناس الذين استكملوا الحسنات الظاهرة، وتركوا المحرمات عموماً، وذكرتم أنه على هذا فترك دقائق الورع لأمثالنا من المقصرين خير، فهذا صحيح؛ ولكن هذا يعني أن المقصر إذا كان يستطيعه لا يفعله، ولو كان حتى منفرداً مع محاولة هذا الشخص إكمال نفسه وإصلاحها؟ الجواب إذا كان يستطيع فليتوجه للأمور الأهم، مثل السنن الشرعية المتأكدة في القرآن وقيام الليل والصدقة والإحسان للناس، وترك المحرمات والمكروهات ويبتعد هذا عن الكلام في الدقائق، لا عن ترك المشتبهات، وضربنا أمثلة بإنسان يستأذن في الأخذ من المحبرة أو يعيد الورقة التي اشترى عليها السمن للذي باعه، مثل أن يأتي إنسان فيأخذ (شوارما) يأكله وبعد أن ينتهي يعيد الورقة إلى صاحبها مثلاً، فهذه دقائق الورع. بعض الناس يتصور أن ترك النظر الحرام من دقائق الورع، أو يتصور أن ترك الأمر الذي فيه شبهة من دقائق الورع، وإنما المقصود بدقائق الورع الأمور التي يسوغ للإنسان أن يتركها بكل سهولة. ولهذا أنكر السلف على من فعل ذلك لأن الأمر واسع فيها. فقضية تحرير الدقائق أمر مهم، لأنه مقياس في أن هذه من الدقائق أم ليست من الدقائق.

стр. 1557

التورع عن فعل الخير السؤال عندما يسأل الشيخ طلابه في مجلس ذكر ونحوه، يتحرز بعض الطلاب عن الإجابة مع كونهم يعرفونها، ويرون ذلك ورعاً، وكذلك إلقاء الدرس ودخول المسابقات وغيره يراه البعض ورعاً فما رأيك؟ الجواب هذا ليس من باب الورع، ونحن صراحة بحاجة إلى إبراز الطاقات وإلى تربية النفوس الناشئة، وتعويد الشباب ورفع هممهم. ولو كنا نفكر بهذه العقلية فلن نجد الخطيب ولن نجد من ينكر المنكر، ولن نجد من يدرس ولا من يعلم، ولا من يقضي حوائج الناس، بحجة التورع، وهذه ليست تورعاً فإن ي ﷺ كان يسأل أصحابه وكانوا يجيبون.

стр. 1558

الورع الواجب والورع المستحب السؤال أرجو إعادة ذكر الورع الواجب والورع المستحب وأمثله لكل واحد منهم، وجزاكم الله خيراً. الجواب الورع الواجب هو في ترك الحرام، مثل ترك النظر الحرام، وترك الذهاب إلى مكان يعرف أنه إذا ذهب إليه فإن فيه تبرجاً وسفوراً، فسيرى صوراً فاتنة ومواقف فاتنة وهو لا يملك نفسه، فهذا يجب عليه ألا يذهب، وهذا ورع واجب. وكذلك في فعل الواجبات الشرعية، مثل إنسان أمرته والدته بأمر وهو مشغول أو متعب، فيرى أنه من الورع أن يفعل هذا الأمر الذي أمر به، وألا يخل به لأن هذا واجب. والورع المستحب في ترك المكروهات، والأمور المشتبهة كما أخبر ﷺ ، وهي مشتبهة بالنسبة للناس، وإلا فالشرع كله واضح، لكن بالنسبة للإنسان قد يشك: هل هي حرام أم حلال، وأضرب لذلك مثالاً: من المسائل التي اختلف فيها الفقهاء مسألة الأنفحة في الجبن، فإن من المواد التي يصنع منها الجبن الأنفحة، وأنفحة الميتة هل هي نجسة أم طاهرة؟ هذه محل خلاف. فحين يتورع الإنسان عن هذا الأمر فهو من الورع المستحب، وخاصة قضية المطعم والمشرب فكل ما تورع فيه الإنسان فهو خير، لأن المطعم له أثر في إجابة الدعوة، لكن لو أن إنساناً استقر عنده أن هذه ظاهرة، وأنها لا تتأثر ولا تنجس بالموت، فقد اتضحت عنده الحقيقة، لكن هي شبهة بالنسبة لغيره. ونقول مثل ذلك في معاملاته، فهذه المعاملة قد تكون عندك واضحة أنها مباحة، لكن عند فلان من الناس شبهة، فلهذا قضية الشبهات قضية نسبية بالنسبة للناس، يعني أنه قد يشتبه الأمر على أحد الناس دون غيره، أما في الجملة فلا بد أن يكون الحق قد قال به أحد الناس: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين).

