← Джавами‘

Джавами‘ · id 37377

دروس الشيخ محمد الدويش

محمد الدويش

Полный текст (1 904 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

ألا تريد المشاركة في الإنجاز ؟ الصفحة التاسعة: ألا تريد المشاركة في الإنجاز؟ مع هذا الواقع المؤلم الذي تعيشه الأمة أخي الشاب، والذي يدمي حديثه القلوب، والذي يسيل الدموع فتح بعض صفحاته، فعن ماذا نتحدث، عن التآمر الدولي على المسلمين، وعن تكالب الأعداء وتداعي الأمم، أم عن الفساد والانحلال السائد في مجتمعات المسلمين وواقعهم؟ مع ذلك كله -أخي الكريم- ومع هذه الصفحة الكالحة بدأنا نرى الفجر الصادق تلوح أنواره في الأفق، وبدأنا نرى الصفحة البيضاء تنصع، وبدأنا نرى الصحوة الإسلامية المباركة، ولقد سارت -أخي الكريم- هذه الصحوة وحققت إنجازات رائعة، لعل هذه المظاهر التي تراها، وهذا الشباب الغض المقبل على طاعة الله إنما هو جزء من النجاح الذي حققته هذه الصحوة المباركة، وهذه المظاهر للنشاط الإسلامي التي تملأ العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، وهذا الشعور الذي أصبح يوجد عند المسلمين صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، جاهلهم ومتعلمهم، إنما هو جزء وثمرة من ثمرات هذه الصحوة المباركة. أخي الكريم! لقد دخل إخوانك أحفاد عقبة، وتلاميذ ابن باديس الحياة السياسية والبرلمانية؛ فأسمعوا العالم كله أن الشعب المسلم يسير وراءهم، ويريد تطبيق الإسلام، ويريد الحكم للإسلام، فلم تعد القضية مطالب فئة من الدعاة، ولا مطالب جماعة من الجماعات، إنما عبر المسلمون جميعاً الفاسق منهم والمعرض قبل التقي والصالح أنهم لا يريدون إلا الإسلام. أرأيت الصفحة البيضاء والإنجاز الرائع الذي حققه إخوانك هناك في أفغانستان عندما مرغوا أنوف الروس الذين كانوا في ذاك الوقت أعتى قوة دولية، والذين كان يحسب الغرب لهم ألف حساب؟ أرأيت إخوانك هناك بالبنادق، والسلاح اليدوي، وبالجهود المتواضعة، ومع الجوع والفقر والبرد، لكنهم استطاعوا أن يرغموا أنوف الروس، وأن يخرجوهم صاغرين من أفغانستان، ثم توجوا هذا النصر بإسقاط الحكم الشيوعي، وإقامة حكم الله، وإقامة دولة الإسلام، أرأيت هذا النصر وهذا الإنجاز؟ لن أسترسل معك -أخي الكريم- في الحديث عن إنجازات الصحوة ونتائجها، ولكنها إنجازات أجزم أنك تشاركني أنها رائعة، ولا تظن أنها هي الوحيدة، بل هي البداية، وهي الطليعة. إننا نعتبر النصر الذي تحقق في أفغانستان طليعة الانتصارات الرائعة التي لابد أن تتحقق لهذه الأمة، ولن يدع الله بيت مدرٍ ولا وبر إلا أدخله هذا الدين بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر. بعد ذلك أقول لك: ألا تتمنى -أخي الكريم- أن تشارك في هذه الإنجازات؟ ألا تتمنى أن تخط اسمك بين الذين يسطرون هذه الصفحات؟ وما الذي يحول بينك وبين ذلك؟ مرة أخرى أقول: إن الذين حققوا هذه الإنجازات هم بشر مثلك، يعيشون في الوقت الذي تعيش فيه، ويتعرضون للشهوات التي تتعرض لها، ويتعرضون للعوائق التي تتعرض لها، ومع ذلك استطاعوا أن يخطوا هذه الصفحات، ويحققوا هذه الإنجازات. ألم تحدثك نفسك يوماً من الأيام أن تشارك في تحقيق هذه الإنجازات، وأن تضرب بسهم مع أولئك المتسابقين في رفع راية لا إله إلا الله؟ وما الذي يحول بينك وبين ذلك؟ مرة أخرى أقول: ليست هذه الإنجازات الوحيدة، بل هي الطليعة، وهي البوابة، وهي البداية للمد الكاسح الذي لابد أن يحقق أهدافه بمشيئة الله وتوفيقه، (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار)، فهو وعد صادق من النبي ﷺ . أخي الكريم! أيهما أحب لك: أن تحقق إنجازاً كروياً، وإنجازاً رياضياً، فتسطر اسمك بين ألمع أصحاب الكرة، أو تحقق إنجازاً فنياً، فتصير فناناً صاعداً، يسمع لك الجميع، أو ممثلاً، أو غير ذلك من الأماني الساقطة التي يسعى إليها الكثير، أو أن تكون مشاركاً في تحقيق هذا النصر، فتقر عينك بما حققته في الحياة الدنيا، وما عند الله خير وأبقى؟ أخي الكريم! مرة أخرى أقول: مهما بلغ بك الإعراض، ومهما بلغت من الغفلة والانغماس في أوحال الفتن والشهوات، فلا تتصور أبداً أن هذا الأمر مستحيل، إنك قادر على أن تتوب إلى الله، وتحقق أكثر مما حقق إخوانك، فقد فتحوا لك الطريق، وأضاءوا أمامك السبيل. أرأيت أصحاب رسول الله ﷺ ؟ كانوا حفاة رعاة، وكانوا يأكلون الخنافس، ويأتون الفواحش، وكان أحدهم يقتل ابنته خشية أن يلحقه العار، ويقتل وليده خشية أن يطعم معه، وبعد ذلك منّ الله عليهم بهذا الدين، فماذا صنعوا؟ لقد بنوا لهذه الأمة مجداً لا يخفى عليكم، فخرجوا من تلك الجزيرة فقراء معدمين؛ حتى استطاعوا أن يدكوا عروش أقوى قوتين في العالم، فدكوا عروش كسرى وقيصر. أولئك الصحابة: عمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل وأبو سفيان ومعاوية بن أبي سفيان وخالد بن الوليد، وغيرهم، ألم يكونوا يوماً من الأيام معرضين؟ بل ألم يكونوا عبدة للأوثان؟ بل قد كانوا فوق ذلك كله في يوم من الأيام يحملون السلاح ويخاطرون بأنفسهم؟ ليئدوا هذا الدين وهذه

стр. 1682

قبل أن تذبل الزهرة الصفحة العاشرة: قبل أن تذبل الزهرة: ها أنت شاب تتدفق حيوية ونشاطاً وقوة وفتوة، ولكن هل تتخيل -أخي الكريم- أن هذه الزهرة اليانعة التي تتمتع بها الآن ستبقى معك أبد الآبدين؟ أرأيت ذاك الشيخ الطاعن في السن وقد شاب شعره، واحدودب ظهره، وأصبح يمشي على ثلاث، بعد أن كان يمشي على اثنتين، وأصبح لا يخطو إلا خطوات وئيدة، ثقل سمعه وبصره، أرأيت ذاك الشيخ؟ إنك لابد لك من أحد مصيرين: إما أن تصير إلى ما صار إليه، أو أن تهلك وتموت وأنت في شبابك، وبعد ذلك تتحسر على هذه الزهرة اليانعة، وعلى هذه الأيام التي أضعتها في غير طاعة الله . فهل تتخيل -يا أخي الكريم- أن هذا الشباب سيستمر معك، وهذه الفتوة ستبقى معك؟ بل قد تكون النتيجة قبل ذلك كله مرضاً مزمناً يجعلك تعيش في عداد المعوقين، حينئذٍ تقول: ليتني فعلت قبل ذلك. اسمع ما يقول عبد الله بن عمرو ﵁ حينما شدد على نفسه في عبادة الله ، فأتاه النبي ﷺ فأمره بالقسط والاعتدال، فماذا قال عبد الله ﵁ الذي كان يصوم كل يوم، ويختم القرآن كل يوم، ويقوم الليل كله قال: يا رسول الله! دعني أستمتع بقوتي وشبابي. نعم، لقد نهاه النبي ﷺ عن المبالغة، لكنه لم ينهه عن الاستمتاع بالقوة والشباب، وكيف كان يستمتع بقوته وشبابه؟ لقد كان يستمتع بها في طاعة الله . ألم تنظر إلى أولئك الشباب الذين حينما يردهم النبي ﷺ عن المعركة وهم لم يبلغوا الحلم بعد، ينصرفون وهم يبكون؛ لأنه حيل بينهم وبين أن تراق دماؤهم في سبيل الله ، فقارن -أخي الكريم- بين أمنيتك وأمنية أولئك، وبين تطلعاتك وتطلعات أولئك.

стр. 1683

ماذا يريد منك أولئك الصفحة الحادية عشرة: ماذا يريد منك أولئك؟ هذا العصر يمتاز بأنه عصر التقنية، وعصر التقدم العلمي والتطور، ولقد استغل الأعداء هذا التقدم وهذا التطور، فوفروا هذه الطاقة والتقنية ووظفوها في التفنن في استخراج الصور الخالعة والفاتنة، وفي استخراج وتصنيع أجهزة الفيديو التي تعرض لك الأفلام الساقطة التي أنت أعلم مني بما يدور فيها. من الذي وراء ذلك؟ ومن الذي يساهم في إدخال هذه المصائب إلى بلادنا؟ ومن الذي يقودك بصورة أو بأخرى إليها؟ ومن الذي يقودك إلى المخدرات؟ ومن الذي يسعى إلى ترويجها؟ أجزم أنك تعرف أنهم أعداؤك، إنهم وإن ساعدوك في تحقيق شهوة من شهواتك، فهل تظن -أخي الكريم- أنهم يريدون بك خيراً. إنهم يريدون القضاء على آخر ما تملكه من مقومات العفة والحياء والديانة والطهارة، فهل تستجيب لهم، وتكون لهم بوقاً بعد ذلك؟

