Полный текст (1 904 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
الانفصام الواقع في المؤسسات التربوية بين النظرية والتطبيق
ومن المسوغات الانفصام الواقع في المؤسسات التربوية بين الأهداف النظرية والتطبيق العملي، فأنت مثلاً عندما تأتي إلى المؤسسات التربوية، وتقيم المنهج والخطة النظرية ترى أنها خطة عالية وأهداف عالية.
خذ على سبيل المثال أهداف التعليم في المرحلة الثانوية، أو في المرحلة المتوسطة، تراها أهدافاً عالية، وهي تربية الشاب على الجهاد، وعلى المعاني الإسلامية، والأخلاق الفاضلة، وارجعوا إلى سياسة التعليم وخطة التعليم؛ لتروا كيف أنها أهداف متميزة؛ لكن عندما تأتي إلى الواقع العملي ترى أن هناك مسافة شاسعة بين تلك الأهداف النظرية وبين الواقع العملي.
مثلاً: قد لا أبالغ إذا قلت: إنك يمكن أن تجد أستاذاً يدرس منهجاً من المناهج سنوات عديدة وهو لا يعرف أهداف المنهج، ولم يطلع على أهداف المنهج وخططه.
قد ترى مثلاً موجهاً تربوياً، أو ترى شخصاً يقوم بالتخطيط التربوي، فتجد أنه يعيش في واقع نظري بحت بعيداً عن الواقع العملي، وترى العزلة بين الأستاذ والموجه، وبين من يقوم بالتخطيط، ترى أن الأستاذ أصبح يتصور أن عمله مجرد مهنة يتقاضى عليها راتباً، والموجه هو الآخر كذلك، ومن يقوم بالتخطيط التربوي، ومن يتولى المؤسسات التربوية أياً كانت فإن قطاعاً عريضاً من هؤلاء يتعامل مع هذا العمل على أنه مهنة مجردة يتقاضى عليها راتباً، فلا تسأل بعد ذلك عن نتيجة تربية مثل هذا الإنسان الذي ينظر هذه النظرة التربوية.
أقول: إن هناك خللاً في المؤسسات التربوية من خلال جوانب عدة، من خلال المسافة الشاسعة بين النظرية والتطبيق، فقد يكون التأصيل النظري جيداً ورائعاً، ولكن الخلل في العمل والتطبيق، بل قد ترى أستاذاً له سنوات طويلة في المرحلة الثانوية لو تسأله عن أهداف التعليم في المرحلة الثانوية لا يعرف الأهداف.
إذاً: لماذا نضع نحن هذه الأهداف حبراً على ورق، تسأله عن أهداف المنهج لا يعرف أهداف المنهج، فضلاً عن تطبيقه لها وسعيه إليها.
стр. 1647
توسع مجالات الدعوة
المسوغ الأخير: توسع مجالات الدعوة وجوانبها: هذا التوسع أدى إلى نتائج منها: النتيجة الأولى: التوسع الأفقي لجيل الصحوة، وازدياد قوافل التائبين، الذين يمثلون خلفيات تربوية متناثرة، فهذا رجل كان مدمن مخدرات، هذا رجل كان صاحب فساد أخلاقي، هذا رجل جاء من الشارع.
المهم أننا نرى أفواجاً من التائبين والعائدين والمنخرطين في سلك الصحوة، والذين يمثلون خلفيات تربوية متناثرة، هذا الجيل وهذه الأفواج أليست بحاجة إلى التربية؟ أليست بحاجة إلى جهد يغسل عنها غبار الماضي؟ لا ينبغي أن نفْرط في السذاجة، ونتصور أن هذا الشاب الذي عاش سنوات طويلة في الفساد وفي تلك التربية السيئة أنه من خلال قناعة عاجلة وقناعة سريعة تحول إلى إنسان مصلح، وإلى شاب مستقيم لمجرد ذلك التغير في مظهره، لا.
أقول: ازدياد قوافل التائبين، وازدياد التوسع الأفقي لجيل الصحوة، مع أنه أمر يبعث على الفأل، فإنني أشعر أننا لا نتعامل معه إلا من خلال نظرة واحدة فقط، وهي نظرة التفاؤل، ونظرة الحديث بإفراط عن هذه القوافل العائدة إلى الله، وهذه نظرة سليمة وإن كانت تحتاج إلى نوع من التوازن، أعني: هل فكرنا تفكيراً آخر، وهل طرأ يوم من الأيام على ذهننا أن هذه الأفواج المتقاطرة والوافدة بحاجة إلى تربية، بحاجة إلى غسل أوضار الماضي، بحاجة إلى إعداد؛ حتى لا تكوِّن بعد ذلك خللاً من الداخل، وحتى لا تمارس بعد ذلك الفساد وتمارس الخلل في الصحوة من الداخل، فتضرب الصحوة من خلال هؤلاء الذين لا يملكون إلا مجرد العاطفة فقط؟ كذلك النتيجة الثانية لسعة مجالات الدعوة وجوانبها: كثير من الطاقات الدعوية والعاملة انشغلت في هذه البرامج العامة التي تخاطب الجماهير، وتتحدث مع الجماهير، مما أدى إلى فقدان جهودها التربوية، كانت هناك طاقات كثيرة موظفة في الميدان التربوي والعمل التربوي، وكانت تمارس التربية للشباب أياً كان ميدان هؤلاء، ولكن مع سعة مجالات الدعوة انفتحت أبواب، فتفرغت وانشغلت كثير من هذه الطاقات لملء ذاك الجانب وذاك الجانب العام، ونحن لا نهمل هذا الجانب، ولكن نحن الآن فقدنا طاقات.
والمفترض مع زيادة قوافل التائبين والعائدين، ومع التوسع الأفقي للصحوة أنا نحتاج إلى عدد أكثر ممن يمارس التربية، فأصبحنا نجد أننا نعاني من النقص والقصور في هذه الطاقات، ونعاني أيضاً من ازدياد الحاجة التي لا تفي بها تلك الطاقات السابقة.
كذلك الكثير من الجوانب والمجالات العامة لها نتائج مغرية وبريق عاجل يغري الشباب، مثلاً قد ترى بعض جوانب الدعوة الجماهيرية التي تتم عن طريق مخاطبة الجماهير، وتحريك عواطف الناس، لها نتائج عاجلة، ولها بريق عاجل قد يغري، فيتوجه الكثير إلى مثل هذه المجالات.
إنها مجالات مهمة لا ينبغي أن تهمل، ولكن لا ينبغي أن تكون هي المجال الوحيد، ولا ينبغي أن ننخدع بها ونترك المواقع المهمة، ونهمل التربية والعناية بالإعداد؛ لأجل الانخداع والسير وراء مثل هذا البريق العاجل، والبريق اللامع.
وذلك أن الجهد التربوي يحتاج إلى عمل طويل وبعيد ونتائج، ثم نتائجه مع ذلك غير منظورة، فمثلاً: أستطيع أن أصور لك التربية مثل الطفل في البيت، كل يوم ينمو، لكنك لا تشعر بهذا النمو ولا تقيسه، لكن الإنسان البعيد عندما يرى ابنك بعد سنة يقول: لقد تغير ابنك.
الآن لو قلت لإنسان: نريدك أن تحمل بقرة من الدور الأسفل إلى الدور العلوي لم يقدر؛ لكن لو كان يحملها كل يوم منذ أن ولدت، يحملها اليوم، وعندما يأتي من الغد سيحملها وهكذا، فسيجد أنه بعد فترة يحمل تلك البقرة الكبيرة.
أقول: التربية تمتاز بميزتين: أولاً: أنها تحتاج إلى عمل طويل، وجهد مضن، ثم نتائجها غير منظورة ولا قريبة، فليست مثل العمل العام والجماهيري الذي نتائجه واضحة وسريعة، ومن هنا فإذا كانت التربية تحتاج إلى جهد، وعمل طويل، ونتائجها غير سريعة ولا مغرية فإن الإنسان الذي تربى على الاستعجال، ويريد الثمرة عاجلة، تغريه النتائج العاجلة، ومن هنا فسينصرف الكثير عن الميدان التربوي؛ نظراً لأنهم يخدعون ببريق العمل الجماهيري، والأعمال العامة التي يجد أن الآلاف والجميع يهتدون ويصيرون وراء هذا العمل، فيهمل ذاك الجانب المهم.
مرة أخرى: أنا لا أهمل هذه الأعمال، وأرى أنها كلها مهمة، لكن أن تكون هي النظرة التي ننظر إليها، وألا ننظر إلا بهذه العين، وأن نحتقر العمل التربوي من خلال الانخداع ببريق العمل الجماهيري أيضاً، فهذا خطأ.
كذلك أيضاً النتيجة الرابعة من نتائج توسع مجالات الدعوة: قيادات المستقبل لابد أن تكون من قواعد وجيل الحاضر: فنحن نحتاج إلى قيادات تقود الدعوة على كافة المستويات، قيادات علمية، قيادات دعوية، قيادات فكرية، قيادات على المستويات العليا، قيادات وسيطة، لابد أن تقود هذه الصحوة قيادات، وليس صحيحاً أن القيادات هي القيادات العليا من شخص أو شخصين فقط قيادة علمية وقيادة فكرية، لا، فإننا سنحتاج إلى قيادات على مستويات أقل، إلى أن نصل إلى آخر حد.
هذه القيادات لابد لها من تربية، والجيل الذي
стр. 1648
لم يكن أسلافنا بمعزل
ننتقل بعد ذلك إلى عنصر آخر بعنوان: لم يكن أسلافنا بمعزل: أتصور أن قضية الحديث عن التربية والحاجة إليها والضرورة إليها قضية بدهية وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل ولسنا بحاجة إلى الاستشهاد والاستدلال، لكننا أصبحنا نجد من يشغب علينا كثيراً عندما نطرح مثل هذه القضايا، ويفاجئك بأن هذه قضية فيها نظر، وهذه قضية فيها كذا، وهذه قضية فيها كذا، فنحتاج إلى التأصيل والاستشهاد العلمي للقضايا البدهية التي لا تحتاج إلى استدلال، فنقول مثلاً: الرسول ﷺ يقول الله عنه: ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢]، هذه التزكية هي تربية النبي ﷺ .
النبي ﷺ له وظائف: ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢]، مناقشة التعليم والكتاب والحكمة وتلاوة القرآن معروفة، لكن التزكية ما معناها وما المقصود بالتزكية؟ المقصود بها التربية.
فإذاً: وظيفة من وظائف الرسول ﷺ تربية الأمة، وإلا كان يمكن أن ينزل بالقرآن ملك، ولكن أنزل الله رسولاً يأكل الطعام ويمشي في الأسواق حتى يربي الناس، ويعيش مع الناس في عواطفهم ومشاعرهم، وأنت عندما ترى تربية النبي ﷺ العلمية على سبيل المثال، تراه ﷺ ما كان مجرد إنسان يعطي معلومات علمية مجردة، بل كان ﷺ يربي عند أصحابه الاستنباط، يربي عند أصحابه منهج التلقي، عند أصحابه المنهج العلمي، منهج السؤال، أدب السؤال.
