Полный текст (1 904 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
العلم بأن اليأس مذموم
أولاً: ينبغي أن ندرك أن اليأس مذموم، ولا يأتي إلا في مقام الذم عند الناس.
الناس حين يتخلصون أحياناً من ضغط الواقع ومؤثراته، ويفكرون تفكيراً مجرداً؛ فإنهم يرون أن وجود جذوة من الأمل والتفاؤل أمر مطلوب ولابد منه، فأن يعمل المرء ولا ينجح خير من أن يكون يائساً لا يصنع شيئاً ولا يعمل شيئاً.
واليأس لم يأت في نصوص الشرع إلا في مقام الذم والعيب، بل حين يصل بالإنسان اليأس إلى يأسه من روح الله ورحمة الله، فإن هذا من صفات الكافرين، كما قال : ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧].
وهذا حكاه الله على لسان يعقوب، قاله ﵇ حين أوصى بنيه أن يبحثوا عن يوسف بعد سنين طويلة مرت من يوم ألقوا فيها يوسف في الجب، وتخيلوا أنه قد هلك ومضى، فلما حصل ما حصل، وافتقد ابنه الآخر، قال: ﴿يَا بَنِيَ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٧]، حتى قالوا له: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٨٥ - ٨٦]، وفعلاً كان الأمر كما كان يعلمه نبي الله يعقوب، وكما كان حسن ظنه بالله ﵎.
فمن هنا ندرك أن اليأس لا يمكن أن يدفع للعمل، جميل أن ندرك سوء واقعنا، سواءً واقعنا الشخصي أو واقع مجتمعاتنا، ومن المهم أن ندرك حجم التحديات والمخاطر التي تواجهنا، وحجم الانحراف الذي يصيب مجتمعاتنا، لكن ينبغي ألا يتجاوز هذا الإدراك حده؛ لأنه لا يمكن أن يدفعنا للعمل، بل سيدفعنا فيما بعد للقعود والاستسلام.
حين ندرك أن اليأس مذموم، ولا يأتي إلى في مقام الذم والعيب، ندرك أن اليأس لا يمكن أن يدفع للعمل، بل هو يدفع للقعود والتواني والكسل، وهذا الإدراك سيدفعنا هذا إلى أن نتجاوز حالة اليأس التي نعيشها.
стр. 1577
الاعتدال في النقد
أيضاً من الأمور المهمة: الاعتدال في النقد: أحياناً يكون تفكيرنا تفكيراً متطرفاً، فلا نجيد إلا الإعجاب المطلق المبالغ فيه، أو الذم والنقد والعيب المبالغ فيه، وهذا نراه مثلاً في أقرب صورة محسوسة حينما نتعامل مع الجانب المادي أو الواقع المادي، حينما تقوم سلعة من السلع، وتبحث عن آراء الناس فيها، تجد أنهم يتفاوتون بين من يقول لك: هذه سلعة متميزة، ولا يعلى عليها، ولا يقاس غيرها بها إلى آخره، وبين من يذمها ذماً مطلقاً.
فما بالك بما هو فوق مستوى الماديات فيما يتعلق بإصدار الأحكام على الظواهر الاجتماعية، إصدار الأحكام على الظواهر التربوية، إصدار الأحكام على الأفراد، على المجتمعات؛ في هذه الحالة تجد أن الاعتدال تقل مساحته ويزداد التطرف، سواء في هذه الزاوية أو في تلك الزاوية، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم.
النقد مطلوب حتى نصحح واقعنا كأفراد، وحتى نصحح واقع مجتمعاتنا لابد من النقد، ولابد أن نمارس النقد الذاتي؛ حتى يؤدي دوره وثمرته، فإما أن ننتقد أنفسنا، أو ينتقدنا الآخرون، لكن النقد ينبغي أيضاً أن يكون بموضوعية واتزان، فحين نبالغ في النقد، ويتجاوز النقد حده، فإن هذا الأمر سيؤدي إلى اليأس.
جيء برجل يشرب الخمر إلى النبي ﷺ فجلد، فسبوه، فقال ﷺ : (لا تعينوا الشيطان عليه)، العقوبة الشرعية التي يستحقها أخذها وهي الجلد، حينما يذمونه ويعيبونه ويلعنونه، فإن هذا سيجعل الشيطان يتسلط عليها أكثر كما قال النبي ﷺ .
ولهذا قال النبي ﷺ : (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها)، يعني: لا يجمع عليها بين العقوبة الشرعية وعقوبة أخرى، فليقم عليها العقوبة الشرعية التي شرعها الله وهي الحد، لكن لا يؤنبها ويلومها ويثرب عليها.
وكذلك نهاهم ﷺ عن أن يلعنوا هذا الرجل الذي شرب الخمر، وأخبر ﷺ أن هذا فيه إعانة للشيطان على أخيهم.
هذا على مستوى الأفراد، وعلى مستوى المجتمعات فإن النبي ﷺ ينهى عن المبالغة في ذلك، فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكهم)، فأهلك الناس هو الذي يصل به الحد إلى اليأس من واقع الناس، فيتهمهم بالهلاك.
يقول الإمام الخطابي ﵀: معناه لا يزال الرجل يعيب الناس، ويذكر مساوئهم، ويقول: فسد الناس وهلكوا، ونحو ذلك، فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم، أي أسوأ حالاً منهم، بما يلحقه من الإثم في عيبه، والوقيعة فيهم، وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه، ورؤيته أنه خير منهم، والله أعلم.
стр. 1578
النظر في السنن الربانية
من الأمور المهمة أيها الإخوة! التي تجعلنا نتخلص من اليأس: النظر في السنن الربانية، وهذا الأمر أمر مهم، من ذلك مثلاً أن ننظر أن هذا الدين جاء من عند الله ﵎ الذي له الخلق وله الأمر، فهو الذي خلق الناس، وهو أعلم بهم، بل هو ﵎ أعلم بالناس من أنفسهم: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
وشرع الله ﵎ لهم هذا الدين، والله لم يشرع للناس إلا ما يطيقون.
وهذا يقودنا إلى نتيجة بدهية أن كل ما أمرنا به الله فهو مما نطيق فعله، وأن كل ما نهانا الله ﵎ عنه فهو مما نطيق تركه والتخلي عنه، ولو عشنا فترة فأنسنا واقعاً سيئاً في ذوات أنفسنا، أو أنسنا منكراً أو معصية داومنا عليها وتخيلنا أنها أصبحت جزءاً منا، فهذا من كيد الشيطان وتلبسيه.
وإلا فمادام الله قد نهانا عنها، وحرمها علينا، وكلفنا بالتخلي عنها، فهذا يعني أننا نطيق أن نتجنبها ابتداءً، ونطيق أن نتخلى عنها حينما نقع فيها، وحينما نواقعها، وقد فتح ﵎ لنا باب التوبة، وباب التوبة لا يغلق.
هذا على مستوى الأفراد، وعلى مستوى المجتمعات هناك حقيقة مهمة في هذا الدين، وهي أن النبي ﷺ أخبر أن كل نبي كان يبعث إلى قومه خاصة، أما النبي ﷺ فبعث إلى الثقلين الجن والإنس، بعث إلى الناس عامة، فهو ﷺ خاتم الأنبياء، ورسالته خاتمة الرسالات، وشريعته خاتمة الشرائع، فلا نبي ولا رسالة ولا شريعة للناس بعد محمد ﷺ .
ومن منزلة هذه الأمة وكرامتها على الأمم السابقة كما قال النبي ﷺ كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، أما هذه الأمة فليس فيها إلا نبي واحد، لكن فيها طائفة منصورة إلى قيام الساعة.
جاء هذا الدين من عند الله خير الأديان، جاءت هذه الشريعة خير الشرائع، اختص الله بها خير رسله ﷺ ، واختار الله ﵎ لها خير الأمم هذه الأمة، وجعل هذا الدين رسالة وشريعة للأمة إلى أن تقوم الساعة.
