← Джавами‘

Джавами‘ · id 37377

دروس الشيخ محمد الدويش

محمد الدويش

Полный текст (1 904 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

الأسئلة

стр. 1612

التركيز على التوحيد والجهل بأمور الدين الأخرى السؤال يوجد أناس يقولون: التوحيد قبل كل شيء، فلا تطلب العلم إلا بعد التوحيد وبعد ذلك تعلم ما بدا لك، فتجده جاهلاً في كثير من أمور دينه؛ لأنه أهملها وركز على التوحيد، فما رأيك يا شيخ في هذه الحالة؟ الجواب الحقيقة هذه الحالة وغيرها ينبغي أن يُنظر فيها من خلال ما فعله الرسول ﷺ ، ما هي سنة الرسول ﷺ وما هي سيرته في هذا الأمر فنقول: لا شك أن تحقيق التوحيد وبناءه والتركيز عليه لا بد منه، لكن من قال إنك وأنت تركز على التوحيد تُهمل غيره؟ ونحن نعلم أن رسول الله ﷺ مات والدين كامل، يعني بعد فرض الصلاة هل كان الرسول ﷺ إذا جاء رجل وأسلم قال علموه التوحيد والبعد عن الشرك، ثم قال بعد شهرين أو ثلاثة ائتوا به نعلمه الصلاة؟ لا، وإنما كان ﷺ إذا شهد شهادة الحق علمه الوضوء والصلاة؛ لأن الوضوء والصلاة توحيد، فالانفكاك بين هذه الأمور خطأ. وأبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه لما أن ارتدت الجزيرة العربية وانتقل ﷺ إلى الرفيق الأعلى وتولى الخلافة من بعده، ماذا فعل المرتدون؟ قسم من المرتدين اتبعوا المتنبئين الكذابين، فهؤلاء منكرون لنبوة محمد ﷺ أو مقرون معها بنبوة غيرهم فهم مرتدون، لكن قسم آخر منهم قال: نحن على الإسلام ونؤدي الصلاة، لكن هذه الزكاة لا نؤديها، فهل قال أبو بكر أهم شيء عندنا التوحيد؟ فما داموا يقرون بنبوة محمد فهذا الذي نركز عليه؟ ولهذا قال عمر واحتج على أبي بكر كما هو معروف، في حديث: (أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله). ورأى بعض الصحابة أن يُترك هؤلاء الذين منعوا الزكاة، لكن أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه قال: (والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة) وقاتلهم على ذلك، فهل فِعل أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه هنا هذا إلا سنة؟ والرسول ﷺ يقول: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)، ويقول: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر). لهذا فإنني أقول: إن مثل هذه القضية وهي قضية التركيز أو غير التركيز يخطئ البعض في فهمها وفي تطبيقها أحياناً، وإلا فلا أظن أن هناك خلافاً بين من يفقهون دين الله أن أي أمر لا بد أن يبنى على العقيدة، وأنك حينما تجد مجتمعاً ضعفت فيه العقيدة أو كثرت فيه الشركيات يجب عليك أن تركز على هذه الشركيات، لكن مع ذلك تدعوهم إلى الله وإلى غيرها فشعيب دعا قومه إلى لا إله إلا الله ودعاهم إلى: ﴿وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ [هود:٨٤] والأمر إن شاء الله واضح.

стр. 1613

حكم من أتى كاهناً يسأله من باب حب الاستطلاع السؤال لو ذهب شخص إلى أحد الكهنة لكي يخبره عن المولود القادم له، هل هو ذكر أم أنثى، وما ذهب لذلك إلا حباً للاستطلاع لكنه لا يصدّق ما يخبر به، فما حكم ذلك؟ الجواب ورد في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (من أتى كاهناً فصدقه فقد كفر بما أُنزل على محمد)، وفي بعض الروايات: (من أتى كاهناً) بدون (فصدّقه)، فإتيانه حرام لا يجوز؛ أولاً لأن فيه تكثيراً لسواده وتعظيماً له؛ وثانياً وهو الأخطر: أن فيه جانب اعتقاد أنه يعلم الغيب، وإلا لما ذهبت إليه، لماذا لم تذهب إلى غيره وتقول: هل مولودي ذكر أو أنثى؟ إذاً: ما ذهب إلى هذا الكاهن إلا وهو يظن أنه ربما يصدق في قوله، ونحن نعلم أن الكهنة في الجاهلية كانوا يسترقون السمع، يركب الجن فوق بعض حتى يصلون إلى السماء فيسمعون الوحي، فإذا سمعوا به ربما قيل يؤمر السحاب بأن يُمطر بلد بني فلان في يوم الثلاثاء، فأحياناً يُدركه الشهاب فيحرقه، وأحياناً يبلّغه قبل أن يُدركه فتصل إلى الكاهن فيقول الكاهن: يوم الثلاثاء يأتي مطر لبني فلان، قال ﷺ : (فيضيف إليها تسعة وتسعين كذبة) وكل الكذبات يتبين كذبه فيها؛ لكن لأنه صدق في تلك المرة تتعلق النفوس به، فيقال: ألا ترون أنه صدقنا في يوم كذا؟ لكن بعد ذلك حُرست السماء، فلا مجال لاستراق السمع أبداً، أي أنه لا مجال لأي إنسان مهما بلغت قدرته أن يطّلع على الغيب، لكن أن يطّلع على ما يمكن أن يُطلّع عليه بالأسباب هذا أمر لا شيء فيه، لكن أن يطّلع على الغيب فلا: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥] فمن أتى كاهناً فهو ضعيف الإيمان في هذا الجانب.

стр. 1614

حكم اتباع الهوى السؤال هل كل من اتبع هواه يُعد مشركاً؟ الجواب اتباع الهوى درجات، فاتباع الهوى إذا أدى بالإنسان إلى الكفر بالله أو الوقوع في أنواع من الشرك فهذا يقال اتبع هواه وأدى به إلى الكفر، وما نزل عن ذلك فهو بحسبه، فمن اتبع هواه مثلاً وقصّر في العبادة فنقول: هذا متّبع لهواه، أي أنه مقصّر في هذه العبادة، وهكذا فالأمر في هذه المسألة على درجات، وينبغي أن يُنتبه لذلك؛ لأن بعض الناس يعمم، ويقول: من اتبع هواه فقد اتخذه إلهاً من دون الله فهو كافر، فيدخل فيه مثلاً من اتبعه هواه في مسألة أو في أمر دنيوي أدى به إلى كسل عن صلاة أو كسل عن واجب، فهذا الاتباع لا يقال عنه إنه شرك، وبعض الناس على العكس من ذلك فنقول: الأمر فيه تفصيل.

стр. 1615

حكم الاستغاثة بمن يقدر على إنقاذه لكنه لا يسمعه السؤال لو استغاث شخص برجل قادر ولكنه لا يسمعه حالة استغاثته، فما حكم ذلك؟ الجواب إذا كان نطقه بهذا الكلام عند من سيبلّغ ذلك الرجل القادر فهذا مثلما لو كان حاضراً، فهذه من الأسباب المعروفة في حياة الناس ولا شيء فيها، أما إذا استغاث به وهو يعلم أنه لا يسمعه وليس هناك أحد يبلّغه فهو في هذه الحالة بحسب اعتقاده في هذه المقالة، وأقل أحوالها أن تكون من الشرك الأصغر.

стр. 1616

حكم علاج السحر بالسحر السؤال كثير من الناس يُصاب بسحر أو يتوهم أنه مصاب بسحر فتضيق عليه الأرض وكذا على أهله، فيضطر هو وأهله إلى الذهاب إلى السحرة والكهنة ليحلوا ذلك السحر، وإذا قيل لهم إن هذا كفر أو شرك قالوا: إذا رجعنا تبنا إلى الله ، وما الطريقة المثلى أو الطريقة الشرعية لحل السحر؟ الجواب هذا السؤال مهم وينبغي أن نعلم أنه كما أخبر الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦] السبب هو ضعف الإيمان، وضعف الإيمان يؤدي بالإنسان أحياناً إلى الوهم، لو قيل لإنسان أصيب مثلاً في ليلة أو ليلتين بالأرق: أكيد أنه أصابتك عين أو أصابك سحر! فصدّق فتوهم فإنه لا يمكن أن يبيت لا يمكن أن ينام، يصبح هاجسه ليلاً ونهاراً هذا المرض، بينما الرجل ليس فيه مرض، لكن لما قيل له ذلك ربما صدّق فأدى به إلى هذا، ولهذا تجد كثيراً من الأمراض في بدايتها سهلة عادية، لكن تتعقد بالوهم، وهذا معروف حتى في المرض العضوي الإنسان إذا أُصيب بمغص في بطنه، أو بجرح معين أو شيء من ذلك! إذا أعطاه قدره المناسب له، تشجع الرجل وصار يأكل ويأخذ بالأسباب ونفسيته طيبة، لكن لو قيل له: لا، هذا فيه مرض خطير، بدأ الوهم عنده، وتعلمون أنتم أن الوهم يهد الإنسان خلال ساعات، بل خلال وقت قصير، فإذا هُد هذا المريض وصار لا يأكل وصار مهموماً ومغموماً مرض واشتد مرضه وضاق صدره وصدر أهله، بل إنك تجد الإنسان وهو في أشد حالات المرض في المستشفى لأنه واهم وخائف، فإذا جاءه الطبيب وقال له: الحمد لله، لقط أظهرت التقارير أنه لا شيء فيك، فكأنما ينشط من عقال، فإذا به يجلس ويحدث من حوله، ويبتسم، ويشتهي ويأكل وتتحسن حالته، والعكس بالعكس، فهذه واحدة. الأمر الثاني: أن من وقع عليه ابتلاء في مثل هذه الأمور مما ذكره السائل، يجب على العبد أن يتقي الله : (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم) وما من داء إلا وله دواء، وليس هناك مرض إلا وله دواء إلا السام وهو الموت، أما ما عدا ذلك فله دواء، وهذا الدواء شرعي، وحينئذ فإنني أقول: إن من ابتلي بمثل هذا المرض فعليه أن يتقي الله . أولاً: لا يجوز له أن يذهب إلى هؤلاء السحرة، وخداعه لنفسه أنه يقول: إذا رجعنا نتوب! هذا كلام خطير يُخشى على صاحبه، مثل ذلك الشخص الذي يقول: أقع في المعصية وأتوب، سبحان الله! وإذا جاءك الأجل وأنت على المعصية فماذا ستقول لربك ؟ كذلك أيضاً نقول لهؤلاء لو وقع حادث سيارة وأنتم راجعون ومتم لم تدرككم التوبة، فاتقوا الله . ثانياً: يجب على هؤلاء أن يبحثوا عن الرقية الشرعية، ومثل السحر وغيره توجد رقى شرعية، هذه الرقى تنفع مع الإخلاص والتعلق بالله ، والله يشفي صاحبه، وقد تكون إرادة الله أن يُبتلى هذا الرجل وأن يستمر عليه البلاء زمناً، فلا ييئس الإنسان. فينبغي يا أيها الإخوة أن ننتبه لهذه القضية، فلا يجوز الذهاب إلى هؤلاء، ولا يجوز علاج السحر بسحر مثله على القول الراجح وخاصة في هذه الأيام التي انتشر فيها هؤلاء السحرة.