стр. 1684

حتى لا تدفع ضريبة الغفلة الصفحة الثانية عشرة: حتى لا تدفع ضريبة الغفلة: تسمع عن شيء اسمه الأمراض الجنسية، وهي أمراض قد تصيب كل من يمارس ممارسة محرمة، فتخيل معي موقف الشاب الذي يقف بين يدي الطبيب، فتخرج نتيجة التحليل بعد ذلك، فيقول له الطبيب: أنت مصاب بمرض جنسي! تخيل معي الحالة النفسية، والجحيم النفسي الذي لا يطاق، والذي سيعاني منه هذا الشاب، قبل الألم الجسدي الذي لا يستطيع أن يتحمله بعد ذلك! وحين يودع غرفة خاصة فيعوده الناس، من يا ترى سيعوده؟! ومن سيسأل عن حاله؟! قد يعوده بعض شركائه في المعصية، وإن كانوا أول من يتخلى عنه، ولكن تخيل معي أي لعنة وسب وشتم سيسمعونه منه حينما يأتون إليه يعودونه؛ لأنهم هم الذين أوقعوه في هذا الوحل. فهل يليق بك أن تشتري لذة وشهوة عاجلة، وتعرض نفسك لهذه العقوبة الشنيعة: (وما ظهرت الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها؛ إلا ابتلاهم الله بالطواعين، والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم). وتخيل معي بعد ذلك حاله عندما يموت، كيف سيكون مجلس عزائه؟! أي كلمة ثناء ستقال عنه؟! أي شيء من محاسنه سيذكر؟! عافانا الله وإياك من سوء الخاتمة. إنها -أخي الكريم- ليست هي العقوبة الوحيدة، وليست هي العقوبة الكبرى، بل هي عقوبة عاجلة، وما بعد ذلك عند الله أشد وأطغى. فهل يليق بك أن تمتع نفسك بلذة عاجلة سرعان ما تزول، مقابل أن تتعرض لهذا الجحيم، وهذا الألم الذي لا يطاق؟ مصيبة أخرى وكارثة أخرى: قد تقع يوماً من الأيام بصورة أو بأخرى في قبضة رجل الأمن، أو رجل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتودع السجن، وحينئذٍ ماذا سيقول الناس عنك؟! ومن سيثق فيك؟ ومن سيثني عليك؟ وحين تخرج من السجن بعد ذلك كيف سينظر الناس إليك؟ تخرج من السجن فقدت وظيفتك، وفقدت دراستك، وفقدت سمعتك، وفقدت كل ما تملك أمام الناس، فأصبح الناس ينظرون إليك بنظرة خاصة، بل حتى الذي ينظر إليك بنظرة الإشفاق ستتخيل أنه ينظر إليك بنظرة المقت؛ لتلك النفسية والجحيم الذي تعيشه. وبعد ذلك تبحث عن الزواج، ثم تتقدم لعائلة عفيفة كريمة، فيسأل عنك، فيقال: قد دخل السجن، فتخيل من ذا الذي سيوافق على أن يضع ابنته عندك؟! حينئذٍ تضطر إلى أن تتزوج إحدى اثنتين: إما فتاة لم تجد من يتقدم لها، ووجد والدها أن أهون الشرين أن تكون أنت زوجها، أو أن تجد فتاة شاركتك الحياة، وكانت قد دخلت السجن قبلك، أي حياة تعيشها بعد ذلك مع هذه الفتاة؟ أخي الكريم! والله إني لا أتمنى لك هذا المصير، ولكن أقول: إن طريق المعصية وطريق الفساد بوابة لهذا المصير الذي قد تصير إليه.

стр. 1685

أعلن البراءة اليوم قبل الغد الصفحة الثالثة عشرة: أعلن البراءة اليوم قبل الغد: عندما وجهت السؤال لبعض الشباب: ما الذي يمنعك عن الاستقامة؟ وما الذي يحول بينك وبينها؟ فأجابوا جميعاً بالحرف الواحد: إنه صديق السوء، وزميلي وجليسي، ويشير إلى صاحبه الذي يجلس بجواره، وأيضاً الكثير من الشباب الذين أجابوا في الأوراق التي أرسلت إليهم أفادوا أن جليس السوء وزميل السوء من أكبر العوائق عن سلوك طريق الاستقامة والهداية. وتقول بعد ذلك: لا أستطيع أن أتخلى عنه، يجب أن تعلم أنه لابد من الفراق، ولابد من البراءة منه شئت أم أبيت، الآن أو غداً، فقد تتبرأ منه يوم القيامة ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩]. فتبرأ منه الآن قبل أن تقول يوم القيامة يوم لا ينفع الندم: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان:٢٨]. تبرأ قبل أن يقول قرينك: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [ق:٢٧]. وقبل أن يقال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٣٨]. فلابد أن تعلن البراءة، ولابد أن تقول هذه الكلمة، فإن لم تقلها الآن فستقولها غداً، فأيهما تختار؟ وأي الأمرين أهون عليك؟ أن تقولها الآن فتسلك طريق السعادة، وتحمد الله على الهداية، أو أن تقولها يوم لا ينفع مال ولا بنون، يوم تعض على أصابع الندم، يوم أن تتمنى الرجوع وهيهات هيهات ذلك!

стр. 1686

وإليك البديل الصفحة الرابعة عشرة: وإليك البديل: حينما نطلب منك أن تتخلى عن جلساء السوء، فإننا لا ندعوك إلى أن تعيش وحيداً، ولا ندعوك إلى أن تعيش حبيس حوائط أربعة، ولا ندعوك إلى أن تكون كأختك، بل ندعوك إلى بديل آخر، إلى رفقة يقول الله عنهم يوم القيامة: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]. قارن -أخي- بين الحالتين، بين من يقول: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان:٢٨]، ويقول: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [ق:٢٧]، ويقول: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٨]، وبين أولئك الذين قال الله عنهم: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، نعم، إنهم الصحبة الصالحة، والرفقة الصالحة. ليس هذا فقط، فهناك نعيم آخر، يقول الله يوم القيامة: (أين المتحابون بجلالي؛ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي). ليس هذا فقط، بل هناك نعيم آخر، يقول النبي ﷺ : (المتحابون بجلال الله على منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء). أما بعد دخول الجنة فيزول كل ما في القلوب، ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]. أما أولئك فيقولون: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨]، أولئك يدعون على قرنائهم، ويلعنونهم، ويتبرءون منهم، أما هؤلاء فقد نزع الله ما كان في قلوبهم من غل. إنه بديل فعلاً خير لك من هذا الجحيم الذي تعيشه، والذي عبرت أنت عنه بأنه رفيق السوء وزميل السوء.

стр. 1687

أيهما تختار الصفحة الخامسة عشرة: لقد أفاد الكثير من الشباب أن الذي يعوقهم عن سلوك طريق الاستقامة هو الشهوة المحرمة، واسمع ما قاله أحد الشباب، يقول: هناك كلمة أخيرة أحب أن ألقيها، وهي مشكلة حياتي وعمري، ألا وهي شهوة الجنس، فأنا أعتبرها كأنها أشد من إدمان الهروين والعياذ بالله، فماذا أفعل عندما أرى بنتاً في الشارع مثلاً، أو امرأة تشتد الشهوة على الرغم من أنني لا أسمع الأغاني، ولا أشاهد التلفزيون إلا في الأخبار فقط، ولا أشاهد المجلات، فكيف بمن يشاهد ما هو أسوأ من ذلك؟! يقول: ولكن هذه المشكلة لم أجد لها حلاً، وهي المشكلة الوحيدة التي تؤثر على قلبي، وعلى دراستي، وعلى مستقبلي، فماذا أفعل. ليست هذه الكلمة الوحيدة، إنها مجرد نموذج واحد اخترته مما كتبه وسطره الكثير من أولئك الشباب. أي البدائل تختار أن تمتع نفسك بالشهوة واللذة العاجلة، والتي تكون نتيجتها مرضاً جنسياً، أو سجناً مظلماً، أو نهاية مؤلمة، أو عقوبة عاجلة من الله ، أو أن تختار ما يقول عنه النبي ﷺ فيما رواه الشيخان عن أبي هريرة: (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها)، ثم يقول بعد ذلك: (ولو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحاً، ولأضاءت ما بينهما، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها). ويقول في الحديث الآخر، وهو في الصحيحين: (أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوء كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب). فأيهما خير لك الشهوة العاجلة، أم ذاك النعيم المقيم الذي يصفه لك النبي ﷺ ؟! هناك تحقق ما تريد، ولكن مع الرضا والطمأنينة، ومع السعادة واللذة التي لا تزول ولا تحول، أما هذه الدنيا فوالله لو اجتمعت لك كل الشهوات واللذات، فإنها سرعان ما تزول بغمسة واحدة في العذاب، يقول النبي ﷺ : (يؤتى بأنعم أهل الدنيا يوم القيامة من أهل النار فيغمس غمسة في العذاب، فيقال له: هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك خير قط؟ فيقول: لا، يا رب). فأي البديلين خير لك؟ واسمع ما يقول ابن القيم ﵀ في وصف تلك التي تنتظرك حينما تنتصر على نفسك وعلى شهواتك، والجزاء من جنس العمل، يقول: ولله كم من خيرة لو تبسمت أضاء لها نور من الفجر أعظم فيا لذة الأبصار إن هي أقبلت ويا لذة الأسماع حين تكلم ويا خجلة الغصن الرطيب إذا انثنت ويا خجلة البحرين حين تبسم فإن كنت ذا قلب عليل بحبها فلم يبق إلا وصلها لك مرهم يراها إذا أبدت له حسن وجهها يلذ بها قبل الوصال وينعم تفكه منها العين عند اجتلائها فواكه شتى طلعها ليس يعدم وللورد ما قد ألبسته خدودها وللخمر ما قد ضمه الريق والفم تقسم منها الحسن في جمع واحد فيا عجبا من واحد يتقسم تذكر بالرحمن من هو ناظر بجملتها أن السلو محرم لها فرق شتى من الحسن أجمعت فينطق بالتسبيح لا يتلعثم إذا قابلت جيش الهموم بوجهها تولى على أعقابه الجيش يهزم ولما جرى ماء الشباب بغصنها تيقن حقاً أنه ليس يهزم فيا خاطب الحسناء إن كنت راغباً فهذا زمان المهر فهو المقدم وكن مبغضاً للخائنات لحبها فتحظى بها من دونهن وتنعم وكن أيماً ممن سواها فإنها لمثلك في جنات عدن تأيم وصم يومك الأدنى لعلك في غد تفوز بعيد الفطر والناس صوم

стр. 1688

كن سابع السبعة الصفحة السادسة عشرة: كن سابع السبعة: يقول ﷺ : (تدنو الشمس يوم القيامة من الخلائق، حتى تصير منهم قدر ميل، فمنهم من يبلغ العرق إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً). وفي الحديث الآخر: (يعرقون فيذهب عرقهم في الأرض سبعون ذراعاً). فانظر هذا الهول، وهذه الشدة، وهذا الكرب، وانظر قوله ﷺ في حديث آخر: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله -ومن هؤلاء السبعة- شاب نشأ في طاعة الله . هاهي الفرصة أمامك قبل أن يذهب وقت الشباب، فانشأ في طاعة الله، وأقبل على الله، ومهما مضى منك من الصبوة والغفلة، فإنك حين تعود وتقبل على الله ، وأنت لا زلت في مرحلة الشباب، فأنت أهل لأن تنال هذا النعيم، وما الذي يحول بينك وبين هذا النعيم؟ ولم لا تكون سابع هؤلاء السبعة؟ لم لا تكون صاحب همة عالية، وتتطلع إلى أن تكون من أولئك السبعة؟ أخي الكريم! أليس خيراً لك أن تتطلع إلى هذا النعيم، وأن تسخر زهرة شبابك في طاعة الله ؟ والله إنه خير لك من كل ما يسعى إليه الكثير من الشهوات واللذات العاجلة.