وهذا يعني أن البشرية تستطيع في كل الظروف والمتغيرات منذ أن بعث النبي ﷺ إلى أن تقوم الساعة أن تقيم حياتها على أساس هذا الدين، وأن تستوعب كل المتغيرات الجديدة وتقيم حياتها على هذا الدين، وإلا لما كان هذا الدين ديناً خاتماً، ولما كانت هذه الرسالة رسالة خاتمة، لما كان هذا النبي خاتماً للأنبياء لا نبي بعده ﷺ .
هذا يعني أن المسلمين قادرون على أن يلتزموا بدينهم، أن يقوموا بهذه الرسالة التي حملهم الله إياها، فهم خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويقودون البشرية للهداية، والأمم الأخرى هي مخاطبة أيضاً بهذه الرسالة.
أقول: إدراك هذه القضية البدهية يقودنا إلى هذه النتيجة: أن هذه الأمة، بل البشرية كلها يمكن أن تستقيم على هذا الدين في ظل أي متغير، وفي ظل أي عصر، وفي ظل أي ظروف تأتيها، وأنه لا يمكن أبداً أن يتعارض هذا مع التقدم العلمي والتقني، بل أخبر النبي ﷺ أنه: (لا تزال طائفة من هذه الأمة ظاهرة حتى يأتي أمر الله)، وفي رواية: (حتى يقاتل آخرهم الدجال).
صحيح أنه تمر بهم حالات مد وجزر، وحالات ضعف وهوان، لكن ستبقى هذه الطائفة إلى أن يقاتل آخرهم الدجال في آخر الزمان.
стр. 1579
النظر في النصوص التي تبشر بتمكين الدين
أيضاً مما يزيل اليأس من النفوس النظر في النصوص الشرعية التي تدل على تمكين الدين وانتصار الإسلام، ومنها ما جاء في كتاب الله من وعد الله ﵎ لعباده المؤمنين، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧]، ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١٤]، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥].
فهذا وعد من الله ﵎ لابد أن يتحقق، والذين في قلوبهم مرض أو الذين يسيطر عليهم ضغط الواقع قد تغيب عنهم هذه الحقائق من وعد الله ﵎ وما أخبر به ، فالله ﵎ قد وعد بني إسرائيل، وحقق لهم ما وعد ﵎، يقول : ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [القصص:٤]، ثم قال ﵎ في الآية التي تليها: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص:٥ - ٦].
وانظر كيف صارت الأحداث، ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص:٧]، بدأ الأمر من هنا منذ أن ولد هذا الرضيع الذي سيحطم الله على يديه عرش فرعون، وسيمكن على يديه لبني إسرائيل، ولم تذكر قصة موسى بهذا التفصيل في مرحلة ما قبل الرسالة أكثر مما ذكرت في هذه السورة؛ لأنها تتحدث عن قضية التمكين وطغيان فرعون وعلوه.
ثم بعد ذلك ختمت هذه السورة بطغيان قارون وعلوه، ثم كيف أهلكه الله ، ومكن لبني إسرائيل.
إذاً: فقد وعد الله ﵎ بني إسرائيل هذا الوعد، ومتى كان هذا الوعد؟ هذه الآية أتت بعد وصف الله لحال طغيان فرعون: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٤].
هذا الواقع لا يوصف وصفاً مبالغاً فيه، إنه كلام الله ﵎ ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢]، ثم يأتي هذا الوعد ويتحقق.
إذاً: الوعد الذي تحقق لبني إسرائيل في ظل ذاك الواقع المظلم البائس، لابد أن يتحقق لهذه الأمة، وهذه الأمة قد اصطفاها الله ، فهي أبر وأتقى وخير من بني إسرائيل، وأعلى منزلة عند الله ﵎، وهي خير الأمم كما أخبر النبي ﷺ .
في نصوص السنة أيضاً نجد شواهد كثيرة، منها قول النبي ﷺ : (بشر هذه الأمة بالسناء والنصر والتمكين، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب).
وأيضاً ما في المسند من حديث تميم الداري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر)، وكان تميم يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافراً الذل والصغار والجزية.
في هذا الحديث يخبر النبي ﷺ أنه لن يكون بيت في الأرض إلا ودخله هذا الدين، ولن يكون هناك مكان يصله الليل والنهار إلا وسيصله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل.
والنصوص التي يخبر فيها النبي ﷺ عن النصر والتمكين نصوص كثيرة ليس هذا مقام الإفاضة في الحديث عنها، لكن الشاهد -كما قلت- أن إدراك هذه النصوص مما يزيل اليأس.
стр. 1580
إن مع العسر يسراً
أيضاً: إدراك أن استحكام اليأس طريق إلى الفرج، فالفرج عادة ما يأتي بعد شدة اليأس في عالم المادة وعالم المحسوس، ويأتي بعد أحلك المواقف والصعوبات: إذا اشتملت على اليأس القلوب وضاق لما بها الصدر الرحيب وأوطأت المكاره واطمأنت وأرست في أماكنها الخطوب ولم تر لانكشاف الضر وجهاً ولا أغنى بحيلته الأريب أتاك على قنوط منك غيث يمن به اللطيف المستجيب وكل الحادثات إذا تناهت فموصول بها الفرج القريب وقال آخر: ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعاً وعند الله منها المخرج كملت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكان يظنها لا تفرج
стр. 1581
عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم
أيضاً الأحداث السيئة في ظاهرها قد تكون خيراً، قد يكون حدثاً لا يرى منه الناس إلا الوجه السيئ، فيصبح خيراً والناس لا يعلمون، والله ﵎ يقول: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩].
ودعوني أضرب على ذلك مثالاً أو أمثلة: في قصة الإفك حين قذفت عائشة ﵂ بالزنا، واتهمت بذلك، هل كان يدور في بالها حين سمعت هذه المقولة أن هذا الحدث سيكون خيراً لها؟ أو هل كان يدور في ذهن أحد ممن عاش الحدث ذاك الوقت أن هذا خير لها؟ ثم نزل قول الله ﵎: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١].
وفعلاً حصل هذا الأمر، فبرأها الله من فوق سبع سماوات، وهي كانت تقول: كان شأني في نفسي أحقر من أن ينزل الله في قرآناً يتلى.
وكان غاية ما تؤمله ﵂ أن يري الله نبيه رؤيا يبرئها فيها.
إذا: هذه الحادثة التي كانت تظنها شراً صارت خيراً لها، ومثل ذلك ما حصل لمريم حين حملت بعيسى، حتى تمنت أنها لم تولد قبل هذا الموطن فكان خيراً لها، وحملت بنبي من أولي العزم من الرسل.
وفي حادثة الهجرة أخذ النبي ﷺ بالأسباب المادية، واختبأ وصاحبه في الغار، ثم انصرفا، فجاء رجل يتحدث وسراقة مع طائفة من قومه، فقال: رأيت هاهنا سواداً أظنه محمداً وصاحبه، ففطن سراقة لذلك وعلم أنه قوام النبي ﷺ ، قال: إنه فلان وفلان، يريد أن يصرف الناس عن ذلك، وأمر أهله أن يجهزوا فرسه من خلف الدار وانصرف، وركب فرسه، ثم لحق النبي ﷺ ، حتى اقترب، فقال أبو بكر ﵁: هذا سراقة قد رهقنا.
فحصل ما حصل، وخارت قوائم فرسه، والقصة معروفة.
الشاهد أن الذي يقرأ الحدث الآن ويعيشه يفترض محمداً ﷺ وصاحبه رجلين أعزلين من السلاح، خرجا فراراً من قومهما، وقد جعل قومهما لمن يأتي بأحد هذين الرجلين حياً أو ميتاً جائزة عظيمة، وهذا الرجل على وشك أن يظفر بها.
والمتبادر إلى الذهن أنه خطر محقق، ولهذا أصاب أبا بكر ﵁ القلق والخوف على النبي ﷺ وحق له ذلك، أما النبي ﷺ فكان ينظر بنور الله، والنبي ﷺ لا شك أنه أعلى منزلة من أبي بكر ﵁، فخارت قوائم فرس سراقة، فدعا له النبي ﷺ ، ثم لم ييئس مرة ثانية وثالثة، حتى عرف سراقة أنه ممنوع.