стр. 1617

حكم من يعلم بمشعوذ ولا يقدر على إزالته السؤال ما حكم من يعلم عن حال مشعوذ يفد الناس إليه جماعات لكنه لا يستطيع أن يعمل شيئاً، فما الواجب عليه؟ الجواب القول بأنه لا يستطيع غير صحيح، فعليه أن يبذل، أن يأتي إلى أهل الخير والعلم من أبناء هذه المدينة الذي هو فيها أو القريبة منها ويشرح حاله ويحذّر منه، وكما أشرت في أثناء هذا الدرس فإن من المهم أن يقام فيهم حكم الله ضرورة حتى لا يستفحل شرهم وقد استفحل.

стр. 1618

حكم الرقية بغير اللغة العربية السؤال إذا كان من يرقي لا يجيد اللغة العربية، فهل يرقي بغير اللغة؟ الجواب لا يجوز، وقد ذكرنا أنه من شرطها أن تكون باللغة العربية.

стр. 1619

المعاصي والرياء بريد الكفر السؤال نود منك أن تبين صوراً للرياء تقود فاعلها إلى الشرك الأكبر؟ الجواب كل المعاصي قد تقود إلى الشرك الأكبر، كم من شاب قادته الشهوة إلى ذلك، بمعنى أنه أتاه صديق له وقال: تعال، فوقع في الزنا، والزنا معصية من المعاصي وكبيرة من الكبائر، إذا تاب منها الإنسان فالله يتوب عليه ولا يكفر صاحبها، لكن قد تأتي هذه المعصية حين يبدأ بها من خلال أصدقائه، فيؤدي به الأمر أحياناً إلى ترك الصلاة، وهذا يقع، ومن وقع في شرب الخمرة أو وقع في الزنا ونحو ذلك غالباً ما يؤدي به نعوذ بالله إلى ترك الصلاة، وهذا بحد ذاته كفر، بل قد يكون ما هو أشد من ذلك، قد يؤدي به إلى الاستهتار بالدين والاستهزاء بالدين، وهذا أيضاً ردة، قد يؤدي به أحياناً إلى أنه لا يستطيع أن يتحلل هذا التحلل إلا من خلال الإلحاد وإنكار وجود الله ، وهذا واقع، بل كثير من دعاة الإلحاد والكفر بالله يدخلون إلى الشباب عن طريق الشهوات، فبدأه بمعصية وانتهى إلى كفر بالله السائل سأل عن الرياء؟ نقول: نعم، قد يبدأ الرياء خفيفاً مع الإنسان فيبطل صلاته أو عبادته أو جزءاً منها، لكن قد يستحكم عليه، ثم يبدأ هذا الإنسان لا يعمل لله، ربما كثر الأتباع له ونظر الناس إليه فصار في الخفاء يجاهر ربه بالمعاصي، وأمام الناس يتظاهر أنه من الأتقياء، فتأتيه النفس وتقول: إنك تضحك على الناس فاضحك على ربك أيضاً! فيبدأ ولا حول ولا قوة إلا بالله يتظاهر بهذا الرياء، وهو في الحقيقة إذا كان بينه وبين ربه ربما لا يؤدي الصلاة أو لا يؤدي بعض العبادات الواجبة.

стр. 1620

علاج الرياء السؤال شخص ابتلي بالرياء فما العلاج لذلك؟ الجواب العلاج لذلك الرقابة الشديدة على القلب وأنت تعمل هذه الأعمال التي تخشى من الرياء فيها، ومقتضى ذلك أن توقن يقيناً تاماً أن هؤلاء الناس لا يستطيعون أن ينفعوك بشيء، ومن ثم فإنك إذا راءيتهم خسرت الآخرة فلا ثواب لك، وخسرت الدنيا أنك لم تعمل هذا العمل لوجه الله تعالى، فلم ينفعك عملك في زيادة إيمانك وفي تقوية قلبك، ومن هنا فإنني أقول: يا أيها الأخ العزيز إذا خشيت من هذا فعليك أن تعالج نفسك بنفسك من خلال أمور: الأول: أن تحرص كثيراً على أن تكون عباداتك الخاصة لوحدك، كالعبادات التي هي نوافل. الأمر الثاني: أن تجاهد نفسك عند عمل الطاعة إذا كان لا بد من عملها أمام الناس، فتجاهد نفسك ولا تستتر للشيطان، فإن الشيطان قد يأتيك ويقول لك: إنك ترائي، فعليك أن تراغمه وأن تستمر في عبادتك. الأمر الثالث: أن تدعو ربك أن يعصمك من مثل هذا الأمر، وأنا أخشى أن يكون مثل هذا وهماً، أعني أن الشيطان يريد أن يفسد عليك عباداتك فيقول لك: إنك ترائي، ويريد أن يُفسد عليك العبادة حتى تتركها أو حتى تتخلى عن الصالحين ولا تجالسهم فالأولى مراغمة الشيطان وأن تحرص كل الحرص على أن تُحضر قلبك ليكون مخلصاً لله تعالى في هذه العبادة، والله ﵎ يتولاك.

стр. 1621

حكم تعليق القرآن أو الأذكار في السيارات السؤال انتشر في هذه الأيام عند بعض الناس وضع المصحف في السيارة أو تعليق بعض الآيات أو الأحاديث، أو وضع بعض الملصقات التي فيها آيات قرآنية، فهل هذه تُعتبر من التمائم؟ وهل ما يوضع من الأدلة الواردة في السنة كدعاء الركوب من ذلك؟ الجواب أظن أن بعض هذه الأمور يدخل في هذا، مثل الذي يضع المصحف في مقدمة السيارة أظنه يقصد أنه تميمة، فإذا كان قصده ذلك فيدخل في الحكم الذي رجّحنا أنه لا يجوز، أما ما عدا ذلك من الأشياء المعلقة فهي بحسب مقصدها، إن كان قصده أن يتذكرها، بمعنى أنه إذا ركب السيارة تذكر الدعاء فمثل هذا إن شاء الله لا بأس به خاصة إذا لم يكن آية قرآنية، أما إذا كانت آية قرآنية مثل آية الكرسي وغيرها فحكمها حكم اللوحات التي تعلق أحياناً في البيوت وغيرها، وهذه الأمور مما اختلفت فيها الفتوى بالنسبة للمشايخ حفظهم الله تعالى، والذي يظهر والعلم عند الله تعالى أن مثل هذه اللوحات تتحول إلى نوع امتهان لها، وهذا الامتهان إما أن يكون من خلال أن توضع كأواني، وأحياناً يمتهنها الأطفال، وأقل أحوالها أنها تتحول إلى زينة فقط، فلا تُقرأ ولا أحد يلتفت إليها، وإنما تحولت إلى مجرد زينة، وهذا مما ينبغي أن ينزه عنه كلام الله تعالى.

стр. 1622

حكم تعليق الأدوية العشبية على الطفل السؤال هل ما يعلق على الطفل من الأدوية العشبية خشية من الأمراض يعتبر من التمائم المحرمة؟ الجواب نعم، بل هو من أشدها، ولا شك أنها لا يجوز؛ لأن مثل هذه الأمور يظنون أنها تحمي، فالاعتقاد بأنها تحمي كتعليق الخرزات، أو سلسلة مغناطيسية، أو غير ذلك يظن أنها تحمي، فهذا كله مما لا يجوز.

стр. 1623

حكم الحلف بآيات الله السؤال هل الحلف بآيات الله يعتبر من الشرك، وخاصة إذا كان يقصد الآيات الكونية؟ الجواب إذا كان يقصد آيات كونية، وقصده مثلاً كأنه يحلف بالسماء أو يحلف بالشمس، فهذا لا شك أنه حلف بغير الله، أما إذا كان يحلف بآيات الله أي القرآن فهذا جائز.

стр. 1624

حكم الحلي التي على شكل كتاب السؤال انتشر في الآونة الأخيرة بعض حلي النساء يُعلّق على رقابها على شكل كُتيب صغير، فهل هذا من الرقى والتمائم؟ الجواب حسب مقصدها، إذا كان هذا الكتيب الصغير لا يقصد بأنه مصحف أو لا يقصد به أنه يحمي فهذا من الأمور التي هي زينة جائزة؛ لأنه أحياناً تأتي على شكل من الأشكال المصورة من كتاب وغيره فهذا لا بأس به، أما إذا قُصد التميمة فالأمور بحسب مقاصدها؛ لأنه حتى الحلي التي ليس فيها شكل كتاب ولا غيره لو قصدت به صاحبتها أنها تحميها لتحولت إلى تميمة، ومن ثم فلا تجوز.