стр. 1559

حكم ترك المسئولية خوفاً من المساءلة يوم القيامة السؤال هل ترك المسئولية في العمل والنزول إلى عمل ليس فيه مسئولية، والقصد من ذلك الخوف من الله في يوم العرض أن يسأله عن الغير؛ هل هذا نوع من الورع المذموم أو المرغوب؟ الجواب يختلف هذا الأمر، إذا كان يوجد من أقرانه من يقوم به، فحينئذٍ ينبغي أن يتورع، وهذا الخوف من تحمل المسئولية. لكن حينما يكون الناس الآخرون سيئين، كما لو كان هناك متدينون وعلمانيون فلا ينبغي للصالحين التورع وترك الأمر لأولئك الفجار السيئين، بل حينما يكون البديل رجلاً فاجراً يجب أن نزاحمه، بل من الورع الدخول في هذا الميدان، والورع عدم ترك هذه الميادين لهؤلاء، وينبغي أن نتجاوز هذه العقلية. وأعمال السلف تختلف، وهناك قاعدة مهمة -واسمحوا لي ولو استطردت في هذه القضية- لأنه كثيراً ما يحتج الناس بأقوال السلف، وأقوال السلف تختلف: أولاً: أقوال آحاد السلف ليست حجة مطلقاً، بل يجب أن تعرض على الكتاب والسنة. ثم أقوال آحاد السلف ليست هي منهج السلف، أحياناً إنسان يقول: هذا منهج السلف، أو هذا خلاف منهج السلف، ثم يختار من أقوال السلف ما يؤيد الكلام الذي يقوله، ويترك بقية الأقوال. فمنهج السلف أن تجمع كل أقوالهم ثم تناقش القضية على ضوئها، لا أن تختار الأقوال التي تؤيدها ثم تقول هذا منهج السلف، فهذا غير صحيح. ثم القضية المهمة التي هي موضع الشاهد هنا: أن السلف عاشوا عصراً، له ظروف معينة، وأوضاع معينة، فحينما يقول أحدهم كلاماً، ويفعل عملاً فإنه ينطبق على عصره، وعلى موطنه، فلا نسوق الكلام الذي قاله ونطبقه على عصرنا، فمثلاً: من السلف من عاش في بلاد المغرب أو مصر تحت حكم العبيديين، وقد كانوا باطنيين وكفاراً، فهذا سيكون له قول فيهم غير قول الذي عاش عند هارون الرشيد، أو عند أبي جعفر المنصور، أو غير قول الذي عاش عند عمر بن عبد العزيز، هناك من عاش في المدينة بين الصحابة وبين أبناء الصحابة، وهناك من عاش في الأندلس، وهي بلاد بعيدة وحديثة عهد بالإسلام، فوضع هذا غير وضع ذاك، والأقوال التي يقولها هذا غير الأقوال التي يقولها ذاك. فالشاهد أن أقوال السلف مع أنها يجب أن نحفظها ونعنى بها، لكن يجب أيضاً أن نضع في الاعتبار العصر الذي قيلت فيه. فهذا حينما يتورع عن توليه المسئولية سيخلفه غيره ومن هو خيرٌ منه، وربما من هو من دونه لكنه فيه خير وعلم وفيه صلاح. لكن ما كان أحد من السلف في مسؤلية فيتخلى عنها وهو يعرف أنه سيتولاها علماني، أو رجل صاحب شهوات، لا، لأن القضية تصير كما قال يوسف: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥].

стр. 1560

ترك العمل خشية الرياء السؤال عندما أعمل خيراً أحس أني أفعل الرياء، وعندما أحاول أن أتخلص منه لا أستطيع التخلص منه؟ الجواب إحساسك بالرياء دليل إن شاء الله أنه من العمل الخالص لله، لأن المرائي أصلاً مرتاح من العمل، ويتمنى من الناس أن ينظروا إليه، هذا نوع من الرياء، ونحن نتهم أنفسنا ونراجع أنفسنا ونسأل الله الإخلاص، ولكن لا تترك العمل خوفاً من الرياء، بل اعمل وأخلص النية لله . وقد قيل: من رأى إخلاصه في إخلاصه فهو غير مخلص. يعني: من رأى أنه مخلص فإخلاصه يحتاج إلى مراجعة، والسلف عندهم دقائق وعبارات جميلة حول هذا كما كانت تقول رابعة الشامية: أستغفر الله من قلة صدقي في قولي أستغفر الله. وكانوا يقولون: استغفار يحتاج إلى استغفار، أي: أننا يجب أن نستغفر لاستغفارنا، لأنا غير جادين في الاستغفار. فكذلك الشعور بالإخلاص لأن المخلص يجب ألا يشعر بهذا، فعلى السائل أن يجاهد نفسه، لكن لا يترك العمل لأجل خوف الرياء.

стр. 1561

حكم الإنكار على الورع وتسميته تنطعاً السؤال نظراً لاختلاف المقاييس بين جيلنا والسلف فإنه ينكر على الشاب كثيراً عندما يريد أن يتورع، ويكون هذا الإنكار من الشباب الملتزمين على أنه تنطع، فما رأي فضيلتكم؟ الجواب أحياناً يقال لمن حافظ على صلاة الفجر: إنه متنطع ومتفرغ، الذي يطالب بتغطية وجه المرأة يقال له أيضاً هذا تنطع. وهذه مقاييس واسعة، لكن ميزان كل إنسان يكون على حسب دينه وتقواه وورعه، وهو يحس أنه في الوسط، وحس أن الذي أتقى منه غلاة ومتشددون ومتورعون، وكثيراً ما نسمع هذا الكلام. وللأسف أن بعض الصالحين الأخيار عندما يرى إنساناً يتورع عن شيء يقول هذا متشدد، ونحن نقول: على الأقل المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، وهو قد اختار هذا القول. وكم سمعت من كثير من الشباب من يحكم على شخص بأنه متشدد، وهو اتبع مسألة فيها خلاف معتبر، فما دامت المسألة فيها خلاف ورأي معتبر، وهذا اتبع رأياً من آراء: هل العلم، وعنده دليل الكتاب والسنة، فيجب ألا تصفه بذلك، بل هو احتياطاً يا أخي تورع. وأما متى يكون الإنسان متشدداً، فذلك حينما يتورع عن حلال ليس فيه شبهة أصلاً، بل هو حلال واضح. حينها يكون الإنسان متشدداً فعلاً وغير متورع. أما حين يتورع عن أمر فيه إشكال وفيه شبهة فلا. ثم أيضاً هناك فرق بين السلوك الشخصي وبين التحريم والتحليل وإفتاء الناس، فأنا قد أتورع عن طعام في شبهة فأتركه؛ لكنني لا أعتقد تحريمه، ولا أنهى الناس عنه، لكن أتركه تورعاً مثلما ترك النبي ﷺ التمرة التي رآها وخشي أن تكون تمر الصدقة، مع أنه ﷺ لا يعتقد أن هذه محرمة، ولم ينه من تحرم عليه الصدقة أن يأكل من مثل هذا التمر الذي يجده، بل هو حلال له لا شك فيه.