ما نريد أن نستطرد، لكن أعطيكم أمثلة سريعة على تربيته العلمية ﷺ ، فهو مثلاً كان يربي التفكير عند أصحابه والاستنباط، فيسأل يوماً من الأيام يقول: (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، ومثلها مثل المسلم، فأخبروني ما هي؟)، يقول ابن عمر: فوقع الناس في شجر البوادي.
يعني: كل إنسان يقول: الشجرة الفلانية، فذهب وهلي إلى أنها النخلة، وكنت أصغر القوم فاستحيت.
الآن هنا النبي ﷺ كان يمكن أن يقول: مثل المسلم مثل النخلة، لكنه يضرب لهم مثلاً ما هي هذه الشجرة؛ حتى يتربون على التفكير، على الاستنباط، على الاستدلال، وهكذا يربي أصحابه على منهج التلقي، على منهج السؤال، على أدب السؤال.
المهم أن تربية النبي ﷺ العلمية هذه بحد ذاتها بحاجة إلى حديث مستقل، فالنبي ﷺ إذاً لم يكن مجرد إنسان وبشر مجرد يعطي معلومات جافة ومجردة، بل كان رسولاً معصوماً، وكان بشراً يعيش مشاعر البشر، ويربي الناس كما قال الله : ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢].
مجالس العلماء: كانوا يقولون ويوصون طالب العلم: أيها الطالب علماً ائت حماد بن زيد فاكتسب علماً وحلماً ثم قيده بقيد ودع الفتنة من آثار عمرو بن عبيد فهو يقول: اكتسب علماً وحلماً، القضية ليست العلم وحده.
ويقول ابن سيرين ﵀: كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم.
ويقول الحسن: إن كان الرجل ليخرج في أدب واحد السنة والسنتين.
وأوصى حبيب الشهيد وهو من الفقهاء ابنه فقال: يا بني! اصحب الفقهاء، وتعلم منهم، وخذ من أدبهم، فإنه أحب إلي من كثير من الحديث.
وروى ابن المبارك عن مخلد بن الحسن أنه قال: نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من حديث.
والآثار عن السلف في ذلك كثيرة، كان أحدهم يقول: صحبت فلاناً لا لأتعلم منه، ولكن لأعرف سمته وهديه ودله.
فما كانت مجالس العلماء مجالس مجردة تعطي معلومات جافة، إنما كانت تعلم وتؤدب وتربي.
ولعل أيضاً مما يدلنا على ذلك الكتب التي صنفها العلماء في أدب العالم والمتعلم، وهي كتب كثيرة، منها مثلاً ما صنفه الخطيب، منها كتاب ابن جماعة تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، وهي كتب كثيرة ترى أن علماء السنة وعلماء الحديث دائماً إما أن يضمنوها باباً من أبواب كتبهم التي تتحدث عن العلم وفضله، أو أن يفردوا لها تصنيفاً مستقلاً وكتاباً مستقلاً في أدب العالم والمتعلم، ويعلمون طالب العلم أدب الطلب، وترى أن هذه الآداب تحمل أبواباً شتى، من العبادة، وحسن الخلق، والتعامل مع الشيخ، وليست حتى مجرد آداب تقتصر على آداب التلقي العلمي المجرد، بل هي آداب سلوكية، آداب في عبادة الإنسان، وهذا جزء من التربية، وعناية السلف بالتربية.
كذلك الكتب التي تعنى بالمدارس، وآداب معلم الأطفال، وما يحتاج إليه معلم الأطفال، وأهل المدارس وآدابها، وهي كتب كثيرة أيضاً يعرفها أهل الشأن في ذلك.
المهم أن السلف لم
стр. 1649
متطلبات في طريق التربية
стр. 1650
العناية بموضوع التربية
بعد ذلك أقول: نريد باختصار.
وبعد هذا العرض المختصر والمقتضب لهذا الموضوع نريد العناية بموضوع التربية، دراسة وحديثاً وتأصيلاً وعملاً، فنريد أن نعتني بهذا الموضوع، وأن نتحدث كثيراً عن التربية، ونحرص على أن نتعرف على أهداف التربية، وعلى خطط التربية، وعلى برامجها ووسائلها.
стр. 1651
وضع أهداف تربوية واضحة
الجانب الثاني: ضرورة وضع أهداف تربوية واضحة محددة يسير عليها جيل الصحوة: ترى الكثير يتساءل: علام يتربى الشباب؟ للأسف أتصور أنه مع هذه المرحلة الزمنية الطويلة التي قطعناها الآن ليست هناك أهداف واضحة محددة أمام الشباب ليعرفوا على ماذا يتربون.
ولهذا تجد الأستاذ المربي يتساءل: ما هي الأولويات التربوية؟ وما هي الأهداف التي أريد أن أحققها؟ إن هذا التساؤل إنما هو إفراز لإهمال هذا الجانب وعدم العناية به، ونحن نرى الآن المكتبة الإسلامية تزخر بالكثير من الكتب التي تنم عن الترف والتكرار، وترى الموضوع الواحد يؤلف فيه أكثر من كتاب، أحياناً تجد عشرين كتاباً في قضية.
لماذا نهمل الجوانب المهمة التي نحتاج إليها؟ سوهناك تساؤلات تربوية كثيرة يحتاج إليها الشباب، وبالذات عن الأهداف التربوية التي تعتبر حجر الأساس وحجر الزاوية في العملية التربوية، فالتربية إنما هي عبارة عن الأهداف.
نستطيع أن نقول: إننا إذا رسمنا الأهداف التربوية قطعنا الخطوة المهمة والأساس في التربية، ومع ذلك أشعر أنه ليس هناك أهداف متفق عليها، وليس هناك أهداف على الأقل ذات وضوح ظاهر عند الكثير من الشباب، ولهذا تراهم يتساءلون عن ذلك.
فلابد من السعي إلى رسم أهداف واضحة، والمناقشة فيها، والحديث عن مثل هذه الأمور، وأن نملأ مدارسنا بالحديث عن مثل هذه الجوانب.
стр. 1652
سلوك طريق التربية الجادة
الجانب الثالث: ضرورة التربية الجادة، والتربية العميقة، ولا مكان اليوم للضعفاء، ولا مكان لأصحاب العواطف، ولا مكان للإنسان صاحب القناعة الهشة، هذا لا يمكن أن يستمر، ولا يمكن أن يسير، فنحن بحاجة إلى تربية جادة، تربية عميقة تخرج لنا رجال يحملون الرسالة، يحملون هذا الدين، يحملون هذا الحق، لا لمجتمعهم بل للأمة كلها جمعاء، بل للبشرية أجمع.
стр. 1653
بذل الجهود في التربية
الجانب الرابع: التربية تستحق منا أن تبذل لها الجهود، وأن تفرغ لها الطاقات، وألا يشغلنا بريق الدعوة العامة والخطاب الجماهيري عن العناية بالتربية، مع عدم إهمالنا -كما قلت- لخطاب الجماهير، والدعوة العامة، والأمور العامة، لابد أن تتفرغ طاقات للعناية بالتربية، تأصيلاً وبحثاً وكتابة وحديثاً وعملاً وترتيباً وتطبيقاً.
ولابد أن تضحي هذه الطاقات بكثير مما يفوتها، والقضية ليست ميادين نتسابق عليها، بقدر ما هي ثغور بحاجة إلى أن نسدها، وفضيلة العمل والجهد الذي نريده ليس بكثرة الأتباع، وليس بكثرة من يسمع لك، بل نرى أننا بحاجة إلى أن نتفحص المواقع التي نحتاج إليها، ونوزع الطاقات توزيعاً متوازناً، ونريد الرجل الذي قال عنه النبي ﷺ : (إن كان في الساقة كان في الساقة، وإن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الميمنة كان في الميمنة).
الإنسان الذي تضعه في موضع فيبقى في هذا الموضع، ويحرص على هذا الموضع، ولو كان يرى أن نتائجه محدودة وقليلة؛ لأنه يرى أنه موضع لابد أن يملأ، وميدان لابد أن يسد، وثغر لابد أن يقام به، وليس صحيحاً أن يكون هناك ميدان واحد، ومجال واحد هو الذي يسعى إليه الجميع.
بعد الحديث عن هذا الموضوع المهم -كما قلت- نخرج بعد بالنتيجة التي نريد أن نصل إليها، وهي أننا نحتاج لأن نربي أنفسنا، وإلى أن نربي جيلاً، وإلى أن نعتني بالتربية ونوليها عناية وأهمية.
ولك الحق بعدما سمعت هذه بضاعتي وهذه حججي وهذه مسوغاتي، فإذا كنت قد وصلت إلى قناعة تامة، وشاركتنا القناعة بضرورة التربية والحاجة إليها، فبعد ذلك ننتقل إلى الخطوة الأخرى، وإذا كان لك قناعة أخرى فأنت وشأنك، فهذا ما أريد أن أقوله في هذا الميدان.
أسأل الله أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح، ونترك بقية الوقت للإجابة على ما ورد من أسئلة الإخوة.
стр. 1654
الأسئلة
стр. 1655
نصيحة تربوية لمن في سن المراهقة
السؤال
ما هي نصيحتك إلى الشباب في سن المراهقة من الناحية التربوية؟
الجواب
يعتبر سن المراهقة من أخطر المراحل التي يعاني منها الشاب، ومن هنا فهو بحاجة ماسة إلى أن يعتني بتربية نفسه، وأن يسير من خلال جهدين متوازيين: التربية الفردية لنفسه والعناية بنفسه، ومن خلال وسط ومجموعة مستقيمة يعينونه على طاعة الله .
فهو لا يستطيع أن يعيش وحده، وأيضاً حتى إذا كان معه إخوة ورفقة ينبغي أن لا يوكل إلى هؤلاء أمر تربيته ويهمل نفسه، فأنت ترى بعض الشباب مثلاً يسير مع الشباب ويذهب معهم، ويشاركهم في برامجهم، ولكنه لا يعتني بتربية نفسه وإعداد نفسه.
وأستطيع أن أقول باختصار: إن من أهم الأشياء التي يحتاج إليها الشاب المراهق أن يقوي في نفسه الصلة بالله ، فيحرص على عبادة الله ، ورعاية الفرائض، واجتناب المعاصي، وأن يستكثر من عبادة السر، والنوافل، وتلاوة القرآن، وذكر الله ، والصيام، وقيام الليل، إلى غير ذلك من العبادات.
كذلك يملأ وقته فهو يعاني من فراغ، بحيث يعتني بالعلم الشرعي، والقراءة، والمطالعة، والأعمال النافعة التي تحفظ عليه وقته وجهده.