стр. 1689

استعد للامتحان الصفحة السابعة عشرة: استعد للامتحان: يقول ﷺ : (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين أكتسبه وفيما أنفقه). سيسأل كل إنسان عن عمره، ولكنه أيضاً يسأل سؤالاً آخر عن هذه المرحلة من حياته، وعن هذه الفترة من عمره، ألا وهي مرحلة الشباب، فستسأل -يا أخي الكريم- عن هذا الشباب فيما أفنيته، فما أنت قائل؟ أأفنيته في السفر، أو في التعلق بالشهوات، أو باللهو واللعب؟ فأنت خصيم نفسك، فأعد الإجابة للسؤال، وخير لك أن تراجع نفسك الآن قبل أن تواجه بهذا السؤال، فحينئذٍ قد تجد ما لا طاقة لك على تحمله.

стр. 1690

لا تنتظر الموعد الموهوم الصفحة الثامنة عشرة: لا تنتظر الموعد الموهوم فقد تكون النهاية: ذكر الكثير من الشباب الذين قابلناهم شخصياً، أو الذين أجابوا على الاستمارة أنه ينتظر أن يأتيه حادث مثلاً، أو يموت له قريب، أو يأتيه أي شيء؛ حتى يدعوه إلى التوبة، فيتخيل أنه مع رغبته في الاستقامة لابد أن يأتيه هذا الموعد الموهوم، ينتظر هذا الوهم أن يتحقق، نعم قد يتحقق، ولكن قد تموت قبل أن يتحقق لك هذا الأمر، وقد يكون هذا الشخص الذي تتمنى أن تتعظ به هو أنت، ويتعظ بك غيرك، وقد يكون هذا الحادث الذي تنتظر أن يصيبك فيهزك هزاً ويوقظك من غفلتك هو النهاية لك. فلم تخادع نفسك؟ ولم التسويف؟

стр. 1691

لا تقطع الحبل الموصول الصفحة التاسعة عشرة: لا تقطع الحبل الموصول: يقول الله : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]. ويقول الله : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٢]. ويقول ﷺ أعلم الخلق بربه: (ما على وجه الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها). ويقول أيضاً ﷺ : (إن ربكم حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفرا). فإن الله يسمع دعاءك حينما تتوجه له بقلب صادق، وحينما تقطع الحبل والثقة من غير الله ، وتتوجه إلى الله، فتسأله التوبة والهداية والثبات، فثق -يا أخي الكريم- أن الله سيجيب دعاءك، وسيسمع دعاءك، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ﴾ [النمل:٦٢].

стр. 1692

عبارات كتبها بعض هؤلاء الشباب قبل أن أصل إلى الصفحة الأخيرة اقرأ بعض العبارات التي كتبها بعض هؤلاء الشباب: كان من الأسئلة الموجهة لهم: كلمة تقولها لكل من: الدعاة، الأساتذة، الآباء، الشباب الملتزمين، الشباب غير الملتزمين. وكان السؤال الأخير: كلمة أخيرة تود أن تقولها. وفي الواقع أنه قد وردت علي كلمات عديدة تستحق أن تقرأ، ولكن الوقت يضيق، وعلى الأقل من حق هؤلاء الذين كتبوا هذه الكلمات أن نقرأ نماذج منها، وليعلم هؤلاء أن عباراتهم وصلت، وأن ما أبدوه قد وصل إلينا. من عباراتهم للدعاة: يقول أحدهم: أكثروا المحاضرات خاصة في المدرسة. والآخر يقول: الدعاة قليلون هذه الأيام. وأما رسائلهم للأساتذة: فيقول أحدهم: تهيئة ظروف الالتزام، وإعطاء الفكرة الصحيحة عنه. والآخر يقول: إن الأمانة التي في عنقك كبيرة، وأنت مسئول عنها. وأما رسائلهم للشاب الملتزم: فمنهم من يقول: أن يحمد الله على الهداية. والآخر يقول: تقديم النصيحة لغير الملتزمين مرة ومرة. والآخر يقول: أن ينظر أمامه، ولا يبالي بمن يسخر به، فهو أفضل منهم. والآخر يقول: أتمنى أن أكون مثلهم. والآخر يقول: هم قدوتنا نحو الصلاح. وآخر يقول: عدم التفكير في الرجوع إلى ما كانوا عليه. وأخيراً: يقول أحدهم: كم أسر عند رؤيتكم يا أحفاد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. إن هذه عبارات الشباب الذين يعيشون حالة الغفلة والإعراض، ولا شك أنها تعطي دلالة على ما قلناه في الصفحة الثانية: أن هؤلاء لديهم جوانب كثيرة من الخير. أما وصيتهم لرفاق الدرب غير الملتزمين، فهي وصايا كثيرة منها: الالتحاق بركب الملتزمين، والتأمل هل هم على طريق مستقيم أم لا؟ وسوف يجد أنه على غير الطريق المستقيم، والالتزام والبحث عن أسباب الهداية، والتفكير في وماذا بعد، والجنة تنتظر المسلمين، وأقول لكم: إنكم لستم سعداء، فالسعادة في الدين، والابتعاد عني، وأخذ العبرة ممن سبقوا، واستحقار هذه الدنيا. ولست أرى السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيد هذا بعض ما قاله هؤلاء لرفاق دربهم وزملائهم. أما الكلمة الأخيرة: فهناك كلمات كثيرة تعبر عما في نفوس هؤلاء الشباب، ولنقرأ بعضها: أحدهم يقول: كنت أتمنى منذ الصغر أن أكون شيخاً وخطيباً، فكيف يكون ذلك؟ والآخر يقول: لو سمحت -يا أخي- أن تدعو لي بالهداية، وجزاكم الله خيراً. والآخر يقول: أحيي فيك الروح الطيبة لإخوانك المسلمين. والآخر يقول: أرجو الإفادة منه -يعني البحث- والإكثار من هذه الوسائل؛ لأن الإنسان يقول ما بداخله دون خوف من أحد، ويصبح قادراً على إبداء رأيه في أي ساعة وأي مكان. والآخر يقول: إن السعادة الحقيقية حقاً في الالتزام. والآخر يقول: هل من مزيد؟ وآخر يقول: وإن شاء الله مهما بعد الزمن فسوف أعود إلى الله، وأعمل الأعمال الصالحة إن شاء الله تعالى. والآخر يقول: كلمتي الأخيرة أقولها للدعاة والشباب أن يتقوا الله فينا، فيجب العمل والمبادرة إلى ما يرضي الله . وآخر يقول: أتمنى أن تدعو لي بظهر الغيب، وأن أكون ملتزماً، وأدخل الجنة. وآخر يقول: لا يسعني إلا أن أشكركم على حسن تلطفكم معنا، ووالله إني أحب الإيمان والالتزام، ويشهد الله على ما أقول؛ لأنه لا أحد يدري عما تكن الأنفس، يحفظكم الله ذخراً لنا. والآخر يقول: أود أن أشكر الأستاذ على هذا الاستبيان، وإن شاء الله في الاستبيان الثاني يكون ردي على سؤالك هل أنت ملتزم أم غير ذلك؟ أقولها بكل سرور: إنني ملتزم بما أمرني الله، وجزاكم الله خيراً. والآخر يقول: لا أقول إلا جزاكم الله خيراً، والله ولي التوفيق، هذا ما قلته عن نفسي، وهو الحقيقة، ويشهد على ذلك رب العزة والجلال، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والآخر يقول: أنا قلبي يتقطع من داخلي، وأريد أن أرجع إلى الله، ولكن أحس بشيء في داخلي يحاول إبعادي وتكريهي في ذلك، وكلما أحاول البعد عن العادات الخبيثة، وأنا أريد أن أرجع، ولكن ما العمل؟ والله يعلم ما في قلبي، أنا أحب الله ورسوله والطاعة، ولكن ما العمل؟ أعتذر للإطالة، ولكن هذا بعض حق إخواننا علينا أن نقرأ ما قالوه، وما عبروا به، بعبارات يغلب على ظننا جميعاً أنها عبارات صادقة، صادرة من قلوب صادقة، وهذا يؤكد لنا ما قلناه أن الكثير من هؤلاء يتطلع لسلوك طريق الاستقامة والالتزام.

стр. 1693

لا تيأس واتخذ القرار الحاسم وأخيراً: نفتح الصفحة الأخيرة: لا تيأس واتخذ القرار الحاسم، فهو العائق الوحيد: الكثير من هؤلاء الشباب يقول: قد فعلت وفعلت، وارتكبت الفواحش، وفعلت المعاصي، وارتكبت من الكبائر والموبقات ما أظن أنه لن يبقى بعد ذلك أمل لي في التوبة والإقلاع، فإلى هؤلاء نسوق قول الله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ [الزمر:٥٣ - ٥٤]. وفي آية أخرى يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧١]. واعلم -أخي الكريم- (أن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل). واعلم (أن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: هل من سائل فأعطيه سؤاله؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟). واعلم -أخي الكريم- أن الله يقول لك: (ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني؛ غفرت لك ما كان منك ولا أبالي). الأمر -أخي الكريم- لا يقف فقط عند قبول التوبة، بل إن الله وهو الغني عن عباده يفرح بتوبة عبده فرحاً أشد من فرح من أضل دابته في أرض فلاة ثم وجدها. يقول النبي ﷺ يصور لنا ذلك المثل: (رجل كان في صحراء مع دابته عليها طعامه وشرابه، فأضلها في أرض فلاة، فنام تحت شجرة ينتظر الموت، فلما استيقظ وجدها عند رأسه، فالله يفرح بتوبة عبده أشد من فرح هذا الرجل بدابته). فاتخذ القرار الحاسم، وقرر أن تودع الغفلة والضلال إلى غير رجعة، وقرر من هذه الساعة التي تندم فيها على ماضيك، قرر قراراً حاسماً، وتخل عن كل دواعي المعصية، وعن قرناء السوء، وعن ذرائع المعصية، وعن كل ما يدعوك إليها. واعلم -أخي الكريم- أنك عندما تتوب إلى الله توبة صادقة، وتقبل على الله ، فإن الله سيستجيب لك، وستجد صعوبة في أول الطريق، لكنها الضريبة للسعادة، وستجد عقبات نعم، لكنها البوابة لأن تذوق بعد ذلك لذة الإيمان، وطعم الإيمان. أختم بعد ذلك هذه الصفحات بهذه الوصية، أسأل الله أن تكون قد صدرت من قلب صادق، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يرزقنا وإياكم استماع القول واتباع أحسنه. بعد ذلك لعلي أن أجيب باختصار على هذه الأسئلة التي وردت.