فلما انصرف سراقة كان كل من لقيه يقول: قد كفيتم ما هاهنا، فأي إنسان يرى سراقة قد جاء من هذا المكان ولم يجد أحداً يعلم أن هذا المكان لا يمكن أن يجد فيه الرسول ﷺ وصاحبه.
فانظر كيف تحولت الصورة وانقلبت، ولهذا قال الراوي: فكان في أول النهار طالباً لهما، وفي آخر النهار صاداً عنهما، يعني: هذا الحدث الذي يبدو في أوله حدثاً سيئاً لا يتمنى أن يحصل صار فيه الخير، فصار سراقة هو الذي يصد الناس عنهما.
إذاً: أيها الإخوة! الأحداث التي تحصل قد يكون ظاهرها سيئاً، بل قد يكون فيها سوء، لكنها تنقلب بعد ذلك إلى خير، تنقلب إلى صلاح، مثلاً: بعض الناس قد يكون مسلماً مقصراً مفرطاً، لكن على الأقل محافظ على العبادات الظاهرة، ثم يهوي ويقع في معصية أو كبيرة من الكبائر، لا شك أن هذا شر للإنسان، لكن وقوعه في هذه المعصية قد يكون سبباً في توبته، وإذا تاب تغيرت حاله، وصار على حال الصالحين المتقين، فصار وقوعه في هذا الذنب خيراً له، فقد وقع في هذا الذنب فتاب منه، فقبل الله توبته، وتغيرت حاله من فساد إلى صلاح.
الشاهد والخلاصة: أن الأحداث السيئة قد تكون خيراً، والمتفائلون هم أولئك الذين يبحثون في الأحداث عن البشائر والمبشرات، ليسوا هم أولئك الذين يسيطر عليهم اليأس والقنوط، حينما نأتي رجلان إلى قرية فيها فقر مدقع وجهل وتخلف، ويأتينا رجلان رجل متشائم ورجل متفائل، فالرجل المتشائم كل ما يراه في هذه القرية يزيده إحباطاً، يشعر أن الأمية منتشرة فيها، فمستوى التعليم فيها لا يشجع، فيها فقر، ليس فيها بنية اقتصادية، ليس فيها طرق، ليس فيها إمكانات، ليس فيها بيئة يمكن أن تهيئ استثمارات تحرك النشاط الاقتصادي في البلد، الناس يعانون من بطالة، يعانون من أمراض، هذه نظرة، فكل ما يراه في البلد يؤيد عنده هذه الحقيقة.
يأتينا شخص آخر متفائل فيرى أن هذه القرية تعيش في وضع سيئ، لكن هو يتلمس الجوانب التي يمكن أن ننطلق منها، يقول: البلد فيها بطالة، لكن هذه البطالة يمكن أن أستفيد منها، يمكن أن نشغل هؤلاء ولو بأجور محدودة، وهؤلاء يمكن أن يكونوا نواة لإقامة مشروعات يمكن أن تحيي البلد مثلاً، يمكن أن يكون فيها بيئة جيدة للتعليم.
المهم أن الموقف الواحد ينظر إل
стр. 1582
نماذج تاريخية على الفرج بعد الشدة
стр. 1583
من قصص موسى وبني إسرائيل
من الأمور المهمة قراءة التاريخ، فحين نقرأ التاريخ سنجد أن الفرج دائماً يأتي بعد الشدة، ويأتي بعد الضيق، ولنضرب على ذلك نماذج سريعة: في قصة موسى مع بني إسرائيل، جاء موسى وقد تسلط فرعون كما قلنا قبل قليل على بني إسرائيل، واستعبدهم واستذلهم، ثم حصل ما حصل، فأمره الله أن يخرج ببني إسرائيل فخرج، فلحقه فرعون وقومه، حتى كانوا أمام الخطر المحدق، البحر أمامهم وفرعون وراءهم، بالمنطق المادي قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، قال موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢].
قمة الخطر على بني إسرائيل، قمة سوء الأوضاع هنا، في السابق كان يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم، فهو وضع فيه استعباد، لكن كان يمكن الناس أن يعيش بعضهم، لأنه فرعون وقومه ما أرادوا أن يهلكوا بني إسرائيل، لكن الآن بنو إسرائيل محصورون هنا، وليس أمامهم هنا إلا البحر وراءهم فرعون، فليس أمامهم إلا الإبادة، فقد شعروا بأن حياتهم انتهت، فحصل لهم الفرج، ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ [الشعراء:٦٣ - ٦٥]، وأهلك الله فرعون، فانظر كيف أتى الفرج بعد هذه الشدة!
стр. 1584
من أحداث الردة بعد موت الرسول ﷺ
مات النبي ﷺ وأصاب المسلمين ما أصابهم، وارتدت قبائل العرب، حتى ما بقي إلا المدينة ومكة والطائف ومن حولهم من المؤمنين الصادقين، حتى كاد طائفة من المؤمنين أن يشعروا باليأس والإحباط، ثم فرج الله لهم، حتى أن خلافة أبي بكر ﵁ كانت سنتين وأشهراً، وما انتهت خلافة أبي بكر إلا وقد أخضعت الجزيرة كلها، وعاد المرتدون إلى دولة الإسلام، وبدأت الفتوحات في بلاد فارس وفي بلاد الروم، بعد أن كاد أن يصل بهم اليأس حين مات النبي ﷺ ، وحين ارتدت طوائف العرب.
استقرت دولة الإسلام، وحصلت أحداث، ولعلنا نشير إلى حدثين:
стр. 1585
غزو الصليبيين لبيت المقدس
حدث غزو الصليبين لبيت المقدس: يقول ابن كثير ﵀: ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وفيها أخذت الفرنج بيت المقدس، قال: لما كان ضحى يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة أخذت الفرنج لعنهم الله بيت المقدس شرفه الله، وكانوا في نحو ألف ألف مقاتل، وقتلوا في وسطه أزيد من سبعين ألف قتيل من المسلمين، وجاسوا خلال الديار.
فنقل الحافظ ابن كثير قصيده لـ أبي المظفر الأبيوردي يقول فيها: مزجنا دمانا بالدموع السواجم فلم يبق منا عرضة للمراحم وشر سلاح المرء دمع يريقه إذا الحرب شبت نارها بالصوارم فأيها بني الإسلام إن وراءكم وقائع يلحقن الذرى بالمناسم وكيف تنام العين ملء جفونها على هفوات أيقظت كل نائم وإخوانكم بالشام يضحي مقيلهم ظهور المذاكي أو بطون القشاعم تسومهم الروم الهوان وأنتم تجرون ذيل الخفض فعل المسالم وفيها: وبين اختلاف الطعن والضرب وقفة تظل لها الولدان شيب القوادم وتلك حروب من يغب عن غمارها ليسلم يقرع بعدها سن نادم فللن بأيدي المشركين قواضباً ستغمد منهم في الكلى والجماجم يكاد لهن المستجير بطيبة ينادي بأعلى الصوت يا آل هاشم أرى أمتي لا يسرعون إلى العدا رماحهم والدين واهي الدعائم ويجتنبون النار خوفاً من الردى ولا يحسبون العار ضربة لازم أيرضي صناديد الأعاريب بالأذى ويغضي على ذل كماة الأعاجم فليتهم إذ لم يذودوا حمية عن الدين ضنوا غيرة بالمحارم وإن زهدوا في الأجر إذ حمي الوغى فهلا أتوه رغبة في المغانم هذا الشاعر كأنه يحكي واقعنا اليوم، واستولى الصليبيون على بيت المقدس، وبقي في أيدهم تسعين سنة، ثم بعد ذلك كتب الله النصر والتمكين للأمة وأعيد لهم.
стр. 1586
دخول التتار واجتياح بغداد
ثم حصلت كارثة أخرى كارثة التتار، وأنقل لكم نماذج مما ذكره الحافظ ابن كثير لعلي اختصر فيها اختصاراً للوقت فقد أطلنا في الحديث.
يقول: ثم دخلت سنة ست وخمسين وستمائة، فيها أخذت التتار بغداد، وقتلوا أكثر أهلها حتى الخليفة، وانقضت دولة بني العباس منها.