стр. 1562

اعتزال الساحة الدعوية لما فيها من خلاف السؤال هذا سؤال طويل حول قضية الخلافات في الساحة الدعوية، ثم يقول: رأيت أن أعتزل الجميع، فهل عملي هذا تورع مشروع؟ الجواب لا، بل هذا من مداخل الشيطان، إذا وصل الإنسان إلى حالة اختلطت فيها الأمور عليه فصارت في ليل مدلهم لا إذا أخرج يده لم يكد يراها، حينها يمكن أن يعتزل. أما هذه فعليه أن يتبع أقرب الناس إلى الحق، ويسدد ويقارب، أما اعتزالك هذه الميادين الدعوية، واعتزالك من مشاركة أمور الخير، فهو مدعاة لأن تترك الصلاح، وتفوت عنك أبواب كثيرة من أبواب الخير. وقد ترى أموراً عند بعض الناس لا تقرهم عليها، مثلاً: يأتينا شخص يعيش في بلاد بعيدة عندهم مخالفات وعندهم بدع، ويسألنا عن عمله هناك في جماعة فيها خير وفيها صلاح لكن عندهم مخالفات وعندهم أخطاء، فنقول له: شاركهم واعمل معهم، واجتنب ما عندهم من الأخطاء، لأنه لا يوجد البديل، وعندما يبقى لوحده يمكن أن يضيع وتتخطفه الشهوات، ولذا يحتاج الإنسان إلى من يعينه حتى يجتنب ما يرى أنه مخالفة شرعية. وعملك مع هؤلاء ومشاركتك معهم لا يعني أن توافقهم في كل صغيرة وكبيرة. ونكتفي بهذا القدر، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المتورعين الصالحين المتقين، إنه سميع قريب مجيب. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 1563

اليأس لا يصنع شيئاً يتدفق هذا العصر بسيل جارف من وسائل الإعلام والتواصل، وأكثر ذلك مما يوظف في إفساد الأخلاق ونشر الرذيلة، مع ما تتمتع به دول الأعداء من السيطرة على الإعلام والمال، وهذا قد أدى ببعض دعاة الفضيلة وحملة الإسلام إلى أن يدب اليأس في قلوبهم، وهذه المادة تعالج ذلك وتبعث الأمل في نفوس اليائسين.

стр. 1564

عوامل انتشار اليأس

стр. 1565

انتشار الفساد وغربة الدين إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله. أما بعد: تسيطر على حياة كثير من المسلمين اليوم سحابة قاتمة من اليأس، ويشعر طائفة منهم أن الواقع الذي يعيشونه اليوم واقع لا مناص لهم منه ولا خلاص، سواء كان هذا الأمر على مستوى الأفراد، أو على المستوى الأمة والمجتمعات، فكثير من المسلمين يشعر أن واقعه لا يمكن أن يتفق مع ما يقتنع به، وما يرى أنه يجب أن يكون عليه، ويصل به الأمر إلى اليأس من تغيير هذا الواقع الذي يعيشه. إنك حين تدعوه وتناصحه يخبرك أنه يعلم علم اليقين أن هذا الواقع الذي يعيشه لا يرضي الله تعالى، يعلم علم اليقين أنه على خطأ، لكن قد سيطر عليه اليأس من تغيير واقعه، إنه يقول لك بلسان حاله وربما بلسان مقاله: إنني أعرف أن الحق خلاف ما أنا عليه، لكنني لا أستطع أن أغير ما أنا عليه. والأمر يتجاوز ذلك إلى واقع الأمة وواقع المجتمع، واليوم لست بحاجة إلى أن تقنع أحداً من المسلمين بسوء واقع الأمة وسوء حالها، لكن هذا قد أدى بطائفة من المصلحين، بل طائفة من الغيورين الصادقين إلى أن سيطر عليهم اليأس، وأدركهم القنوط، وشعروا أن الأمر قد خرج عن طوقهم وإرادتهم. وهذا اليأس الذي سيطر على كثير من المسلمين اليوم أدت إليه عوامل عدة: أول هذه العوامل: انتشار الفساد وغربة الدين: من يتأمل واقع مجتمعات المسلمين اليوم يجد أن مظاهر الفساد قد انتشرت في حياة المسلمين، فالمنكرات الظاهرة أصبحت معلماً بارزاً وظاهراً في بلاد المسلمين، بل أصبح إنكارها تدخلاً في شئون الآخرين، وأصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً في مجالات وجوانب كثيرة من حياة المسلمين، بل إن بعض المسلمين يستنكر ويستنكف ويعترض عليك حين تنكر عليه مخالفته لما شرع الله ، وامتد الأمر إلى المراجعة والمناقشة في مدى شرعية هذه الأمور، وبدأ الناس يعيدون قراءتهم للأحكام الشرعية والنصوص الشرعية؛ لأجل أن يشعروا أو يقنعوا أنفسهم أن هذا الواقع الذي يعيشونه واقع شرعي. وقد أخبر النبي ﷺ عن حال هذا الدين بقوله: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء). انتشار هذا الفساد، واستمرار المنكرات، وظهورها في مجتمعات المسلمين وحياتهم أدت بفئة كثيرة من المسلمين إلى اليأس من تغير الأحوال، والشعور بأن هذا الفساد أصبح جزءاً لا يتجزأ من واقع المسلمين وحياتهم.

стр. 1566

اتجاه التغير وحركته العامل الثاني: اتجاه التغير وحركته: صحيح أن الواقع اليوم فيه فساد، لكن يزيد ذلك أن الاتجاه يسير إلى مزيد من الانفتاح على الفساد، ويسير إلى مزيد من الغربة، وحين يقارن المسلم واقع مجتمعه اليوم بما كان عليه قبل عشر سنوات يجد أن الاتجاه يتجه نحو الفساد، والأمة تسير نحو مزيد من التغريب، ولهذا فكأنه يقول: إنك تريد أن تعكس هذا الاتجاه، وتسبح ضد التيار، وهذا أمر مستحيل.