стр. 1625

حكم من يرمي بعض الطعام عن العين إذا مر عليه شخص وهو يأكل السؤال بعض الناس إذا مر عليه شخص وهو يأكل رمى بعض الطعام ويقول: عن العين، فما حكم ذلك؟ الجواب لا دليل عليه، وهذا من ضعف الإيمان.

стр. 1626

أنواع المحبة ودرجاتها السؤال بعض الناس يُفرط في الحب في الله بحيث يتعدى الحدود الشرعية كأن يقدم محبة الشخص على الوالدين، أو أن تكون النتيجة ترك بعض السنن أو عمل بعض المكروهات؟ الجواب ينبغي أن يفرق بين أنواع ثلاثة من المحبة: النوع الأول: محبة العبادة، فهذه يجب أن تكون خالصة لله، فالله تعالى هو وحده يُحب لذاته، ومن ثم فالطاعة له وحده لا شريك له، وكذلك أيضاً مقتضيات المحبة الأخرى. النوع الثاني: المحبة في الله، وهذه المحبة على درجات، أعلاها محبة الرسول ﷺ الذي يجب أن يُقدم على محبة النفس والولد والوالد، ثم يأتي على إثرها كل محبة في الناس، محبة الطاعات، محبة أخيك المؤمن، محبة الصحابة، محبة كل من عمل صالحاً من المؤمنين؛ هذا كله مما يقوي الإيمان، فهذه الأنواع من المحبة هي إيمان؛ لأنها في الله. النوع الثالث من المحبة: المحبة الطبيعية، مثل محبة الولد، ومحبة الوالد، ومحبة الوالدة فهذه محبة ركّبها الله في طبيعة البشر، بل إنها موجودة في البهائم والطير وغير ذلك، فهذه المحبة لا يأتي قائل ليقول: إن هذه المحبة تخالف تلك المحبة، وإنما ننظر إليها من خلال درجاتها، فمن قدّم مثلاً محبة الولد على محبة الله يُشبه من قدّم محبة المال أو محبة الزوجة على محبة الله تعالى بحيث يؤدي به إلى ترك عبادة الله وحده لا شريك له فنقول: إن هذا التقديم لهذه المحبة خطر على صاحبه قد يؤدي به إلى كفر وقد يؤدي به إلى أنواع من الفسق أو المعاصي، فهي على درجات كما سبق أن بيّنا.

стр. 1627

قواعد وضوابط في الشرك السؤال لو ذكرت لنا بعض القواعد والضوابط في تمييز الشرك عن غيره، وفي تمييز الشرك الأكبر عن الأصغر؟ الجواب ليس هناك قواعد وضوابط بحيث توضع هذه القاعدة وتأتي عليها الأنواع كلها، وإنما الأمر يحتاج إلى شيء من الاستقصاء؛ لأننا مربوطون بالدليل من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ ، ونحن نعلم أن بعض هذه الأمور قد تكون شركاً في شريعة ولا تكون شركاً في شريعة أخرى، فالسجود مثلاً للاحترام والتقدير كان جائزاً كما في قصة يوسف مع أخوته، لكنه في شريعة محمد ﷺ شرك أكبر، ولهذا كما في الصحيح: لما قدم معاذ من الشام وأقبل على الرسول ﷺ من شدة هيبته وفرحه برؤية النبي ﷺ سجد له، فقال له رسول الله ﷺ : ما هذا يا معاذ؟ قال: يا رسول الله إنني كنت في الشام فرأيتهم يسجدون لرهبانهم وقساوستهم فأنت يا رسول الله أحق بذلك، فقال ﷺ : (لا تفعل، فلو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) فصار السجود لغير الله من العالم به شركاً وكفراً أكبر. صحيح أن هذا يدخل في المعاني وتمييز الأمور وضبطها، لكن أيضاً لا بد من النظر فيه إلى الأدلة، عندما نقول: عبادة غير الله شرك القصد بأي نوع من أنواع العبادة، فما يأتينا أحد ليقول لا بد أن تستقصي كل هذه الأمور بحيث يكون هذا الأمر شاملاً شمولاً كلياً، وإنما يُذكر من ذلك الأمثلة ويميز بين ما كان أكبر وما كان أصغر أيضاً بالدليل، ولهذا تجد مثلاً إرادة الإنسان بعمله الدنيا، أو ما ذكرناه قبل قليل مثل اتباع الهوى على درجات، أو المحبة، أو الخوف من غير الله الإنسان يخاف من السبع ويخاف من النار، هل نقول هذا وقع في الشرك الأكبر؟ لا، وإنما نقول: الخوف من غير الله على درجات، فإن كان هذا الخوف من غير الله في أمر لا يقدر عليه ولا يملكه إلا الله ! فهذا قد يوصل صاحبه إلى الشرك الأكبر، وإن كان في أمر يخاف منه الإنسان عادة فهذا من الأمور العادية، وإن كان في أمر مما بين ذلك فهذا دال على ضعف إيمانه وقد لا يوصل صاحبه إلى الشرك الأكبر، وهكذا بقية الأمور.

стр. 1628

ضعف التوحيد عملياً السؤال كثير من الناس يعرف التوحيد علمياً ولكن قل من يعرفه عملياً، كيف العلاج لذلك؟ الجواب هذا مرض عضال؛ لأن بعض الناس التنظير الذهني عنده جيد، لكن إذا جاء إلى الأمور العملية اختلطت عليه الأمور. كثير من الناس فيما مر من أزمة سابقة قيل: هؤلاء تربوا على التوحيد، بل يحفظون كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ويستطيع الواحد أن يشرح لك لمدة نصف ساعة أو أكثر، ثم لما جاء الأمر إلى تطبيق عملي وقع بعض الناس في أنواع من المخالفات، فتعلقت النفوس بغير الله، حيث ظن أن هذا الشخص أو هذه الجهة أو هذه الدولة ربما تحميه من النار، ظن أنه حينما يهرب من هذا المكان أنه ينجو من الموت، وهذا كله دليل على ضعف الإيمان، فعند التنفيذ العملي ضعف إيمانه، ولهذا نحن نقول: نسأل الله أن يرزقنا التوحيد، وأن يعيذنا من الفتن؛ لأن الإنسان قد يبتلى، وعند الابتلاء قد يقوى الإنسان على المواجهة وقد لا يقوى.

стр. 1629

حكم استخدام الذئب في علاج الجن وحكم أخذ الأجرة على الرقية السؤال بعض الناس الذين يقرءون يستخدمون الذئاب في علاج بعض الأشخاص لإخراج مس الجن، وما حكم أخذ الأموال على ذلك؟ الجواب أما الرقية الشرعية فالصحيح جواز أخذ المال للحديث الصحيح الذي فيه أن الصحابة رقوا الرجل الذي لُدغ فأعطوهم مقابل ذلك أغناماً، لكن العلماء يتكلمون في الاشتراط المسبق، أما إذا أُعطي فلا شيء فيه إن شاء الله تعالى، ولكن ينبغي للقارئ المخلص أن يتجنب هذا الأمر وأن يجعل قراءته خالصة لوجهه تعالى؛ لأنه مدخل لهوى النفس والتعلق بالدنيا والتعلق بالمال كما يحدث للبعض، نسأل الله لنا ولهم العافية. أما ذلك الذي يقرأ ويستخدم بعض هذه الأشياء فنحن نقول: إن هذا الأمر يترك للتجربة، إذا كان يظن أن الجن تنفر من هذا الشيء فهذا متروك للتجربة، لكن على ألا يُعتقد فيه؛ لأن بعض الناس سمع ما ذكره السائل فاقتنى ذئباً، وبعضهم اشترى ذئباً وقطع رأسه وحنّطه وأبقاه في بيته، وبعضهم بحث عن جلد الذئب ليجعله في بيته وهذا كله من الأمور التي هي مضعفة لتحقيق التوحيد.

стр. 1630

حكم قول القائل في ذمتك ونحوه السؤال ما حكم قول القائل: في ذمتك أو أمانتك، أو قول بعضهم: في ذمته ليفعلن كذا؟ الجواب هذا حلف بغير الله، بل هو أخطر من الحلف بغير الله، فينبغي أن يتجنب.

стр. 1631

حكم قول القائل إنه ما صدق على الله السؤال ما حكم قول القائل: أنه ما صدّق على الله، من الناحية الشرعية؟ الجواب الذي يظهر أن مثل هذه العبارة وإن كان التعبير عنها عامية فيه شيء من الغموض، لكن الذي يظهر أنه لا شيء فيها؛ لأن قصد صاحبها أنني ما كنت أتوقع هذا، ثم تبيّن لي أن هذا قد كتب وقدر، ما كنت أتوقع أن فلاناً يأتي فإذا بي أراه في هذا المكان إلى آخره، فأقول: لو اجتنبت هذه العبارة لكان أولى، لكن من قالها فالذي يظهر أن قصده فيها لا شيء فيه.

стр. 1632

حكم النظر إلى المسلسلات في التلفاز السؤال ما حكم النظر إلى المسلسلات التي تظهر في التلفاز، وخاصة أن في بعضها بعض الأمور التي تخالف الشريعة، أو الإشراك بالله ؟ الجواب إذا كان فيها محرمات فلا تجوز، وإذا كان فيها شرك فلا تجوز، إذا كان فيها نساء فلا يجوز النظر إليهن، هذه كلها واضحة الدلالة.