стр. 1656
نصيحة لشخص مسئول عن مجموعة من الشباب وكيف يربي من هو حديث الاستقامة
السؤال
ما هي نصيحتك التربوية لشخص مسئول عن مجموعة من الشباب، وما هي أهم الدروس التي ينبغي للجديد في طريق الاستقامة أن يتربى عليها جزاك الله خيراً؟
الجواب
هنا يختلف الحديث، والشباب يختلفون، فهم في المرحلة المتوسطة مثلاً بحاجة إلى التركيز على الجوانب الإيمانية، وتربية الصلة بالله ، وتقوى الله ، وتربية الجوانب الأخلاقية والسلوكية، وتربية المبادرة عندهم، والقدرة على الكلام والحديث مع الناس، ثم التزود بجوانب علمية محدودة على قدر مستواهم العلمي.
لكن في المرحلة الثانوية قد انتقل نقلة أخرى، وعاش أمام فتن وشهوات أكثر، فهو بحاجة إلى أن نركز فيه الجوانب الأخرى، مع إعطائه دفعة للجوانب العلمية، ومفاهيم قد لا يمكن أن يتحملها في المراحل المتوسطة.
وإذا انتقل إلى المرحلة الجامعية فهو بحاجة إلى مفاهيم دعوية أوسع، وبحاجة إلى جوانب علمية أدق، وهكذا نرى أنه من كلما ارتفع مستواه العلمي والعقلي والدراسي كلما تغير مستوى التربية.
لكن أقول باختصار: إن الشاب الذي يتولى مسئولية تربوية يجب أن يتقي الله ، ويشعر أن هؤلاء أمانة في عنقه، ويشعر أنه سيعد قيادات المستقبل، وسيعد قيادات الأمة، وإذا وقع في خلل في تربية هذا الشخص؛ فإن هذا الخلل سينعكس على غيره، عندما يكون هذا الإنسان مربياً، عندما يكون مفكراً، عندما يكون عالماً ومتحدثاً، سينعكس هذا الخلل التربوي بعد ذلك على عمله وجهده، ومن هنا يجب أن يتقي الله ، ويحرص على أن يراقب نفسه، ويحرص على أن يستفيد من أخطائه، ويراجع نفسه فترة بعد أخرى.
أما الشاب الجديد في طريق الاستقامة، فينبغي أن يركز على الجوانب الإيمانية والتوبة وما يتعلق بها، ويحرص أن يبتعد عن الماضي وما يتعلق به، ويحرص على ألا يتذكر الماضي كثيراً، كذلك يُملأ فراغه الذهني؛ لأنه يعيش نقلة جديدة، فيحاول أن يعطى بعض الأعمال التي تشغله والتي تعيد له الأمل، فهو مع أنه تاب يشعر بمعاناة وضغط الوضع والانحراف الذي كان يعيشه في الماضي، فيحتاج إلى مثل هذه الجوانب.
стр. 1657
كيفية التعامل مع الضعف الموجود عند القادة المربين
السؤال
نرى أن بعض القيادات الإسلامية في الوقت الحاضر ينقصها الكثير من التحصيل العلمي أو التربية الإسلامية، ونجد أنفسنا محرجين في انتقادهم أو تصحيح بعض مواقفهم، وذلك لكبر سنهم، أو حداثة عهدهم بالعلم الإسلامي، فما توجيهكم في ذلك؟
الجواب
القضية تحتاج إلى توازن، فنحن بين إنسان يكون همه الانتقاد أصلاً، فهو يسمع لينتقد، ويقرأ لينتقد، هذا إنسان يصدق عليه قول النبي ﷺ : (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته).
هذه عقلية لا يجوز أن نفكر بها، كذلك أيضاً الاحتقار أن فلاناً ما عنده علم شرعي، فلان ما عنده كذا وكذا، قد يكون فعلاً عنده نوع من الضعف في العلم الشرعي، لكن عنده جوانب أخرى يمكن أن نستفيد منها، كذلك أن تكون هذه الأخطاء ميداناً للتندر والحديث بها في المجالس، وأنه عندما يأتي فيرى اسمه على كتاب يذكر هذا الخطأ، يرى شريط له يذكر هذا الخطأ، هذه الأخطاء يجب أن تذكر في موقعها الذي تحتاج إليه.
أقول: يجب أن نتوازن في النقد، فلا نفرط فيتحول النقد إلى هدف، أو إلى مادة للتسلية، أو تجد أحياناً شاباً -مع الاعتذار الشديد- لا يزال في المرحلة المتوسطة أو المرحلة الثانوية، أو حتى في المرحلة الجامعية تراه يقيم العمل الإسلامي كله، فيقيم الجماعات الإسلامية، والدعاة، والعلماء، والناس كلهم، وينصب نفسه إماماً في الجرح والتعديل، وحكماً على الناس.
وعادة عندما ترى الشاب في مثل هذه المرحلة يحكم على أمثال هؤلاء فاحكم عليه بالتلف العاجل، والانتهاء العاجل؛ لأنه عندما يتحول الإنسان إلى حاكم على الآخرين، سيغفل عن عيوب نفسه، وينشغل عن عيوب نفسه، وهذا مظهر من مظاهر الغرور والإعجاب بالنفس.
أيضاً الجانب الآخر: عندما يكون فلان له قيمته ومجاله وشهرته لا ينبغي أن نعتقد فيه العصمة، فالإنسان أياً كان يخطئ، ويقع في الخطأ، وقد يكون خطأً كبيراً، وقد تكون زلة، ولا تكاد ترى أحداً لا يقع منه خطأ، والعصمة ليست لأحد بعد رسول الله ﷺ ، فيجب أن نتوازن.
ثم إذا وقع فلان في خطأ أو خطأين أو ثلاثة فهذا لا يعني أن نلغيه، ولا يعني أن نقضي عليه، ولا يعني ألا نحكم عليه إلا من خلال هذا الخطأ، وأنت ترى هذا الإنسان عنده جوانب كثيرة من الخير، وعنده خطأ أو خلل أو ضعف في هذا الجانب فترى أن الكثير لا ينظر إلا من خلال هذه الزاوية، ولا ينظر إلا بعين واحدة، فأقول: يجب أن نتوازن في مثل هذا النقد.
стр. 1658
كيفية التعامل تربوياً مع القوافل الكثيرة من التائبين
السؤال
لقد أشرت في حديثك إلى وجود الأعداد الكبيرة من التائبين، وأن هؤلاء بحاجة إلى التربية، فما هو الحل لإعداد التربية الكافية لهذه القوافل، مع قلة عدد المربين، ألا ترون أن هذا بحاجة إلى توحيد جهود العلماء والدعاة وطلبة العلم والمربين لإعداد هذه التربية؟
الجواب
نعم، أقول: إنها مشكلة يجب أن نعتني بها، لكن هنا سؤال يفرض نفسه: ما مدى الآن شعورنا بهذه المشكلة والحديث عنها؟ نحن نتحدث كثيراً عن التائبين والمقبلين على الله ، لكن هل نسمع الحديث عن كيف نتعامل مع هؤلاء؟ كيف نربي هؤلاء؟ قلما نسمع الحديث عن ذلك، ولو اعتنينا به وتحدثنا عنه، وبحثنا مثل هذه القضايا؛ لوصلنا إلى بعض النتائج.
أستطيع أن أقول باختصار: أولاً: لابد من إيجاد محاضن تربوية للشباب، من خلال المدارس، ومن خلال الأحياء، ومن خلال حلقات القرآن، ومكتبات المساجد، وحلقات العلم، محاضن تربوية تأخذ وقتاً طويلاً من الشاب وتربيه من كافة الجوانب، فتحتضن عدداً من هؤلاء.
أيضاً لابد من الارتقاء في المستوى التربوي من خلال خطبة الجمعة، فلابد أن تكون خطبة الجمعة خطبة مدروسة، ويسعى فيها الخطيب إلى أن يربي المجتمع، فلا تكون مجرد خطبة مرتجلة، ومن خلال الفصل والأستاذ في الفصل أيضاً يجب أن يمارس التربية، ومن خلال المحاضرات والدروس، فلا يسوغ أن يكون خطابنا للناس في هذه القنوات من المحاضرات والدروس والخطب مجرد خطاب عاطفي، أو تكراراً لقضايا معينة، بل يجب أن نرتقي بمستوى أسلوبنا، فعلى الأقل هذه تختصر لنا بعض الخطوات، ويمكن أن تسد قدر من الخلل الذي نعاني منه مع مثل هذا التيار.
وأقول: إن القضية تحتاج إلى دراسة، وتحتاج إلى عناية، وتحتاج إلى أن يتحدث عنها الكثير، ولا يمكن أن يكون مثلي يضع الحل الناجع لمثل هذه القضية في مثل هذه العجالة.
стр. 1659
التوفيق بين القيم الدينية والتعليم المؤسسي المنحل
السؤال
توجد كثير من المؤسسات العلمية مثل الجامعات في كثير من الدول الإسلامية بعيدة كل البعد عن القيم الدينية والتربية الإسلامية، فكيف توفق الأسرة المسلمة في التربية بينها وبين هذه المؤسسات العلمية؟
الجواب
أنت ترى للأسف أن المؤسسات التربوية في العالم الإسلامي تمارس الهدم للمعاني التربوية، من خلال الاختلاط، والتبرج، ومحاربة الحجاب، بل ترى أنه في كثير من الدول الإسلامية يمنع على الفتاة أن تدخل وهي متحجبة، ناهيك عن المناهج وما فيها، ناهيك عن أخلاق الأساتذة وأساليبهم.
أقول: إن هذا مما يزيد في صعوبة دور المربي، سواء كان أستاذاً في وسط هذا العفن، أو كان أباً، أو كان أخاً، أو غيره؛ وهذا مما يزيدنا مسئولية، لأنه كما ذكر أحد المربين يصف هذا الوضع يقول: إن الذي يربي في خلال هذا المجتمع مثل الذي يسبح ضد التيار.
فأقول: هذا مما يزيد الصعوبة، لكن ليس مستحيلاً، فقد عاش أصحاب النبي ﷺ الفترة المكية في وسط المجتمع الجاهلي بكل مؤسساته وكل ضغوطه، ومع ذلك استطاعوا أن يتجاوزوا كثيراً من السلبيات والضغوط التي كانوا يجدونها من خلال ذاك المجتمع.