стр. 1567

المتغيرات الجديدة أمر ثالث: المتغيرات الجديدة وهي تنذر بمستقبل لا يعلم حاله إلا الله ، في ظل عصر العولمة، وعصر الانفتاح على العالم الآخر، ستزول خصوصية المجتمعات المحافظة، المجتمعات المنغلقة، المجتمعات المتدينة، ستنفتح على العالم الآخر بكل ما فيه. إن مجتمعاتنا اليوم تعيش انفتاحاً على المجتمعات الأخر من خلال التواصل المباشر عن طريق السفر والاحتكاك بالمجتمعات الكافرة والمجتمعات الغربية، أو من خلال وسائل الاتصال والمواصلات، لكن هذا الاتصال سيصبح بالنسبة لما يستقبل سيصبح لا شيء، فسيصبح الإنسان وهو في غرفته في قرية منعزلة ليس بينه وبين أن ينفتح على العالم بكل ما فيه من ثقافة، أو ملة، أو نحلة، أو دين، ويخاطب أي رجل، ويتعامل مع أي مجال وباب من أبواب الشهوات أو الشبهات؛ ليس بينه وبين ذلك إلا مجرد ضغطة زر، فالحاسب الآلي سينفتح على هذا العالم. ومع اتجاه العولمة والانفتاح ستذوب هذه الفوارق، فتصبح سيطرة المجتمعات ومحافظتها أقل مما هي عليه من ذي قبل، بل ستصبح سيطرتها محدودة في ظل هذا السيل الجارف من الغزو العالمي، إن في البعد الثقافي للعولمة وخطورته، أو في البعد الاجتماعي والذي ينادي أول مبادئها بالتحرر من القيم والأخلاق والروابط الاجتماعية. مبدأ الأسرة مبدأ غير وارد في ثقافة العولمة، الأسرة يمكن أن تكون من ذكر وأنثى، الأسرة يمكن أن تكون من ذكرين، الأسرة يمكن أن تكون من أنثيين، أي إنسان حر في أن يختار نوع العلاقة ونوع الأسرة التي ينشئها، الإنسان حر في أن يتصرف ويفعل ما يشاء، هذه من أبسط المبادئ مبادئ العولمة الجديدة التي ستكتسح بلاد ومجتمعات المسلمين. أيضاً: الجانب الاقتصادي، وخلفياته وآثاره: الجانب الاقتصادي سيؤذن بمزيد من الانفتاح على الشركات الأجنبية، والشركات العالمية، وسيحتك المسلمون بالآخرين والمجتمعات الأخرى، لن تكون هناك قيود على حركة الأفراد، لن تكون هناك قيود على حركة السلع، وما يصاحب النشاط الاقتصادي من حركة الإعلان والدعاية، والتي لا تخلو من قيم، ولا تخلو من معان وافدة تعكس ثقافة وقيم المجتمعات التي نشأت فيها، أيضاً هي الأخرى سوف تغزو مجتمعات المسلمين المحافظة البعيدة عن هذا العالم. آثار الوضع الاقتصادي الجديد على واقع دول العالم الإسلامي وهي تعيش في منظومة دول العالم الثالث، وضعف الفرص التنافسية للمجتمعات والأفراد في ظل هذا الغزو الاقتصادي، هذه الآثار ستولد متغيرات اجتماعية ومتغيرات ثقافية جديدة. زوال القيود على حركة الثقافة والمطبوعات وما يتعلق بها، كل هذه الأمور تؤذن بتحول وتغير جديد، ولئن عاشت -مثلاً- بلاد الخليج تحولاً مع اكتشاف النفط، فإنها ستعيش تحولاً لا يقارن مع عصر العولمة العصر الجديد. أقول أيضاً: هذا مما يزيد اليأس عند طائفة من الناس، فالواقع فيه فساد، الاتجاه يسير نحو الفساد، المتغيرات المتوقعة في المستقبل تؤذن بفساد أوسع وأكبر.

стр. 1568

مواقع قوى التغيير الأمر الرابع: مواقع قوى التغيير: هناك قوى تغيير في المجتمع، هناك قوى تقود المجتمع نحو الصلاح، قوى تتمثل في الاتجاهات التي تسعى لإصلاح المجتمعات والعودة بها إلى المنهج الشرعي، وهناك قوى تسير بها وتدفعها نحو التغريب، وهي قوى شتى متباينة ومختلفة في مدارسها، لكن نستطيع أن نصنفها في معسكرين: المعسكر الذي يريد أن يعيد المجتمعات إلى أصالتها وإلى منهجها الشرعي، والقوى التي تريد أن تقود المجتمعات إلى الفساد، حينما نقارن بين اتجاه وقوى الإصلاح واتجاه وقوى الفساد، ننظر ماذا يملك هؤلاء من الإمكانات والوسائل، وماذا يملك أولئك؟ وما هي الفرص المتاحة لهؤلاء والفرص المتاحة لأولئك؟ والقضية ليس فيها مجال للمقارنة، وليس فيها مجال أن توازن بين هذا وذاك، ولا أن تقول: إن هذا الاتجاه أو الاختيار أقوى وذاك أقوى، إن هذا الاتجاه لا يساوي شيئاً بالنسبة لهذا التيار الجارف، فرؤية مواقع قوى التغيير أيضاً تزيد هؤلاء يأساً، فالقوى التي تدفع المجتمع للفساد أقوى وأكبر وأكثر ضغطاً، بينما القوى التي تشدهم إلى الأصالة، وتريد أن تعود به إلى الأصالة قوى ضعيفة هزيلة.

стр. 1569

إخفاقات الصحوة وأمراضها الأمر الخامس: إخفاقات الصحوة وأمراضها: قامت الصحوة الإسلامية في وقت كان لا يتوقع الأعداء أن تقوم، قامت هذه الصحوة وقدمت خيراً للأمة، وأعادت للأمة الاعتزاز بالإسلام، والشعور بأن الإسلام يمكن أن يحكم حياة الناس المعاصرة، وأحيت العلم الشرعي، ومظاهر التدين، حتى أصبحت ظاهرة لا ينكرها أحد، وقوى اجتماعية لا يستهان بها. لكن حين يتأمل هؤلاء في واقع الصحوة فإنهم سيجدون إخفاقات وأمراضاً ومشكلات، وهي أمراض لم تعد سراً اليوم، فمن أمراض العمل الإسلامي الخلاف والتفرق، وضآلة الوعي حيث إن كثيراً مما تتعامل به الصحوة ليس على مستوى الواقع، وليس على مستوى التغيير. أقول: هناك أمراض وضعف وإخفاقات مرت بها الصحوة، تزيد هؤلاء يأساً وإحباطاً. هذه العوامل الخمسة حين تضيف إليها طريقة تفكير هؤلاء، والتي دائماً تنظر إلى الجانب المظلم، والحديث الذي يتألم على واقع الأمة، وغالباً ما يكون حديثاً ناقداً متشائماً، هذه العوامل أدت إلى بروز ظاهرة اليأس وسيطرته، والأمر يهون حين يكون الشعور باليأس عند فئة محدودة من المسلمين، لكنك تجد أن هذا اليأس يتسرب إلى فئة ممن ينتظر منهم أن يشاركوا في التغيير والإصلاح، وتجد أن هذه اللغة تسيطر وتسود في كثير من مجالس الصالحين، فلا يكادون يتحدثون إلى عن الأمراض، الفساد، الانحراف، التغير الهائل المحدث. أقول: هذه العوامل والمتغيرات صحيحة ولا إشكال فيها، لكن النتيجة التي أدت إليها هي التي تحتاج إلى أن نناقشها في هذا اللقاء.