يقول: ووصل بغداد بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة الظالمة الغاشمة، ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فأحاطوا ببغداد من ناحيتها الغربية والشرقية، وجيوش بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة، لا يبلغون عشرة آلاف فارس، وهم في غاية الضعف، وبقية الجيش كلهم قد صرفوا عن إقطاعاتهم، حتى استعطى كثير منهم في الأسواق وأبواب المساجد، وأنشد فيهم الشعراء قصائد يرثون لهم ويحزنون على الإسلام وأهله.
يقول: ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ودخل كثير من الناس في الآبار، وأماكن الحشوش، وقنى الوسخ، وكمنوا كذلك أياماً لا يظهرون، وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات ويغلقون عليهم الأبواب، فتفتحها التتار إما بالكسر وإما بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة، فيقتلونهم بالأسطحة، حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وكذلك في المساجد والجوامع والربط، ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى، ومن التجأ إليهم وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي وطائفة من التجار أخذوا لهم أماناً بذلوا عليه أموالاً جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم، وعادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلها كأنها خراب ليس فيها إلا القليل من الناس، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة.
قال: وقد جرى على بني إسرائيل ببيت المقدس قريب مما جرى على أهل بغداد، كما قص الله تعالى علينا ذلك في كتابه العزيز، حيث يقول: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء:٤ - ٥].
قال: وقد قتل من بني إسرائيل خلق من الصلحاء، وأسر جماعة من أولاد الأنبياء، وخرب بيت المقدس بعد ما كان معموراً بالعباد والزهاد والأحبار والأنبياء، فصار خاوياً على عروشه واهي البناء.
وقد اختلف الناس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة، فقيل: ثمانمائة ألف، وقيل: ألف ألف وثمانمائة ألف، وقيل: بلغت القتلى ألفي ألف نفس.
فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وكان دخولهم إلى بغداد في أواخر المحرم، وما زال السيف يقتل أهلها أربعين يوماً.
يقول: وأسر من دار الخلافة من الأبكار ما يقارب ألف بكر فيما قيل، والله أعلم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وكان الرجل يستدعي به من دار الخلافة من بني العباس فيخرج بأولاده ونسائه وجواريه، فيذهب به إلى مقبرة الخلال تجاه المنظرة فيذبح كما تذبح الشاة، ويؤسر من يختارون من بناته وجواريه، وقتل شيخ الشيوخ مؤدب الخليفة، وقتل الخطباء والأئمة وحملة القرآن، وتعطلت المساجد والجماعات والجمعات مدة شهور ببغداد.
ثم قال: ولما انقضى الأمر المقدر، وانقضت الأربعون يوماً؛ بقيت بغداد خاوية على عروشها، ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس، والقتلى في الطرقات كأنها التلول، وقد سقط عليهم المطر، فتغيرت صورهم، وأنتنت من جيفهم البلد، وتغير الهواء، فحصل بسببه الوباء الشديد؛ حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام؛ فمات خلق كثير من تغير الجو، وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولما نودي ببغداد بالأمان خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقنى والمقابر كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم، وقد أنكر بعضهم بعضاً، فلا يعرف الوالد ولده، ولا الأخ أخاه، وأخذهم الوباء الشديد، فتفانوا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى، واجتمعوا تحت الثرى بأمر الذي يعلم السر وأخفى، الله الذي لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى.
هذه مقتطفات مما حكاه الحافظ ابن كثير ﵀ حول ما أصاب المسلمين في غزو التتار.
هذه المآسي وقعت للأمة في بغداد، حتى سيطر على المسلمين اليأس، وشعروا أن التتار قوة لا تقهر، ثم استفاقت الأمة بعد ذلك، وقاتلوا التتار وهزموهم، وعادت الأمة إلى مجدها ونصرها.
إذاً هذه النماذج أيها الإخوة! الأمة التي استفاقت بعد أحداث الردة، الأمة التي استفاقت بعد غزو الصليبيين، الأمة التي استفاقت بعد مجازر التتار وغزوهم، قادرة بإذن الله أن تستفيق وأن تنتصر.
وقراءة التاريخ يعطينا الدرس والعبرة، لكن اليائسين لا ينجحون، والنصر لا يكتب لليائسين، والتغيير لا يمكن أن يتم على اليائسين.
اللهم إنا نعوذ بك أن نيئس من روحك ورحمتك، إنك
стр. 1587
تحقيق التوحيد
العقيدة هي الأساس الذي تبنى عليه الحياة وتبنى عليه أعمال الإنسان، ولذلك فهو أول ما يجب على الإنسان أن يتعلمه ويفهمه، ولا يكفي فيه التعلم النظري حتى يعمل المرء على تحقيقه في جميع أموره، والحذر مما ينافيه أو يقدح فيه.
стр. 1588
دواعي الكلام عن تحقيق التوحيد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله.
أيها الإخوة في الله هذا الموضوع المتعلق بتحقيق التوحيد، هو موضوع خطير ومهم جداً في حياة المسلم وفي حياة الأمة كلها، ومن ثم فإننا حينما نطرق هذا الموضوع المتعلق بتحقيق التوحيد لله فإنما نطرقه لأسباب منها: أولاً: أن العقيدة هي الأساس الذي تُبنى عليه الحياة وتبنى عليه أعمال الإنسان، فإن الله لا يقبل من العبد أي عمل وأي أمر قدّمه في هذه الدنيا يبتغي به وجه الله، لا يقبل منه ذلك إلا إذا كان مبنياً على هذا الأساس المتين، وهو توحيد الله ، ولما كان الأمر كذلك كان الحرص من جانب المؤمن ومن جانب الدعاة إلى الله في كل زمان ومكان على هذا الأمر لا بد منه، ولا بد أن يراقب الإنسان نفسه دائماً لخطورة هذا الموضوع.
ثانياً: ولأن مجتمعاتنا بدأت تظهر فيها ظواهر خطيرة يجب على الدعاة أن يقفوا عندها ليعالجوها، ومن ذلك: تعلق النفوس بغير الله توكلاً ومحبة وغير ذلك، وهذا أمر خطير جداً، ولقد شاهدنا أمثلة لذلك من خلال ما يضر بمجتمعات المسلمين من أزمات.
ومنها أيضاً: كثرة السحرة والكهنة وتعلق النفوس بهم، وكون بعض الناس يظن أن هؤلاء لهم سيطرة ولهم قدرات، وأن هؤلاء أيضاً بيدهم الشفاء ولا شفاء إلا بأيديهم! وهذا أمر خطير يجب أن يُنتبه له.
ومن ذلك أيضاً التوسع في أبواب الرقى لتشمل رقىً غير مشروعة، وتلك الرقى غير المشروعة حينما تكثر ربما تؤدي إلى أنواع من السحر والكهانة والشعوذة، وذلك كله مما يصادم أصل العقيدة أو كمالها؛ لهذه الأسباب أيها الإخوة في الله كان لا بد من طرق هذا الموضوع تحقيق التوحيد وأهميته ووجوبه.
стр. 1589
معنى تحقيق التوحيد
ومن هنا فإننا نعرض أولاً لقضية مهمة جداً ألا وهي: ما معنى تحقيق التوحيد؟ وتحقيق التوحيد الذي يعلمه الجميع والحمد لله مقتضاه أن يحقق الإنسان شهادة أن لا إله إلا الله بأركانها وشروطها، فكون الإنسان ينطق بهذه الكلمة ويقول: لا إله إلا الله، وكون هذا الإنسان يعود من كفر ومن شرك ومن انحراف وإلحاد ومن جاهلية بمجرد أن يعلن إسلامه وينطق بكلمة التوحيد، نقول إن هذه النقلة لها مقتضى عظيم جداً، وليست مجرد كلمة تقال باللسان.