стр. 1660
أهمية الثقافة التربوية لمن يمارس التربية
السؤال
يذكر البعض أن التربية لا يستطيع العمل بها إلا الذين درسوا التخصصات التربوية، وأنها صعبة، ويعملون أعمالاً كثيرة مستغربة، ويقولون: أنتم لا تفهمون، وفي اعتقادي أن أي إنسان يقرأ في سيرة الرسول ﷺ وعنده فهم يستطيع أن يؤدي التربية، أي أنها ليست محصورة، فما رأيك؟
الجواب
القضية تحتاج إلى توازن، فأن نقول: إن كل إنسان يربي لابد أن يكون متخصصاً في التربية هذا مستحيل، وهذا خطأ، وأيضاً أن نهمل هذا الجانب هذا هو الآخر خطأ، فنحتاج نحن إلى من يتخصص بالتربية كعلم مستقل، ليؤصل لنا، ويحل لنا مشاكل تربوية، ويطرح لنا نظريات تربوية.
ونحتاج إلى من يمارس التربية وأن يكون عنده على الأقل وعي تربوي، وعنده ما يمكن أن نسميه بالثقافة التربوية أو القراءة التربوية، فلا يسوغ أن نهمل أيضاً العلم التربوي الذي قام وله أصوله فنقول: لسنا بحاجة إليه مطلقاً، وكذلك أيضاً لا يسوغ أن نبالغ ونرى أن كل إنسان يربي لابد أن يكون متخصصاً بالتربية، فالتوسط في ذلك مطلوب.
لكن أنا أؤكد أن الذين يمارسون التربية يجب أن يكون عندهم على الأقل ثقافة تربوية، أن يكون عندهم قراءة في بعض كتب علم النفس، وبعض كتب التربية، ويكون عندهم تصور لبعض النظريات التربوية التي تساعدهم على تحقيق هذه الأهداف، وعلى الاستفادة المثلى من قراءة السيرة النبوية وسير السلف، حتى قراءة السيرة وسير السلف إذا لم يكن عندك عقلية تربوية قد لا تستطيع أن تستنبط منها المعاني التربوية التي تحتاج إليها.
стр. 1661
مشكلة قلة المربين
السؤال
ألا ترى بارك الله فيك أنه بسبب قلة المربين في المجتمع يساهم في سلبية هذه الصحوة، فما البديل؟
الجواب
البديل أن نعتني بالتربية، ونخرج المربين، ولا نجلس لنشتكي، ومشكلتنا أننا نجيد الحديث عن المشاكل والشكوى، فهذه مشكلة أمامنا من سيحلها؟ يحلها الغرب، المؤسسات التربوية الغربية، أو المعاهد التربوية الغربية؟ لا، لا يحلها إلا نحن، فمشاكلنا يجب أن نفكر فيها، ونحل هذه المشاكل ولو على مدى أبعد.
فما دمنا الآن نشتكي من قلة المربين فيجب أن نعد المربين من الآن، ونربي الشاب من الصغر؛ حتى يكون مربياً ناجحاً يحل لنا هذا النقص وهذا الخلل.
стр. 1662
إهمال تربية الأبناء
السؤال
أب لم يحسن تربيتي منذ صغري، ومنذ طفولتي أهملني، وتركني حتى بلوغي إلى السن المتميز والإدراك الواضح، وبدأت أعمل الحرام والسرقة، وجلب المصائب لبيت أهلي وغيرهم، هل يأثم والدي ووالدتي على هذا الشيء، إذا كان الجواب نعم، فما نصيحتكم إليهم؟
الجواب
لا شك أنه يأثم، لكن أيضاً هذا ليس إهمال والدك عذراً لك، بل لو تعمد والدك أنه يربيك التربية السيئة لم يكن ذلك عذراً لك، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥].
стр. 1663
وسائل التربية ليست توقيفية
السؤال
هل وسائل التربية توقيفية، أم أنها خاضعة للجهد البشري، واختيار الوسيلة المناسبة؟
الجواب
وسائل التربية والدعوة ليست توقيفية، وسبق أن عرض هذا السؤال في المحاضرة الماضية التي كانت بعنوان: همسة إلى شاب، وذكرت لكم أن الكثير من العلماء والمشايخ أفتوا بأنها ليست توقيفية، ومنهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز فقد سألته بنفسي، وأجابني بذلك، وأيضاً الشيخ ابن عثيمين والشيخ عبد الله بن قعود وغيرهم قرروا أن وسائل الدعوة ليست توقيفية.
وما معنى أنها ليست توقيفية؟ يعني: إذا قلنا إنها توقيفية فمعناه أنه لا يجوز أن ندعو بأي أسلوب أو وسيلة إلا إذا كانت واردة عن الرسول ﷺ ، أما إذا قلنا: إنها ليست توقيفية، فيعني هذا أن عندنا حرية أن ندعو بأي أسلوب بشرط أن يكون جائزاً شرعاً، وألا يكون فيه مخالفة شرعية.
وأنت ترى الذي يقولون: إن وسائل الدعوة توقيفية يضطرون إلى نوع من خرق القاعدة، فمثلاً طلب العلم مثل الدعوة فما الفرق بينه وبين الدعوة؟ إذا قلنا: إن وسائل الدعوة توقيفية، إذاً وسائل تلقي العلم يجب أن تكون توقيفية، فالمدارس النظامية الآن ما كانت موجودة في السابق، الكتب بطريقتها الآن والتصنيف وطريقة التبويب لم تكن موجودة في السابق، الوسائل المعاصرة أجهزة الحاسب الآلي، وأجهزة الناسوخ والاتصال، أجهزة الاتصالات الحديثة، ومراكز المعلومات وكل هذه ما كانت موجودة.
إذاً هذه بدعة، والتعليم الرسمي بدعة لأنه ما كان موجوداً، وخذ كل الوسائل الموجودة في التعليم هي الأخرى بدعة إذا قررنا أن وسائل الدعوة توقيفية.
فعلى كل حال ليس ذلك صحيحاً، فوسائل التربية ووسائل الدعوة وسائل اجتهادية، ولو تمعنا في التاريخ لوجدنا أن الأمة ابتكرت وسائل في الجهاد، ووسائل في العلم، ووسائل في الدعوة، ووسائل في إدارة شئون حياة الأمة كلها ابتكرت واستفادت من العصر الذي تعيشه.
فالميدان مفتوح والمجال مفتوح لأي وسيلة بشرط ألا يكون فيها مخالفة شرعية، وأن نرى أنها تحقق المصلحة الشرعية.
стр. 1664
الاكتفاء بالخطب والمحاضرات في التربية
السؤال
هل الخطب والمحاضرات كافية للتربية؟
الجواب
لا، التربية تحتاج إلى عمل، وهي تربية من خلال العمل، والخطب والمحاضرات لا شك أنها تقدم خطوات تربوية، وتعطي دفعات لكنها وحدها ليست كافية.
стр. 1665
الجوانب التربوية المطلوبة
السؤال
لا يخفى عليكم أن المكتبات الخيرية الموجودة في المساجد تعتبر من المحاضن التربوية لإخراج شباب يؤهل فيه أن يخدم هذا الدين؟ هل هناك أسس تربوية أو بمعنى آخر مفاهيم أساسية تغرس في نفوس رواد مثل هذه المحاضن؟
الجواب
هي الأسس التي نريدها من المسلم، نريد أن نربي الإنسان على الإسلام، على أن ينضبط أولاً بالضوابط الشرعية، فنربيه على أن يلتزم أوامر الله ، على أن يتجنب المعاصي، على أن يكون عنده ورع وخوف من الله ، نربيه على أن يكون قلبه متوجهاً إلى الله .
جانب آخر: العلم الشرعي، فنعطيه المنهج العلمي، وأن نربي ونغرس عنده حب العلم والتوجه إليه.
جانب آخر: السلوك والتعامل مع الناس.
جانب آخر: أن نربيه على الدعوة من خلال العمل ومن خلال الميدان.
أقول باختصار: هذه الجوانب التربوية هي الجوانب المطلوبة من المسلم، تصور أنت ما هي الصورة التي تتطلع إليها، وترى أن يكون المسلم عليها، هي التي نريد أن نصل بالإنسان إليها من خلال هذه المحاضن التربوية، سواء كانت من خلال مدارس، من خلال مؤسسات تربوية، من خلال مكتبات مساجد، أياً كانت هذه المؤسسات، أو هذه المحاضن التربوية.
стр. 1666
أهمية رفع مستوى التربية عند المربين
السؤال
هناك مقولة تقول: حتى تصل التربية إلى الحد المقبول يجب أولاً النظر في تربية المربين، هل من تعليق على هذه العبارة أو توضيح؟
الجواب
نعم، لابد من رفع مستوى المربي، قد يكون عند المربين قصور تبعاً للتربية التي تلقوها هم، فيسعى المربي إلى أن يرفع مستواه، ويسعى إلى أن يزيد من تحصيله، سواءً العلم الشرعي أو صلته بالله ، أو القدرات والمفاهيم التربوية.
стр. 1667
التكامل بين الجوانب التربوية والجهادية والدعوية
السؤال
في ظل واقع هذه الصحوة، هناك من يدعو إلى التربية الجهادية والذهاب إلى ساحة الجهاد، وهناك من يدعو إلى التربية على العلم الشرعي وغيرها من أمور التربية التي نحن بحاجة إليها، فما هي الأولويات التي يتربى عليها في ظل هذه الظروف، وجزاك الله خيراً؟
الجواب
هذا سؤال مهم، وكثيراً ما يرد السؤال والنقاش والجدل حوله، فنقول: أولاً: هناك أشياء لا بد منها للمسلمين جميعاً، كقدر من العلم الشرعي، وقدر من إنكار المنكر، وقدر من الصلة بالله .
ثم يبقى جانب التخصص المهم، فمن الخطأ أن نتصور أن الأمة كلها يجب أن تذهب إلى ساحات الجهاد، فمن سيبقى هنا؟ ومن سيحمي الجيل؟ وتخيلوا مثلاً أن كل الناس ذهبوا إلى الجهاد، فمن سينكر المنكرات كلها؟ من سيربي؟ من سيبقى لأهل الفساد في مجتمعات المسلمين كله على مستوى الأمة؟ جانب آخر: جانب العلم الشرعي، فليس كل الناس مؤهلين أن يتوسعوا ويتبحروا في العلم الشرعي، وكذلك جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكافة الجوانب التي نريدها، فلماذا نحن نفترض التناقض، ونتصور أنه ليس هناك إلا ميدان واحد؟ أقول: هناك قدر مشترك مطلوب من الجميع، ثم بعد ذلك يبقى جانب التخصص، ولا ينبغي أن يشغب أحد على أحد، فنحن نحتاج إلى من يشارك الأمة في ميادين الجهاد، نحتاج إلى من يتبنى أمور الأمة الاجتماعية، إنقاذ أصحاب الفقر وقضاء حوائجهم، وأن يوفر وقته وجهده لمثل هذه المشاكل الاجتماعية.