стр. 1570

أضرار اليأس ومشكلاته

стр. 1571

اليائس لا يصنع شيئاً اليأس أيها الإخوة! يولد مشكلات عدة وآثار عدة: أولها: أن اليائس لا يمكن أن يصنع شيئاً. اليأس لا يدفع إلى العمل، اليأس لا يحرك ساكناً، اليأس لا يثير همة، بل غاية ما يتركه على صاحبه أن يجلس ينتظر النهاية التي تنتظره. لو أن إنساناً في هذا المكان فشب فيه حريق، وسيطر عليه شعور بأنه ليس هناك مخرج، فماذا يصنع؟ لن يصنع شيئاً، لن يفكر، لن يحتال، سيبقى ينتظر الموت، وهي النهاية التي تنتظره، وهكذا اليأس. إذاً: حين يسيطر علينا اليأس، وحين نسعى إلى غرس اليأس في نفوسنا وفي نفوس الآخرين، من حيث نشعر أو من حيث لا نشعر، فإننا لن نصنع شيئاً. أحياناً نتصور أن مزيد التألم على الواقع، وأن ارتفاع حدة السخط على الواقع والتضايق منه دليل على الغيرة، وأن هذا ربما يكون أكثر دفعاً للإصلاح. نعم، المسلم المؤمن يغار لحرمات الله، يتحرك قلبه إذا رأى المنكرات، إذا رأى الفساد، لكن هذا ينبغي أن يقف عند حد معين، فإذا تجاوز ذلك وزاد لا يمكن أن نحرك ساكناً، حتى في أبسط المواقف، خذ على سبيل المثال منكراً محدوداً عند شخص معين -فضلاً عن قضية تتعلق بالواقع- فحينما ترى شخصاً يقع في منكر، وتهم أن تناصحه وأنت يائس من استجابته فلن تندفع إلى العمل، ولن تعمل، ولو افترضنا أنك تجرأت وأتيت لتناصحه، أو تنكر عليه هذا المنكر، فإنك غاية ما تقوم به وغاية ما تفعله أن تسجل موقفاً فقط أنك اعترضت، أن تسجل أنك قلت كلمة، أما أن تعمل وأنت تنتظر التغيير فهذا لا يمكن أن يحصل مع حال اليأس. إذاً: فاليأس لا يصنع شيئاً، ولا يدفع إلى العمل.

стр. 1572

اليأس يقضي على الاتجاه نحو الإصلاح ثانياً: اليأس يقضي على أي اتجاه نحو الإصلاح والتغيير: حين يفكر الإنسان بالتغيير سواء في واقعه هو، أو في واقع أسرته، أو في واقع أكبر كواقع المجتمع والذي نأمل ونتمنى أن يحمل هذا الهم المسلمون جميعاً، وأن يشعروا أنهم مسئولون عن تغيير واقع مجتمعاتهم، وأنهم قادرون على هذا التغيير. أقول: حين يسيطر اليأس على الإنسان فإنه لا يمكن أن يفكر في التغيير، ولا يمكن أن ينطلق نحو التغيير.

стр. 1573

اليائس يثبط من حوله الأمر الثالث: اليائس يثبط من حوله: اليائس لا يقف ضرره على نفسه إنه يثبط الآخرين، فتراه دائماً يتحدث مع الآخرين أنه لا أمل، ويقول: أنت تتعامل مع واقع محدود والسيل جارف، والأمر أكبر مما تتصور، فلا تشغل نفسك بمثل هذا الأمر، فانشغل بخاصة نفسك، أو انتظر حتى تحصل تغيرات، أو أمور أخرى غير محسوبة. واليائس يئد المشاريع والأفكار الطموحة، فأحياناً تثار أفكار ومشروعات فيها نوع من الطموح، مشروعات فيها تميز، مشروعات يتوقع منها أصحابها أن تنتج وتثمر، وهذه المشروعات حين تثار في مجتمع اليائسين فإنها توأد، لأن هؤلاء ينظرون إلى جوانب الفشل في هذه المشروعات، ويتنبئون بفشل مثل هذه المشروعات وهذه الأعمال قبل أن يتنبئوا بنجاحها.