ولا إله إلا الله تقتضي أول ما تقتضي أمرين متلازمين لا بد منهما:
стр. 1590
عدم صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله
الأمر الأول: أن ينفي الإنسان أي نوع من أنواع العبادة لغير الله تعالى، فلا يصرف أي نوع من أنواع العبادة سواء كان صلاة أو نذراً أو حباً أو خوفاً أو توكلاً أو دعاء أو استغاثة أو استعاذة أو توسلاً أو غير ذلك، لأي شيء من المخلوقات، سواء كان ذلك المخلوق ملكاً، أو نبياً، أو ولياً، أو رجلاً صالحاً، أو نجماً، أو حجراً، أو شجراً، أو غير ذلك، وهذا الأمر لا يتم إلا بالأمر الثاني ألا وهو
стр. 1591
صرف أنواع العبادة كلها لله وحده لا شريك له
الأمر الثاني: أن يصرف أنواع العبادة كلها لله وحده لا شريك له، فهما ركنان دلت عليهما هذه الكلمة لا إله إلا الله، فلا إله: نفي، إلا الله: إثبات، فهي تنفي صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله، ثم تثبت تلك الأنواع كلها لله وحده لا شريك له.
ومن هنا فإن الله يقول في كتابه العزيز: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٤ - ١٠٧] أقم وجهك للدين حنيفاً بعبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة والبعد من الشرك وأهله.
ومن هنا فإن هذه الكلمة يالتي تقتضي ما ذكرناه سابقاً، وذلك بهذين الركنين العظيمين مع شروط لا إله إلا الله المعروفة: علم يقين وإخلاص وصدقك مع محبة وانقياد والقبول لها هذه الشروط السبعة إذا تكاملت عند المؤمن علماً وعملاً فإنه والحالة هذه يكون قد حقق هذا التوحيد العظيم، ولكن ينبغي أن نعلم أيها الإخوة في الله أن مقتضي التوحيد الذي ذكرناه سابقاً يلزم منه أمر مهم جداً، ألا وهو البعد عن الشرك بجميع أنواعه، ولهذا يقول الله في كتابه العزيز: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] أي: اعبدوا الله وحده لا شريك له، واجتنبوا الطاغوت بجميع أشكاله وصوره، وهذا يشمل اجتناب الإنسان الشرك الأكبر والشرك الأصغر.
стр. 1592
الشرك
стр. 1593
الشرك أعظم الذنوب
ومن هنا فإننا نفرد للكلام عن الشرك فقرة خاصة فنقول: إن هذا الشرك ينبغي أن يُعلم أنه أعظم الذنوب، كما ذكر ذلك لنا رسول الله ﷺ ، وإنما كان الشرك أعظم الذنوب لأسباب منها: أن الله لا يغفره إذا مات عليه الإنسان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] فمن كان عاصياً وتاب فالله يتوب عليه، ومن كان مشركاً ثم تاب من شركه فالله أيضاً يتوب عليه، لكن إذا مات الإنسان على هذا الشرك انقطع الأمر كما قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فمغفرته ﵎ للشرك إنما تكون إذا وقعت التوبة منه في الدنيا، أما في الآخرة فلا يُغفر لصاحبه أبداً.
стр. 1594
الشرك الأكبر صاحبه مخلد في نار جهنم
ثانياً: أن صاحبه مخلد في نار جهنم، نسأل الله السلامة والعافية، ونحن نعلم أن من الأمور القاطعة في عقيدتنا والتي دل عليها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والتي لا يشك فيها مؤمن أبداً هذه الحقيقة تقول: إن الناس في يوم القيامة لا بد أن يفترقوا إلى فريقين لا ثالث لهما أبداً: فريق في الجنة، وفريق في السعير، فمن كان من أهل التوحيد فهو في الجنة، ومن كان من أهل الكفر فهو في النار خالداً مخلداً فيها أبداً، ولهذا فإن من أعظم عقوبات الشرك بالله أن صاحبه مخلد في نار جهنم نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 1595
الشرك الأكبر محبط لجميع الأعمال الصالحة
الأمر الثالث: أن الشرك الأكبر محبط لجميع الأعمال الصالحة، فالكافر إذا عمل أعمالاً صالحة في الدنيا يجازى عليها في الدنيا، لكن إذا جاء يوم القيامة بتلك الأعمال الصالحة لا تُقبل منه قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] لكن المؤمن الموحد يأتي يوم القيامة بالأعمال الصالحة التي أخلص فيها لربه والله يثيبه عليها.
من هنا فإن الرسول ﷺ تحقيقاً لهذا التوحيد وحماية له حذّر من أنواع الشرك الأكبر والأصغر.
стр. 1596
أنواع الشرك الأكبر
لا نريد أن نطيل في الكلام حول هذا الموضوع ولكن أشير إشارات سريعة فأقول: الشرك الأكبر أنواعه كثيرة، وأهمها أربعة أنواع:
стр. 1597
شرك الدعوة
النوع الأول من الشرك الأكبر: شرك الدعوة، وذلك بأن يدعو الإنسان غير الله ، وهذا ولا حول ولا قوة إلا بالله منتشر في كثير من بلاد المسلمين، حيث تتعلق القلوب بولي أو تتعلق بالنبي محمد ﷺ ، أو تتعلق بقبر من القبور فيؤدي هذا التعلق إلى دعائها من دون الله ، فإذا دعاها من دون الله ﵎ وقع هذا الداعي في الشرك الأكبر.
стр. 1598
شرك الإرادة والقصد
ومن أنواع الشرك الأكبر: شرك الإرادة والقصد، وذلك بأن يقصد غير الله بنوع من أنواع العبادة، كالمحبة، أو التوكل، أو الاستغاثة، أو غير ذلك، فإذا وجّه هذا النوع من العبادة لغير الله فقد أشرك مع الله غيره.
стр. 1599
شرك الطاعة
ومنها: شرك الطاعة، وذلك بأن يطيع غير الله في معصية الله .
وهذا باب خطير جداً، حينما يأتي المشرّعون وواضعوا القوانين المخالفة لشرع الله فيشرّعون هذه الشرائع، ويضعون هذه النظم والقوانين، ثم يأتي هؤلاء الأتباع ويطيعونهم فيها من دون الله تعالى، ويتّبعونهم عليها، مع علمهم أنهم مغيّرون للشريعة، فهذا سمّاه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى شركاً أكبر حين علّق على حديث عدي بن حاتم حين دخل على رسول الله ﷺ وهو يتلو قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] فقال عدي وكان يعرف أحبار النصارى، قال: (يا رسول الله إنهم لا يعبدونهم، يعني لا يعبدون الأحبار والرهبان، لا يسجدون لهم ولا يركعون، فقال الرسول ﷺ : أليسوا يحلون الحرام فيحلونه، ويحرمون الحلال فيحرمونه؟ قال: بلى، قال: فتلك عبادتهم) وهذا حديث حسن.
ومن ثم فإن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قال: وهؤلاء الأتباع نوعان: نوع منهم اتبعوهم على تبديلهم، يعني علموا أنهم مغيرون لشرع الله واتبعوهم على ذلك، فهؤلاء مثلهم.
والنوع الثاني: أناس علموا شرع الله الحق ولكنهم اتبعوا أولئك معصية، أي أنهم فعلوا ما يخالف الشرع من باب المعصية، فهؤلاء فسّاق عصاة وليسوا بكفار، أما بالنسبة للأحبار والرهبان أنفسهم المغيرين لشرع الله تعالى فهؤلاء لا شك في أنهم واقعون في الشرك الأكبر الذي هو شرك الطاعات.
стр. 1600
شرك المحبة
ومن أنواع الشرك الأكبر: شرك المحبة، وذلك بأن يحب غير الله كمحبة الله ، وهذا يقع فيه بعض الناس حينما تتعلق قلوبهم بغير الله، فيجعلون محبة أولئك مقدمة على محبة الله أو مساوية لمحبة الله، وهذا يختلف عن المحبة الطبيعية والمحبة في الله، التي هي جزء من الإيمان بالله .
стр. 1601
أنواع الشرك الأصغر
القسم الثاني من أنواع الشرك: الشرك الأصغر، والشرك الأصغر قسمان:
стр. 1602
شرك الأعمال
القسم الأول منه: شرك في الأعمال، وهذا الشرك هو الشرك الخفي، وهو الرياء الذي حذر منه رسولنا ﷺ حين قال: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر وهو الرياء) وهذا الرياء شرك أصغر لا يخرج صاحبه من الملة، لكنه ولا حول ولا قوة إلا بالله قد يمتد خطره فيؤدي إما إلى أن يرقى بصاحبه إلى الشرك الأكبر، وإما أن يحبط عمله فليحذر المسلم وهو في عباداته، وهو في أعماله الخيرية، وهو في صلاته، وهو في صيامه، وهو في أمره بالمعروف وفي نهيه عن المنكر، وفي دعوته إلى الله ؛ ليحذر من هذا المدخل الشيطاني الخفي.