نحتاج إلى إنسان يتفرغ للعلم الشرعي وتعليمه، نحتاج إلى إنسان يتفرغ لدعوة الشباب المعرضين، نحتاج إلى إنسان يتفرغ لتربية الشباب المستقيمين، نحتاج إلى جوانب كثيرة وجهود كثيرة ليس واحداً منها هو المطلوب دون غيره، وليس واحداً منها هو الأولى دون غيره، بل كل هذه الأمور مطلوبة، ويجب أن تسير معاً في خط متوازٍ.
ومن الخطأ أن نفترض أولويات أو تناقضاً أو تضارباً، وأنه ما دام هذا الميدان مهماً فالآخر غير مهم، ولا يجوز أن يسخر صاحب ميدان من الميدان الآخر، بل يجب أن نشعر أننا جميعاً في خندق واحد، مثال: مثل الجيش الذي يحارب، فهو يحتاج إلى قائد، إلى رجل متفرغ في غرفة عمليات يدير الاتصال وينظمه، يحتاج إلى إنسان يشارك في القتال، إلى إنسان يحمي الخلف ويحرس، إلى إنسان يعد الطعام، يحتاج إلى فني عمله فقط إصلاح السيارات والمعدات، يحتاج إلى معالجة الجرحى وإخلاء طبي، نحتاج إلى أدوار كثيرة.
لو جاءنا الإنسان الذي يعد الطعام للجيش، وقال: والله أنا أحتاج للقتال، فإن الناس يقاتلون ويتعرضون للاستشهاد، وأنا جالس أعد الطعام! إذاً: من سيعد الطعام للجيش؟ ومن سيقوم بهذا الدور؟ فهي أدوار قد تتصور أن هذا أهم، وهذا أولى، وهذا ثانوي، لكنها هي كلها مهمة ومطلوبة، ولابد منها جميعاً، ولا يجوز أن نفترض التناقض وأن يشغب بعضنا على بعض في مثل ذلك.
стр. 1668
التربية والتأديب بالضرب
السؤال
ما رأيك في الضرب أثناء التربية لتعليم الطفل والشاب أو حرمانه من شيء يحبه؟
الجواب
الضرب ورد أنه وسيلة تربوية قال الله : ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤]، فأمر بضرب المرأة إذا احتاجت إلى الضرب، وقال النبي ﷺ : (اضربوهن ضرباً غير مبرح).
لكن هذا لا يعني أن يتحول الزوج إلى جلاد، بل النبي ﷺ نهى عن الضرب وقال: (أولئك ليسوا بخياركم)، وقال: (خيركم خيركم لأهله).
وكذلك أيضاً شرع ضرب الصغير للصلاة: (واضربوهم عليها لعشر).
وشرع التعزير عموماً، فقال النبي ﷺ : (لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله)، واختلف العلماء في معنى حد من حدود الله، ومن أقوى الأقوال أن المقصود أي أمر محرم، يعني أن عشرة أسواط في قضية غير محرمة مما يحتاج الأب والمربي إلى أن يؤدب ابنه عليه، أما حدود الله فالمقصود بها المعاصي، فالمعاصي من حدود الله، ولذلك يقول الله : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة:٢٢٩].
لكن أيضاً لا ينبغي أن يكون هذا الضرب هدفاً ووسيلة، وأن يتحول الإنسان إلى رجل باطش وجلاد، ولنا قدوة في النبي ﷺ الذي يقول فيه معاوية بن الحكم ﵁: (فما رأيت معلماً أحسن تعليماً ولا تأديباً منه).
نكتفي بهذا القدر، ونسأل الله أن يجعل فيما قلنا الخير والبركة، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، هذا والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك وأتوب إليك.
стр. 1669
رسالة إلى شاب
الشباب التائه من أبناء المسلمين كثيرون، فهم غارقون في بحار الفتن والشهوات، وهم على كل حال لا تزال فيهم جوانب كثيرة من الخير، فهم بحاجة منا إلى نصح ومساعدة حتى نأخذ بأيديهم إلى طريق الخير والصلاح.
стр. 1670
دواعي الرسالة
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله.
أما بعد: فنحمد الله على أن جمعنا وإياكم في هذا المكان، ونسأله أن يوقفنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يجمعنا في مستقر رحمته، ودار كرامته، ويجعلنا وإياكم من المتحابين بجلاله يوم يناديهم : (أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي؟!).
أيها الإخوة! حديثنا هذه الليلة (رسالة إلى شاب)، وهي رسالة من نوع معين إلى أولئك الشباب الذين ولدوا من آباء مسلمين، وأمهات مسلمات، وعاشوا في هذا المجتمع المسلم، وهم يحملون الفطرة الإيمانية، ويحملون بذور الخير في قلوبهم، بل ويحافظون على كثير من أحكام الله وشعائره، ولكنهم يمارسون ألواناً من الانحراف عن دين الله ، وألواناً من الضياع، تتفاوت هذه الألوان وهذه الصور؛ لكننا نجزم أن غالبهم وعامتهم ينتظرون اليوم الذي يسيرون فيه في طريق المستقيمين، والذي يسلكون فيه درب الاستقامة والسعادة.
ولذا كان لزاماً علينا أن نعتني بإخواننا هؤلاء، وأن نقدم لهم الكلمة الصادقة؛ لعلها أن تجد آذاناً صاغية، ولعل الله أن يفتح أبواب قلوب بعض المعرضين من كلمة قد لا يلقي لها صاحبها بالاً.
أيها الإخوة! هؤلاء الشباب مع ما يقعون فيه من الانحراف والضياع الذي قد يصل ببعضهم إلى ترك الصلاة وترك الواجبات، فعامتهم ينتظر ويتمنى اليوم الذي يسلك فيه الطريق المستقيم.
ولكن هناك عقبات وعوائق وموانع، ولذا فقد قمت بإجراء بحث حول هذا الموضوع، وأعددت استمارة وزعت على بعض هؤلاء الشباب في مدينة الرياض، ثم بعد ذلك خرجت لنا نتائج أعلنا بعضاً منها في المحاضرة السابقة، والتي كانت بعنوان: عوائق الاستقامة، وكان في النية أن أتحدث في تلك المحاضرة عن هذه العوائق ومناقشتها، وأن تكون موجهة إلى هؤلاء الذين تحجزهم هذه العوائق؛ ولكن ضاق الوقت فأحببنا أن نرسل لهم هذه الرسالة الخاصة.
أيها الإخوة! قد تطول صفحات هذه الرسالة، ولكن المعذرة فلعلها تكون صادرة من قلب يحترق ويتألم على ما يرى من ضياع الكثير من الشباب الذين تؤمل فيهم الأمة آمالها، والذين تعدهم الأمة لغدها المشرق، قد تطول صفحات هذه الرسالة فتبلغ عشرين صفحة، وهي: لماذا هذه الرسالة؟ من محاسنكم.
هل رأيت الأخيار؟ هل هؤلاء خير منك؟ هلا قرأت التاريخ.
ألا تعرف أحداً منهم؟ أسمعت عن هؤلاء؟ تأمل في واقع أمتك.
ألا تريد المشاركة في الإنجاز؟ قبل أن تذبل الزهرة.
ماذا يريدون منك؟ حتى لا تدفع ضريبة الغفلة.
اعلن البراءة اليوم قبل الغد.
وإليك البديل.
أيهما تختار؟ كن سابع سبعة.
استعد للامتحان.
لا تنتظر الموعد الموهوم.
فقد تكون النهاية.
لا تقطع الحبل الموصول.
لا تيأس، واتخذ القرار الحاسم.
فهو العائق الوحيد.
стр. 1671
لماذا هذه الرسالة
الصفحة الأولى: لماذا هذه الرسالة؟ أيها الشباب! لماذا نوجه لكم هذه الرسالة؟ ونتوجه لكم بهذا الحديث الخاص؟ إن هذا ما يدفعنا إليه قول النبي ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وإنه مهما بدر منكم من التقصير والإعراض والغفلة، فإنكم مع ذلك كله تبقون إخواناً لنا، فلكم إخوة الإسلام، وولاء الإسلام، وحق الإسلام، فمن حقكم علينا أن نحب لكم ما نحب لأنفسنا، وأعظم ما نحب لأنفسنا ونتمنى لأنفسنا هو سلوك طريق الهداية.
وهذه الهداية التي وفق الله لها الصالحين، ونسأله أن نكون وإياكم ممن وفق لها، هذه الهداية والله ما حصلها من حصلها بكد أمه ولا كد أبيه، ولا بجهده وطاقته، إنما هو توفيق من الله ، ومنة ونعمة من الله القائل : (يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم).
ومن حق هذه النعمة وواجب شكرها أن نحرص على أن ننقل هذه النعمة إلى الآخرين، وأن نقول للناس الذين لم يسلكوا الطريق: هانحن قد سلكنا هذا الطريق، فهلموا وبادروا معنا وسيروا؛ علكم تجدوا ما وجدنا فيه من السعادة والطمأنينة، ولذة عبادة الله ، والتي نرجو أن تكون بعد ذلك طريقاً إلى السعادة الأبدية والسرمدية، ولذة النظر إلى وجهه .
أخي الشاب! إذا لم نرسل لك هذه الرسالة، فممن تنتظرها؟! أتنتظرها من شركائك في الفساد؟ أتنتظرها من قرناء السوء الذين أنت بنفسك قلت لنا فيما كتبته لنا وحدثتنا به: إن هؤلاء هم العائق الأول عن سلوك طريق الاستقامة، فهل تنتظر من هؤلاء أن يرسلوا لك هذه الرسالة؟ أم تنتظر هذه الرسالة من أولئك المفسدين الذين يتربصون بك الدوائر، والذين صدروا لك الأفلام الساقطة، والصور الخليعة، وتفننوا في صدك عن سبيل الله ؟ أتنتظر منهم بعد ذلك أن يرسلوا لك هذه الرسالة، ويوجهوا لك هذه النصيحة؟ أم تنتظرها من أعدائك من الكفار وغيرهم؟ أجزم أنك لن تسمع هذه الرسالة إلا من قلب يملؤه شعوران: شعور بالعطف والشفقة والمحبة لك، وشعور بالخوف والقلق أن تصير إلى النهاية الخطيرة إلى الهلاك الذي لا نجاة بعده.
стр. 1672
من محاسنكم
وأما الصفحة الثانية فهي بعنوان: من محاسنكم: إن هؤلاء الشباب مع ما عندهم من الإعراض والغفلة، ومع ما عندهم من الفساد الذي لا نقلل من خطورته، إلا أن الدراسة أثبتت لنا أن هناك جوانب خيرة، وهناك جوانب مضيئة في سيرة هؤلاء، فإليكم تلك الجوانب التي قد يكون قالها وأجاب عنها بعضكم ممن يستمع إلى حديثنا الآن، فمن ذلك:
стр. 1673
التفكير بالالتزام
أن أكثر هؤلاء قد فكروا بالالتزام، فـ (٩٣%) من طلاب المرحلة الثانوية، و (٩٢%) من طلاب المرحلة المتوسطة قد فكروا في الالتزام، و (٣٢%) منهم فكروا تفكيراً جاداً في سلوك هذا الطريق، و (٧٤%) من طلاب المرحلة المتوسطة، و (٧١%) قد فكروا بذلك أكثر من ثلاث مرات.