стр. 1633

حكم الأجرة على تعليم القرآن السؤال ما حكم أخذ الأجرة على الرقية استناداً على حديث: (إن خير ما أخذتم عليه أجراً هذا القرآن) وأنه إنما يكون في الرقية فقط كما يراه المحدث العلامة الشيخ ناصر الدين الألباني؟ الجواب أخذ الأجرة على الرقية مسألة خلافية، وكذلك هل تجوز أخذ الأجرة على تعليم كلام الله؟ أما أخذ الأجرة لأجل أن يقرأ، مثل لو جاء إنسان وقال: يا فلان اقرأ لي سورة البقرة بمائة ريال، فيأتي هذا فيقرأ له سورة البقرة لأجل المائة، فالذي يظهر أنه لا يجوز، لكن أخذ الأجرة على التعليم مسألة خلافية بين العلماء، والذي يظهر والله أعلم جوازها، لكن ينبغي أن يكون معلوماً لدى المؤمنين الأخيار أنه لا ينبغي أن يلجأ معلم القرآن إلى مثل هذا، إذا كان هناك معلم للقرآن فالأولى له أن لا يُلجأ إلى أن يطلب هذا الأمر وتكون أجرة ومفاصلة وغير ذلك، وإنما يُعلِّم ويُعطى ما يكفيه من رزقه، هذا الذي ذكره العلماء، وهو الأمر الطيب الذي يجب أن يُسلك.

стр. 1634

أفضل شروح الطحاوية السؤال ما أفضل الشروح للعقيدة الطحاوية، خاصة من ناحية التصحيح والتعليق والتخريج؟ الجواب أفضل الشروح هو شرح ابن أبي العز الحنفي، وأما عن التعليق فأقول: هما طبعتان من أفضل الطبعات: فالطبعة الأولى هي الطبعة المشهورة طبعة المكتب الإسلامي، وعليها تعليقات المحدث الشيخ الألباني، والطبعة الثانية هي الطبعة الأخيرة التي بتحقيق الشيخ تركي وشعيب الارنؤوط، وهذه الطبعة ظهرت منها الآن طبعة جديدة في مجلد واحد، فلعله استدرك فيها ما كانت عليها من ملحوظات.

стр. 1635

حاجتنا إلى التربية تكثر الشهوات وتتوالى الفتن والمغريات، ويتكالب أعداء الدين على إتاحة الفساد والعمل المؤسسي لإضلال الشباب، ومن هنا تأتي الحاجة للعمل من أجل هذا الدين بصورة جماعية، وذلك بأن يجمع الشمل وتتكاتف الجهود على تربية الشباب وتزويدهم بالمعاني الإسلامية والقيم الأخلاقية العليا.

стр. 1636

الحاجة إلى التربية إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله، أرسله الله منقذاً للبشرية من الضلال إلى الهدى، ومن الظلمات إلى النور، ومعلماً ومربياً للبشرية ومزكياً لها، وما عرفت البشرية معلماً أحسن تعليماً ولا تأديباً ولا تربية منه ﷺ . أما بعد: أيها الإخوة! إن الحديث عن التربية حديث ملح، ومطلب له أهميته، ذلك أننا نشهد -ولله الحمد- في عالمنا الإسلامي صحوة إسلامية طيبة مباركة، هذه الصحوة التي تنوعت مظاهرها ومجالاتها، وعمت العالم بأسره، لا العالم الإسلامي وحده، إنها صحوة تعلن لكل متأمل وناظر لها أن الإسلام قادم؛ ليحكم حياة الناس، وأن الإسلام قادم ليتبوأ المكانة التي اختار الله هذه الأمة لها. وإننا ينبغي أن نقف وقفات طويلة مع أنفسنا، وأن نتمعن في مسيرة هذه الصحوة، وأن نراجع الحسابات بين الفينة والأخرى. إن العاطفة وحدها لا يمكن أن تكون مقياساً لمسيرتنا، ولا يمكن أن تكون قائداً لدعوتنا، إنها إذا لم تربط بالمنهج، والعلم الشرعي، والتربية، والاستقامة، قد تقودنا إلى مهالك. ومن هنا كان لزاماً علينا أن نتحدث عن التربية التي نحتاج إليها جميعاً، نحتاج إليها لأنفسنا، سواء كنا شباباً أو شيباً، رجالاً أو نساءً، يحتاج إليها المربي ليربي من ولاه الله أمانته ومسئوليته، أخاً كان أو تلميذاً أو ابناً، أو حتى هذا المجتمع العريض، إنه يتلقى تربيته من قادة هذا المجتمع خطيباً، أو متحدثاً، أو كاتباً، أو محاضراً. وعناصر هذه المحاضرة هي: مقدمة لا بد منها. ماذا نعني بالتربية؟ من يمارس التربية؟ سؤال يفرض نفسه. مسوغات مطالبتنا بالتربية. لم يكن أسلافنا بمعزل. نريد باختصار. مقدمة بين يدي هذا الموضوع: إنني حين أتحدث عن التربية هنا لست أتحدث حديث مختص، فلست أتحدث عن تلك التربية التي أصبحت علماً خاصاً له أصوله ونظرياته، وله قواعده ومنهجه في البحث، إنما نعني بالتربية هنا أن يسلك المرء بنفسه المنهج الشرعي، ويربيها على أوامر الله ورسوله ﷺ ، وعلى أخلاقيات هذا الدين. وما أطرحه هنا أيضاً ليس نظرية تربوية متكاملة، وليس حديثاً عن أبعاد التربية، وأهدافها، ومجالاتها، وجوانبها، إنني أريد أن أصل إلى نتيجة واحدة باختصار هي: أن يخرج السامع وهو على قناعة بأننا بحاجة إلى التربية. هذا ما أريد أن أتحدث عنه، ومن هنا فليس هذا وقت الحديث عن أهداف التربية، أو جوانبها، ومجالاتها، والأخطاء التربوية إلى غير ذلك، غاية ما نريد أن نصل إليه أن نقنع أنفسنا أننا بحاجة إلى التربية.

стр. 1637

ماذا نعني بالتربية إن التربية التي نتحدث عنها والتي ترد في مصطلحات الدعاة إلى الله ، ومصطلحات من يتخاطب مع جيل الصحوة هي أبعد من أن تكون نظريات فلسفية، أو مفاهيم سلوكية مجردة. إنها تعني الصياغة المتكاملة للفرد والمجتمع على وفق شرع الله ، أن نصوغ الفرد بدءاً بصلته بالله ، وأخلاقه، وسلوكه، ومهاراته، وقدراته العلمية والاجتماعية، وتعامله مع الناس، فهي تعني باختصار إعادة بناء الفرد، وإعادة بناء المجتمع بناءً مستقيماً وفق شرع الله .