стр. 1574

الفهم الخاطئ للأحداث الأمر الرابع: اليأس يولد نفسية تفهم الأحداث فهماً خاطئاً، ويؤثر على تفكير صاحبه، فتراه يفترض مخاطر لم تقع أصلاً، ويتوهم أموراً لم تقع، وتتحول الأوهام عنده إلى حقائق، وتصبح الأحلام واقعاً ملموساً لدى هؤلاء، هذا على مستوى ما لم يقع. أما على مستوى الأحداث التي تقع فهو يفهمها فهماً آخر يتفق مع نفسيته اليائسة التي سيطر عليها الوهن، تسيطر عليه دائماً النظرة التآمرية، يشعر أن هذه الأحداث مؤامرة، وأنها مؤامرة ضخمة، وأنها قد حيكت خيوطها، ودبرت بليل. فكل حدث يتوقع ما لم يحدث، والحدث الذي يحصل ولو كان حدثاً عفوياً يفهمه بصورة تتفق مع طريقة تفكيره، لأن الإنسان في طريقة نظرته للأحداث لا يمكن أن يتخلص من طريقة تفكيره، لا ينظر إلى الأحداث كما هي، لا ينظر إليها نظرة موضوعية، أو نظرة محايدة، إنما ينظر إليها من خلال نفسيته وطريقة تفكيره، فالإنسان اليائس ينظر إليها نظرة يائس، والإنسان المتفائل ينظر إليها بروح التفاؤل، الإنسان سيئ الظن ينظر إليها بنظرة الريبة، والإنسان حسن الظن ينظر إليها بنظرة أخرى. يندر أن ينظر الإنسان وأن يتعامل مع الأحداث تعاملاً موضوعياً، وأن يتعامل معها كما هي، فاليائس يتخيل ما لم يحدث، والأحداث يفهمها على خلاف ما هي عليه، يبالغ في تصور المؤامرات، حتى تجد أنه يخرج لك بنتائج لا تتفق مع مستوى عقله وتفكيره. قبل أيام سمعت حديثاً من شخص درس في بلاد الغرب، يقول لي: إن الإنترنت كلها مؤامرة للتجسس على المسلمين، وكلها مؤامرة للدخول على خصوصيات المسلمين. فانظر هذا المستوى من التفكير، ومثل هؤلاء لا يمكن أن يعملوا، ولو عملوا عملوا بروح الفشل والهزيمة، والشعور بأن كل صيحة يمكن أن تدور عليهم وتصبح عليهم. الأمر الخامس: أن هؤلاء اليائسين يفهمون الأحداث المبشرة فهماً يتفق مع نفسيتهم، فهو يشكك في صحة الأخبار السارة، فعندما يأتي خبر سار يشكك في صحته، أو يهون من شأنه. إنك مثلاً حين تحدثه عن الصحوة وانتشارها، فإنك تراه يهون من شأنها، ويقول لك: إن هذه الظاهرة محدودة وضعيفة وهزيلة وفيها أمراض، فهي من حيث الحجم أقل مما تصورون، ثم هي من حيث الكيف ومن حيث المحتوى ضعيفة وضئيلة، وأقل من أن تواجه وو إلى آخره. بل حينما تحصل مثلاً أخبار سارة تجد أنه يبحث لها عن تفسير يتفق مع طريقة تفكيره، فيشكك في الدوافع التي كانت وراء هذه الأحداث، تارة يتصور أن هذا استدراج من العدو حينما يعطي مثل هذه الفرص، ويقول: إن هذه مؤامرة يراد من خلالها الانقضاض أو كشف صفوف الأخيار إلى آخره. المهم أن هذه الروح تسيطر على أمثال هؤلاء، تسيطر عليهم فيما لم يقع من الأحداث، فيتوهمون ما لم يقع، تسيطر عليهم في الأحداث السيئة فيبعدون في تفسيرها، ويبالغون في تضخيمها. أيضاً اليائس في تقويمه ينظر في المشروعات والأعمال إلى السلبيات فقط، ويضخم السلبيات والأخطاء، وفي المقابل يتغاضى عن الإيجابيات والمشاكل، حين يقيِّم أي ظاهرة تجد أن نظره دائماً يتجه نحو السلبيات والأخطاء، والجهد البشري لا يمكن أن يسلم من الخطأ أبداً، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات، فـ (كل بني آدم خطاء) كما أخبر النبي ﷺ ، والمرء لابد أن يذنب، ولابد أن يقصر، والقصور صفة ملازمة للبشر أياً كانوا. وهذا لابد أن يظهر أثره على مستوى المشروعات العامة، لأنها نتاج أعمال البشر، ونتاج تفكير البشر، ولهذا هي لا تسلم من أخطاء وقصور وضعف البشر. المجتمعات أيضاً حينما تحللها إلى وحداتها الأولية فهي مجموعة الأفراد الذين يبقى القصور والضعف أمراً ملازماً لهم، ولهذا فأي عمل بشري لا يخلو من قصور، ولا يخلو من الضعف، وتأمل هذا في واقعك أنت وحياتك حينما تقوم بمشروع ثم تنهيه، وعندما تعود إليه بعد فترة ستجد أنك وقعت في أخطاء، فأنت حينما تكتب مقالة أو كلمة أو تكتب كتاباً أو تلقي كلمة، وتعود مرة أخرى فتقرأ ما كتبت، أو تستمع إلى ما تحدثت عنه، ستجد فيه أخطاء، ستجد فيه قصوراً، ستجد أنك لو عدت من جديد لتكتب أو لتنفذ هذا المشروع، فإنك ستنفذه بصورة غير تلك التي قمت بها، وهذا من شأن البشر، وهو أمر ملازم لهم. إذاً: فأي عمل بشري وأي جهد بشري لابد أن يكون فيه قصور، ولابد أن يكون فيه سلبيات، واليائس ينظر إلى هذا الجانب المظلم السلبيات ويضخمها، ويتغاضى عن الإيجابيات ويهون من شأنها ويقلل من شأنها. إذاً: أيها الإخوة! سيطرة اليأس تخرج لنا في النهاية أفراد محبطين غير عاملين، أفراداً لا يمكن أن يصنعوا شيئاً، وحين يسيطر على المجتمع فإن المجتمع سيستلم ولن يسعى للتغيير، وإذا لم يقتنع الأفراد بأنهم يستطيعون أن يغيروا واقعهم، وإذا لم تقتنع المجتمعات بأنها تستطيع أن تغير واقعها، فإن التغيير الذي نريده وننتظره لا يمكن أن يحصل.