стр. 1694

الأسئلة

стр. 1695

نصيحة بتعجيل التوبة السؤال يوجد بعض الشباب من يضع في مخيلته أن التوبة لا تكون إلا بعد فاحشة يقوم بها الإنسان، أو بعد حادثة شنيعة تحدث له، أرجو منكم تصحيح هذا الشعور عند بعض الشباب؟ الجواب أما ما يتعلق بالحادثة فقد أجبت عليها فيما مضى، وأما قضية أن يتخيل أنه سيفعل فاحشة ثم يتوب بعد ذلك، أو يفعل معصية، فقد تكون هذه المعصية سبباً في سوء خاتمته، وقد يموت وهو على هذه المعصية، وقد تكون هذه المعصية سبباً في أن تكون عائقاً بينه وبين التوبة، فلا يليق أبداً بالذي يؤمل في التوبة أن يسوف أو يؤخر.

стр. 1696

لا بد للتوبة من فعل الأمر واجتناب النهي السؤال قد يقف عقبة أمامي في الالتزام صعوبة تطبيق الأوامر واجتناب النواهي، فهل من وسيلة أو حل؟ الجواب ليس هناك وسيلة غير ذلك، يقول الله : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]. ويقول ﷺ : (حجبت الجنة بالمكاره). لابد من صعوبات، ولابد من عقبات، خاصة في أول الطريق، ولكن هذه الضريبة، أتريد السعادة في الدنيا والفوز بالآخرة هكذا؟! ما قيمة أولياء الله إذاً، وما قيمة المتقين إذا لم يكن هناك صعوبات ومشاق.

стр. 1697

التخلص من قرناء السوء السؤال كيف يتخلص الشاب من الأصحاب السيئين، مع العلم أنه لا يجد غيرهم، فمن الصعب أن يجلس بدون أصحاب؟ الجواب أما كونه لا يجد غيرهم فهذه مغالطة، وإن لم يجد غيرهم فالوحدة خير له من جليس السوء، أما كيف يتخلص منهم؟ فعندما يعلم أنه لابد أن يتبرأ منهم، وإن لم يتبرأ منهم الآن، فسيتبرأ منهم يوم القيامة، فليخسر أهون الطريقين عليه.

стр. 1698

الحل لاضطهاد الوالدين بسبب الالتزام السؤال إنني أعاني من اضطهاد في البيت بسبب التزامي من جهة الوالد والوالدة، فما هو الحل في وجهة نظرك جزيت خيراً؟ الجواب الحل ليس إلا المجاهدة، والصبر، والتحمل، ليس غير ذلك أبداً، وكما قلت: أتريد طريق الجنة بسهولة، لا يمكن، ليس إلا المجاهدة، وقد تعرض أصحاب النبي ﷺ لأشد مما تعرضت إليه، فجاهد، وتوجه إلى الله بالدعاء الخالص واصبر، واعلم أن الفرج مع الصبر، وأن مع العسر يسراً.

стр. 1699

كسر الحواجز الحائلة دون مصاحبة الأخيار السؤال أنا شاب ملتزم إن شاء الله، ولكن أجد في نفسي شيئاً من مخالطة الشباب الملتزم، مع علمي ما لفائدة الشباب الصالح، فما السبيل إلى كسر تلك الحواجز، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب لابد أن تتحمل، وخير لك أن تجالس الأصدقاء الأخيار، ولو وجدت منهم ما تجد، ولو أصابك ما أصابك، فهم خير لك من أن تجالس الآخرين، وتندم وتتبرأ منهم يوم القيامة، والبشر لابد أن يكونوا كذلك، ولا تتخيل أنك عندما تجالس الأخيار والصالحين ستعيش في جنة، وستعيش في نعيم، فلابد أن يحصل ما يكدر، أليس أصحاب النبي ﷺ قد حصل بينهم ما حصل؟ أليس الله يقول: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الحجر:٤٧]؟ فهذا الوضع الذي تتطلع إليه لن يكون إلا في الجنة، فلن ينتهي الغل، ولن تنتهي الأمور كلها إلا في الجنة، لابد من وجود شيء في النفوس، وأنا لا أدعو الإنسان إلى أن يحمل على إخوانه، لكن أقول: لابد أن يحصل ما يحصل، أما السعاة الأبدية فهي في الجنة.

стр. 1700

مجاهدة النفس على ترك الحرام السؤال أنا شاب في الثامنة عشرة من عمري، أستعمل بعض المحرمات مثل الدخان، وأشياء أخرى مثل العادة السرية، وقد سقطت في اللواط وتبت إلى الله، وتركت الدخان، ولكن العادة السرية لم أستطع تركها، فأرجو نصحي بتركها، والله أعلم، وجزاكم الله خيراً، أرجو قراءتها لأنني في حيرة من أمري؟ الجواب هذا الأمر يشتكي منه الكثير من الشباب، ولا حل له إلا المجاهدة، أنت تعلم -يا أخي- أن هذا أمر محرم، ولا يجوز لك، وتعلم أن هذه لذة عاجلة تجدها الآن ثم تزول، ويعقبها بعد ذلك ما يعقبها من الأمراض التي قد تنشأ عنها، من الآلام، ومن الهم النفسي، ومن حسرة فقد اللذة إن كنت لازلت مصراً عليها، أو من التألم لفعل المعصية إن كان في قلبك خير، فلماذا تشتري كل تلك الآلام مقابل تحصيل هذه اللذة العاجلة؟ كم تبقى معك هذه اللذة؟ ثواني ولحظات عاجلة، ولكن انظر البديل عندما تجاهد نفسك، وتنتصر على نفسك، صحيح أنك ستجد صعوبة وآلاماً في البداية، ولكن بعد ذلك تشعر بلذة الإيمان، ولذة الانتصار على النفس، وما هو أعظم من ذلك ثواب الله . أسأل الله أن يوفقنا وإياكم جميعاً لطاعته، وأن يجنبنا وإياكم أسباب معصيته وسخطه، وأن يمنّ على إخواننا الشباب بالهداية والتوفيق. هذا، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 1701

سوء الفهم آفة تحدث في مجتمعاتنا كثير من المشاكل والأزمات بسبب سوء الفهم المرتكز على خلفيات سابقة أو الناتج عن سوء نية أو سوء ظن أو غير ذلك، وهذا بدوره يزيد التفكك في المجتمع ويزرع الأحقاد، ولكن يمكن تداركه بعلاج المشكلة من أساسها وقطع الشر من جذوره.

стр. 1702

مقدمات بين يدي الموضوع الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله. أما بعد: فسيكون عنوان حديثنا هو: (سوء الفهم آفة). مقدمة سريعة بين يدي الموضوع. ثم سوء الفهم متى يكون آفة ومتى لا يكون آفة؟ وأخيراً: أسباب سوء الفهم. وبعد ذلك مقترحات للعلاج. نسمع كثيراً أن فلاناً قال كذا، وفلاناً فيه كذا، وذلك في الحكم على الأشخاص، والحكم على الكتب، والحكم على الجماعات، والحكم على المجتمعات، والحكم على الأعمال والجهود. نسمع أحكاماً متناقضة ومتباينة، بل نسمع من يقول: إن فلاناً يقول كذا وكذا، ويعتقد كذا وكذا، فيقول الرجل بأعلى صوته: إني لا أقول كذا، إني لا أعتقد كذا، إني براء من كذا، فيقال له: كذبت، بل أنت تقول كذا، أو بعبارة أخرى: نحن أعلم منك بكلامك، وربما نحن أعلم منك بما في قلبك، ونحن أعلم منك بنيتك! إن هذا لسان حال كثير من الناس الذين يحاكمون الآخرين إلى أفهامهم، وإلى نظراتهم وقناعتهم. ثمة ظاهرة عادية تحصل بيننا كثيراً في الاتفاق على موعد أو مناسبة، أو في نقاش قضية من القضايا، فنفترق وكل منا في ذهنه أن الاتفاق قد تم على كذا وكذا، ونختلف في الموعد، ثم يحصل النقاش والجدل، يقول أحدهما: اتفقنا على كذا، والآخر يقول: لا. إنها مظهر من مظاهر سوء الفهم، فأحدنا قد أساء الفهم إما أنا وإما أنت، المهم أنه مظهر تقف فيه أنت أمام الشخص، فتقول له: كان الموعد في الوقت الفلاني، فيقول: لا، الموعد قبله أو بعده، ولا يوجد احتمال للكذب ولا الروغان، فهو زميلك وصديقك، وقد تكون هناك مصلحة مشتركة، فليس هناك إلا احتمال واحد هو سوء الفهم. وحينئذٍ نحكم العقل أحياناً، ونحكم المنطق؛ لأننا نحتاج إليه، وتنتهي هذه المشكلة. لكن سوء الفهم قد يمتد إلى ذلك، وأحياناً تنتج عنه مواقف ونتائج سلوكية أخرى، ومن ثم كان لابد من الحديث عن سوء الفهم.

стр. 1703

متى يكون سوء الفهم آفة ؟

стр. 1704

أمثلة لسوء فهم النصوص الشرعية النقطة الأولى: متى يكون سوء الفهم آفة؟ أولاً: أمر عادي أن يسيء المرء الفهم، أو أن يخطئ في الفهم، وهذا يحصل في حياتنا كثيراً، كما ذكرت في المثال السابق، فأنت مثلاً تسمع كلاماً من فلان من الناس، فتفهم منه أنه يقصد كذا، وتكتشف خلاف ذلك، فأحياناً يأتي الموظف إلى المدير، فيفهم منه أنه موافق على مشروع معين، أو على برنامج يقترحه، ويبدأ بالتنفيذ، فيساءل من قبل المدير نفسه، فيقول: إنك قد وافقت، فيقول: لا. أي أنه حصل سوء فهم. بل إن الخطأ في الفهم حصل من أصحاب النبي ﷺ في مواطن كثيرة أشير إلى بعضها إشارة عاجلة. قال النبي ﷺ قال لأصحابه في غزوة بني قريظة في قصة مشهورة: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة)، فكان من أصحاب النبي ﷺ من أخر صلاة العصر حتى وصل إلى بني قريظة بعد خروج الوقت، ومنهم من فهم النص فهماً آخر، ففهم أن النبي ﷺ يريد منهم أن يعجلوا في المسير إلى بني قريظة، ومن ثم أدوا الصلاة في الطريق. لا يهمنا الآن أن نقرر ماذا كان يقصد النبي ﷺ ، لكن على كل حال منهم من أخطأ فهم نص النبي ﷺ . صورة أخرى ومثال آخر: يقول الله : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فجاء عدي ﵁، فوضع خيطين عند وساده أبيض وأسود، وأصبح ينظر إليهما، فلما استبان له الأبيض من الأسود أمسك، فجاء إلى النبي ﷺ ، فقال له مداعباً: (إن وسادك لعريض -أي: كأنك قد توسدت الأفق- إنما هو سواد الليل وبياض النهار). نحن الآن أمام خطأ في الفهم وقع من أحد أصحاب النبي ﷺ ، فأخطأ في فهم هذه الآية، فظن أن المقصود هو أن يتبين له الخيط الحقيقي الأبيض من الأسود. يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥]، وخطب أبو بكر الصديق ﵁، فقال: إنكم تقرءون هذه الآية، وتضعونها على غير موضعها، أي بعبارة أخرى: إنكم تخطئون في فهم المقصود من هذه الآية. إذاً: فكان هناك من يخطئ في فهم هذه الآية ممن كان يخاطبهم أبو بكر الصديق ﵁. قال الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:٩٣]، فهم بعض أصحاب النبي ﷺ من هذه الآية فهماً آخر، فمنهم من شرب الخمر متأولاً هذه الآية في عصر عمر ﵁، ثم دعاهم وقررهم بالحكم، لا يهمنا الآن بقية القصة وما يتعلق بها. الشاهد: أن هناك من فهم من هذه الآية أن المؤمن ليس عليه جناح في أي أمر يطعمه أو يشربه إذا آمن بالله ، وعمل صالحاً. يقول الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٥٨]، عروة بن الزبير ﵀ سأل عائشة ﵂ فقال: أرأيت قوله تعالى، ثم ذكر الآية، ففهم عروة ﵀ من هذه الآية أنها تدل على أن الطواف بالصفا والمروة ليس واجباً، فصححت له عائشة ﵂ هذا الفهم، وأخبرته بسبب نزول هذه الآية الكريمة. لعلي أقتصر على هذه الأمثلة، وقصدت أن أمثل بالخطأ في فهم النصوص الشرعية، لما كان للجيل الأول من الاحتراز والتعامل مع النصوص الشرعية بعقلية كبيرة، ومع ذلك يقع بعضهم في هذا الفهم الخاطئ.