стр. 1638

من يمارس التربية إن الإنسان أياً كان لا بد أن يتعرض للتربية، والتربية ليست بالضرورة تربية إيجابية، فقد تكون تربية سلبية، وقد تكون تربية على مفاهيم خاطئة، وقد تكون تربية منحرفة، لكن الناس كل الناس لا بد أن يتعرضوا للتربية، إما تربية ذات منهج وخطا واضحة، أياً كان هذا المنهج، قد يكون منهجاً للإصلاح والخير والاستقامة، وقد يكون منهجاً يراد به الإفساد، ويراد به الانحراف، كما نلمس الآن في المناهج التي تخاطب بها الأمة، حيث نشروا الفساد والرذيلة، وعملوا على محاصرة أبواب الخير، وهي -لاشك- جهود منظمة لإحداث إخلال تربوي في وسط هذه الأمة. ولعل جزءاً من الأمراض التي تعاني منها الأمة كان نتيجة لتلك التربية السلبية، أو تلك التربية السيئة المتعمدة، أقول: قد تكون التربية تربية مقصودة ذات أهداف وخطا واضحة، سواء كانت تربية إيجابية أو كانت خلاف ذلك، وقد تكون أموراً ارتجالية غير مقصودة، ولكنها تربي الإنسان شاء أم أبى. هذه التربية تمارسها طوائف شتى في المجتمع، وليس صحيحاً أن التربية منحصرة في إطار المؤسسات التربوية، فالمؤسسات التربوية جزء -ولاشك- ممن يمارس التربية، ولكننا حين نتأمل نجد أن الذين يمارسون التربية أصناف، الأب والأم في المنزل يمارسان التربية، أياً كانت هذه التربية، مقصودة أو غير مقصودة، فالأب أحياناً يساهم في تربية ابنه على الانحراف، وعلى عدم القيام بأوامر الله ، وعلى أن يكون عبداً لشهواته وأهوائه، من خلال تلك القدوة السيئة التي يراها الابن من أبيه، أو من خلال ما ييسره الأب ويسخره لابنه من وسائل الإفساد، فهو هنا يمارس تربية سيئة. وقد يمارس الأب أيضاً تربية سيئة من جانب آخر، فيقتل شخصية الابن؛ فيخرج الابن مسحوق الشخصية، لا يمكن أن يستقل في تفكير ولا رأي ولا قرار، ويتعود الابن أن يكون مقلداً للآخرين، محاكياً للآخرين، ضعيف الشخصية، لا يستطيع أن يتخذ أي قرار في حياته. وقد يربي الأب أو الأم الولد على الجبن والخوف والهلع، فيحسب ألف حساب لكلمة يريد أن يقولها، أو موقف يريد أن يعمله، وحين نعود إلى حياة السلف نرى كيف كان السلف يربون أبناءهم على الشجاعة والتضحية، وكيف كان الجبن والهلع صفة ذم ينتقص بها الإنسان عندما يذم ويهجى. وأحياناً يربي الأب ابنه على معاني الفضيلة، والحياء، والخلق الفاضل، والعفة، وعلى طلب العلم الشرعي، والسلوك الإسلامي، المهم أن الأب يمارس تربية لابنه، سواء كان مثقفاً، أو كان غير مثقف، وسواء كانت تربية مدروسة ذات أهداف وخطط وبرامج واضحة، أو كانت تربية ارتجالية. والشيخ الذي يدرس العلم الشرعي هو الآخر يربي، وليس صحيحاً أن الشيخ في حلقته وفي درسه العلمي لا يزيد على أن يلقي جوانب علمية مجردة، بعيدة عن المفاهيم التربوية والسلوكية، بعيدة عن تربية المنهج العلمي عند الطالب. ولهذا عندما تتأمل وتقرأ في سيرة عالم من العلماء، ترى بصمات شيخه واضحة عليه، من خلال عباراته، ومن خلال ترجيحاته واختياره، ومن خلال جوانب الضعف العلمي لديه، ترى بصمات ذاك الشيخ الذي لازمه طويلاً ظاهرة عليه، سواء كانت سلباً أو إيجاباً؛ لأن الشيخ يمارس تربية مع التعليم. كذلك المؤسسات التربوية: المدارس، ودور الرعاية، والدور الاجتماعية، كل هذه المؤسسات التربوية أيضاً هي الأخرى تمارس التربية. وكذلك تجمعات الشباب، سواء كانت هذه التجمعات تجمعات خيرة، كفئة من الشباب يجتمعون على حفظ القرآن، أو على تدارس العلم الشرعي، ويكون بينهم تجمعات ولقاءات داخل المدرسة وخارجها، أو داخل الحي وخارجه، أم كانت من التجمعات الفوضوية، فتجمعات الأحياء والشوارع والسوقة هي الأخرى أيضاً تمارس تربية، فهي تربي المنتمي لهذه المجموعة على معانٍ سائدة داخل هذا الوسط الاجتماعي المصغر الذي تعيشه هذه المجموعة، وعادة ما تكون تربية مثل هذه المجتمعات -أعني مجتمعات الشوارع- تربية سلبية. المهم أن التجمعات أياً كانت تمارس تربية، وتصبغ الفرد من خلال هذا الجو العام السائد على هذه المجموعة، سواء كانت سلبية أو إيجابية. كذلك الموروثات الاجتماعية من آداب وتقاليد يرثها الناس ويتوارثها المجتمع، فتصبح جزءاً مستقراً في كيان هذا الشخص، فأنت ترى مثلاً مجتمعاً ألف الكرم والسخاء والجود، فترى مثل هذه الجوانب تظهر على كل فرد يخرج من هذا المجتمع، وترى مجتمعاً تربى على الشجاعة والإرادة فترى أفراده كذلك. وبالعكس، ترى مجتمعاً تربى على الجبن والخوف والبخل وبذاءة اللسان، فترى أيضاً هذه الموروثات تصبغ هذا المجتمع بصبغة معينة من خلالها يتربى الفرد، ويتأثر من خلال هذه الموروثات التي يرثها من مجتمعه. وكذلك وسائل الإعلام: التلفاز، الفيديو، الإذاعة، أياً كانت هذه الوسائل، فهي الأخرى تمارس تربية. والفرد نفسه يمارس تربية لنفسه، من خلال عبادته، وتعامله مع الناس، ومحاسبته لنفسه، ومن خلال تلك المعاني التي يغرسها في نفسه أياً كانت هذه المعاني. إذاً: فالتربية -كما قلنا- ليس صحيحاً أنه لا يمارسها إلا المؤسسات التربوية، أو الأساتذة،

стр. 1639

القناعة بأهمية التربية سؤال يفرض نفسه: إن الحديث عن التربية ووضع أسسها وأهدافها وبرامجها، كل ذلك فرع عن القناعة بجدواها، فما مدى قناعتنا بجدوى التربية؟ وما مدى شعورنا بأهمية التربية؟ إننا بحاجة إلى التربية، وإن جيلنا مهما ارتقى ومهما بلغ من مستوى فهو بحاجة إلى التربية. أقول: إننا يجب أن نطرح على أنفسنا هذا السؤال، والقضية لا يمكن أن نجيب عليها بـ (نعم) أو (لا)، فمستوى القناعة يتفاوت عند الناس، فما لم يكن لدينا قناعة تامة بأهمية التربية، وحاجتنا إليها وضرورتها؛ فإن الحديث عن أهدافها وعن أسسها وبرامجها، والحديث عن الجوانب التربوية يعتبر من فضول الحديث؛ لأن هذا -كما قلنا- إنما هو فرع عن شعورنا وقناعتنا بأهمية التربية.

стр. 1640

مسوغات المطالبة بالتربية

стр. 1641

كثرة الفتن والمغريات بعد ذلك ننتقل إلى النقطة الأساسية والمقصودة من خلال عرض هذا الموضوع، ألا وهي: مسوغات مطالبتنا بالتربية. نحن حينما نطالب بالتربية، ونرى أننا بحاجة إليها، فما المسوغات التي تدفعنا لذلك؟ عندما نقول: إن جيل الصحوة يجب أن يعتني بالتربية، وأن توجه له التربية، وأن تقوم مؤسسات ودراسات وبحوث وجهود لتأصيل النظرية التربوية المتكاملة، ومن خلال برنامج عملي أيضاً، وألا تكون القضية مجرد كلام وطرح نظري معرفي فقط، أقول: عندما نطالب بذلك فإن لنا حججاً ومسوغات: أولها: كثرة الفتن والمغريات: إن الشاب الآن يتعرض لفتن كثيرة خاصة في مرحلة المراهقة وما يعقبها، ومن هنا فتراه يعيش صراعاً مع نفسه، وصراعاً مع شهواته، وصراعاً مع هذه الفتن والمغريات التي تؤزه أزاً للفساد وتدفعه دفعاً، ويرى أن هناك عوامل عدة تدفعه دفعاً إلى الرذيلة والفساد، فيرى وسائل الإثارة والإغراء، بدءاً بالأفلام والتلفاز. وها نحن أقبلنا على خطر داهم يدركه الجميع ألا وهو البث المباشر، فأصبح الشاب الذي قد لا يكون خرج من مدينته، بل قد لا يكون جاوز قريته يدير التلفاز ومحطات الاستقبال، فينقله إلى أوروبا وأمريكا ودول الكفر والإلحاد؛ ليرى الإباحية والتفسخ والانحلال. وهو خطر قادم أشعر أننا لم ندرك حقاً حجم خطورته، وأشعر أن تعاملنا مع هذا الخطر دون مستوى خطورته، وأخشى أيها الإخوة! أن نحصد النتيجة مرة، من خلال خسارتنا لعفاف بناتنا، وعفاف أبنائنا، وهي قضايا لسنا نتحدث عنها من خلال مبالغة، وها نحن نرى نماذج مرة من الانحلال والفساد والتفسخ والجريمة إنما تحصل من خلال هذه المغريات وهذه المثيرات التي يراها الشاب أو تراها الفتاة. كم جنينا وعانينا من جراء أفلام الفيديو، والتي تتعرض لمراقبة أياً كانت هذه المراقبة، لكنها تتعرض لمراقبة، وقد يصعب على الشاب الحصول على الفلم الذي يريد، ولكن الآن أصبح العالم كله يعرض بين يديه دون مراقبة، ودون استثناء، في الطعن في عقيدته وأخلاقه وسلوكه، وتعليمه أساليب الجريمة، وسائل الإثارة والإغراء والفتن تعرض أمام ناظريه، فماذا يفعل هذا الشاب؟! وحينما يذهب إلى أي محل تجاري يرى تلك المجلات الساقطة التي زينت أغلفتها بصور النساء تعرض أمامه، حينما يذهب يمنة ويسرة يرى هذه الفتن تدعوه وتؤزه أزاً. إن الشاب الملتزم المستقيم يعيش معاناة لا يعلمها ولا يدركها إلا هو، واسمحوا لي أيها الإخوة! لأقول: إن الكثير من الآباء، بل الكثير من الأساتذة، بل الكثير من أهل التوجيه يعيشون بمعزل عن عمق المعاناة التي يعاني منها الشاب، والجحيم الذي يعيشه، ومن هنا فأنت ترى أسئلة الشباب كثيرة، تدور حول الثبات، ومعاني الثبات، والخشية من الانحراف, إلى غير ذلك. لا شك أن هذا سؤال يبعث على الفهم، ونحن حينما نرى الشاب يشعر بعمق الخطر، لا شك أن هذه بداية لمواجهة هذا الخطر، ولكن مثل هذا التساؤل الذي يطرحه الشاب كثيراً، إنه نتيجة إفراز معين عن شعور من تلك المعاناة العميقة التي يعاني منها الشاب، والتي للأسف لا يجد الشاب من يشاركه هذه المعاناة، فيتحدث مع أبيه، ويطرح على أبيه مطالب، فيرى أنه يعيش في وادٍ ووالده يعيش في وادٍ آخر. إن الأب يحاكم هذا الشاب المراهق التي تتوقد الشهوة لديه، وقد أشرعت الفتن ناظريها أمام عينيه، يحاكم هذا الشاب إلى نفسه، وإلى عقليته، وإلى ظروفه، وإلى مرحلته التي عاشها، وقد تكون هذه المرحلة مضت بكل مشاعرها ومغرياتها وبكل الفتن وكأنها حلم أو رؤيا رآها، غير أنه عاش مرحلة ومجتمعاً يختلف عن هذا المجتمع، وهذه المعاناة التي يعاني منها الشاب. أقول أيها الإخوة: إن هذه المعاناة، وهذه الفتن والمغريات التي أصبحت تعصف بالشباب يمنة ويسرة من أهم المسوغات التي تدعونا إلى المطالبة بالتربية الجادة والعميقة، إن هذا الشاب يواجه ألواناً من الفتن والمغريات والضغوط التي تدعوه وتؤزه إلى الفساد، فحينئذٍ يحتاج إلى الثبات، ويحتاج إلى ما يعينه، ليس ثم إلا تلك التربية القوية التي تربي عند الشاب الخوف من الله ، والتضحية لله ، والصبر، والتحمل، وضبط النفس، والإرادة، كل هذه المعاني بحاجة إلى أن تغرس عند الشاب؛ حتى تكون سلاحاً له بعد توفيق الله وتثبيته، حتى يقف أمام هذه المغريات وهذه الشهوات. ولعل قراءتنا وتأملنا السريع في السيرة تعطينا القناعة بذلك، حينما تتأمل مثلاً في حادثة الردة، ترى أن الذين ارتدوا عن الإسلام هم أولئك الذين دخلوا في الإسلام حديثاً، هم أولئك الذين قال الله عنهم: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]. فبعد موت النبي ﷺ ارتدت قبائل من العرب، ولكن أهل المدينة ومكة ومن حولهم من الأعراب الذين قال الله عنهم: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ

стр. 1642

ضخامة الدور المنوط بالصحوة الجانب الثاني أو المسوغ الثاني من مسوغات مطالبتنا بالتربية: ضخامة الدور المنوط بالصحوة: إن إعداد الشاب المسلم أبعد من مجرد تخريج فرد ملتزم بالإسلام بحد ذاته، إننا حينما نعد الشاب فإننا نعد الصف الأول على مستوى الأمة الذي يطلب منه أن يساهم في إنقاذ الأمة، وأن يساهم في إعادة صياغة مجتمعات المسلمين، وأن يساهم في إعادة بناء مجتمعات الأمة، وهو هدف ضخم وبعيد لا يمكن أبداً أن يقوم إلا من خلال تربية، وإعداد متكامل، لا يمكن أن يقوم به مجرد شخص يحمل عواطف جياشة، وحماسة ثائرة. إن ذاك التفكير الذي كنا نفكر به سابقاً، وتلك النظرية التي كنا نطرحها أحياناً كنوع من التخدير، والتي تعني أن القضية ببساطة أن يصلح الفرد، وتصلح الأسرة، ويصلح المجتمع، وتصلح الأمة، إنه تفكير ساذج، وتفكير غير واقعي، ولماذا لا تتحول النظرة إلى أسلوب آخر، إننا حين نفكر بهذه العقلية نحتاج إلى مدى وإلى قرون متطاولة؛ لأنك أنت تعمل وتملك وسائل محدودة في حين إن تيارات الفساد تملك وسائل وأبواب لا تملك أنت واحداً، أو جهدك ووسائلك ومجالاتك لا توازي واحداً فقط من تلك الأبواب التي يملكها دعاة الفساد وأهل الفساد. فماذا تصنع مع هذا الزخم الهائل؟ إذاً: لماذا لا نفكر بعقلية أخرى؟! ولماذا لا يكون هدفنا هدفاً آخر؟! لا أن نعد مجرد الفرد الملتزم بالإسلام، بل نعد الفرد العامل للإسلام، نعد الفرد الذي يرى أنه ينبغي أن يصلح، فبدلاً من أن نعد فرداً يتخلى عن تقصيره وإهماله ومعصيته، ويقتصر على التزامه الشخصي، ينبغي أن يتحول هدفنا إلى أن نعد فرداً يدعو إلى الله ، أن نعد فرداً عاملاً، فرداً مصلحاً يساهم معنا في دفع العجلة، وأن الجهد المنوط بالدعوة والصحوة جهد ضخم، لا يمكن أبداً أن يقتصر على فئة من الناس وفئة من البشر. مع عدم إهمالنا للإصلاح المجرد، لا شك أن إنقاذ مسلم واحد من الضلال والانحراف يعتبر إنجازاً، ويعتبر هدفاً بحد ذاته، وأنت ترى النبي ﷺ يأتي إلى عمه أبي طالب وهو عند الموت، فيدعوه إلى الإسلام ويلح، وماذا سيحصل الإسلام وتحصل الأمة من إسلام أبي طالب مثلاً في تلك اللحظة، إنه رجل على فراش الموت، ولكن إنقاذ فرد من النار يعتبر مكسباً وهدفاً. جاء النبي ﷺ إلى شاب يهودي يحتضر فعاده ﷺ ودعاه إلى الإسلام وأسلم، وخرج النبي ﷺ وهو يقول: (الحمد لله الذي أنقذه بي من النار). لا شك -كما قلت- أن إنقاذ الفرد المسلم أياً كان من النار، بل إنقاذه من معصية واحدة عمل وإنجاز، ولكن ينبغي ألا يكون هذا هو الهدف الوحيد، وأن نتجاوزه إلى هدف أبعد مدى، فبدلاً من أن يكون الهدف مجرد تخريج إنسان ملتزم بالإسلام بسلوكياته وأخلاقه أن نهدف إلى أن نخرج رجلاً عاملاً للإسلام، داعياً إلى الله ، أن نخرج الصف الأول الذي يقود الأمة.

стр. 1643

المعاني الكبيرة التي يحتاج المسلم إلى أن يتربى عليها المسوغ الثالث: هناك معانٍ كبيرة يحتاج إليها الإنسان في حياته العادية، فضلاً عن مسلم، فضلاً عمن يراد منه أن يساهم في الدعوة إلى الله ، ويساهم في قيادة الأمة. الصبر: يسهل أن تتحدث عن الصبر في خطبة، في درس، في كتاب، في مقالة، في أي مكان يمكن أن تتحدث عن الصبر، ولكن أيها الإخوة! الصبر معنىً عميق يجب أن تتربى عليه النفوس، الصبر الذي نريد يحتاج إلى مجاهدة، ويحتاج إلى جهد وتربية، وليست قضية تقف عند مجرد طرح معان معرفية، يقول الله : ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣]. فالصبر إذاً معنىً يحتاج إلى أن يتواصى على تحقيقه والوصول إليه. التأني والروية، وعدم الاستعجال، الكرم، الشجاعة، المبادرة، الثقة بالنفس، أدب الحوار، معانٍ كثيرة يمكن أن نطرحها طرحاً نظرياً مجرداً، ونتحدث عن هذه المعاني، ونتذكر الصور من التاريخ من القديم والحديث، ولكن لا تتصور أن هذا وحده كافٍ بأن تغرس هذه المعاني عند النفوس أبداً، إن هذه المعاني بحاجة إلى تربية من الفرد نفسه، ومن الأستاذ، ومن الأب، ومن الجميع أن يتربى الفرد على الصبر، ويتربى على الكرم، ويتربى على الشجاعة، ويتربى على المبادرة والثقة في النفس. هذه المعاني -كما قلت- يحتاجها الإنسان العادي؛ حتى يعيش حياة سوية، فضلاً عن المسلم، فضلاً عمن نريد منه دوراً أعظم من ذلك كله، نريد منه أن يساهم في قيادة الأمة. من السذاجة أيها الإخوة! أن نتصور أننا يمكن أن نصل إلى هذه المعاني وأن نحققها من خلال الطرح النظري المجرد، ومن خلال الحديث العاطفي، الجميع يجيد الحديث عن ذلك، ولو طلبت من أحد الإخوة الحضور أن يتحدث عن جانب من هذه الجوانب لأشبعه حديثاً، ولكن هذا شيء والتربية عليه شيء آخر، مع عدم إهمالنا أيضاً للطرح المعرفي والنظري، فهو خطوة أولى في طريق التربية. هذه المعاني -كما قلت- لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال التربية. تأمل مثلاً في السيرة النبوية مرة أخرى، فهناك معانٍ تربى عليها الجيل الأول من خلال الميدان، من خلال العمل والواقع، ولم تكن تعرض هكذا عرضاً أجوف، اقرأ في القرآن مثلاً لترى أن القرآن يربي الأمة من خلال الأحداث والمواقف. كانت حادثة الإفك حدثاً هز المجتمع كله، وصار حديث الناس كلهم، فانظر كيف تربت الأمة من خلال هذا الحدث على معاني التثبت، والتأني، وحسن الظن بالمؤمنين، إلى غير ذلك من تلك المعاني العميقة التي لو طرحت طرحاً مجرداً لم يكن أثرها في النفوس مثلما كان من خلال التربية بالحدث. معاني النصر والهزيمة التي تراها تطرح مثلاً في سورة الأنفال بعد أحداث غزوة بدر، ولا يزال رنين السيوف في آذان المسلمين، في ذلك الوقت سمعوا الحديث عن معاني النصر والهزيمة، وحقيقة الحياة الدنيا، وسمعوها بعد غزوة أحد، وجراحهم لا تزال تنزف، وقتلاهم لم يدفنوا بعد، تنزلت تلك الآيات التي تتحدث عن معاني النصر والهزيمة، والتمحيص، والحياة الدنيا، والتعلق بها إلى غير ذلك. تلك المعاني التي تربى عليها الجيل الأول من خلال الحدث، من خلال الميدان، لم تكن معاني مجردة تطرح على الناس وهم في بيوتهم، أو في المساجد أو في المدارس.