стр. 1575

وسائل التخلص من اليأس كيف نتخلص من اليأس؟

стр. 1576

العلم بأن اليأس مذموم أولاً: ينبغي أن ندرك أن اليأس مذموم، ولا يأتي إلا في مقام الذم عند الناس. الناس حين يتخلصون أحياناً من ضغط الواقع ومؤثراته، ويفكرون تفكيراً مجرداً؛ فإنهم يرون أن وجود جذوة من الأمل والتفاؤل أمر مطلوب ولابد منه، فأن يعمل المرء ولا ينجح خير من أن يكون يائساً لا يصنع شيئاً ولا يعمل شيئاً. واليأس لم يأت في نصوص الشرع إلا في مقام الذم والعيب، بل حين يصل بالإنسان اليأس إلى يأسه من روح الله ورحمة الله، فإن هذا من صفات الكافرين، كما قال : ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]. وهذا حكاه الله على لسان يعقوب، قاله ﵇ حين أوصى بنيه أن يبحثوا عن يوسف بعد سنين طويلة مرت من يوم ألقوا فيها يوسف في الجب، وتخيلوا أنه قد هلك ومضى، فلما حصل ما حصل، وافتقد ابنه الآخر، قال: ﴿يَا بَنِيَ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٧]، حتى قالوا له: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٨٥ - ٨٦]، وفعلاً كان الأمر كما كان يعلمه نبي الله يعقوب، وكما كان حسن ظنه بالله ﵎. فمن هنا ندرك أن اليأس لا يمكن أن يدفع للعمل، جميل أن ندرك سوء واقعنا، سواءً واقعنا الشخصي أو واقع مجتمعاتنا، ومن المهم أن ندرك حجم التحديات والمخاطر التي تواجهنا، وحجم الانحراف الذي يصيب مجتمعاتنا، لكن ينبغي ألا يتجاوز هذا الإدراك حده؛ لأنه لا يمكن أن يدفعنا للعمل، بل سيدفعنا فيما بعد للقعود والاستسلام. حين ندرك أن اليأس مذموم، ولا يأتي إلى في مقام الذم والعيب، ندرك أن اليأس لا يمكن أن يدفع للعمل، بل هو يدفع للقعود والتواني والكسل، وهذا الإدراك سيدفعنا هذا إلى أن نتجاوز حالة اليأس التي نعيشها.

стр. 1577

الاعتدال في النقد أيضاً من الأمور المهمة: الاعتدال في النقد: أحياناً يكون تفكيرنا تفكيراً متطرفاً، فلا نجيد إلا الإعجاب المطلق المبالغ فيه، أو الذم والنقد والعيب المبالغ فيه، وهذا نراه مثلاً في أقرب صورة محسوسة حينما نتعامل مع الجانب المادي أو الواقع المادي، حينما تقوم سلعة من السلع، وتبحث عن آراء الناس فيها، تجد أنهم يتفاوتون بين من يقول لك: هذه سلعة متميزة، ولا يعلى عليها، ولا يقاس غيرها بها إلى آخره، وبين من يذمها ذماً مطلقاً. فما بالك بما هو فوق مستوى الماديات فيما يتعلق بإصدار الأحكام على الظواهر الاجتماعية، إصدار الأحكام على الظواهر التربوية، إصدار الأحكام على الأفراد، على المجتمعات؛ في هذه الحالة تجد أن الاعتدال تقل مساحته ويزداد التطرف، سواء في هذه الزاوية أو في تلك الزاوية، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم. النقد مطلوب حتى نصحح واقعنا كأفراد، وحتى نصحح واقع مجتمعاتنا لابد من النقد، ولابد أن نمارس النقد الذاتي؛ حتى يؤدي دوره وثمرته، فإما أن ننتقد أنفسنا، أو ينتقدنا الآخرون، لكن النقد ينبغي أيضاً أن يكون بموضوعية واتزان، فحين نبالغ في النقد، ويتجاوز النقد حده، فإن هذا الأمر سيؤدي إلى اليأس. جيء برجل يشرب الخمر إلى النبي ﷺ فجلد، فسبوه، فقال ﷺ : (لا تعينوا الشيطان عليه)، العقوبة الشرعية التي يستحقها أخذها وهي الجلد، حينما يذمونه ويعيبونه ويلعنونه، فإن هذا سيجعل الشيطان يتسلط عليها أكثر كما قال النبي ﷺ . ولهذا قال النبي ﷺ : (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها)، يعني: لا يجمع عليها بين العقوبة الشرعية وعقوبة أخرى، فليقم عليها العقوبة الشرعية التي شرعها الله وهي الحد، لكن لا يؤنبها ويلومها ويثرب عليها. وكذلك نهاهم ﷺ عن أن يلعنوا هذا الرجل الذي شرب الخمر، وأخبر ﷺ أن هذا فيه إعانة للشيطان على أخيهم. هذا على مستوى الأفراد، وعلى مستوى المجتمعات فإن النبي ﷺ ينهى عن المبالغة في ذلك، فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكهم)، فأهلك الناس هو الذي يصل به الحد إلى اليأس من واقع الناس، فيتهمهم بالهلاك. يقول الإمام الخطابي ﵀: معناه لا يزال الرجل يعيب الناس، ويذكر مساوئهم، ويقول: فسد الناس وهلكوا، ونحو ذلك، فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم، أي أسوأ حالاً منهم، بما يلحقه من الإثم في عيبه، والوقيعة فيهم، وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه، ورؤيته أنه خير منهم، والله أعلم.