стр. 1603
شرك الأقوال
النوع الثاني من الشرك الأصغر: هو شرك الأقوال، كالحلف بغير الله، وقول: ما شاء الله وشئت، وقول: لولا فلان ما حدث كذا، وغير ذلك من الألفاظ التي يتساهل فيها بعض الناس وهي من الأمور التي حذرنا منها رسول الله ﷺ حماية للتوحيد وتحقيقاً له، (ولما جاءه رجل فقال: يا رسول الله! ما شاء الله وشئت، غضب رسول الله ﷺ وقال له: أجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده) ونهى عن الحلف بغير الله، وغير ذلك.
стр. 1604
أمور تنافي التوحيد أو كماله
وبعد هذه الفقرات المتعلقة بمعنى تحقيق التوحيد ومعنى لا إله إلا الله، ومعنى الشرك وأنواعه ننتقل إلى الموضوع الثالث المتعلق بموضوعنا، ألا وهو أمور تنافي حقيقة التوحيد أو كماله ابتلي فيها كثير من الناس.
стр. 1605
التمائم
من ذلك: التمائم، فإن مما اشتهر عند بعض الناس في بعض البلاد الإسلامية تعليق التمائم التي يُظن أن تعليقها يحمي الإنسان أو الطفل من العين أو من الجن أو من المرض أو غير ذلك.
ولهذا ورد عن عقبة بن عامر الجهني: (أن رسول الله ﷺ أقبل إليه رهط، فبايع تسعة وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله بايعت التسعة وتركت هذا، قال ﵊: إن عليه تميمة، فهجره رسول الله ﷺ ولم يبايعه، فأدخل يده فقطعها فبايعه، فقال ﵊: من علّق تميمة فقد أشرك) رواه الإمام أحمد، والحديث صحيح.
والتمائم خرزات أو نحوها تُعلق على صدور الأولاد أو في أكتافهم أو في أيديهم يتقون بها العين، ويدخل في هذه التمائم بعض الخرزات التي يضعها بعض السائقين يعلقونها على المرآة في السيارة ونحوها، ويظنون أنها تقيهم الصدام أو الحوادث أو غير ذلك، وبعضهم قد يضع نعلاً في مقدمة السيارة أو في مؤخرتها لهذا السبب، وبعضهم كما أخبرني بعض الإخوة يعلّق شيئاً من ذلك في دكانه يطلب به الرزق أو يتقي به عين من يمر عليه.
ومن ذلك أيضاً اعتقاد بعض الناس حينما يظن أنه إذا أمسك عنده ذئباً أو قطعة من جلده أو نحو ذلك أن هذا يمنع الجن عنه، فهذه من الأمور التي اشتهرت عند كثير من الناس، وبعضهم يتساهل فيها وهي إما أن تكون من الشرك الأكبر إن اعتقد فيها أنها هي التي تنفع وتضر من دون الله ﵎، أو أنها تكون من الشرك الأصغر إذا اعتقد أنها سبب، ولهذا انتشر هذا الأمر حتى عند كثير من الصوفية وما أكثر الشركيات عند كثير من الصوفية! حتى يقول صاحب دلائل الخيرات وهو يصلي على النبي ﷺ يقول اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ما سجعت الحمائم، وسرحت البهائم، ونفعت التمائم فكأن قضية نفع التمائم تنفع كل يوم، وكل دقيقة مثلما تسرح البهائم أو مثلما تسجع الحمائم، وغير ذلك، وكأن هذا الأمر مُسلّم عندهم.
стр. 1606
حكم تعليق تمائم من القرآن
وهنا قد يقول قائل: وإذا عُلّقت تميمة من القرآن كما يفعل البعض حينما يكتبون آيات من القرآن ويخيطونها بقطعة قماش أو نحو ذلك ويعلقوها على صدر الطفل أو في كتفه أو غير ذلك، والذي يظهر وإن كانت المسألة فيها خلاف أن مثل هذا الأمر لا يجوز لعدة أمور: الأمر الأول: أنه بدعة لم يفعله السلف رحمهم الله تعالى.
الأمر الثاني: أنه ذريعة إلى الوقوع في المحرم؛ لأن تعلق النفس بهذا الأمر يُضعف التوكل على الله ولربما لو حدث لهذا الطفل مرض لقيل ما نفعت ائتونا بتميمة أخرى! وهكذا، وما أضعف نفوس الوالدين أمام مرض ابنهم وخاصة الأم، فلربما أدى بهم إلى أن يقعوا فيما هو محرم صُراح.
الأمر الثالث: أن وجود الآيات القرآنية على كتف الصبي أو في صدره أو نحو ذلك يؤدي إلى امتهان القرآن، فإنه يدخل به دورات المياه، وإذا تعلقت النفوس بهذه التميمة فإن الأم لا تستطيع أن تفكها ولو لحظات، وظنت أنها لو أزالت هذه التميمة التي هي من القرآن عن ابنها وهو داخل الحمام فلربما أدى به إلى أن يصاب بأذى، فتضطر إلى أن تدخل مثل هذا الأمر الذي فيه كلام الله إلى الأماكن التي يجب أن ينزه القرآن منها؛ لهذه الأسباب فإن مثل هذا الأمر لا يجوز.
стр. 1607
الرقى
الأمر الثاني: الرقى، وينبغي أن نعلم أن هذه المسألة كثر في هذه الأيام الحديث عنها، ما هي الرقية الشرعية؟ وما الرأي في هؤلاء القراء الذين صاروا ينتشرون في كل مكان؟ وهذا الأمر أيها الإخوة في الله يحتاج منا إلى وقفة فأقول: يجب أن نعلم أولاً أن الرقية الشرعية لا تصح إلا بشروط منها: الشرط الأول: أن تكون بكلام الله تعالى وبأسمائه وصفاته.
الشرط الثاني: أن تكون باللسان العربي.
الشرط الثالث: أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل هي سبب من الأسباب، والنافع الشافي هو الله .
ومن هنا فإن من المهم جداً أن أذكر بعدة أمور.
الأمر الأول: كثير من الناس يغفل عن الرقية الشرعية التي يقوم بها الإنسان نفسه حين يرقي نفسه أو أحداً من أهل بيته، وهذا يجب أن يتنبه له الجميع، إذا الإنسان عنده مريض فعليه أن يرقى هو، وأن يُخلص في رقيته وفي دعائه فإن الله ربما جعل مثل هذه الرقية سبباً للشفاء.
أما ما يفعله كثير من الناس وهو أنه إذا وجد عندهم المريض تعلقت النفوس بغير الله سواء كانوا قراء أو أطباء! فلا، بل يجب على الأسرة أن تكون صابرة محتسبة، ويجب عليها أن تبذل الوسائل الشرعية ولا مانع من فعل الأسباب.
الأمر الثاني: ليس كل من قيل عنه إنه يقرأ يذهب إليه الإنسان، بل يجب عليك أن تبحث عن القارئ الذي تعرف عنه الصلاح والتقوى، فإذا عرفت من حال القارئ أنه من أهل الصلاة وأنه من أهل الصلاح، فحينئذ لا مانع من أن تذهب إليه، لكن ما نجده اليوم من انتشار كثير من القراء وبعضهم لا يُعرف حاله، وبعضهم يستراب في أمره، ومع ذلك فإن الناس يتوافدون عليهم زرافات ووحداناً؛ نقول: إن مثل هذا الأمر مما يجب أن يُحتاط له وأن ينتبه له الناس، لقد تعلقت النفوس بغير الله ، وأصاب الناس كثير من الوهن والضعف، فلنحذر من هذا الأمر، وإذا ما احتجنا وأردنا أن نطلب من أحد أن يقرأ فعلينا أن نبحث عن القارئ الذي نعرف صلاحه وتقواه، ويجب أن نتقي الله في هذا الأمر العظيم.