стр. 1705

آفة سوء الفهم الإلزام به سوء الفهم أمر لابد أن يقع المرء فيه لأنه بشر، ولأن المتحدث قد لا يزن حديثه، أو قد يكون حديثه أحياناً ملتبساً، أو مدعاة لسوء الفهم. فأن نطالب الجميع بالتخلي عن سوء الفهم، أو نحاكم الجميع على سوء الفهم، ونرى أن الجميع يجب أن تصح أفهامهم بنسبة ١٠٠%، أتصور أنه مطلب غير معقول. فلابد أن يقع المرء في الخطأ في الفهم، لكن متى يكون سوء الفهم آفة؟ ونحن لن نتحدث عن هذه القضية جملة، فلن نتحدث عن سوء الفهم وما يتعلق به، ولكن عن جانب من الجوانب، وعن مرض يحصل كثيراً في الساحة، وسببه سوء الفهم، ومن ثم سيتركز حديثنا حول هذه الظاهرة. يكون آفة حينما يكون قاعدة يحكم بها على الآخرين، أي: أن أحكم على الآخرين من خلال فهمي لكلماتهم، أو أقوالهم، أو أعمالهم، أو مواقفهم، وتسمع هذه الكلمات التي تعبر عن أعمال القلوب: هو يقصد كذا، يريد كذا، يظهر خلاف ما يريد، يتظاهر بكذا، وكلها أمور تدور حول قضية قلبية، يعني: أننا قد تجاوزنا الظاهر إلى ما يخفيه ويعتقده صاحبنا، فقد أصبحنا نملك وسيلة نستطيع بها أن نحكم على نوايا الآخرين، وأن نطلع على نوايا الآخرين. إذاً: فحينما يكون قاعدة تجعلني أحاكم الآخرين دائماً إلى ما أفهمه من مواقفهم وأعمالهم وجهودهم، وما يقومون به، فهذه آفة، وحينئذٍ نقول لمن يكون كذلك: لا يسوغ لك أن تحاكم الآخرين إلى فهمك، قد تقول: ها أنت عرضت لي قائمة وأمثلة طويلة من أمور اجتهد فيها أصحاب النبي ﷺ فأخطئوا الفهم مع نص شرعي، فكيف لا أخطئ في الفهم أنا. أقول: نعم، من حقك أن تخطئ الفهم، وبعض الناس عقله لا يؤدي به إلا إلى الفهم السقيم، لكن هذا شيء وأن تجعل فهمك قاعدة تحاكم الآخرين إليها شيء آخر. حين أنقل عن الآخرين بناء على فهمي أيضاً هذا خطأ، وحينما أنقل يجب أن أكون دقيقاً في النقل، فأقول: قال: كذا وكذا، أو فعل كذا وكذا، وفهمت أنا أنه يقصد كذا، أو أنه يريد كذا، فمن حقك أن تقول هذا الكلام، لكن لا تنقل عن الآخرين شيئاً فتقول: إن فلان يقول كذا، أو إن فلان يعتقد كذا، أو يريد كذا، وتقتصر على هذا الكلام، ومعيار النقل وأساس النقل هو فهمك أنت. وبعض الناس عنده منطق عجيب، مرة كان يناقشني شاب في مقال كتبته، فقال لي: إن الناس الذين تقصدهم في هذا الكلام عندهم كذا وكذا، فقلت له: يا أخي! أنا لا أقصد أحداً بعينه، وهذا وهم في ذهنك، فيقول: بل أنت تقصد! يعني: أنت الآن تخبرني بما أقصد وبما لا أقصد وبما أريد، إذا كنت أنا متهماً عندك بالكذب فليس هناك داع أن تناقشني، لأنني أصبحت كذاباً! فأنت من حقك أن تفهم أني أقصد شخصاً، لكن يجب أن يبقى فهماً لك ولا تلزمني به، لأنه حينما يكون سوء الفهم وسيلة للإلزام يصبح آفة، وسنأتي إلى الحديث عن الإلزام.

стр. 1706

أسباب ظاهرة سوء الفهم ننتقل بعد ذلك إلى الحديث عن أسباب هذه الظاهرة، وقد نتحدث عنها بالتفصيل:

стр. 1707

فساد النية السبب الأول: سوء النية: أحياناً يكون الرجل صاحب نية سيئة أصلاً، فهو مثلاً يسمع لفلان، لا لأجل أن يسمع له، ويقرأ لفلان وينظر إلى عمل فلان ويسأل، كل هذه الأمور لا لأجل أن يستفيد، وليس عنده استعداد أن يستفيد، إنما يبحث عن مدخل للطعن. فهو إذاً سيئ النية ابتداءً، لكنه يقول لك: أنا لست بسيئ النية، أنا أعتقد أن هذا عدو للإسلام والمسلمين، أنا أعتقد أن هذا رجل سيئ، فمن باب الدفاع عن الدين سأقرأ له وسأسمع حتى أكتشف أخطاءه وأحذر منه الناس. أحياناً يأتي شخص من المسلمين عالم أو طالب غيور، فيريد أن يقرأ لكاتب من الكتاب، ولنفترض أنه كاتب سيئ أو عنده انحراف، فيبدأ يقرأ بالمناقيش، وهنا لابد أن يقع أحياناً في سوء الفهم؛ لأنه يبحث عن الخطأ، بغض النظر عن موقفه هنا هل هو سليم أم لا. لكن لماذا وقع في سوء الفهم هنا؟ لأنه يقرأ لأجل أن يبحث عن الخطأ، كما لو كنت تريد أن تقرأ ورقة مثلاً، فتبحث عن خطأ نحوي فيها، أو خطأ إملائي، فأنت لا يهمك الصواب ولا يهمك أي شيء، إنما تقرأ لتبحث عن الخطأ، وأن تصحح. المهم أنك أصبحت تريد الخطأ وتبحث عنه، ومن ثم فستقع على الخطأ قطعاً، لكنك قد تقع على ما ليس خطأ، فمثلاً: لو كان الأخ مدرساً للغة العربية، فعندما أعطيه هذه الكلمة وأقول له: قيمها، فيمكن أن يقرأ الآن ويقول لك: هذه الكلمة فيها خلاف بين النحويين، وهذه لا تجوز، وهناك رأي يمنع هذا الشيء، أو هذه فيها احتمال، لماذا؟ لأنه يبحث عن خطأ. لكن لو كان يقرؤها قراءة عادية متجردة قد يجد أنها لا إشكال فيها، وأن استعمالها سائغ، لكن عندما يقرأ ليبحث عن خطأ، سيجد أشياء هي أصلاً محتملة، لكنه سيحملها على المحمل الخاطئ لغة، أو الخاطئ في أي باب نبحث فيه ونناقش. فيأتينا الآن مثلاً هذا الشخص فيقرأ، أو يسمع، أو يقيم عملاً معيناً، وهو يبحث عن الأخطاء، فسيقع على أخطاء، ويجب ألا نكون عاطفيين، فنقول: إن كل ما يتحدث عنه ليس أخطاء، بل سيقع على أخطاء، لكن هذا سيقع على كلمة تحتمل وجهين. أنت عندما تسمع أو تقرأ ستجد الكلام يحتمل وجهين، ويحتمل عدة احتمالات، فعندما تقرأ وأنت تبحث عن الخطأ، فستحمل الكلام على الوجه الخاطئ وربما لا يحتمل. وكم نجد من الناس من يقول كلاماً في كتاب، أو في مجلس، أو في مناسبة، ثم في مجال آخر يأتينا كلام يحتمل أنه يريد هذا الشيء، ثم في مجال آخر يصرح تصريحاً قاطعاً بخلاف هذا، ومع ذلك نرفض هذا الكلام، فنسلط الضوء على هذه العبارة الصغيرة، أو على هذا الموقف الصغير، وما سواه نرفضه. وقد يقول: أنا لا أقصد كذا، وأنا لا أريد كذا، فيقال: لا، أنت تقصد كذا، وتريد كذا، يعني: بعبارة أخرى: نحن أعلم منك بما في نفسك، وأعلم منك بما تريد، وأعلم منك بما تقول، وإذا شككت في نيتك فعليك أن تسألنا، فنحن قد أصبحنا على مستوى من الاطلاع على النوايا. إن هناك فئة ممن يأتي بسوء نية، قد لا يكون سوء النية قصد القضاء على الإسلام والمسلمين، وقد لا يكون الحرب على الدين، فقد يكون دفعه إلى ذلك حسده لفلان من الناس، وكم واجه شيخ الإسلام ابن تيمية وعبد الغني المقدسي وغيرهم من أئمة أهل السنة من مضايقات، ومن تحميل كلامهم ما لا يحتمل، وقالوا: خالف الإجماع في هذه القضية، وفعل كذا، وفعل كذا، حتى عندما ناظروا شيخ الإسلام في الواسطية قالوا له: لماذا قلت: من غير تكييف ولا تمثيل، ولم تقل: ولا تشبيه؟ يعني: لك مقصد في هذه العبارة! فأولئك منهم من كان صاحب علم، لكنه يحمله الحسد، ويحمله البغي، فصار عنده هذا الشعور، وكون نظرة معينة فصار يبحث لأجل هذه القضية. ومن هذا القبيل النتائج التي يصل إليها المستشرقون في أبحاثهم، فالمستشرقون مثلاً يقرءون نصوص الكتاب والسنة والتاريخ الإسلامي، ويخرجون لنا بأقوال مضحكة، ويدعون تناقضات وأخطاء، إلى غير ذلك. هناك عدة أسباب تحول بين المستشرقين وبين الفهم الصحيح، من هذه الأسباب: سوء النية، لأنه يقرأ ويبحث بنية معينة، فصار تلقائياً يفهم هذا الفهم، وينصرف إلى ذهنه مباشرة هذا الفهم السيئ، لأنه صاحب نية سيئة.