إذاً: فالغالبية من هؤلاء لا يدركون خطأ الطريق فقط، ولا يدركون خطورة الأمر فقط، بل إنهم يفكرون تفكيراً قد يكون جاداً، وقد يكون دون ذلك، المهم أن لديهم الرغبة، وأن لديهم الدافع في توديع حياة الغفلة والإعراض، والسير في ركاب الصالحين.
أيضاً: أكثر هؤلاء يشعر بأن الالتزام هو طريق السعادة، فـ (٧٩%) من طلاب المرحلة الثانوية، و (٨١%) من طلاب المرحلة المتوسطة أجابوا بأنهم يشعرون بأن الالتزام طريق السعادة.
أما (٢١%) و (١٨%) فأجابوا بلا أدري، أما الذين أجابوا بـ (لا) فهم (١%) من كلا المرحلتين.
إذاً: فأكثر هؤلاء أيضاً يدرك تمام الإدراك أن الالتزام هو طريق السعادة.
فإذا كنت -يا أخي- قد أدركت أن هذا الطريق هو الذي يحقق لك السعادة، فما الذي يمنعك من سلوكه، والمصير إليه.
стр. 1674
الاستماع للنصيحة
أيضاً: من الجوانب المضيئة عند هؤلاء أن أكثرهم يستمع للنصيحة ويستجيب لها: فقريب من (٧٠%) من هؤلاء استفادوا استفادة إيجابية من النصيحة التي وجهت لهم، فمنهم من استقام مدة محددة، ومنهم من تأثر، المهم أن النصيحة والكلمة الصادقة لها أثر على هؤلاء.
لا أريد أن أطيل في هذه النتائج، فلدي الكثير من ذلك، ولكني أرى أن الصفحات بعضها يدفع بعضاً؛ حتى لا يضيق الوقت عنها.
стр. 1675
هل رأيت الأخيار
الصفحة الثالثة: هل رأيت الشباب الأخيار؟ لابد أنك قد رأيت ذاك الشاب المستقيم السائر على طاعة الله ، رأيته يوماً من الأيام يمد يده ليعطي لك شريطاً، أو يعطيك كتيباً، أو يتحرك لسانه بلغة تدرك منها الإشفاق والنصح ليوجه لك نصيحة صادقة وخالصة.
إنه أيضاً قبل أن تمتد يده بهذا الشريط وهذا الكتاب قد امتدت إلى جيبه لتخرج تلك النقود يدفعها ليشتري لك هذه الهدية يدفعها لك وهو يدعو لك بدعاء صالح، ودعاء صادق أن يهديك الله .
أرأيت هؤلاء؟ ما الذي يدفعهم إلى ذلك؟ ما الذي يدعوهم لهذا؟ ما الذي يدعوه إلى أن يكثر لك النصيحة؟ بل الذي دعاك لحضور هذه المحاضرة، وحضور هذا المجلس، والذي يدعوك من وقت لآخر إلى أن تحضر مجالس العلم، ولقاءات الخير، ما الذي يدفعه لذلك؟ أرأيت أولئك الدعاة إلى الله ، الذين تتفطر قلوبهم حزناً وألماً على واقعك وواقع إخوانك، الذين يسهرون ليلهم، ويصرفون أقواتهم في بذل الجهد لإنقاذك من هذه الغفلة، ماذا يريد كل أولئك؟ أليس هذا -يا أخي- وحده كافياً أن يشعرك فعلاً بأنك تسير على طريق نهايته أليمة؟ أليس هذا كافياً بأن يهزك هزاً ليوجهك إلى أن تسلك الصراط المستقيم؟ كل هذه الجهود -أخي الكريم- وكل ما تراه إنما هو من أجلك، من أجل إنقاذك من الخطر الداهم، ومن أن تتعرض لسخط الله وعذابه ، من أجل أن ينقلوك إلى سعادة الحياة الدنيا التي قلت أنت بنفسك وبقلمك: أنك تدرك أن الالتزام وأن الاستقامة هي طريق السعادة.
فلا تظن -أخي الكريم- أن ما أنت عليه من التمتع بالشهوات المحرمة هي غاية الحياة الدنيا، وهي النعيم، ولكن النعيم هو ما أشار إليه الله في قوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧].
إن هؤلاء الشباب الأخيار، وأولئك الدعاة، وغيرهم الكثير الكثير الذين يسهرون ويؤرقهم همك، كل هؤلاء يسعون إلى أن ينقلوك إلى هذه السعادة وهذا النعيم، وإن هذا النعيم -أخي الكريم- هو الطريق والخطوة الأولى بعد ذلك للسعادة الأبدية، والسعادة السرمدية، يوم يؤتى بالموت على هيئة كبش، فيقال لأهل الجنة: أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، الموت.
ويقال لأهل النار: أتعرون هذا؟ فيقولون: نعم، الموت.
فيذبح حينئذٍ بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة! خلود فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت، حينئذٍ ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥].
ولتعلم -أخي الكريم- أن السعادة، ولذة الإيمان، وجنة الدنيا التي يجدها المطيع لله في هذه الحياة هي الخطوة الأولى في طريق السعادة الأبدية السرمدية، وهي البوابة التي لابد أن يلجها من شاء أن يسلك وأن يصير إلى طريق السعادة الأبدية، التي لا شقاء ولا خسارة بعدها.
стр. 1676
هل هؤلاء خير منك
الصفحة الرابعة: هل هؤلاء خير منك؟ عندما ندعوك إلى أن تسلك طريق الالتزام تعتذر بأنك لا تستطيع ذلك، وأنك مقتنع تمام القناعة بخطأ الطريق الذي أنت عليه، وأنك تتمنى أن تسير في ركب الصالحين، وتدرك هذا الأمر؛ لكنك تعتذر أنك لا تطيق، فأمامك الفتن، وأمامك الشهوات، وأمامك العوائق.
فهل رأيت هؤلاء الشباب الذين يفيضون عفة وطهارة؟ ألم ينتصروا على شهواتهم؟ أرأيت هؤلاء الشباب يتسابقون على مجالس العلم ولقاءات الخير، في حين كنت تسابق على مدرجات الكرة وملاعب الكرة؟ أرأيت هؤلاء الشباب يقضون ليلهم ركعاً سجداً حين ينزل الله إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ أرأيت هؤلاء الشباب الذين يقضون ليلهم بكاءً وتضرعاً وخضوعاً بين يدي الله ، في حين تقضي ليلك أنت بما لا يخفى عليك؟ أرأيت هؤلاء الشباب الذين يعيشون هذه الحالة؟ أهم ملائكة؟ أهم معصومون؟ أليس لهم شهوات؟ أليس أمامهم فتن؟ بل قد تكون أبواب الفتن مشرعة أمامهم أكثر منك، وما يدريك عن حالهم؟! قد يكونون أكثر شهوة منك، وقد تكون أنت أقوى منهم شخصية، وأقدر منهم على الثبات، فلماذا انتصر هؤلاء وانهزمت أنت؟ لماذا استطاع هؤلاء أن يسلكوا طريق العفة وخضت أنت في بحر الرذيلة؟ أليسوا بشراً مثلك؟ أليسوا يعيشون الفتن كما تعيشها؟ ألست تواجههم الشهوات؟ فلماذا استطاعوا أن يشقوا الطريق وأنت لم تستطع ذلك؟
стр. 1677
هلا قرأت التاريخ
الصفحة الخامسة: هلا قرأت التاريخ: أسماء أظنك لا تجهلها، وأظنك وإن تعلقت بالرياضة والفن والساقطين والغناء، فأظن بل أجزم أن هؤلاء أحب إلى قلبك من أولئك الساقطين، لعلك قد سمعت عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعلي بن أبي طالب ومعاذ ومعوذ ابني عفراء، وغيرهم من شباب أصحاب النبي ﷺ .
إنهم أيضاً بشر مثلك، لكنهم انتصروا على أنفسهم أولاً قبل أن ينتصروا على أعدائهم، فسطروا للأمة تلك الصفحات البيضاء الناصعة؟ أرأيت أسامة بن زيد ﵁ يقود جيشاً يواجه به أعتى قوة دولية في ذاك الوقت وعمره دون عمرك، عمره لم يتجاوز العشرين عاماً؟ أظن أنك تسمع عن بلاد السند والهند، وما وراء النهر، أتدري من الذي نقل الإسلام إلى أولئك؟ أتدري من الذي حطم الوثنية التي كانت جاثمة هناك؟ إنهم شباب بعضهم في سنك، أو دونك، أو أكبر منك، المهم أنهم يعيشون المرحلة التي تعيشها.
لعلك -يا أخي- قد سمعت بشاب كان دون العشرين من عمره، عاش في بيئة تغص بالشرك والوثنية ليس فيها من يقول: ربي الله إلا راهب واحد مستخفٍ في رأس جبل، وحين دخل هذا الدين قلب هذا الشاب؛ جاء ليقوم بهذا الدين، ويواجه به الناس، ويقدم نفسه رخيصة لله ؛ حتى يمن الله عليه بعد ذلك بأن تهتدي على يديه قرية كاملة ثم يذهبون شهداء، ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج:٤ - ٧].
إنه شاب مثلك، لم يصحب نبياً، إنه عاش واقعاً أجزم أنه أسوأ من الواقع الذي تعيشه، عاش في بيئة ليست مليئة بالشهوات فقط، بل تغص بالشرك والعبودية لغير الله، ومع ذلك قام وحده دون معين ودون ناصح؛ ليعلن كلمة الحق، ليعلن أن لا إله إلا الله، ولا رب إلا الله، ثم بعد ذلك منّ الله عليه بالشهادة في سبيله، ومنّ الله عليه بأن تدخل الأفواج من الناس في دين الله على يديه، قائلين: آمنا بالله رب الغلام.
فما الفرق بينك وبينه؟ أليس شاباً مثلك؟ أليست هذه النماذج كافية بأن تجعلك تودع حالة الغفلة والإعراض إلى غير رجعة، وأن تطلقها ثلاثاً؟
стр. 1678
ألا تعرف أحداً منهم
الصفحة السادسة: ألا تعرف أحداً منهم؟ كثير هم الشباب الذين منّ الله عليهم بالهداية وسلوك الطريق المستقيم بعد أن انغمسوا إلى رءوسهم في الشهوات، وأوحال الفتن والضلال، وأظن أنك ولابد تعرف بعضاً منهم، قد يكون أحدهم شقيقك، وقد يكون جارك، وقد يكون زميلك في فصلك، وقد يكون صديقك الذي كان يعينك على المعصية، بل كان يشرع أمامك الأبواب، وكان معيناً لك، وقد يكون أسوأ منك يوم أن كان على الضلال، فما الذي جعله ينتصر على نفسه وتخفق أنت؟! إنه مثلك ذاق الشهوات المحرمة، وقد غاص في أوحال الفتن، وها أنت تراه وقد سلك طريق الاستقامة وطريق السعادة، وهو يقول لك بلسان حالة قبل أن يقول لك بلسان مقاله: ها أنا الآن وجدت طريق السعادة، وودعت طريق الشقاوة والضلال إلى غير رجعة.