стр. 1608
السحر والكهانة
الأمر الثالث وهو متعلق بالفقرة السابقة: انتشار السحر والكهانة في كثير من بلاد المسلمين، وهؤلاء السحرة والكهنة والعرّافون الذين يدعون علم الغيب، ويقولون إنهم يعالجون الناس بأنواع من العلاجات، هؤلاء كثروا لا كثّرهم الله تعالى.
وينبغي أن نعلم أن الله يقول في كتابه العزيز: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦] هذه الآية جاءت خبراً عن الناس في الجاهلية، فإن العرب كانوا في الجاهلية يخافون من الجن خوفاً شديداً، حتى أن الواحد منهم إذا نزل وادياً وهو في سفر خاف من الجن في هذا الوادي، فماذا يصنع؟ يتعوذ من سفهاء هذا الوادي بسيد هذا الوادي من الجن، فإذا نزل قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فماذا فعلت الشياطين؟ لما رأت الشياطين أن هؤلاء يخافون منهم هذا الخوف تسلطوا عليهم فزادوهم رهقاً وتعباً وطغياناً.
تعالوا إلى الحالة اليوم لما أن الناس ضعف إيمانهم تعلقت نفوسهم بغير الله ، وصاروا يخافون من غير الله ﵎، فماذا حدث؟ تسلطت الشياطين، وتسلط السحرة وكثروا، وصاروا يفتنون الناس، وزادوهم تعباً ومشقة ورهقاً.
وهذا أيها الإخوة في الله أمر خطير جداً يجب أن ينتبه له الجميع، والواجب في مثل هؤلاء السحرة أن يقام فيهم حكم الله وهو كفر على القول الراجح؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢] إلى آخر الآية، وإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن نعلم أن هؤلاء يجب أن يُحذر منهم الحذر الشديد، فهؤلاء السحرة يدّعون علم الغيب، وادعاؤهم لعلم الغيب هو ادعاء كاذب؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥] فلا يعلم الغيب إلا الله وحده لا شريك له.
إذاً: كيف يدّعون؟ عن طريق الشياطين، حينما يأتي ضعيف من ضعفاء النفوس عنده مريض فيقال له: هناك رجل يعالج في المكان الفلاني فاذهب إليه، وهذا الرجل ساحر، فتأتي الشياطين إلى ذلك الساحر وتخبره، وتقول له: سيأتيك فلان اسمه فلان ابن فلان، وأمه اسمها فلانة، وخالته اسمها فلانة، وجرى له قبل عشرة أيام كذا، وقبل سنة كذا؛ فيدخل هذا المسكين على هذا الساحر، فإذا دخل عليه وجلس بين يديه، قال: أنت اسمك فلان ابن فلان؟ جرى لك كذا وكذا؟ جدك اسمه كذا؟ جرى لكم كذا؟ فإذا بهذا الإنسان يُدهش ويسقط بين يديه، ويظن أن هذا الساحر قد امتلك قدرة عظيمة منها علم هذه المغيبات؛ لأنه قد يخبره بأشياء لا يعلمها أقرب الناس إليه، بل حتى جيرانه وبعض أقاربه لا يعلم هذا، فكيف علمها هذا الرجل الذي يعيش في تلك البلدة النائية؟ ولقد حدثني أحدهم وكان مريضاً قال: ذُكر لي طبيب في إيطاليا، فذهبت إليه للعلاج في إيطاليا، فلما دخلت عليه أخبرني من أسرار أسرتنا ما لا يعلمه أحد، أقول: فمن الذي أخبر هذا الساحر الكاهن في روما؟ إن الذي أخبره هي الشياطين.
فهؤلاء السحرة يدّعون علم الغيب، ويستعينون بالشياطين، ولا يستعينون بهم إلا حينما يقعون في الشرك ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومن ثم فإنك تجدهم أحياناً يطلبون من الشخص أن يذبح ذبيحة ولا يذكر اسم الله عليها؛ لتكون ذبيحة لغير الله، وهذا هو الشرك.
فينبغي أيها الإخوة أن ننتبه لهذه القضية، وأن هؤلاء السحرة الذين انتشروا وبلي الناس بهم يجب أن يقام فيهم حكم الله ، فيجب أولاً أن يحذّر منهم، ثم يجب ثانياً أن يردعوا عملياً وأن يقام فيهم حكم الله ، فإذا أقيم فيهم حكم الله وهو القتل فإن هؤلاء يرتدعون ويسلم الناس من شرهم، أما إذا تُركوا يعبثون بعقائد الناس فهذا ما لا يجوز السكوت عليه أبداً، ومن المحزن حقاً أن مثل هؤلاء السحرة لهم نفوذ حتى يقال إن كثيراً من زعماء العالم لكل واحد منهم كاهن وساحر يخبره عمّا يجري عليه وعمّا يمكن أن يجري ويقع، وتتعلق نفوس هؤلاء الكبراء بهؤلاء السحرة ويؤدي هذا إلى حمايتهم.
والواجب أيها الإخوة أن نحذر من ذلك حذراً شديداً، وكثير من الناس يقع في شيء من هذا، ومن ذلك أن بعض الناس يذبح للجن خوفاً منهم أو تقرباً إليهم، حتى أنني سمعت من ذلك نماذج غريبة جداً حتى أخبرني أحد الإخوة أنه سمع إحدى الإذاعات العربية تقول: ذهب أمير المنطقة الفلانية إلى مزار سيدي فلان، وكان معه الأبقار وذبحوها عند قبر السيد وكأنه خبر إسلامي، وكأن هذا الخبر من الأمور المسلّمة عندهم، وهذا أمر خطير جداً.
ومن ذلك أيضاً أنني أُخبرت أن بعض الناس إذا أراد أن ينزل منزلاً جديداً يذبح ذبيحة وينثر دمها على أسوار البيت، وأحياناً ينثر دمها على أسوار البيت أيضاً من الداخل ويظن أنه إذا سكن البيت دون أن يذبح هذه الذبيحة ربما أُصيب هو أو أولاده بما يمكن
стр. 1609
الغلو في الرسول ﷺ
ومن الأمور التي تتعلق بهذا الموضوع، أقصد موضوع تحقيق التوحيد ووجوبه: الغلو في رسول الله ﷺ ، فإن الغلو في رسول الله ﷺ كثر في هذه الأيام، لأن محبة الرسول ﷺ واجبة، بل يجب على الإنسان أن يحب الرسول ﷺ أشد من محبته لنفسه وولده ووالده والناس أجمعين، فجاء بعض الناس ليقولوا إن هذه المحبة لا تتحقق إلا بأن تتوسل برسول الله ﷺ ، فوقع كثير من هؤلاء في الشرك، وهذا أمر خطير يحتاج إلى تفصيل مستقل، لكنني أذكر به في معرض هذه الفتنة التي وجدت عند بعض المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 1610
تعليق التماثيل والنصب التذكارية
ومن ذلك أيضاً: تعظيم التماثيل والنصب التذكارية وغيرها، والرسول ﷺ نهى عن التصوير؛ لأنه من وسائل الشرك، فالتصوير الذي يؤدي إلى وجود تماثيل أو غيرها وسيلة من وسائل الشرك كما ذكر الله عن قوم نوح، وكيف وقع فيهم الشرك كما ذكر ذلك ابن عباس ﵄، وتعظيم التماثيل من الأمور التي يجب أن يُنتبه لها؛ لأن كثيراً من الناس يدخلها في باب الآثار، وباب الآثار باب عريض، قد يدخل فيه الآثار التي يكون الاهتمام بها أمراً مباحاً، لكن كثيراً ما يدخل فيها بعض الآثار التي تُعظَّم وتُقدّس ويؤدي تعظيمها إلى أنواع من التعلق بها، وتعلمون أنتم ما يجري فقد يأتون بلوحة عبث فيها ملحد أو نصراني فخطها قبل ثلاثين سنة أو مائة سنة أو مائة وخمسين سنة فتباع بالملايين من الدولارات، ولو عُثر على صنم هبل الذي قد كسر لبيع بملايين، فتعظيم الآثار وخاصة آثار الرسول ﷺ يؤدي أحياناً إلى أنواع من التعلق بها والشرك بها، وهذا مدخل خطير يجب أن نحذر منه جميعاً.