стр. 1708

سوء الظن السبب الثاني: سوء الظن: صاحبنا الأول يقصد النقد، ويسعى إلى النقد، ويهدف إلى النقد، ويهدف إلى سوء الفهم، لكن صاحبنا الآخر قد لا يكون كذلك، لكنه إنسان سيئ الظن، ولهذا سيسيء الفهم. فبعض الناس الحساسين يقول زميله كلمة، فيقول: يقصد كذا وكذا، يريد كذا، ويحلل الكلمة ألف تحليل، فيسيء الفهم. والله ينهانا ويأمرنا باجتناب الكثير من الظن؛ حتى لا نقع في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢]، فليس كل الظن إثماً، وإنما بعض الظن إثم، لكن يجب أن نجتنب كثيراً من الظن حتى لا نقع في هذا البعض من الظن الذي هو الإثم. فعندما يسيء الإنسان الظن في شخص فلابد أن يسيء الفهم تلقائياً. أنا أذكر شخصاً حساساً كان يناقشني في مشكلة، فقلت له: أسألك سؤالاً هل تعرف أنك حساس؟ قال: لا، لكن أنا عندي ظن وظن وظن وظن، فصارت يقيناً، قلت: عندك وهم ووهم ووهم ووهم فصارت يقيناً، والقضية كلها أوهام. وتأتي إلى صاحبك فتقول له: أنت تسيء الظن، يقول لك: لا، فلا أحد يعترف أنه يسيء الظن أبداً، يقول لك: لا، هذا أصلاً إنسان سيئ. فلماذا دائماً نحمل الكلمة على المحمل السيئ؟ ولماذا نحمل مقاصد الناس على المحمل السيئ؟ وأعمال الناس على المحمل السيئ. إن المنطق العقلي البحت، ومنطق العدل المجرد مع الناس، يجعلني أتجرد من كل هذه القضايا، وأنظر إلى الكلام مجرداً عن كل الأوهام والتحليلات التي عندي، ثم أحاكم هذا الكلام إلى ما يقوله هو في مناسبة أخرى، وإلى أعماله الأخرى، فسأصل إلى نتيجة سليمة قطعاً. أما عندما يكون عندي صورة متخيلة في الذهن عن فلان أنه يقصد كذا ويريد كذا، فلا بد أن أصل إلى هذه النتيجة السيئة، ولهذا كان الظن أكذب الحديث، فقد قال ﷺ : (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث). كيف يكون الظن أكذب الحديث؟ يكون الظن أكذب الحديث لأنك تتوهم أن هذا صدق لا شك فيه ولا نقاش، وهو كذب، ويتجاوز الكذب إلى إخبار عن النوايا، فصار أكذب الحديث فعلاً.

стр. 1709

وجود خلفية سابقة السبب الثالث: وجود خلفية سابقة سواء كانت حقيقية أو متوهمة: فمثلاً: أنت تأتي تريد أن تصلي الجمعة مع شخص، أو شخص يأتي إلى المجلس، أو مدرس يأتي إلى الفصل، أو إنسان يتحدث مع مجموعة في مناسبة، فيأتيك شخص قبل ذلك يقول: إن هذا عنده كذا وكذا وكذا، ويعطيك خلفية معينة عنه، فإنك عندما تسمع تنتظر الشواهد لهذه الخلفية التي وجدت عندك، فعندما يقول كلاماً، تقول: نعم، هذا أولاً ثانياً ثالثاً، إذاً صدق، وتصبح القضية مجزوماً بها، وهي مجرد خلفية كانت عندك، وقد تصل الخلفية عندك إلى حد اليقين، وليس لها أصل ولا مصدر في الواقع. عندك نظرة عن فلان من الناس مثلاً أنه إنسان سيئ، أو إنسان مغرض، فعندما يتكلم، أو عندما تقرأ له، ستسمع وتقرأ بروح النقد. أنا أجزم أني الآن لو آخذ كتاباً واحداً فيه أخطاء، وأعطيه لاثنين متساويين في الفهم والإدراك والتربية، فأعطيه للشخص الأول فأقول: خذ هذا الكتاب واقرأه، وأعطيه للشخص الثاني وأقول له: اقرأ هذا الكتاب لكن احذر، فالكاتب عليه ملاحظات؛ فأنا أجزم أن الشخص الثاني سيصل إلى نتائج وأخطاء لا يصل إليها الأول الذي أتى بدون خلفية مسبقة. ثم إن الثاني قد يتكلف أخطاء ليست أخطاء في الحقيقة، ويصل إلى نتائج متوهمة أصلاً، لأنه كان عنده خلفية سابقة مبنية على أوهام. إذاً: فيجب أن أتعامل مع الناس تعاملاً مجرداً، فأزيل هذه الخلفية، لأن الأوهام تتطور أحياناً حتى تصل إلى يقين لا نناقش فيه، وهو أصلاً ليس عنده استعداد أن يناقش في هذه الخلفية المسبقة أن هذا الكاتب -مثلاً- ينتمي إلى جماعة معينة، ويتبنى فكر هذه الجماعة وما تدعو إليه، وأن هذه الجماعة من الجماعات تقصد كذا، وأن هذا الرجل عنده كذا، وأن هذا الرجل له هذا الاتجاه الفكري، أو هذا الاتجاه العلمي، أو المذهبي، وإلى غير ذلك. فلماذا هذه الخلفية تعشعش في ذهني، وتكون قاعدة انطلق منها في الحكم على الآخرين؟

стр. 1710

إهمال الظروف المتعلقة بالشخص السبب الرابع: إهمال الظروف المتعلقة بالشخص: فبعض الناس حاد الطبع، ولهذا قد يقول كلاماً لا يعبر عن حقيقة ما في نفسه، ما في قلبه يخرج على لسانه، وقد يغضب فيغلظ عليك الكلام، وحتى كأن الأرض لن تحملك بعد ذلك، وليس في قلبه أي شيء. أنا أذكر أستاذاً لنا لا أدري ما أخباره غفر الله له وجزاه عنا خيراً، وهو رجل فاضل، لكن كان شديد الغضب بشكل عجيب، وأحياناً يغضب عليك حتى تضيق عليك الأرض بما رحبت، وتتخيل أنه سيهم بالبطش بك، وفي نفس المحاضرة تخرج معه وتسلم عليه، فيحدثك ويبتسم لك، وما في القلب أي شيء، وتذهب أنت وهو إلى القسم وليس في قلبه أي شيء إطلاقاً. نحن ما عندنا مشكلة عندما يتكلم معنا، وعندما يقول لنا هذا الكلام، لأننا نعرف أن طبيعة الشخص حادة، والإنسان الحاد يقول كلاماً غير مدروس ولا موزون، فطبيعته أنه يتعجل، ويغضب، والمهم أننا يجب أن نعرف شخصيته؛ حتى نزن كلامه. الشخص الآخر: إنسان بارد، وهادئ الانفعال، هذا الآخر أيضاً قد يكون في خاطره شيء، لكنه لن يقوله لي؛ لأن الرجل غير صريح، فطبائع الناس تختلف. وهنا لا بد أن أضع في الذهن أن طبيعة الشخص نفسه تؤثر على كلامه، وعلى حديثه، وعلى أعماله، وعلى قراراته، وعلى مواقفه، وعلى نظراته، فالحكم المتزن هو الذي يأخذ في الذهن طبيعة الشخص. أيضاً ظروف الزمان والمكان: فمثلاً قد يقول كلاماً في مكان معين فيه ملابسات معينة، وفيه أوضاع معينة، فيدعوه إلى أن يتحمس لهذه القضية أكثر، أو العكس، فقد يتجنب بعض الأمور مراعاة لعامل المكان، أو عامل زمان معين. المهم أنه يجب ألا تأخذ الكلام مجرداً عن هذه الظروف التي قد تؤثر على كلام الرجل، وعلى ما يريده. كذلك نقطة ثالثة وهي الموضوع الذي يتحدث عنه، فمثلاً: الآن أنا لو أتحدث معكم عن القراءة، وأهمية القراءة لطالب العلم، فسأتحدث بالتفصيل عن أهمية القراءة، وأنك يجب أن تقضي وقتاً طويلاً في القراءة، وسيدور الكلام كله حول هذا الموضوع. أنا أجزم أنه في نهاية المحاضرة سيأتيني سؤال يقول: نفهم من كلامك أنك تقلل من شأن مجالس العلم، وماذا عن دروس العلماء؟ يا أخي! أنا لا أتكلم عن منهج طالب العلم، أنا أتكلم عن موضوع معين. مثلاً: عندما أتحدث عن الدعوة إلى الله، وأهمية الدعوة، والحاجة إليها، وأحث الناس عليها، ويجب أن نوظف طاقاتنا وجهدنا في الدعوة، إلى غير ذلك. أجزم أنه سيأتيني سؤال آخر، هذا السؤال الذي يأتيني عبر عن فهمه، لكن يوجد ناس ما عبروا عن فهمهم، وهو أن معنى المحاضرة أنك تقلل من العلم الشرعي. أنا لم أتحدث الآن عما يجب على الشاب أن يعمله، ولم أتحدث عما يجب على المسلم، فأنا أتحدث عن موضوع وعن جزئية من الجزئيات. عندما أتحدث مثلاً عن أهمية طلب العلم والحرص عليه، فيأتيني شخص آخر يقول: أين الحقوق الخاصة للإنسان؟ هل نفهم من كلامك أن الإنسان يعطل مصالح أهله لأجل طلب العلم؟ ونفهم من كلامك أن الإنسان يترك الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليتفرغ للعلم؟ إلى غير ذلك. قد أتكلم عن أهمية رعاية الموهوبين والتركيز عليهم، وأن الطلبة الأذكياء الذي يجب أن نعتني بهم، وننظم لهم برامج خاصة، وأتكلم كل كلامي حول الموضوع هذا، فيمكن أن يأتيني سؤال يقول: وهل يعني هذا أن الناس الذين هم أقل كفاءة غير مكلفين شرعاً؟ وهل يعني أن الدعوة خاصة بهؤلاء، فالإسلام عام للجميع، والدعوة عامة للجميع؟ يا أخي أنا لم أتكلم عن الدعوة أصلاً، أنا أتكلم عن جزئية وعن قضية من القضايا، فيجب أن تفهم بالضبط ما أريد، وهذه كثيراً ما نقع فيها. ومن الطبيعي أن الذي يتكلم عن موضع يبالغ فيه نوعاً ما. فمثلاً: نفترض أنني أتحدث عن موضوع رعاية الموهوبين، والعناية بالأذكياء، والحرص على استصلاحهم وتربيتهم، فأنا أنزل بثقلي حول هذا الموضوع؛ لأجل أن أقنعكم بالقضية. فقد يكون عندي مبالغة في الألفاظ، وقد أعطي الموضوع زخماً؛ لأجل أن أقنعك به؛ لكن عندما أجلس معك ونتناقش بهدوء، أقول لك: أنا لا أقصد هذا، ولا أريد هذا، فأنت يجب أن تضع في الذهن أنني أتحدث عن موضوع معين. إذاً: الحديث عن موضوع معين لا يعني بالضرورة أنني أهمل ما سواه، أو أنني أخطئ ما سواه، ثم أيضاً طبيعي جداً أن الإنسان الذي يتحدث عن موضوع معين ينزل فيه بزخم، ويتحدث فيه بقوة، وقد يأتي أحياناً بعبارات فيها مبالغة، أو يأتي بكلام فيه نوع من المبالغة التي لا ينجو منها بشر، فالبشر من الطبيعي أن يقعوا في الخطأ.