أليس في هذه النماذج عبرة لك ومقنعاً بأنك مهما بلغت من الفساد قادر على أن تكون خيراً منه، وما الذي يحول بينك وبين ذلك؟
стр. 1679
أسمعت عن هؤلاء
الصفحة السابعة: أسمعت عن هؤلاء؟ إنهم فئة من شباب الأمة منّ الله عليهم بمحبة دينه، والتضحية من أجله، فسافروا وسافرت، وخاطروا وخاطرت، ولكن إلى أين وبم خاطروا؟! لقد سافروا إلى بلاد العجم وقاتلوا في سبيل الله؛ حتى ذهبوا شهداء في سبيل الله ، ينهانا الله أن نقول إنهم أموات، ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٥٤]، ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧١].
أرأيت أولئك الشهداء الأبرار الذين قد تكون تعرف واحداً منهم، بل قد يكون أحدهم شريكاً لك في الضلالة والانحراف، ثم منّ الله عليه، فلم يجد أغلى من نفسه فجاد بها في سبيل الله ، وسافر للجهاد في سبيل الله يوم أن سافرت أنت لتحقق الشهوات واللذات المحرمة، وشتان بين الأمرين، خاطر بنفسه في سبيل الله وهو يستلذ تلك الخطورة، وأكثر ما يواجهه الموت، وهذا ما يتمناه ويريده، بل هذا ما ارتكب المشاق من أجله.
ولكنك أنت خاطرت لارتكاب الجريمة والفاحشة، وللوقوع فريسة الأمراض الجنسية والإدمان على المخدرات التي تقضي على حياتك.
إن هذه هي المخاطر التي ارتكبتها، وهذا هو الطريق الذي وضعت قدمك في أوله، ومن وضع قدمه في أول الطريق، فلابد أن يصل إلى آخره، ما لم يمن الله عليه بالرجعة والأوبة إليه .
أخي الكريم! هل تتصور أنه من المستحيل أن تكون مثل أولئك؟ ومن هم أولئك؟ ليسوا صحابة ولا تابعين، ولم يعيشوا في عصر السلف، بل عاشوا في العصر الذي عشت فيه، عاشوا في عصر الفتن والشهوات، وتعرضوا لما تعرضت له، وبعضهم قد مارس مثلما مارست، بل قد يكون أسوأ من الحال التي أنت عليها، وبعد ذلك منّ الله عليهم بالهداية؛ حتى قضوا نحبهم في سبيل الله، وهم يقولون للأجيال من بعدهم: هانحن نضيء الطريق لكم بدمائنا وبأرواحنا، فسيروا فإن الجنة تنتظر الشهداء.
стр. 1680
تأمل في واقع أمتك
الصفحة الثامنة: تأمل في واقع أمتك: استمع الآن لنشرة الأخبار، لابد أن يواجهك ما يقال عن إخوانك المسلمين في يوغسلافيا، القتلى بالآلاف، والمشردون بالملايين، والمساجد تهدم وتدمر على المصلين، إخوانك المسلمون هناك يذبحون، وتراق دماؤهم، بل ترتكب معهم أبشع الجرائم، وأبشع انتهاك لحقوق الإنسان إذا عبرنا بالمصطلح المعاصر، ها هم يعيشون آلاماً يتمنون أن تشاركهم فيها.
ومن قبلهم تعرض إخوانك المسلمون في بورما لما تعرضوا له، ومن قبلهم أريقت دماء عشرين ألفاً من المسلمين في حلبجة، ومن قبلهم أريقت دماء ربع مليون من أهل السنة في الأرض التي بارك الله حولها على يد الباطنيين الذين يحقدون على أهل السنة، ويتمنون اليوم الذي يعيدون فيه أمجاد العبيديين والقرامطة.
أما الذين يئنون في السجون تحت وطآت السياط، فإنك لا تسمع أناتهم، وكيف لك أن تسمع أناتهم وأنت منشغل بسماع أمر آخر، أما صرخات أخواتك اللاتي تنتهك أعراضهن في كل مكان، بل وفي بلاد المسلمين وللأسف، فلن تسمع هذه الصرخات؛ لأنك تسمع صرخات من نوع آخر.
أخي الكريم! أيليق بك وأنت ترى المسلمين يقادون لمجازرهم كما تقاد الشياه، وترى أنهار الدماء تجري من إخوانك المسلمين، أيليق بك بعد ذلك أن يكون غاية همك شهوة محرمة، ونزوة عاجلة، ولهواً ولعباً، ومزاحمة على مدرجات الكرة، وإخوانك يستصرخون ويستغيثون؛ ماذا يقولون عنك لو رأوا حالك؟! ماذا يقولون عنك وأنت على أقل الأحوال لم تتابع أخبارهم؛ لأنك شغلت بمتابعة أخبار الرياضيين والساقطين، ولم يؤلمك ما يحصل لأخواتك المؤمنات من انتهاك للأعراض وإهانة؛ لأنك مشغول بمتابعة نساء من لون آخر ومتابعة أخرى.
ماذا تقول عنك أختك التي ينتهك عرضها وتصرخ وتستغيث؟ كيف لو تراك وأنت تطارد النساء في الأسواق وعند المدارس؟ أرجو أن تعذرني على هذه الصراحة، ولكنه الواقع الأليم! أليس إدراكك لهذا الواقع، وإدراكك لهذا التآمر الذي يمارس ضد أمتك، وضد إخوانك، بل ضدك أنت، وقد تقول يوماً من الأيام: أكلت يوم أكل الثور الأبيض، وإن كان اليوم ليس يومك، فقد يكون غداً هو يومك، وقد يأتي عليك اليوم الذي تستصرخ فيه كما يستصرخ إخوانك، فلا تجد من يغيثك، لماذا؟ لأنك سمعت أناتهم، وسمعت صرخاتهم، ورأيت واقعهم، وأنت في وادٍ آخر، والجزاء من جنس العمل؟
стр. 1681
ألا تريد المشاركة في الإنجاز ؟
الصفحة التاسعة: ألا تريد المشاركة في الإنجاز؟ مع هذا الواقع المؤلم الذي تعيشه الأمة أخي الشاب، والذي يدمي حديثه القلوب، والذي يسيل الدموع فتح بعض صفحاته، فعن ماذا نتحدث، عن التآمر الدولي على المسلمين، وعن تكالب الأعداء وتداعي الأمم، أم عن الفساد والانحلال السائد في مجتمعات المسلمين وواقعهم؟ مع ذلك كله -أخي الكريم- ومع هذه الصفحة الكالحة بدأنا نرى الفجر الصادق تلوح أنواره في الأفق، وبدأنا نرى الصفحة البيضاء تنصع، وبدأنا نرى الصحوة الإسلامية المباركة، ولقد سارت -أخي الكريم- هذه الصحوة وحققت إنجازات رائعة، لعل هذه المظاهر التي تراها، وهذا الشباب الغض المقبل على طاعة الله إنما هو جزء من النجاح الذي حققته هذه الصحوة المباركة، وهذه المظاهر للنشاط الإسلامي التي تملأ العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، وهذا الشعور الذي أصبح يوجد عند المسلمين صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، جاهلهم ومتعلمهم، إنما هو جزء وثمرة من ثمرات هذه الصحوة المباركة.
أخي الكريم! لقد دخل إخوانك أحفاد عقبة، وتلاميذ ابن باديس الحياة السياسية والبرلمانية؛ فأسمعوا العالم كله أن الشعب المسلم يسير وراءهم، ويريد تطبيق الإسلام، ويريد الحكم للإسلام، فلم تعد القضية مطالب فئة من الدعاة، ولا مطالب جماعة من الجماعات، إنما عبر المسلمون جميعاً الفاسق منهم والمعرض قبل التقي والصالح أنهم لا يريدون إلا الإسلام.
أرأيت الصفحة البيضاء والإنجاز الرائع الذي حققه إخوانك هناك في أفغانستان عندما مرغوا أنوف الروس الذين كانوا في ذاك الوقت أعتى قوة دولية، والذين كان يحسب الغرب لهم ألف حساب؟ أرأيت إخوانك هناك بالبنادق، والسلاح اليدوي، وبالجهود المتواضعة، ومع الجوع والفقر والبرد، لكنهم استطاعوا أن يرغموا أنوف الروس، وأن يخرجوهم صاغرين من أفغانستان، ثم توجوا هذا النصر بإسقاط الحكم الشيوعي، وإقامة حكم الله، وإقامة دولة الإسلام، أرأيت هذا النصر وهذا الإنجاز؟ لن أسترسل معك -أخي الكريم- في الحديث عن إنجازات الصحوة ونتائجها، ولكنها إنجازات أجزم أنك تشاركني أنها رائعة، ولا تظن أنها هي الوحيدة، بل هي البداية، وهي الطليعة.
إننا نعتبر النصر الذي تحقق في أفغانستان طليعة الانتصارات الرائعة التي لابد أن تتحقق لهذه الأمة، ولن يدع الله بيت مدرٍ ولا وبر إلا أدخله هذا الدين بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر.
بعد ذلك أقول لك: ألا تتمنى -أخي الكريم- أن تشارك في هذه الإنجازات؟ ألا تتمنى أن تخط اسمك بين الذين يسطرون هذه الصفحات؟ وما الذي يحول بينك وبين ذلك؟ مرة أخرى أقول: إن الذين حققوا هذه الإنجازات هم بشر مثلك، يعيشون في الوقت الذي تعيش فيه، ويتعرضون للشهوات التي تتعرض لها، ويتعرضون للعوائق التي تتعرض لها، ومع ذلك استطاعوا أن يخطوا هذه الصفحات، ويحققوا هذه الإنجازات.
ألم تحدثك نفسك يوماً من الأيام أن تشارك في تحقيق هذه الإنجازات، وأن تضرب بسهم مع أولئك المتسابقين في رفع راية لا إله إلا الله؟ وما الذي يحول بينك وبين ذلك؟ مرة أخرى أقول: ليست هذه الإنجازات الوحيدة، بل هي الطليعة، وهي البوابة، وهي البداية للمد الكاسح الذي لابد أن يحقق أهدافه بمشيئة الله وتوفيقه، (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار)، فهو وعد صادق من النبي ﷺ .