стр. 1644

عمق الخلل التربوي في المجتمع المسوغ الرابع لمطالبتنا بالتربية: عمق الخلل التربوي في المجتمع: لو نحينا جانباً الانحرافات والخلل الشرعي الموجود في المجتمع من خلال التقصير في الأوامر الشرعية، ومن خلال ارتكاب المعاصي، وحرمات الله ، مع أننا نعتبر أن هذا أكبر خلل، لكن نريد جانباً آخر نغفل عنه له أهميته، وهو جانب المعاني التربوية التي يحتاج إليها الإنسان. مثلاً: مجتمعاتنا تربي الفرد على الاتكال على الآخرين، وغياب الروح الجماعية، فأنت ترى مثلاً مؤسسة أياً كانت هذه المؤسسة أهلية أو حكومية تفكر بعقلية الرجل الواحد، فالمدير هو كل شيء في هذه المؤسسة، هو الذي يفكر، وهو الذي يتخذ القرار، وهو الذي يعمل، وكل عامل في هذه المؤسسة لا يرى أن عليه أي مسئولية تجاه مثل هذه المؤسسة. حتى داخل قطاع الصحوة عندما تأتي مثلاً إلى الجهود الدعوية، وترى المؤسسات الدعوية، تراها أيضاً هي تقاد من خلال الرجل الواحد. فالفرد يشعر باتكالية، ولا يشعر بأي مسئولية، يرى أن المسئولية تقع على فلان. عندما تأتي إلى الأسرة ترى أن كل شيء على الأب، ولا تكاد ترى من يشعر بالمسئولية المشتركة والمسئولية الجماعية. ونتج عن ذلك خلل في معان شرعية مهمة، مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتناصح، فهذا الآخر كنتيجة من نتائج هذه التربية، حيث يشعر كل إنسان أنه غير مسئول عن هذا المنكر فينهى عنه، ولا عن هذا المعروف والأمر به، إنما المسئول فلان. الفردية: فلا نحسن العمل الجماعي مطلقاً، قد ترى عملاً جباراً من خلال فرد وشخص نشيط وقوي ومفكر وعامل، أما عمل جماعي فعلاً فتكاد تراه، وإذا رأيت عملاً جماعياً منتجاً ترى وراءه فرداً واحداً. أما أن تكون هناك جهود متكاتفة ومجتمعة فهذه حالات نادرة، هذا مرض من الأمراض التي تعاني منها مجتمعات المسلمين. التعصب: التعصب مرض ترثه الأمة، التعصب لإقليم، لقطر، لبلد، لحزب، وأياً كان هذا التعصب فهو مرض من أمراض الأمة، ونادراً ما ترى أحداً يخلو منه. النظرة العاطفية المجردة: أي: أن تقييمنا للأمور تقييم عاطفي، فعندما يحصل حدث من الأحداث التي تمر بها الأمة فإننا نحلل الحدث تحليلاً عاطفياً، ونطرح حلولاً عاطفية، ويكون تعاملنا مع الأحداث بعاطفة، فليس عندنا عمق للتفكير، ولا عمق في الحلول، ولا في العمل، كل أمورنا دائماً تسير وراء العاطفة. الثقة بالنفس، المبادرة، الكرم، الشجاعة، معانٍ كثيرة نرى أن هناك خللاً تربوياً في المجتمع، وأن هذه المعاني بحاجة إلى تصحيح، وبحاجة إلى تربية أيضاً هي الأخرى، فكلما ازداد هذا الخلل في المجتمع ازدادت ضرورة المطالبة بالتربية والحاجة إليها.

стр. 1645

الخلل في واقع الصحوة المسوغ الخامس: الخلل في واقع الصحوة: إن الصحوة قطعت خطوات طيبة مباركة، ولكنها لا تزال تعاني من أمراض، وتعاني من مشاكل كثيرة، فحدث واحد يمكن أن يهز قطاع الصحوة، كأن يأتي إنسان ويطرح كلمة تشكك الكثير بقناعات تربو عليها فترة طويلة، يمكن أن يأتي إنسان يشكك في قيادات الصحوة، ويشكك في منطلقات، ويشكك في بدهيات، وفي قضايا كثيرة، ويجب أن يستجيب له، ويسمع له، فهذه الاستجابة والسماع مظهر من مظاهر المرض الذي تعاني منه الصحوة. أمراض كثيرة تعاني منها الصحوة لست بحاجة إلى الحديث عنها، ويجب أن نكون صرحاء مع أنفسنا، نعم نحن نرى آثار الصحوة طيبة وظاهرة، ولا ينكرها إلا مكابر، ولكن هناك أمراض، وهناك خلل يجب أن نعترف به، ويجب أن نكون صرحاء، وألا ننتظر الحديث من أعدائنا، ولا ننتظر النقد من الآخرين. هذا المرض وهذا الخلل الموجود داخل الصحوة لا يمكن أن نصححه إلا من خلال التربية العميقة والتربية التي تكون عن قناعة تامة، أما إذا كانت الأمور مجرد عاطفة ومجرد حماسة ثائرة، وأعمال مرتجلة فلا يمكن أبداً أن نعالج مثل هذا الخلل وهذا الخطأ، بل سيزيد الخلل عمقاً، بل هذا الخلل إنما هو نتيجة إهمال التربية ابتداءً.

стр. 1646

الانفصام الواقع في المؤسسات التربوية بين النظرية والتطبيق ومن المسوغات الانفصام الواقع في المؤسسات التربوية بين الأهداف النظرية والتطبيق العملي، فأنت مثلاً عندما تأتي إلى المؤسسات التربوية، وتقيم المنهج والخطة النظرية ترى أنها خطة عالية وأهداف عالية. خذ على سبيل المثال أهداف التعليم في المرحلة الثانوية، أو في المرحلة المتوسطة، تراها أهدافاً عالية، وهي تربية الشاب على الجهاد، وعلى المعاني الإسلامية، والأخلاق الفاضلة، وارجعوا إلى سياسة التعليم وخطة التعليم؛ لتروا كيف أنها أهداف متميزة؛ لكن عندما تأتي إلى الواقع العملي ترى أن هناك مسافة شاسعة بين تلك الأهداف النظرية وبين الواقع العملي. مثلاً: قد لا أبالغ إذا قلت: إنك يمكن أن تجد أستاذاً يدرس منهجاً من المناهج سنوات عديدة وهو لا يعرف أهداف المنهج، ولم يطلع على أهداف المنهج وخططه. قد ترى مثلاً موجهاً تربوياً، أو ترى شخصاً يقوم بالتخطيط التربوي، فتجد أنه يعيش في واقع نظري بحت بعيداً عن الواقع العملي، وترى العزلة بين الأستاذ والموجه، وبين من يقوم بالتخطيط، ترى أن الأستاذ أصبح يتصور أن عمله مجرد مهنة يتقاضى عليها راتباً، والموجه هو الآخر كذلك، ومن يقوم بالتخطيط التربوي، ومن يتولى المؤسسات التربوية أياً كانت فإن قطاعاً عريضاً من هؤلاء يتعامل مع هذا العمل على أنه مهنة مجردة يتقاضى عليها راتباً، فلا تسأل بعد ذلك عن نتيجة تربية مثل هذا الإنسان الذي ينظر هذه النظرة التربوية. أقول: إن هناك خللاً في المؤسسات التربوية من خلال جوانب عدة، من خلال المسافة الشاسعة بين النظرية والتطبيق، فقد يكون التأصيل النظري جيداً ورائعاً، ولكن الخلل في العمل والتطبيق، بل قد ترى أستاذاً له سنوات طويلة في المرحلة الثانوية لو تسأله عن أهداف التعليم في المرحلة الثانوية لا يعرف الأهداف. إذاً: لماذا نضع نحن هذه الأهداف حبراً على ورق، تسأله عن أهداف المنهج لا يعرف أهداف المنهج، فضلاً عن تطبيقه لها وسعيه إليها.