стр. 1578

النظر في السنن الربانية من الأمور المهمة أيها الإخوة! التي تجعلنا نتخلص من اليأس: النظر في السنن الربانية، وهذا الأمر أمر مهم، من ذلك مثلاً أن ننظر أن هذا الدين جاء من عند الله ﵎ الذي له الخلق وله الأمر، فهو الذي خلق الناس، وهو أعلم بهم، بل هو ﵎ أعلم بالناس من أنفسهم: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]. وشرع الله ﵎ لهم هذا الدين، والله لم يشرع للناس إلا ما يطيقون. وهذا يقودنا إلى نتيجة بدهية أن كل ما أمرنا به الله فهو مما نطيق فعله، وأن كل ما نهانا الله ﵎ عنه فهو مما نطيق تركه والتخلي عنه، ولو عشنا فترة فأنسنا واقعاً سيئاً في ذوات أنفسنا، أو أنسنا منكراً أو معصية داومنا عليها وتخيلنا أنها أصبحت جزءاً منا، فهذا من كيد الشيطان وتلبسيه. وإلا فمادام الله قد نهانا عنها، وحرمها علينا، وكلفنا بالتخلي عنها، فهذا يعني أننا نطيق أن نتجنبها ابتداءً، ونطيق أن نتخلى عنها حينما نقع فيها، وحينما نواقعها، وقد فتح ﵎ لنا باب التوبة، وباب التوبة لا يغلق. هذا على مستوى الأفراد، وعلى مستوى المجتمعات هناك حقيقة مهمة في هذا الدين، وهي أن النبي ﷺ أخبر أن كل نبي كان يبعث إلى قومه خاصة، أما النبي ﷺ فبعث إلى الثقلين الجن والإنس، بعث إلى الناس عامة، فهو ﷺ خاتم الأنبياء، ورسالته خاتمة الرسالات، وشريعته خاتمة الشرائع، فلا نبي ولا رسالة ولا شريعة للناس بعد محمد ﷺ . ومن منزلة هذه الأمة وكرامتها على الأمم السابقة كما قال النبي ﷺ كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، أما هذه الأمة فليس فيها إلا نبي واحد، لكن فيها طائفة منصورة إلى قيام الساعة. جاء هذا الدين من عند الله خير الأديان، جاءت هذه الشريعة خير الشرائع، اختص الله بها خير رسله ﷺ ، واختار الله ﵎ لها خير الأمم هذه الأمة، وجعل هذا الدين رسالة وشريعة للأمة إلى أن تقوم الساعة. وهذا يعني أن البشرية تستطيع في كل الظروف والمتغيرات منذ أن بعث النبي ﷺ إلى أن تقوم الساعة أن تقيم حياتها على أساس هذا الدين، وأن تستوعب كل المتغيرات الجديدة وتقيم حياتها على هذا الدين، وإلا لما كان هذا الدين ديناً خاتماً، ولما كانت هذه الرسالة رسالة خاتمة، لما كان هذا النبي خاتماً للأنبياء لا نبي بعده ﷺ . هذا يعني أن المسلمين قادرون على أن يلتزموا بدينهم، أن يقوموا بهذه الرسالة التي حملهم الله إياها، فهم خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويقودون البشرية للهداية، والأمم الأخرى هي مخاطبة أيضاً بهذه الرسالة. أقول: إدراك هذه القضية البدهية يقودنا إلى هذه النتيجة: أن هذه الأمة، بل البشرية كلها يمكن أن تستقيم على هذا الدين في ظل أي متغير، وفي ظل أي عصر، وفي ظل أي ظروف تأتيها، وأنه لا يمكن أبداً أن يتعارض هذا مع التقدم العلمي والتقني، بل أخبر النبي ﷺ أنه: (لا تزال طائفة من هذه الأمة ظاهرة حتى يأتي أمر الله)، وفي رواية: (حتى يقاتل آخرهم الدجال). صحيح أنه تمر بهم حالات مد وجزر، وحالات ضعف وهوان، لكن ستبقى هذه الطائفة إلى أن يقاتل آخرهم الدجال في آخر الزمان.

стр. 1579

النظر في النصوص التي تبشر بتمكين الدين أيضاً مما يزيل اليأس من النفوس النظر في النصوص الشرعية التي تدل على تمكين الدين وانتصار الإسلام، ومنها ما جاء في كتاب الله من وعد الله ﵎ لعباده المؤمنين، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧]، ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١٤]، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥]. فهذا وعد من الله ﵎ لابد أن يتحقق، والذين في قلوبهم مرض أو الذين يسيطر عليهم ضغط الواقع قد تغيب عنهم هذه الحقائق من وعد الله ﵎ وما أخبر به ، فالله ﵎ قد وعد بني إسرائيل، وحقق لهم ما وعد ﵎، يقول : ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [القصص:٤]، ثم قال ﵎ في الآية التي تليها: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص:٥ - ٦]. وانظر كيف صارت الأحداث، ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص:٧]، بدأ الأمر من هنا منذ أن ولد هذا الرضيع الذي سيحطم الله على يديه عرش فرعون، وسيمكن على يديه لبني إسرائيل، ولم تذكر قصة موسى بهذا التفصيل في مرحلة ما قبل الرسالة أكثر مما ذكرت في هذه السورة؛ لأنها تتحدث عن قضية التمكين وطغيان فرعون وعلوه. ثم بعد ذلك ختمت هذه السورة بطغيان قارون وعلوه، ثم كيف أهلكه الله ، ومكن لبني إسرائيل. إذاً: فقد وعد الله ﵎ بني إسرائيل هذا الوعد، ومتى كان هذا الوعد؟ هذه الآية أتت بعد وصف الله لحال طغيان فرعون: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٤]. هذا الواقع لا يوصف وصفاً مبالغاً فيه، إنه كلام الله ﵎ ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢]، ثم يأتي هذا الوعد ويتحقق. إذاً: الوعد الذي تحقق لبني إسرائيل في ظل ذاك الواقع المظلم البائس، لابد أن يتحقق لهذه الأمة، وهذه الأمة قد اصطفاها الله ، فهي أبر وأتقى وخير من بني إسرائيل، وأعلى منزلة عند الله ﵎، وهي خير الأمم كما أخبر النبي ﷺ . في نصوص السنة أيضاً نجد شواهد كثيرة، منها قول النبي ﷺ : (بشر هذه الأمة بالسناء والنصر والتمكين، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب). وأيضاً ما في المسند من حديث تميم الداري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر)، وكان تميم يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافراً الذل والصغار والجزية. في هذا الحديث يخبر النبي ﷺ أنه لن يكون بيت في الأرض إلا ودخله هذا الدين، ولن يكون هناك مكان يصله الليل والنهار إلا وسيصله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل. والنصوص التي يخبر فيها النبي ﷺ عن النصر والتمكين نصوص كثيرة ليس هذا مقام الإفاضة في الحديث عنها، لكن الشاهد -كما قلت- أن إدراك هذه النصوص مما يزيل اليأس.

стр. 1580

إن مع العسر يسراً أيضاً: إدراك أن استحكام اليأس طريق إلى الفرج، فالفرج عادة ما يأتي بعد شدة اليأس في عالم المادة وعالم المحسوس، ويأتي بعد أحلك المواقف والصعوبات: إذا اشتملت على اليأس القلوب وضاق لما بها الصدر الرحيب وأوطأت المكاره واطمأنت وأرست في أماكنها الخطوب ولم تر لانكشاف الضر وجهاً ولا أغنى بحيلته الأريب أتاك على قنوط منك غيث يمن به اللطيف المستجيب وكل الحادثات إذا تناهت فموصول بها الفرج القريب وقال آخر: ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعاً وعند الله منها المخرج كملت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكان يظنها لا تفرج
следующие страницы →