стр. 1711

تنزيل الكلام على معين السبب الخامس: تنزيل الكلام على معين: فأنا أتحدث عن قضية من القضايا فأقول: إن بعض الكتاب، أو بعض الدعاة، أو بعض الخطباء -فأتكلم كلاماً عاماً- يريد كذا، أو يفعل كذا، ويقول كذا، ويقع في هذا الخطأ، والخطأ الفلاني، فمباشرة بعض الناس يبدأ يقول: يقصد فلاناً، أو فلاناً، أو فلاناً، أو فلاناً. وقد قلت لكم: إني بذلت جهداً حتى أقنع شخصاً أني لا أقصد أناساً بعينهم، فقلت له: ليس عندي أشخاص، فأنا أتحدث عن ظاهرة من الظواهر، فقال: لا، الناس الذين تقصدهم فيهم كذا، ولا يقعون في هذا الخطأ، فقلت له: يا أخي! أنا ليس عندي أشخاص أقصدهم، وقلت له: يا أخي الكريم! مشكلتك معي مشكلة واحدة أنك تنزل الكلام الذي أقوله على أشخاص معينين، فلو أزلت هذه القضية لما صارت بيني وبينك مشكلة، فالنتائج نحن متفقون عليها كلنا، لكن المشكلة هي أنك نزلت هذا الكلام على شخص معين، أو على جهة معينة. فأنت حين يكون عندك شعور بهذه القضية، فعندما آتي أتكلم تقول: إذاً من يقصد هو الآن؟ احتمال أنه يقصد رقم (أ) ننظر هو وارد أو غير وارد؟ احتمال أنه يقصد (ب)، واحتمال أنه يقصد (ج)، وأخيراً بعد البحث والتحليل والمناقشة وصلنا إلى نتيجة أنه يقصد فلاناً رقم (ج) مثلاً، ومن ثم خذ ما يترتب على ذلك. فعندما ننزل الكلام على معين لابد أن نسيء الفهم، أما عندما نأخذ الكلام ككلام عام ولا ننزله فإن الأمر يكون سهلاً. والنبي ﷺ كان يفعل ذلك، فكان كثيراً ما يقول: (ما بال أقوام نستعمل أحدهم على عمل، فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي إلي)، وكان ﷺ يقصد شخصاً معيناً ومعروفاً. ولما قال ﷺ : (ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله) كان يقصد أقواماً معينين. لكن هذا شيء، وأن تكون القاعدة عندنا أن ننزل الكلام على معينين، وبناءً عليه نسيء الفهم؛ فهذا شيء آخر لا يصح.

стр. 1712

القول باللازم السبب السادس: القول باللازم: يعني أن أقول: يلزم من كلامك كذا وكذا، فعندما أقول مثلاً: إن الأساتذة في المدارس هم البوابة لهذا المجتمع، وهم الذين يصنعون الجيل، ويتحملون المسئولية عن صياغة الجيل، وإلى غير ذلك، فيأتيني إنسان يقول: يلزم من كلامك أن العلماء ليس لهم قيمة، وأن خطباء الجوامع ليس لهم قيمة، وأن القضاة ليس لهم قيمة، وهكذا يرتب على كلامك لوازم معينة. وتعرفون أنتم القاعدة الشرعية عند أهل العلم في التعامل مع اللازم، فيقولون: لازم الكتاب والسنة حق، أما لازم المذهب فمسألة يبحثها العلماء، فلازم المذهب هل هو مذهب أم لا؟ يعني: لازم قولي أنا هل هو قول لي أم لا، حتى أفترض أنه فعلاً يلزمني. فباختصار: ليس هذا وقت تقرير هذه المسألة، لكن نقول: هذا اللازم له ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن تلزمني به فألتزم، أي: أن تقول لي مثلاً: إنه يلزم من كلامك كذا وكذا، أقول: نعم، أنا أعتقد كذا وكذا، الآن صار هذا قولاً لي بلا إشكال. الحالة الثانية: أن تلزمني به فلا ألتزم، بأن تقول مثلاً: إن كلامك يلزم منه كذا وكذا، فأقول لك: لا يلزم من كلامي كذا وكذا، أو أنا لا أقصد كذا، فالآن لا إشكال أنه ليس قولاً لي. لكن هناك شخص ليس عنده قاعدة، تقول له: أنا لا أريد كذا، أنا أعتقد كذا، فيقول لك: بل أنت تعتقد كذا، وتريد كذا، فهؤلاء ليس لنا معهم حديث، هذا إنسان سيئ النية، أو إنسان مغرض، أو عنده مشكلة ثقة، وأزمة ثقة، وليست القضية قضية فهم. الحالة الثالثة: وهي التي يقع فيها النقاش الآن، وهي أن يفتي فلان بفتوى، أو يذكر في كتاب رأياً أو قولاً فيلزم منه كذا، فهل يمكن أن نقول: إنه يعتقد كذا، أو يرى كذا، فأفتى في مسألة فقهية معينة، كأن قال مثلاً: من فعل كذا فإن طهارته باطلة، فنقول: إنه يلزم منه مثلاً أن صلاته باطلة، ويلزم منه كذا وكذا، فهل نلزمه بهذه الفتوى؟ فنقول مثلاً: عندما يفتي الإمام أحمد بفتوى، فيلزم منها فتوى أخرى أو رأي آخر، هل نقول: إن الإمام أحمد يرى هذا اللازم فنجعله مذهباً له أم لا، وذلك بدون أن يلتزمه أو ينفيه؟ الصحيح أن لازم القول ولازم المذهب ليس مذهباً؛ لأن الإنسان بشر، قد تقول: إن كلامك يلزم منه كذا، فأقول: أنا أعترف لك أن كلامي يلزم منه كذا، لكني لا أعتقد هذا، فنتيجة حماس إنسان، أو نتيجة موقف مناظرة، أو نقاش مثلاً قد يقول كلاماً غير موزون، فيغيب عنه اللازم؛ لأن الإنسان بشر، أو قد لا يسلم لك، فيقول: لا أسلم لك أصلاً أن هذا يلزم منه كذا وكذا. على كل حال ليس هذا مجال تقرير هذه المسألة الأصولية، المقصود منها: أن لازم المذهب ليس مذهباً، وأن لازم القول ليس قولاً، خاصة أننا نفرط في اللوازم.

стр. 1713

عدم إدراك أطراف الموضوع السبب السابع: عدم إدراك أطراف الموضوع: إنسان يتكلم في موضوع لم يدرك أطرافه إدراكاً كاملاً، فمثلاً: شخص كتب كتاباً عن مشكلة من المشاكل، فأتيت أنت وقرأت مقطعاً منه، وانتزعت المقطع، ففصلته عما قبله وما بعده فتعطيني إياه، فأقول لك: نعم، ما في شك أن هذا يحتمل كذا وكذا، لكن لو كنت أعرف الموضوع الذي يتحدث عنه، وأدركت أطراف الموضوع كله، سأفهم القضية فهماً آخر. دعونا نضرب مثالاً في هذه المحاضرة: واحد ما حضر معنا الجزء الأول، عندما يأتي يقول: أنت الآن تشن حملة على من يسيء الفهم، وأصحاب النبي ﷺ وقعوا في خطأ في الفهم، وكلامك يلزم منه أنك تنتقص أصحاب النبي ﷺ ، وهذا أنك سيئ المعتقد لأن قلبك ليس سليماً لأصحاب النبي ﷺ . فهذا لو أدرك أطراف الموضوع كله؛ لعلم أني تحدثت عن هذه القضية، وإذا كان يلزم من كلامي هذا فأنا لا ألتزم، فهو أحياناً لا يعرف ما هي المشكلة، فكم يثار نقاش حول قضية من القضايا بين عالمين فيدخل فيها أفواج لا يعرفون ما هي القضية أصلاً، ولا يستطيع الواحد منهم أن يستوعب القضية موضع الخلاف.

стр. 1714

الربط المتكلف السبب الثامن: الربط المتكلف: أن يقول كلاماً هنا وكلاماً هناك، فيربط بينها برابط، فيقول مثلاً: أنا عندما آخذ كلامك في هذه المحاضرة، وكلامك الآخر الذي قلته في خطبة الجمعة، والكلام الذي قلته في الفصل، والكلام الذي قلته في المجلس، سأحصل على نتيجة معينة. أو أنت قلت كلاماً، وفلان قال هذا الكلام، إذاً: هذا دليل على أن بينكما ارتباطاً وتنسيقاً، وهذا يعني أنك توافق فلاناً على هذا الاتجاه. بعض الناس عنده استعداد أنه يربط مباشرة افترض أني أقول: قال فلان من الناس، فعندما تقول: قال فلان، فهذا يعني أنك لك به علاقة، أو أنك تقول بأخطائه، ففلان يقول كذا وكذا، وحين تستشهد بكلامه فهذا يعني أنك تقره، أو أن بينك وبينه علاقة. وكم نرى أحياناً من اتهامات ليس لها أساس، مثل أن فلاناً له علاقة مع فلان، أو أن فلاناً ينتمي إلى مدرسة فكرية أو مذهبية، أو إلى توجه معين، وفي النهاية كلها أوهام مع أوهام حتى تصل إلى قناعة عندنا.