стр. 1647

توسع مجالات الدعوة المسوغ الأخير: توسع مجالات الدعوة وجوانبها: هذا التوسع أدى إلى نتائج منها: النتيجة الأولى: التوسع الأفقي لجيل الصحوة، وازدياد قوافل التائبين، الذين يمثلون خلفيات تربوية متناثرة، فهذا رجل كان مدمن مخدرات، هذا رجل كان صاحب فساد أخلاقي، هذا رجل جاء من الشارع. المهم أننا نرى أفواجاً من التائبين والعائدين والمنخرطين في سلك الصحوة، والذين يمثلون خلفيات تربوية متناثرة، هذا الجيل وهذه الأفواج أليست بحاجة إلى التربية؟ أليست بحاجة إلى جهد يغسل عنها غبار الماضي؟ لا ينبغي أن نفْرط في السذاجة، ونتصور أن هذا الشاب الذي عاش سنوات طويلة في الفساد وفي تلك التربية السيئة أنه من خلال قناعة عاجلة وقناعة سريعة تحول إلى إنسان مصلح، وإلى شاب مستقيم لمجرد ذلك التغير في مظهره، لا. أقول: ازدياد قوافل التائبين، وازدياد التوسع الأفقي لجيل الصحوة، مع أنه أمر يبعث على الفأل، فإنني أشعر أننا لا نتعامل معه إلا من خلال نظرة واحدة فقط، وهي نظرة التفاؤل، ونظرة الحديث بإفراط عن هذه القوافل العائدة إلى الله، وهذه نظرة سليمة وإن كانت تحتاج إلى نوع من التوازن، أعني: هل فكرنا تفكيراً آخر، وهل طرأ يوم من الأيام على ذهننا أن هذه الأفواج المتقاطرة والوافدة بحاجة إلى تربية، بحاجة إلى غسل أوضار الماضي، بحاجة إلى إعداد؛ حتى لا تكوِّن بعد ذلك خللاً من الداخل، وحتى لا تمارس بعد ذلك الفساد وتمارس الخلل في الصحوة من الداخل، فتضرب الصحوة من خلال هؤلاء الذين لا يملكون إلا مجرد العاطفة فقط؟ كذلك النتيجة الثانية لسعة مجالات الدعوة وجوانبها: كثير من الطاقات الدعوية والعاملة انشغلت في هذه البرامج العامة التي تخاطب الجماهير، وتتحدث مع الجماهير، مما أدى إلى فقدان جهودها التربوية، كانت هناك طاقات كثيرة موظفة في الميدان التربوي والعمل التربوي، وكانت تمارس التربية للشباب أياً كان ميدان هؤلاء، ولكن مع سعة مجالات الدعوة انفتحت أبواب، فتفرغت وانشغلت كثير من هذه الطاقات لملء ذاك الجانب وذاك الجانب العام، ونحن لا نهمل هذا الجانب، ولكن نحن الآن فقدنا طاقات. والمفترض مع زيادة قوافل التائبين والعائدين، ومع التوسع الأفقي للصحوة أنا نحتاج إلى عدد أكثر ممن يمارس التربية، فأصبحنا نجد أننا نعاني من النقص والقصور في هذه الطاقات، ونعاني أيضاً من ازدياد الحاجة التي لا تفي بها تلك الطاقات السابقة. كذلك الكثير من الجوانب والمجالات العامة لها نتائج مغرية وبريق عاجل يغري الشباب، مثلاً قد ترى بعض جوانب الدعوة الجماهيرية التي تتم عن طريق مخاطبة الجماهير، وتحريك عواطف الناس، لها نتائج عاجلة، ولها بريق عاجل قد يغري، فيتوجه الكثير إلى مثل هذه المجالات. إنها مجالات مهمة لا ينبغي أن تهمل، ولكن لا ينبغي أن تكون هي المجال الوحيد، ولا ينبغي أن ننخدع بها ونترك المواقع المهمة، ونهمل التربية والعناية بالإعداد؛ لأجل الانخداع والسير وراء مثل هذا البريق العاجل، والبريق اللامع. وذلك أن الجهد التربوي يحتاج إلى عمل طويل وبعيد ونتائج، ثم نتائجه مع ذلك غير منظورة، فمثلاً: أستطيع أن أصور لك التربية مثل الطفل في البيت، كل يوم ينمو، لكنك لا تشعر بهذا النمو ولا تقيسه، لكن الإنسان البعيد عندما يرى ابنك بعد سنة يقول: لقد تغير ابنك. الآن لو قلت لإنسان: نريدك أن تحمل بقرة من الدور الأسفل إلى الدور العلوي لم يقدر؛ لكن لو كان يحملها كل يوم منذ أن ولدت، يحملها اليوم، وعندما يأتي من الغد سيحملها وهكذا، فسيجد أنه بعد فترة يحمل تلك البقرة الكبيرة. أقول: التربية تمتاز بميزتين: أولاً: أنها تحتاج إلى عمل طويل، وجهد مضن، ثم نتائجها غير منظورة ولا قريبة، فليست مثل العمل العام والجماهيري الذي نتائجه واضحة وسريعة، ومن هنا فإذا كانت التربية تحتاج إلى جهد، وعمل طويل، ونتائجها غير سريعة ولا مغرية فإن الإنسان الذي تربى على الاستعجال، ويريد الثمرة عاجلة، تغريه النتائج العاجلة، ومن هنا فسينصرف الكثير عن الميدان التربوي؛ نظراً لأنهم يخدعون ببريق العمل الجماهيري، والأعمال العامة التي يجد أن الآلاف والجميع يهتدون ويصيرون وراء هذا العمل، فيهمل ذاك الجانب المهم. مرة أخرى: أنا لا أهمل هذه الأعمال، وأرى أنها كلها مهمة، لكن أن تكون هي النظرة التي ننظر إليها، وألا ننظر إلا بهذه العين، وأن نحتقر العمل التربوي من خلال الانخداع ببريق العمل الجماهيري أيضاً، فهذا خطأ. كذلك أيضاً النتيجة الرابعة من نتائج توسع مجالات الدعوة: قيادات المستقبل لابد أن تكون من قواعد وجيل الحاضر: فنحن نحتاج إلى قيادات تقود الدعوة على كافة المستويات، قيادات علمية، قيادات دعوية، قيادات فكرية، قيادات على المستويات العليا، قيادات وسيطة، لابد أن تقود هذه الصحوة قيادات، وليس صحيحاً أن القيادات هي القيادات العليا من شخص أو شخصين فقط قيادة علمية وقيادة فكرية، لا، فإننا سنحتاج إلى قيادات على مستويات أقل، إلى أن نصل إلى آخر حد. هذه القيادات لابد لها من تربية، والجيل الذي

стр. 1648

لم يكن أسلافنا بمعزل ننتقل بعد ذلك إلى عنصر آخر بعنوان: لم يكن أسلافنا بمعزل: أتصور أن قضية الحديث عن التربية والحاجة إليها والضرورة إليها قضية بدهية وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل ولسنا بحاجة إلى الاستشهاد والاستدلال، لكننا أصبحنا نجد من يشغب علينا كثيراً عندما نطرح مثل هذه القضايا، ويفاجئك بأن هذه قضية فيها نظر، وهذه قضية فيها كذا، وهذه قضية فيها كذا، فنحتاج إلى التأصيل والاستشهاد العلمي للقضايا البدهية التي لا تحتاج إلى استدلال، فنقول مثلاً: الرسول ﷺ يقول الله عنه: ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢]، هذه التزكية هي تربية النبي ﷺ . النبي ﷺ له وظائف: ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢]، مناقشة التعليم والكتاب والحكمة وتلاوة القرآن معروفة، لكن التزكية ما معناها وما المقصود بالتزكية؟ المقصود بها التربية. فإذاً: وظيفة من وظائف الرسول ﷺ تربية الأمة، وإلا كان يمكن أن ينزل بالقرآن ملك، ولكن أنزل الله رسولاً يأكل الطعام ويمشي في الأسواق حتى يربي الناس، ويعيش مع الناس في عواطفهم ومشاعرهم، وأنت عندما ترى تربية النبي ﷺ العلمية على سبيل المثال، تراه ﷺ ما كان مجرد إنسان يعطي معلومات علمية مجردة، بل كان ﷺ يربي عند أصحابه الاستنباط، يربي عند أصحابه منهج التلقي، عند أصحابه المنهج العلمي، منهج السؤال، أدب السؤال. ما نريد أن نستطرد، لكن أعطيكم أمثلة سريعة على تربيته العلمية ﷺ ، فهو مثلاً كان يربي التفكير عند أصحابه والاستنباط، فيسأل يوماً من الأيام يقول: (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، ومثلها مثل المسلم، فأخبروني ما هي؟)، يقول ابن عمر: فوقع الناس في شجر البوادي. يعني: كل إنسان يقول: الشجرة الفلانية، فذهب وهلي إلى أنها النخلة، وكنت أصغر القوم فاستحيت. الآن هنا النبي ﷺ كان يمكن أن يقول: مثل المسلم مثل النخلة، لكنه يضرب لهم مثلاً ما هي هذه الشجرة؛ حتى يتربون على التفكير، على الاستنباط، على الاستدلال، وهكذا يربي أصحابه على منهج التلقي، على منهج السؤال، على أدب السؤال. المهم أن تربية النبي ﷺ العلمية هذه بحد ذاتها بحاجة إلى حديث مستقل، فالنبي ﷺ إذاً لم يكن مجرد إنسان وبشر مجرد يعطي معلومات جافة ومجردة، بل كان رسولاً معصوماً، وكان بشراً يعيش مشاعر البشر، ويربي الناس كما قال الله : ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢]. مجالس العلماء: كانوا يقولون ويوصون طالب العلم: أيها الطالب علماً ائت حماد بن زيد فاكتسب علماً وحلماً ثم قيده بقيد ودع الفتنة من آثار عمرو بن عبيد فهو يقول: اكتسب علماً وحلماً، القضية ليست العلم وحده. ويقول ابن سيرين ﵀: كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم. ويقول الحسن: إن كان الرجل ليخرج في أدب واحد السنة والسنتين. وأوصى حبيب الشهيد وهو من الفقهاء ابنه فقال: يا بني! اصحب الفقهاء، وتعلم منهم، وخذ من أدبهم، فإنه أحب إلي من كثير من الحديث. وروى ابن المبارك عن مخلد بن الحسن أنه قال: نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من حديث. والآثار عن السلف في ذلك كثيرة، كان أحدهم يقول: صحبت فلاناً لا لأتعلم منه، ولكن لأعرف سمته وهديه ودله. فما كانت مجالس العلماء مجالس مجردة تعطي معلومات جافة، إنما كانت تعلم وتؤدب وتربي. ولعل أيضاً مما يدلنا على ذلك الكتب التي صنفها العلماء في أدب العالم والمتعلم، وهي كتب كثيرة، منها مثلاً ما صنفه الخطيب، منها كتاب ابن جماعة تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، وهي كتب كثيرة ترى أن علماء السنة وعلماء الحديث دائماً إما أن يضمنوها باباً من أبواب كتبهم التي تتحدث عن العلم وفضله، أو أن يفردوا لها تصنيفاً مستقلاً وكتاباً مستقلاً في أدب العالم والمتعلم، ويعلمون طالب العلم أدب الطلب، وترى أن هذه الآداب تحمل أبواباً شتى، من العبادة، وحسن الخلق، والتعامل مع الشيخ، وليست حتى مجرد آداب تقتصر على آداب التلقي العلمي المجرد، بل هي آداب سلوكية، آداب في عبادة الإنسان، وهذا جزء من التربية، وعناية السلف بالتربية. كذلك الكتب التي تعنى بالمدارس، وآداب معلم الأطفال، وما يحتاج إليه معلم الأطفال، وأهل المدارس وآدابها، وهي كتب كثيرة أيضاً يعرفها أهل الشأن في ذلك. المهم أن السلف لم

стр. 1649

متطلبات في طريق التربية

стр. 1650

العناية بموضوع التربية بعد ذلك أقول: نريد باختصار. وبعد هذا العرض المختصر والمقتضب لهذا الموضوع نريد العناية بموضوع التربية، دراسة وحديثاً وتأصيلاً وعملاً، فنريد أن نعتني بهذا الموضوع، وأن نتحدث كثيراً عن التربية، ونحرص على أن نتعرف على أهداف التربية، وعلى خطط التربية، وعلى برامجها ووسائلها.
следующие страницы →