أخي الكريم! أيهما أحب لك: أن تحقق إنجازاً كروياً، وإنجازاً رياضياً، فتسطر اسمك بين ألمع أصحاب الكرة، أو تحقق إنجازاً فنياً، فتصير فناناً صاعداً، يسمع لك الجميع، أو ممثلاً، أو غير ذلك من الأماني الساقطة التي يسعى إليها الكثير، أو أن تكون مشاركاً في تحقيق هذا النصر، فتقر عينك بما حققته في الحياة الدنيا، وما عند الله خير وأبقى؟ أخي الكريم! مرة أخرى أقول: مهما بلغ بك الإعراض، ومهما بلغت من الغفلة والانغماس في أوحال الفتن والشهوات، فلا تتصور أبداً أن هذا الأمر مستحيل، إنك قادر على أن تتوب إلى الله، وتحقق أكثر مما حقق إخوانك، فقد فتحوا لك الطريق، وأضاءوا أمامك السبيل.
أرأيت أصحاب رسول الله ﷺ ؟ كانوا حفاة رعاة، وكانوا يأكلون الخنافس، ويأتون الفواحش، وكان أحدهم يقتل ابنته خشية أن يلحقه العار، ويقتل وليده خشية أن يطعم معه، وبعد ذلك منّ الله عليهم بهذا الدين، فماذا صنعوا؟ لقد بنوا لهذه الأمة مجداً لا يخفى عليكم، فخرجوا من تلك الجزيرة فقراء معدمين؛ حتى استطاعوا أن يدكوا عروش أقوى قوتين في العالم، فدكوا عروش كسرى وقيصر.
أولئك الصحابة: عمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل وأبو سفيان ومعاوية بن أبي سفيان وخالد بن الوليد، وغيرهم، ألم يكونوا يوماً من الأيام معرضين؟ بل ألم يكونوا عبدة للأوثان؟ بل قد كانوا فوق ذلك كله في يوم من الأيام يحملون السلاح ويخاطرون بأنفسهم؟ ليئدوا هذا الدين وهذه
стр. 1682
قبل أن تذبل الزهرة
الصفحة العاشرة: قبل أن تذبل الزهرة: ها أنت شاب تتدفق حيوية ونشاطاً وقوة وفتوة، ولكن هل تتخيل -أخي الكريم- أن هذه الزهرة اليانعة التي تتمتع بها الآن ستبقى معك أبد الآبدين؟ أرأيت ذاك الشيخ الطاعن في السن وقد شاب شعره، واحدودب ظهره، وأصبح يمشي على ثلاث، بعد أن كان يمشي على اثنتين، وأصبح لا يخطو إلا خطوات وئيدة، ثقل سمعه وبصره، أرأيت ذاك الشيخ؟ إنك لابد لك من أحد مصيرين: إما أن تصير إلى ما صار إليه، أو أن تهلك وتموت وأنت في شبابك، وبعد ذلك تتحسر على هذه الزهرة اليانعة، وعلى هذه الأيام التي أضعتها في غير طاعة الله .
فهل تتخيل -يا أخي الكريم- أن هذا الشباب سيستمر معك، وهذه الفتوة ستبقى معك؟ بل قد تكون النتيجة قبل ذلك كله مرضاً مزمناً يجعلك تعيش في عداد المعوقين، حينئذٍ تقول: ليتني فعلت قبل ذلك.
اسمع ما يقول عبد الله بن عمرو ﵁ حينما شدد على نفسه في عبادة الله ، فأتاه النبي ﷺ فأمره بالقسط والاعتدال، فماذا قال عبد الله ﵁ الذي كان يصوم كل يوم، ويختم القرآن كل يوم، ويقوم الليل كله قال: يا رسول الله! دعني أستمتع بقوتي وشبابي.
نعم، لقد نهاه النبي ﷺ عن المبالغة، لكنه لم ينهه عن الاستمتاع بالقوة والشباب، وكيف كان يستمتع بقوته وشبابه؟ لقد كان يستمتع بها في طاعة الله .
ألم تنظر إلى أولئك الشباب الذين حينما يردهم النبي ﷺ عن المعركة وهم لم يبلغوا الحلم بعد، ينصرفون وهم يبكون؛ لأنه حيل بينهم وبين أن تراق دماؤهم في سبيل الله ، فقارن -أخي الكريم- بين أمنيتك وأمنية أولئك، وبين تطلعاتك وتطلعات أولئك.
стр. 1683
ماذا يريد منك أولئك
الصفحة الحادية عشرة: ماذا يريد منك أولئك؟ هذا العصر يمتاز بأنه عصر التقنية، وعصر التقدم العلمي والتطور، ولقد استغل الأعداء هذا التقدم وهذا التطور، فوفروا هذه الطاقة والتقنية ووظفوها في التفنن في استخراج الصور الخالعة والفاتنة، وفي استخراج وتصنيع أجهزة الفيديو التي تعرض لك الأفلام الساقطة التي أنت أعلم مني بما يدور فيها.
من الذي وراء ذلك؟ ومن الذي يساهم في إدخال هذه المصائب إلى بلادنا؟ ومن الذي يقودك بصورة أو بأخرى إليها؟ ومن الذي يقودك إلى المخدرات؟ ومن الذي يسعى إلى ترويجها؟ أجزم أنك تعرف أنهم أعداؤك، إنهم وإن ساعدوك في تحقيق شهوة من شهواتك، فهل تظن -أخي الكريم- أنهم يريدون بك خيراً.
إنهم يريدون القضاء على آخر ما تملكه من مقومات العفة والحياء والديانة والطهارة، فهل تستجيب لهم، وتكون لهم بوقاً بعد ذلك؟
стр. 1684
حتى لا تدفع ضريبة الغفلة
الصفحة الثانية عشرة: حتى لا تدفع ضريبة الغفلة: تسمع عن شيء اسمه الأمراض الجنسية، وهي أمراض قد تصيب كل من يمارس ممارسة محرمة، فتخيل معي موقف الشاب الذي يقف بين يدي الطبيب، فتخرج نتيجة التحليل بعد ذلك، فيقول له الطبيب: أنت مصاب بمرض جنسي! تخيل معي الحالة النفسية، والجحيم النفسي الذي لا يطاق، والذي سيعاني منه هذا الشاب، قبل الألم الجسدي الذي لا يستطيع أن يتحمله بعد ذلك! وحين يودع غرفة خاصة فيعوده الناس، من يا ترى سيعوده؟! ومن سيسأل عن حاله؟! قد يعوده بعض شركائه في المعصية، وإن كانوا أول من يتخلى عنه، ولكن تخيل معي أي لعنة وسب وشتم سيسمعونه منه حينما يأتون إليه يعودونه؛ لأنهم هم الذين أوقعوه في هذا الوحل.
فهل يليق بك أن تشتري لذة وشهوة عاجلة، وتعرض نفسك لهذه العقوبة الشنيعة: (وما ظهرت الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها؛ إلا ابتلاهم الله بالطواعين، والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم).
وتخيل معي بعد ذلك حاله عندما يموت، كيف سيكون مجلس عزائه؟! أي كلمة ثناء ستقال عنه؟! أي شيء من محاسنه سيذكر؟! عافانا الله وإياك من سوء الخاتمة.
إنها -أخي الكريم- ليست هي العقوبة الوحيدة، وليست هي العقوبة الكبرى، بل هي عقوبة عاجلة، وما بعد ذلك عند الله أشد وأطغى.
فهل يليق بك أن تمتع نفسك بلذة عاجلة سرعان ما تزول، مقابل أن تتعرض لهذا الجحيم، وهذا الألم الذي لا يطاق؟ مصيبة أخرى وكارثة أخرى: قد تقع يوماً من الأيام بصورة أو بأخرى في قبضة رجل الأمن، أو رجل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتودع السجن، وحينئذٍ ماذا سيقول الناس عنك؟! ومن سيثق فيك؟ ومن سيثني عليك؟ وحين تخرج من السجن بعد ذلك كيف سينظر الناس إليك؟ تخرج من السجن فقدت وظيفتك، وفقدت دراستك، وفقدت سمعتك، وفقدت كل ما تملك أمام الناس، فأصبح الناس ينظرون إليك بنظرة خاصة، بل حتى الذي ينظر إليك بنظرة الإشفاق ستتخيل أنه ينظر إليك بنظرة المقت؛ لتلك النفسية والجحيم الذي تعيشه.
وبعد ذلك تبحث عن الزواج، ثم تتقدم لعائلة عفيفة كريمة، فيسأل عنك، فيقال: قد دخل السجن، فتخيل من ذا الذي سيوافق على أن يضع ابنته عندك؟! حينئذٍ تضطر إلى أن تتزوج إحدى اثنتين: إما فتاة لم تجد من يتقدم لها، ووجد والدها أن أهون الشرين أن تكون أنت زوجها، أو أن تجد فتاة شاركتك الحياة، وكانت قد دخلت السجن قبلك، أي حياة تعيشها بعد ذلك مع هذه الفتاة؟ أخي الكريم! والله إني لا أتمنى لك هذا المصير، ولكن أقول: إن طريق المعصية وطريق الفساد بوابة لهذا المصير الذي قد تصير إليه.
стр. 1685
أعلن البراءة اليوم قبل الغد
الصفحة الثالثة عشرة: أعلن البراءة اليوم قبل الغد: عندما وجهت السؤال لبعض الشباب: ما الذي يمنعك عن الاستقامة؟ وما الذي يحول بينك وبينها؟ فأجابوا جميعاً بالحرف الواحد: إنه صديق السوء، وزميلي وجليسي، ويشير إلى صاحبه الذي يجلس بجواره، وأيضاً الكثير من الشباب الذين أجابوا في الأوراق التي أرسلت إليهم أفادوا أن جليس السوء وزميل السوء من أكبر العوائق عن سلوك طريق الاستقامة والهداية.
وتقول بعد ذلك: لا أستطيع أن أتخلى عنه، يجب أن تعلم أنه لابد من الفراق، ولابد من البراءة منه شئت أم أبيت، الآن أو غداً، فقد تتبرأ منه يوم القيامة ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩].
فتبرأ منه الآن قبل أن تقول يوم القيامة يوم لا ينفع الندم: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان:٢٨].
تبرأ قبل أن يقول قرينك: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [ق:٢٧].
وقبل أن يقال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٣٨].
فلابد أن تعلن البراءة، ولابد أن تقول هذه الكلمة، فإن لم تقلها الآن فستقولها غداً، فأيهما تختار؟ وأي الأمرين أهون عليك؟ أن تقولها الآن فتسلك طريق السعادة، وتحمد الله على الهداية، أو أن تقولها يوم لا ينفع مال ولا بنون، يوم تعض على أصابع الندم، يوم أن تتمنى الرجوع وهيهات هيهات ذلك!
следующие страницы →