стр. 1715

التصحيف وركاكة الفهم السبب التاسع والأخير: التصحيف، وركاكة الفهم: فالتصحيف مثلاً أن يقرأ كلمة قراءة خاطئة، أو يسمعها سماعاً خاطئاً، وهو مشهور عند أهل الحديث، فمثلاً: النبي ﷺ احتجر موضعاً في المسجد، فرواه أحد الرواة: (احتجم النبي ﷺ في المسجد) فجعل بدل الراء ميماً. ومن التصحيف في اللفظ قول النبي ﷺ : (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال)، رواه أحد الرواة فصحفت عليه فرواه: وأتبعه شيئاً من شوال. وهذا مبحث مشهور عند المحدثين. ومن التصحيف التصحيف في المعنى، فمثلاً: أبو موسى العنزي قال: صلى إلينا النبي ﷺ ، وهو من قبيلة عنز، وذكر الحديث أن النبي ﷺ صلى إلى عنزة، فتوهم أنه صلى إلى قبيلة عنزة، بينما العنزة معروفة وهي العصا، فهذا الآن ما تصحف عنده اللفظ، لكن تصحف عنده الفهم والمعنى، وهذا مشهور في كتب مصطلح الحديث. بل هناك كتب خاصة في التصحيف وأغلاط المحدثين، تجد فيها نماذج وأمثلة حول هذا، ومنها أمثلة طريفة، وأنا أذكر مثلاً أننا كنا مرة في مناسبة فقرأ واحد في مجلس ورقة فيها خبر، وفي النهاية قال: حرر في بيت فلان وفلان، فأدخل الورقة، وجلسنا نتناقش، فقال واحد: إن بيت فلان حرق، فتناقشنا كيف حرق؟! ونحن جازمين بالنتيجة، قال: قرأها الأخ في الورقة، سمع (حرر)، فرأى أنها (حرق). وأحياناً ركاكة الفهم، بعض الناس كما يقال: تقول له زيد فيكتب خالداً ويقرؤه عمراً ويفهمه بكراً وفهمه ثقيل، وهذا ليس له حل، لكن نقول له: إذا كان فهمك ثقيلاً، فلا تحاكم الآخرين إلى فهمك. فبعض الناس بليد لا يفهم؛ ولهذا يلزم الآخرين بفهمه، وهو حسن النية، وليس عنده أصلاً سوء ظن، ولا تصحيف ولا تحريف، لكن فهمه لا يمكن أن يصل به إلا إلى هذا الحد. ولهذا أيضاً ينهون عن أن يحدث الناس بما لا يعرفون: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله)؟! ويقول ابن مسعود ﵁: (ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة). فهناك طبقات من الفهم والاستيعاب، فيجب أن نراعي هذه القضية، فأنا عندما أتحدث مع عامة، أو طلاب صغار، قد يكون الكلام حقاً، لكن قد لا يسوغ أن أقوله أمام العامة؛ لأن عقولهم لا تبلغه، فهناك من عقله لا يبلغ فهم هذا الأمر، فيفهم فهماً سيئاً.

стр. 1716

مقترحات للعلاج بعد ذكر هذه الأسباب ننتقل إلى بعض المقترحات للعلاج، ونحن عندما ندرك الأسباب سندرك العلاج مباشرة، لكنني سأشير إشارة عاجلة إلى بعض الأسباب المهمة التي يمكن أن تعيننا على التخلص من نتائج سوء الفهم:

стр. 1717

حسن الظن بالمسلمين أولها: حسن الظن بالمسلمين: أي: أن تكون القاعدة عندنا حسن الظن بإخواننا، وكم ترى ممن يتشبه بهدي الخوارج الذين يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، فالمجرمون والطغاة والمفسدون في الأرض يجد لهم ألف تأويل، أما إخوانه فلا يمكن أن يجدوا تأويلاً لديه، فضلاً عن أن يكون الأصل عنده حسن الظن. فأين القواعد الشرعية يا إخوة؟! فكم تغيب عنا هذه المعاني، فالأصل أن يحسن المرء الظن بإخوانه المسلمين، فعندما يقول المسلم كلاماً يحتمل (أ) ويحتمل (ب) فيجب أن أحمله على أحسن محمل، فأقول مثلاً: فلان قال هذا، لكن هذا القول لا يليق به، فلا أتصور أنه يقصد كذا، أو لا أتصور أنه يريد كذا، إنما أتصور أنه يريد الأمر الآخر. وأحياناً يكون الاحتمال (أ) بنسبة (٨٠%)، لكن الاحتمال (ب) بنسبة (٢٠%)، ويكون الاحتمال (ب) هو الأولى ظناً؛ فينبغي أن أحمله على هذا المحمل. ثم ما المشكلة عندما أحسن الظن بفلان، وأكتشف أنه على خلاف ذلك؟! لا توجد مشكلة. وكم نرى ممن يقيم معارك داخل الصف لأجل قضايا تافهة كلها كانت ناتجة عن إهماله لهذا الأدب الشرعي، ألا وهو حسن الظن بإخوانه المسلمين. فنحن يجب أن نحسن الظن بالمسلمين ابتداءً، فضلاً عن طلبة العلم، فضلاً عن أهل العلم والدعاة، والناس الذين يتصدون لخدمة دين الله ، ولا يسوغ أن يقرأ المسلم الخير العادي في الصحف، أو يسمع تقارير سياسية عن الدعاة، فيحملهم على هذا المحمل وهو قد جرب على هذه الصحف كذباً، فكم نقرأ في صحف أو وسائل إعلام نعرف أنها سيئة عن بعض المشاكل التي تحصل في الخارج، فنحكم على إخواننا من خلال ما قاله هؤلاء، ولا نحسن الظن بإخواننا. فأقول: يجب أن تكون عندنا قاعدة أن نحسن الظن بإخواننا المسلمين عموماً، فضلاً عن الناس الذين يتصدون للخير، والذين ظاهرهم الخير والصلاح. نعم، هناك من يتستر، وهناك أناس سيئون، لكن لا يمكن أن تقودنا الغيرة على الدين والإسلام إلى أن نفتش عن الأخطاء والعيوب.

стр. 1718

عدم تتبع الزلات خطوة أخرى أيضاً: ألا نعمد إلى تتبع عورات الناس وزلاتهم، ومن تتبع عورات إخوانه المسلمين تتبع الله عورته؛ حتى يكشفه ولو في جوف بيته، وتتبع الزلات والعورات والأخطاء وتصيدها مظهر من مظاهر مرض القلب، عافانا الله وإياكم. والبشر لابد أن يقعوا في الخطأ أياً كان، لكن حين لا نسأل إلا عن الزلات، ولا نبحث إلا عن الأخطاء، فلابد أن نصل إلى مثل هذه النتائج، وهب أن فلاناً أخطأ، أو قال ما لا يليق، أو فعل ما لا يليق، فإن هذا لا يصح أن يكون مدعاة إلى أن تبحث عن مرادف لهذا الخطأ، ثم تبحث عن ثالث، ثم عن رابع؛ حتى تصل إلى نتيجة وقناعة تريدها نفسك.

стр. 1719

الدقة في النقل ثالثاً: الدقة في النقل: فأنت عندما تنقل يجب أن تنقل الكلام بلفظه وحروفه، ثم بعد ذلك من حقك أن تذكر فهمك، لكن يجب أن يعلم الجميع أن هذا فهمك، وليس هذا هو ما يقصده. وأيضاً يجب أن نفرق، فقد يحدثني شخص صالح موثوق، لكنه يحدث عن فهمه هو، وعن تقييمه هو للقضية. فمثلاً: رجل صالح لا أشك فيه، ولا يمكن أن يتعمد الكذب، لكنه ينخدع بالظواهر، فجاء إلى بلد والتقى بمجموعة من الناس، فحدثوه عن فلان، فجاءنا فقال: رأيت أهل البلد يقولون كذا وكذا، أو جاء فرأى موقفاً وحكم عليه هو، فأنا عندما يقول لي: قال فلان كذا وكذا، لا أتهمه، لكن عندما يأتيني بفهمه هو، ففهمه ليس ثقة، فيبقى مجال للنقاش، عندما يروي لي رواية للحدث فيقيم هذا الحدث، يجب أن نفرق بين روايته هو وبين حكمه وتقييمه للنتيجة التي وصل إليها.

стр. 1720

الجمع بين المتفرق رابعاً: الجمع بين المتفرق: من العجب أن تجد شخصاً يلزم بمسألة وهو قد صرح بنفيها في موضع آخر، أضرب لكم مثالاً عن سيد قطب ﵀ فقد كان أديباً، والأديب يستطرد، فقال في سورة (قل هو الله أحد): إن المسلم يشعر بأن هذا الوجود صادر عن واحد، فلا يرى إلا الله . فهذه عبارة توهم منها أنه يرى وحدة الوجود، فجاء البعض وقال: إنه يرى وحدة الوجود، بينما هو قد صرح في موطن آخر أنه لا يرى وحدة الوجود، وصرح بانتقاد أصحاب وحدة الوجود بالاسم، وانتقد ما هم عليه، فهذا الكلام يعطيك قناعة أن الرجل ما يعتقد هذا، وإلا لما صرح به. الرجل كان له مواقف مع جمال عبد الناصر ومع حمزة البسيوني، ومع غيرهما من الطغاة؛ فهل كان يعتقد أن جمال عبد الناصر هو الله مثلاً؟ لأن أصحاب وحدة الوجود يرون أن كل شيء هو الله، لو كان يعتقد أنه الله لما حدثت بينهما مشكلة. عندما نكون منصفين فسنصل بداهة إلى هذه النتيجة. صورة أخرى أيضاً من الشخص نفسه، عندما تحدث عن الكون وخلق الله ، يقول: إن المسلم يرى أن هذا الكون من خلق الله ، فهو يحب كل ما في هذا الكون؛ لأنه يرى أن هذا الكون صادر عن الله ، هذه عبارة شخص أديب، فجاء رجل فاضل، فقال: هذا يترتب عليه أنه يحب الشياطين، ويحب الكفار! مع أن له مواقف واضحة من اليهود والنصارى والكفار إلى غير ذلك. شخص يقول كلاماً فيفهم منه أنه يرى رأياً ما، بينما تراه قد ألف كتاباً كاملاً في تفنيد هذا الرأي ومناقشته، فهل يمكن أن نتهمه بعد ذلك بأنه يقول هذا الرأي؟! هذا منطق غير مقبول، ولهذا يجب أن ندرك شخصية الإنسان عندما نريد أن نحكم عليه، فننظر ما عنده، وما هي منطلقاته، فأنا مثلاً أقول هذا الكلام عن سيد قطب ﵀، فيأتيني شخص ويقول: إنه ما وقع في خطأ؟ فأقول له: بل وقع في خطأ، فهو يخطئ مثلما يخطئ غيره، لكن لا يدعونا هذا إلى أن يكون الخطأ عندنا هو القاعدة، وأن نحاكم الرجل على كل موقف قاله، فنبدأ نقيم ونراجع، وأنه يقصد كذا ويقصد كذا، وكذا غيره من علماء الإسلام السابقين، الذين ألزموا بلوازم لا يقولون بها أصلاً. هذه خواطر عاجلة حول هذا الموضوع، وأرجو ألا أكون أنا وقعت في سوء الفهم حين تحدثت عن سوء الفهم، وأيضاً ألا يساء فهم ما قلته وأنا أتحدث عن سوء الفهم. وأسأل الله أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجنبنا وإياكم الزلل في القول والعمل، ونترك بقية الوقت للإجابة على أسئلة الإخوة.
следующие страницы →