أيها الإخوة في الله! ينبغي أن نعلم أن تحقيق التوحيد ضروري لبناء الإيمان، وأن من أعظم الأمور التي لا بد منها في تحقيق هذا التوحيد هو الحذر من الشرك الأكبر والأصغر بجميع أشكاله وصوره، ولنعلم أن الأمر خطير وأنه مدخل من المداخل الخطيرة أسأل الله أن يقيني وإياكم شرها، وأن يرزقني وإياكم تحقيق التوحيد، وأن يجعلنا ممن يموت على كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، غير واقع في شرك ولا في غيره مما يضاد هذا التوحيد.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 1611
الأسئلة
стр. 1612
التركيز على التوحيد والجهل بأمور الدين الأخرى
السؤال
يوجد أناس يقولون: التوحيد قبل كل شيء، فلا تطلب العلم إلا بعد التوحيد وبعد ذلك تعلم ما بدا لك، فتجده جاهلاً في كثير من أمور دينه؛ لأنه أهملها وركز على التوحيد، فما رأيك يا شيخ في هذه الحالة؟
الجواب
الحقيقة هذه الحالة وغيرها ينبغي أن يُنظر فيها من خلال ما فعله الرسول ﷺ ، ما هي سنة الرسول ﷺ وما هي سيرته في هذا الأمر فنقول: لا شك أن تحقيق التوحيد وبناءه والتركيز عليه لا بد منه، لكن من قال إنك وأنت تركز على التوحيد تُهمل غيره؟ ونحن نعلم أن رسول الله ﷺ مات والدين كامل، يعني بعد فرض الصلاة هل كان الرسول ﷺ إذا جاء رجل وأسلم قال علموه التوحيد والبعد عن الشرك، ثم قال بعد شهرين أو ثلاثة ائتوا به نعلمه الصلاة؟ لا، وإنما كان ﷺ إذا شهد شهادة الحق علمه الوضوء والصلاة؛ لأن الوضوء والصلاة توحيد، فالانفكاك بين هذه الأمور خطأ.
وأبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه لما أن ارتدت الجزيرة العربية وانتقل ﷺ إلى الرفيق الأعلى وتولى الخلافة من بعده، ماذا فعل المرتدون؟ قسم من المرتدين اتبعوا المتنبئين الكذابين، فهؤلاء منكرون لنبوة محمد ﷺ أو مقرون معها بنبوة غيرهم فهم مرتدون، لكن قسم آخر منهم قال: نحن على الإسلام ونؤدي الصلاة، لكن هذه الزكاة لا نؤديها، فهل قال أبو بكر أهم شيء عندنا التوحيد؟ فما داموا يقرون بنبوة محمد فهذا الذي نركز عليه؟ ولهذا قال عمر واحتج على أبي بكر كما هو معروف، في حديث: (أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله).
ورأى بعض الصحابة أن يُترك هؤلاء الذين منعوا الزكاة، لكن أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه قال: (والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة) وقاتلهم على ذلك، فهل فِعل أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه هنا هذا إلا سنة؟ والرسول ﷺ يقول: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)، ويقول: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر).
لهذا فإنني أقول: إن مثل هذه القضية وهي قضية التركيز أو غير التركيز يخطئ البعض في فهمها وفي تطبيقها أحياناً، وإلا فلا أظن أن هناك خلافاً بين من يفقهون دين الله أن أي أمر لا بد أن يبنى على العقيدة، وأنك حينما تجد مجتمعاً ضعفت فيه العقيدة أو كثرت فيه الشركيات يجب عليك أن تركز على هذه الشركيات، لكن مع ذلك تدعوهم إلى الله وإلى غيرها فشعيب دعا قومه إلى لا إله إلا الله ودعاهم إلى: ﴿وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ [هود:٨٤] والأمر إن شاء الله واضح.
стр. 1613
حكم من أتى كاهناً يسأله من باب حب الاستطلاع
السؤال
لو ذهب شخص إلى أحد الكهنة لكي يخبره عن المولود القادم له، هل هو ذكر أم أنثى، وما ذهب لذلك إلا حباً للاستطلاع لكنه لا يصدّق ما يخبر به، فما حكم ذلك؟
الجواب
ورد في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (من أتى كاهناً فصدقه فقد كفر بما أُنزل على محمد)، وفي بعض الروايات: (من أتى كاهناً) بدون (فصدّقه)، فإتيانه حرام لا يجوز؛ أولاً لأن فيه تكثيراً لسواده وتعظيماً له؛ وثانياً وهو الأخطر: أن فيه جانب اعتقاد أنه يعلم الغيب، وإلا لما ذهبت إليه، لماذا لم تذهب إلى غيره وتقول: هل مولودي ذكر أو أنثى؟ إذاً: ما ذهب إلى هذا الكاهن إلا وهو يظن أنه ربما يصدق في قوله، ونحن نعلم أن الكهنة في الجاهلية كانوا يسترقون السمع، يركب الجن فوق بعض حتى يصلون إلى السماء فيسمعون الوحي، فإذا سمعوا به ربما قيل يؤمر السحاب بأن يُمطر بلد بني فلان في يوم الثلاثاء، فأحياناً يُدركه الشهاب فيحرقه، وأحياناً يبلّغه قبل أن يُدركه فتصل إلى الكاهن فيقول الكاهن: يوم الثلاثاء يأتي مطر لبني فلان، قال ﷺ : (فيضيف إليها تسعة وتسعين كذبة) وكل الكذبات يتبين كذبه فيها؛ لكن لأنه صدق في تلك المرة تتعلق النفوس به، فيقال: ألا ترون أنه صدقنا في يوم كذا؟ لكن بعد ذلك حُرست السماء، فلا مجال لاستراق السمع أبداً، أي أنه لا مجال لأي إنسان مهما بلغت قدرته أن يطّلع على الغيب، لكن أن يطّلع على ما يمكن أن يُطلّع عليه بالأسباب هذا أمر لا شيء فيه، لكن أن يطّلع على الغيب فلا: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥] فمن أتى كاهناً فهو ضعيف الإيمان في هذا الجانب.
стр. 1614
حكم اتباع الهوى
السؤال
هل كل من اتبع هواه يُعد مشركاً؟
الجواب
اتباع الهوى درجات، فاتباع الهوى إذا أدى بالإنسان إلى الكفر بالله أو الوقوع في أنواع من الشرك فهذا يقال اتبع هواه وأدى به إلى الكفر، وما نزل عن ذلك فهو بحسبه، فمن اتبع هواه مثلاً وقصّر في العبادة فنقول: هذا متّبع لهواه، أي أنه مقصّر في هذه العبادة، وهكذا فالأمر في هذه المسألة على درجات، وينبغي أن يُنتبه لذلك؛ لأن بعض الناس يعمم، ويقول: من اتبع هواه فقد اتخذه إلهاً من دون الله فهو كافر، فيدخل فيه مثلاً من اتبعه هواه في مسألة أو في أمر دنيوي أدى به إلى كسل عن صلاة أو كسل عن واجب، فهذا الاتباع لا يقال عنه إنه شرك، وبعض الناس على العكس من ذلك فنقول: الأمر فيه تفصيل.
стр. 1615
حكم الاستغاثة بمن يقدر على إنقاذه لكنه لا يسمعه
السؤال
لو استغاث شخص برجل قادر ولكنه لا يسمعه حالة استغاثته، فما حكم ذلك؟
الجواب
إذا كان نطقه بهذا الكلام عند من سيبلّغ ذلك الرجل القادر فهذا مثلما لو كان حاضراً، فهذه من الأسباب المعروفة في حياة الناس ولا شيء فيها، أما إذا استغاث به وهو يعلم أنه لا يسمعه وليس هناك أحد يبلّغه فهو في هذه الحالة بحسب اعتقاده في هذه المقالة، وأقل أحوالها أن تكون من الشرك الأصغر.
следующие страницы →